في الحَجْر على الحرّ.
فأمَّا إذا قال أبو حنيفة: إن الحَجْر لا يجوز على الحُرِّ، فيجب على قوله أن لا يُجبروا على البيع.
وقد قال أصحابنا: إذا خَاف الإمام على أهل المصر الهلاك أخذ الطعام من المُحتكرين وفرَّقه عليهم، فإذا وجدوا [ردُّوا] (١) مثله، وليس هذا حجرًا، وإنما هو للضرورة، ومن اضطر إلى مال غيره، وخاف الهلاك، جَاز له أخذه بغير رضاه.
١٢٦٦ - فَصْل: [الجلب من رستاق المصر]
قال أبو الحسن: [وأما إذا] (٢) جلبَ من غير المصر من قرى المصر فإن محمدًا جعله في حكم المصر، وقال هشام: حدَّثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة قال: إذا جَلبَ الرجل من الرستاق (٣) طعامًا ثم احتكره فليس بمُحتكر.
قال أبو يوسف: إن جاء به من مقدار نصف ميل فليس بحُكْرَة، وهذا ليس بخلاف، وإنما هو على ما بيَّناه، إذا كان رستاق المصر يجلب طعامه إلى المصر فالمشتري منه كالشراء من المصر، وإن كان لا يُجلب إليه فليس باحتكار.
قال: فإن اشتراه من رستاق فاحتكره حيث اشتراه، فهو حُكْرَة؛ لأنَّه يضيّق على أهل الرُستاق، فهو كالتضييق على أهل المصر.
стр. 1437
١٢٦٧ - فَصْل: [ما يعد حبسه حكرًا]
قال ابن سماعة، عن أبي يوسف: الاحتكارُ في كل ما يَضرُّ بالعامَّة احتكاره، وقال هشام، عن محمد: الحَكَر في الحنطة والشعير، والتمر، الذي هو قوت الناس، والقَتّ الذي هو قوت البهائم، وليس في الثياب والأرز والعسل والسمن والزيت حُكْرة، وقال أبو يوسف: في الزيت حُكرة.
وجهُ قول أبي يوسف: أن كل ما يتقوت به في الغالب فاحتباسه احتكار كالحنطة، ومحمدٌ يقول: ما يقع قِوام الأبدان بغيره فليس باحتكار، كالثياب.
فأمَّا قول محمد: أنَّ حبس الأرز ليس باحتكار، فهذا محمولٌ على البلاد التي لا يتقوتونه فيها، فأما المواضع التي هو قوتهم [مثل طبرستان] فهو احتكار.
فأمَّا الثياب فلأنَّ قوام الأبدان وبقاء الحياة لا تقف عليها.
قال أبو يوسف: والاحتكارُ أن يحبسه عنده أكثر السنة، فإن حبسه شهرًا فإثمه على قدر ما يحبسهُ؛ وذلك لأنَّ الحبس ممنوعٌ منه لما فيه من إلحاق الضرر، فاعتبر المدة التي يلحق فيها الضّررُ غالبًا (١).
стр. 1438
بَابْ: بيع التَّلْجِئَة
قال: التَّلْجِئَة (١) في اللغة ما ألجيء إليه الإنسان بغير اختياره، فلما كان هذا العقد لا يعقد إلا للضرورة سَمَّوه تلجئة.
وجملة هذا: أن التلجئة في البيع على ثلاثة أضرب إن كانت في نفس البيع، مثل: أن يخاف الرجل السُّلطان، فيقول لرجل آخر: إني أظهر أني بعت داري منك، وليسَ ببيع في الحقيقة، وإنما هو تلجئة، وأشهد على ذلك، ثم يبيعها في الظاهر، ولا يشترط شيئًا.
فحكى معلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أن العقد جائز، وروى محمدُ في الإملاء: أن البيع باطل، ولم يحك خلافًا، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
وجهُ رواية معلى: أن ما شرطاه في السِّرِّ لم يذكراه في العقد، وما عقداه صحيح بشرائطه، فلا يؤثِّر فيه ما تقدَّم من الشروط، كما لو اتَّفقا على أن يشرطا شرطًا فاسدًا ثم باعا من غير شرط.
وجهُ رواية محمد: أنَّهما اتَّفقا على أنَّهما لم يقصدا إلى العقد، فصارا كالهازلين به، فلا ينعقد.
стр. 1439
والفصل الثاني: أن تكون التلجئة في البدل، وهو أن يتَّفقا في السرِّ أن الثمنَ ألف، وأنَّهما يتبايعان في الظاهر بألفين، فروى معلى عن أبي يوسف: أن الثمن ثمن العلانية، وروى محمد في الإملاء: أن الثمن ثمن السرِّ من غير خلاف، وهو قولهما.
وجهُ رواية معلى: أن الثمن المذكور في العقد يصحُّ العقد به، وما ذكرا في الباطن لم يعتداه (١) في حال العقد، فسقط حكمه، كما بيَّنَّا.
وَجْهُ رواية محمد: أنَّهما اتَّفقا أنَّهما لم يقصدا إلى الألف الزائدة [في حال العقد]، فكأنَّهما هزلا بها وبين، [فيسقط حكمها لما بيّنّا].
والفصل الثالث: أن يتَّفقا في الباطن أن الثمن ألف، وتبايعا في الظاهر بمائة دينار، قال محمد في الإملاء: كان القياسُ أن يبطل العقد، والاستحسانُ أن يصحَّ بمائة دينار، ولم يحكِ مُعَلى هذه المسألة.
وجهُ القياس: أن ثمن الباطن لم يذكراه في حال العقد، والثمن المذكور في العقد لم يقصداه، فسقطا، وبقي بيعٌ بلا ثمن فلا يصحُّ، إلَّا أنَّهم استحسنوا فقالوا: لم يقصدا، إلى بيع باطل، وإنما قصدا إلى بيع جائز، [فوجب حَمْله على الصحة ما أمكن]، ولا يمكن تصحيحه إلا بثمن العلانية، فكأنَّهما أضربا (٢) عما شرطاه في الباطن، فتعلَّق الحكم بالظاهر، كما لو اتَّفقا أن يبيعا بيعَ تلجئة، فتواهبا، وليس هذا كما لو أظهرا ألفين، [وفي الباطن ألفًا، حيث يجب ألف]؛ لأن الثمن المشروط في الباطن مذكور في العقد، فتعلق العقد به.
وأمَّا في النكاح [إذا اتفقا في الباطن أن المهر ألف، وأظهر مائة دينار، فلها
стр. 1440
مهر مثلها؛ لأن المذكور في الباطن لم يذكر في حال العقد، والمذكور في العقد اتفقا أنهما لم يقصداه، وإنما هزلا به، فسقط، وسقوط البدل في النكاح] لا يُبطله، فلم يكن بنا ضرورة إلى إثبات مهر العلانية، فوجبَ لها مهر مثلها.
١٢٦٨ - فَصْل: [الخيار في بيع التلجئة]
قال أبو الحسن في بيع التلجئة، قال محمد: هما بالخيار، فإن أجازه أحدهما لم يجز، [وإن] أجازاه جَاز؛ وذلك لأنَّ التلجئة عقد لم يقصد فيه زوال الملك، فهو كالبيع المشروط فيه الخيار للمتبايعين، فلا يصحُّ إلا بتراضيهما.
قال محمد: فإن قبض المشتري العبد، فأعتقه، لم يجز، ولا [يشبه] (١) هذا الإكراه، وذلك لِمَا بيَّنّا أن شرط التلجئة كشرط الخيار، ولو قبض المشتري، والخيار للبائع، لم يجز عتقه [كذلك هذا].
فأمَّا الإكراه [فيؤيد به إذا أكره] (٢) البائع على البيع والتسليم، فأعتقه المشتري جَاز، وإن باعه لم يجز؛ لأنَّ البيعَ تسليط على العتق، فالبيع والعتقُ بالإكراه يقع، فكذلك يقع بتسليط المكرَه، والبيعُ بالإكراه لا يقع، فكذلك لا يُستفاد بتسليط المُكره.
١٢٦٩ - فَصْل: [الاتفاق بالإقرار ببيع لم يكن]
وإن اتَّفقا أن يُقِرّا ببيع لم يكن، فأقرَّا بذلك، واتَّفقا أنَّه لم يكن، فالبيع باطلٌ، ولا يجوز بإجازتهما؛ لأنَّ الإقرار إخبار، فإذا لم يكن له حقيقة، وإنما
стр. 1441
هو كذب لم يتعلَّق به حكم، والإجازة إنما تلحق [عقدًا مبتدأً، ولم يوجد هاهنا].
