← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

لنا: قوله ﷺ : "الذكاة في الحلق واللَّبَّةِ" (١)؛ ولأنَّه مختلفٌ في إباحة أكله، فأثرت فيه الذكاة كالضبع، ولأنَّ النبي ﵊ أقام الدباغ مقام الذكاة، بقوله: "دباغ الأديم ذكاته" (٢). فإذا كان الفرع الذي هو الدباغ [يصحّ] (٣) في هذه الجلود، فالذكاة التي هي الأصل أولى، وإذا ثبت طهارتها بالذكاة فجاز بيعها، كجلد الشاة. وأما إذا كانت مَيْتة لم تدبغ، فلا يجوز بيعُها؛ لقوله ﷺ : "لا تنتفعوا من المَيْتة بإهاب ولا عصَب" (٤)، قال الخليل [بن أحمد]: الإهاب: الجلد قبل الدباغ، وبعده يسمَّى: أديمًا؛ ولأنَّه جزء من أجزاء الميتة نجس [فلا يجوز بيعها] كلحمها. ١٢٢٧ - فَصْل: [بيع جلد الإنسان والخنزير] ولا يجوز بيع جلد الخنزير، ولا جلد الإنسان، ولا شعورهما، ولا عظمهما مدبوغًا كان الجلد أو غير مدبوغ، أما جلد الإنسان فلا يجوز الانتفاع به لحرمته، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦]، فدلَّ على أن الميِّت من حُكمه الدفن، [وبهذا انتفى الانتفاع به]. وأمَّا جلدُ الخنزير فالدباغ لا يؤثِّر فيه، وقد رُوي عن أبي يوسف: أنَّه يطهر بالدِّباغ.

стр. 1402

والوجه في ذلك: أن الخنزير يحرم الانتفاع به في حياته بكل حال، فَغَلُظ حُكمه بعد موته، وقد قيل إن الدِّباغ لا يتأتَّى في جلده لرقته، وامتزاجه بشحمه فيصير كجلد ميتة لم يُدبغْ [فلا يطهر]. وأمَّا شعورهما وعَظمهما فلا يجوز الانتفاع بهما، فلا يجوز بيعهما. ١٢٢٨ - فَصْل: [بيع شعر وعظم عامة الحيوان] قال أبو الحسن: فأمَّا غير الخنزير والإنسان، فإن بيع الشعر والصوفِ والوَبر والقرن والعظم فجائز مذبوحًا كان أو غير مذبوح، ولا يحرمُ بالموت ما يجوز إنْ بانَ من حي وهو حي، وينتفع به. والأصل في طهارة شعر الميتة وعظمها - خلاف ما قال الشافعي -: حديث أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: "لا بأس بمسك الميتة إذا دُبغ، وصوفها وشعرها وقرنها إذا غُسل بالماء" (١)؛ ولأنَّه لو انفصل من الحيوان حال حياته كان طاهرًا، فإذا انفصل بعد موته جَاز أن يحكم بطهارته كالولد. وهذه المسألة مبنيَّة على أن الشعر والعظم لا حياة فيهما؛ بدلالة أن الحيوان لا يُدرك بهما ضربًا من المُدركات [ولا يألم بقطعهما من غير آفة فيهما]، ولأنَّ الحياة تحتاج إلى بنية مخصوصةٍ وأجزاء من الرطوبة، وليست موجودةً في الشعر، وإذا لم يكن فيها حياة لم يؤثِّر فيها الموت. فأما عصبُ الميتة ففيه روايتان: إحداهما: أنَّه طاهر؛ لأنَّ العصب من جنسِ

стр. 1403

العظم، إلا أنَّه غير متصلب، فحكمه حكم العظم. والرواية الأخرى: أنَّه نجس، ولا يَطهر [إلّا] بالدباغ [مثل الجلد]، وهو الصحيح؛ لأنَّ العَصبَ فيه حياة بدلالة أن الحس والإدراك يكون به، فهو كسائر الأجزاء [ويتأتَّى فيه الدباغ، فصار كالجلد]. ١٢٢٩ - فَصْل: [الانتفاع بشَعر بني آدم] قال أبو الحسن: وروى ابن سماعة وبشر بن الوليد، عن أبي حنيفة أنَّه قال: لا يجوز الانتفاع [بشعور] بني آدم، وكذلك ابن رستم روى عن محمد عن أبي حنيفة، وقال محمد: لا يجوز بيع الشعر، ويُنتفع به. وجهُ قول أبي حنيفة: ما رويَ (أن النبي ﷺ لعنَ الواصلة والمستوصلة)، وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، وهذا ضربٌ من الانتفاع [مقصود، فدلّ ذلك على تحريم شعر بني آدم]؛ ولأنَّ الأمَّة تركت الانتفاع بشعور بني آدم وإن كانوا ينتفعون بشعور سائر الحيوان، فدلَّ على أنَّهم عرفوا ذلك بتوقيف. وجهُ قول محمد: أنَّ الشعر ينفصل من الآدمي وهو طاهر، فحلَّ محل اللبن. ١٢٣٠ - فَصْل: [الانتفاع بشعر الخنزير] قال أبو الحسن: ولا يجوز الانتفاع بشعر الخنزير إلا للأساكفة يخرزون به، وكرهه أبو يوسف؛ وذلك لأنَّ الشعر جزء من أجزاء الخنزير، وقد تغلَّظ حكم الخنزير في التحريم، فلا يجوز الانتفاع بأجزائه. وإنما جوَّز للخرَّازين للضرورة؛ لأنَّ غيره لا يقومُ مقامه، وكرهه أبو يوسف؛

стр. 1404

لأنَّه عين محرمة، والأعيان المحرَّمة لا يباح (١) الانتفاع بها [كالميتة]. وقد قالوا في الرواية المشهورة: إن شعر الخنزير نجسٌ؛ لأنَّه جزءٌ من أجزائه، [فصار كسائر أجزائه]، ولأنَّ الخنزير قد تغلَّظ حكمه، فتعلق التغليظ بأجزائه. وروي عن محمد: ما يدلُّ على طهارته؛ لأنَّه قال: إذا وقعَ في ماء جاز الوضوء به ما لم يغلب عليه، وهذا هو الأقيس على أصولهم في الشعر. [ووجهُهُ: أن هذا شعر من الشعور، فوجب أن يحكم بطهارته كسائر الشعور]، وليسَ يمتنع أن يتعلَّق التحريم به مع طهارته، كما يتعلَّق بشعرِ الإنسان [أنه طاهر يمنع تعلق التحريم به] (٢). ١٢٣١ - فَصْل: [بيع هوامّ الأرض] قال أبو الحسن: وأجمعوا على أن بيع هوام الأرض لا يجوز مثل الحيات، والعقارب، والوَزغ، والعظاية، والقنافذ، والجُعَل، والضب، وهوامّ الأرض كلها؛ وذلك لأنَّ هذه الأشياء لم يبح الانتفاع بأعيانها، والبيع يتبع جواز الانتفاع، [فإذا لم يجز ذلك، لم يجز البيع كالخمر والخنزير]. ١٢٣٢ - فَصْل: [بيع ما يعيش في البحر] قال أبو الحسن: وقالوا: لا يجوز بيع شيءٍ [في] البحر: من الضفادع، والسرطان، والسلاحف، وغير ذلك، إلَّا السمك وما يجوز الانتفاع بجلوده. والأصل في هذا: أن كل ما جَاز الانتفاعُ بعينه من حيوان البحر، أو بجلده،

стр. 1405

أو بعظمه، فبيعُهُ جائز كحيوان البرِّ، وما لا يجوز الانتفاع بشيءٍ منه لا يجوز بيعه، كالحشرات، وقد رويَ أنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن الضفادع تجعل في دواء، فنهى عنه، وقال: "خبيثةٌ من الخبائث" (١)، وهذا يدلُّ على منع الانتفاع [بها]. ١٢٣٣ - فَصْل: [بيع النحل] قال أبو الحسن: ولا يجوز بَيعُ النحل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان في كواراته عسل، فاشترى الكوارات [بما فيها من النحل] جاز، وأجاز محمد بيع النحل إذا كان مجموعًا. وجهُ قولهما: أن النحل لا ينتفع بعينه، ولا بجُزء من أجزائه، كالزنبور، ولا يُعتبر ما يتولَّد منه من العسل؛ لأنَّ ذلك ليسَ بموجود في الحال، فأمَّا إذا باع النحل مع العسل، فالعقد يقع على العَسل، ويدخل النحل على طريق التبع، وإن لم يجز إفراده بالبيع، كالشِّرب والطريق. وحكيَ عن أبي الحسن: أنَّه كان ينكر هذه الطريقة ويقول: إنما يدخل في البيع على طريق التبع ما هو من حُقوقِ المبيع وأتباعه، والنحل ليس من حقوقِ المبيع، إلا أنَّه ذكر في جامعه هذا التعليل بعينه عن أبي يوسف. وَجهُ قول محمد: أنَّ النحل حيوان يُنتفع به، يمكنُ تسليمه كسائر الحيوان (٢).

