← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

فتصحُّ البراءة. ١٣٠٦ - فَصْل: [ما يسقط الخيار وما لا يسقطه] [قال أبو الحسن: وإذا قبض المشتري المبيع، فدخله في يد المشتري عيب ينقص القيمة بفعل المشتري أو بغير فعله، تمّ البيع عليه ولزمه الثمن. قال الشيخ أيده الله: غرض أبي الحسن بذكر هذه المسألة ما يسقط الخيار وما لا يسقطه] وقد ذكر أبو الحسن بعد هذا ما يسقط الخيار، وما لا يسقط، ولم يستوفه، ونحن نذكره مستوفيًا، فإذا وُجد على غير نظم الكتاب؛ فليعلم الغرض، وكلّ ما ذكره يأتي في ضمن ما نذكره. قال ﵀: وجملة هذا أن من باع عبدًا على أنَّه بالخيار ثلاثًا وسلَّمه أو لم يسلِّمه، ثم إنَّ البائع أخرجه من ملكه، أو أحدث فيه ما يمنع من البيع، مثل التدبير والكتابة والرهن والإجارة، أو خاطب على تمليكه، أو على ما يمنع من بيعه، فهو نقض للبيع (١)؛ وذلك لأنَّ المبيعَ على ملك البائع، وهو مخيَّر بين تبقية العقد وفسخه، فإذا فعل ما يستدل به على اختياره الفسخ، كان فسخًا؛ والدليل عليه قوله ﵊ لبريرة [حين أعتقت]: "إن وطأكِ زوجكِ فلا خيارَ لكِ" (٢)، فجعل تمكينها من الوطئِ دلالة على إسقاطها للخيار، فدلَّ ذلك على أنَّ من خُيِّر بين [أمرين] (٣) ففعل ما يُستدلُّ به على أحدهما، كان اختيارًا لذلك.

стр. 1472

وهذه المعاني التي ذكرناها تدلُّ على اختيار البائع الفسخ، فكانت فسخًا، [قال]: فإن كان المشتري بالخيار، ففعل في المبيع شيئًا من ذلك فهو إمضاء للبيع؛ لأنَّه مخيَّر بين الإجازة والفسخ، وتصرُّفه في المبيع يدلُّ على اختياره الإجازة. فكذلك إذا فعل البائع ما لا يحل له إلا مع نقض البيع، فهو نقضٌ، وإن فعل المشتري ما لا يجوز له إلا مع جوازِ العقدِ فهو إجازة للعقدِ، وهذا مثل أن يطأ أحدهما الجارية، أو يقبِّلها بشهوة، أو يُباشرها بشهوة، أو ينظر إلى فرجها بشهوة؛ وذلك لأنَّ هذا الاستمتاع لا يصحُّ من غير ملك، فإذا فعله أحدهما دلَّ على اختياره للملك. فإن نظر إلى الفرج لغير شهوةٍ لم تكن إجازة؛ لأنَّ ذلك لم يقف على الملك، ألا ترى أن الطبيب يجوز له النظر، وكذلك القابلة. ١٣٠٧ - فَصْل: [الخيار في حالة الرضا بالعيب] وإن قَبَّلَتْ الأمةُ المشتري بشهوة، [وأقرّ المشتري أنها فعلت ذلك بشهوة] فإنَّ أبا يوسف روى عن أبي حنيفة: أنَّ المطلَّقة إذا فعلت ذلك كان رجعةً، قال: ولو كان هذا في أمَة اشتراها وهو بالخيار ثلاثًا، أو كان له خيار رؤية، أو كانَ البيعُ بتاتًا، فوجد بها عيبًا ثم قبَّلته الأمة بشهوة من غير أن يشتهيها، وأقرَّ الرجل أن الأمة اشتهته، فهذا مثل الأوَّل، وهو رضًا بالعيب، قال: وهذا في البيع أضعف منه في الطلاق وأقبح، ولكن القياس واحد، ورويَ عن أبي يوسف: أنَّ البيع يجوز. وقال بشرٌ عنه في الإملاء: إذا فعلتِ الأمة ذلك اختلاسًا وهو كاره لم يكن