١٢٧٠ - فَصْل: [المتبايعان يدعي أحدهما التلجئة]
وقد قالوا في المتبايعين يَدَّعي أحدهما التلجئة لم يُقبل قوله، ويُستحلف الآخر؛ لأنَّه يدَّعي فسخ العقد بعد انعقاده في الظاهر.
فإنْ أقام بيِّنةً قُبِلَ قولُه؛ لأنَّه أثبت الشرط بالبيِّنة، فهو كما لو أثبت الخيار، وهذا على الرواية التي تَقول أنَّ الشرط في الباطن يؤثِّر، فأمَّا على الرواية التي جعل العقد عقد الظاهر، فهذه الدعوى لا يُلتَفتُ إليها؛ لأنَّها لو صحَّت لم تؤثِّر في البيع. والله أعلم.
стр. 1442
بَابْ: بيع بيوت مكة
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: روى أبو يوسف ومحمد، عن أبي حنيفة: أن بيْعَ بناء بيوت مكَّة جائزٌ، ولا يجوز بيع الأرض، وإجارة البناء جائزةٌ، ولا يجوز إجارة الأرض، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن بيع دور مكَّة جائزٌ، وفيها الشفعة، وتكره إجارتها في الموسم.
وقال الشافعي: بيع أراضي مكَّة جائز (١).
والدليل عليه: ما روى أبو حنيفة، عن عبد الله بن أبي زياد، [عن أبي نجيح] عن عبد الله بن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مكَّة حرامٌ من حرم الله، وبيع رِبَاعها حرام" (٢)، وذكر الدارقطني بإسناده: عن عبد الله بن عمر، أنَّ النبيَّ ﵊ قال: "مكَّة مباحٌ لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها" (٣) وروي (أنَّها تُدعى على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر: السوائب، من شاء سكن، ومن استغنى أسكنَ) (٤)؛ ولأنَّها بقعة من بقاع الحرم، أو بقعة يحرمُ الصيد فيها كالمسجد؛
стр. 1443
ولأنَّها لا يجوز دخولها لمن يُريد النسك إلا بإحرام، فلا يجوز بيعها كالصفا والكعبة، والمروة وموضع السعي.
وأمَّا ما رويَ أنَّ النبيَّ ﷺ لما دخل عامَ الفتح، قيل له: ألا نزلت دارك، فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رَبْعٍ" (١)، وقد كان عقيل لمَّا هاجرَ رسول الله ﷺ باع دوره، فلا دلالة فيه على أصل مخالفنا؛ لأنَّ عنده أن الحربي لا يملكُ مال المسلم بالغَلَبة [والقَهْر]، فكيف يجوز البيع؟ فأمَّا على أصلنا: فإنَّه باع البناء فملكه المشتري، فلو سكن رسول الله ﷺ لاستظل ببناءٍ لا يملكه؛ فلذلك لم يسكن.
وأما جواز بيع البناء؛ فلأن البقعة لا يجوز بيعها، لأنها وقف حرّمه إبراهيم ﵇، والبناء ملك لمن أحدثه فيجوزُ تصرُّفه فيه.
فإن قيل: إذا بنوا من طين الأرض، والطين من جملة الأرض الوقف كان البناء منه.
الجواب: من أخذ طين الوقف فعمله لبناءٍ، مَلَكه بذلك، وصار كسائر أملاكه؛ [فلذلك جاز بيعه].
وجه الرواية الأخرى؛ فلأن الناس يتبايعونها في سائر الأعصار [من غير نكير].
١٢٧١ - فَصْل: [بيع أرض الخراج]
قال أبو الحسن: بيع أرض الخراج جائز، وإنما نعني بذلك: أرض السواد
стр. 1444
التي وضع عمر ﵁ عليها الخراج، وهذه الأراضي عندنا أُقِرَّ أهلها عليها، وبقاؤُها على ملكهم، فانتقلت عنهم إلى يومنا.
وقد اختلف قول الشافعي [في أحد أقواله]: قال: إن عمر وقفها على المسلمين، فعلى هذا القول: لا يجوز بيع شيءٍ من أرض العراق، وقال في قول آخر: إنَّه باعها منهم بالخراج، فالخراج المأخوذ منهم ثمن، وقال في قول ثالث: إنَّه أجَّرها بالخراج، فالخراج أجرة، والأراضي غير مملوكة لأرباب الخراج، والدليلُ على ذلك: أن السلف ﵃ ملكوا أرض السواد، وابتاعوها، فاشترى الحسن بن علي ﵄ أرضًا بالكوفة، واشترى ابن مسعود أرضًا براذان، وقال: وبراذان ما براذان (١)، وبالمدينة ما بالمدينة (٢)، وهو فعل المسلمين [من غير نكير] في سائر الأعصار، فمن منع منه فقد خالف الإجماع.
وهذا على أصلنا: أنَّ الإمام إذا فتح بلدًا جاز أن يُقرَّ الناس على أملاكهم، ولا يقسمها بين المسلمين، وكذلك فعل عمر ﵁، وإذا كانت ملكًا جاز بيعها.
١٢٧٢ - فَصْل: [ملكية أرض القطيعة]
قال أبو الحسن: وكذلك أرض القطيعة وإنما يعني بذلك: الأرض التي أقطعها الإمام لقوم وخصَّهم بها من جملة المَوَات، فيملكونها بالقطيعة، ويجوز
стр. 1445
فيها تصرُّفهم، (وقد [أقطع] رسول الله بلال بن الحارث المعادن القبلية) (١)، [فدلّ ذلك على جواز هذا الفعل].
قال أبو الحسن: وبيع أرض المزارعات والأخاذات والأكارات، إذا باع ذلك صاحب الأرض جاز، وفيها الشفعة، فإن باع الذي له أخاذتها وأكارتها فالبيع باطل، ولا شفعة فيه (٢)، وإنما عنيَ بأرض المزارعة: الأرض التي تكون لرجل فيدفعها إلى من يزرعها، ويقوم بها.
وأمَّا الأخاذة: فهي لرجل يأخذ أرضًا خرابًا من صاحبها، فيعمرها ويزرعها.
والأكارة: هي الأراضي التي [في] أيدي الأَكَرَةِ يزرعونها.
فبيع صاحب الأرض في جميع ذلك جائز؛ لأنه مالك، وأما صاحب الأخاذة فإنما له العمارة؛ وذلك معنى لا يتقوم، فلا يجوز بيعه.
١٢٧٣ - فَصْل: [بيع الأرض المُحْيَاة]
قال وبيع الأرض المحياة بإذن الإمام جائز، وبغير إذن الإمام لا يجوز، وهذا على أصل أبي حنيفة: أن الموات لا يجوز إحياؤه إلا بإذن الإمام، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز إحياؤه بغير إذنه، وبه قال الشافعي (٣).
وجهُ قول أبي حنيفة: ما روى معاذ أنَّ النبي ﷺ قال: "ليسَ للمرء إلا ما
стр. 1446
طابت به نفسُ إمامه" (١)، يعني الموات؛ ولأنَّ الإمام يَملك إقطاعها، وتخصيص الواحد بها وما ملك الإمام إفراد الواحد به، لم يجز الانفراد به إلا بإذنه كمال بيت المال، وعكسه الملح والماء.
وجهُ قولهما: قوله ﷺ : "من أحيا أرضًا ميْتةً فهي له" (٢)، وإذا ثبت من أصل أبي حنيفة: أن المحياة بغير إذن الإمام لا يملك، لم يجز بيعه، فأما المحياة بإذن الإمام فمملوك بإجماع، فيجوز بيعه.
١٢٧٤ - فَصْل: [بيع حوانيت السوق التي للسلطان]
قال أبو حنيفة: وبيع دور بغداد، وحوانيت السوق التي للسلطان عليها غلَّة، لا يجوز ولا شفعة فيها، وهذه كانت معروفةً بمدينة السَّلام، بناها المنصور، ولم يُقطعها، وأذن للناس في بنائها، وضربَ عليها أجرةً، يأخذها منهم، فالأرض ليست بمملوكة لصاحب البناء، فلا يجوز بيعها (٣).
стр. 1447
بَابْ: بيع المُحْرِم الصيد
قال أبو الحسن: لا يجوز أن يملكَ مُحْرِمٌ صيْدًا ببيع أو غيره، ولا يملِّكه ببيع ولا غيره، والأصل في ذلك: أنَّ المحرم لا يملك بالاصطياد؛ لأنَّه منهيٌّ عنه، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقال جل ثناؤه: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وقال رسول الله ﷺ في وصيَّة المحرم: "ولا تدل على صيد ولا تَشِرْ إليه" (١)، فإذا كانت جهةُ التمليك محرمةً لم يملك بها كالبيع الفاسد، وإذا ثبت أنَّه لا يملك بالاصطياد، فكذلك بالشراء؛ لأنَّ كل واحد منهما سبب لتمليك الصيد.