стр. 1406

١٢٣٤ - فَصْل: [بيع دود القزّ] قال أبو حنيفة وأبو يوسف في دُود القزِّ: يجوز بيعه إذا كان معه قزٌّ، ولا يجوز إذا انفرد، وروى هشام في نوادره وابن رستم، عن محمد، عن أبي حنيفة: أن بيع دود القزِّ لا يجوزُ ولا بيضهُ، وقال محمد: يجوز بيعه. وجهُ قولهما: أن دودَ القزِّ لا ينتفع بعينه، ولا بأجزائه، [فأشبه الزنبور] وليس كذلك إذا كان معه القز؛ [لأنَّ ذلك] (١) على طريق التبع. وجهُ قول محمد: أنَّه منتفع به كسائر الحيوان. فأما بزر الدود فيجوزُ بيعه عند أبي يوسف ومحمد، ويجوز السلم فيه كيلًا في حينه إذا جعل [أجله] في حينه؛ لأنَّه بزرٌ يتولَّد منه ما يُنتفعُ بهِ، فصَارَ كبزرِ البطيخ، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيعه؛ لأنَّه لا يُنتَفَعُ بعينه، وكان محمد يضمِّن من قتل دود القز؛ لأنَّه يجوز بيعهُ، وعن أبي حنيفة: أنَّه لا يضمن مَن قتله، على أصله في امتناع بيعه (٢). فرع (٣) آخر: قال ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: فيمن باع [دُرّاجًا] (٤) أو قُمْريًّا أو فاختة، واشترط أنَّه [يصيح] (٥)، أو طيرًا مما يجيء من الموضع البعيد، أو كبشًا نطاحًا، أو ديكًا مقاتلًا، أو كلبًا مُعاقرًا، أو جاريةً

стр. 1407

مغنِّية، واشترط ذلك في البيع، أنَّ البيع فاسد، وهو قول محمد؛ وذلك لأنَّ هذه الأعيان تُشترى في الغالب للتَّلهِّي، وهي جهةٌ محظورةٌ فيها، فإذا شُرطت في البيع لم يجز، ولأنَّ صياح القُمْرِي والدُّراج يجوز أن يوجد، ويجوز أن لا يُوجد، ولا يُمكن جَبرهُ على ذلك، وقد شرط في المبيع ما لا يمكن (١) تسليمه [فيفسد]. وقد قال محمد: إذا باع جَاريةً مغنّية وشرط ذلك، جاز على وجه التبرُّؤ من العيب؛ لأنَّ الغناء عيبٌ فيها، فيجوز للبائع التبرُّؤ منه كسائر العيوب (٢). ١٢٣٥ - فَصْل: [بيع الجوارح من الحيوان] قال أبو يوسف: فإن اشترى كلبًا، أو فهدًا، أو شيئًا من الجوارح واشترط أنَّه [معلَّم] (٣)، فهذا جائز، وهي إحدى الروايتين عن محمد؛ وذلك لأنَّ [هذه الأشياء] صنعة تُتعلَّم وتنفق عليها [الأعواض] (٤)، [وهي مباحة] فهو كالجارية الطبَّاخة. وجهُ الرواية الأخرى: عن محمد أن ذلك لا يُمكن تسليمه؛ لأنَّ جبرَ الحيوان عليه لا يمكن [فإذا اشترط في البيع ما لا يمكن تسليمه، فسد]. ١٢٣٦ - فَصْل: [بيع البراذين] قال محمد: إذا باع بِرْذَوْنًا على أنَّه هِملاج (٥)، فالبيع جائز؛ وذلك لأنَّ هذه

стр. 1408

صنعة تنفق عليها الأعواض، وعلى قول محمد: يجوز أيضًا؛ لأنَّه يمكنُ تسليمها، ألا ترى أنَّها لا تنسى في العادة [فلم يوجد المانع من جواز العقد، فصار كالطبخ والخبز]. قال: وإن باع حمامة على أنَّها تجيء من [المستلمين] (١)، فالبيع باطل (٢)، وهذا مبنيٌّ على أصله؛ لأنَّها لا تُجبر على ذلك، قال: فإن باع قُمْريًّا على أنَّها تصوِّت، فإذا صَوَّتَتْ جَاز؛ وذلك لأنَّ هذه خلقة فيها كحُسنها، ولهذا قالوا في إحدى الروايتين في المُحْرِمِ: إذا قتل قُمْرِيَّة مصوِّتة ضمِنَ قيمتها مصوتة. ١٢٣٧ - فَصْل: [بيع الشاة على أنها حلوب] قال: فإن باع شاة على أنَّها حلوب، أو على أنَّها تحلب عشرة أرطال، أو على أنَّها تضع بعد شهر، فالبيع فاسد؛ لأنَّ اللبن لا يجوز أن يتناوله العقد؛ لأنَّه في مضمون خلقة الحيوان، فلا يجوز أن يشترط في العقد، وأمَّا الوضع؛ فلأنَّه لا يُمكن الوفاء به، فاشتراطه لا يصح (٣). فرعٌ (٤) آخر: قال أبو الحسن: وأجاز أصحابنا جميعًا بيعَ السَّرْجين، والبعر، وشراؤه والانتفاع به، وقال الشافعي: لا يجوزُ بيعه (٥). لنا: أنَّه يباع في سائر الأعصار من غير نكير؛ ولأنَّه يجوز وقوده كالحطب،

стр. 1409

ولأنَّها عينٌ جَامدة يجوز الانتفاع بها كسائر [الأعيان] (١). ١٢٣٨ - فَصْل: [بيع رجيع بني آدم] ولا يجوز بيع رجيع بني آدم إلا أنْ يغلب عليه التراب، وكذلك الانتفاع به. وروى هشام عن محمد عن أبي حنيفة: أنَّه [أجاز بيع السرجين] وكره بيع العَذِرَة، وأجاز الانتفاع بها، وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: أنه أجاز بيعَ السَّرجين وكره بيعَ العَذِرَة (٢)، ولم يحكِ في الانتفاع شيئًا، قال ابن رستم عن محمد: وأما بيع العَذِرَة إذا كان الترابُ هو الغالب، فلا بأس به، والأصل في ذلك: أنَّه لا يجوز الانتفاع بها ما لم يختلط بالتراب؛ لأنَّها عين النجاسة لم يخفَّف حكمها بالاستهانة بها كسائر النجاسات، فإذا غلبَ الترابُ عليها جَاز الانتفاع بها كما يجوزُ بالسمن النجس، فيجوز بيعها. وقد قال ابن رُستم، عن محمد، قال أبو حنيفة: كل شيء أفسده (٣) الحرام والغالبُ عليه الحلال فلا بأس ببيعه، إذا [بيّن] (٤) ذلك، [فلا بأس] بالانتفاع به، وهذا كالعجين إذا وقعت فيه فأرة، والسَمنِ النجسِ، وكل شيء الغالبُ عليه الحرام، فلا خير في بيعه ولا هبته. قال محمد في موضع آخر: ولو أنَّ زيتًا وقع فيه وَدَكُ ميتة وكان الودك هو الغالب، لم يجز بيع ذلك بيَّن أو لم يبيِّن، ولو كان الزيت غالبًا جاز، والأصل

стр. 1410

في جواز بيع الزيت النجس - خلاف ما قال الشافعي (١) -: ما روي أن النبي ﵊ قال في السمن المائع تقع فيه الفأرة: (انتفعوا به) (٢)، وروي أنه قال (استصبحوا بهِ)؛ ولأنَّ ما جاز الاستصباح به جاز بيعه كالطاهر. وقوله فيما غلبَ عليه النجاسة: أنه [يجوز] (٣) الانتفاع به، فالمراد بذلك في غير الأبدان: مثل الاستصباح، والدِّباغ، ودهنِ الدواب، فأمَّا في الأبدان فلا يحل الانتفاع به (٤). فرعٌ آخر: قال أبو الحسن: بيع البَرْبَط، والطَّبْل، والمزمار، والدُّف جائز، ومن كسره ضَمنهُ، ولا يجوزُ بيعه عند أبي يوسف ومحمد، فلا يضمن مَن كسره، وكذلك روى الفضل بن غانم وابن سماعة وعلي بن الجعد، عن أبي يوسف: أنَّه لا يجوز بيع النَّرد، و [لا] الشَّطْرَنْج (٥)، ولا الناي، ولا الصَّنْج، ولا الدُّف المربَّع، ولا العُود، ولا بأس ببيع الدُّف المُدوَّر، وإن كان عليه الصنوج لم يجز.

