← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

يصحُ القبول بعد الافتراق إلا بإيجاب آخر، فكذلك لا يصح القبض إلا بتسليط بعد الافتراق، [ويجوز] (١) أن يكون قبض البيع الفاسد بعد الافتراق على رواية الزيادات مثل الهبة، لا تصح إلا بعد الإذن فيه (٢). * * *

стр. 1367

بَاب الشروط التي تُفسد البيع قال أبو الحسن: جملةُ ما يَفسدُ به البيع من الشروط: أن يدخل فيه شرطًا لا يُوجبهُ العقد، والأصل في فَساد البيع بالشرط الذي لا يقتضيه: ما روى أبو حنيفة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن النبيَّ ﷺ "نهى عن بيع وشرط"، وقال لعتاب بن أسيد لمَّا بعثه إلى مكَّة: "انْهَهُمْ عن أربع: عن بيع وشرط، وعن بيع وسَلف" (١)، وقد رويَ عن عبد الوارث بن سعيد قال: دخلت مكَّة فأصبت بها ثلاثة من فقهاء الكوفة، فسألت أبا حنيفة عن بيع وشرط؟ فقال: البيع باطل والشرطُ باطل، فسألت ابن أبي ليلى، فقال: البيع جائز والشرط باطل، فسألت ابن شبرمة، فقال: البيع جائز والشرط جائز، فعدتُ إلى أبي حنيفة فأخبرته بما قالا، فقال: لا علم لي بما قالا، حدَّثني عمرو بن شعيب، عن أبيه،، عن جدَّه، (أن النبي ﷺ نهى عن بيع وشرط)، فأتيت ابن أبي ليلى فأخبرته بذلك، فقال: لا علم لي بما قالا، حدَّثني هشام بن عروة، عن أبيه، (عن عائشة: أنَّها اشترت بريرة واشترطت أن يكون الولاء لمواليها، وقبضتها، وأعتقتها، فأجاز رسول الله العتق وأبطل الشرط) (٢)، فأتيت ابن شبرمة فأخبرته بذلك، فقال: لا علم لي بما

стр. 1368

قالا، حدَّثني محارب بن دثار، عن أبي الزبير، عن جابر، (أن رسول الله ﷺ اشترى بعيرًا من أعرابي، وشرط حمولته إلى المدينة) (١). وما ذهب إليه أبو حنيفة ﵁ أولى؛ لأنَّه يقتضي الحظر، فهو أولى مما يقتضى الإباحة؛ ولأنَّ خبر عائشة ﵂ لا دلالة فيه؛ لأنَّ البيع فسد عندنا بالشرط، والبيعُ الفاسد إذا اتصل بالقبض ملك، فنفذ العتق مع فساد البيع، وأمَّا حديثُ جابر فلا دلالة فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكون شرط بعد العقد، والشرط إذا لم يكن في نفس العقد لم يفسد، إذا ثبت هذا الأصل، قال بشر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: كل شرط في البيع لا يقتضيه وفيه منفعة للبائع، أو للمشتري، [أو للمبيع]، أو لغيرهما، أو فيه مضرة على المشتري وليس فيه نفعٌ لأحد، فالبيع فاسد. وقال هشام عن محمد: إذا شرط فيه شرطًا ليس فيه منفعة لأحد لم يَفسد العقد، وروي ذلك عن أبي حنيفة، وقال في المزارعة الكبير: ألا ترى أن أبا حنيفة كان يقول: لو باع رجلٌ جارية على ألا يطأها المشتري فالبيع جائز والشرط باطل. فوجهُ رواية أبي يوسف: أنَّه شرط في العقد ما لا يقتضيه، فصار كالشرط الذي فيه منفعة. وجهُ رواية محمد: أن الشرط إنما يثبت حكمه إذا تعلَّق به حق لمستحق،

стр. 1369

وهذا شرط لا يتعلَّق به حقّ أحد، فسقط حكمهُ، وصار كأن لم يكن. قال ابن سماعة، عن محمد فيمن قال: أبيعُك هذا العبد على أن لا تبيعه، فالبيع جائز والمشتري بالخيار: إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، وهذا على روايته؛ لأنَّه لا حق في هذا الشرط لأحد، وقال أبو يوسف: إذا قال أبيعُك على أن لا تبيع، ولا تهب، فالبيع فاسد، وهي رواية الأصل؛ لأنَّه شرط لا يقتضيه العقد، وقالا جميعًا: فيمن باع عبدًا على أن المشتري متى باعه فالبائع أحق بثمنه، إن البيع فاسد؛ لأنَّ هذا الشرط فيه منفعةٌ للبائع لا يقتضيها العقد، وكذلك لو باع جارية على أن يهبها لفلان؛ لأنَّ هذه منفعة لغير المتعاقدين لا يقتضيها العقد. ولو قال: على أن يُكاتبها أو يدبِّرها فالبيع فاسد؛ لأنَّه شرط منفعة للمعقود عليه. ولو قال: على أن لا تبيعها من فلان فالبيع فاسد في رواية أبي يوسف، وهذه الشروط كلُّها إذا لم يقتضها العقد، وأمَّا إذا شرط ما يقتضيه العقد، لم يفسد. قال أبو يوسف: وإن اشترى أمةً على أن تخدمه، أو على أن يغشاها، أو دابّة على أن يركبها، أو قميصًا على أن يلبسه، فالبيع في هذا جائز؛ لأنَّ هذه المعاني ثابتة وإن لم يُشرط، فذكرُها والسكوت عنها سواء. وكذلك روى ابن سماعة عن محمد: فيمن اشترى حنطةً في سُنبلها على أن يحصدها البائع أو يدوسها أو يُذَرِّيها، فالبيع جائز؛ لأنَّ هذه المعاني تجب على البائع وإن [لم] يشترط، فإن ألزم على ما ذكرنا [تجب كما] إذا شرط في البيع أجلًا.

стр. 1370

قلنا: ليس هذا ينفي لموجب العقد؛ لأنَّ الثمن المؤجَّل غيرُ الثمن الحال، فلا يكون نفيًا بموجب حال. وأما إذا باع بشرط الخيار، فالقياس يقتضي أن يَفسُد العقد؛ لأنَّه شرط شرطًا يمنع الملك، وإنما أجازوا ذلك للخبر استحسانًا ويجوز أن [يقال] (١) إن العقد الذي فيه الخيار نوع عقد؛ لأنَّه لا يُوجب الملك بعقده (٢)، كالهبة والقرض، فلا يكون هذا العقد هو العقد الموجب للملك، وقد [نُفي] (٣) مقتضاه. وقد قالوا: فيمن اشترى نعلًا وشرط على البائع حذوها وتشريكها، أن القياس: أن لا يجوز؛ لأنَّه شرط منفعة للمشتري لا يقتضيها العقد، فصار كمن اشترى ثوبًا وشرط على البائع خياطته، واستحسنوا في جواز شراء النعل بهذا الشرط؛ لفعل الناس [في] سائر الأعصار من غير نكير، [وزفر ذهب إلى القياس] (٤). ١٢٠٣ - فَصْل: [اشتراط البائع كفيلًا بالثمن] قال أبو الحسن: وإن اشترط البائع أن يُعطيه بالثمن كفيلًا أو رهنًا، وكان الكفيل حاضرًا فقبل، أو كان الرهنُ مُعيَّنًا، فقبل المشتري ذلك، جاز استحسانًا، والقياس أن لا يجوز البيعُ بشرط الضمان والرهن؛ لأنَّ هذا الشرط فيه منفعة للبائع لا يقتضيها العقد، فأفسد العقد، واستحسنوا في جوازه؛ لأنَّ الثمن الذي

стр. 1371

به رهنٌ وضمين أوثق من الثمن (١) الذي لا رهن فيه ولا ضمين، فصار ذلك صفةً للثمن، وشرط صفات الثمن لا يُبطل العقد [كشرط الجيد والرديء]. فإذا ثبت هذا، فقد قال محمد في الإملاء (٢): إذا شرط أن يكفل له كفيل بالثمن أو يحيله على غيره، ولم يبيِّن الكفيل ولا المحال عليه، فالبيع فاسد؛ لأنَّ تمام العقد يقف على قبول الكفيل والمحال عليه، ومن وقف العقد على قبوله لم يصح مع جهالته كالمُشتري (٣). قال: فإن كان الكفيل والمحال عليه غائبين عن المجلس فلم يحضرا حتَّى افترقا، لم يصحَّ البيع إلا بإيجاب مُستقبل؛ لأنَّ تمام العقد يقفُ على قبول الكفيل، فالافتراق يُبطل حق القبول كقبول المشتري، فإن حضر الكفيل والمحال عليه قبل أن يفترق المتبايعان، فقبلا في المجلس أو كانا حاضرين عند البيع فقبلا جاز؛ لأَنَّ قبولهما يقف عليه العقد، وقد حصل في المجلس فهو كقبول المشتري. قال: ولو شرط في البيع أن يُحيل البائع غريمًا له على المشتري بالثمن، أو يضمن المشتري الثمن لغريم البائع، فالبيع فاسد؛ لأنَّه إنما جاز شرط الضمان إذا كان صفةً للثمن، وهذا الشرط ليس بصفة للثمن، والعقد لا يقتضيه، فأبطل العقد. وأمَّا الرهن، فإن كان مجهولًا فالبيع فاسد؛ لأنَّ تمام العقد يقفُ على القبول