وإذا لم يجز له الشراء، لم يجز [له] البيع فيما على ملكه من الصيد؛ لأنَّ كل مال لا يجوز شراؤه لا يجوز بيعه [كالدم والميتة].
١٢٧٥ - فَصْل: [بيع صيد في الحرم]
قال: ولا يجوز بيع صيدٍ في الحرم، مُحْرِمٌ باع أو حلالٌ؛ وذلك لأنَّ الحرم يؤثر في تحريم الاصطياد، [كتأثير] الإحرام فجريا مجرى واحدًا.
стр. 1448
١٢٧٦ - فَصْل: [بيع الحلال لحلال صيدًا في الحرم]
قال: فإن باع حلال حلالًا وهما في الحرم صيدًا في الحل، جاز ذلك في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وقال محمد عن نفسهِ: لا يجوز.
وجهُ قول أبي حنيفة: أن الحلال في الحرم لو أمر بإتلاف صيد الحل جَاز، فالعقد عليه دون إتلافه، فهو أولى بالجواز.
وجه قول محمد: أن العاقد [قد] ثبت له حرمة الحرم، [وحرمة الحرم يتعلق بها تحريم الاصطياد] فهو كما لو ثبت له حرمة الإحرام.
وقد روى ابن سماعة عن محمد: فيمن أحرمَ وفي يده صيدٌ لغيره، فباعه مالكه وهو حلال، جَازَ، ويجبرُ المُحْرِم على تسليمه وعليه الجزاء إن تلف؛ وذلك لأنَّ البائع ليس بمُحرم، وقد عقد على ملك نفسه، والصيد أمانة في يدِ المُحرم، والإحرام لا يمنع من وجُوب ردِّ الأمانة، إلا أنَّه يضمن إذا تلف؛ لأنَّه صَارَ مضمونًا عليه بالإمساك، فلا يبرأ من الضمان مع بقاء الإحرام إلا بالإرسال.
١٢٧٧ - فَصْل: [توكيل محرم حلالًا ببيع صيدٍ]
قال أبو الحسن: وإِن وَكَّل مُحْرِمٌ حلالًا ببيع صيد له، فباعه من حلال في الحل وليس الصيد في الحرم، ولا المتعاقدان، فإنَّه جائز في قياس قول أبي حنيفة، وباطل عند أبي يوسف ومحمد.
وهذا فرع على اختلافهم في المُسلم إذا وكل كافرًا في بيع خمرٍ، جاز عند أبي حنيفة؛ لأنَّه يُعتبر ممّن يتعلَّق حقوق العقد به، فكذلك في مسألتنا الحقوق
стр. 1449
متعلِّقة بالوكيل، وهو ممن يجوز عقده على الصيد، فلم يعتبر المالك كالعبد المأذون إذا باع الصيدَ ومولاه مُحْرِمٌ.
وجهُ قولهما: أن المحرم لا يملك بيع الصيد، وما لا يملكه لا يملك الأمر به.
وقد قالوا على هذا الأصل: إذا وَكَّل حلالٌ حلالًا ببيع صيد، ثم أحرم الآمر، فقياس قول أبي حنيفة: أن البيع جائز على حاله؛ لأنَّ الإحرام الطارئ كالموجود في الابتداء.
قال محمد: وأمَّا في قول أبي يوسف وقولنا، إذا أحرم الآمر قبل أن يقبضه المشتري فالبيع باطل؛ لأنَّهما جعلا طريان هذا المعنى قبل القبض، كوجوده حال العقدِ.
١٢٧٨ - فَصْل: [شراء حلالٍ من حلال صيدًا]
وإن اشترى حلالٌ من حلالٍ صيدًا، فلم يقبضه حتَّى أحرم أحدهما، انتقض البيع في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهذه رواية الجامع الكبير؛ وذلك لأنَّه طرأ على العقد قبل القبض ما أوجب تحريم مثل ذلك العقد، فصار كتحريم الربا لما نزل أبطله رسول الله ﷺ مما لم يقبض، وأجاز ما قبض.
стр. 1450
بَابْ: تحريم بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها
قال أبو الحسن: بيع جميع الثمر الموجود في شجرة جائز، وكذلك سائر الغلات من الحنطة والشعير والسمسم إذا كان مَوجودًا، وإن كان قبل بدو صلاحها إذا لم يشترط الترك، اشترط أخذ ذلك من وقته أو لم يشرط.
وقال الشافعي في الثمار التي لم يبدو صلاحها: إن اشتراها بشرط القطع جاز، وإن أطلق العقد لم يجز (١).
لنا: ما روي أنَّ النبيَّ ﵊ قال: "من باع نخلًا مؤبَّرًا فثمرته للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع" فجعله للمبتاع بالشرط، وهذا بيعُ ثمرة لم يبد صلاحها.
ولأنَّ كل ثمرة جازَ بيعها بشرط القطع جاز بيعها مطلقًا، كالتي بدا صلاحها، وما رُوي أنَّ النبي ﷺ "نهى عن بيع الثمارِ قبل بدو صلاحها"؛ معناه: إذا باعها [مدركة] قبل إدراكها، بدلالة قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يستحل أحدكم مال أخيه؟ "، وهذا لا يكونُ إلا والعقد قد وقع على ما لم يُوجد حتَّى يصحَّ أن يمنعه الله تعالى.
١٢٧٩ - فَصْل: [اشتراط الترك في العقد]
فأمَّا إذا اشترط في العقد تركها، فالعقد فاسد؛ لأنَّه نفى التسليم الذي أوجبهُ
стр. 1451
العقد، وشرط الانتفاع بملك البائع على وجهٍ لا يقتضيه العقد، فصار كما لو اشترى حنطةً وشرط تركها في دار البائع [إلى مدة].
١٢٨٠ - فَصْل: [البيع المطلق بعد بدو الصلاح]
وأمَّا إذا بدا صلاحها، فإنْ باعها مطلقًا أو شرط القطع جَاز، وإن شرطَ التركَ لم يجز العقد، وقال الشافعي: يجوزُ.
لنا: أنَّها ثمرة يجوزُ بيعها بشرط القطع، [ففسد] (١) بيعها بشرطِ الترك كالتي لم يبد صلاحها؛ ولأنَّه شرط الانتفاع بملك البائع على وجهٍ لا يقتضيه العقد، فصارَ كمن اشترى متاعًا وشرط تركه في ملكِ (٢) البائع.
١٢٨١ - فَصْل: [اشتراط الترك بعد التناهي]
فإن تناهى عظمها فاشتراها بشرط الترك، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، و [قال] محمدٌ: يجوز استحسانًا.
وجهُ قولهما: أنَّه شرط الانتفاع بملكِ البائع على وجهٍ لا يقتضيه العقد، فأشبه ما ذكرنا.
وجهُ قول محمد: إنَّ الناسَ يفعلون هذا في سائر الأعصار، وهو موضع ضرورة، وفرق بين ما تناهى عظمها وما لم يتناه؛ لأن ما لم يتناه يحدث [فيها أجزاء بعد] (٣) البيع، فإذا شرط [الترك] فقد شرط [الأجزاء] (٤) المعدومة
стр. 1452
[فيفسد العقد] وما تناهى عظمها لا يزيد بعد ذلك، وإنما يَنقصُ، فلم يكن شرطًا لمعدوم [في العقد، فلا يفسد].
١٢٨٢ - فَصْل: [الترك على النخل بعد الشراء المطلق]
قال: فإن اشترى شراءً مُطلقًا وتركها على النخل من غير شرط حتى بلغ، فإن كان ذلك بإذن البائع، جَاز وطابَ له الفضل، وإن كان بغير إذن البائع تصدق بما زاد في الثمر؛ لأنه إذا أبقاه بإذنه فقد حصل له الفضل من وجه مباح، وإذا أبقاه بغير إذنه، فقد حصل له الفضل من وجه محظور.
١٢٨٣ - فَصْل: [نتاج النخل والشجر في مدة الترك مرة أخرى]
وإن أخرج النخل والشجر في مدَّة الترك [مرَّة أخرى]، فذلك كلُّه للبائع، [سواء] أكان الترك بإذنه أو بغير إذنه، فإن حَلَّله البائع، جَاز؛ وذلك لأنَّ الحادث من الثمرة لم يقع عليه العقد، وإنما هو نماء ملك البائع، فكانَ له.
