ذكر أبو الحسن في الجامع: لأنَّها تختلفُ باختلاف الأماكن لما يلزم عليها من الحمل والمؤونة، فأمَّا على قول أبي يوسف ومحمد تسليمها في مكان العقد، فلا يحتاج إلى ذكر مكان آخر.
١١٦٨ - فَصْل: [التصرف في القرض قبل القبض]
وقد قال الطحاوي: إن القرض لا يجوز التصرف فيه قبل القبض، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه دينٌ لا يُستحقُّ قبضه في المجلس، ولا يثبت بعقد السلم كالأثمان، وإنما ظنَّ الطحاوي أنه لمَّا لم يجز تأجيله لم يجز التصرُّف فيه، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ التأجيل لا يجوز لما في القرض من معنى التبرّع وَالتأجيل، فبطل معنى التبرّع، وهذا لا يوجد في التصرّف.
стр. 1332
بَابْ: قبض المبيع
قال أبو الحسن: إذا وقع عقد البيع على ما وصفت لك والثمن دين؛ فللبائع منع المشتري حتى يقبض الثمن، وإنما يثبت للبائع حق الحبس بالثمن الحال؛ لأنَّ حقَّه كان في الملك واليد، فإذا باع فقد أسقط حقَّه عن الملك، فبقي حقُّه في اليد لم يُسقطه، وليس كذلك إذا كان الثمنُ مؤجَّلًا؛ لأنَّه يثبت له [حق] الحبس لأجل استيفاء الثمن، فإذا أجله فقد أسقط حقَّه فلا يُسقط ذلك حق المشتري.
وقد قالوا: لو باع بثمن بَعضهُ حال وبَعضه مؤجَّل، كان للبائع الحبس حتَّى يستوفي الحال؛ لأنَّه لم يُسقط حقَّه عن قبضه، وعَلى هذا لو سلم المشتري جميعَ الثمن [إلَّا دِرهمًا] (١) فللبائع حقُّ الحبس في جميع المبيع؛ لأنَّ الحبس لا يتبعَّض كما ليس للمُشتري تبعيض انتقال الملك، وعلى هذا قالوا: لو باعه شيئين صفقةً واحدةً وسمَّى لكل واحد ثمنًا، فدفع المشتري حصَّة أحدهما (٢)؛ لأن للبائع حبسهما حتَّى يأخذ حصَّة الآخر، لأنَّه وإن سمَّى لكل واحد ثمنًا فالصفقة واحدة، فكما ليس للمشتري أن يفرِّق الصفقة عليه في الملك كذلك في الحبس.
وقد قالوا: لو أبرأ البائع المشتري من بعض الثمن، كان له الحبسُ حتى يستوفي ما بقي؛ وذلك لأنَّ البراءة من البعض ليس بأكثر من استيفائه، فإذا كان
стр. 1333
لو استوفى بعضَ الثمن ثبت له الحبسُ مما تبقى، كذلك إذا أبرأ.
قالوا: ولو دفع بالثمن رَهنًا أو تكفَّل به كفيل لم يسقط الحبس؛ لأنَّه وثيقةٌ بالثمن، فلا يسقط حبسُ المبيع كالشهادة (١).
١١٦٩ - فَصْل: [إحالة البائع على المشتري بالثمن]
وأما إذا أحال البائع رجلًا على المشتري بالثمن، سقط الحبس عند أبي يوسف، كذلك إن أحال المشتري البائع على رَجلٍ بالثمن سقط الحبسُ عند أبي يوسف، روى ذلك بِشْر عنه، وهي رواية ابن سماعة، [عن] (٢) محمد، وروى عمرو بن أبي عمرو عن محمد: أن البائع إذا أحال على المشتري سقط الحبس، وإن أحاله المشتري لم يسقط الحبس.
وجه قول أبي يوسف: أن المشتري إذا أحال بالثمن فقد برئت ذمَّته بالحِوالة، فصار كالبراءة بالإيفاء، أو [كإبراء] (٣) البائع.
وجهُ قول محمد: أنَّ مطالبة البائع بالثمن لم تسقط، فكان له حق الحبس كما لو لم يُحَل، وليس كذلك إذا أحال البائع على المشتري؛ لأنَّ مطالبته بالثمن سقطت، فصار كما لو أبرأ أو استوفى. والله تعالى أعلم.
١١٧٠ - فَصْل: [ضمان البائع في المبيع]
قال أبو الحسن: والمبيع في ضمان البائع إلى أن يسلِّمه المشتري، إن هلك
стр. 1334
قبل ذلك بطل البيع، وهلك على ملك البائع، وكذلك إن دخله عيب كان من ضمان البائع.
والأصل في ذلك: ما رويَ أن رسول الله ﷺ "نهى عن بيع الثمار حتَّى تُزْهِي"، وقال: "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحلُّ أحدكم مال أخيه" (١)، فهذا يدلُّ على أن هلاك المبيع في يد البائع يُسقط الثمن، وهذا معنى قولنا إنَّه مضمون، وإنما قُلنا إن ضمانه يوجبُ سُقوط الثمن؛ لأنَّه لا يخلو إمَّا أن يَسقط الثمن أو تجب [القيمة] (٢) على البائع، فلا يجوز إيجابُ القيمة على البائع؛ لأنَّها لو وجبت لوجب على البائع تسليمُها بعقد البيع، وما وجب تسليمُه بعقد البيع فهو مبيع، والقيمة لا يجوز أن تكون مبيعةً في الذمَّة، وليس كذلك إذا استهلكه أجنبيٌّ؛ لأنَّ الأجنبيَّ لا يلزمه تسليم القيمة بعقد البيع، ألا ترى أنَّا لو تصوَّرنا ارتفاع البيع لزمه الضمان، ولو تصوَّرنا ارتفاع المبيع لم يلزم البائع الضمان، فدلَّ على أنّه يضمن بعقد البيع.
وليس هذا كمن تزوَّج امرأة على عين من الأعيان، فهلكت في يده أن عليه قيمتها؛ لأنَّه يجب (٣) عليه تسليمها بعقد النكاح، (وما وجب تسليمه بعقد النكاح) فهو مهر، والقيمة [يجوز أن] تكون مهرًا في الذمَّة.
١١٧١ - فَصْل: [الابتداء في دفع وقبض المتبايعين]
قال أبو الحسن: فإن أحضر المشتري الثمن فتشاحّا أيُّهما يقبض أوَّلًا: أُمر
стр. 1335
المُشتري أن يدفع الثمنَ أوّلًا ليتعيَّن ملك البائع كما تعيَّن ملك المشتري، ثم يسلِّم البائع.
قال الشيخ ﵀: جملة هذا أنَّ البيعَ إذا كان وقع على عين بثمن وجَب تسليمُ الثمن أوَّلًا، وإذا وقع على عين بعين أو ثمن بثمن سلَّما معًا، ولم يتقدَّم أحدهما في التسليم إلا باختياره واختلف قول الشافعي في هذه المسألة، فقال: يقول القاضي أيُّكما يتبرَّع على صاحبه، فإنْ تبرَّع أحدهما بالتسليم قبل الآخر سلَّم، وإن لم يتبرَّع، قيل لكل واحدٍ منهما: سَلِّم إلى أمين، فإذا حصل العوضان في يد الأمين، سلَّم إلى كل واحد منهما.
وقال في قول آخر: يسَلِّم المبيع أوَّلًا ثم الثمن، والدليل على ما قلناه: ما روى ابن عمر، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ثلاث لا يؤخّرن: الدَّين إذا وجدت ما تقضيه" (١)، والثمن دين فلا يجوز أن يؤخّر المُشتري قضاءه مع القدرة؛ ولأنَّهما عين محبوسةٌ بدين، فلا يؤمر بتسليمها قبل قبض الدين، أصله الرهن، ولا يلزم الثمن المؤجَّل؛ لأنَّ العينَ لا تحبس به؛ ولأنَّ حقَّ المشتري تعيَّن في المبيع ولم يتعيَّن حقُّ البائع فيها، ومن حكم العاقدين أن يتساويا، ولا يتعيَّن الدراهم عندنا بالتعيين، فوجبَ تسليمها حتى يتعيَّن حق البائع فيها كما تعيَّن حقُّ المشتري.
وأما إذا كان العقد وقع على عين بعين أو دينٍ بدين، فقد تساوى المتعاقدان ولا مزيَّة لأحدهما على الآخر، فوجَب أن يُسلِّما معًا.
١١٧٢ - فَصْل: [الامتناع من دفع الثمن إذا كان المبيع غائبًا]
قال أبو الحسن: وإن كان المبيع غائبًا عن حضرتهما، فللمشتري أن يمنع من
стр. 1336
التسليم حتّى يحضر المبيع، ويكون بحيث يُمكنه قبضهُ في مكانه إذا دفعَ الثمن؛ لأنَّه مستحقُّ عليه تسليم الثمن ليتوصَّل إلى قبض المبيع، فإذا كان المبيع غائبًا وكلّفناه دفعَ الثمن تَقَدَّم حقُّ البائع، وتأخر حق المُشتري، وفي هذا إلحاق ضرر به.
