← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

إلى المصر قبل الليل حتى يأويه الليل في منزله، جاز ذلك، وشبّهوه بصَرصَر (١) من بغداد؛ وذلك لأنّ المسافة بين المصر وسواده، لا يعتدّ بها، فصار كمن مات في محلّةٍ، فأحجّوا عنه من محلّةٍ أخرى. ١١٣١ - فَصْل: [ما فضل من المال بعد الحج] وما فضل في يد الحاج عن الميت بعد النفقة في ذهابه ورجوعه، فإنّه يردّه على الورثة، ولا يسيغه أن يأخذ ما فضل من ذلك في يده؛ [وذلك] لأنّ الاستئجار على الحجّ عندنا لا يجوز، وإنما ينفق الحاجّ على حكم ملك الميت فيما يحتاج إليه للحجّ والرجوع، فما بقي بعد ذلك فهو على حكم ملك الميت، لم يؤذن [له] في إنفاقه، فيرجع إلى الورثة. والدليل على أنّ الاستئجار على الحجّ لا يجوز - خلاف ما قاله الشافعي -: أنّ الحج من شرطه أن يكون قُربةً لفاعله، فلا يجوز الإجارة عليه، كالصوم والصلاة. ١١٣٢ - فَصْل: [حجّ من لم يحج عن نفسه عن الميت] قال: وإن حجّ عن ميتٍ من لم يحجّ، أجزأه، ومن قد حجّ أفضل، وقال الشافعي: لا يجوز للصرورة (٢) أن يحجّ عن غيره.

стр. 1297

لنا: قوله ﷺ للخثعميَّة: "حجّي عن أبيك"، ولم يسألها عن الحجّ عن نفسها؛ ولأنّه ممّن يصحّ أن يحجّ عن نفسه، فجاز أن يحجّ عن غيره، كمن قد حجّ؛ ولأنّ كل عبادةٍ جاز للحرّ النيابة فيها، جاز للعبد النيابة، كأداء الزكاة (١). وإنّما قلنا: إنّ الأفضل أن يُحِجّوا من قد حجّ؛ لأنّ الإنسان إذا حصل بمكة، أُمر بأن يؤدي فرائض نفسه، وكُرِه أن يقدِّم على ذلك غيره، فإذا حجّ حجًا مكروهًا، كان (٢) غيره أفضل (٣). وقد قال أصحابنا: [إنَّ] مَنْ لم يحجّ حجّة الإسلام، فحجّ نافلةً جاز، وقال الشافعي: يقع عن الفريضة (٤). لنا: أنّ الحج عبادةٌ يجوز تأخير فعلها عن أول وقتها، فجاز [نفلها] قبل فرضها، كالصلاة. قال: وإن أحجّوا امرأةً عن رجل، جاز، وقد أساؤوا. أمّا الجواز؛ فلقوله ﷺ للخثعمية: "حُجّي عن أبيك"؛ ولأنّ ما جاز للرجال النيابة فيه، جاز للمرأة، وأمّا الكراهة؛ فلأنّ حجّها أنقص، ألا ترى أنّها لا ترمل في الطواف، ولا تسعى في بطن الوادي، ولا تحلق.

стр. 1298

قال: وإن أحجّوا [عنه] عبدًا أو أمةً بإذن المولى، جاز وقد أساؤوا، وقد دلَّلنا على جوازه، وأمّا الإساءة؛ فلأنّ العبد لا يصحّ أن يؤدي الفرض عن نفسه، فيكره له أن يؤديه عن غيره. ١١٣٣ - فَصْل: [الوَصِيَّة بالحجِّ عنهُ وله مَالٌ] [قال]: وإذا أوصى رجلٌ أن يُحَجّ عنه، وله مالٌ، فتطوّع رجلٌ بحجٍّ عنه، لم يجزِ عنه حتى يحجّ بماله، وكذلك لو تطوّع بالحج عنه وارثٌ، وكذلك الذي لا يقدر على الحج لِكِبَرٍ إذا حجّ عنه [غيره] بغير أمره؛ وذلك لأنّ الفرض تعلّق بماله، فإذا تطوّع بالحج عنه، فلم يؤد فرضه (١)؛ ولأنّ على أصل محمد: أنّ الذي يلحق المحجوج عنه ثوابُ النفقة، فإذا لم ينفق ماله، لم يحصل المقصود بالوصية. ١١٣٤ - فَصْل: [عدم البلوغ بوصيّة الحج بالمال المسمى] قال هشام عن محمد: في رجلٍ أوصى أن يُحَجّ عنه بمالٍ مُسمَّى، فلم يبلغ ما أوصى به أن يُحجّ به عنه إلا ماشيًا، فقال رجل: إني أحجّ [عنه] من بلده ماشيًا، قال محمد: لا يجزئه، ولكنه يُحجّ عنه من حيث يبلغ راكبًا، وقال الحسن على أثر حكاية أبي حنيفة: إن أحجّوا عنه من بلده ماشيًا، جاز، وإن أحجّوا من حيث يبلغ راكبًا جاز. والكلام في هذه المسألة يقع في أنّ الموصي بالحجّ إذا اتسعت نفقته للراكب، فأحجوا عنه ماشيًا، لم يجز؛ لأنّ الوصية تنصرف إلى [ما] فرض الله

стр. 1299

تعالى عليه، والفرض إنما وجب بوجود الزاد (١) والراحلة، فكأنه سمَّى ذلك، وقال: أحجّوا عني راكبًا، فلا يجوز ماشيًا. فإذا ثبت هذا قلنا: إذا أمكن الحج عنه راكبًا من بعض الطريق، لم يحجّوا عنه ماشيًا؛ لأنّ الوصية لم تتعلّق بذلك. وجه رواية الحسن: أنّ الفرض متعلّقٌ بحجّ الراكب، وبالحجّ من بلده، ولا يمكن تحصيل الأمرين، وفي كلّ واحد منهما نقصٌ من وجهٍ، وكمالٌ من وجهٍ، فإن أحجوا [عنه] من بلده، استوفوا المسافة، وقصَّروا في الصفة، وإن أحجّوا من حيث يبلغ راكبًا (٢)، تركوا المسافة، واستوفوا الصفة، فكانوا بالخيار في ذلك. ١١٣٥ - فَصْل: [الدماء المتعلقة بالإحرام عن الغير] وإذا حجّ الرجل عن غيره، فما أصاب في إحرامه ممّا يوجب الدم أو غير ذلك، فهو على الحاجّ، ودم القران عليه إذا قرن عن الميت بأمره (٣). وقد قالوا: إنّ جميع الدماء المتعلّقة بالإحرام في مال الحاج، إلا دم الإحصار خاصّةً، فإنه في مال المحجوج عنه. أمّا ما وجب بالجنايات؛ فلأنه تعلّق بفعله، وما تعلّق بجناية الإنسان فهو في ماله؛ ولأنّه أذن له في الحج، ولم يأذن [له] في أسباب الكفّارة، فلم تلزمه.

стр. 1300

وأمّا دم القران؛ فلأنّه وجب للجمع بين الإحرامين، والجمع حصل بفعل الحاج، فصار كدم الجناية الواجب بفعله. وأمّا دم الإحصار؛ فلأنّه يجب بالتخلّص من مشقة السفر، فهو كنفقة الرجوع. ١١٣٦ - فَصْل: [حصول الجماع من الحاج عن الغير] فإن جامع الحاجّ عن غيره قبل الوقوف بعرفة، فسد حجّه، ويمضي فيه، والنفقة في ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، ويقضي الحاجّ من مال نفسه حجةً وعمرةً؛ وذلك لأنّه أمره بحجٍ صحيحٍ، فإذا أفسده فقد خالف الآمر، فصار متصرّفًا لنفسه، والحاجّ عن نفسه يضمن ما أنفقه من مال غيره، ويجب عليه القضاء على ما بيّنا. قال: فإن فاته الحجّ، صنع كما يصنع الذي يفوته الحجّ، ولا يضمن النفقة؛ لأنه لم يوجد منه المخالفة، والفوات بغير فعله، فلا يلزمه الضمان. وعليه في نفسه الحجّ (١) من قابلٍ؛ لأنّ الحجة لزمته بالدخول، فلمّا فاتت لزمه القضاء، وهذا ظاهرٌ على قول محمد: أنّ الحجّة تقع عن الحاجّ. وقد قالوا: فيمن حجّ عن غيره، فمرض في الطريق، لم يجز أن يدفع النفقة إلى من يحجّ عن الميت، إلا أن يكون أذن له في ذلك؛ لأنهم أمروه بالحج، ولم يأمروه بالأمر، فلم يجز تصرّفه في غير ما أُذِن له فيه. وقد قالوا: في الميت إذا لم تبلغ وصيته للحجّ من بلده، حُجّ عنه من حيث تبلغ، فالحيّ إذا أَمر أن يُحَجّ عنه بمبلغٍ، ولم تبلغ النفقة من بلده، لم يُحَجّ عنه