١٢٨٤ - فَصْل: [الاختلاط بين الحادث والموجود من الثمرة]
وإن اختلط الحادثُ بالموجود حَتى لا يُعرف، فإن كان قبل أن يخلي بين المشتري وبين الثمرة فسد البيع؛ لأنَّ المبيعَ اختلط بغيره، فتعذر القبض [فيه، وتعذّر القبض في المبيع] يفسد البيعَ.
فإن كان ذلك بعد التخلية لم يفسد البيع، وكانت الثمرة بينهما، و [كان] القول في الزيادة قول المُشتري؛ لأنَّ البيع استقرَّ فيها بالقبض، فاختلاطها لا يوجبُ فسخ العقد فيها.
стр. 1453
١٢٨٥ - فَصْل: [الترك على الشجر وقد تناهى عظمها بغير رضا البائع]
قال: وإن اشترى ثمرةً قد تناهى عظمها فتركها على الشجر بغير رضا البائع، لم يتصدَّق بشيء؛ لأنَّها لا تزيد بعد التناهي، وإنما تنقص، فلم يحصل له الزيادة في وجهٍ محظورٍ.
١٢٨٦ - فَصْل: [شرط الترك في ثمرة قد بدا صلاح بعضها]
فإن اشترى ثمرةً قد بدا صلاحُ بعضها وصلاح باقيها يتفاوت (١)، وشرط الترك جَاز عند محمد؛ وذلك لأنَّه جَوّز الترك (٢) بالعادة، وفي العادة أنَّ الثمرة يُدرك أكثرها، ويتلاحقُ باقيها، فصار كأنَّها كانت مُدركة.
وأمَّا إذا كان إدراك بعضها يتأخَّرُ عن بعضٍ تأخرًا كثيرًا، جَاز البيعُ فيمَا قد أدركَ، ولم يجز في الباقي عنده، وهذا يكون في العنبِ غالبًا؛ لأنَّ بلاغ الأسودِ يتقدَّمُ ويتأخَّر بلوغ باقيه تأخُّرًا كثيرًا، فصار كالجنسين من الثمر إذا بلغ أحدهما ولم يبلغ الآخر، [فيجوز البيع منه ما قد بلغ بشرط الترك عنده، دون ما لم يبلغ].
١٢٨٧ - فَصْل: [بيع ما يوجد من الثمر بعضه دون بعض]
وأمَّا ما يوجدُ من الثمرِ بعضهُ دون بعضٍ (٣) [مثل البطيخ والباذنجان]: [فقال أصحابنا: يجوزُ بيعُ مَا ظهرَ منه، ولا يجوزُ بيع ما لم يظهر].
стр. 1454
وقال مالك: إذا ظهر القسم الأوَّل جاز بيع الجميع (١).
وهذا ليسَ بصحيح؛ لأنَّ مَا لم يظهر مَعدوم، وبيع المعدوم لا يجوز، فإذا شرط في العقد أبطله [كما لو باع الأول قبل أن يظهر].
ولا يجوز أن يقال هذا موضع ضرورة؛ لأنَّه لا ضرورة فيه.
وإذا أراد الإنسان أن يعقد عليه عقدًا جائزًا، باع الأصل بما فيه من الثمر، فكل ما يتولَّد من الأصل الذي ابتاعهُ يحدثُ على مِلكهِ (٢).
стр. 1455
[٣٥] أبوابُ الخِيَارِ
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا شُرط في المبيع خيار (١)، فهو جائز إذا كانت مدة الخيار ثلاثة أيام أو أقل، وإن كان أكثر من ذلك، لم يجز البيع في قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان وقتًا معلومًا جَاز.
قال: والأصل في ذلك [أن] القياس يمنع جواز شرط الخيار؛ لأنَّه ينفي الملك، والملكُ موجبُ العقد، ونفي موجبُ العقد لا يصحُّ، أصله (سائر موجبات العقد) (٢)؛ ولأنَّه لو نفى الملك على التأبيد لم يجز، فإذا نفاه في مدَّةٍ لم يجز كالتسليم، وإنما تركوا القياس لما رُويَ أن حِبَّان بن منقذ كان يُغبن في البيع، فقال له رسول الله ﷺ : "إذا بايعت فقل: لا خِلابة (٣) ولي الخيار ثلاثًا" (٤)، فجوَّزوا هذا القدر [من المدة] للخبر، فما سواه على أصل القياس.
وجهُ قولهما: أنَّها مدَّة ملحقة بالعقد، فلم تتقدَّر كالأجل. والله أعلم.
стр. 1456
١٢٨٨ - فَصْل: [شرط الخيار للعاقدين]
فإذا ثبت هذا قلنا: ويجوز شرط الخيار للبائع والمشتري؛ لأنَّه إنما جَاز للارتياء، وهذا المعنى يحتاج إليه كُلُّ واحد منهما.
١٢٨٩ - فَصْل: [موت مَن له الخيار]
قال أبو الحسن: فإن مات الذي له الخيار تَمَّ البيع من قِبَلِه، وجاز عليه أيهما كان، فإن كانا جميعًا بالخيار فمات أحدهما، جاز البيع من قِبَلِه والآخر على خياره، فإن ماتا جاز عليهما.
وقال الشافعي: خيار الشرط يورث، فثبت خياره للورثة، كما كان ثابتًا للمورث، واختلف قوله في المدَّة، فقال في أحد قوليه: لا يُحتسب عليهم بالمدَّة التي مضت قبل أن يعلموا بالموت والخيار، وقال في القول الآخر: يُحتسب بها عليهم إلا أنَّهم إذا علموا فسخوا عند علمهم وإن مضت المدَّة (١).
لنا: أنَّه خيار يثبت في فسخ عقد من غير نقض، فلا يورث، كالرجوع في الهبة؛ ولأنَّه حقٌّ ليسَ في معنى المال، والوثيقة كالوكالة والمضاربة؛ ولأنَّ النبيَّ ﵊ أثبت الخيار ثلاثة أيام، وعلى قولهم يثبت أكثر من ذلك، وهذا ضد الخبر، وإذا ثبت أن الخيار لا يورث، انقطع بموت من له الخيارِ، وقطع الخيار يوجبُ تمام العقد [كانقضاء المدة].
стр. 1457
١٢٩٠ - فَصْل: [انتهاء مدة الخيار]
قال: وكذلك إذا مضى وقت الخيار قبل الإجازة أو النقض، تمَّ البيع وبطل الخيار؛ وذلك لأنَّ الخيار عندنا يشرط للفسخ لا للإجازة، فإذا فات الفسخ بمضيِّ وقته تَمَّ العقد، وقال مالك: الخيار يشرط للإجازة، فإذا مضت المدَّة فاتت الإجازة، فبطل العقد (١).
والدليل على أنَّه مشروط للفسخ: أنَّه لو كان للإجازة لتعلَّقت الإجازة بخطر، والإجازة لا يجوز تعليقها بالأخطار، وليسَ كذلك الفسخ؛ لأنَّه يجوز فيه ما لا يجوز في الإجازة، ألا ترى أنَّ الفسخ يجوز في عبد حيٍّ وعبد ميِّتٍ، وإن كانت الإجازة لا تجوز في ذلك.
ولأنَّ إطلاق البيع يُوجب الملك، وإنما يعترض الخيار فيمنع من موجب العقد، فإذا سقط بمضيِّ المدَّة؛ فكأن لم يكن، فيبقى موجَب العقد بحاله [وهو المِلك].
١٢٩١ - فَصْل: [إجازة من له الخيار بغير محضر من صاحبه]
فإن أجاز الذي له الخيار بغير محضر من صاحبه جَاز، وإن نقض لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، وجاز عند أبي يوسف، [وبه قال الشافعي] (٢).
وجهُ قولهما: أنَّه فسخ عقد بلفظ موضوع له، فلا يصحّ من أحد المتعاقدين مع غيبة الآخر، كقبول الإقالة، وقد وافقنا أبو يوسف في الفسخ بخيار العيب إنَّه
стр. 1458
لا يجوز مع غيبة الآخر (١)، كقبول الإقالة البائع، وخالفنا الشافعي فيه.
والدليل عليه: أنَّ خيار العيب لا يمنع من انتقال الملك، فإذا فسخ المشتري فإنما ينتقل المبيع من ملكه إلى ملك البائع، وهذا لا يجوز إلا بالتراضي، أو بثبوت ولاية، ولم يوجد واحد من الأمرين، ولأنه فسخ عقد لنقض، فلا يملكه أحدُ المتعاقدين مع غيبة الآخر، كالفسخ بالعُنَّة.