١١٧٣ - فَصْل: [صيغة تسليم العين والثمن]
قال أبو الحسن: وتسليم العين أن يقول مَن عليه تسليم ذلك للمشتري: قد سَلّمت إليك؛ حيث يمكن المشتري قبضها من غير مانع، وتسليم الثمن أن يحضره الذي هو عليه محوزًا مفرزًا من غيره، ثم يقول كما قال الآخر، وإذا قال ذلك، فقد خرج من ضمان المسلم [وصار ذلك في ضمان المسلم إليه] قَبِلَ ذلك المُسَلم إليه أو لم يقْبَلْ إذا لم يكن هناك مانع منه، فإن هلك هَلك في ضمان المُسَلم إليه، وإن دخله عيب لم يكن من ضمان المُسَلم.
قال الشيخ ﵀: جملة هذا أنَّ التسليم الذي يقتضيه عقد البيع هو التخلية التي يتمكن معها من القبض، فإذا وُجدت فقد برئ المُسلم. وقال الشافعي: التسليم في الدراهم والدنانير والأشياء الخفيفة هو قبضها بالبراجم، والمتاع الكثير قبضه أن ينقله المشتري من مكانه، والطعام إذا ابتاعه مكايلة فقبضه الكيل والنقل، وإن نقله من غير كيل فقد دخل في ضمانه، والقبض غير صحيح.
لنا: أن كل ما صار به قابضًا للتمرة المبتاعة على النخل، صار به قابضًا لغيرها كالنقل والتحويل؛ ولأنَّ البائع يجبُ عليه ما [يقدر] (١) عليه، والذي يتمكن منه رفع يده والتخلية من غير مانع، فأمَّا نقل المشتري فهو فعله، فلا يجوز أن يستحقَّ على البائع، ولأنَّه تصرف من المشتري فلا تقف صحّة التسليم عليه،
стр. 1337
كأكله ولُبسه (١).
١١٧٤ - فَصْل: [تسليم المبيع في تأجيل الثمن]
فإن كان الثمن دينًا مؤجَّلًا، [فالأجل] (٢) ما شرط فيه الآجل في عقد البيع، أو أجله مالكه بعد العقد، فليس للبائع منعه بالثمن المؤجل، وهذا على ما بيَّنا أن البائع إذا أجّل الثمن فقد أسقط حقَّه من القبض، فلا يسقط حقُّ المشتري؛ ولأنَّ التأجيل (٣) إنما يشترط تخفيفًا عن المشتري لينتفع به بالمبيع ويتأخر عنه قبض الثمن، فلو حبس البائع المبيع لم يكن في التأجيل فائدة.
١١٧٥ - فَصْل: [القبض في غياب المشتري وحلول الأجل]
قال أبو الحسن: فإن لم يحضر المشتري حتى حَلَّ الأجل، فله قبضه قبل أن ينقد الثمن، وللبائع أن يُطالبه بالثمن (٤) حالًا من غير أن يمنع السلعة (٥)، وذلك لأن العقد وقع غير موجب للحبس ابتداءً، فلا يوجب ذلك في الثاني، وصار كمن له على رجل دين حال وله في يده مال، فلا يجوز له حبسه به، وإن طالبه بدينه.
١١٧٦ - فَصْل: [التأجيل بالثمن سَنَةً غير معينة]
وقد قال أبو حنيفة: إذا أجَّله بالثمن سنة غير معيَّنة، فلم يقبض (٦) المشتري
стр. 1338
حتى مضت سنة، [فالأجل سنة] (١) من حين يقبض المبيع، رواه سعد الموصلي، وعمرو بن أبي عمرو، وهشام عن محمد عن أبي حنيفة: وإن كانت سنةً بعينها ومضت صارَ الثمن حالًا، وروى محمد عن أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة.
وجه قول أبي حنيفة: أن المدَّة إذا لم تكن معيَّنة، ففائدة التأجيل أن ينتفع المشتري بالمبيع ويترفَّه بتأخير الثمن عنه، وهذه الفائدة لا تحصل إلا بعد قبض المبيع، وليس كذلك إذا كانت السنة معيَّنة؛ لأنَّ الأجل تعلَّق بمدَّة بعينها، فلا يثبت في غيرها.
وجه قولهما: أن الأجل المطلق يكون ابتداؤه عقيب العقد، أصله مدَّة الإجارة.
١١٧٧ - فَصْل: [ابتداء الأجل المطلق مع وجود خيار للمتبايعين]
وأمَّا إذا كان في البيع خيار للمتبايعين أو لأحدهما والأجل مطلق؛ فابتداؤه من حين يجب العقد في قولهم؛ وذلك لأنَّ تأخير المطالبة إنما يكون فيما يجب المطالبة به، والبيع المشروط فيه الخيار لا يجب المطالبة بثمنه، فوجَب أن يكون ابتداء التأجيل من حين وجوب المطالبة [بالثمن، فكان التأجيل من حين يجب العقد، ويسقط الخيار]، وليس كذلك إذا كان في المبيع خيار رؤية؛ لأنَّ خيار الرؤية لا يمنع من وجوب المطالبة بالثمن، فكان التأجيل من حين العقد.
قال أبو الحسن: فإن أحدث المشتري في المبيع عيبًا نقصه، أو أحدث البائع بأمرهِ، فهو قبض من المشتري، إلا في النكاح خاصَّة إذا كانت جارية فزوَّجها المشتري، أو أن يقرَّ عليه بدين فإن ذلك لا يكون قبضًا استحسانًا، أما
стр. 1339
إذا دَخل في المبيع عيب ينقصه بفعل المشتري مثل: قطع يد أو شجةٍ، فقد صار مُستوفيًا لذلك الجزء بالمباشرة، وتثبت يَده على بقيَّة العبد؛ لأنَّه لا يستطيع قطع يده إلا بالتمكّن منه، فصار قابضًا لجميعه، [وكذلك] (١) إذا أتلف الملك فيه حكمًا، مثل أن يعتقه؛ لأنَّ إتلاف الملك كإتلاف العين، ألا ترى أن كلَّ واحد منهما يخرج العين من أن يكون مالًا فكما لو أتلفه دخل في ضمانه، كذلك إذا [أعتقه] (٢).
وكذلك إذا نقص المال حكمًا، مثل: أن يُدبِّر العبد، أو يقر أن الجارية أم ولد؛ لأنَّ نقصان الرق كنقصان [العيب] وزيادة، ألا ترى أن نقصان [العيب] لا يمنع البيع، ونقصان الرق يمنع، فإذا صار قابضًا بنقصان [العيب] (٣)، فنقصان الرقِّ أولى.
وكذلك إذا أمر المشتري البائع بذلك؛ لأنَّ المبيع على ملك المشتري، فأمره يتعلق به، فائدة فصار فعله كفعله.
وأما التزويج والإقرار بالدين، فالقياس أن يكون بهما قابضًا، والاستحسان أن لا يكون قبضًا، وقال أبو يوسف في غير رواية الأصول: التزويج قبض.
وجه القياس: أن التزويج عيب بدلالة أن للمشتري أن يردَّ المبيع به على البائع، فصار كسائر العيوب إذا حصلت بفعل المشتري.
وجه الاستحسان: أنَّ هذا عيبٌ من طريق الحكم، لا يوجب نقصان الرق،
стр. 1340
فصار كالإقرار بالدين، فأمَّا إن وطئها الزوج [في يد البائع، فهو قبض في قولهم؛ لأن الوطء أوجبه المشتري بفعله، فصار وطء الزوج] كوطئه.
١١٧٨ - فَصْل: [إيداع البائع المبيع عند المشتري]
وقد قالوا في الرواية المشهورة: لو أودع البائع المبيع عند المشتري، أو أعاره، لم يكن له أن يستردَّه. وروى ابن سماعة، عن أبي يوسف: أن للبائع رده إلى يده.
وجه قولهم: أن المبيع على ملك المشتري، فلا يجوز أن يكون تصرف فيه بإذن غَيره، فلم يبق إلا أن يكون متصرِّفًا فيه بحقِّ ملكه، وذلك قبض، وليس (١) هذا كالرهن إذا أعاره المرتهنُ للراهن؛ لأنَّه لا يتصرَّف فيه بأمر المرتهن، [وإنما يؤثر أمر المرتهن في إسقاط حقه، ثمّ إن الراهن يتصرف بحكم ملكه، إلا أن للمرتهن] أن يسترجع هناك، وليس للبائع أن يَسترجع ها هنا؛ لأنَّ عقد الرهن إنما ينعقد على الحبس، والحبسُ هو المعقود عليه، فتأكد، فجاز أن يثبت للمرتهن حَبسٌ بعد حبس، والبيع لا ينعقد على الحبس، وإنما الحبسُ من توابعه، فضعُف معنى الحبس، فلم يثبت للبائع حبس بعد حبس.