стр. 1301

من حيث تبلغ؛ لأنّ الميت لا يمكن الرجوع إلى إذنه، فوجب تنفيذ وصيته على أي وجهٍ أمكن، والحيّ يمكن الرجوع إلى أمره، ليستدرك حقّ نفسه، فلم يجز أن يُفعَل عنه ما لم يأمر به. ١١٣٧ - فَصْل: [الحاجّ عن الميت يقيم بمكة بعد الأداء] وقالوا: إذا أحجّوا عن الميت رجلًا يؤدِّي الحجّ ويقيم بمكّة، جاز؛ لأنّ الفرض أداء المناسك، وقد حصل ذلك. وقالوا: وإن أحجّوا من يحجّ من بلد الميت ويرجع إليه أفضل (١)؛ لأنّ الميت إنما يحصل له ثواب النفقة، فإذا حصل في الذهاب والرجوع، فهو أولى (٢).

стр. 1302

بَابْ: ما يكون به الحاج عن غيره مخالفًا وما لا يكون قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا أمر الرجل بأن يحجّ عن ميتٍ، فقرن عنه، أو [أمر] أن يعتمر عنه عمرةً مفردةً، فقرن المأمور عن الميت، فهو ضامنٌ للمال الذي أخذ في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجزئ ذلك عن الميت، نستحسن وندع القياس فيه، ولا يضمن، ودم القِرَان على المُحْرِم. وجه قول أبي حنيفة: أنّه أُمِر بسفرٍ يؤدي به الحجّ، فإذا أدَّى [به] حجةً وعمرةً، فقد جعل بعض السفر للحجّ [وبعضه للعمرة]، وهذا مخالفٌ للمأمور به، فضمن؛ ولأنّ ما لم يُؤمر به من أداء (١) النسك، إذا فعله لم يجز أن يقع عن الميت بغير أمره، ولا أمر من له ولايةٌ عليه، فصار حاجًّا عن الميت ومعتمرًا عن نفسه، ولو فعل ذلك، ضمن في الرواية المشهورة عنهم، وإن كان أبو يوسف يخالف في ذلك. وجه قولهما: أنّه فعل المأمور به وزاده خَيرًا، فصار كمن قال: اشتر لي هذا العبد بألفٍ، فاشتراه بأقلّ، أو أمره أن يبيعه بألف، فباعه بأكثر. وإنّما كان الدم على الحاجّ؛ لأنّه وجب بفعله، وهو الجمع بين الإحرامين.

стр. 1303

١١٣٨ - فَصْل: [المأمور بالحج عنه اعتمر ثمّ حجّ من مكة] قال: ولو أمر أن يُحَجّ عنه، فاعتمر، ثم حجّ من مكة، ضمن النفقة في قولهم؛ لأنّه أدَّى بالسفر غير المأمور به، وفَعَل الحجّ من غير سفرٍ، فضمن النفقة. وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا دفع إليه مالًا ليحجّ به عن ميِّتٍ، فحجّ عنه، وأحرم عن نفسه بعمرةٍ جمع بينهما، قال: فذلك جائزٌ، واقسِم النفقة على الحجّ والعمرة، فاطرح عن الحجّ ما أصاب العمرة، ويجوز ما أصاب الحج. وهذا الذي قاله أبو يوسف خلاف المشهور من قولهم؛ لأنّه إذا أدّى بالسفر حجًا عن الميت، وعمرةً عن نفسه، فلم يصرف السفر إلى الحجّ، فصار مخالفًا. ولا يمكن أبا يوسف أن يقول: إنّه فعل المأمور وزاده خيرًا؛ لأنّ العمرة ليست عن الميت، إلا أنه يقول: حصل له الحجّ، وأسقط عنه بعض النفقة، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ الغرض من الحجّ عن الغير ما يحصل من ثواب النفقة، فإذا أسقط عنه بعض النفقة، لم يحصل له الغرض من ثوابها. قال: ولو أمره أن يعتمر، فاعتمر، ثم حجّ عن نفسه، لم يكن مخالفًا؛ لأنّه أدى بالسفر العمرة على ما أمره، وإنّما فعل بعد ذلك الحجّ، فالتشاغل به كالتشاغل بالتجارة، إلا أنَّ النفقة في مقدار مقامه للحجّ في ماله؛ لأنّه أقام لمنفعة نفسه. ١١٣٩ - فَصْل: [أداء الحج عن الميت ثم أضاف عمرة لنفسه] قال ابن سماعة في الرقِّيات عن محمد: إذا حجّ عن الميت، وطاف لحجته

стр. 1304

وسعى، ثم أضاف إليها عمرةً عن نفسه، لم يكن مخالفًا؛ [وذلك] لأنّ هذه العمرة يجب رفضها، فصار وجودها وعدمها سواءً. قال: ولو كان جمع بينهما، ثم لم يطف حتى وقف بعرفة، فرفض العمرة، لم ينفعه ذلك بشيءٍ، وهو مع ذلك مخالفٌ؛ وذلك لأنّه لمّا أحرم بهما معًا، صار مخالفًا على المشهور من الرواية، فوقعت الحجّة عن نفسه، فلا يتغيّر بعد ذلك وإن رفض [العمرة]. ١١٤٠ - فَصْل: [المأمور حجّ لآمِرَين معًا] قال: وإن أمره رجلٌ أن يحجّ عنه حجّةً، وأمره آخر أن يحجّ عنه حجةً، فحجّ عنهما جميعًا (١)، فإنّه مخالفٌ، ويضمن الدراهم كلّها (٢)؛ [وذلك] لأنّ الحجة الواحدة لا يجوز أن تقع عن الآمرين، وليس أحدهما أن يقع عنه بأولى من الآخر، فلم يقع عن واحدٍ منهما، فكانت عن الحاجّ. ١١٤١ - فَصْل: [المأمور حج لأحدهما واعتمر لآخر بالجمع] قال: ولو أمره أحدهما بحجّةٍ، وأمره الآخر بعمرةٍ، ولم يأمراه بالجمع، فجمع، جاز، وكان هدي المتعة على الحاجّ في ماله، وهذا الذي قاله لا يجوز على قول أبي حنيفة، إلا أن يأمراه بالجمع؛ لأنّ الأمر وقع بسفرٍ ينصرفُ جميعه إلى الحجّ، فإذا أدّى به حجّةً وعمرةً، لم يصح (٣).

стр. 1305

وإنّما يصح هذا على ما روي عن أبي يوسف: أنّ من حجّ عن الميت، واعتمر عن نفسه، جاز؛ لأنّه حصل له المقصود وأسقط عنه بعض النفقة. ١١٤٢ - فَصْل: [المأمور أحرم بحجة لأحدهما لا بعينه] قال: ولو أمره كلّ واحدٍ منهما بحجّةٍ، فأحرم بحجّةٍ عن أحدهما، لا ينوي بعينه، فله أن يعيِّنه (١) عن أيهما شاء في قول أبي حنيفة ومحمد استحسانًا، وقال أبو يوسف: يقع ذلك عن نفسه، ويضمن النفقة. وجه قولهما: أنّه يملك في الابتداء (٢) الإحرام عن أحدهما، فإذا أحرم عن أحدهما بغير عينه، ثم عيَّنه، جاز، كما لو أحرم عن أحد أبويه، ثم عيَّنه، يبيِّن ذلك: أنّه لمّا ملك أن يُحرم عن نفسه بحجةٍ معيّنةٍ أو عمرةٍ [معيّنةٍ] ابتداءً، فإذا أحرم بشيءٍ غير معيّن جاز أن يعيّن في الثاني ما كان يملك أن يُعيِّنه ابتداءً، فكذلك هذا. وليس كذلك إذا أحرم بحجّةٍ عنهما؛ لأنّ الحجة لو صحّت عنهما، صار لكلّ واحدٍ منهما بعضها، فلا يجوز أن يحجّ عن غيره بعض حجّةٍ، فلم يقع الفعل [موقع الأمر]، فوقع عن نفسه. وجه قول أبي يوسف: أنّه أُمِر بإحرامٍ معيّنٍ، فإذا أحرم بغير معيَّنٍ لم يصحّ عن الآمر، كما لو أحرم عنهما، وليس هذا كإحرامه عن أحد أبويه؛ لأنّ هناك لو أحرم عنهما جاز، فكذلك عن أحدهما.