وجْهُ قول أبي يوسف: أنَّ الخيار يثبت حق الفسخ والإجازة، فإذا كانت الإجازة تجوز بغير حضور المتعاقدين، فكذلك الفسخ.
وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الإجازة إيفاء حقِّ البائع، والفسخ إسقاطه (٢)، وليس إذا جاز أن يثبت له حقّ مع غَيْبته، جَاز أن يسقط به حقٌّ، ألا ترى أن مَن أقرَّ لغائب بدين جَاز، ولو أسقط [دينه] لم يجز؛ [للمعنى الذي ذكرنا، فكذلك هذا].
١٢٩٢ - فَصْل: [هلاك السلعة في يد البائع قبل القبض]
وإن هلكت السلعة في يَدي البائع قبل القبض؛ انتقض البيع، كان الخيار لهما، أو لأحدهما، ويهلك من مال البائع، ولا ضمان على واحد منهما؛ وذلك لأنَّ هلاك المبيع قبل القبض في البيع [البتات] (٣)، قد بينا أنَّه يُبطل البيع، ويهلك على ملك البائع، ففي [بيع] الخيار أولى.
قال: وإن [هلك] (٤) المبيع في يد المشتري، فإن كان الخيار له تم البيع
стр. 1459
وبطل الخيار، ولزمه الثمن؛ وذلك لأنَّ الهالك يصير معيبًا عند ابتداء الهلاك، وما شرط فيه الخيار للمشتري إذا عابَ في يده بطل خياره؛ لأنَّه لو لم يبطل ردَّه إلى ملك البائع معيبًا بعيب لم يكن [عنده]، وهذا لا يجوز.
١٢٩٣ - فَصْل: [حدوث عيب بالمبيع والخيار للبائع]
وإن كان الخيار للبائع [انتقض البيع، ولزم المشتري القيمة؛ وذلك لأن العيب إذا حدث والخيار للبائع] لم يتم العقد؛ لأنَّه حدث على ملكه، ولا يملك إلزام المشتري المبيع المعيب من غير رضاه، وإذا لم يتم البيع بالعيب هلك على ملك البائع وتجب القيمة على المشتري؛ لأنَّ الشيء مضمونٌ عليه، والملك لغيره، فيهلك بالقيمة كالمغصوب [ولا يلزم الرهن؛ لأن الرهن غير مضمون على المرتهن على ما يقوله أبو الحسن، بل العين أمانة في يده، إلا أن الدين يسقط بهلاكه حكمًا].
١٢٩٤ - فَصْل: [شرط الخيار أكثر من ثلاث]
قال وإذا شرط الخيار أكثر من ثلاثة أيام، فسد البيع عند أبي حنيفة وزفر، فإن أجاز الذي له الخيار [في الثلاث جاز، ولزم المشتري الثمن عند أبي حنيفة، ولم يورد هذا أبو الحسن في المختصر، وذكر في الجامع الصغير فقال: إن أجاز الذي له الخيار] في الثلاثة، أو مات صاحبُ الخيار في الثلاثة، أو مات العبدُ، أو أعتقه المشتري، أو حدث في الثلاث في السلعة ما يوجب جواز البيع، أو كان الخيارُ ثلاثة أيام، فالبيع جائز عند أبي حنيفة، وقال زفر: لا يجوز، وبه قال الشافعي (١).
стр. 1460
لنا: أنَّ هذه مدَّة ملحقة بالعقد، مانعة من انبرامه، فجاز أن [ينبرم] (١) بإسقاطها، كالخيار الصحيح؛ ولأنَّها مدة ملحقة بالعقد، مانعةٌ من المطالبة، فجاز أن تثبت المطالبة بإسقاطها كالأجل الصحيح.
وجهُ قول زفر: أن العقد وقع فاسدًا، فلا يجوز بعدَ فساده، كما لو أسقط الخيار في اليوم الرابع.
[وعلى الشافعي: أن هذا بيع شرط فيه شرطًا، فإذا أسقط الشرط جاز أن يحكم بصحته، أصله: إذا باع عبدًا بشرط العتق، ثم اتفقا على إسقاط الشرط].
وقد قال أصحابنا: أنَّه إذا مضى جزء من اليوم الرابع، أو اشترط الأجل إلى الحصادِ، فابتدأ الناس بالحصاد، لم يجز العقد [بعد ذلك]؛ لأنَّ الجواز يتعلق بإسقاط [الشرط] الفاسد، والإسقاط يكون في المدَّة المستقبلة، فأمَّا الماضي فلا يتصوَّر إسقاطه، وقد مضى جزءٌ من الفساد، فإذا لم يمكن رفعه [وإسقاطه، لم يوجد إسقاط الشرط الفاسد]، فلم يصح العقد.
١٢٩٥ - فَصْل: [تصحيح العقد الفاسد]
وكان أصحابنا بالعراق يقولون: إنَّ هذا العقد فاسد، ويصحُّ بإسقاط المعنى المفسد، وأصحابنا بخراسان يقولون: إنَّه موقوف يلحقه الإجازة بإسقاط الشرط، فإذا مضى جزءٌ من اليوم الرابع فسد [حينئذٍ].
стр. 1461
وقد قال الحسن (١): قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا اشترى عبدًا على أنَّه بالخيار أكثر من ثلاثة أيام، فالبيع موقوف، فإن قال المشتري قبل مضي الثلاثة: أنا أُبْطل خياري، وأستوجبُ البيع قبل أن يقول البائع شيئًا، كان له ذلك، وتمَّ البيع، وعليه الثمن، ولم يكن للبائع أن يُبطل العقد.
وإن قال البائعُ: قد أبْطلتُ البيعَ قبل أن يُبطل المشتري خياره، بطل البيع، ولم يكن للمُشتري أن يستوجبه بعد ذلك، فإن تساكتا حتَّى مضتِ المدَّةُ؛ كانَ البيعُ فاسدًا [منتقضًا] (٢)، ولم يكن للمشتري بعد ذلك أن يُبطل خيارهُ، وهذا نصٌّ على وقوف البيع على إجازة المشتري في المدَّة، وجعل للبائع الفسخ قبل الإجازة؛ لأنَّ لكل واحد من المتعاقدين فسخ البيع الموقوف، فإن أجاز من وقف عليه العقد قبل الفسخ تمَّ البيع (٣).
١٢٩٦ - فَصْل: [اشتراط الخيار مطلقًا ثم إسقاطه في الثلاثة]
وعلى هذا الأصل قالوا: إذا شرط الخيارَ ولم يذكر وقتًا، فأسقط المشتري الخيارَ في الثلاثة، أو حدث في السلعة عيبٌ في الثلاثة، أو مات المشتري، جاز البيع، وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة على ما بيَّنَّا (٤).
فأمَّا على قولهما فروى بِشر ومُعَلّى، عن أبي يوسف: أن البيع جائزٌ، ومتى اختصما إليَّ؛ أجبرته على أن يمضي أو يفسخ.
стр. 1462
وقال مُعَلّى عنه: إن اختصما إليَّ فإن أجاز البيع وإلا فسخته.
وقال محمد: البيع فاسد، ومتى أجازه جاز.
وجهُ قول محمد، وهو الصحيح: أن الخيار مدَّة ملحقه بالعقد، فإذا أُطلقت؛ لم يصحَّ العقد، كالأجل.
وجهُ قول أبي يوسف: أنَّه نوع خيار، فجاز أن يثبت في العقد من غير توقيت، كخيار العيب [والرؤية].
وقالا جميعًا: أيُّ وقت أسقط الخيارَ جازَ؛ لأنَّ مدَّة الخيار عندهما غير مقدَّرة، فصار جميع الزمان كمدَّة الثلاثة عند أبي حنيفة، وقد روى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف: إذا لم يكن للخيار مدَّة؛ فلكلِّ واحد منهما إبطال العقد، وهذا مثل قول محمد في الفساد.
ووجهُه: أن العقد إما أن يكون موقوفًا، أو فاسدًا، وأيُّهما كان، فلكلِّ واحد من المتعاقدين حق (١) الفسخِ، وقد ذكر محمد هذه المسألة، وقال فيها: إذا كان الخيارُ للمشتري غير مؤقَّت؛ فليس للبائع أن يفسخ، إنما ذلك إلى المشتري؛ لأنَّ الخيار إذا شرط للمشتري لم يجز فسخ البائع، كالخيار الصحيح [ولأن من أصله: أن العقد إذا فسد بشرط ملحق لم يجز فسخ العقد إلا لمن له منفعة في ذلك الشرط، فبنى هذه المسألة على الأصل].