١١٧٩ - فَصْل: [إعارة المشتري البائع المبيع]
ولو أعار المشتري البائع المبيع أو أودعه إياه أو أجَّره إياه، لم يكن ذلك قبضًا، فإن هلك [هلك]، من مال البائع؛ لأنَّ يد البائع مُستحقَّة، فعلى أيّ وجه حصل إمساكه وقع عَن مستحقِّه، ولم يقع عن غيره، وإذا كان إمساكه بحكم البيع هلك من ضمانه.
стр. 1341
١١٨٠ - فَصْل: [الضمان في الجناية على المبيع]
وقد قال أبو يوسف: ولو جنى رَجل على المبيع فاختار المُشتري اتِّباع الجاني، خرج ما على الجاني من ضمان البائع، وقال محمد: هو في ضمان البائع حتَّى يقبضه.
وجه قول أبي يوسف: أنَّه لمَّا اختار تضمين الجاني؛ فكأنَّه أجاز فعله، فصار الأجنبي كالجاني بأمر المشتري.
وجهُ قول محمد: أن الجناية ليست قبضًا في الحقيقة، فتلحقها الإجازة، فما لم يسلم للمشتري لم يكن لها قابضًا.
١١٨١ - فَصْل: [القبض بالاستعمال أو الإعارة]
وقد قالوا: لو أرسل المشتري العبدَ في حاجته أو أعاره غير البائع أو أودعه إنسانًا، صار قابضًا؛ لأنَّه إذا أرسله في حاجته صار مستعملًا له، فثبتت يده عليه، ألا ترى أن أجنبيًا لو استخدمه عند إنسان ضمنه، وأما إذا أعاره فقد تصرَّف فيه بالعارية فصَارَ قبضُ المُستعير كقبضه.
فأما المودع فيده يد لمودِعه، فصارَ تسلم المودَع له كتسلم المُشتري.
١١٨٢ - فَصْل: [أمر المشتري البائع بالعمل في المبيع]
فإن أمر المشتري البائع أن يعمل في المبيع عملًا ينقصه أو لا ينقصه مثل القصارة والغسل بأجر أو بغير أجر، فما كان ينقصه فهو قبض، وما لم ينقصه فليس بقبض، [وللبائع الأجرة في الوجهين جميعًا هلك المبيع أو لم يهلك.
стр. 1342
أما إذا فعل ما ينقصه] ففعله بأمر المشتري كفعل المشتري، وإذا فعل ما لا ينقصه، ولا حصل تحت يد المشتري فهو كفعله من مكان إلى مكان، وأما وجوب الأجرة في الفعل الذي يصيرُ به قابضًا، فلا [شبهة] (١) فيه؛ لأنَّه إذا صارَ بفعل البائع قابضًا من طريق الحكم، صارَ بذلك القبض مُستوفيًا للعمل، فيجب عليه بدله.
وأمَّا إذا كان العمل لا يصير به المشتري قابضًا، فقد هلكت المنافع قبل القبض، فلا يجوز أن يجب بدلها، فيجب (٢) أن يحمل ما قالوه على المنافع التي لا تفتقر إلى التسليم إذا فعلت في الملك، مثل: الحمل فتجب الأجرة؛ لأنَّ التسليم فيها لا يُعتبر.
١١٨٣ - فَصْل: [الضمان إذا كان المبيع في يد المشتري]
ولم يذكر أبو الحسن حكم المبيع إذا كانَ المبيعُ في يد المشتري، وقد قالوا إن كلَّ موضع كان المبيعُ مضمونًا في يد المشتري بنفسه؛ مثل: الغصب، فإنَّه يدخل في ضمانه بنفسِ العقد، سواء كان المبيعُ بحضرته أو غائبًا عنه؛ وذلك لأنَّ ضمان المبيع هو ضمان الشيء بنفسه، بدلالة أن من اشترى عبدًا بجارية فقبض العبد [الذي دخل في ضمانه] وهلك في يده، ثم ماتت الجارية قبل التسليم، وجبَ عليه ضمان قيمة العبد، وهذا هو ضمانُ الغصب، فإذا باعه فقد وجد عقيب العقد القبض الذي أوجبهُ العقد، فدخل في ضمانه.
وإن كانت العينُ في يد المشتري أمانة، مثل: الوديعة والعارية، أو مضمونة بغيرها، مثل: الرهن، لم يدخل في ضمان المشتري، إلا أن يكون بحضرته، أو
стр. 1343
يرجع إلى حيثُ هو فيصير متمكِّنًا من قبضها؛ لأنَّ يدَ المودَع والمستعير يدُ أمانة، فلم يُوجد عقيب العقد القبض، الذي يقضيه البيع، وهو القبض المضمون.
فإذا كانت العينُ بحضرته فبقاؤه على الإمساك تجديد قبضٍ فيها، وإن كانت غائبة فلا بدَّ من تجديد القبض، وذلك لا يُمكن إلَّا أن يَصير بحيث يتمكن من قبضها، وأما الرهن فهو مضمون إلا أن ضمانه ليس هو الضمان الذي يوجبه عقد البيع؛ لما بيَّنا أنّ قبض المبيع مضمون بنفسه، والرهن مضمون بغيره، فلم يكن بدٌّ من تجديد القبض.
فَصْل: قال أبو الحسن: فإن وكَّل كلُّ واحد منهما بالقبض وكيلًا أو أحدهما، فذلك جائزٌ؛ لأنَّ القبض يصح فيه النيابةُ، فكان قبض الوكيل كقبض موكِّلهِ.
١١٨٤ - فَصْل: [قول المشتري: كِلْ الحنطةَ في هذه الغَرائِر]
وكذلك إن دفع المشتري إلى البائع غرائر، فقال: كِلْ هذا فيها، وهو تعينه فكاله، كانَ قبضًا كان المشتري حاضرًا أو لم يكن، ولا يكون ذلك قبضًا في السلم، إلا أن يحضر ربّ السلم أو وكيله، وقد بيّنا الفرْقَ بين المسألتين في باب السلم.
وقال أبو يوسف: إذا قال المشتري للبائع: أعرني [جَوالِقَك وكِلْه] (١) فيه، ففعل والمشتري حاضر فهو قبض، وإن كان غائبًا لم يكن قبضًا، وقال محمد فيهما: لا يكون قبضًا مع الغيبة حتى يقبض الجوالق منه ثم يسلمه إليه فيقول: كِلْ لي فيه.
стр. 1344
وجهُ قول أبي يوسف: أنَّه لمّا استعار الجوالق بعينه؛ صَارَ الكيل فيه كالكيل في جوالق [وليس كذلك إذا كان بغير عينه؛ لأن العارية لم تصح فيه، فصار البائع كائلًا في جوالق] لا يد للمشتري عليه.
وجهُ قول محمد: أن العارية لا تصح إلا بالقبض فما لم يقبض الجوالق لم تثبت يده عليه، فلا يكون بالكيل فيه قابضًا.
وقد قالوا إذا قال رجل لرجل: أقرضني قفيزًا من حنطة! وكِله في جوالقي هذا، فكاله المُقرض مع غيبة المُستقرض لم يكن قابضًا؛ لأنَّ المُستقرضَ لم يملك الطعام، فأمره فيه لا يتعلق به حكم كالسَّلم.
١١٨٥ - فَصْل: [القبض في العين والدَّين]
وقد روى ابن سماعة، عن أبي يوسف: فيمن اشترى كُرّا بعينه، وله على البائع كُرُّ دَينٍ فأعطاه جوالقًا، وقال: كِلْهما فيه، فكالهما، فهو قابض، سواء كال الدين أولًا أو المشترى، وقال ابن سماعة عن محمد في نوادر أبي يوسف: إن كال (١) الدين [أولًا] (٢) لم يكن قابضًا للدين، وكان قابضًا للعين، فيكونان شريكين فيهما، وإن كَالَ [العين] (٣) أولًا صار قابضًا لهما.
وجهُ قول أبي يوسف: أنَّه لما أمره بكيلهما فكال الدين، لم يصر بكيله قابضًا، فإذا خلطه بالعين صار قابضًا بخلطهما؛ لأنَّ الخلط من أسباب التمليك.
[وجه] (٤) قول محمد: أنَّه إذا كال العين أولًا فقد دخلت في قبض المشتري،
стр. 1345
فإذا كال الدين عليها، صار مستملكًا (١) له في ملك المشتري فيكون قبضًا، وأما إذا كال الدين أولًا فلم يملكه المشتري فبقي على ملكه، فإذا كال عليه المبيع فقد خلطه بملك نفسه، فلا يبرأ من الدَّين.
١١٨٦ - فَصْل: [تسليم البائع المشتري مبيعًا متعلقًا بآخر]
قال أبو الحسن: فإذا سلم البائع إلى المشتري مَبيعًا متعلِّقًا بملك آخر للبائع، فإن ذلك على وجهين: ما كان المشتري لا يمكنه تناوله إلا أن يُحدث في ملكِ البائع الذي لم يقع عليه عقد البيع حَدثًا يصل به إلى القبض، لم يكن ذلك تسليمًا من البائع، وهذا مثل من باع قطنًا في فراش فسلّم الفراش، أو حنطة في سنبل فسلم السنبل. وما كان المشتري يمكنه تناوله، بأن يُحدث في نفس المبيع القبض لا في غيره، [فهذا] (٢) تسليم، وهذا مثل التمرة على النخلة، أو الكرم.