стр. 1306

والذي قاله أبو يوسف: يَبطل بمن أُمِر بالحجّ، فأحرم بشيءٍ غير معيّنٍ، ثم جعله حجًا. ١١٤٣ - فَصْل: [المأمور لم يعين عن أحدهما حتى طاف] قال محمد: فإن لم يجعله عن أحدهما حتى طاف شوطًا، ثم أراد أن يجعل الحجّ عن أحدهما، لم يجز عن واحدٍ منهما؛ لأنّ الإحرام يجوز أن ينعقد بمجهولٍ ثم يتعيَّن قبل الفعل، فكذلك ينعقد عن مجهولٍ ثم يتعيَّن، فأمّا أن تبقى الجهالة حتى يؤدي بها الأفعال، فلا، ألا ترى أنّ من أحرم بشيءٍ غير معيَّنٍ، ثمّ طاف قبل التعيين يعيِّن بالفعل عمرةً، فلما لم يتعيَّن في مسألتنا حتى طاف، وجب أن يتعيَّن المجهول بطوافه، ولا يمكن أن يتعيّن عن أحدهما لتساويهما، فتعيَّن عنه. ١١٤٤ - فَصْل: [الإهلال بالحجة عن أبويه] قال: وإذا أهلّ بحجّةٍ عن أبويه، فله أن يجعلها عن أيهما شاء؛ وذلك لأنّ المقصود بالحج عن الأبوين الله تعالى والثواب، وهو معلومٌ، فلم تؤثر الجهالة. وليس كذلك الحجّ عن الآمِرَين؛ لأنّ المقصود الآدميّ، والجهالة يجوز أن تؤثر في حقّه. ١١٤٥ - فَصْل: [المأمور حَجَّ ماشيًا مع دفعه له مالًا للحج] قال ابن رستم عن محمد: في رجلٍ دفع إلى رجلٍ دراهم ليحجّ بها عن ميت، فحجّ بها ماشيًا، قال: يضمن، ويحجّ عن الميت راكبًا؛ وهذا لما قدّمنا:

стр. 1307

أنّ الذي يحصل للميت ثواب النفقة، وذلك يوجد في الركوب، فأمّا الماشي فلا تكمل نفقته، فلا يحصل للميت المقصود؛ لأنّ الله تعالى أوجب الحج راكبًا، ولم يُوجبه ماشيًا، والأداء يقع بحسب الإيجاب. وقد روي عن محمد: أنه قال فيمن حجّ على حمارٍ عن الميت: كرهت [له] ذلك، والجمل أفضل؛ لأنّ النفقة في ركوب الجمل أكثر منها في ركوب الحمار، والمقصود ما يتحصّل من ثواب النفقة، فما كان أوفر، كان أولى (١). [قال]: وإذا حجّ عن ميتٍ، فقضى حجّه، ثم نوى المقام بمكة خمسة عشر يومًا، أنفق من مال نفسه في مقامه [هذا]، فإذا رجع بعد ذلك، أنفق من مال الميت. قال ابن رستم عن محمد: وكذلك إذا نوى أن يقيم سنةً، أو سنتين. والأصل في هذا: أنّ الإقامة بعد الحجّ إذا كانت إقامةً معتادةً، فالنفقة في مال الميت، وإن زادت على العادة، فهي إقامةٌ لا غرض فيها للميِّت، فلا يلزمه النفقة فيها، كمقامه للتجارة. وقد قالوا: إنه يُنفق من مال الميت إذا أقام بعد الحجّ ثلاثة أيامٍ؛ وذلك لأنّ في زمانهم كان الخروج مُتيسِّرًا من مكة في أيّ حالٍ شاء، فجوّزوا له أن يقيم قدر ما أذن النبي ﷺ للمهاجرين فيه أن يُقيموا بمكة. فأمّا الآن، فلا يمكن الحاجّ عن غيره أن يخرج من مكة إلا مع جملة الناس، فإذا أقام منتظرًا لخروجهم، كانت النفقة في مال الميت وإن طال ذلك، ألا ترى

стр. 1308

أنهم قالوا في الخراساني إذا حجّ عن غيره، فدخل بغداد، فأقام بها مقدار ما يقيم الناس: فالنفقة مال الميت، وإن أقام أكثر من ذلك، فالنفقة في ماله (١)، ومعلومٌ أنّ من أقام الآن أكثر من المعتاد انتظارًا لخروج الناس، فالنفقة في مال الميت؛ لأنّه لا يقدر أن يسبقهم بالخروج. وإنّما قالوا إذا عاد إلى عزم الخروج (٢)، عادت النفقة في مال الميت؛ لأنّ الرجوع تركٌ لما كان اشتغل به ممّا يختصّ بنفقته (٣)، فصار كالرجوع ابتداءً. وهذا إذا لم يكن اتَّخذ مكة دارًا، فأمّا إذا اتخذها دارًا، ثم عاد، لم تعد النفقة إلى مال الميت؛ لأنّ ذلك السفر انقطع حين جعل مكة وطنًا [له]، وما لم يتخذها وطنًا فلم ينقطع حكم سفره. ١١٤٦ - فَصْل: [النفقة في إتيان المأمور بمكة قبل الحج بمدة] [قال]: وإذا تعجّل الإحرام عن غيره، فدخل محرمًا في شهر رمضان، أو في ذي القعدة، قال هشام عن محمد: ينفق من مال نفسه إلى عشر الأضحى، ولا يكون مخالفًا، وقال ابن رستم عنه: ينفق من ماله إلى ما قبل الحجّ بعشرة أيام [أو بثلاثة أيام]، أو قبل ذلك بيومٍ أو يومين (٤) على قدر ما يدخل الناس؛ وذلك لأنّ المقام بمكّة قبل [الوقت] (٥) الذي يدخل فيه الناس، لا يحتاج إليه لأداء النسك

стр. 1309

في الغالب، فلم يكن مأذونًا فيه، كالإقامة بعد الفراغ من الحجّة أكثر من المعتاد. وإنما قال محمد: عشرة أيام، وقال: ثلاثة أيام، على حسب اختلاف العادة في دخول الناس مكة؛ لأنّ الأمر ينصرف إلى الدخول المعتاد، وإنما لم يكن مخالفًا بتقديم الإحرام؛ لأنّه أمره بالحجّ، ولم يعيِّن له وقتًا، فكلّ وقت جاز الإحرام فيه، فقد دخل تحت الأمر. ١١٤٧ - فَصْل: [المأمور أنفق من ماله ومال الميت في الحج] قال: وإذا دفع إليه مالًا ليحجّ [به] عن ميتٍ، فلم يبلغ مال الميت النفقة، فأنفق المدفوع إليه من ماله ومال الميت، فإن كان مال الميت يبلغ الكِراء وعامة النفقة، فهو جائز، وإلَّا فهو ضامنٌ، ويردّ المال، ويحجّ عن الميت من حيث يبلغ؛ وذلك لأنّ مال الميت إذا كان الأكثر، فالأقلّ تبعٌ لا يعتدّ به، ألا ترى أنّ الحاج عن غيره [قد] يشرب الماء في الطريق من مال نفسه، وقد يتزوّد بعض زاده من منزله، وقد يستصحب بعض ثيابه، ولا يعتدّ بذلك، ولو منع هذا الحجّ عن الغير، لم يصحّ حجٌّ عن ميِّتٍ أبدًا. أمّا إذا كان مال الميت الأقل، فالحكم يتعلّق بالأكثر، والأقلّ تبعٌ، فلم يصر مؤدِّيًا للحجّ بمال الميت، فلم يجز [عنه. والله أعلم].