стр. 1372

فيه، ألا ترى أن المشتري لو قال: قبلتُ البيع بغير رهن لم يصحَّ البيع، وما وقف تمام العقد على القبول فيه، فجهالته تفسد العقد [كالمبيع]، وليس هذا كما لو قال: على أن ترهنني بالثمن كُرّ حنطة جيدة، أو مائة مثقال ذهب جيد؛ لأنَّ هذه الجهالة [لو] شرطت في [المبيع] (١) لم تفسده، فكذلك الرهن. وقد قالوا في البيع إذا شرط فيه رهنًا مجهولًا فاتَّفقا على تعيين رهن في المجلس: جاز العقد؛ لأنَّ الجهالة المؤثرة في العقد ارتفعت. وكذلك لو قال المشتري: أنا أُعطي الثمن حالًا جاز البيع؛ لأنَّ الرهن يُحتاجُ إليه للوثيقة بالثمن، فإذا وفَّاه الثمن سقط حقُّ البائع. ١٢٠٤ - فَصْل: [اشتراط رهن معين في البيع] وإن شرط رهنًا معيَّنا [وقبل المشتري البيع على ذلك، ثم] امتنع المشتري عن تسليم ذلك لم يجبر عليه عندنا، وقال زفر: يُجبر على التسليم. [وجه قولهم: أن الرهن لا يتعلق الاستحقاق بعقده، فلا يجبر عليه كالرهن المنفرد] وجهُ قول زفر: أن هذا الرهن صار من حقوق البيع، فيجبر عليه كسائر حقوق البيع، وليس هذا بصحيح؛ لأنَّ الرهن عقد على حياله، والعقود لا يكون بعضها من حقوق بعض. وإذا ثبت هذا قال أصحابنا: يقال للمشتري: إما أن تدفع الرهن، أو قيمته، أو تدفع الثمن، أو تفسخ البيع، فإن امتنع من أحد هذه الوجوه لم يمكن من ذلك؛

стр. 1373

لأن في دفع الرهن وفاء بالشرط، وفي دفع قيمته إيفاء حق البائع؛ لأن حقَّه في الرهن استيفاء [الثمن] (١) من بدله، وهذا موجود في القيمة، وفي دفع الثمن ما يُغني عن التوثق به. فإن لم يسلم للبائع أحد هذه الوجوه فهو لم يرض بالثمن المُطلق (فإذا لم يسلمه له) (٢) كان له أن يفسخ. ١٢٠٥ - فصل: [إلحاق الشروط المفسدة بالعقد الصحيح] وقد قال أبو حنيفة ﵀: إن الشروط المُفسدة للعقد إذا ألحقت بالعقد الصحيح لحقت وأفسدت، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تلحق. وجهُ قول أبي حنيفة: إن العقد في ملكهما، فملكا إلحاقَ الشرط الفاسد به، كحال العقد؛ ولأنَّهما يملكان فعل ما يقع به فسخ العقد، بدلالة الإقالة، وليس في الشرط الفاسد أكثر من هذا. وجهُ قولهما: أن الفساد ليس فيه حق الواحد منهما، والعقد قد صحَّ، فلم يكن لإثبات الشرط المفسد معنى (٣). * * *

стр. 1374

بَاب تصرف المشتري في البيع الفاسد قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: لا يجوزُ تصرُّف المشتري في البيع الفاسد قبل القبض ببيع ولا هبة ولا صدقة ولا عتق، وكذلك إذا قبض بغير إذن البائع؛ وهذا لما قدمَّنا أن العقد الفاسد لا يملك المعقود عليه، فإذا تصرَّف في غير ملكه لم ينفذ تصرُّفه، فأما إذا قبض بغير إذنه لم يجز تصرُّفه على الرواية التي تعتبر للإذن في القبض؛ لأن القبض بغير الإذن لا يملك به على هذه الرواية. فأمَّا إذا قبضه بأمر البائع وهو ممَّا يُملك فيه؛ فإنَّه يكره للمشتري التصرُّف فيه بتمليك أو انتفاع؛ لأنَّ الفسخ يستحق فيه لحق الله تعالى، والتصرُّف إسقاط حقِّ الله تعالى من الفسخ؛ ولأنَّ التصرُّف تقرير للبيع الفاسد، وتقريره لا يجوز لحق الله تعالى. فإن تصرَّف المشتري فيه، فتصرُّفه على وجهين: كل ما لا يفسخ بالأعذار فهو جائز، وقد سقط الفسخُ به، وهذا مثل العتق والتدبير والاستيلاد وإذا أخرجه من ملكه بما يفسخ بالأعذار، فإنَّه لا يسقط الفسخ، مثل الإجارة؛ وذلك لأنَّ المشتري تصرَّف فيما ملك، وحق البائع في الفسخ عُذر، فيما لا يُفسخ بالعذر ولا يُفسخ لأجل الفَساد، وأما الإجارة فإنَّها تُفسخ بالأعذار، وثبوت حق البائع في الفسخ عُذرٌ، فيفسخ الإجارة وينقض البيع الفاسد. فإن كانت جَارية فزوّجها فإنَّ ذلك لا يمنع الفسخ، والنكاح بحاله لا

стр. 1375

يُفسخ؛ لأنَّ النكاح عقد على المنافع، فلا يمنعُ الفسخ كالإجارة، وهو ممَّا لا يُفسخ بالأعذار، فبقي بحاله؛ لأنَّ المشتري عقد وهي على ملكه. وقد قالوا: لو أوصى بالعبد ومات سقط الفسخ؛ لأنَّ المبيع انتقل من ملكه إلى ملك الموصى له، وهو ملك مبتدأ، فصار كالمشتري. ولو ورث ذلك من المشتري لم يسقط الفسخ؛ لأنَّ الوارث يقوم مقام المورث، ويستحقُ الشيء على حكم ملكه، ولهذا ثبت له الفسخُ بالعيب؛ فكذلك يفسخ عليه لأجل الفساد. ١٢٠٦ - فَصْل: [حق الفسخ في البيع الفاسد] قال أبو الحسن: فإن كانت جارية فقطعت يدها، وأخذ المشتري الأرش، أو كانت جارية فولدت، أو أرضًا فيها شجر أو نخل فأثمر، فللبائع أن يفسخ ويأخذ الزيادة، والأصل في ذلك: أن حقَّ الفسخ في البيع الفاسد يستقر في الأصل لحقِّ الله تعالى، فيتعلَّق بالزوائد كما يتعلَّق بالولد؛ لأنَّ الحقوق المستقرَّة في الأمَّهات تسري إلى الأولاد، وليس كذلك البيع الصحيحُ؛ لأنَّ المشتري في ملكه، وحقُّ الفسخ ليس بمستقرٍّ فيه، فحدثت الزيادة على ملكه ولا حق لأحدٍ فيها، فلم يثبت فيها الفسخ؛ ولأنَّ ضمان البيع الفاسد يتعلَّق بالقبض كضمان الغصب، فإذا كان المغصوبُ منه يأخذ الزوائد كذلك البائع [في البيع الفاسد]. ١٢٠٧ - فَصل: [الفسخ في عمل المشتري في البيع الفاسد] قال أبو الحسن: وإن كانَ المبيعُ ثوبًا فقطعه وخاطه، أو ربطه وحشاه، أو صبغه بعصفر أو زعفران، أو كانت حنطة فزرعها، أو نوعًا فغرسها فنبتت،