والوجه في ذلك: أن التسليم في مسألة الفراش لا يمكن إلا بفتق الفراش، وذلك تصرّف في ملك البائع، وكذلك تسليم الحنطة لا يمكن [إلّا] بدقِّ [التبن] (٣)، وذلك تصرف في ملك البائع، والمشتري لا يستحق بالبيع التصرف فيما لو تملكه، فلم يصر قادرًا على التسليم، فلم يكن قبضًا، فأمَّا التمرة فأخذُها لا يقف على إحداث فعل فيما لم يملكه، وإنما يقف على التصرف فيما ملكه، فلا يمنع ذلك التسليم كالنقل الذي هو تصرّف فيما ملكه.
وعلى هذا قالوا: إن أجرة فتق الفراش ودق السنبل على البائع؛ لأنَّ ذلك
стр. 1346
ليس بقبض، وإنما هو فعل يتوصل به البائع إلى القبض المستحقِّ عليه، وقالوا في أجرة الجَداد وأخذ الثمر أنها على المشتري؛ لأنَّ ذلك القبض بعينه (١)، فصار كالنقل.
وقد قال عمرو بن أبي عمرو في إملائه: إن أُجرة الكَيَّال والوزَّان والذراَّع والعدَّاد على البائع، وهذا يريد به فيما باعه مكايلة أو موازنة أو عددًا أو ذراعًا؛ لأنَّ الكيل لإيفاء المستحق على البائع، فكانت أجرته عليه.
وقال ابن رستم عن محمد: أن أجر الناقد على المشتري، وأجر الوزّان على البائع؛ لأنَّ النقد إنما يحتاج المشتري إليه ليُميّز به ما تعلّق حقَّه به من غيره، فأجرةُ ذلك عليه.
وروى ابن سماعة عن محمد قال: أجرةُ الناقد والوزَّان على الذي عليه الدين، إلَّا أن يقبض دينه، ثم يدَّعي أنه من غير نقده، فإن الحاكم يجعل أجرةً ناقده عليه.
والوجهُ في ذلك: أن البائع ما لم يقبض الثمن فعليه أن يوفي الثمن الجيد كما عليه أن يوفي القدر، فإذا وجبت أُجرة الوزَّان عليه كذلك الناقد، وأما إذا قبض [صاحب] (٢) الحق حقَّه فقد دخل في ضمانه بالقبض، فإذا ادَّعى أنَّه على خلاف حقّه فالناقد إنما يميز ملكه ليستوفي [بذلك] (٣) حقًا له فالأج جرة عليه (٤).
стр. 1347
بَاب قبض المبيع بغير إذن البائع
قال أبو الحسن: إذا قبض المشتري المبيعَ بغير إذن البائع، فيما للبائع منعه حتى يستوفي الثمن، فللبائع أن يستردَّه من يد المشتري، فيكون في يده حتّى يستوفي الثمن.
قال الشيخ ﵀: والأصل في هذا ما بينا أن للبائع حق الحبس حتى يستوفي الثمن، فإذا قبض المشتري المبيعَ بغير أمره فقد أسقط حقَّه، فكان للبائع استرجاعُه إلى يده حتَّى يستوفي حقَّه؛ ولأنَّ المبيع محبوس لاستيفاء مالٍ كالرهن، ومعلوم أن الراهن لو أخذ الرهن من يد المرتهن بغير أمره أُجبر على ردِّه، كذلك المشتري، وليس كذلك إذا نقد المشتري الثمن ثم قبض المبيعَ بغير إذن البائع؛ لأن البائع لم يبق له حقٌّ الحبس لأجله، فإذا قبض المشتري فقد قبض بحق، ألا ترى البائع لو امتنع من التسليم أُجبر عليه، والقبض بحق لا يفسخ.
١١٨٧ - فصل: [تصرف المشتري فيما قبضه بغير إذن البائع]
قال أبو الحسن: وكذلك إن كان المشتري باعه أو وهبه أو رهنه؛ وذلك لأنَّ تصرفَ المشتري فيما قبضه بغير إذن البائع على وجهين:
كل ما يلحقه الفسخُ فللبائع فسخه واسترجاع المبيع، مثل: أن يبيع المشتري أو يرهن أو يهب أو يؤاجر أو يتزوج على المبيع؛ وذلك لأنَّ هذا التصرف مما يلحقه الفسخ، وقد تصرّف المُشتري مع تعلق حق غيره بالمبيع، فكان لصاحب
стр. 1348
الحق فسخ تصرُّفه، كالراهن إذا باع الرهن.
والضرب الثاني من التصرّف: ما لا يلحقه الفسخ، مثل: العتق، والتدبير، والاستيلاد، فلا يملك البائع ردّ المبيع إلى يده؛ لأن تصرف المُشتري صادفَ ملكه، وهو مما لا يلحقُه الفسخُ فنفذ، فلم يمكن الرجوع فيه، ولأنَّ المشتري لو فعل ذلك والمبيع في يد البائع نفذ وسقط حقٌّ الحبس، فإذا فعله بعدما قبضه أولى.
١١٨٨ - فصل: [البائع وجد الثمن زيوفًا قبل قبض المشتري المبيع]
فإن نقد المشتري الثمن ولم يقبض المبيع حتَّى وجد البائع الثمن أو بَعضهُ زيوفًا أو بهرجةً أو استحق أو كان ستوقًا أو رصاصًا، فللبائع أن يمنعَ المبيع حتى يستوفي الثمن؛ لأنا بيَّنا أن للبائع حق الحبس حتى يستوفي حقَّهُ، وحقه الجياد، فإذا قبض الزيوف ولم يسقط حقّه عن المبيع، كان له البقاء على الحبس حتَّى يقبض ما تعلَّق حقه به.
قال: وكذلك إن كان المشتري قبضه بغير إذن البائع بعد دفع الثمن الزيوف، فللبائع أن ينقض القبض؛ وذلك لأنَّا بيَّنا أن قبض المشتري بغير إذن البائع في الموضع الذي للبائع حق الحبس (١) كلا قبض، فكان له أن يسترجع المبيع.
فإن كان المشتري قد تصرَّف فيه؛ فتصرُّفه على الوجهين اللذين قدّمنا، يفسخ منه ما يلحقه الفسخ، ولا يفسخُ ما لا يلحقه الفسخ.
* * *
стр. 1349
١١٨٩ - فَصل: [البائع وجد الدراهم ستوقة وقد كان قبض المشتري بأمر البائع]
قال أبو الحسن: فإن قبضهُ بأمره ثم كان ذلك، ردّه البائع إلى يده إذا كانت الدراهمُ ستوقةً أو رصاصًا أو استحقَّت، وكان العبدُ قائمًا في يد المشتري لم يحدث فيه شيئًا، وليس له عليه في البهرجة والزيوف سبيل.
قال الشيخ ﵀: وهذه أربع مسائل:
إحداها: هذه سُوِّي فيها بين المستحقة والستوقة.
والمسألة الثانية: إذا قبض الراهنُ الدَّينَ فأخذ الرهنَ بإذن المرتهن ثم وجد الدين على إحدى هذه الصفات، فإنَّه يسترجعُ الرَّهن في الوجوه كُلِّها.
والمسألة الثالثة: المكاتب إذا أدَّى فعتق، ثم وجدَ المولى المال على إحدى هذه الصفات، فإن العتق يقع فلا يفسخ في الزيوف والبهرجة والمستحقَّة، ولا يعتق في الرصاص والستوقة.
والمسألة الرابعة: ذكر في كتاب الأيمان: إذا حلف لا يُفارق غريمه حتى يستوفي حقَّه فأعطاه دينه، ثم وجدَه على أحد هذه الصفات بعد الافتراق، برَّ في يمينه في الزيوف والبهرجة والمستحقَّة، وحنثَ في الستوقة والرصاص.
أمَّا الكلام في مسألة البيع: فقد بينا أن البائع لا يسترجع المبيعَ في الزيوف والبهرجة، وقال زفرُ: يَسترجعُه، وروي عن أبي يوسف مثله، قال ابن أبي مالك: هذا قوله الأوّل، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة.
وجهُ قولهم: إن الزيّوفَ والبهرجة يقع بهما الاستيفاء عن الجياد؛ بدلالة
стр. 1350
[أن من له الحق] لو تجوَّز بها في ثمن الصرف ورأس مال السلم جاز، فإذا أسقط حقه عن المبيع مع تعين ملكه في الثمن، لم يكن له استرجاعه كما لو وجده جيادًا، وليس كذلك الرصاص والستوق؛ لأن الاستيفاء لا يقع بها عن الجياد؛ ولهذا لو تجوز بها في ثمن الصرف ورأس مال السلم لا يجوز، فلم يقع بها الاستيفاء في مسألتنا، والبائع إنما أسقط حقَّه بشرط الاستيفاء، فكان له العودُ فيه، وأمَّا المُستحقَّة فلم يملكها بالقبض ملكًا صحيحًا، فإذا لم يُجز المستحقُّ القبضَ انفسخَ من أصله، فكأنّه لم يقبض.