١٢٩٧ - فَصْل: [الخيار إلى قدوم فلان أو موته]
وقد قالوا: لو كان الخيار إلى قدوم فلان، أو موته، أو هبِّ الريح، فأبطل
стр. 1463
الخيار قبل مضيِّ الوقت، لم يجز البيع عند أبي يوسف وزفر، وليسَ هذا كالحصَادِ.
أما هبوبُ الريح، فهو ظاهر؛ لأنَّه يجوزَ أن يكون هبَّت بعد العقد بغير حضرتهما، فيحصل الفساد في المعقود عليه.
وأما قدوم فلان مجهول الكون، مجهول الوقت، فيكثر الخطر فيه، فيفسُد البيع.
وأمَّا الموت، فيتقدَّم ويتأخَّر، والتفاوت فيه كثير، فيصير كالقدوم.
وليس كذلك الحَصَاد؛ لأنه [لا] يتفاوت فيقل الخطر [فيه]، فيجوز اشتراطه (١).
١٢٩٨ - فَصْل: [الخيار في السلعة أو في الثمن]
وقد قال محمد - من غير خلاف -: إذا شرط الخيار في السلعة أو في الثمن؛ جازَ، وكان فيهما [جميعًا]؛ وذلك لأنَّ شرط الخيار في أحد العوضين يثبتُ الفسخ فيه، والفسخُ لا يثبت في أحد عوضي البيع دون الآخر [فيثبت الخيار فيهما].
١٢٩٩ - فَصْل: [إلحاق الخيار بالعقد]
وإن ألحقا بالعقد خيارًا جاز عند أبي حنيفة، فإن كان خيارًا جائزًا لم يفسد العقد، وإن كان فاسدًا [التحق] وأفسدَ العقد [عند أبي حنيفة]؛ لأنَّ العقد في ملكهما، فملكا إثبات الخيار الفاسد فيه، كحال العقدِ.
وقد قال أبو يوسف ومحمد: يلحق العقد الصحيح دون الفاسد، وهذا كما
стр. 1464
قالا في الشروط الفاسدة: [لا يلحق العقد إذا شرط بعد العقد، وهذا شرط فاسد، فلا يلحق بالعقد أيضًا] وقد قدَّمنا ذلك.
١٣٠٠ - فَصْل: [شرط الخيار إلى الغاية]
قال أبو حنيفة: إذا شرط الخيار إلى الليل، أو إلى الغد، دخلت الغاية، وقالا: لا تدخل، وبه قال الشافعي (١). وقالوا جميعًا: إذا جعل الأجل إلى غاية لم تدخل.
وجه قول أبي حنيفة: أن الخيار يمنعُ من الملك، والغاية فيها احتمال، فإن دخلت فيما جعلت غاية له لم يملك قَبْلها، وإن لم تدخل ملك، فلا يجوز إثبات الملكِ بالشَّكِّ، و [لا يلزم] على هذا الأجل خارج؛ لأنَّ الثمن مملوك، والأجل لتأخير المطالبة [التي تعلق استحقاقها بالعقد]، والغاية فيها احتمال، فلا يجوز لنا تأخير المطالبة التي تعلق استحقاقها بالعقد بالشَّكِّ.
وأمَّا على الشافعي؛ فلأنَّ ما جعل غاية للخيار لا ينقطع الخيارُ قبل قبضه، كقوله [على أني بالخيار] إلى نصف الليل، ولأنَّه شرط خيارًا إلى غاية، فامتدَّ الخيار بامتداد الغاية، كما لو بقيا في المجلس حتى مضت الغاية.
وَجهُ قولهما: أنَّ الخيار مُدَّة ملحقة بالعقد، فإذا شرط إلى غاية؛ لم تدخل الغاية فيه، كالأجل.
١٣٠١ - فَصْل: [الخيار أكثر من ثلاثة أيام]
قال أبو حنيفة: إذا باع عبدًا على أنَّه إن لم ينقده الثمن إلى ثلاثة أيام فلا
стр. 1465
بيع بينهما، فالبيع جائز استحسانًا، وهذا بمنزلة شرطِ الخيار، وإن قال: إلى أربعة أيام؛ لم يجز، وقال أبو يوسف مثله، وقال محمد: [يجوز] إلى ثلاثة أيام وأكثر، وقال زفر: لا يجوز، وهو قول الشافعي (١).
والأصل في جوازه: ما رويَ عن ابن عمر أنَّه أجازه، ولا مخالفَ له.
ولأنَّ هذا لا يُستدرك من طريق القياس، فيحمل على التوقيف؛ ولأنَّه عَلق الفسخ بفعل المشتري، وهو ترك النقد في الثلاثة، فصار كما لو شرط له الخيار، وعلى الشافعي أنَّه نوع بيعٍ، فجاز أن ينفسخ بترك نقد البدل، كالصَّرفِ، وبيع [ما فيه الربا بجنسه مثل] الطعام بالطعام.
وجهُ قول زفر: أنَّ الإجازة في هذا العقد متعلّقة بخطر، وهو النقد، والفسخ يجوز تعلقه بالأخطار، والإجازة لا يجوز تعليقها بالأخطار.
يبيِّن ذلك: أن مُضِيَّ المدَّة في مسألة الخيار يوجب الجواز، ومضيُّ هذه المدَّة في هذه المسألة يوجب الفسخ، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الفسخ لا يقع بمضيِّ المدَّة عندنا، وإنما يقع بترك النقد في الثلاثة، فهو كبيع الخيار إذا قال المُشتري: قد فسختُ في المدَّة، وإذا ثبت هذا؛ قال أبو حنيفة: هذا بمنزلة شرطِ الخيار، يجوز في الثلاثة، ولا يجوزُ فيما زاد عليها [على أصله في شرط الخيار].
وقال محمد: يجوزُ في الثلاثة، وفيما زادَ عليها، على أصله في شرط الخيار، وأما أبو يوسف فقال: ليس هذا بمنزلة الخيار [وكان القياس أن لا يجوز كما قال زفر]، وإنما أجزته في الثلاثة؛ لما رويَ عن ابن عمر، وما زاد
стр. 1466
على ذلك على القياس (١).
١٣٠٢ - فَصْل: [ملكية المبيع أثناء خيار البائع]
[وقد قال أصحابنا]: إذا كان الخيار للبائع، فالمبيعُ على ملكه، وللشافعي ثلاثة أقوال: أحدها: أن المبيعَ يملك بالعقد، والثاني: بالعقد وإسقاط الخيار، والثالث: إذا سقط الخيار بان أنَّ الملك وقع بالعقد (٢).
[لنا: أن الملك لم يقع بالعقد]، والدليل على ما قلناه: أن المشتري لا يجوز له التصرُّف في المبيع معَ وجودِ القبض بإذن البائع، فصارَ كالبيع الموقوف؛ ولأنَّ عتق البائع ينفذ في المبيع، ولو كانَ المشتري قد ملكه لم ينفذ عتق غيره فيه. والله أعلم.
١٣٠٣ - فَصْل: [ملكية المبيع أثناء خيار المشتري]
قال أبو حنيفة: إذا كان الخيارُ للمشتري خرج المبيعُ من ملكِ البائع، ولم يدخل في [ملك المشتري] (٣)، قال أبو يوسف ومحمد: يدخل في ملك المشتري، واتَّفقوا أنَّ الثمن لا يخرج من ملك المشتري (٤).
وَجْهُ قول أبي حنيفة: أنَّ الثمن على ملك المُشتري؛ لأنَّ من شرط له الخيار لا يزول ملكه عمَّا هو من جهته كالبائع، وإذا كانَ الثمنُ على ملكه، فلو قلنا: إنَّه يملك المبيع؛ اجتمع في ملكه البدل والمُبدل بعقدِ البيع، وهذا لا يجوز، فإنْ
стр. 1467
ألزمَ على هذا العبد إذا جنى في يد الغاصب وأخذه مولاه، فجنى عنده دَفَعهُ بالجنايتين، ورجع على الغاصبِ بنصف القيمة، فيأخذها وليُّ الجناية الأولى، وهي بدل عن نصفِ العبد الذي سُلِّم له، فقد اجتمع البدل والمبدل [في ملكه]؛ لأنا احترزنا عن ذلك بقولنا بعقد البيع، ولأنَّ هاهنا حصل له بعضُ البدل؛ لأن البدل عبارة عن جميع القيمة [فلا يلزم]. فإن ألزموا عليه الإجارة إذا شرط فيها تعجيل الأجرة أنَّ المؤاجر ملك الأجرة، والمنافع لم تملك عليه، لم يلزم؛ لأنَّا قلنا بعقدِ البيع؛ ولأنَّ المنافعَ هناك ليست على ملك المؤاجر أيضًا، ولم يجتمع له البدل والمبدل.