стр. 1376

[أو قضبان كروم]، أو شجر فأطعمه، أو نبت، فليس له أن يأخذ شيئًا من ذلك، ولا ينقض البيع؛ وذلك لأنَّ هذه المعاني لو وُجدت من الغاصب في العين المغصوبة استحقَّها، فإذا وجُدت من المشتري في ملكه أولى أن يسقط حق البائع. وقد ذكر هشام، عن محمد: أن المشتري إذا صبغ الثوب، فالبائع بالخيار: إن شاء أخذه وأعطاه ما زاد الصبغ فيه، وإن شاء ضمنه قيمته أبيض. قال: ولو قطعه وخاطه لم يكن للبائع عليه سبيل، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الصبغ لا يملك به الغاصب، وإنما يثبت للمغصوب فيه الخيار، فكذلك يثبت له الخيار هاهنا، وأمَّا القطعُ والخياطة فيسقط بها حقُّ المغصوب منه، فكذلك يسقط حقُّ البائع. وما ذكره أبو الحسن في الصبغ [با] لعُصفر والزعفران، إما أن يحمل على تفصيل هشام، ويكون ما ذكره أبو الحسن في ثبوت حقِّ التضمين للبائع، أو يجعل رواية أخرى. ووجهها أن سقوط الفسخ في البيع الفاسد لا يُعتبر فيه ما يُعتبر في سقوط حقِّ الملكِ في الغصب، ألا ترى أن البيعَ والرهن يسقط بهما الفسخ، ولا يسقط بهما حقُّ المغصوب منه، فكذلك الصبغ مثله. ١٢٠٨ - فَصل: [الفسخ في زوال ملك المشتري في البيع الفاسد] وقد قالوا في البيع الفاسدِ: إذا زال ملكُ المشتري عنه سقط الفسخ، وإن عادَ إليه على حكم الملك الأوَّل عاد الفسخ؛ لأنَّه عاد على حكم الملك الأوَّل فعاد بحقوقه.

стр. 1377

فإن عاد بحكم ملكٍ مبتدأٍ لم يثبت الفسخ؛ لأنَّ اختلاف الملكين كاختلاف العينين. ١٢٠٩ - فَصْل: [الفسخ في بناء المشتري في الأرض المبيع بيعًا فاسدًا] قال أبو الحسن: فإن كانَ المبيعُ أرضًا فبنى فيها المشتري، فهذا استهلاكٌ عند أبي حنيفة، وليس للبائع نقض البيع، وقال أبو يوسف ومحمد: للبائع نقضُ البيع، وقال [معلى] (١) رجع أبو يوسف إلى قول أبي حنيفة، وقال بشر عن أبي يوسف: إذا غرس في الأرض نخلًا قد أطعم قبل غرسه أنَّه لا يكون [استهلاكًا] (٢)، قال أبو الحسن: وقياسُ قوله في البناء أن يكون النخل مثله. وجه قول أبي حنيفة: أن البناء تصرُّفٌ من المشتري لا يفسخ بالأعذار، في إزالته ضرر فيسقط الفسخ كالبيع. ولأنَّ الضرر الذي يلحقُه بنقض البناء أكثر من الضرر الذي يلحقه بنقض البيع، فإذا لم ينقض بيعه؛ فلأن لا ينقض بناءه أولى. وجه قولهما: أنَّ الأرض لا تصير مستهلكةً بالبناء، ولهذا لا يسقط حقّ المغصوب منه عنها، وإذا لم تكن مستهلكة لم يسقط الفسخ. وهذا ليس بشيءٍ (٣) لما بيَّنَّا أن الفسخ يَسقط بما لا يسقط به حقُّ المغصوب، بدلالة البيع أو الرَّهن.

стр. 1378

١٢١٠ - فَصل: [الضمان في القبض بالبيع الفاسد] قال أبو الحسن: وعلى المشتري القيمة يوم قبض. قال الشيخ ﵀: وجُملةُ هذا أن البيعَ الفاسد لو أقبض ضُمن بقيمته إن كان ممَّا لا مثل له، وبمثله إن كان ممَّا له مثل، إلا في مسألة واحدة استحسن أبو حنيفة فيها: وهي إذا اشترى عبدًا بشرط العتق فأعتقه لزمه المُسمَّى استحسانًا، وإنّما قلنا إن المبيع الفاسد يُضمن بقيمته؛ لأنَّ ضمان المبيع [الفاسد] ضمان الشيء بنفسه، وذلك الضمانُ: المثل فيما له مثل، والقيمة فيما لا مثل له، بدلالة أن من باع عبدًا بجارية فسلَّم العبد، ولم يقبض الجارية حتَّى هلكت، وقد أعتق المشتري العبدَ، فإن بائعه يرجع بقيمتِه ولو كان البيع يقتضي الضمان بالبدل لرجع بقيمةِ الجارية، وإذا كان هذا مُوجب البيع، فإنَّما ينتقل عنه إلى ضمان التسمية إذا صحَّت التسمية، فإذا فسدت بفسادِ العقد رجعنا إلى مقتضى العقد من الضمان. وعلى هذا قالوا: إن النكاح يوجبُ مهر المثل، وينتقل عن ذلك إلى المسمَّى بصحَّة التسمية، فإذا بطلت رجع إلى مقتضى العقد من مَهر المثل. وإنما لم تثبت التسمية في العقدِ الفاسد لقوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليِّها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها مهرُ مثلها" (١). * * *

стр. 1379

١٢١١ - فَصْل: [المرجع في القيمة من العاقدين] وقد قالوا: إن المرجعَ في القيمة إلى قول المشتري؛ لأنَّه هو الذي يلزمه الضمان، فالقول قوله في قدره، والبيِّنة بيِّنة البائع؛ لأنَّها تثبت الزيادة ضمان في الضمان. مَسألة: [وقد] قال أصحابنا: إذا باع عبدًا بشرط العتق، فالبيع فاسد، وذكر ابن شجاع عنهم: أنَّه إذا وَفَّى بالشرط صحَّ البيعُ كمن أسلم دينًا له في ذِمَّة رجل ثم نقده في المجلس. وروى الحسن، عن أبي حنيفة: أن البيع جائز؛ لأنَّ الناسَ هكذا يشترون التسمية، فأجاز البيعَ لفعل الناس، وقال الشافعي: البيع جائز. وجهُ قولهم: المشهور (نهيه ﷺ عن بَيع وَشرط)؛ ولأنَّه شرط منفعة للمعقود عليه لا يقتضيها العقد، فصار كما لو باع جاريةً بشرط أن يُكاتبها، أو يُدبِّرها؛ ولأنَّه بيع لا يوجب العتق، فإذا شرط فيه العتق أفسدَه كالموقوف، ولا يلزم إذا [ابتاع] (١) ذا رحم منه بشرط العتق لأنَّا لا نعرف الرواية فيه، وقد احترزنا عنه؛ لأنَّ ذلك العقد لا يوجبُ العتق. ١٢١٢ - فَصل: [المسمى في الإعتاق بعد القبض] قال أبو حنيفة: إذا قبضهُ فأعتقه، وجب عليه المُسمَّى استحسانًا، وروى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أن عليه القيمة، وهو القياسُ، وقول أبي يوسف ومحمد. وجه القياس: أنَّه بيع فاسد، كالبيع بشرطِ التدبير.

стр. 1380

وجه الاستحسان: أنَّه سمَّى مالًا في مقابلته شرط العتق، فصار كمن قال أعتق عبدك على ألف عني، يبيّن ذلك أنَّه إذا قال: أعتق عبدك عنَّي على ألف [درهم]، فتقديره ملِّكِنيه ثم أعتقه عِني، فإذا لزم المسمَّى في الموضع الذي لم يصرِّح بالتمليك إذا كان هو المراد، فكذلك في الموضع الذي صرَّح به. وقد روى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أن المشتري لو أعتقه قبل القبض جاز، فدلَّ على أنَّه جعله عتقًا على مال؛ فلذلك أوجبَ فيه المسمَّى. ١٢١٣ - فَصل: [فسخ البيع الفاسد قبل القبض] قال أبو الحسن: وأيُّهما فسخ البيع قبل قبضه ففسخه جائز على صاحبه، إذا كان بمحضر منه. قال الشيخ -رحمه الله تعالى-: وجملةُ هذا أن البيع الفاسد ما لم يتَّصل بالقبض فلكلِّ واحد منهما فسخهُ بغير رضا الآخر؛ لأنَّه عقد لم يتم، فصار كالإيجاب بلا قبول. وتعيّن (١) حضور الآخر؛ لأنَّ أحد المتعاقدين لا يملك فسخ العقد على الآخر [إلا] (٢) بمشهدٍ منه على أصلنا في بيع الخيار. فأَمَّا إذا قبض المُشتري المبيعَ، فكل بيع لا يجوز أن يصح [باستئناف] (٣) عقد، مثل البيع بالخمر والخنزير، فلكل واحد منهما الفسخ بغير رضا الآخر،