стр. 1411

وجه قول أبي حنيفة: أنَّ هذه الأعيان يمكن الانتفاع بها على وجهٍ مُباح، بأن يجعل البَرْبَط ظرفًا للدقيق، والصنجات (١) للوزن، والناي وتدًا، وما أمكن الانتفاع به على وجه مُباح وعلى وجه محظور؛ جائز بيعه، كالسلاح [والثياب والإِبْرَيْسَم]، وإذا ثبت جواز بيعه، وَجبَ على مُستهلكه ضمانه، إلا أنَّه يضمنه ألواحًا غير مؤلَّفة التأليف الذي يصلُحُ للملاهي. وجهُ قولهما: أنَّ هذه العين في الغالب لا تُستعمل إلا للمعاصي، فلا يجوز بيعها كالخمر، وإذا ثبت امتناع بيعها لم يجب على متلفها شيءٌ، قال أبو يوسف: وقد أحسن مُتلفها.

стр. 1412

بَابْ: ما يحرم بيعه، وما يدخل في معناه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يجوز بَيعُ الخنزير، والخمر، والميتة، و [هو حرام لا يجوز بيعه] ولا أكل ثمنه (١). أمَّا الخمر فلقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. ورويَ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "لعنَ اللهُ الخمرَ وبائعها، ومُشتريها، وشاربها"، وأمَّا الخنزير، فلقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] والتحريم يمنع من جواز التصرُّف فيه. والميتة لا يجوز بيعها لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وأمَّا الحرُّ فلقوله ﵊: "ثلاثة أنا خصمُهم يوم القيامة ومَن كُنْت خصمهُ خصمتُه، رجلٌ باع حرًّا وأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يُوفِّه أجره، ورجلٌ أعطى بي ثم غدرَ" (٢)، ورويَ أنَّه قال: "إن أعتى الناس على الله ثلاثة: رجلٌ باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجلٌ قتل غيرَ قاتله، ورجلٌ قتل في الحرم" (٣).

стр. 1413

وأما قوله: إن ثمن ذلك لا يؤكل (١)؛ فلقوله ﵊: "لعنَ اللهُ اليهودَ، حُرِّمت عليهم الشحومُ فباعوها وأكلوا ثمنها، ألم يعلموا أن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم أكل ثمنه" (٢). ١٢٣٩ - فَصْل: [ذبح المحرم الصيد والحلال في الحرم] قال أبو الحسن: وكذلك ما ذبحه المُحرمُ من الصيد عندنا، وما ذَبح الحلال في الحرم من الصيد؛ وذلك لأنَّ ذبيحة المُحرم ميتة، وقال الشافعي في أحد قوليه: يحرمُ على الذابح، ولا يحرم على غيره (٣). لنا: أن الله تعالى سمَّى ذلك قتلًا، والقتل في الشريعة يستعمل فيما لا يحل أكله؛ ولأنَّه ذبحٌ لا يثبتُ [به] الإباحة في حقِّ الذابح، فلا يثبتها في حق غيره، كذبح المجوسي، [ولأنّ الرمي إلى الصيد يستفاد به حكمان: المِلك والإباحة، فإذا كان الملك لا يحصل برمي المُحْرِم، فكذلك الإباحة؛ لأنه أحد حُكْمي الرمي]، وكذلك ذبح الحلال [الصيد في الحرم] (٤)؛ لأنَّه ممنوع منه لحقِّ الله تعالى، كما يُمنعُ المُحْرم.

стр. 1414

١٢٤٠ - فَصْل: [ذبائح أهل الكتاب] قال أبو الحسن: وكذلك ذبيحة المجوسي وكل مشرك غير الكتابي، عبدًا كان أو حرًّا، وكذلك ذبيحة المرتد؛ وذلك لما رويَ في حديث عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في المجوس: "سنُّوا سُنَّةَ أهل الكتاب، ولا تأكلوا ذبائحهم، ولا تنكحوا نسائهم" (١)؛ ولأنَّ الله تعالى خصَّ الإباحة بطعام أهل الكتاب، ومَنْ سواهم لم يُوجَد معنى الإباحة فيهم [فبقي على التحريم]. فأمَّا ذبائح أهل الكتاب فهي حلال، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولا يجوز أن يحمل على ما سوى الذبائح؛ لأنَّه لا يكونُ لتخصيصه بأهل الكتاب معنى؛ إذ ذلك مباح في المجوس؛ ولأنَّ مَن آمن بكتابٍ من كتب الله تعالى؛ حَلت ذبيحته كالمسلم (٢). ١٢٤١ - فَصْل: [ذبيحة من ترك التسمية عمدًا] قال [أبو الحسن]: ومن ترك التسمية عمدًا؛ لم يجز [أكل] ذبيحته، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وهذا نصٌّ في التحريم.

стр. 1415

وكذلك ذبيحة الصبي الذي لا يَعقل، والمجنون؛ لأنَّهما لا يصحُّ منهما القصدُ إلى التسمية، فصارَ كذبائح البالغ بغير تسمية (١). ١٢٤٢ - فَصْل: [بيع المكاتب والمدبر وأم الولد] ولا يجوزُ بيع المكاتب ولا المدبَّر ولا أم الولد ولا الذي أعتق بَعضه. أمَّا أمُّ الولد؛ فلقوله ﵊ في أمِّ الولد: "لا تباع ولا توهب وهي حرَّة مِنْ جَميع المال" (٢)، وقال في مارية: "أعْتَقَهَا وَلدُها" (٣)، ومن سمَّى مُعْتَقًا لا يجوز بيعه، وروى عبيدة السَلماني قال: قال [عَلِيّ]﵇: (اتفق رأيي ورأي عمر بن الخطاب ﵁ في آخرين من الصحابة: أن أمَّهات الأولاد لا يُبعن، ثم رأيت بعد ذلك أن أُرِقَّهن، فقال له عبيدة: رأيك في الجماعة أحبُّ إليَّ من رأيك في الفرقة)، وهذا ليس بخلاف من عليٍّ ﵇؛ لأنه يجوز أن يكون قوله أرقهن بمعنى أجعل لرقهن قيمة، كما قال أبو يوسف ومحمد، ولأنَّه لا يجوز بيعها وهي حامل؛ لثبوت نسب ولدها من مولاها، وهذا المعنى موجودٌ بعدَ وضع الحمل. فأمَّا المدبَّر فلا يجوز بيعه، وقال الشافعي: يجوز (٤). لنا: ما روي في حديث ابن عمر أن النبي ﵊ قال في المدير: "لا يُباع ولا يوهب وهو حر من الثلث" (٥)؛ ولأنَّه حق حرية، فأثبت له اسمًا مطلقًا، فمنع

стр. 1416

البيع، كالاستيلاد والكتابة. فأمَّا المكاتب فلأنَّه عقد له عقدًا أوجب زوال يده، واستحقاق أرشه فصار كبيعه. وأمَّا المُعْتَقُ بعضه، فلا يجوز بيعُ باقيه عند أبي حنيفة، فأما عندهما: فهو حرّ كلّه، وقال الشافعي: إن كان المعتِقُ معسرًا جاز بيع الباقي منه (١). لنا: ما روي أن النبي ﵇ قال في عبد من شريكين، أعتق أحدهما نصيبه، (عَتَقَ كلُّه، ليس لله شريك) (٢)؛ ولأنَّ حق الحريَّة في المكاتب يمنع البيع، [فنفس] (٣) الحرية أولى أن يمنع. ١٢٤٣ - فَصْل: [بيع ولد المدبرة وولد المكاتَبة] قال: ولا أولاد الإماء من ذلك، أمَّا ولد أم الولد؛ فلأنَّ الاستيلاد مستقر في الأم، فيسري إلى الولدِ. وأمَّا ولد المدبَّرة، فقد رويَ عن جابر وآخرين من الصحابة أنَّهم قالوا في ولد المدبَّرة مدبَّر [وقد دللنا على امتناع المدبَّرة، فكذلك بيع أولاد المدبرة]. وأمَّا ولد المكاتبة فهو داخل في كتابتها، فلم يجز بيعه كما لا يجوز بيعها.