стр. 1310

[٣٣] بَابْ: الهَدْي قال الشيخ [أبو الحسن] رحمه الله تعالى: كل ما ذكرنا في هذا الكتاب أنّ عليه فيه دمًا: فهو شاةٌ، أو شِرْكٌ في بقرةٍ أو بَدَنَةٍ، يكون فيها سابع سبعة؛ [وذلك] لأنَّ الدماء: عبارةٌ عن الغنم، والإبل، والبقر، والمتيقّن منها الأقلّ؛ ولأنّ النبي ﷺ قال في الهدي (١): "أدناه شاةٌ" (٢)، فأمّا سبع البدنة، فهو كالشاة؛ (لأنّ النبي ﵊ اشترك بين الصحابة في البدن عام الحديبية، فذبحوا البَدَنة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ) (٣). قال: ولا تجوز الشركة في الدم حتى يكون كلّهم يريدون القُربة في الذبح، وإن اختلفت وجوه القُرب في ذلك، وقال زفر: لا تصحُّ الشركة حتى تتفق وجوه القُرب. لنا (٤): أنّ المقصود [بالذبح] (٥) اللهُ تعالى، وهو معلومٌ، فـ[صار] اختلاف الجهة واتفاقها سواءٌ.

стр. 1311

لزفر (١): أنّ خروج الروح لا يتبعّض، فإذا اختلفت الجهات، صار كلّ واحدٍ [منهم] كأنّه ذبح ينوي الجهة الأخرى، فلا يجزئهم أمّا إذا كان أحدهم يريد اللحم، لم يجزئهم عندنا، وقال الشافعي: يجوز (٢). لنا: أنّ خروج الروح لا يتبعّض، فإذا خرج بعض البدنة (٣) [من] أن يكون قربةً، بطلت القربة في باقيها، ألا ترى أنّ وقوع الذبح عن اللحم لا قربة فيه؛ ولهذا قال ﷺ لأبي بردة لمّا لم يجز ذبحه عن الأضحيّة: "تلك شاة لحمٍ" (٤)؛ ولأنّ خروج الروح إذا اجتمع فيه الأعلى والأدنى في حقّ الآدميين، بطل الأعلى، كالمسلم والمجوسيّ إذا اشتركا في الذبح. ١١٤٨ - فَصْل: [الهدي في الإبل والبقر والغنم] قال: والهدي من الإبل البقر والغنم؛ لما روي أنّه ﷺ سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاةٌ"، وقال في المبكّر إلى الجمعة: "كالمهدي بدنةً"، ثم: "كالمهدي بقرةً"، ثم: "كالمهدي شاةً" (٥)، فدلّ على أنّ الهدي اسمٌ للجميع. فأمَّا البُدْنُ، فمن الإبل والبقر خاصّة؛ لأنّ البدن مشتقةٌ من البدانة، وهي العِظَم، ولا يكون ذلك في الغنم، والاسم في الحقيقة يختصّ بالإبل، وإنما

стр. 1312

أجري البقر مجراها؛ لأنّ النبي ﵊ سوَّى بينهما في الحكم، وجوّز كلّ واحدٍ منهما عن سبعة. ١١٤٩ - فَصْل: [حالة وجوب البدنة في الحج] قال: ولا يجب في الحجّ بَدَنَةٌ إلا على من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل طواف الزيارة، أو من طاف طواف الزيارة جُنبًا، ثمّ رجع إلى أهله ولم يَعُدْ. وقد روي ذلك عن ابن عباسٍ (١)، وبيَّنا حكمه فيما مضى. وإنّما لم يدخلوا في هذا وجوب البدنة في قاتل النعامة؛ لأنّ الواجب عندنا القيمة، فلم تتعيَّن البدنة بالوجوب. ١١٥٠ - فَصْل: [سِنّ الهدي] قال: ولا يجوز في جميع ذلك إلا الثَّنِيُّ (٢) فصاعدًا من الإبل والبقر والغنم، إلا أن يكون جَذْعًا (٣) من الضأن عظيمًا؛ لحديث جابر: أنَّ النبي ﷺ قال: "ضحُّوا بالثنايا، إلا أن يعسر عليكم، فاذبحوا الجذع من الضأن" (٤)، وروي في حديث

стр. 1313

أبي بردة: أنه ذبح قبل الصلاة، فقال له ﷺ : "أعد أضحيتك"، فقال: عندي جذع من معزٍ خيرٌ من شاتي لحم، فقال: "يجزئ عنك، ولا يجزئ عن أحدٍ بعدك" (١). ١١٥١ - فَصْل: [شروط صحة الهدي] قال: ويجوز في قول أبي يوسف ومحمد في قتل الصيد العناق والجدي، وقد بيّنا [ذلك]. قال: ولا يجوز في الهدي إلا ما جاز في الأضاحي مما يكون سليمًا من العيوب التي تمنع جواز الأضحيّة من العَور والعَرج، مما يشترط في الأضحية من السلامة؛ وذلك لأنه ذبحٌ واجبٌ، كالأضحيّة، وقال ﵊ في الأضحيّة: "استشرفوا العين والأذن" (٢)، ونهى أن يضحّوا بالعوراء البيِّن عورها، والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك، والعجفاء (٣) التي لا تُنقي (٤). ١١٥٢ - فَصْل: [موضع ذبح الهدي] قال: ولا يجوز ذبح شيءٍ من ذلك إلا في الحرم؛ لأنّ الهدي عبارةٌ عمّا يُهدى إلى مكانٍ، ومكان الهدايا الحرم، دلّ عليه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ

стр. 1314

الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "مِنى كلّها مَنحرٌ، وفِجَاج مكة كلّها منحرٌ" (١) (٢). تم كتاب المناسك ولله الحمد على كل حال والصلاة على محمد وآله خير آل (٣)

стр. 1315

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم [٣٤] كتاب البيوع قال: البيع (١): إيجابٌ وقبولٌ في مالين ....... ليس فيه معنى التبرّع (٢). الدليل (٣) على ذلك أن ما وُجد بهذه الصفة كان بيعًا، وما كان بخلافها لم يكن بيعًا؛ لأنَّ العقد إذا وَقَعَ على مال [بمنفعة] (٤) كان إجارةً ونكاحًا، وإذا وقع

стр. 1316

على مالين على وَجهِ التبرّع كان هبةً. والأصل في جواز البيع قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وقال ﵊: "كل متبايعين فلا بيع بينهما حتّى يفترقا" (١)، وُبعث النبي ﷺ والناس يتبايعون، فأقرهم على ذلك ولم يُنكر، فإقراره دلالة على جوازه، [وابتداء شرع من جهته]، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين.

стр. 1317

بَابْ: اللفظ الذي يقع به البيع قال أبو الحسن (١): إذا قال الرجل لآخر: بعتك عبدي هَذَا بألف درهم، فقال المشتري: قد قبلت؛ فقد وقعَ العقدُ وصحَّ. والأصل في هذا: أنَّ البيع لا ينعقدُ عندنا إلا بلفظين يُعبَّر بكل واحدٍ منهما عن الماضي، فأما إذا ذكر لفظين فعبَّر بهما عن المُستقبل، أو بأحدهما عن الماضي، لم ينعقد العقدُ. فالأوَّل: أن يقول البائع: بعتك، ويقول المشتري: ابتعت أو اشتريت، وكذلك كلُّ لفظ يقوم مقام هذا، مثل: أخذْت وقَبلتُ. والثاني: إذا قال: أبيعك، أو قال المُشتري: بعني، وقد عبَّر عنه أبو الحسن في الجامع فقال: إذا أخرج اللفظ مخرَج الأمر لم ينعقد به البيع، وإن أخرجه مخرجَ الخبر عن الماضي انعقد، وهذا هو القياس عندهم في النكاح. وإنما استحسنوا فقالوا: ينعقد النكاحُ بلفظين يُعبَّر بأحدهما عن المُستقبل، مثل أن يقول: زوِّجني! فيقول الولي: زوَّجتُك. وقال الشافعي: ينعقد البيع أيضًا بمثل ذلك، إذا قال المشتري: بعني، فقال البائع: بعتك. والدليل على ما قلناه: أنَّ البيع يحضره المساومة والإيجابُ، وألفاظ