стр. 1473

ذلك رجعة، ولا اختيارًا (١) للبيع، وقال محمد: لا يكون فعلها إجازةً للبيع. وجهُ قول أبي حنيفة: أن تقبيلها له يتعلَّقُ به من الحكم ما يتعلَّقُ بتقبيله لها، بدلالة التحريم، ومعلوم أنَّه لو قبلها سقط الخيارَ، [فكذلك] (٢) إذا قَبَّلته، وليس يمتنع أن يسقطَ الخيار بفعلها من طريق الحكم، كما يَسقط إذا جنت على نفسها. وجهُ قول محمد: أنَّ الخيار يسقط بالرضا أو بنقصٍ يوجد بالمبيع، ولم يوجد من المشتري رضا ولا نقص البيع، فكان الخيار بحاله. وإنما قال أبو حنيفة: إنَّ هذا في البيع أضعف منه في النكاح، وإن كانَ قياسه (٣)؛ لأنَّ النكاح عقد بين الرجل والمرأة، فيجوز أن يستوي فعلهما في أحكامه، وعقد البيع انعقد المتبايعين، والأمة معقود عليها وليست بعاقدة، فلم يُعتبر فعلها في أحكام العقد، إلا أنَّ هذا الفرق لا يمنع الجمع بينهما من الوجهِ الذي ذكرنا؛ ولأنَّ الخيار يجوز أن يسقط بغير فعل أحد المتعاقدين، كالأجنبي إذا جنى على المبيع. ١٣٠٨ - فَصْل: [ما يبطل الخيار من الأفعال] فأمَّا المباضعة (٤) فهي اختيار، مكرهًا كان أو مُطاوعًا وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة؛ لأنَّه إذا أبطل الخيار بالقبلة، فالوطء أولى، فأمَّا محمد فيقول: إنَّ

стр. 1474

الوطء نقص، ألا ترى أنَّه لو وُجِد من غير المشتري مُنِع من الردِّ بالعيب، فكذلك إذا وجد من المشتري بغير اختياره. وقد قالوا في المباشرة: إذا ابتدأت بها مكرِهة له ثم تركها وهو يقدر على الامتناع، فهو رجعة واختيار للبيع؛ لأنَّ البقاء على هذا رضا، فيصيرُ كأنَّه ابتداءٌ. فَصْل: روى هشام، عن محمد: في المشتري يُقبِّلُ الجارية ثم يقول: قبَّلتها بغير شهوة، فالقول قوله؛ لأنَّ الشهوة لا تُعلم إلا من جهته، ويرجع إلى قوله فيها. ١٣٠٩ - فَصْل: [الخيار في حال حدوث العيب بالسلعة] وإن حدث بالسلعة عيبٌ لا يرتفع في يد المشتري، وله الخيار بطل خياره، وسواء كان ذلك بفعل البائع أو أجنبي، أو من غير فعل أحد، وروى ابن سماعة، عن محمد في نوادره: فإنَّ البيع لا يلزم [المشتري] بجناية البائع، وليس هو كالأجنبي؛ لأنه ليسَ للبائع أن يُوجبَ البيع على المُشتري بفعله، والمشتري بالخيار: إن شاء أمسكه، وإن شاء ردَّه، قال: وكان أبو يوسف يقول: يجب على المشتري بفعل البائع، [وفعل البائع] كفعل المشتري (١). والأصل في هذا: أنَّ المشتري لا يملكُ الردَّ على البائع بعد حدوث العيب؛ لأنَّه يفرِّق الصفقة عليه في الإتمام، ألا ترى أن خيار الشرط يمنع تمام الصفقة، وكل واحد من المتعاقدين لا يملك تفريق الصفقة على الآخر في الإتمام. وأمَّا وجهُ قول أبي يوسف: إذا كان العيبُ بفعل البائع - وهو قول أبي