стр. 1417

وكذلك الولد المشترى والوالدان؛ لأنَّهم يدخلون في كتابة المكاتب، [فصاروا كسائر المكاتبين]. فأمَّا مَن سواهم من ذوي الأرحام، فيجوز بيعهم عند أبي حنيفة؛ لأنَّهم لا يدخلون في كتابة المكاتب، ولا يجوز عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنهم يَدخلون في الكتابة. ١٢٤٤ - فَصْل: [الضمان في الجنايات والغصوب] قال أبو الحسن في الجامع: ويضمنون كلهم في الجنايات والغُصوبِ والبيع الفاسدِ، كما يُضمن غيرهم من العبيد، إلا أم الولد، فإنَّها لا تضمن إلا بما يضمن به الحُر من الجناية في قول أبي حنيفة، واختلف عنه في المدبَّر، فقال في الجامع الصغير: لا يُضمن في البيع، وهو المشهور من رواية محمد، وقال معلى عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنَّه يضمنُ المدبَّر في البيع كما يضمن في الغصب، وليس عن أبي حنيفة خلاف أنه المدبَّر بالغصب، أما ضمان المدبّر والمكاتب بالغصب؛ فلأنَّ رقهما مقوَّم، بدليل أن المولى لو أعتقهما في مرضه سعيا، ولأنَّهما يسعيان بعدَ موته، [وإذا كان لرِقهما قيمة] فالغاصب مُتلفٌ لمال المولى؛ فلذلك ضمن. وأما أم الولد، فلا تُضمن عند أبي حنيفة بالغصب؛ لأنَّ المولى لا يَملك منها إلا المنفعة، ألا ترى أنَّها لا تسعى بعد الموت للورثة، ولا للغرماء، وغصب المنفعة لا يتعلَّق به ضمان. وجهُ قولهما: أنَّ حق الحريّة لا ينافي ضمان الغصب كالتدبير، وإذا ثبت

стр. 1418

أنَّها لا تضمنُ عنده بالغصب، كذلك بالبيع الفاسد؛ لأنَّ ضمانها يتعلَّق بالقبض [فصار كالغصب]، وعلى قولهما لما ضمنت بالغصب، ضمنت بالقبض عن بيع فاسدٍ. وأمَّا المدبَّرة فالصَّحيح عن أبي حنيفة رواية معلى؛ لأنَّها تضمنُ بالغصب، وضمان القبض في البيع الفاسد ضمان غصب. ووجهُ رواية الجامع الصغير: أن حريَّتها تتعلَّق بالموت كأم الولد. ١٢٤٥ - فَصْل: [بيع الرجل الماء والكلأ] نوعٌ آخر: وقال أبو الحسن: لا يجوز عند أصحابنا جميعًا بيعُ الرجل كلأً في أرضه [ولا] ماء في نهره أو بئره، وذكر الطحاوي هذه المسألة في الاختلاف، فذكر قول الشافعي مثل قولنا (١). والأصل فيه قوله ﵊: "النَّاسُ شركاء في ثلاثة: في الماء، والكلأ، والنار" (٢)، وإذا أشرك الناس فيه لم يكن البائع أولى من المشتري به، فلم يصح بيعه؛ ولأنَّه على أصل الإباحة، فما لم يُحرزه لا يجوز بيعه، كالصيد في أرضه، وكذلك الكمأة في الأرض لا يجوز بيعها ما لم يقلعها ويحرِزْها (٣)، وكذلك بيع الصَّيْد في أرض لم تؤخذ؛ لما بيّنا أن ما كان على أصل الإباحة لم يُملك إلا بالحيازة.

стр. 1419

قال وكذلك بيع السمك في [نهره وأجَمَتِه] وهذا على وجهين: إن حصل في أرضه بغير فعله؛ لم [يجز] بيعه لعدم الحيازة، وإنْ حصل في أرضه بفعله فهو على وجهين: إن كان لا يمكن أخذه إلا باصطياد لم يجز بيعه؛ لأنَّه لا يقدرُ على تسليمه عقيبَ العقد، وإن كان يقدر على أخذه بغير صيد جازَ البيع؛ لأنَّه حصَل في أرضه بحيازته، فملكه، وتسليمه ممكن، فصار كما لو [حازه] (١)، وجعله في طرفٍ. ١٢٤٦ - فَصْل: قال: وكذلك إن ساق الماء إلى أرضه ولحقته المؤنة حتى خرج الكلأ، فإنَّه لا يجوز بيعه؛ وذلك لأنَّ سوق الماء ليس حيازة للكلأ، فبقيت على أصل الإباحة، فلا يجوز بيعه. ١٢٤٧ - فَصْل: [بيع ذبيحة المجوسي] وذكر أبو الحسن في "الجامع الصغير" في ذبيحة المجوسي وكل شيء يعملونه هو عندهم ذكاة كخنقها وضربها حتى تموت، فإنَّه يجوز به البيع بينهم عند أبي يوسف، ولو استهلكها مُسلم ضمنَ قيمتها، قال وليس ذلك كما مات حتف أنفه، وقال محمد: ذبيحة المجوسي لا يجوز لهم بيعها، ولا أقضي فيها بثمن، وذبحه وقتله سواء. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّهم يتمولون ذبائحهم كما يتمولون الخمر، فإذا جاز تصرُّفهم في أحدهما فكذلك الآخر.

стр. 1420

وجهُ قول محمد: أن أحكامهم كأحكامنا في الشرع، إلا ما استثني بعقد الأمان، والذي استثني لهم الخمر والخنزير، وما سوى ذلك فعلى أصله (١). ١٢٤٨ - فَصْل: [بيع الأشربة المحرمة] قال أبو الحسن في الجامع: أجمعت الرواة كلُّهم أبو يوسف ومحمد والحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: أن بيع الأشربة المحرَّمة كلِّها جائز إلا الخمر، غير أنَّ الحسنَ قال: وكذلك مَا ذهبَ [ثُلُثه] من العصير إذا اشتدَّ، ولم يُجَوّز أبو يوسف ومحمد بيع ما حرم شربه، فالضمان على القولين فرع على جواز البيع. وجهُ قول أبي حنيفة المشهور: أنَّ هذه الأشربة مختلف في تحريمها، كنبيذ التمرِ المطبوخ. وجهُ رواية الحسن: أن العصير إذا ذهب أقلُّه واشتدَّ لم يزل اسم الخمر عنه؛ لأنَّه يُطبخ الطبخ اليسير ليستحكم، ولا يرد عليه الفساد، وإذا كان من نوع الخمر لم يجز بيعه، وليس كذلك المنصّف؛ لأنَّه يغلظ ويزول الاسمُ عنه، فتحريمه لا يمنع من جوازِ بيعه. وجهُ قولهما: أنَّه شرابٌ محرَّم غير مستقذر [فلا يجوز بيعه] كالخمر، ولا يلزم الماء النجس لأنه مستقذر فلا يلزم (٢).