والفرق بين مسألة البيع والرهن: أنَّ في الرهن يثبت له قبض بعد قبض، بدلالة أنَّ المرتهن لو أعار الراهن للرهن كان له استرجاعه، فإذا سلم الرهن عند الاستيفاء، ثم انفسخ الاستيفاء بالردِّ كان له استرجاعُ الرهن ثانيًا، وليس كذلك البيعُ؛ لأنه ليس له إلا قبض واحد، ألا ترى أن البائع لو أعار المشتري المبيع لم يكن له استرجاعه، (فإذا سلمه بعد تعين ملكه في قبض صحيح، لم يكن له استرجاعه) (١).
وجه قول زفر: أن البائع يثبت له [حق] الحبس ليستوفي حقَّه، والزيوف ليست حقَّهُ فصارت كالرصاص؛ ولأنَّه محبوس للاستيفاء كالرهن، وأمَّا الكتابة فإن العبد يعتق فيها من حيث الشرط، فإذا دفع الزيوف والمُستحقَّة وقبضها عن الجياد قبضًا صحيحًا، وُجِدَ شرط العتق فعتق، والمستحقَّة قبضُها قبض صحيح، ألا ترى أنَّه تري ليس لواحدٍ من المتعاقدين حقُّ الفسخِ فيها، فوجدَ بأدائها الشرط، فعتق، وأمَّا الستوقة والرصاص فليسا من جنس الدراهم، فلا يوجد
стр. 1351
بأدائها الشرط فلا يعتق.
وأمَّا مسألة اليمين، فلا شبهة فى الزيوف والبهرجة؛ لأنَّ قبضها عن (١) الجيَاد قبضٌ صحيحٌ، فإن ثبت لقابضها الخيار، وإذا صحَّ القبض وجد شرط البرّ، وأما المستحَقّة فقد كان يجبُ أن لا يبرأ فيها؛ لأنَّه لا يملكها بالقبض، ولكنَّهم قالوا: الأيمان محمولة على العُرفِ، ومَعلومٌ أن من حَلف أن لا يفارق غريمه حتى يستوفي، إنما يريدُ [بيمينه] (٢) أن لا يُفارقه وله عليه مُطالبته، وهو إذا قبضَ المستحقَّة فقد سقطت مطالبته في الحال، وإنما يثبت له حق المطالبة في الثاني إذا لم يجد المُستحق قبضه، وهذا لا يمنع من وجود شرط البر.
١١٩٠ - فَصل: [تصرف المشتري في المبيع ببيع أو إجارة]
قال أبو الحسن: فإن كان المشتري قد تصرَّف فيه ببيع أو رهن أو إجارة، فلا سبيل للبائع عليه؛ وذلك لأنَّ المشتري قبضه بتسليطه، فإذا تصرَّف فيه سقط بذلك حقَّ الفسخ كالمقبوض على وجه بيع فاسد إذا تصرف فيه المشتري.
١١٩١ - فصل [تجزئة الصفقة الواحدة]
قال أبو الحسن: وإن كان المُشتري اثنين فنقده أحدُهما حصَّته أو نقداه إلا درهمًا واحدًا، بقي على أحدهما، فله أن يمنع جميع المبيع حتى يستوفي ما على الآخر؛ وذلك لأن البيع صفقة واحدة ألا ترى أن الثمن جملة واحدة فصار، كالمشتري الواحد.
стр. 1352
١١٩٢ - فصل: [قبض المبيع من أحد المشترِيَين]
قال أبو الحسن: فإن غاب أحد المشتريَين وحضر الآخر، لم يكن له أن يقبض المبيع [حتى] يُسلم جميع الثمن، ولا يجبر على ذلك، فإن اختار ذلك سلّمه وقبض العبد، ولم يكن متبرِّعًا فيما نقد في قول أبي حنيفة ومحمد، وله حبس العبد حتى يُعطيه شريكه ما نقدهُ عنه، وقال أبو يوسف في الأصل والجامع الصغير: ليس له أن يقبض حتى يؤدّي جَميعَ الثمن، فإذا أدَّى قبض نصيبه خاصَّة، وهو متطوع فيما نقد عن صاحبه، وذكر بشر بن الوليد عنه في نوادره: أنه يدفع نصف الثمن، ويأخذ نصف العبد، فإذا أدى جميع الثمن وأخذ العبد فهو متطوع.
وقال الشافعي: له أن يأخذ نصف العبد إذا أدَّى نصف الثمن.
وإنما قلنا: إنَّه لا يجوز أخذ شيء من العبد إذا أدَّى نصيبه من الثمن؛ لأنَّ في ذلك تفريق الصفقة [على البائع] (١) في الحبس، وذلك لا يجوز، كما لا يجوز تفريق الصفقة عليه في الملك، وأصله إذا كان المشتري واحدًا.
وعلى الشافعي: أن البائع سمَّى ثمنًا حالًا جملةً واحدةً، فلا يجوز قبض شيء من المبيع قبل استيفاء الثمن، كالمُشتري الواحد، وإنما قلنا إنَّه إذا أدَّى نصيب شريكه لم يكن متطوعًا؛ لأنَّه لا يتوصل إلى استيفاء حقِّه إلا بأداء ذلك، فدخولهما في العقد إذن من كل واحد منهما لصاحبه فيما يتوصل به إلى تحصيل أحكام العقد، فصار ذلك كالإذن في دفع الثمن من طريق القول، وليس كذلك إذا كان شريكه حاضرًا؛ لأنَّه يتوصل إلى استيفاء حقِّه من غير دفع الثمن بأن يقدّم الشريك إلى الحاكم فيلزمه الاجتماع معه على الدفع، فإذا لم يفعل حتى أدَّى
стр. 1353
ذلك كان متطوِّعًا.
وإنما قلنا إنَّه لا يجبر على ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يلزمه قضاء دين غيره إلا بضمان، ولم يُوجد من أحد الشريكين ضمان.
وإذا ثبت أنَّه لا يقبض حتَّى يؤدِّي الثمن، فإذا أدَّى الثمن كان له قبض جميع العبد؛ لأنَّه قام مقام شريكه في أداء الثمن بحكم العقد، فصار كوكيله في الشراء.
وإذا قبض العبدَ رجع على شريكه بما أدَّى عنه؛ لأنَّه أداه بمقتضى العقد الذي دخل شريكه معه فيه، فصار كالمؤدي بأمره.
وله حبس نصيب شريكه حتَّى يستوفي؛ لأنَّ الأداء إذا صار كالمأمور به، صارَ قبضُ الشريك كقبض الوكيل بالشراء، فله الحبس عندنا.
فإن هلك في يده قبل حبسه هلك على الأمانة، وإن حبسه فهلك كان مضمونًا، وسنبين هذا في الوكيل بالشراء.
فأما أبو يوسف فقال في رواية الأصول: لا يقبض حتى يدفع جميع الثمن لما قدَّمنا، إلا أنَّه إذا أدَّى [قبض نصيبه؛ لأنه متطوع عنده في الأداء، فصار كالأجنبي إذا أدَّى]، وإنما كان متطوعًا لأنه أدَّى عنه بغير أمره فصار كالأجنبي، وقال في رواية بشر [عن أبي يوسف]: يؤدِّي نصف الثمن ويقبض نصف المبيع؛ لأنَّه أَدَّى جميع ما لزمه بالعقد، فكأنه ابتاع، وحده، فإن قبض الجميع، فقد قبض ما ليس له قبضه، فكان ضامنًا.
وقد روي عن أبي حنيفة أنَّه قال: إذا أدَّى جميع الثمن وقبض العبد فمات
стр. 1354
في يده رجع على شريكه بنصف الثمن، وهذا محمول على أنَّه هلك قبل الحبس.
١١٩٣ - فَصل: [اختلاف البائع والمشتري في القبض]
قال أبو الحسن: وإذا اختلف البائع والمشتري في القبض، فقال المشتري: لم أقبض ما اشتريت، وقال البائع قد قبضته، فالقول قول المشتري مع يمينه على البتات؛ وذلك لأنَّ المبيع في ضمان البائع، فإذا ادَّعى البراءة من الضمان، فلا يُصدَّق.
ويُستحلف المُشتري؛ لأنَّا جعلنا القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومة، والشيء ممَّا يَصحُّ بذله، فكان القول قوله مع يمينه، ويُحلّف على البتات؛ لأنَّها يمين على فعل نفسه.
قال: وكذلك إن قبض المُشتري بعضه، فقال: قبضتُ ثلثه، وقال البائع: نصفه، فالقول قول المشتري؛ لما قدَّمنا.
قال: فإن اختلفا في قبض الثمن، فهو على ما قدم قدَّمت في كتاب السّلم إذا اختلفا في [قبض] رأس المال، يعني أنَّ القول في ذلك قول البائع مع يمينه؛ لأنَّ الثمن في ضمان المشتري، فإذا ادَّعى التسليم فقد ادَّعى البراءة من الضمان، فلا يقبل قوله.