стр. 1381

إذا كان بحضرته، وهذا قولهم؛ لأنَّ العقد ثبت فيه حقُّ الفسخ لا لفوات جزء، فصار كالبيع المشروط فيه الخيار. وأمَّا إذا كانَ الفسادُ بشرط ملحق فعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لكل واحد من المتعاقدين الفسخُ، وقال محمد: إن فسخ الذي له منفعة في الشرط انفسخ، وإن فسخه الآخر لم ينفسخ، وهذا مثل الشراء بأجل مجهول، فيجوز عندهما الفسخ لمن شرط له الأجل، وكذلك الخيار الفاسد [وعندهما لكل واحد فسخه]. وجهُ قولهما: أن الشرط يفسدُ العقد من جنسه وإن كان في أحدهما، فملك كل واحدٍ منهما الفسخ كالآخر؛ [ولأن] لكل واحد منهما المطالبة بالفسخ، فصار كالبيع بالخمر. وجه قول محمد: أن الذي شرط له الأجل يقدر على تصحيح العقد من غير رضا الآخر، إذا أسقط الأجل، فإذا فسخ [جاز]، والآخر أسقط حقًا ثبت له بالعقد فلا يجوز. ١٢١٤ - فَصْل: [ظهور عيب في المبيع في يد المشتري] فإن دخل في المبيع عيب في يد المشتري، فللبائع أخذه، وأخذ أرشه من المشتري؛ لأنَّ ضمانه يتعلَّق بالقبض كالغصب، ولهذا يستحقُّ البائع الزوائد مِنَ الولد، والأرش، والثمرة. وقد قالوا: إن المُشتري لو آجر العبد سلمت الأجرة له؛ لأنَّها صارت مالًا بعقده. وإن كان ذلك قبل الضمان تصدَّق بها؛ لأنَّه مال حصل من وجهٍ محظور لم

стр. 1382

يؤدِّ بدله، وإن كان بعد الضمان طاب له؛ [لأنه أدَّى بدله، فصار له]. ١٢١٥ - فَصل: [ظهور العيب في الجارية المبيعة] قال أبو الحسن: وإن كانت جارية فولدت أخذها وأخذ الولد، فإن كانت الولادة نقصتها نظر في قيمة الولد، فإن كان فيه وفاء بالنقصان فلا شيء على المشتري، وإن لم يكن فيه [وفاء] غرم تمامَ النقصان. وهذه مسألة المغصوبة إذا ولدت يجبر نقصان ولادتها بولدها استحسانًا، وقال زفر: لا يجبر، وهو القياس. وجهُ القياس: أن النقصان حَصل في ماله، والولد حَدث على حقِّه، فلا يجبر ذلك به، كما لا يجبر بسائر أمواله، وإنما استحسنوا لأن الولادة سبب (١) في النقصان وفي حصول الزيادة، فصارَ كالقطع الذي يجبر بالأرش، وهذه المسألة تستوفى في الغصب. * * *

стр. 1383

بَاب فساد البيع من جهة الأجل قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا كان المبيعُ معلومًا معينًا فشرط فيه أجلًا، فالبيع فاسد معلومًا كان الأجل أو مجهولًا، وإنما قلنا إن التأجيل في الأعيان لا يصحُّ؛ لأنَّه إنما شرط لنفي التسليم المُوجب بالعقد، ألا ترى أن العين موجودة في الحالين على صفة واحدة، لا منفعة للبائع في تأخير تسليمها، ونفي موجب العقد لا يصحُّ، وليس كذلك الديون؛ لأنَّ شرط الأجل فيها الفائدة، وهو اتِّساعُ المدَّة التي يمكن المُشتري من تحصيل الثمن فيها، فلذلك جاز؛ [وليس كذلك المسلم فيه] ولأنَّ في السلم من شرط المسلم فيه التأجيل، ولو تعيَّن المسلم فيه سقط الأجل، والعقد الذي ليس من شرطه التأجيل أولى أن لا يثبت فيه الأجل مع التعيين. ١٢١٦ - فَصْل: [الأجل فيما إذا كان الثمن دينًا] قال أبو الحسن: وإن كان الثمن دينًا فالأجل المعلوم فيه جائز، والمجهول لا يجوز، وذلك لقوله ﷺ : "من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" (١)؛ ولأنَّ جهالة الأجل توجب جهالة القبض، فلذلك لم يصح. قال: والأجل المجهول أن يبيع إلى الحصادِ أو الدِّياس؛ لأنَّ ذلك يتقدم ويتأخر بالحر والبرد، وباختيار الناس؛ ولهذا قالوا: لا يصح التأجيل إلى قدوم

стр. 1384

الحجيج؛ لأنَّه يتعلَّق فاختيارهم يتقدّم ويتأخّر. وعلى هذا قال أصحابنا: لا يجوز البيع إلى العطاء؛ لأنَّ السلطان يقدمه ويؤخّره. قال: وكذلك إلى النيروز والمهرجان، وهذا على وجهين: إن عَرفَ المتعاقدان وقت النيروز والمهرجان؛ جاز العقد؛ لأنَّ المعتبر علمهما، وإن جهلاه أو أحدهما لم يجز. قال: وكذلك صوم النصارى وفطرهم؛ وذلك لأنَّ النصارى يقدِّمون صومهم ويؤخرونه، ويعتبرون بذلك أن يشتمل على آحاد معدودة، فصار مجهولًا. ولهذا قالوا: إذا دخلوا في الصوم فأجّل إلى فطرهم جاز؛ لأنَّ ابتداء الصوم قد عُرفَ ومدته معلومة، والأجل المعلوم يصح. قال أبو الحسن: وإذا باع على أن يُوفَّيه الثمن بالبصرة، أو بمكة، فالبيع فاسد عند محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. قال [الشيخ رحمه الله تعالى]: وجملة هذا: أنَّه إذا شرط في الثمن أجلًا معلومًا، وشرط أن يُوفِّيه إياه بالبصرة، فالبيع جائز في قولهم، فإذا حلَّ الأجل، فإن كان الثمن مما لا حمل له ولا مؤنة طالبه به حيثُ أراد، وإن كان مما له حمل ومؤنة لم يكن له مطالبته إلا بالبصرة؛ وذلك لأنَّ الثمن إذا كان مؤجلًا فشرط التسليم بالبصرة لا يذكر على وجه التأجيل، وإنما يذكر لتخصيص القبض بمكان، فلا يفسد العقد، فإذا حلّ الثمن كان له المطالبة بما لا حمل له أين شاء؛

стр. 1385

لأنَّه لا يختلف باختلاف الأماكن، وما له حمل ومؤنة لا يطالبه إلا بالبصرة؛ لأنَّه يختلف باختلاف الأماكن، فلم يكن له المطالبة به بخلاف استحقاقه. وأمَّا إذا لم يذكر للثمن أجلًا؛ قال محمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: البيعُ فاسد، وروى بر، عن أبي يوسف: أن القياسَ أنْ يجوز العقدُ، غير أَنَّي أستَحسنُ فيما له حمل ومؤنة أَنْ أُفْسِدَ العقد. وجهُ قول محمد: أن الثمن إذا شرط تسليمه في بلد، كان ذلك مَشروطًا على وَجهِ التأجيل، وهو أجل مجهول؛ لأنَّه يتقدَّم ويتأخَّر، فلا يصحُّ. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ القياس يقتضي جَوازه؛ لأنَّه تخصيص للقبض بمكان دون مكان؛ إلا أنَّهُ استحسن فيما له حمل ومؤنة؛ لأنَّ تسليمه لا يَجبُّ في غير ذلك المكان، فيصيرُ في معنى الأجل، فلا يصحُّ، وليس كذلك ما لا حمل [ولا مؤنة]؛ لأنّ له أن يُطالبه به حيث شاء، فيلغو الشرط، فكأنَّه أطلق العقد (١). والله أعلم بالصواب. * * *