стр. 1421

بَابْ: العقد يقع على شيئين أحدهما لا يجوز البيع فيه هذا الباب قد تكلَّمنا على أكثر ما فيه فيما تقدَّم، وبيّنّا الخلاف فيه، وذكرنا رجوع أبي يوسف في مسألة الطوق، واختلاف طريقة أصحابنا في ذلك، ولا معنى لإعادته. وقد قال أبو حنيفة: إن معنى قولي إن الفساد في نفس المعقود عليه أن يثبت التحريم بنصٍّ أو إجماعٍ، ولا أعتد بالخلاف مع النصِّ، ولهذا قال: فيمن جمع بين شاة مذكاة وشاة تركت التسميةُ عليها عامدًا؛ أنَّ البيعَ فاسد فيهما؛ لأنَّ ما تركت التسمية عليه عمدًا منصوصٌ على تحريمه، والنصُّ حجَّةٌ على المختلفين، والخلاف ليس بحجَّة في مقابلة النصِّ، فصار وجود الخلاف فيه وعدمه سواء. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز البيع في المذكاة؛ لأنَّ إباحة الأخرى يسوغ فيها الاجتهاد، فصار تسويغ الاجتهاد كتعارض النص. ١٢٤٩ - فَصْل: [مسألة الطوق] وذكر أبو الحسن [في] (مسألة الطوق): وهي [أنه] إذا باع جارية وطوقَ ذهبٍ بمائة (١) دينار إلى شهر، فالبيع فاسد كلُّه عند أبي حنيفة، وروى ابن رستم عن محمد، عن أبي يوسف، وابن سماعة وبشر بن الوليد، عن أبي يوسف مثل

стр. 1422

قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: لأنَّه لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك، وقد بيَّنا هذه المسألة. قال محمد: وللمُشتري الخيارُ في الحلال منهما إذا لم يعلم، فالذي أفسد البيع: إن شاء أخذ الباقي، وإن شاء ردَّه؛ وذلك لأنَّ الصفقة تفرَّقت عليه [فثبت له الخيار إذا لم يكن رضي به]. قال: فإن كان البائع بيَّن ذلك، فلا خيار له؛ لأنَّه قد علم بتفريق الصفقة، فدخل [في العقد] على ذلك. ١٢٥٠ - فَصْل: [حصول الفساد بسبب آخر] قال أبو الحسن: وإذا لم يَفسد العقد لما وقع عليه، وإنما فسد بالافتراق بطل فيما يبطل بالافتراق، وصحَّ في الآخر، مثل أن يكون له على رجل خمسة دراهم دَينًا، فأسلمها مع خمسةٍ أخرى في قفيز، وكذلك الجارية والطوق، إذا لم يشترط في البيع الآجل وافترقا عن غير قبض؛ وذلك لأنَّ البيع وقع هاهنا صحيحًا في الجميع، وإنما فَسدَ في بعضه بمعنى طارئ فلا يفسد في الباقي، كمن اشترى عبدين، فمات أحدهما [قبل القبض]. ١٢٥١ - فَصْل: [فيمن باع شيئين فقبض أحدهما فقط] وقد حكى محمد عن أبي حنيفة: فيمن باع أَمَتين إحداهما لم يقبضها من بائعها؛ أنَّه يجوزُ البيعُ في التي في يده، وهذا كالمدبَّرة والأمة.

стр. 1423

وقال الحسن، عن زفر: البيع فيهما باطل. وجهُ قول أبي حنيفة: أن الرقَّ المعقودَ عليه موجودٌ فيها، فصار كالأمة والمُدبَّرة. وجهُ قول زفر: أن بيع ما لم يقبض منصوص على تحريمه، فلم يُعتدَّ بالخلاف فيه، ففسد [البيع] في الجميع، [كما قلنا فيمن باع شاةً مُذكَّاةً وشاة تركت التسمية عليها عامدًا]. ١٢٥٢ - فَصْل: [الفساد في الثمن يعم جميع المبيع] وقد ذكر أبو الحسن في الجامع: فيمن اشترى عبدًا بخمسمائة نقدًا، وخمسمائة له على فلان: أن البيع فاسد في [المبيع] (١)؛ وذلك لأنَّ هذا فساد في الثمن، وما فسد من الثمن لا يختصُّ بجزء من المبيع دون جزءٍ؛ [لأن عندنا كل جزء من الثمن في مقابلة كل المبيع] فيفسُد في الجميع، وعلى هذا قال زفر: إذا اشترى عبدًا بخمسمائة نقدًا وخمسمائة إلى العطاء فسد في الجميع؛ لأنَّه شرطٌ فاسد في الثمن، فلا يختص ببعض المبيع دون بعض (٢).

стр. 1424

بَابْ: بيع الحمل وما في معناه قال أبو الحسن: وإذا باع الرّجلُ حَمْل شيءٍ من الحيوان، كائنًا ما كان، أو لبنًا في ضرع، أو صوفًا على ظهر شاة، أو لؤلؤة في صدَفة، فباعها دون الصَّدَفة، أو [في] بطيخ صحاح، ورضي صاحبه أن يقطعهُ ويسلِّمه إليه، أو نوى في تمرٍ، أو خل هذا السمسم، أو زيت هذا الزيتون، أو لحمًا من شاة حيَّة، أو باع رجلها أو يدها أو طرفها وهي حيَّة، أو شحمها، فهذا كلُّه باطل لا يجوز البيع (١). أمَّا الحمل فلنهيه ﷺ عن "بيع الحر، وعن بيع الحبَلة"؛ ولأنَّه لا يمكنه تسليمهُ عقيب العقد، لعدم ثبوت يده عليه. وأمَّا اللبن؛ فحديث ابن عباس (أنَّ النبي ﵊: "نهى عن بيع اللبن في الضرع، وعن بيع المضامين" (٢)، وهو ما يضمنه خلقة الحيوان؛ ولأنَّه لا يُمكن التسليمُ للمعقود عليه، ألا ترى أنَّ اللبن يحدث حالًا فحالًا فيختلط المبيع بغيره قبل قبضه، وهذا يفسد البيعَ لو صحَّ. فأمَّا الصُّوف على ظهر الشاة، فالمشهور عنهم أنَّه لا يجوز، وذكر محمد في الصُلح، عن أبي يوسف: أنَّه لو صالح على صُوف على ظهر شاة جاز، وروى

стр. 1425

بشر عن أبي يوسف: جَواز بيعه. وجهُ قول أبي حنيفة ومحمد: حديث ابن عباس (أنَّ النبي ﵊ نهى عن بيع الصُّوف على ظهر الغنم) (١)، ولأنَّه جزء مشار إليه من الحيوان [فلم يجز بيعه] كأعضائه. وجهُ قول أبي يوسف: أنّها عين مشارٌ إليها، يجوز استباحتها، فصار (٢) بيعُها كبيع القصيل، والفرق بينهما: أنَّ الصوفَ لا يخلو [إما] أن يسلِّمه بالجزِّ أو بالنتف، وبالجزِّ لا يُمكن استيفاؤه، وقد [يبقى] منه في بعض الأحوال أكثر مما [يبقى] في بعضها، وبالنتف لا يجوز؛ لما في ذلك من إلحاق الضرر بالحيوان. فأما القصيل: فيقلع بأصله، [فيمكن] (٣) استيفاء المعقود عليه من غير ضررٍ يلحق الأرض، وأمَّا اللؤلؤة في الصدفة، فقد ذكر [هاهنا] أن بيعها لا يجوز وذكر عن ابن سماعة في الجامع عن أبي يوسف: أن بيعها جائز كلحم [الشاةِ] المسلوخة. وجه ما ذكر هاهنا: أنَّه لا يمكن تسليمها إلا بشقِّ الصدفة، وذلك [ضرر] لم يستحق بالعقد، فصارَ كالنوى في التمر؛ ولأنَّ الصدفَ حيوان، وبيع ما في مضمون خلقة الحيوان لا يجوز. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ الصدفَ لا يُنتفع به إلا بالشقِّ، فلم يكن في تسليم اللؤلؤة ضررٌ، فصارَ كبيع لحم الشاةِ المذبوحة، وقد قالوا إن ذلك جائز.