стр. 1475

حنيفة - إن امتنع الردُّ بالعيب؛ ثبت من طريق الحكم، ألا ترى أنَّه إذا كان بفعل أجنبي يمنع، وهذا موجود في فعل البائع؛ ولأنَّ الشيء قد خرجَ من ملكِ البائع، فإذا سُلِّم إلى المشتري فليسَ له في هذه العين يد ولا ملك، فصَارَ كالأجنبي، والأجنبيُّ لو جنى على المبيع سقط الخيارُ، كذلك هاهنا. وجهُ قول محمد: أنَّ البائع إنما شرط للمُشتري الخيار [لكي] (١) يقف تمام العقد على رضاه، فإذا جنى البائع [على المبيع فإما يريد] (٢) إلزامه وذلك بغير رضاه، وهذا ضدّ ما شرطه، وليس هذا الفعل (٣) للأجنبي؛ لأنَّه حدث هناك نقصٌ مضمون على المشتري في منع الردِّ على البائع؛ لأنَّه لم يرض بعود المبيع إليه بعيبٍ، فإذا كان العيبُ بفعله، فقد رضيَ [به] فلا يمنع الرد، إذا ثبت هذا، قال أبو يوسف: قد لزم المشتري البيع، ويرجع على البائع بالأرش؛ وذلك لأنَّ البيع [قد] تمَّ فيه بأوَّل جزءٍ من النقص، فصارت جناية البائع على ملك غيره، ولزمه أرشها، كالأجنبي إذا جنى. ١٣١٠ - فَصْل: [إصابة العيب في يد البائع والخيار له] فإن أصاب المبيعَ ذلك في يد البائع، والخيار للبائع، فهو على خياره، إلا أن يكون ذلك بفعله، فينتقض البيع، فأمَّا [إذا كان بغير] فعله، فهو على اختياره؛ وذلك لأنَّ حدوث العيب لا يمنع من نقل الملك، واختيار البائع الإجازة نقل للملك، فلا يمنعه العيب؛ إلا أنَّه متى اختار الإجازة، فالمشتري بالخيار: إن

стр. 1476

شاء رضي به، وإن شاء لم يرض؛ لأنَّه دخل في العقد ليسلم له مبيع صحيح، فإذا لحقه عيبٌ لم يرض به فقد ثبت له الخيار، كما لو حدث في يد البائع، والمبيع بتات (١). ١٣١١ - فَصْل: [حدوث العيب في يد المشتري] فإن حدث في يد المشتري عيبٌ يجوز ارتفاعه كالمرض، فهو على اختياره، وليس له أن يفسخ إلّا أن يرتفع العيب في الثلاثة وإن مضت الثلاثة قبل ارتفاعه جاز البيع؛ وذلك لأنَّ العيب إذا زال ارتفع النقص، وصار كأن لم يكن، وما يمنع الفسخ إذا كانَ مراعىً فالفسخ مراعىً، فإنْ زال في الثلاثة فكأنَّه لم يكن، فيثبت للمشتري الفسخ، فإن لم يزل لم يجز ردّ المبيع بعيب لم يكن في يد البائع، فلما مضت الثلاثة [فات] (٢) الفسخ، بمضي زمانه، فجاز البيع. ١٣١٢ - فَصْل: [الخيار في حال استعمال الدابة] ولو ركب المشتري الدابَّة لينظر إلى سيرها وقوَّتها فهو على خياره، وكذلك لبس الثوب ينظر إلى مقداره؛ لأنَّ الخيار إنما يشترط لهذا، فَفِعْله لا [يبطل الخيار] (٣). وإن ركبها لحاجةٍ أو سفرٍ، أو حَمَل عليها حملًا، فهذا رضًا منه؛ لأنَّ هذا تصرُّفٌ في المبيع لا يشترط الخيارُ لأجله. وإن قصَّ حوافر الدابّة أو أخذ من عرفها، فليس برضا؛ وذلك لأنَّ هذا