١١٩٤ - فَصْل: [فسخ البيع بإصابة المبيع]
ذكر أبو الحسن في الجامع الكبير: إذا قال البائع: قطعتَ يده أيّها المشتري فصرت بذلك قابضًا، وقال المشتري: قطعت أنت أيها البائع يده، فانفسخ البيعُ فيها، لم يقبل قول واحد منهما على الآخر، كأنها ذهبت بآفة من السماء، فيكون
стр. 1355
المُشتري بالخيار؛ وذلك لأنَّ البائع يدعي البراءة من الضمان، فلا يُقبل قوله، والمشتري يدَّعي [سقوط بعض] (١) الثمن، فلا يُقبل قوله.
فإن اختار المشتري أخذه؛ أخذ بجميع الثمن بعد أن يحلف كل واحد منهما على دعوى الآخر، أما البائع فيدَّعي عليه سقوط بعض الثمن، وأما المشتري فيدَّعي عليه دخول المبيع في ضمانه، فإن اختار المشتري الردَّ حلفَ المشتري وحده؛ لأَنَّ البائع يدعي عليه دخول المبيع في ضمانه، فلا فائدة في تحليف البائع مع ردِّ المبيع عليه.
ولو كان المبيع مما يُكال أو يُوزن فذهب بعضه، فقال البائع للمشتري: أنت أكلته، وقال المشتري [للبائع]: أنت أكلته، لم يقبل قول كل واحد منهما على الآخر؛ لما قدَّمنا، وكأنه ذهب بعض المبيع بآفة من السماء، ويقال للمُشتري إن شئت فخذ ما بقي بحصَّته، وإن شئت فرُدَّ، فإن اختار [الأخذ، حلف كل واحد منهما على دعوى الآخر، وإن اختار] الرد، حلف المشتري وحده، وهذا على ما بيَّنَّا.
فإن أقام أحدهما البيِّنة قبلت بيِّنته؛ لأنها بينة في مقابلتها دعوى، فإن أقاما جميعًا بينة فالبينة بينة البائع؛ لأنَّها تثبت دخول المبيع في ضمان المُشتري، وبيِّنة المشتري تنفي ذلك؛ ولأنَّ في بيِّنته فائدة، وهي إيجاب الثمن على المشتري، ولا فائدة في بيِّنة المشتري أكثر من فسخ المبيع، فكانت بيِّنة البائع المتضمِّنة للفائدة أولى (٢).
стр. 1356
بَابْ ما يفسد به البيع
قال أبو الحسن: جملة ما يَفسد به البيع؛ أن يكون المبيعُ مجهولًا أو ثمنه، أو [يكون] محرَّمًا أو ثمنه، أو يكون في المبيع حق لغير بائعه، لا يجوز للبائع فسخهُ، أو أن يشترط فيه [شرطًا فيه] منفعة لأحد من الناس لا يوجبها العقد، أو يكون المبيع مما لا [يقدر] (١) على تسليمه، أو يكون في المبيع أو في ثمنه غَرَر.
أمَّا جهالة المبيع؛ فلما روي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من أسلم فليُسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم" فاعتبر العلم بالمبيع، فدلَّ على أن ذلك شرط، وقال في الإجارة: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (٢)، ولأنَّ الجهالة يتعذَّرُ معها التسليم؛ لأنَّ المبيع إذا لم يُعرف؛ لم يعلم المشتري ما يستلم، وكذلك جهالة الثمن؛ لأنَّه أحد العوضين في العقد [فصار] كالآخر، وهذه الجهالة المفسدة هي المانعةُ من التسليم، فأمَّا الجهالة التي لا يتعذَّر معها التسليم، فلا تمنع العقد كجهالة كيل الصُبرة، وكمن قال: أبيعك هذا [العِدل]، وهو لا يعلم عدده.
وأما إذا كان المبيع محرَّمًا أو ثمنه، مثل بيع الخمر، وبيع الخنزير، وبيع المُحْرِم الصيدَ؛ فلقوله ﵇: "لعنَ الله الخمرَ وبائعها، ومشتريها" (٣)، ولأنَّ العين
стр. 1357
المحرَّمة منعت الشريعةُ من التصرُّف فيها، والبيع يعلم جوازه بالشرع، فلم يصح فيما منع الشرع منه.
وأمَّا الحق في المبيع لغير البائع، فمثل بيع الرَّهن، وبيع ما آجره؛ لأنَّ البائع لا يقدرُ على تسليمه عقيب العقد؛ لعدم ثبوت يده عليه، فهو كالطَّير في الهواء، [والسمك في الماء].
وقد اختلفت العبارة في الكتب في هذه المسألة: فقال في موضع: البيع فاسد، وقال في موضع: البيع موقوف، فمن أصحابنا من جَعلهُ روايتين، ومنهم من قال: رواية واحدة، أنَّه موقوف، وقوله فاسد، أي: أنه يفسده (١)، فإن قلنا: أنَّه فاسد، فقد بينا وجهه، وإن قلنا أنَّه موقوف، وهو الصحيحُ؛ فلأنَّه عقد على ملك نفسه ولغيره فيه حق، فوقف تصرُّفه كالوصيِّة بجميع المال؛ ولأنَّه لو عقد على ملك غيره وقف، فإذا عقد على ملكِ نفسه وللغير فيه حق يمنع نفوذ العقد أولى أن يقفَ.
وأمَّا قوله: أو أن يشترط فيه منفعة لأحد من الناس لا يوجبه العقد فمثل: أن يشترط فيه منفعة للبائع، وهو أن يقولَ: على أن أهب لك أو أقرضك، أو للمشتري مثل أن يقول: على أن يقرضني [أو يهب] لي، أو للمعقودِ عليه، مثل أن يقول: أبيعك هذا العبد على أن تعتقه، أو تدبِّره، أو لغيرهما، مثل أن يقول: على أن تبيع من فلان عبدك، أو تقرضه عشرة، فالبيع في هذا كلِّه فاسد؛ لما
روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبيَّ-﵇ "نهى عن بيعٍ
стр. 1358
وشرط" (١)، وفي هذه الجملة كلام نذكره في باب الشروط.
فأمَّا قوله: إذا كان الشرط لا يقتضيه العقد؛ فلأنَّ الشرط الذي يقتضيه العقدُ لا يبطله، مثل أن يقول البائع: على أن أحبسَ المبيع إلى أن أستوفي، أو على أن تسكن أيها المشتري الدار، أو تطأ الجارية، فهذه شروط يقتضيها العقد، ليس فيها ضرر على واحدٍ منهما، فلا يفسد.
فأمَّا إذا كان المبيعُ مما لا يقدر على تسليمه؛ فالبيع فاسد، مثل بيع الرَّهن، وبيع الطير (٢) إذا طار من يده؛ لأنَّ التسليم موجبُ العقد، فلم ينعقد العقد مع تعذر موجبه.
وأمَّا قوله أو يكون في المبيع أو في ثمنه غَرَر، فمثل السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع الآبق، أما السمك في الماء؛ فلأنَّه لا يملكه، وقد (نهى النبي ﷺ عن بيع ما لم يملك)، وأمَّا الآبق؛ فلأنَّه لا يقدر على تسليمه عقيب العقد؛ لعدم ثبوت يده عليه.
قال أبو الحسن: وكذلك بَيعُ ما ليس عندَ البائع، والأصل في ذلك حديثٌ حكيم بن حزام قال: كنتُ أدخل السُوق فأستحسن السلع، ثم أخرج، فأبيعها، ثم أبتاعها، فأسلِّمها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "لا تبع ما ليسَ عندك".
قال أبو الحسن: وكذلك بيع ما لم يُقبض، وقد بيَّنّا أن بيع الأعيان التي تنقل وتحوّل، لا يجوز قبل القبض.
стр. 1359
قال: وكذلك إذا باع دَينًا له في ذمَّة غير المشتري، وقد قال أصحابنا: إنّ تمليك الدين لغير مَن في ذمَّته لا يجوز، وقال مالك: يَجوزُ لنا أن البائع يعجز عن تسليم ما في ذمَّة غيره، عقيب العقد لعدم ثبوت يَده عليه، فصار كبيع العبد الآبق، وليس كذلك إذا باعه ممَّن في ذمَّته؛ لأنَّه يسلم إليه عقب العقد، فصار كبيع العين المغصوبة من الغاصب، وإن لم يجز من غيره.
١١٩٥ - فَصل: [صفقتان في صفقة واحدة]
وكذلك صفقتان في صفقة واحدة، ومعنى ذلك أن يقول: أبيعك هذا العبدَ بألف درهم، على أن تبعني هذا الفرس بألف، لما رُوي عن النبيِّ ﷺ أَنَّه "نهى عن صفقتين في صفقة، وعن بيعين في بيع" (١)، [ولأنه شرط منفعة لا يقتضيها العقد.
قال: وكذلك شرطان في بيع]، وهذا مثل أن يقول: إن أعطيتني الثمن حالًا فبألف، وإن أخَّرتني شهرًا فبألفين، أو يقول: أبيعك بقفيز حنطة أو بقفيزي شعير، فلا يجوز؛ (لنهيه ﵇ عن شرطين في بيع) (٢)؛ ولأنَّ الثمن مجهولٌ عند العقد؛ لأنَّ البائع لا يدري أيُّ الثمنين يلزم المُشتري (٣).