стр. 1426

وأمَّا بزرُ البطِّيخ الصحيح، فلا يمكنه تسليمهُ إلا بقطعه، وفي ذلك ضرر. فأما خَلُّ السمسم وزيت الزيتون؛ فلأنَّه غير مالك له، ألا ترى أن من [كان] عنده الزيتون لا يملك الزيت، وبيع ما لا يملكهُ الإنسانُ لا يجوز. وأمَّا بيعُ لحم مِنَ الشاةِ الحيَّة أو عضوٍ منها أو شحمها، فلا يجوزُ؛ لأنَّ استباحة ذلك محرَّم في الحال، والعقد لا يجوز أن يقعَ على المُحَرَّم. قال أبو الحسن: فإن سَلَّم البائع ذلك، لم يجز، ولا يشبه هذا الجِذْع في السقف. قال محمد: وكذلك الصُّوف إذا جزَّه البائع وسلَّمه، والقياس فيه أن يجوز، ولكنَّا استحسنا الأثر الذي رويَ عن ابن عباس، وإنما قلنا إن البيعَ لا يجوزُ، وإن سَلّمه؛ لأنَّ المعقودَ عليه لا يجوزُ عليه العقد، إمَّا [للحُرمة] أو لعدم ملكه، فلا يصحُّ في الثاني. فأمَّا الجِذْع فهو على ملكه، والانتفاع به جائز وإنما منع من البيع؛ لأنَّ في تسلميه تخريب سَقفه، [فإذا] (١) قلعه فقد زال المعنى المانع، فجاز، ولا يقال: فقولوا في بزر البطيخ ونوى التمر مثله؛ وذلك لأنَّ بزرَ البطيخ في مضمون خلقه لا يُمكن تسليمُه إلا بفسادها، فهو كلحم الشاة. ١٢٥٣ - فَصْل: [بيع الحنطة في سنبلها] قال: بيعُ الحنطة في سُنبلها جائز؛ لأنَّه ليس في أخذها فسادٌ لشيءٍ، والتِّبْنُ بمنزلة الظرف، وقد بيَّنّا هذه المسألة.

стр. 1427

وقد قالوا: لو باع تبن الحنطة دون الحنطة لا يجوز؛ لأنَّه في الحال ليس بتِبْن، وإنما يصير تِبْنًا بالدَّقِّ والعمل، فقد باع ما ليس عنده، [فلا] (١) يجوزُ كزيت الزيتون (٢). ١٢٥٤ - فَصْل: [الاستثناء مما لا يجوز العقد عليه] قال أبو الحسن: وما لم يجز بيعه في هذا إذا باع الجملة واستثنى منه هذه الأشياء لم يجز؛ وذلك لأنَّ ما لا يجوز العقد عليه لا يجوز استثناؤه من العقد [فصار] كأعضاء الشاة [والعبد]، وما يجوز أن يفرد بالعقد. عليه لا يجوز أن يستثنى من العقد كالجزء والمشاع. ١٢٥٥ - فَصْل: [وجود لؤلؤة في سمكة أو دجاجة] ومن هذا النوع: ما روى هشام، عن محمد: فيمن اشترى صَدَفَةً فوجدَ فيها لؤلؤةً، فهي للمشتري، وكذلك اللؤلؤةُ في (٣) السمكة، فإن اشترى دجاجة فوجد فيها لؤلؤة فهي للبائع، وذلك لأن اللؤلؤة في الصَدَفَة متولدة، فهي كبيض السمك، فأما السمكة إذا كانت فيها لؤلؤة فلأنَّ السمكَ يأكل حيوان البحر، فما يوجدُ فيها منه فهو للمشتري، كمن وجدَ سَمكةً في جوفِ سمكة، وأمَّا الدجاجة، فإنَّ اللؤلؤة لا تخلق فيها، ولا هي من عَلفها، فلا تملكُ بالعقد عليها. وقد قال بشر عن أبي يوسف: كل شيءٍ وُجد في حوصَلة الطائر مما يأكله فهو للمشتري، وإن كان من غيره فهو للبائع، وهذا ما [على] بيَّناه.

стр. 1428

بَابْ: المبيع قبل القبض قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل ما يتعيَّن بالعقد فهو مبيعٌ على ما بيَّنت لك، ولا يجوز بَيعه قبل القبض، إلا العَقَار خاصَّة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقوله ما تعيَّن فهو مَبيع، يعني: ما تعيَّن جنسه؛ لأنَّ الحلي يتعيَّن بالعقد، و [هو] ليس بمبيع. والأصل فيما يجوز التصرُّف فيه قبل القبض وما لا يجوز: أنَّ كل عوضٍ مُلكَ بعقدٍ فيُفسخُ بهلاكه، فالتصرُّف فيه قبل القبض لا يجوز، [كالمنقولات] (١)، والأجرة إذا كانت عينًا فشرط تعجيلها، والصلح من دَعوى في مال على عَين، وكل ما لا يُملك بعقد لا ينفسخ العقدُ بهلاكه، فالتصرُّف فيه قبل القبض جائز، كالمهر والعوض في الخلع، والعتق على مال، والصلح عن دم العمد. وإنما اعتبرنا أحد الأمرين بالآخر؛ لأنَّ التصرُّف إسقاط للقبض، فما بطل العقد بهلاكه، لم يصح التصرف فيه؛ لأن كل واحد من الأمرين إسقاط القبض المستحق بالعقد، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه فالتصرُّف فيه كهلاكه؛ لما في ذلك من إسقاط القبض. وقد قدمنا الكلام في امتناع التصرف في المبيع المنقول قبل القبض مع مالك، والكلام في جواز البيع في العقار قبل القبض مع [محمد و] الشافعي.

стр. 1429

قال أبو الحسن: وما لا يجوز بَيعهُ قبل القبض فكذلك إجارته؛ لأنَّ ملك المُشتري لم يتم فيه، فَلم يجز إجارته لملك لم يتم. ١٢٥٦ - فَصْل: [هبة أو رهن المبيع قبل القبض] فأمَّا إذا وهبهُ أو تصدَّق به، أو أقرضه أو رهنه من غير بائعه، فلا يجوز ذلك عند أبي يُوسف، وكذلك يجب أن تكونَ الوصيَّة به، وقال محمد: كل ذلك جائز. وجهُ قول أبي يوسف: أن المِلْك لم يتم لعدم القبض، ألا ترى أنَّ العينَ إذا هَلكت على غير ملكهِ، فلم تجز هبتهُ فيما لم يتم ملكه فيه، كما لا يجوز بيعهُ. وجهُ قول محمد: أنَّ هذه العقود لا يتعلَّق الاستحقاق بها، وإنما يتعلَّق بقبضها، فيقوم قبض الموهوب له مقام قبض المُشتري، ثم يصير قابضًا لنفسه، فكأنَّه وهبَ بعدَ ما قبض وكيله، وهذا كما قالوا: إذا قال أطعم ستين مسكينًا عن كفارتي، فإن قبض المساكين يقع [للآمر] حتى يصير مضمونًا عليه، ثم يقع قبضهم لنفوسهم صدقة، وليس هذا عند محمد، كمن لو رَهن أو وهبَ من البائع؛ لأنَّ قبض البائع لا يجوز أن يقوم مقام قبض المشتري، فلم يحصل القبض الذي أوجبهُ البيعُ، فيصيرُ كالهبة والرهن قبل القبض. ١٢٥٧ - فَصْل: [هبة المشتري المبيع من البائع] وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد: أن المُشتري لو وهبَ المبيعَ من البائع فقبله البائع بطل البيع، ولم تصح الهبةُ، ولو باعه من البائع، فقَبِلَ، لم يصح البيع ولم يبطل البيع الأول. والفرقُ بينهما: أن قبض البائع لا يقوم مقام قبض المشتري، فلا يصحُّ الهبة

стр. 1430

قبل القبض، إلا أن البيع يبطل؛ لأنَّ الهبةَ تصلح لإسقاط الحقوق ولهذا يبرأ بها من الديون، فصارت الهبة إسقاطًا لقبض المبيع، فإذا تراضيا بذلك بطل البيع، وأما البيع فلا يصح قبل القبض، ولم يوضع لإسقاط الحقوق، وإنما وُضع للتمليك، فإذا لم يتعلق به المِلك لم يتعلق به حكم. ١٢٥٨ - فَصْل: [العبارات المؤدية إلى نقض البيع] ولو قال المشتري للبائع: بعه أو بعه لنفسك، فقبل فهو نقض، وإن قال: بعه لي، لم يكن نقضًا، وإن باعه لم يجز بيعه، وكذلك روى [ابن سماعة عن] أبي يوسف، عن أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: [إذا قال بعه] لا يكونُ نقضًا. وجهُ قول أبي حنيفة ومحمد: إن أمرهُ له بالبيع إنما لم يصح؛ لأنَّ الآمر لا يَملك البيعَ، فكأنَّه قال: بعه لنفسك، ولا يصحُّ بيعه لنفسه إلا بعد نقض البيع، ومتى تراضيا على ما لا يصح إلا بعد النقض كانَ نقضًا؛ (لوجود ما يستدل به على النقض من جهتهما) (١). وجهُ قول أبي يوسف: أن قوله له بع ينصرف إلى البيع للآمر؛ لأنَّ العين على ملكه، وذلك لا يُوجبُ النقض، فصار أمرًا بعقدٍ (٢) فاسدٍ فلا ينتقض البيع الأوَّل به. ١٢٥٩ - فَصْل: [وقوع العتق عن البائع] ولو قال المشتري للبائع: أعتقه، فأعتقه البائع، فعتقه جائز عن نفسه في