стр. 1386

بَاب العقد يقع على شيء فيصادف على خلافه ما يفسد منه وما لا يفسد قال الشيخ ﵀: وجملة هذا أنَّ العقد إذا وقع على جنس فوجدَ المبيعَ من جنس آخر، فالبيع باطل، مثل أن يبيع ثوبًا على أنَّه هَروي، فإذا هو مَروي، أو فصًّا على أنَّه ياقوت، فوجده زجاجًا، فالبيعُ باطل؛ لأنَّ المعقود عليه عُدم، وعَدمُ المعقود عليه يُبطل البيعَ، وإن عقد [البيع] على جنس فوجدَ المبيعَ من جنس ما سمَّى إلا أنَّه يخالفُه في الصفة، فهو على وجهين: إن كان [يتفاوت] تفاوتًا كثيرًا، يتفاوت فيه الأغراض، فالبيع باطل، مثل: أن يبيع شخصًا على أنَّه جارية، فإذا هو عبد (١)، وقال زفر: البيع جَائزٌ. وجهُ قولهم: أن الأغراض تتفاوت بين الغلام والجارية، كتفاوت الأجناس، ألا تري أن الجارية تصلح للاستمتاع، والغلام للخدمة، واختلاف الأغراض يصيرُ كاختلاف الأجناسِ. وجهُ قول زفر: أنَّهما من جنس واحدٍ، وإنما اختلف صفتُهما، فصارَ كمن باعَ شاةً على أنَّها نعجة، فكانت كبشًا. والفصل الثاني: إذا وجده من الجنس الذي سمّاه إلا أنه يخالف في الصفة

стр. 1387

اختلافًا لا يتفاوت (١) فيه الأغراض، مثل أن يبيع شاةً على أنَّها نعجة، فإذا هي كبش. قال هشام [عن] (٢) محمد: سألت أبا حنيفة عمن باع حمارًا على أنَّه أتان فإذا هو ذكر، أو فرسًا على أنَّه رَمكة فإذا هو فحل، أو شاة على أنَّها نعجة، فإذا هي كبش (٣)، فالمشتري في ذلك بالخيار؛ لأنَّ الجنس موجود، واختلاف الصفة اختلافٌ يسير لا يتفاوت (٤) فيه الأغراض، ألا ترى أن المقصود في الشاة اللحم، فصار اختلاف الصفة كاختلاف الصحيح والمعيب، وللمشتري الخيار؛ لأنَّ المبيعّ وجدَ على خلاف الصفة التي شرطها، وله في الصفة غرض، فإذا فاته ثبت له الخيار [كما لو وجد به عيبًا]. قال أبو الحسن: إن كانت الصفة أزيد فهي للمشتري، وهذا مثل أن يبيع ثوبًا على أنَّه عشرة أذرع، فإن وجده ناقصًا فله الخيار، وإن وجده زائدًا فهو له ولا خيار له، وكذلك إذا اشترى إناء فضَّة على أنَّ وزنه مائة، وقد اشتراه بغير [الفضة]، فإن نقص فله الخيار، وإن زاد فله الزيادة؛ لأنَّ الذرع في المذروعات والوزن فيما في تبعيضه [ضرر] (٥) ليس بمعقودٍ عليه، وإنما هو صفة، بدلالة أن إفراده بالعقد لا يجوز (٦)، ونقصان الصفة يثبت الخيار، وزيادتها للمشتري، كمن

стр. 1388

باع عبدًا على أنَّه معيب، فإذا هو صحيح. وكذلك لو اشترى جارية على أنّها بكر فكانت ثيِّبًا، فله الخيار؛ لأنَّ البكارة جزء مشروط، ففواته تثبت الخيار، ولو اشتراها على أنَّها ثيِّبٌ فوجدها بكرًا فهي له، ولا خيار للبائع؛ لأنَّها زيادة صفة، والبائع (١) عقد على العين، وإنما شرط النقصَ تحرُّزًا عن العيب، فلا يقتضي وجود العيب. قال أبو الحسن: إلا أن يكون باع فضَّة بفضَّة، أو ذهبًا بذهب، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل، وهذا مثل أن يبيع نقده على أنَّها مائة بمائة، فإن زادت فالزيادة للبائع؛ لأنَّ الوزن فيما ليس في تبعيضه مضرة معقود عليه، فلم يستحقّ المشتري أكثر من الوزن الذي سمَّى، وما في تبعيضه ضرر فإنما لا يجوز إذا زاد لمعنى آخر: وهو أن الزيادة فيه ربًا، فلا يجوز إلا مثلًا بمثل. ١٢١٧ - فَصْل: [وقوع بيع الثوب على صفة ووجد اللُّحْمَةَ على الشرط] وقد قال أصحابنا فيمن قال: أبيعُك هذا الثوب القزَّ أو الخزَّ، فكان ملحمًا، فإن كان السَّدي من القز واللُّحْمَة من غير القز فالبيع فاسد؛ لأنَّ الثوب يُنسب إلى اللحمة، وإن كان السَّدي من غير القزِّ واللحمة من القز فالبيع جائز؛ لأنَّ الجنس لم يختلف؛ إذ الثوب منسوبٌ إلى لحمته، وللمشتري الخيار؛ لأنَّ المبيع وقع على ثوب كله قز [أو خزٌّ]، وأما الخز فإن كان لحمته من غير [الخز فالبيع باطل لما ذكرنا، وإن كان لحمته الخزّ والسدي من غيره] فالبيع جائز، وينبغي أن لا يثبت الخيار؛ لأن الخز لا يوجد إلا على هذه الصفة.

стр. 1389

وقالوا: إن قال: بعتك هذه الجُبَّة الإبريسم على أن بطانتها خز وحشوها قزّ، فإن وجدَ الظهارة كما شرط والبطانة والحشو بغير ما شرط، فالبيع جائز وللمشتري الخيار؛ لأنَّ الجُبَّة تنسب إلى الظهارة، وما سواها صفة، فاختلافه لا يُفسد البيع، ويُثبت الخيار. وإن كانت الظهارة من غير ما شرط، والبطانة مما شرط، فالبيع باطل لما قدَّمنا أن الجبَّة تُنسب إلى ظهارتها، فإذا كانت من جنس آخر بطل البيع. ١٢١٨ - فَصل: [بيع الثوب على أنه أبيض فوجده مصبوغًا] قال ابن رستم عن محمد: إذا قال: بعتك (١) هذا الثوب على أنَّه أبيض، فوجده مصبوغًا بعُصفر، أو دارًا على أنَّه لا بناء فيها فإذا فيها بناء، أو أرضًا على أنّها بيضاء فإذا فيها نخل، فالبيع فاسد؛ وذلك لأنَّ الصبغ والبناء، والنخل لم تدخل في العقد، و [في] تسليم المعقود عليه دونه فيه ضرر، وقد بيَّنَّا [أن] بيع ما يلحق بتسليمه ضرر لا يصح. وقد ذكر محمد في كتاب الشفعة: في بناء بين شريكين والأرض لغيرهما، باع أحدُهما نصيبه من البناء لغير شريكه، فالبيع فاسد (٢)؛ لأنَّه لا يمكن تسليمه إلا بنقض البناء، وفي ذلك ضرر. ١٢١٩ - فَصل: [اختلاف الصفة التي تتفاوت فيها كثيرًا] وروى ابن سماعة، عن محمد: فيمن باع دارًا على أن بناءها آجُرٌّ، فإذا هو

стр. 1390

لَبِنٌ، فالبيع فاسد، وهذا على ما بيَّنَّا أن اختلاف الصفات إذا كانت الأغراض تتفاوت فيها تفاوتًا كثيرًا لم يصح البيع. قالوا: ولو باعه الدار على أنَّ فيها بناء، إذا لا بناء فيها، أو قال: [بعتكها] بسفلها وعلوها [فلم يكن فيها علو]، أو قال: بعتكها بأجذاعها وأبوابها، فلم يكن ذلك فيها، فهو بالخيار: إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك؛ لأنَّ البناء صفة في الدار، ولهذا يدخل في العقد من غير تسمية، ونقصان الصفة لا يفسد به العقد، وإنما يثبت [له] الخيار. قال: ولو وُجِدَ فيها بابان أو جذعان، فلا خيار له؛ ولأن اسم الجمع يتناول الاثنين، والمُستحقُّ بالعقد أدنى ما يتناوله الاسم. قال: ولو قال: بعتكها بما فيها من الجذوع والخشب والأبواب والنخل، فلم يجد فيها شيئًا من ذلك، فلا خيار له؛ وذلك لأنَّه لم يشرط الجذوع في البيع، ولا جعلها صفةً للدار، وإنما أخبر أنها فيها [أجذاعًا]، وعدم ما ليس بصفة للمبيع لا يثبت الخيار، وفي المسألة الأولى قال بعتكها بأجذاعها، فجعل الأجذاع صفة لها. [قال]: ولو اشترى ثوبًا على أنَّه مصبوغ بعُصْفُر، فإذا هو مصبوغ بزعفران، فالبيع فاسد؛ لأنَّ الألوان تختلف بها الأغراض اختلافًا كثيرًا، فصارت كالأجناس. قال: وإذا باع حنطة في جوالق، فإذا هي فإذا هي دقيق، أو قال: دقيقًا، فكان خبزًا، فالبيع فاسد؛ لأنَّ الدقيق والحنطة في حكم جنسين، ولهذا إذا طحن الغاصبُ الحنطة ملكها.