стр. 1318

المُستقبل عِدات، فالظاهر أنَّها [سوم] (١) وعدة، وألفاظ الماضي إيجاب وقطع؛ فلذلك انعقد بها البيع. وعلى الشافعي: أنَّه ذكر لفظين لا يصلح كل واحد منهما لأحد شطري العقد، فصار كما لو قال البائع: اشترِ منِّي، فقال المشتري: اشتريت. وأمَّا الفرقُ بين البيع والنكاح: فيما بيَّنَّا أنَّ البيع يحضره المساومة، فلم ينعقد باللفظ الذي يصلُح للسوم، والنكاح لا يحضره المساومة، فالظاهرُ من قوله زَوِّجني، أَنَّه قبولٌ وليس بمساومة؛ ولأنَّ البيع لا ينعقد بفعل واحد، فإذا قال المُشتري: بعني، فقد وكَّله أن يبيعَ منه، فإذا قال البائع: بعتُك، لم يجز أن ينعقد البيع بقوله، والنكاح ينعقدُ بفعل الوكيل، فإذا قال: زوِّجني، فقد أمره بالتزويج، فإذا قال: زوَّجتك، [فقد] انعقد العقدُ بهذا القول. وحكيَ عن أبي الحسن فرق آخر: وهو أن في النِّكاح [يلحق الأولياء] (٢) الشين إذا خطب إليهم، فأوجبوا، فلم يقبل الزوج، فإذا قال الزوج زوِّجني، فقال الولي: زوَّجتك، لو لم يتم العقد بهذا كان للزوج أنْ يَرجع فيلحق بالولي شينًا، وهذا لا يجوز، وليس على البائع في ردِّ بيعه بعد السوم شين؛ فلذلك إذا قال: بعني! فقال: بعتك، لم يتم العقد به حتى ينضم إليه القبول. وإنَّما قلنا: إن البيع ينعقد بلفظ البيع وبما قام مقامَ هذا اللفظ من قوله خذ وأعطيتك (٣) ورضيت؛ لأنَّ المعتبر معاني العقد (٤) دُون ألفاظِهِ، وهذه الألفاظ

стр. 1319

تُعطي معاني البيع، فانعقد بها، وهذا أصل اعتبره أصحابنا في جميع العقود، والذي قالوا فيما روى الحسنُ، عن أبي حنيفة: أن [المفاوضة] لا تنعقد إلا بلفظ [المفاوضة] (١)؛ إنما [قال] ذلك؛ لأنَّ الناسَ لا يعرفون شروطها، فلا يستوفون معناهَا، فلم يكن بدٌّ من اللَّفظ، فإن عقدها مَن يَعرف معانيها استوفى المعنى، فانعقد العقد بغير لفظ المفاوضة، وهذا الذي ذكرناه هو القياس في سائر البياعات، وإنما استحسن أصحابنا في الأشياء المستحقرة أن يتم العقد فيها بغير لفظ، مثل مَن يدفع قطعة إلى البقلي، فأعطاه البقل، ومثل مَن دفع درهمًا إلى الخباز فأعطاه الخبز، ولم يقل بعت ولا اشتريت؛ لأنَّ الأمَّة استجازوا ذلك في سائر الأعصار، وهذا كما تقولون في قطعة الشاربِ: إنَّها لا تفتقر إلى (تسمية موضع القطع وشرب الماء من السقاء، فإنه لا يفتقر إلى بيان) (٢) قدر الماء الذي يشربه، ودخول الحمام لا يفتقر إلى شرط أجرة معلومة، وبيان مقدار ما يمكث فيه، وما يَستعمل من الماء؛ لأنَّ الأمَّة أطبقت على خلاف ذلك (٣). ١١٥٣ - مسألة: [فسخ البيع من المتعاقدين أو من أحدهما] قال أبو الحسن: وليس لواحد منهما فسخ ذلك في مجلسهما، ولا بعد قيامهما، إلَّا أن يكونا شَرَطا الخيارُ. قال الشيخ ﵀: وجملةُ هذا: أن البيع إذا انعقد بالإيجاب والقبول ولم يشرط الخيار، فقد لزم العقد، ولا خيار لواحدٍ منهما. وقال الشافعي: لكلِّ واحدٍ منهما الخيار في مجلسهما: إن شاء أمضى البيع،

стр. 1320

وإن شاء فسخه، حتَّى يتفرقا بأبدانهما، فإذا افترقا سقط الخيار (١). والدليل على ما قلناه: "نهيه ﵊ عن بيع ما لم يقبض" (٢)، وقال ﷺ : "إذا ابتعت فلا تبع حتى تقبض"، وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فظاهره أنَّه إذا قبض في المجلس جَاز بيعه؛ ولأنَّه نوع خيار لا يثبت بعد الافتراق عن المجلس، فلا يثبت في المجلس بعد الإيجاب والقبول كخيار المعاينة، [فيما يبتاعه في] (٣) المصر، فأما قوله ﵊: "البيعان بالخيار ما لم يفترقا" (٤)، [وقوله ﷺ : "البائعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يفترقا"]، فهذا محمول على خيار القبول، وهو أن يقول المشتري: بعني، فيقول البائعُ بعتُك، فهما متبايعان في اللغة، وكل واحد منهما بالخيار إن شاء البائع [مضى] (٥) على الإيجاب، وإن شاء رجع، وإن شاء المشتري: قَبِل، وإن شاء لم يقبل، فإذا افترقا لم يكن للمشتري القبول. روى هذا التأويل هشام وبِشْر عن أبي يوسف، وابن رستم عن محمد، وقد استدلَّ أبو الحسن في الكتاب بما رويَ "أن رسول الله ﷺ كان إذا ابتاع شيئًا خيَّر البائع"، وإنما فعل ذلك للفضل والتكرم، ولو كانَ للبائع خيارُ الشرط لم يحتج إلى تخييره، وذكر أبو يوسف التأويل الذي قالاه عن إبراهيم (٦).

стр. 1321

بَابْ: قبول أحد المتبايعين بعض المبيع قال أبو الحسن: إذا أوجبَ البائع البيع على شيء فقَبل المُشتري في بعضه دون بعض، أو أوجبَ المشتري في شيء فقبل البائع في بعضه، فإن ذلك لا يجوز على الذي أوجَب في الكلِّ، إلَّا أن يَرضى الموجب، وله الخيارُ في ذلك ما دَاما في المجلس، فإنْ قاما أو أحدهما بطل الخيار. وقال الشيخ ﵀: وجُملةُ هذا أنّ كل واحد من المتبايعين لا يملك تفريق الصفقة على الآخر في الإتمامِ؛ لأنَّ في التفريق (١) ضررًا، ألا ترى أنَّ الإنسان يبيع الشيئين رغبةً في بيع أحدهما، ويشتري المشتري [الشيئين] رغبةً في أحدهما. قال: فإذا قال بعتك هذين العبدين، فقبل المشتري في أحدهما فقد [فوّت] (٢) غرض البائع، فلا يجوز، كما لو قال البائع: بعتك بألفٍ، وقال المشتري: قبلت بخمسمائة، ولا شبهة أنَّه إذا قال بعتك هذا العبد، فقال: قبلت في نصفه، أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ الشركة فيها ضرر وعيبٌ في الملك؛ فكذلك القبول في أحد العبدين لما دَخل في كل واحدٍ منهما من تفريق الصفقة في الإتمام. فأما قوله: إلا أن يرضى الآخر في المجلس؛ فلأن البائع إذا قال: بعتك هذين العبدين (٣) بعشرة، فقال المشتري قبلت في أحدهما، فهذا ليس بقبول