فإن ألزمَ على هذا الهبة بعوض إذا سلَّم الواهب العينَ ولم يقبض العوض، فاجتمع على ملك الموهوب له العوض والمعوَّض.
فالجواب: (أنا قلنا بعقد البيع، والهبة بشرط العوض عقدها عقد هبة، وليس بعقد بيع) (١)؛ لأن الهبة عقد تبرُّع، فلا يثبت العوض فيها إلا بالتقابض، فإذا سلم العين ولم يتسلَّم ما شرطه، فليس بعوض قبل التسليم، [فلم يجتمعا]، فإن ألزم على هذا مَن باع عبدًا بجارية وشرط لنفسه الخيار وقبض الجارية، ولم يسلم العبد حتى أعتقهما، نفذ عتقهما، فحصل له العوضُ والمعوَّض.
فأما إذا أعتقهما فسد البيعُ في الجارية، وصار عوضها القيمة دون العبد (٢)، وزال ملكه عن القيمة بنفسِ العتق، فلم يجتمع له العوض والمعوَّض، فإن ألزمَ على هذا البيع الفاسِد إذا قبضه المشتري أنَّه يملكه بالقبض، وعوضه على ملكه.
стр. 1468
قلنا: الجواب عنه ما ذكرنا أن عوض البيع الفاسد القيمة دون المسمى، وقد زال ملكه عن القيمة حين ملك المبيع.
وجه آخر في نفس المسألة: وهو أن أن ما منع الملك في أحد العوضين منع في الآخر، كالشرط الفاسد، [والخيار إذا كان للبائع].
وجهُ قولهما: أن المبيعَ قد خرج من ملكِ البائع، فلو لم يملكه المشتري بقيَ مِلكًا لا مالك له، وهذا لا يوجدُ في البياعات.
إذا ثبت هذا الخلاف (١)، فقد قالوا على هذا الأصل: إذا باع عبدًا بجارية على أنَّ بائع العبد بالخيار، فالعبد على ملك بائعه، والجارية خرجت من ملك المشتري ولم تدخل في ملك البائع عند أبي حنيفة، وقال أبو حنيفة: لو كانت الجارية بنت البائع؛ لم تعتق، ولو كانت زوجته؛ لم يفسد النكاح؛ لأنَّه لم يملكها.
وعلى قولهما: تعتقُ ابنته ويفسُد نكاح زوجته على أصلهما: أنَّه ملكها، ولو أعتق البائع العبد جَاز عتقه في قولهم، وانتقض البيع؛ لأنَّ العبدَ على ملكه، فإذا أعتقه فقد أتلف الملك فيه.
ولو أعتق الجارية دونَ العبد؛ جازَ عتقه في قولهم، أمَّا على قول أبي يوسف ومحمد فلأنها على ملكه، وأما على قول أبي حنيفة؛ فلأنه يملك إبطال الخيار، وتصرفه في الجارية إبطال لخياره، فينفذ عتقه، ولو أعتقهما جميعًا جاز [ونفذ] عتقه فيهما وانتقض البيع، وكان عليه قيمةُ الجارية في قول أبي حنيفة؛ لأنَّ عنده أن العبد على ملكه، والجارية وإن لم يملكها فتصرُّفه فيها جائز؛ لأنَّ الخيارَ يبطل
стр. 1469
به، فإذا أعتقهما معًا عَتَقَا وفسد البيعُ؛ لأنَّه أتلفَ المبيعَ قبل التسليم، والبيع الفاسدُ تجبُ فيه القيمة.
فأمَّا على قولهما؛ فخياره يمنع من خروج المبيع من ملكه، ولا يمنع من دخول الجارية في ملكه، فهو مالك لهما؛ فلذلك نفذ عتقه فيهما، فأمَّا المشتري فلا ينفذ عتقه في الجارية، ولا في العبد، أمَّا العبد فعلى ملك بائعه، وأمَّا الجاريةُ فقد خرجت من ملكه في قولهم، وإن اختلفوا في دخولها في ملك البائع.
١٣٠٤ - فَصْل: [البيع بشيء في الذمة في شرط الخيار لنفسه]
فأمَّا إذا باع بشيء في الذمَّة وشرط الخيار [لنفسه]، فأبرأ البائع المشتري من الثمن، أو اشترى به منه شيئًا، أو ساومه، فذلك منه إجازة للبيع وبراءته جائزة، وكذلك هبته للثمن، وهذا قول أبي يوسف ومحمد وقياس قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنَّ من شرط له الخيار يملك إمضاء البيع وفسخه، فإذا تصرَّف في البدل دل على إمضائه للبيع، ألا ترى أنَّه لو أراد الفسخ لم يتصرَّف في الثمن الذي لا يستحقُّه عند الفسخ، [فلذلك نفذ البيع].
قال محمد: ولو اشترى بالثمن شيئًا من غير البائع؛ كان إجازة للبيع، ولا يجوز الشراء؛ وذلك لأنَّ العقد عليه وإن لم يصحَّ، فلا يكون أدون من المساومة، والسوم يُبطل الخيار.
ولو كان البائع قبض الثمن فاشترى به شيئًا، أو وهبه، أو عرضهُ على بيع، لم يكن ذلك إجازةً [للبيع] (١)؛ لأنَّ هذا الثمن لا يجبُ عليه ردُّه عندَ الفسخ
стр. 1470
بعينه، على أصلنا: أنَّ الدراهمَ لا تتعيَّنُ بالفسخ كما لا تتعيَّن بالعقد، وإذا لم يستحقَّها المشتري بعينها لم يكن تصرُّف البائع فيها إجازة، وليس كذلك قبل القبض؛ لأنَّه لا حقَّ له في ذمَّة المشتري إلا ما هو ثمن، فإذا اشترى به، فقد تصرَّف في نفس الثمن (١)، فكان إجازة.
١٣٠٥ - فَصْل: [إبراء البائع المشتريَ من الثمن]
قال أبو يوسف: إذا كان المشتري بالخيار، فأبرأه البائعُ من الثمن، فالبراءة باطلة، والبيع على حاله، فإن أجاز المشتري [البيعَ أخذ البائع الثمن ولم تقع البراءة.
وروى هشام عن محمد أنه قال: إذا أجاز المشتري] برئ من الثمن بإبراء البائع، وقال في الزيادات: هذا استحسان، وإنما لم تجز البراءة قبل إسقاط الخيار؛ لأنَّ خيار المشتري يمنع خروج الثمن من ملكه، فإذا أبرأ البائع فقد أبرأ البائَع من دين لا يَستحقُّه، فلم تصح براءتهُ، وإنما [لم] يكن ذلك إجازة للبيع؛ لأنَّه لم يتصرَّف في الثمن، ألا ترى أنَّ الثمن يكون ثمنًا بالإجازة.
وأمَّا إذا أجاز المشتري، فوجهُ قول أبي يوسف: أنَّ البائع أبرأ من حقٍّ لم يجب، فإذا وجَب لم تعمل تلك البراءة فيه، كما لو أبرأه من دين لم يجب له عليه، ثم وجبَ.
وجه قول محمد: أن الإجازة تستند إلى العقد، فتصير جائزًا من أصله، ولهذا يستحقُّ المشتري الولد والزيادة، فكأنَّ العقدَ وقع في الأصل [بتاتًا] (٢)
стр. 1471
فتصحُّ البراءة.
١٣٠٦ - فَصْل: [ما يسقط الخيار وما لا يسقطه]
[قال أبو الحسن: وإذا قبض المشتري المبيع، فدخله في يد المشتري عيب ينقص القيمة بفعل المشتري أو بغير فعله، تمّ البيع عليه ولزمه الثمن.
قال الشيخ أيده الله: غرض أبي الحسن بذكر هذه المسألة ما يسقط الخيار وما لا يسقطه]
وقد ذكر أبو الحسن بعد هذا ما يسقط الخيار، وما لا يسقط، ولم يستوفه، ونحن نذكره مستوفيًا، فإذا وُجد على غير نظم الكتاب؛ فليعلم الغرض، وكلّ ما ذكره يأتي في ضمن ما نذكره.