стр. 1391

قال عمرو عن محمد: إذا باعَ شاة على أنها ميتة بعشرة، فكانت ذكيَّة، فالبيع جائز في قولهم جميعًا، وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة؛ لأنَّه يعتبر الإشارة دون التسمية، والإشارة هاهنا وقعت على ما يجوز العقد عليه، وأما أبو يوسف فيعتبر الصحيح من الإشارة أو التسمية، فتعلق العقدُ بالصحيح منهما، ومحمد يقول: إذا كان المُشار إليه من جنس المُسمَّى تعلق العقد بالمشار إليه دون التسمية، فصحَّت هذه المسألة على أصولهم (١). * * *

стр. 1392

بَاب ما هو في حكم الشرط في الفساد مما يجوز برضا أحد المتبايعين ويفسد إذا لم يرض قال أبو الحسن: وإذا باع عبدًا أبقًا أو مرهونًا أو مؤاجرًا، أو جذعًا في سقف، أو ذراعًا من ثوب من طرفٍ معلومٍ، أو ذراعًا من خشبة من موضع بعينه، أو حلية سَيف لا تتخلص [إلا] (١) بضرر، أو باع نصف زرع لم يَستحصد، أو كان ذلك بين رجلين فباع أحدهما نصيبه من غير شريكه، فالبيع فاسد، إلا أن يرضى المشتري في الآبق والمرهون والمؤاجر أن ينتظر حتى يمكن تسليمه، فإن رضي بذلك لم يفسخ العقد بينهما وإلا فسخ (٢). أما الإجارة والرهن فقد قدمنا الكلام في بيعهما، واختلاف الألفاظ فيه. وأمَّا ثبوت حق الفسخ للمشتري إذا لم يعلم أن ما اشتراه رهنٌ أو مؤاجر؛ فإن إطلاق العقد يقتضي التسليم في الحال، فإذا كان المبيع لا يقدر على تسليمه في الحال صار ذلك عيبًا، فإن رضي [به] جاز، وإن طالب بالفسخ، فُسخ. وإن طالب المستأجر والمرتهن بالفسخ، فلا حقَّ في ذلك للمُستأجر إذا رضي المشتري أن ينتظر مضيَّ الإجارة؛ لأنَّه لا حقَّ له في الرقبة، وإنما حقُّه في المنافع، والعقد وقعَ على ما لم يتعلَّق حقُّه فيه، فلا منازعة له فيه.

стр. 1393

فأمَّا المرتهن فيجوز أن يقال له [في] المطالبة بفسخ [البيع] (١)؛ لأنَّ الرهن عقد على الرقبة، فللمرتهن أن يمنع من العقد عليها؛ ولأنَّ حقَّه في الاستيفاء من ثمن الرهن عند الفَلس، فإذا صحَّ البيعُ في الرقبة تعذَّر عليه البيع عند الفَلسِ؛ فلذلك كان له حقٌّ الفسخ، ولم يبين أبو الحسن هذه المسألة. فأَمَّا الآبق فظاهر الرواية: أن بيعه فاسد؛ لأنَّ البائع لا يقدرُ على تسليمه عقيب العقد؛ لعدم ثبوت يده [عليه]، فهو كالطير في الهواء. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن البيع جائز، وقال أصحابنا: معناه إذا أحضره البائع فسلَّمه بحكم ذلك العقد جاز، وظاهر ما قاله أبو الحسن: يقتضي أن البيع موقوف [فيه]، وأن للمشتري الخيار. ووجهه: أنه عقد على ملكه، والتسليم منه منتظر، فصار كبيع الرهن، وأمَّا الجذعُ في السقف والذراع من الثوب أو الخشبة؛ فلأن التسليم لا يمكن إلا بضرر لم يستحق البائع، وهو القطع والقلع، وذلك يُفسد البيع، وكذلك إذا باع نصف زرع لم يُدرك؛ لأنَّه لا يمكن تسليمه إلا بقلع جميعه، ليقسم له النصف، وفي ذلك ضرر. قال أبو الحسن: فإن رضيَ البائعُ أن يقلعَ الجذعَ أو يقطع الذراع من الثوب أو يقطع الخشبة، أو يقلع الحِلية من السيف، أو يحصد الزرع إذا كان كله له، فللمشتري أن يفسخ قبل قلعه وقطعه، فإذا قطع أو قلع فلا خيار له؛ وذلك لأنَّه ما لم يقلع (٢) فالبيع فاسد، ولكل واحد من المتعاقدين في البيع الفاسد فسخ

стр. 1394

العقد، فإذا قلع البائع فقد ألزم الضرر وزال المعنى المفسد، فصحَّ العقد، وصِحَّة العقد تسقط خيار المشتري. ١٢٢٠ - فَصل: [بيع ما يتفاوت بين آحادها تفاوتًا كثيرًا] قال أبو الحسن: وإذا اشترى بطيخًا أو رُمَّانًا أو قِثَّاء أو أشياء يختلف فيه الصغير والكبير، وهو متفاوت عدد كذا وكذا بدرهم ولم يُعيَّن ذلك، والجملة أكثر مما سمَّى، فإن ذلك لا يجوز؛ وذلك لأنَّ المعقود عليه مجهول، ألا ترى أنَّ هذه المعدودات فيها الصغير والكبير، والتفاوت يقع بين آحادها تفاوتًا كثيرًا؛ فلذلك لم يجز العقد. قال: فإن عزل ذلك العدد من جملة المبيع، وتراضيا بعد ذلك، فهو جائز، وإنما وقع البيع على هذا المعزول حين تراضيا؛ وذلك إذا تميَّز المعقود عليه صار ذلك معلومًا، إلا أنَّ كل واحد من المتعاقدين له أن يمتنع؛ لأنَّه استفاد صفةً بالمعقود عليه لم يعلمها [فيثبت له الخيار]، فإذا تراضيا جاز ذلك. وقد كان أصحابنا يقولون: إذا ميَّز ذلك فسلَّمه البائع إليه ملكه بحكم العقد الأوَّل، وهذا يقتضي أن يكونَ العقد انعقد ابتداءً، وثبت لهما الخيار للجهالة، فإذا تراضيا جاز العقد المتقدم، قالوا: والدليل على هذا أنَّهُ لا يحتاج إلى استئناف عقد آخر، ولو كان العقد الأوّل باطلًا لم يجز إلَّا باستئناف [عقد] (١). وظاهرُ ما قال أبو الحسن يقتضي أن العقد الأوَّل باطل، وأنَّه يجعل التراضي عقدًا مبتدأً ولا يحتاج إلى استئناف لفظ العقد، كما هو في بيع المعاطاة.

стр. 1395

١٢٢١ - فصل: [بيع ما يختلف باختلاف المواضع] قال أبو الحسن: وكذلك إن اشترى من هذه اللحم ثلاثة أرطال بدرهم، فإنَّه لا يجوز، فإن عزله ورضيه وأخذه جَاز؛ وذلك [لأن] اللحم يختلفُ باختلاف مواضع الشاة؛ لاختلاف العظام، فإذا لم يسم موضعًا معلومًا منها لم يجز في قولهم. فإذا عزل البائع اللحم ورضيَ به المشتري جاز على ما قدَّمنا. ١٢٢٢ - فَصل: [بيع ما فيه جهالة المبيع والثمن] وإن اشترى منه اللحم كلَّه كل ثلاثة أرطال بدرهم جاز، ولا خيار له في قول أبي يوسف ومحمد، أما على أصل أبي حنيفة: فإذا لم يسمِّ جملة الوزن لم يجز البيع؛ لجهالة جملة المبيع والثمن، ولا يصحُّ في ثلاثة أرطال لتفاوت الأرطال، وليس هذا عنده كمن باع صبرة كل قفيز بدرهم، إن العقد يصحُّ في قفيز واحد؛ لأنَّ ذلك غير متفاوت فيها، فأمَّا على قولهما فالعقد [صحيح في الجملة]؛ لأنَّ الجهالة ترتفع في الثاني بفعل أحد المتعاقدين، فلم يمنع من صحَّة العقد. ١٢٢٣ - فَصل: [بيع ما فيه جهالة خفيفة] قال ابن سماعة عن محمد: إن قال: زِنْ لي من هذا الجنب ثلاثة أرطال بدرهم، أو من هذا الفخذ، فوزن له منه جَاز ولا خيار له؛ وذلك لأنَّ من أصله: أن العقد يجوز على اللحم، إذا سمَّى مكانًا من الشاة بعينه؛ لقلِّة الجهالة فيه، فصَار ذلك عنده كبيع قفيز من صُبرةٍ.