стр. 1431

قول أبي حنيفة [ومحمد]، وقال أبو يوسف: عِتقه باطل. وجهُ قول أبي حنيفة [ومحمد]: أن العتق قبض، والقبضُ لا يكون بفعل البائع، فصار أمره بالعتق أمرًا بالعتق عن البائع، وذلك لا يكونُ إلا بعدَ النقض، [فكأنّه صَرّح بالنقض]. وجهُ قول أبي يوسف: أن الأمرَ ينصرف إلى العتق عن الآمر، فلا ينفسخ البيعُ به، وإن لم يقع العتق. ١٢٦٠ - فَصْل: [ما يجوز التصرف فيه قبل القبض وما لا يجوز] قال أبو الحسن: وما كان دَينًا بعَقد أو بغير عَقد فبيعه جائز، إلا في السَّلَم، وثمن الصَّرف، والثياب في البيع إذا كان دينًا إلى أجل. قال: وجُملة هذا ما قدمنا أن كل دين في الذمَّة لا يُستحقُّ قبضه في المجلس، وليس ببدل في السَّلَم، فالتصرُّف فيه قبل القبض جائز كأثمان البياعات، وقد دلَّ عليها حديث ابن عمر. وما يجب قبضهُ في المجلس أو كان بدلًا في السَّلَم، لا يجوزُ التصرُّف فيه؛ لقوله ﷺ : "مَن أسلمَ في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره" (١)، وقد قدمنا ذلك. وأمَّا الثيابُ إذا كانت في الذِّمَّة مؤجَّلة فالقياس أن لا يثبت، وإنما استحسنوا في ثبوتها بالأجل قياسًا على السَّلَم، فلا يجوز التصرُّف فيها، لقوله ﷺ كما لا يجوز التصرُّف في [المُسلم] (٢) فيه، وقد بيَّنا ما ذكره الطحاوي

стр. 1432

في القرض والكلام عليه. ١٢٦١ - فَصْل: [ما يجوز بيعه قبل القبض] قال أبو الحسن: وما يُملك بغير عقد أو بعقد بغير بدل، فبيعه قبل القبض جائز كالميراث والوصيَّة. أما الميراث فلأنَّ الوارثَ يخلف الميت في ملكه، ويقومُ مقامه، فصارت اليدُ التي فيها الميراث كيدِ المورث. وأمَّا الوصيّة فتمليك يتعلق بالموت كالإرث. ١٢٦٢ - فَصْل: [بيع المكيل والموزون قبل القبض] وما كان مكيلًا أو موزونًا فاشتراه مُكايلة أو موازنة لم يجز بيعه إلا بعد قبضه وكَيْله، فإن باعه قبل كَيْله لم يجز، وقد بيَّنّا هذه المسألة، وذكرنا اختلاف الرواية في المعدودات، وروى أبو يوسف في الإملاء عن أبي حنيفة [في المعدودات: أنها كالمكيلات، وفي الجامع الصغير عن أبي حنيفة:] لا يبيعُ ما يُكال أو يوزن أو يُعد حتى يكيله أو يوزنه أو يعُدَّه، فإن باعه لم يجز في المكيل والموزون وسكت عن المعدود، وقال أبو يوسف ومحمد: المعدود كالمذروع، وقد بيَّنّا هذه المسألة. ١٢٦٣ - فَصْل: [قبض المكيل بغير كيل ثم بيعه] قال أبو يوسف: وإن اشترى مكيلًا أو موزونًا مكايلةً أو موازنة بيعًا فاسدًا وقبض ذلك بغير كيل، ثم باعه وقبضه المشتري، فإن المبيعَ الثاني جائز والأوَّل

стр. 1433

فاسد، قال أبو يوسف: إنما يعتبر إعادة الكيل في البيعين الصحيحين، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ البيع الفاسد يُملكُ بالقبض، كالقرض، وقد قالوا فيمن استقرض طعامًا بكيل ثم باعه مكايلة، أنَّه لا يحتاج إلى إعادة الكيل (١). ١٢٦٤ - فَصْل: [البيع بكيل لا يعرف قدره] قال أبو يوسف: ولو اشترى مكايلة بإناءٍ بعينه، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كاله بذلك الإناء فرضي به المشتري بعد كيله جَاز البيعُ؛ [وإن باعه المشتري قبل أن يعيد الكيل جاز]؛ وذلك لأنَّ هذا البيع في حكم بيع المجازفة، ألا ترى أن الإناء لا يُعرف قدره من الكيل، ومَن اشترى مجازفة وباع مكايلة لم يحتج إلى كيلين، وقد قال أبو يوسف فيمن اشترى طعامًا مكايلةً وباعه مجازفة: إن المشتري لا يتصرَّف فيه إلا بعد الكيل، وقال محمد: لا يحتاج إلى كيلين، وهو الصحيح؛ لأن الكيل الثاني [إنما يُحتاج إليه ليتعيّن به مقدار المعقود عليه، فإذا اشترى مجازفة استحق الجميع، فلا] يحتاج إلى الكيل، وأبو يوسف ذهب إلى ظاهر الخبر. ١٢٦٥ - فَصْل: [التصرف في الثمن قبل القبض] قال أبو الحسن: قال محمد: ولو اشترى عبدًا بكُرٍّ موصوفٍ بغير عينه ثم إنَّه دفع إليه الكُر ولم يَكله عليه، فصدَّقه بائع العبد، أنَّه كُر ثم باعهُ قبل أن يكتاله جَاز؛ وذلك لأنَّ التصرُّف يجوز في [هذا] الكر قبل القبض، ألا ترى أنَّه لو باعه من المشتري، جَاز، وعَدمُ الكيل كعدم القبض. والله أعلم.

стр. 1434

بَابْ: الاحتكار قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الاحتكار (١) مكروه عند أصحابنا جميعًا: وهو أن يشتري طعامًا من مصر ويمتنع من بيعه، وذلك يضر بالناس. والأصلُ في كراهة الاحتكار قوله ﷺ : "الجالبُ مرزوق، والمحتكر ملعون" (٢) رواه ابن عمر. وروى عمر ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام، والإفلاس" (٣)، وروى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: "من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله، وبرئ الله منه" (٤)؛ ولأنَّ في ذلك تضييقًا على الناس، وهذا لا يجوز؛ وكذلك (نهى النبي ﷺ عن تلقي الجَلَب: وتلقي الركبان) (٥).

стр. 1435

والاحتكار أن يبتاع طعامًا من مصر أو من مكان قريب من المصر يُجلب طعامه إلى المصر، وذلك مصر صغير يضرّ به هذا [الفعل]، فأمَّا إذا كان مصرًا كبيرًا لا يضرُّ به هذا الفعل لم يمنع منه، وكذلك قال أبو حنيفة في (تلقي الجلب): إذا كان في بلدٍ لا يضرُّ بأهله، فلا بأس. وقالوا فيمن جلب طعامًا من مكان بعيدٍ من المصر [فاحتكره ولم يبعه لم يمنع من ذلك؛ لأنه كان له أن لا يجلبه، فليس في الامتناع من بيعه إضرار بأهل المصر]، وكذلك من زرع أرضه وادَّخر طعامًا فليس بمحتكرٍ؛ لأنَّه كان له أن لا يزرعها. قال محمد: أُجبرُ المحتكرين على بيع ما احتكروه، ولا أسعّرُ، ويقال له بع كما يبيع الناس وبزيادة يتغابن في مثلها، ولا أتركه يبيع بأكثر من ذلك. والأصل في امتناع التسعير - خلاف ما قاله مالك -: ما رويَ (أن السِّعر غلا بالمدينة فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: "إن الله المُسعِّر" (١)؛ ولأنَّ التسعير تقدير للثمن الذي يُباع به الطعام، والإنسان لا يُجبر على البيع بثمن معيَّن [كسائر أملاكه]. فأمَّا قوله: إنِّي أجبرهم على البيع بما يبيع الناس؛ فلأنَّ في ترك البيع إلحاقُ ضررٍ، وهذا يجب أن يكون على قول أبي يوسف ومحمد على أصلهما