قال ﵀: وجملة هذا أن من باع عبدًا على أنَّه بالخيار ثلاثًا وسلَّمه أو لم يسلِّمه، ثم إنَّ البائع أخرجه من ملكه، أو أحدث فيه ما يمنع من البيع، مثل التدبير والكتابة والرهن والإجارة، أو خاطب على تمليكه، أو على ما يمنع من بيعه، فهو نقض للبيع (١)؛ وذلك لأنَّ المبيعَ على ملك البائع، وهو مخيَّر بين تبقية العقد وفسخه، فإذا فعل ما يستدل به على اختياره الفسخ، كان فسخًا؛ والدليل عليه قوله ﵊ لبريرة [حين أعتقت]: "إن وطأكِ زوجكِ فلا خيارَ لكِ" (٢)، فجعل تمكينها من الوطئِ دلالة على إسقاطها للخيار، فدلَّ ذلك على أنَّ من خُيِّر بين [أمرين] (٣) ففعل ما يُستدلُّ به على أحدهما، كان اختيارًا لذلك.
стр. 1472
وهذه المعاني التي ذكرناها تدلُّ على اختيار البائع الفسخ، فكانت فسخًا، [قال]: فإن كان المشتري بالخيار، ففعل في المبيع شيئًا من ذلك فهو إمضاء للبيع؛ لأنَّه مخيَّر بين الإجازة والفسخ، وتصرُّفه في المبيع يدلُّ على اختياره الإجازة.
فكذلك إذا فعل البائع ما لا يحل له إلا مع نقض البيع، فهو نقضٌ، وإن فعل المشتري ما لا يجوز له إلا مع جوازِ العقدِ فهو إجازة للعقدِ، وهذا مثل أن يطأ أحدهما الجارية، أو يقبِّلها بشهوة، أو يُباشرها بشهوة، أو ينظر إلى فرجها بشهوة؛ وذلك لأنَّ هذا الاستمتاع لا يصحُّ من غير ملك، فإذا فعله أحدهما دلَّ على اختياره للملك.
فإن نظر إلى الفرج لغير شهوةٍ لم تكن إجازة؛ لأنَّ ذلك لم يقف على الملك، ألا ترى أن الطبيب يجوز له النظر، وكذلك القابلة.
١٣٠٧ - فَصْل: [الخيار في حالة الرضا بالعيب]
وإن قَبَّلَتْ الأمةُ المشتري بشهوة، [وأقرّ المشتري أنها فعلت ذلك بشهوة] فإنَّ أبا يوسف روى عن أبي حنيفة: أنَّ المطلَّقة إذا فعلت ذلك كان رجعةً، قال: ولو كان هذا في أمَة اشتراها وهو بالخيار ثلاثًا، أو كان له خيار رؤية، أو كانَ البيعُ بتاتًا، فوجد بها عيبًا ثم قبَّلته الأمة بشهوة من غير أن يشتهيها، وأقرَّ الرجل أن الأمة اشتهته، فهذا مثل الأوَّل، وهو رضًا بالعيب، قال: وهذا في البيع أضعف منه في الطلاق وأقبح، ولكن القياس واحد، ورويَ عن أبي يوسف: أنَّ البيع يجوز.
وقال بشرٌ عنه في الإملاء: إذا فعلتِ الأمة ذلك اختلاسًا وهو كاره لم يكن
стр. 1473
ذلك رجعة، ولا اختيارًا (١) للبيع، وقال محمد: لا يكون فعلها إجازةً للبيع.
وجهُ قول أبي حنيفة: أن تقبيلها له يتعلَّقُ به من الحكم ما يتعلَّقُ بتقبيله لها، بدلالة التحريم، ومعلوم أنَّه لو قبلها سقط الخيارَ، [فكذلك] (٢) إذا قَبَّلته، وليس يمتنع أن يسقطَ الخيار بفعلها من طريق الحكم، كما يَسقط إذا جنت على نفسها.
وجهُ قول محمد: أنَّ الخيار يسقط بالرضا أو بنقصٍ يوجد بالمبيع، ولم يوجد من المشتري رضا ولا نقص البيع، فكان الخيار بحاله.
وإنما قال أبو حنيفة: إنَّ هذا في البيع أضعف منه في النكاح، وإن كانَ قياسه (٣)؛ لأنَّ النكاح عقد بين الرجل والمرأة، فيجوز أن يستوي فعلهما في أحكامه، وعقد البيع انعقد المتبايعين، والأمة معقود عليها وليست بعاقدة، فلم يُعتبر فعلها في أحكام العقد، إلا أنَّ هذا الفرق لا يمنع الجمع بينهما من الوجهِ الذي ذكرنا؛ ولأنَّ الخيار يجوز أن يسقط بغير فعل أحد المتعاقدين، كالأجنبي إذا جنى على المبيع.
١٣٠٨ - فَصْل: [ما يبطل الخيار من الأفعال]
فأمَّا المباضعة (٤) فهي اختيار، مكرهًا كان أو مُطاوعًا وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة؛ لأنَّه إذا أبطل الخيار بالقبلة، فالوطء أولى، فأمَّا محمد فيقول: إنَّ
стр. 1474
الوطء نقص، ألا ترى أنَّه لو وُجِد من غير المشتري مُنِع من الردِّ بالعيب، فكذلك إذا وجد من المشتري بغير اختياره.
وقد قالوا في المباشرة: إذا ابتدأت بها مكرِهة له ثم تركها وهو يقدر على الامتناع، فهو رجعة واختيار للبيع؛ لأنَّ البقاء على هذا رضا، فيصيرُ كأنَّه ابتداءٌ.
فَصْل: روى هشام، عن محمد: في المشتري يُقبِّلُ الجارية ثم يقول: قبَّلتها بغير شهوة، فالقول قوله؛ لأنَّ الشهوة لا تُعلم إلا من جهته، ويرجع إلى قوله فيها.
١٣٠٩ - فَصْل: [الخيار في حال حدوث العيب بالسلعة]
وإن حدث بالسلعة عيبٌ لا يرتفع في يد المشتري، وله الخيار بطل خياره، وسواء كان ذلك بفعل البائع أو أجنبي، أو من غير فعل أحد، وروى ابن سماعة، عن محمد في نوادره: فإنَّ البيع لا يلزم [المشتري] بجناية البائع، وليس هو كالأجنبي؛ لأنه ليسَ للبائع أن يُوجبَ البيع على المُشتري بفعله، والمشتري بالخيار: إن شاء أمسكه، وإن شاء ردَّه، قال: وكان أبو يوسف يقول: يجب على المشتري بفعل البائع، [وفعل البائع] كفعل المشتري (١).
والأصل في هذا: أنَّ المشتري لا يملكُ الردَّ على البائع بعد حدوث العيب؛ لأنَّه يفرِّق الصفقة عليه في الإتمام، ألا ترى أن خيار الشرط يمنع تمام الصفقة، وكل واحد من المتعاقدين لا يملك تفريق الصفقة على الآخر في الإتمام.
وأمَّا وجهُ قول أبي يوسف: إذا كان العيبُ بفعل البائع - وهو قول أبي
стр. 1475
حنيفة - إن امتنع الردُّ بالعيب؛ ثبت من طريق الحكم، ألا ترى أنَّه إذا كان بفعل أجنبي يمنع، وهذا موجود في فعل البائع؛ ولأنَّ الشيء قد خرجَ من ملكِ البائع، فإذا سُلِّم إلى المشتري فليسَ له في هذه العين يد ولا ملك، فصَارَ كالأجنبي، والأجنبيُّ لو جنى على المبيع سقط الخيارُ، كذلك هاهنا.
وجهُ قول محمد: أنَّ البائع إنما شرط للمُشتري الخيار [لكي] (١) يقف تمام العقد على رضاه، فإذا جنى البائع [على المبيع فإما يريد] (٢) إلزامه وذلك بغير رضاه، وهذا ضدّ ما شرطه، وليس هذا الفعل (٣) للأجنبي؛ لأنَّه حدث هناك نقصٌ مضمون على المشتري في منع الردِّ على البائع؛ لأنَّه لم يرض بعود المبيع إليه بعيبٍ، فإذا كان العيبُ بفعله، فقد رضيَ [به] فلا يمنع الرد، إذا ثبت هذا، قال أبو يوسف: قد لزم المشتري البيع، ويرجع على البائع بالأرش؛ وذلك لأنَّ البيع [قد] تمَّ فيه بأوَّل جزءٍ من النقص، فصارت جناية البائع على ملك غيره، ولزمه أرشها، كالأجنبي إذا جنى.
١٣١٠ - فَصْل: [إصابة العيب في يد البائع والخيار له]
فإن أصاب المبيعَ ذلك في يد البائع، والخيار للبائع، فهو على خياره، إلا أن يكون ذلك بفعله، فينتقض البيع، فأمَّا [إذا كان بغير] فعله، فهو على اختياره؛ وذلك لأنَّ حدوث العيب لا يمنع من نقل الملك، واختيار البائع الإجازة نقل للملك، فلا يمنعه العيب؛ إلا أنَّه متى اختار الإجازة، فالمشتري بالخيار: إن