стр. 1396

قال: وكذلك إن اشترى ثوبًا من جراب بدراهم مسمَّاة، كان فاسدًا؛ لأنَّ الثياب تختلف، فالمعقود عليه منها مجهول. فإن أعطاه ثوبًا، فرضيه، جاز استحسانًا، وهذا على ما قدَّمنا من البطيخ إذا ميَّزهُ. ١٢٢٤ - فَصْل: [بيع شيءٍ بربح دَهْ يَازْدَهْ، أَو دَه دَوَا زْدَهْ] قال أبو الحسن: وإذا باع شيئًا بربح (دَه يَازْدَهْ، أَوْ دَه دَوَا زْدَه) (١) ولم يعلم بما اشترى به ذلك الشيء، فإنَّ البيع جائز، وله الخيار إذا علم بالشراء، فإن لم يعلم حتَّى هلك ذلك الشيء، فالبيع فاسد ويلزمه قيمة ذلك، هذه رواية ابن سماعة عن محمد، وقال ابن رستم عن محمد: إن البيع فاسد حتَّى يعلم المشتري، فيختار أو يدع، فإن نقض البائع البيع قبل أن يختاره المشتري فنقضه جائز، وكذلك إذا اشترى جارية مرابحة، ولم يعلم رأس المال، أو متاعًا برقم ولم يعلم ذلك، والأصل في هذا: أن جهالة الثمن توجب فساد البيع، كجهالة المبيع؛ لأنَّ كل واحد منهما [أحد] (٢) العوضين، ولهذا شرط النبي ﷺ معرفتها في العقد، فقال: "من أسلمَ فليُسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم". والذي قاله ابن سماعة: أن البيع جائز، معناه موقوف؛ لأنَّ الجهالة ترتفع في الثاني، فيصح العقد بمعرفته؛ ولهذا قال: إذا هلك قبل أن يعلم فعليه القيمة ولو كان البيع جائزًا ألزمه المسمى، وقال: إن باعه المشتري فالبيع فاسد. وأمَّا ما قال في رواية ابن رستم: أن للبائع النقض قبل أن يختار المشتري؛

стр. 1397

فلأنَّ الفساد إذا حصل ثبت لكل واحد من المتبايعين فسخ العقد. وقال أبو حنيفة: إذا علم برأس المال في هذه [المسألة]: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وهذا على ما قدَّمنا. وقال أبو يوسف: إن مات البائع قبل أن يرضى المشتري، وقد قبض أو لم يقبض، فإن البيع ينتقض، فهذا خيار لا يورث؛ وإنما كان كذلك لأنَّ العقد (١) أكثر أحواله أن يكون موقوفًا، ورضا المشتري كالإجازة، وَمِن شَرطِ الإجازة أن يكون في حالةٍ يجوز أن يستأنف فيها العقد، وذلك لا يمكن إلا مع بقاء المتعاقدين والمعقود عليه. قال: فإن قبض الجارية فأعتقها أو ماتت، أو باع المتاع قبل أن يعلم ثم علم، فعليه القيمة في الوجهين، وعتقه جائز وبيعه جائز؛ وذلك لأنه [سمّى] في مقابلة المبيع ماله قيمة وإن كان مجهولًا، فإذا قبض المبيع ملكه وجاز تصرفه فيه. قال: وكذلك لو كان العبد أخًا للمشتري فقبضه وهو لا يعلم برأس المال [عتق عليه]؛ وذلك لأنَّ العتق بالنسب كالعتق الموقع، فإذا كان لو أعتق جاز، [فكذلك إذا أعتق] عليه بالرحم. قال: فإن أعتق المشتري بعدما علم برأس المال فعليه الثمن؛ لأنَّ له الخيار إذا علم، فإذا أعتق فتصرفه [فيه] إجازة للعقد، فيصح ويلزمه المسمى. والله أعلم (٢).

стр. 1398

بَابْ: بيع السباع والهوام قال الشيخ أبو الحسن: بيعُ كل ذي ناب من السِّباع، أو ذي مِخْلَب من الطير، جائز معلَّمة وغير معلمة، وهذه رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في الأصل، وروى الحسن بنُ زياد، عن أبي حنيفة: أن الأسد لا يجوز بيعه، وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب والنمر والأسد، ويجوز بيع الفهد وسائر السِّباع (١). لنا ما روى جابر: "أن النبيَّ ﵊ نهى عن بيع الكلب والهر، إلا الكلب المعلَّم"، وروي "أنَّه نهى عن بيع الكلب إلا كلب صيدٍ أو ماشية" (٢)، ولأنَّ النمر والأسد يجوز الانتفاع بجلدهما، كالفهد، ولأنَّ اليدَ تنتقل فيه إلى الموصى له والوارث، كسائر الحيوان، فأما رواية ابن أبي مالك فمحمول على الأسد الهرم، الذي لا يُنتفع بعينه ولا بجلده، [فأمّا سواه فالبيع جائز]، وروى الفضل بن غانم عن أبي يوسف قال: لا أجيز بيع الكلب العقور، وقد أطلق في الأصل جواز بيع الكلب.

стр. 1399

ووجهُ هذه الرواية: أن العقور ممنوع من إمساكه، ومأمور بقتله، فلم يجز بيعه [كالخنزير]. قال أبو الحسن: فأمَّا الفيل، فأجمعوا على جواز بيعه؛ لأنَّه [ينتفع] (١) بالحمل عليه، وبعظمه، فصارَ كغيره من الحيوان. قال أبو الحسن: وأمَّا القرد، فإن الحسن بن زياد روى عن أبي حنيفة أن بيعهُ جائز، وروى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن بيعه باطل. قال أبو يوسف في "الجوامع": أكره بيع القردِ، وقال ابن رستم عن محمد هو جائز. وجهُ جواز البيع: أنَّه يمكن الانتفاع بجلده، كالسِّباع. ووجهُ الرواية الأخرى: أنَّه في الغالب يبتاع للتسلي (٢)، وهذه جهةٌ محظورةٌ، فلم يجز بيعهُ [كالخمر]. ١٢٢٥ - فَصْل: [بيع لحوم السِّباع] وأمَّا لحوم السِّباع فروى بشر بن الوليد، وابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنه لا يجوز، وكذلك قال في الأصل. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن بيع السبع الحيّ والقرد الحي لا يجوز، ويجوز بيع لحمهما إذا ذُبحا. وجهُ الرواية الأولى: أن لحم السباع لا يباع للانتفاع به منفعةً عامّةً تعود إلى

стр. 1400

المكلَّفين، وهذه جهة معتبرة في [المبيع] (١)، [فإذا لم يوجد لم يجز بيعه، كما يقول في لبن الآدميَّة]. وجهُ الرواية الثانية: أنه لحم مذكّى كالمأكول. ١٢٢٦ - فَصْل: [بيع جلود السباع والحمر] وأمَّا جُلود السِّبَاع والحمر والبغال فبيعها جائز إذا كانت مذبوحةً أو ميتة مدبوغةً، فأمَّا إذا لم تدبغ فلا يجوز البيع فيها، [وهذا مبني على أنَّ جلود السباع تطهر بالدباغ]. والأصل في طهارة جُلودها بالدِّباغ: ما روي أن النبي ﷺ : "استسقى ماء في شن، فقيل له: إنَّه من جلد حمار ميِّت، فقال: "أليسَ في الشَّثّ والقَرَظ ما يطهره" (٢)، وقال ﷺ : "أيّما إهاب دُبغ فقد طهر" (٣)، وإذا طهر بالدِّباغ جَاز بيعه، كجلد الشاة. فأمَّا الذكاة فإنَّها تطهر الحيوان، لا الخنزير والآدمي، وقال الشافعي: ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة.