стр. 1436

في الحَجْر على الحرّ. فأمَّا إذا قال أبو حنيفة: إن الحَجْر لا يجوز على الحُرِّ، فيجب على قوله أن لا يُجبروا على البيع. وقد قال أصحابنا: إذا خَاف الإمام على أهل المصر الهلاك أخذ الطعام من المُحتكرين وفرَّقه عليهم، فإذا وجدوا [ردُّوا] (١) مثله، وليس هذا حجرًا، وإنما هو للضرورة، ومن اضطر إلى مال غيره، وخاف الهلاك، جَاز له أخذه بغير رضاه. ١٢٦٦ - فَصْل: [الجلب من رستاق المصر] قال أبو الحسن: [وأما إذا] (٢) جلبَ من غير المصر من قرى المصر فإن محمدًا جعله في حكم المصر، وقال هشام: حدَّثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة قال: إذا جَلبَ الرجل من الرستاق (٣) طعامًا ثم احتكره فليس بمُحتكر. قال أبو يوسف: إن جاء به من مقدار نصف ميل فليس بحُكْرَة، وهذا ليس بخلاف، وإنما هو على ما بيَّناه، إذا كان رستاق المصر يجلب طعامه إلى المصر فالمشتري منه كالشراء من المصر، وإن كان لا يُجلب إليه فليس باحتكار. قال: فإن اشتراه من رستاق فاحتكره حيث اشتراه، فهو حُكْرَة؛ لأنَّه يضيّق على أهل الرُستاق، فهو كالتضييق على أهل المصر.

стр. 1437

١٢٦٧ - فَصْل: [ما يعد حبسه حكرًا] قال ابن سماعة، عن أبي يوسف: الاحتكارُ في كل ما يَضرُّ بالعامَّة احتكاره، وقال هشام، عن محمد: الحَكَر في الحنطة والشعير، والتمر، الذي هو قوت الناس، والقَتّ الذي هو قوت البهائم، وليس في الثياب والأرز والعسل والسمن والزيت حُكْرة، وقال أبو يوسف: في الزيت حُكرة. وجهُ قول أبي يوسف: أن كل ما يتقوت به في الغالب فاحتباسه احتكار كالحنطة، ومحمدٌ يقول: ما يقع قِوام الأبدان بغيره فليس باحتكار، كالثياب. فأمَّا قول محمد: أنَّ حبس الأرز ليس باحتكار، فهذا محمولٌ على البلاد التي لا يتقوتونه فيها، فأما المواضع التي هو قوتهم [مثل طبرستان] فهو احتكار. فأمَّا الثياب فلأنَّ قوام الأبدان وبقاء الحياة لا تقف عليها. قال أبو يوسف: والاحتكارُ أن يحبسه عنده أكثر السنة، فإن حبسه شهرًا فإثمه على قدر ما يحبسهُ؛ وذلك لأنَّ الحبس ممنوعٌ منه لما فيه من إلحاق الضرر، فاعتبر المدة التي يلحق فيها الضّررُ غالبًا (١).

стр. 1438

بَابْ: بيع التَّلْجِئَة قال: التَّلْجِئَة (١) في اللغة ما ألجيء إليه الإنسان بغير اختياره، فلما كان هذا العقد لا يعقد إلا للضرورة سَمَّوه تلجئة. وجملة هذا: أن التلجئة في البيع على ثلاثة أضرب إن كانت في نفس البيع، مثل: أن يخاف الرجل السُّلطان، فيقول لرجل آخر: إني أظهر أني بعت داري منك، وليسَ ببيع في الحقيقة، وإنما هو تلجئة، وأشهد على ذلك، ثم يبيعها في الظاهر، ولا يشترط شيئًا. فحكى معلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن العقد جائز، وروى محمدُ في الإملاء: أن البيع باطل، ولم يحك خلافًا، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وجهُ رواية معلى: أن ما شرطاه في السِّرِّ لم يذكراه في العقد، وما عقداه صحيح بشرائطه، فلا يؤثِّر فيه ما تقدَّم من الشروط، كما لو اتَّفقا على أن يشرطا شرطًا فاسدًا ثم باعا من غير شرط. وجهُ رواية محمد: أنَّهما اتَّفقا على أنَّهما لم يقصدا إلى العقد، فصارا كالهازلين به، فلا ينعقد.

стр. 1439

والفصل الثاني: أن تكون التلجئة في البدل، وهو أن يتَّفقا في السرِّ أن الثمنَ ألف، وأنَّهما يتبايعان في الظاهر بألفين، فروى معلى عن أبي يوسف: أن الثمن ثمن العلانية، وروى محمد في الإملاء: أن الثمن ثمن السرِّ من غير خلاف، وهو قولهما. وجهُ رواية معلى: أن الثمن المذكور في العقد يصحُّ العقد به، وما ذكرا في الباطن لم يعتداه (١) في حال العقد، فسقط حكمه، كما بيَّنَّا. وَجْهُ رواية محمد: أنَّهما اتَّفقا أنَّهما لم يقصدا إلى الألف الزائدة [في حال العقد]، فكأنَّهما هزلا بها وبين، [فيسقط حكمها لما بيّنّا]. والفصل الثالث: أن يتَّفقا في الباطن أن الثمن ألف، وتبايعا في الظاهر بمائة دينار، قال محمد في الإملاء: كان القياسُ أن يبطل العقد، والاستحسانُ أن يصحَّ بمائة دينار، ولم يحكِ مُعَلى هذه المسألة. وجهُ القياس: أن ثمن الباطن لم يذكراه في حال العقد، والثمن المذكور في العقد لم يقصداه، فسقطا، وبقي بيعٌ بلا ثمن فلا يصحُّ، إلَّا أنَّهم استحسنوا فقالوا: لم يقصدا، إلى بيع باطل، وإنما قصدا إلى بيع جائز، [فوجب حَمْله على الصحة ما أمكن]، ولا يمكن تصحيحه إلا بثمن العلانية، فكأنَّهما أضربا (٢) عما شرطاه في الباطن، فتعلَّق الحكم بالظاهر، كما لو اتَّفقا أن يبيعا بيعَ تلجئة، فتواهبا، وليس هذا كما لو أظهرا ألفين، [وفي الباطن ألفًا، حيث يجب ألف]؛ لأن الثمن المشروط في الباطن مذكور في العقد، فتعلق العقد به. وأمَّا في النكاح [إذا اتفقا في الباطن أن المهر ألف، وأظهر مائة دينار، فلها

стр. 1440

مهر مثلها؛ لأن المذكور في الباطن لم يذكر في حال العقد، والمذكور في العقد اتفقا أنهما لم يقصداه، وإنما هزلا به، فسقط، وسقوط البدل في النكاح] لا يُبطله، فلم يكن بنا ضرورة إلى إثبات مهر العلانية، فوجبَ لها مهر مثلها. ١٢٦٨ - فَصْل: [الخيار في بيع التلجئة] قال أبو الحسن في بيع التلجئة، قال محمد: هما بالخيار، فإن أجازه أحدهما لم يجز، [وإن] أجازاه جَاز؛ وذلك لأنَّ التلجئة عقد لم يقصد فيه زوال الملك، فهو كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين، فلا يصحُّ إلا بتراضيهما. قال محمد: فإن قبض المشتري العبد، فأعتقه، لم يجز، ولا [يشبه] (١) هذا الإكراه، وذلك لِمَا بيَّنّا أن شرط التلجئة كشرط الخيار، ولو قبض المشتري، والخيار للبائع، لم يجز عتقه [كذلك هذا]. فأمَّا الإكراه [فيؤيد به إذا أكره] (٢) البائع على البيع والتسليم، فأعتقه المشتري جَاز، وإن باعه لم يجز؛ لأنَّ البيعَ تسليط على العتق، فالبيع والعتقُ بالإكراه يقع، فكذلك يقع بتسليط المكرَه، والبيعُ بالإكراه لا يقع، فكذلك لا يُستفاد بتسليط المُكره. ١٢٦٩ - فَصْل: [الاتفاق بالإقرار ببيع لم يكن] وإن اتَّفقا أن يُقِرّا ببيع لم يكن، فأقرَّا بذلك، واتَّفقا أنَّه لم يكن، فالبيع باطلٌ، ولا يجوز بإجازتهما؛ لأنَّ الإقرار إخبار، فإذا لم يكن له حقيقة، وإنما
следующие страницы →