стр. 1322

[للبيع]، ولكنه استئناف إيجاب من المُشتري، فكأنَّه ابتداءٌ، فقال هذا فالبائع بالخيار ما دام في المجلس، وهذا إنما يصحُّ إذا كان للبعض الذي قبله المُشتري حصَّة معلومة مثل الطعام، والذي ينقسم الثمن عليه بالأجزاء، فأمَّا إذا [قال]: بعت هذين العبدين بألف، فقال المشتري: قبلت في أحدهما لم يصحّ، وإن رضي [به] البائع؛ لأن حصَّة العبد من الثمن مجهولة، إلَّا إن بيَّن الثمن فيرضى البائع به. وأما قوله إذا قاما من المجلس بطل؛ فلأن الإيجاب موقوف على القبول، والقيام إعراض عنه فيبطله، وكذلك لو لم يَقم من المجلس، ولكنَّه تشاغل في المجلس بفعل غير البيع، كان ذلك إبطالًا للإيجاب وَردًّا له؛ لأنَّهُ أعرض عنه، فصَار كالقيام الذي أعرضَ به عن الإيجاب. ١١٥٤ - فَصْل: [وراثة خيار المجلس] قال أبو الحسن: ولا يُورث هذا الخيار، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ القبول لا يُورث بالإجماع وهو أصلنا في خيار الشرط، وإنما قال بعض متأخري أصحاب الشافعي: إن الوارث إذا كان مع المشتري في المجلس فلم يقبل المشتري حتَّى مات، فقبل وارثه جاز، وخالفَ الإجماع بهذا القول، وقد دلَّ عليه أن هذا الخيار ليس بحق مستقر، فلا يورث كالوكالة والمضاربة. ١١٥٥ - فَصْل: [خيار القبول على المجلس أو الفور] وقد قال أصحابنا: إن خيار القبول على المجلس، وقال الشافعي: على الفور والدليل على ما قلناه: قوله ﵊: "البيعان كل واحد منهما على صاحبه

стр. 1323

بالخيار ما لم يفترقا" (١) ولأنَّ المُشتري يحتاج إلى الارتياء والتفكر، هل يَصلح له المبيع أو لا يصلح، وهذا لا يمكن على الفور. ١١٥٦ - فَصْل: [تفريق البائع في الإيجاب] وما ذكره أبو الحسن في امتناع قبول المشتري بعض ما أوجب له إنما ذلك إذا كان الإيجاب بلفظ واحدٍ، فأمَّا إذا فرَّق الإيجابَ، فقال بعتُك هذين العبدين، بعتك هذا بمئة وهذا بمائتين، فللمشتري أن يقبل في أيِّهما شاء؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما أفرد بإيجاب، فلم يبيّن (٢) في القبول تفريق الصفقة على البائع. ١١٥٧ - فَصْل: [قبول المشتري من البائعين] قال أبو الحسن: وكذلك إن خاطبَ المشتري رجلين، فقال اشتريت عبدكما هذا بألف، فأجاب أحدهما؛ لم يلزم المشتري. وكذلك إن قال البائع لرجلين: بعتكما هذين العبدين، فقبل أحدهما دون الآخر، لم يجز؛ لما بينا أن الإيجاب إذا كان صفقة واحدةً لم يملك الآخر تفريقها في الإتمام؛ لما فيه من إيجاب الضرر بصاحبه. والله أعلم.

стр. 1324

بَابْ: معرفة المبيع من الثمن قال أبو الحسن: [ما يتعين] (١) بالعقد فهو مبيعٌ، وما لم يتعيَّن فهو ثمنٌ إلا أن يقع عليه لفظ البيع. قال الشيخ ﵀: وجملةُ هذا أن حكم المبيع والثمن يختلفانِ في أحكام: منها: أنه لا يجوز التصرّف في المبيع الذي ينقل ويحَوّل قبل القبض، ويجوز التصرُّف في الأثمان قبل القبض. ومنها: أنَّ هلاك المبيع قبل القبض يوجب فسخ العقد، وهلاك الثمن لا يُوجبُ فسْخ العقدِ. ومنها: أنَّه لا يجوزُ بيعُ ما ليسَ عند الإنسان في غير السَّلم، ويجوز الشراء بما ليسَ عنده. فإذا اختلف حُكمهما احتجنا إلى معرفة كل واحدٍ منهما، فالدراهم والدنانيرُ أثمان أبدًا سواء كان في مقابلتها أمثالها أو الأعيان، صحبتها الباء أو لم تصحبها؛ لأنَّها لا تتعيَّن عندنا بالعقد وإنما تثبت في الذمَّة، وقد قال الفراء: الثمن ما كان في الذمَّة. وأمَّا الأعيان التي ليسَ لها أمثال فهي مبيعة [أبدًا]، سواء كان في مقابلتها

стр. 1325

الأعيان أو الدراهم والدنانير؛ لأنَّها تتعيَّن بالعقد، والأصل في المبيع: أنَّه يتعيَّن. وأما المكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت، فإن كان في مقابلتها الأثمان فهي مبيعة؛ لأنَّ الأصل أن البيع يشتمل على [مبيع] (١) بثمن، والدراهم والدنانير قد قوي معنى الثمن فيها؛ لأنَّها لا تكون إلَّا ثمنًا، فبقي أن يكون ما في مقابلتها هو المبيع. وإن كان في مقابلة المبيع المكيل والموزون والمعدود والأعيان، فإن كان ذلك معيَّنًا مشارًا إليه فهو مبيع أيضًا؛ لأنَّه يتعيَّن بالتعيين، والثمنُ ما ثبت في الذمَّة. وإن كانت غير معينة وصحبتها الباء فهي ثمن؛ لأنَّها تثبتُ في الذمَّة بأنفسها، والثمن ما يَثبت في الذمَّة. ولأنَّ عقد البيع يَشتمل على مبيع وثمن، وقد قويَ معنى المبيع في الأعيان؛ لأنَّها لا تكون إلا مبيعةً، فلم يبق إلَّا أن يكون المكيل: هو الثمن. ١١٥٨ - فَصْل: [البيع ما وقع على جملة من العين مع القدرة على التسليم] قال أبو الحسن: والبيع إذا وقع على جملة من العين جَاز إذا قدر على تسليمها، وجَاز استئناف الملك عليها، وإنما احترز بالوصف الأوَّل: عن الطير في الهواء، أو السمك في الماء؛ لأنَّه لا يقدر على تسليمه، وبالوصف الثاني: عن شراء المُحْرِم الصيد، وعن الأعيان المحرَّمة؛ لأنَّه لا يجوز استئناف الملك عليها، وما سوى ذلك يجوز بيعه، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

стр. 1326

١١٥٩ - فَصْل: [الثمن هو الذي لم يتعين] قال أبو الحسن: وما لم يتعيَّن فهو ثمن، إلَّا أن يقع عليه لفظ البيع، فلا يجوز البيع فيه؛ إلَّا في السَّلم خاصَّة وفي الدراهم والدنانير والفلوس؛ لأنَّها أثمان، فأمَّا المُسلم فيه فهو مبيع وإن لم يتعيَّن، وأمَّا الدراهم والدنانير والفلوس فهي أثمان وإن تعيَّنت؛ لأنَّها لا تتعيَّن عندنا في العقد بالإشارة، وإنما تثبت في الذمَّة وما سواها إذا عُين تعين. وكان أبو الحسن يقول: إن الدراهم والدنانير تتعيَّنُ بالعقد، ولا يملك أعيانها، ولا يمنع تعيّنها ثبوت مثلها في الذمَّة. وقال الشافعيُ: إذا عُيِّنت الدراهم والدنانير والفلوس تعيَّنت. لنا: قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ﴾ [يوسف: ٢٠]، قال الفراء: الثمن ما كان في الذمَّة، فدلَّ على أن الدراهم، وإن عُيِّنت ثبتت في الذمَّة؛ ولأنَّها ثمن فثبتت في الذمَّة كالدراهم المطلقة؛ ولأنَّ ما لا فائدة في تعيينه تعود إلى تصحيح العقد لا يتعيَّن، كمن استأجر بَعيرًا ليحمل عليه قفيزَ حنطة لزيد، وقولهم إنها تتعيَّن بالقبض، ليس بصحيح؛ لأنَّ القبض لا يصحُّ إلَّا في عين، فلو لم يتعيّن به بطل، والعقد يصحُّ على عين وغير عين، فإذا لم يعيِّنها به لم يبطل. فأمَّا أبو الحسن فإنَّه قال بمسألة الجامع الكبير وهي: إذا قال الرجل إن بعت عبدي بهذا الكُرّ وهذا الألف فهي صدقة، فباعه بهما، قال محمد: يتصدَّق بالكر، ولا يتصدَّق بالألف. قال أبو الحسن: فلو لم تكن الدراهم تعيَّنت لم تلزمه الصدقة بالكر؛ لأنَّ