стр. 1360
١١٩٦ - فصل: [بيع الأوصاف والأتباع]
قال: وكذلك بيع الأوصَافِ والأتباع من الحيوان، أما بيع الأوصافِ، فكبيع ألية الشاة الحيَّة، وأما الأتباع من الحيوان، فكبيع [نتاج] الفرس، وكبيع اللبن في ضرع الشاة، أما الأوَّل: فلا يجوز بيعه؛ لأنَّ ذلك [محرم] استباحته من الحيوان قبل الذبح؛ ولأنَّه لا يمكن تسليمه إلا بضرر.
وأمَّا الثاني: (فلنهيه ﷺ عن بيع الجنين، وعن بيع الحبلة، وحبل الحبلة) (١)، وروى ابن عباس (أن النبيَّ ﷺ "نهى عن بيع اللبن في الضرع" (٢).
١١٩٧ - فصل [بيع ما لا يتبعض إلا بضرر]
[قال]: وكذلك ما (٣) لا يتبعض من غير الحيوان إلا بضرر، وهذا كبيع ذراع من ثوب، أو نوىً من تمر؛ لأنَّ البائع لا يمكنه تسليمُ المعقود عليه إلا بضرر لم يستحق بالعقد.
فأمَّا إذا كان ذلك ممَّا [لا] ضرر في تبعيضه، فيجوز مثل أن يقول: أبيعك عشرة دراهم من هذه النقرة، فيجوز؛ لأنَّه لا ضرر في تبعيضها، فهو كبيع قفيز من صُبرةٍ (٤).
* * *
стр. 1361
١١٩٨ - فَصل: [البيع بثمن ثم الشراء بأقل مما باعه قبل القبض]
قال أبو الحسن: ولا يجوز أن يبيع بيعًا بثمن، ثم يشتريه بأقل مما باعه قبل أن يقبض الثمن، قال الشافعي: يجوزُ (١).
لنا: ما رُوي أن أمَّ ولد زيدِ بن أرقم قالت لعائشة ﵂: إنِّي بعت من زيد جاريةً بثمانمائة إلى العطاء، فابتعتها منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: بئسما شريت، وبئسما اشتريت، ألا أخبري زيد بن أرقم أنَّ الله أبطل حجه وجهاده مع رسول الله إن لم يتب) (٢)، وسُئل ابن عباس عمَّن باع حريرة بمائة نَسأً، فاشتراه بخمسين نقدًا، فقال: الحريرة بالخمسين والخمسون ربا؛ ولأنَّه أحد العوضين في بيوع الأعيان، فجاز أن يكون لعدم قبضه تأثير في المنع من التصرُّف في المبيع كالمبيع، وكمن باع عينًا بعين.
* * *
стр. 1362
بَاب البيوع الفاسدة، وما يُملك فيها وما لا يُملك
قال أبو الحسن: البيعُ الفاسدُ لا يملك بعَقده شيء على [كل] حال، أي شيء كان المبيعُ وما كان ثمنه، وبأي وجهٍ فسد؛ وذلك لأنَّ البيعَ الفاسدَ ممنوع منه لحق الله تعالى، فمنع من تعلُّق الأحكام به؛ ولأنَّ القائل أحدُ قائلين، إما من قال: إنَّه لا يُملك به بحال، أو من قال: يُملك بالقبض، فصار امتناع الملك بالعقد ثابتًا بالإجماع، ولا يلزم على هذا إذا باع ما في يدي المُشتري؛ لأنَّ الملك لا يقع بالعقد، وإنما يقع بالقبض؛ بدلالة أنَّه لو كان في يده أمانة فاشتراها شراءً فاسدًا، لم يملكها إذا لم يكن بحضرته حتَّى يعود إلى المكان الذي هو فيه.
١١٩٩ - فصل: [القبض بإذن البائع في البيوع الفاسدة]
قال أبو الحسن: وإذا قبض بإذن البائع فهو على وجُوه ثلاثة: ما كان لبدله قيمة، فهو يملك إذا قبض إذا كان المقبوض مما يجوزُ أن يملكه بالبيع الصحيح، وما كان ثمنه لا قيمة له، فإنّه لا يملك وإن قبض.
قال الشيخ ﵀: الكلام في هذا أولًا في وقوع الملك بالقبض في الجملة، وقال الشافعي: ولا يملك وإن قبض (١).
لنا: ما روي أن عائشة ﵂ استامت بريرة فأبى مواليها أن يبيعوها إلا أن
стр. 1363
يشترط الولاء لهم، فاشترت واشترطت وأعتقت، وذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فأجاز العتق وأبطل الشرط، وخطبَ فقال: "ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى، شرط الله أملك، وحكم الله أوثق، ما بال أحدكم يقول: أبيع على أن الولاء لي، إنما الولاء لمن أعتق" (١)، فأجاز النبي ﷺ العتق معَ فسادِ البيع بالشرط.
احتجَّ بهذا الحديث أبو يوسف؛ ولأنَّه نوع معاوضة، فجاز أن يقع الملك فيه بالقبض، كالهبة والقرض، ولا يلزم النكاح؛ لأنَّ الملك فيه يقعُ ويقفُ على القبض، ألا ترى أنَّه إذا دخل بها يملك المنفعة بالدخول، ولهذا يجبُ عوضها؛ ولأنَّ البدل فيه يقفُ ملكه على القبض أيضًا؛ ولأنَّه أحد ما يملك به المشتري التصرَّف في المبيع، فصار كالعقد.
١٢٠٠ - فصل: [الملك بالقبض فيما كان العوض لا قيمة له]
وأمَّا إذا كان العوض فيه ممَّا لا قيمة له، لم يملك [بالقبض]، وهذا مثل البيع بالدم والميتة [والذبح]، قال أبو يوسف وكذلك إذا قال أبيعك بغير ثمن؛ لأنَّ البيع ما اشتمل على عوضين، وما اشتمل على عوض واحد فهو هبة وصدقة، فلم يكن ذلك بيعًا، فلم يملك به.
وأمَّا إذا كان العوض ممَّا له قيمةً، فقد ذكر ابن سماعة عن محمد في نوادره: إذا قال أبيعُك بما يرعى إبلي في أرضك، أو بما يشرب من ماء بئرك، فإنه يملك المبيع بالقبض؛ لأنَّ سمَّى في مقابلته ما له قيمة، ألا ترى أنَّه لو قطع الحشيش واستقى الماء في إناء جاز بيعه فاشتمل العقدُ على عوضين، فلذلك ملك المبيعَ.
стр. 1364
قال أبو يوسف ومحمد: وكذلك لو باعه وسكت عن الثمن؛ لأَنَّ البيع يقتضي العوض، فإذا سكت عنه ثبتت القيمة، وهي مال، وليس كذلك إذا قال بغير ثمن؛ لأنَّه نفى العوض، والبيعُ بغير عوض ليس ببيع.
وقد قالوا: فيمن باع عبدًا بجارية من جواري [المشتري] (١)؛ لم يُبيّنها، ملك العبد بالقبض؛ لأنَّه سمَّى بدلًا له قيمة.
قال معلى، عن أبي يوسف: ولو قال أبيعكَ بالكعبة أو بالربح، لم يملك وإن قبضَ؛ لأنَّه لم يذكر بدلًا [له قيمة]، ولا فرق بين أن يكون البدل مقومًا في حق المسلمين أو في حق غيرهم، مثل البيع بالخمر والخنزير؛ لأنَّه مال لأهل الذمَّة، وإن لم يكن مالًا للمُسلمين؛ ولهذا يجبُ على متلفه عليهم ضمانه، فقد سمَّى بدلًا له قيمة بحالٍ.
١٢٠١ - فَصل: [البيع الفاسد من قبل الشرط الذي يدخل فيه]
فأمَّا القسم الثالث من أقسام أبي الحسن: فهو البيعُ إذا فسد من قِبَل الشرط الذي يدخل فيه، ولم يكن الفساد من جهة المبيع، ولا بَدَلَه؛ وذلك لأنَّ هذا العقد يجوز أن يصحَّ عندنا بإسقاطِ الشرط، فإذا وقع الملكُ بالعقد الذي لا يجوزُ أن يصحَّ بحال، فوقوعه بعقد يجوز أن يصح بحالٍ أولى.
قال أبو الحسن: وكذلك إن كان أحدُ البدلين مُدبرًا أو مكاتبًا أو أم ولد؛ وذلك لأنَّ الرق المعقود عليه موجود فيهم، فملك ما في مقابلتهم.
قال أبو الحسن: ومَا كانَ من الأثمان مجهولًا اعتُبِرَت منه ما له قيمة فيما
стр. 1365
يملك بالقبض، والمجهول والمعلوم فيه سواء؛ وذلك لأنَّ البيعَ الفاسدَ العوضُ فيه القيمة، والمسمَّى ليس بعوضٍ، فجهالته ومعرفته سواء.