стр. 1401

لنا: قوله ﷺ : "الذكاة في الحلق واللَّبَّةِ" (١)؛ ولأنَّه مختلفٌ في إباحة أكله، فأثرت فيه الذكاة كالضبع، ولأنَّ النبي ﵊ أقام الدباغ مقام الذكاة، بقوله: "دباغ الأديم ذكاته" (٢). فإذا كان الفرع الذي هو الدباغ [يصحّ] (٣) في هذه الجلود، فالذكاة التي هي الأصل أولى، وإذا ثبت طهارتها بالذكاة فجاز بيعها، كجلد الشاة. وأما إذا كانت مَيْتة لم تدبغ، فلا يجوز بيعُها؛ لقوله ﷺ : "لا تنتفعوا من المَيْتة بإهاب ولا عصَب" (٤)، قال الخليل [بن أحمد]: الإهاب: الجلد قبل الدباغ، وبعده يسمَّى: أديمًا؛ ولأنَّه جزء من أجزاء الميتة نجس [فلا يجوز بيعها] كلحمها. ١٢٢٧ - فَصْل: [بيع جلد الإنسان والخنزير] ولا يجوز بيع جلد الخنزير، ولا جلد الإنسان، ولا شعورهما، ولا عظمهما مدبوغًا كان الجلد أو غير مدبوغ، أما جلد الإنسان فلا يجوز الانتفاع به لحرمته، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، فدلَّ على أن الميِّت من حُكمه الدفن، [وبهذا انتفى الانتفاع به]. وأمَّا جلدُ الخنزير فالدباغ لا يؤثِّر فيه، وقد رُوي عن أبي يوسف: أنَّه يطهر بالدِّباغ.

стр. 1402

والوجه في ذلك: أن الخنزير يحرم الانتفاع به في حياته بكل حال، فَغَلُظ حُكمه بعد موته، وقد قيل إن الدِّباغ لا يتأتَّى في جلده لرقته، وامتزاجه بشحمه فيصير كجلد ميتة لم يُدبغْ [فلا يطهر]. وأمَّا شعورهما وعَظمهما فلا يجوز الانتفاع بهما، فلا يجوز بيعهما. ١٢٢٨ - فَصْل: [بيع شعر وعظم عامة الحيوان] قال أبو الحسن: فأمَّا غير الخنزير والإنسان، فإن بيع الشعر والصوفِ والوَبر والقرن والعظم فجائز مذبوحًا كان أو غير مذبوح، ولا يحرمُ بالموت ما يجوز إنْ بانَ من حي وهو حي، وينتفع به. والأصل في طهارة شعر الميتة وعظمها - خلاف ما قال الشافعي -: حديث أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بمسك الميتة إذا دُبغ، وصوفها وشعرها وقرنها إذا غُسل بالماء" (١)؛ ولأنَّه لو انفصل من الحيوان حال حياته كان طاهرًا، فإذا انفصل بعد موته جَاز أن يحكم بطهارته كالولد. وهذه المسألة مبنيَّة على أن الشعر والعظم لا حياة فيهما؛ بدلالة أن الحيوان لا يُدرك بهما ضربًا من المُدركات [ولا يألم بقطعهما من غير آفة فيهما]، ولأنَّ الحياة تحتاج إلى بنية مخصوصةٍ وأجزاء من الرطوبة، وليست موجودةً في الشعر، وإذا لم يكن فيها حياة لم يؤثِّر فيها الموت. فأما عصبُ الميتة ففيه روايتان: إحداهما: أنَّه طاهر؛ لأنَّ العصب من جنسِ

стр. 1403

العظم، إلا أنَّه غير متصلب، فحكمه حكم العظم. والرواية الأخرى: أنَّه نجس، ولا يَطهر [إلّا] بالدباغ [مثل الجلد]، وهو الصحيح؛ لأنَّ العَصبَ فيه حياة بدلالة أن الحس والإدراك يكون به، فهو كسائر الأجزاء [ويتأتَّى فيه الدباغ، فصار كالجلد]. ١٢٢٩ - فَصْل: [الانتفاع بشَعر بني آدم] قال أبو الحسن: وروى ابن سماعة وبشر بن الوليد، عن أبي حنيفة أنَّه قال: لا يجوز الانتفاع [بشعور] بني آدم، وكذلك ابن رستم روى عن محمد عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا يجوز بيع الشعر، ويُنتفع به. وجهُ قول أبي حنيفة: ما رويَ (أن النبي ﷺ لعنَ الواصلة والمستوصلة)، وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، وهذا ضربٌ من الانتفاع [مقصود، فدلّ ذلك على تحريم شعر بني آدم]؛ ولأنَّ الأمَّة تركت الانتفاع بشعور بني آدم وإن كانوا ينتفعون بشعور سائر الحيوان، فدلَّ على أنَّهم عرفوا ذلك بتوقيف. وجهُ قول محمد: أنَّ الشعر ينفصل من الآدمي وهو طاهر، فحلَّ محل اللبن. ١٢٣٠ - فَصْل: [الانتفاع بشعر الخنزير] قال أبو الحسن: ولا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير إلا للأساكفة يخرزون به، وكرهه أبو يوسف؛ وذلك لأنَّ الشعر جزء من أجزاء الخنزير، وقد تغلَّظ حكم الخنزير في التحريم، فلا يجوز الانتفاع بأجزائه. وإنما جوَّز للخرَّازين للضرورة؛ لأنَّ غيره لا يقومُ مقامه، وكرهه أبو يوسف؛

стр. 1404

لأنَّه عين محرمة، والأعيان المحرَّمة لا يباح (١) الانتفاع بها [كالميتة]. وقد قالوا في الرواية المشهورة: إن شعر الخنزير نجسٌ؛ لأنَّه جزءٌ من أجزائه، [فصار كسائر أجزائه]، ولأنَّ الخنزير قد تغلَّظ حكمه، فتعلق التغليظ بأجزائه. وروي عن محمد: ما يدلُّ على طهارته؛ لأنَّه قال: إذا وقعَ في ماء جاز الوضوء به ما لم يغلب عليه، وهذا هو الأقيس على أصولهم في الشعر. [ووجهُهُ: أن هذا شعر من الشعور، فوجب أن يحكم بطهارته كسائر الشعور]، وليسَ يمتنع أن يتعلَّق التحريم به مع طهارته، كما يتعلَّق بشعرِ الإنسان [أنه طاهر يمنع تعلق التحريم به] (٢). ١٢٣١ - فَصْل: [بيع هوامّ الأرض] قال أبو الحسن: وأجمعوا على أن بيع هوام الأرض لا يجوز مثل الحيات، والعقارب، والوَزغ، والعظاية، والقنافذ، والجُعَل، والضب، وهوامّ الأرض كلها؛ وذلك لأنَّ هذه الأشياء لم يبح الانتفاع بأعيانها، والبيع يتبع جواز الانتفاع، [فإذا لم يجز ذلك، لم يجز البيع كالخمر والخنزير]. ١٢٣٢ - فَصْل: [بيع ما يعيش في البحر] قال أبو الحسن: وقالوا: لا يجوز بيع شيءٍ [في] البحر: من الضفادع، والسرطان، والسلاحف، وغير ذلك، إلَّا السمك وما يجوز الانتفاع بجلوده. والأصل في هذا: أن كل ما جَاز الانتفاعُ بعينه من حيوان البحر، أو بجلده،

стр. 1405

أو بعظمه، فبيعُهُ جائز كحيوان البرِّ، وما لا يجوز الانتفاع بشيءٍ منه لا يجوز بيعه، كالحشرات، وقد رويَ أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن الضفادع تجعل في دواء، فنهى عنه، وقال: "خبيثةٌ من الخبائث" (١)، وهذا يدلُّ على منع الانتفاع [بها]. ١٢٣٣ - فَصْل: [بيع النحل] قال أبو الحسن: ولا يجوز بَيعُ النحل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان في كواراته عسل، فاشترى الكوارات [بما فيها من النحل] جاز، وأجاز محمد بيع النحل إذا كان مجموعًا. وجهُ قولهما: أن النحل لا ينتفع بعينه، ولا بجُزء من أجزائه، كالزنبور، ولا يُعتبر ما يتولَّد منه من العسل؛ لأنَّ ذلك ليسَ بموجود في الحال، فأمَّا إذا باع النحل مع العسل، فالعقد يقع على العَسل، ويدخل النحل على طريق التبع، وإن لم يجز إفراده بالبيع، كالشِّرب والطريق. وحكيَ عن أبي الحسن: أنَّه كان ينكر هذه الطريقة ويقول: إنما يدخل في البيع على طريق التبع ما هو من حُقوقِ المبيع وأتباعه، والنحل ليس من حقوقِ المبيع، إلا أنَّه ذكر في جامعه هذا التعليل بعينه عن أبي يوسف. وَجهُ قول محمد: أنَّ النحل حيوان يُنتفع به، يمكنُ تسليمه كسائر الحيوان (٢).
следующие страницы →