стр. 1327

مَن قال: إن بعتُ عبدي بهذين الشيئين، فباعَ بأحدهما لم يوجد شرط نذره، فلمَّا أوجبَ عليه الصدقةَ بالكرِّ دلَّ على أنَّ الدراهم تعيَّنت؛ إلَّا أنه لا يلزمه الصدقة بها؛ لأنَّها لا تملك بالعقد، وهذا الذي قاله لا حاجةَ به إليه؛ لأنَّ الدراهم لما كانت لا تتعيَّن، والنذر يجبُ حمله على الصحّة، صار كأنَّه قال: إن سمَّيتها في العقد مع الكر فهما صَدقة، فأوجبَ الصدقة بالكر لهذا. ١١٦٠ - فَصْل: [ما يجوز بيعه قبل القبض وما لا يجوز] وإنما قلنا: إن [بيعَ] (١) المبيع الذي يُنقل ويحول قبل القبض لا يجوز، خلاف ما قاله مالك (٢): أنَّه يجوز إلا في الطعام (لنهيه ﵊ عن بيع ما لم يقبض)، ولا يُعارضه (نهيه ﷺ عن بيعِ الطعام قبل القبض)؛ لأنَّه لا تنافي بينهما، فيستعمل كل واحد منهما: هذا على عمومه، وهذا على خصوصه؛ ولأنَّه مبيع ينقل ويحوَّل، فلم يجز التصرُّف فيه قبل القبض، أصله (٣) الطعام. ١١٦١ - فَصْل: [بيع العَقَار قبل القبض] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز بيع العَقَار قبل القبض، وقال محمد: لا يجوز، وبه قال الشافعي (٤). لهما: أنه قبل القبض [هو] في محل قبضه، فصارَ كمن اشترى ما هو في يده؛ ولأنَّه لا [يخشى فساد] (٥) العقد الواقع على معين بهلاكه، فجاز التصرُّف

стр. 1328

فيه، كما بعدَ القبض، (ونهيه ﷺ عن بيع ما لم يُقبض) محمولٌ على ما يتأتى فيه حقيقة القبض، وهو المنقولات دونَ ما لا يُمكنُ فيه ذلك (١). ١١٦٢ - فَصْل: [التصرف في الأثمان قبل القبض] قال أصحابنا: يجوزُ التصرُّفُ في الأثمان قبل القبض. وقال الشافعي: إذا كانت الدراهم في الذمَّة لم يجز التصرُّف فيها في أحد القولين، وإن عيَّنها بالعقد لم يجز التصرُّف في القولين جميعًا (٢). لنا: ما رويَ في حديث ابن عمر قال: (كنَّا نبيع الإبل بالبقيع، فنأخذ مكانَ الدراهم الدنانير ومكانَ الدنانير الدراهم، نأخذ هذه من هذه، وهذه من هذه، فأتيت رسول الله ﷺ وهو يخرج من بيت حفصة فسألته عن ذلك، فقال: "لا بأس إذا كان بسعر يومكما، وافترقتما وليس بينكما شيء" (٣))؛ ولأنَّ العقد سبب لنقل الملك في الأعيان، فجاز أن يستفاد به التصرف في الأثمان كالميراث. ١١٦٣ - فَصْل: [هلاك المبيع قبل القبض] وإنما قلنا: إن هلاك المبيع قبل القبض يُوجب فسخ البيع (٤)، خلاف ما قاله مالك: أنَّه لا ينفسخ في غير الطعام؛ لأنّ الهلاك يوجب سقوط القبض، فانفسخ به العقد كالطعام، وإنما قلنا: إن هلاك الأثمان لا يُوجبُ فسخ العقد؛

стр. 1329

لأنَّ العقد لم يقع على أعيانها، وإنما وقع على ما في الذمَّة منها، فإذا هلك ما أشارَ إليه بقي ما في الذمَّة بحاله، وعلى هذا قالوا إذا ردَّ ما تعيَّن بعيب انفسخ فيه العقد؛ لأنَّ العقد لا يجوز أن يتعلَّق بغيره، وإن ردّ ما لم يتعيَّن لم ينفسخ [العقد؛ لأن العقد لم يقع عليه، وإنما وقع على ما في الذمة، وهذا مقبوض عما في الذمة، فإذا ردّه انفسخ] (١) فيه القبض، فبقيَ ما في الذمَّة بحاله (٢). ١١٦٤ - فَصْل: [بيع ما ليس عند البائع] وإنما قلنا: إنَّه لا يجوز بيع ما ليس عند الإنسان في غير السلم (لنهيه ﵊ عن بيع ما ليسَ عند الإنسان)، وقال: لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك". وإنما قلنا: إنَّه يجوز الشراء بثمن ليس عنده؛ لأنَّ رسول الله ﷺ اشترى بعيرًا بأوساق من تمر، ولم يكن عنده تمر ثم استقرض الثمن ودفع. ١١٦٥ - فَصْل: [التعامل في بطلان جنس الثمن] قال أبو الحسن: فإن بَطل جنس الثمن فلا يتعامل به، مثل الفلوس تكسد أو تسقط، أو ضرب من الدراهم [و] صار كذلك قبل القبض، فإن البيعَ يبطل، وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبطل. وجه قول أبي حنيفة: أن كساد الفلوس يخرجُها من حكم جنسها، ألا ترى أنَّها كانت ثمنًا فصارت مَبيعًا، وخروج الشيء من جنسه كهلاكه، فأوجبَ ذلك فسخ العقد، وهما يقولان كسادها عيب فيها، وحدوث العيب قبل القبض لا

стр. 1330

يُبطل العقد. ثم اختلف أبو يوسف ومحمد، فقال أبو يوسف: يجبُ على المشتري قيمتها يوم العقد؛ لأنَّها صارت مضمونة بالعقد، فاعتبر قيمتها عند الضمان كالغصب، وقال محمد: قيمتها آخر ما ترك الناس المعاملة بها؛ لأنَّ تسليمها تعذَّر إذ ذاك، فصار من كانت في ذمَّته كالمستهلك لها حينئذٍ. ١١٦٦ - فَصْل: [ما لا يجوز أن يكون ثمنًا] قال أبو الحسن: وما لا يُكال ولا يوزن لا يجوز أن يكون ثمنًا دينًا إلا الثياب خاصَّة إذا وصفت وضُرب لها أجل، فإنَّها تكونُ ثمنًا، ويجوز البيع استحسانًا، وهذا إنما يريد به أنها تثبت أبدالًا في الذمَّة في عقد السلم، فأمَّا أن تكون ثمنًا في الحقيقة فلا، ألا ترى أن الثمن ليسَ من شرطه التأجيل، والثياب لا تثبت في الذمَّة إلا مؤجَّلة. فوجهُ القياس: أن مستهلكها لا يلزمه أمثالها، فصار كالحيوان وجهُ الاستحسان ما بيَّناه في جواز السلم فيها. وإنما شرط في ثبوتها في الذمَّة الأجل أن تكون مؤجلة؛ لأنها لا تثبت بأنفسها بدلالة الاستهلاك، فلا بد من التأجيل حتى يصير في حكم المسلم فيه. ١١٦٧ - فَصْل: [ذكر مكان التسليم في الأثمان] وما ذكر أبو الحسن: من ثبوت الأثمان التي هي المكيل والموزون في الذمَّة فلا بدَّ فيها عند أبي حنيفة من ذكر مكان تسليمها (١)، كما قال في السلم.