١٢٠٢ - فَصل: [القبض بغير إذن البائع في البيع الفاسد]
قال أبو الحسن: وما قبضه بغير إذن البائع فهو كما لم يقبضه في البيع الفاسد، وهذه الرواية المشهورةُ عنهم: أن الملك لا يقع بالقبض حتى يأذن البائع للمشتري في القبض، وذكر محمد في الزيادات: إذا قبضه بحضرة البائع فلم ينهه، أنَّه قبض ويملكه. ولم يحكَ عن أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا.
وجهُ الرواية الأولى: أن الملك لا يقع بالعقد، وإنما يقع بالقبض، فلا بدَّ من إذن البائع فيما يقع به الملك، كالقبول في البيع الصحيح.
وجهُ الرواية الأخرى: أن العقد في نفسه تسليط، فإذا شاهد القبض ولم يمنع منه، فقد وقع الملك به بالتسليط الذي هو العقد.
وقد قال أصحابنا: فيمن وهب هبةً، فالقياس أن لا يملكها الموهوب له حتَّى يأذن في قبضها؛ لأنَّ القبض يقع به الملك، فلا بدَّ من التسليط عليه، إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إذا قبضها في مجلس العقد جَاز؛ لأنَّ الملك يقع بالعقد والقبض، والواهب بالعقد (١) إذن بالقبض، ألا ترى أن المبيعَ لما وقع الملكُ فيه بالإيجاب والقبول لم يحتج البائع بعد الإيجاب إلى إذن في القبول، وقالوا في الهبة: إن افترقا من مجلسهما لم يصح قبض الموهوب له حتَّى يأذن الواهب في القبض فيها؛ [لأن القبض فيها] كالقبول في البيع [والعقد كالإيجاب]، فكما لا
стр. 1366
يصحُ القبول بعد الافتراق إلا بإيجاب آخر، فكذلك لا يصح القبض إلا بتسليط بعد الافتراق، [ويجوز] (١) أن يكون قبض البيع الفاسد بعد الافتراق على رواية الزيادات مثل الهبة، لا تصح إلا بعد الإذن فيه (٢).
* * *
стр. 1367
بَاب الشروط التي تُفسد البيع
قال أبو الحسن: جملةُ ما يَفسدُ به البيع من الشروط: أن يدخل فيه شرطًا لا يُوجبهُ العقد، والأصل في فَساد البيع بالشرط الذي لا يقتضيه: ما روى أبو حنيفة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبيَّ ﷺ "نهى عن بيع وشرط"، وقال لعتاب بن أسيد لمَّا بعثه إلى مكَّة: "انْهَهُمْ عن أربع: عن بيع وشرط، وعن بيع وسَلف" (١)، وقد رويَ عن عبد الوارث بن سعيد قال: دخلت مكَّة فأصبت بها ثلاثة من فقهاء الكوفة، فسألت أبا حنيفة عن بيع وشرط؟ فقال: البيع باطل والشرطُ باطل، فسألت ابن أبي ليلى، فقال: البيع جائز والشرط باطل، فسألت ابن شبرمة، فقال: البيع جائز والشرط جائز، فعدتُ إلى أبي حنيفة فأخبرته بما قالا، فقال: لا علم لي بما قالا، حدَّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،، عن جدَّه، (أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط)، فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بذلك، فقال: لا علم لي بما قالا، حدَّثني هشام بن عروة، عن أبيه، (عن عائشة: أنَّها اشترت بريرة واشترطت أن يكون الولاء لمواليها، وقبضتها، وأعتقتها، فأجاز رسول الله العتق وأبطل الشرط) (٢)، فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بذلك، فقال: لا علم لي بما
стр. 1368
قالا، حدَّثني محارب بن دثار، عن أبي الزبير، عن جابر، (أن رسول الله ﷺ اشترى بعيرًا من أعرابي، وشرط حمولته إلى المدينة) (١).
وما ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ أولى؛ لأنَّه يقتضي الحظر، فهو أولى مما يقتضى الإباحة؛ ولأنَّ خبر عائشة ﵂ لا دلالة فيه؛ لأنَّ البيع فسد عندنا بالشرط، والبيعُ الفاسد إذا اتصل بالقبض ملك، فنفذ العتق مع فساد البيع، وأمَّا حديثُ جابر فلا دلالة فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكون شرط بعد العقد، والشرط إذا لم يكن في نفس العقد لم يفسد، إذا ثبت هذا الأصل، قال بشر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: كل شرط في البيع لا يقتضيه وفيه منفعة للبائع، أو للمشتري، [أو للمبيع]، أو لغيرهما، أو فيه مضرة على المشتري وليس فيه نفعٌ لأحد، فالبيع فاسد.
وقال هشام عن محمد: إذا شرط فيه شرطًا ليس فيه منفعة لأحد لم يَفسد العقد، وروي ذلك عن أبي حنيفة، وقال في المزارعة الكبير: ألا ترى أن أبا حنيفة كان يقول: لو باع رجلٌ جارية على ألا يطأها المشتري فالبيع جائز والشرط باطل.
فوجهُ رواية أبي يوسف: أنَّه شرط في العقد ما لا يقتضيه، فصار كالشرط الذي فيه منفعة.
وجهُ رواية محمد: أن الشرط إنما يثبت حكمه إذا تعلَّق به حق لمستحق،
стр. 1369
وهذا شرط لا يتعلَّق به حقّ أحد، فسقط حكمهُ، وصار كأن لم يكن.
قال ابن سماعة، عن محمد فيمن قال: أبيعُك هذا العبد على أن لا تبيعه، فالبيع جائز والمشتري بالخيار: إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، وهذا على روايته؛ لأنَّه لا حق في هذا الشرط لأحد، وقال أبو يوسف: إذا قال أبيعُك على أن لا تبيع، ولا تهب، فالبيع فاسد، وهي رواية الأصل؛ لأنَّه شرط لا يقتضيه العقد، وقالا جميعًا: فيمن باع عبدًا على أن المشتري متى باعه فالبائع أحق بثمنه، إن البيع فاسد؛ لأنَّ هذا الشرط فيه منفعةٌ للبائع لا يقتضيها العقد، وكذلك لو باع جارية على أن يهبها لفلان؛ لأنَّ هذه منفعة لغير المتعاقدين لا يقتضيها العقد.
ولو قال: على أن يُكاتبها أو يدبِّرها فالبيع فاسد؛ لأنَّه شرط منفعة للمعقود عليه.
ولو قال: على أن لا تبيعها من فلان فالبيع فاسد في رواية أبي يوسف، وهذه الشروط كلُّها إذا لم يقتضها العقد، وأمَّا إذا شرط ما يقتضيه العقد، لم يفسد.
قال أبو يوسف: وإن اشترى أمةً على أن تخدمه، أو على أن يغشاها، أو دابّة على أن يركبها، أو قميصًا على أن يلبسه، فالبيع في هذا جائز؛ لأنَّ هذه المعاني ثابتة وإن لم يُشرط، فذكرُها والسكوت عنها سواء.
وكذلك روى ابن سماعة عن محمد: فيمن اشترى حنطةً في سُنبلها على أن يحصدها البائع أو يدوسها أو يُذَرِّيها، فالبيع جائز؛ لأنَّ هذه المعاني تجب على البائع وإن [لم] يشترط، فإن ألزم على ما ذكرنا [تجب كما] إذا شرط في البيع أجلًا.
стр. 1370
قلنا: ليس هذا ينفي لموجب العقد؛ لأنَّ الثمن المؤجَّل غيرُ الثمن الحال، فلا يكون نفيًا بموجب حال.
وأما إذا باع بشرط الخيار، فالقياس يقتضي أن يَفسُد العقد؛ لأنَّه شرط شرطًا يمنع الملك، وإنما أجازوا ذلك للخبر استحسانًا ويجوز أن [يقال] (١) إن العقد الذي فيه الخيار نوع عقد؛ لأنَّه لا يُوجب الملك بعقده (٢)، كالهبة والقرض، فلا يكون هذا العقد هو العقد الموجب للملك، وقد [نُفي] (٣) مقتضاه.
وقد قالوا: فيمن اشترى نعلًا وشرط على البائع حذوها وتشريكها، أن القياس: أن لا يجوز؛ لأنَّه شرط منفعة للمشتري لا يقتضيها العقد، فصار كمن اشترى ثوبًا وشرط على البائع خياطته، واستحسنوا في جواز شراء النعل بهذا الشرط؛ لفعل الناس [في] سائر الأعصار من غير نكير، [وزفر ذهب إلى القياس] (٤).
١٢٠٣ - فَصْل: [اشتراط البائع كفيلًا بالثمن]
قال أبو الحسن: وإن اشترط البائع أن يُعطيه بالثمن كفيلًا أو رهنًا، وكان الكفيل حاضرًا فقبل، أو كان الرهنُ مُعيَّنًا، فقبل المشتري ذلك، جاز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز البيعُ بشرط الضمان والرهن؛ لأنَّ هذا الشرط فيه منفعة للبائع لا يقتضيها العقد، فأفسد العقد، واستحسنوا في جوازه؛ لأنَّ الثمن الذي