стр. 1331

ذكر أبو الحسن في الجامع: لأنَّها تختلفُ باختلاف الأماكن لما يلزم عليها من الحمل والمؤونة، فأمَّا على قول أبي يوسف ومحمد تسليمها في مكان العقد، فلا يحتاج إلى ذكر مكان آخر. ١١٦٨ - فَصْل: [التصرف في القرض قبل القبض] وقد قال الطحاوي: إن القرض لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه دينٌ لا يُستحقُّ قبضه في المجلس، ولا يثبت بعقد السلم كالأثمان، وإنما ظنَّ الطحاوي أنه لمَّا لم يجز تأجيله لم يجز التصرُّف فيه، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ التأجيل لا يجوز لما في القرض من معنى التبرّع وَالتأجيل، فبطل معنى التبرّع، وهذا لا يوجد في التصرّف.

стр. 1332

بَابْ: قبض المبيع قال أبو الحسن: إذا وقع عقد البيع على ما وصفت لك والثمن دين؛ فللبائع منع المشتري حتى يقبض الثمن، وإنما يثبت للبائع حق الحبس بالثمن الحال؛ لأنَّ حقَّه كان في الملك واليد، فإذا باع فقد أسقط حقَّه عن الملك، فبقي حقُّه في اليد لم يُسقطه، وليس كذلك إذا كان الثمنُ مؤجَّلًا؛ لأنَّه يثبت له [حق] الحبس لأجل استيفاء الثمن، فإذا أجله فقد أسقط حقَّه فلا يُسقط ذلك حق المشتري. وقد قالوا: لو باع بثمن بَعضهُ حال وبَعضه مؤجَّل، كان للبائع الحبس حتَّى يستوفي الحال؛ لأنَّه لم يُسقط حقَّه عن قبضه، وعَلى هذا لو سلم المشتري جميعَ الثمن [إلَّا دِرهمًا] (١) فللبائع حقُّ الحبس في جميع المبيع؛ لأنَّ الحبس لا يتبعَّض كما ليس للمُشتري تبعيض انتقال الملك، وعلى هذا قالوا: لو باعه شيئين صفقةً واحدةً وسمَّى لكل واحد ثمنًا، فدفع المشتري حصَّة أحدهما (٢)؛ لأن للبائع حبسهما حتَّى يأخذ حصَّة الآخر، لأنَّه وإن سمَّى لكل واحد ثمنًا فالصفقة واحدة، فكما ليس للمشتري أن يفرِّق الصفقة عليه في الملك كذلك في الحبس. وقد قالوا: لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن، كان له الحبسُ حتى يستوفي ما بقي؛ وذلك لأنَّ البراءة من البعض ليس بأكثر من استيفائه، فإذا كان

стр. 1333

لو استوفى بعضَ الثمن ثبت له الحبسُ مما تبقى، كذلك إذا أبرأ. قالوا: ولو دفع بالثمن رَهنًا أو تكفَّل به كفيل لم يسقط الحبس؛ لأنَّه وثيقةٌ بالثمن، فلا يسقط حبسُ المبيع كالشهادة (١). ١١٦٩ - فَصْل: [إحالة البائع على المشتري بالثمن] وأما إذا أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، سقط الحبس عند أبي يوسف، كذلك إن أحال المشتري البائع على رَجلٍ بالثمن سقط الحبسُ عند أبي يوسف، روى ذلك بِشْر عنه، وهي رواية ابن سماعة، [عن] (٢) محمد، وروى عمرو بن أبي عمرو عن محمد: أن البائع إذا أحال على المشتري سقط الحبس، وإن أحاله المشتري لم يسقط الحبس. وجه قول أبي يوسف: أن المشتري إذا أحال بالثمن فقد برئت ذمَّته بالحِوالة، فصار كالبراءة بالإيفاء، أو [كإبراء] (٣) البائع. وجهُ قول محمد: أنَّ مطالبة البائع بالثمن لم تسقط، فكان له حق الحبس كما لو لم يُحَل، وليس كذلك إذا أحال البائع على المشتري؛ لأنَّ مطالبته بالثمن سقطت، فصار كما لو أبرأ أو استوفى. والله تعالى أعلم. ١١٧٠ - فَصْل: [ضمان البائع في المبيع] قال أبو الحسن: والمبيع في ضمان البائع إلى أن يسلِّمه المشتري، إن هلك

стр. 1334

قبل ذلك بطل البيع، وهلك على ملك البائع، وكذلك إن دخله عيب كان من ضمان البائع. والأصل في ذلك: ما رويَ أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمار حتَّى تُزْهِي"، وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحلُّ أحدكم مال أخيه" (١)، فهذا يدلُّ على أن هلاك المبيع في يد البائع يُسقط الثمن، وهذا معنى قولنا إنَّه مضمون، وإنما قُلنا إن ضمانه يوجبُ سُقوط الثمن؛ لأنَّه لا يخلو إمَّا أن يَسقط الثمن أو تجب [القيمة] (٢) على البائع، فلا يجوز إيجابُ القيمة على البائع؛ لأنَّها لو وجبت لوجب على البائع تسليمُها بعقد البيع، وما وجب تسليمُه بعقد البيع فهو مبيع، والقيمة لا يجوز أن تكون مبيعةً في الذمَّة، وليس كذلك إذا استهلكه أجنبيٌّ؛ لأنَّ الأجنبيَّ لا يلزمه تسليم القيمة بعقد البيع، ألا ترى أنَّا لو تصوَّرنا ارتفاع البيع لزمه الضمان، ولو تصوَّرنا ارتفاع المبيع لم يلزم البائع الضمان، فدلَّ على أنّه يضمن بعقد البيع. وليس هذا كمن تزوَّج امرأة على عين من الأعيان، فهلكت في يده أن عليه قيمتها؛ لأنَّه يجب (٣) عليه تسليمها بعقد النكاح، (وما وجب تسليمه بعقد النكاح) فهو مهر، والقيمة [يجوز أن] تكون مهرًا في الذمَّة. ١١٧١ - فَصْل: [الابتداء في دفع وقبض المتبايعين] قال أبو الحسن: فإن أحضر المشتري الثمن فتشاحّا أيُّهما يقبض أوَّلًا: أُمر

стр. 1335

المُشتري أن يدفع الثمنَ أوّلًا ليتعيَّن ملك البائع كما تعيَّن ملك المشتري، ثم يسلِّم البائع. قال الشيخ ﵀: جملة هذا أنَّ البيعَ إذا كان وقع على عين بثمن وجَب تسليمُ الثمن أوَّلًا، وإذا وقع على عين بعين أو ثمن بثمن سلَّما معًا، ولم يتقدَّم أحدهما في التسليم إلا باختياره واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فقال: يقول القاضي أيُّكما يتبرَّع على صاحبه، فإنْ تبرَّع أحدهما بالتسليم قبل الآخر سلَّم، وإن لم يتبرَّع، قيل لكل واحدٍ منهما: سَلِّم إلى أمين، فإذا حصل العوضان في يد الأمين، سلَّم إلى كل واحد منهما. وقال في قول آخر: يسَلِّم المبيع أوَّلًا ثم الثمن، والدليل على ما قلناه: ما روى ابن عمر، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ثلاث لا يؤخّرن: الدَّين إذا وجدت ما تقضيه" (١)، والثمن دين فلا يجوز أن يؤخّر المُشتري قضاءه مع القدرة؛ ولأنَّهما عين محبوسةٌ بدين، فلا يؤمر بتسليمها قبل قبض الدين، أصله الرهن، ولا يلزم الثمن المؤجَّل؛ لأنَّ العينَ لا تحبس به؛ ولأنَّ حقَّ المشتري تعيَّن في المبيع ولم يتعيَّن حقُّ البائع فيها، ومن حكم العاقدين أن يتساويا، ولا يتعيَّن الدراهم عندنا بالتعيين، فوجبَ تسليمها حتى يتعيَّن حق البائع فيها كما تعيَّن حقُّ المشتري. وأما إذا كان العقد وقع على عين بعين أو دينٍ بدين، فقد تساوى المتعاقدان ولا مزيَّة لأحدهما على الآخر، فوجَب أن يُسلِّما معًا. ١١٧٢ - فَصْل: [الامتناع من دفع الثمن إذا كان المبيع غائبًا] قال أبو الحسن: وإن كان المبيع غائبًا عن حضرتهما، فللمشتري أن يمنع من
следующие страницы →