стр. 1477

يُلحق بتبقيتها ضرر، فإزالتها كعلفها. ولو ودجها (١) أو بزغها (٢) فهو رضًا؛ لأنَّه نقصٌ [فيها]، وإتلاف جزء من أجزائها. وإن حَمَل عليها علفًا [لها]، قال أبو يوسف في الإملاء: هذا رضًا؛ لأنَّه يمكن حمل العلف على غيرها، فصار حمله كحمل غيره (٣). ١٣١٣ - فَصْل: [ما يدل عليه حلب الشاة من الرضا] [قال]: فإن كانت شاةً فحلبها، وشربَ لبنها، قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: هذا رضًا، قال هشام، عن أبي يوسف مثله، قال: وقياس قول أبي حنيفة: إذا حلب اللبن ولم يشربه لم يكن له أن يردَّها، قال هشام: قلت لأبي يوسف: ما تقول أنت؟ فلم يجبني، وأظنني سمعته يقول: إنَّه رضًا، قال هشام: قال محمد: إذا حلبها انقطع خياره؛ وذلك أن الحلب [نماء] انفصل منها لم يقع عليه العقد، وما لم يقع عليه العقد لا يقع عليه الفسخ، ولا يجوزُ الفسخ فيها دونَ النماء المتولد من عينها، فسقط الفسخ. ١٣١٤ - فَصْل: [التصرفات الدالة على الرضا] فإن سكن المشتري الدار، أو أسكنها رجلًا بأجر، [أو بغير أجرٍ]، أو رَمَّ منها

стр. 1478

شيئًا، أو أحدث فيها بناءً أو تجصيصًا أو طينًا أو هدم منها شيئًا، فإن هذا إمضاءٌ للبيع؛ لأنَّه تصرُّف يُستدلُّ به على الرضا، وكذلك إن أسقط منها حائطًا؛ لأنَّه نقص في المعقود عليه. ولو كان فيها ساكنًا بأجر فباعها البائع برضاه، وشرط للمشتري الخيار، فتركه المشتري فيها [واستاد المشتري] الغَلَّة، فهذا رضًا؛ لأنَّ أخذ العوض عن المنافع دلالة على الرضا بالمبيع. وإن كان في الأرض حرث، فسقاه أو حَصده أو فصل منها شيئًا على دوابه، فهذا رضًا؛ لأنَّ سقي الزرع تصرُّفٌ يدل على الاختيار، وقطعه نقص في المعقود عليه، ولو سقى من نهرها دوابه أو شربَ منه، فليسَ برضًا؛ لأنَّ استباحة ذلك لا يقف على الملك، ألا ترى أن المالك لا يملك المنع منه، فلم يكن تصرُّفًا مستفادًا بالبيع، [فلم يكن إجازة للبيع] (١). ولو اشترى رحًا فطحنَ فيها البائع والخيارُ له، فهذا نقض؛ لأنَّه تصرَّف في المعقود عليه، فإن كان الخيارُ للمشتري فطحن فيها، فليس برضًا؛ لأنَّ المشتري إنما يطحن ليعرف مقدار طحنها، وهذا مما يُشترط الخيار لأجله، فإن طحن زيادة على ما يعرف به الطحن بزيادة الماء وقلته فهو رضًا؛ لأنه تصرف لا يشترط لأجله الخيار. ١٣١٥ - فَصْل: [ركوب المشتري الدابة وسقيها أثناء الخيار] ولو ركب المشتري الدابة ليسقيها أو يردُّها على البائع، فالقياس أن يكون

стр. 1479

رضًا؛ لأنَّه كان يقدر على قودها، والاستحسان أنَّه ليسَ برضًا؛ لأنَّ الدواب قد تستصعبُ، فلا يمكن تسييرها إلا بالركوب، والسقي مما يتوصل به إلى الرد، ألا ترى أنَّه لو لم يسقها لعطشت ولحقها عيب يمنع من الردِّ، فصارَ ذلك كعلفها، فلا يكون اختيارًا. ١٣١٦ - فَصْل: [المعاني المانعة من تمام الصفقة] قال: وإذا فات بعضُ المبيع في يَدِ المشتري؛ جَاز البيع وسواء كان شيئًا واحدًا أو أشياء كثيرة من الدواب والدقيق والثياب، إذا هلك أحد هذه الأشياء، أو ذهب بعضهُ [تمَّ البيعُ] (١) على المشتري إذا كان الخيار له، ولم يكن له أن يفسخ [البيع] في بعض المبيع دون بعضٍ، وكذلك إن لم يهلك شيء فأراد أن يجيز في بعض دون بعض، وكذلك لو كان الخيار للبائع، فليس له أن يجيز في بعض دون بعض، سواء كان المبيع مقبوضًا أو غيرَ مقبوضٍ، إلا أن يرضى المشتري، وهذا على ما قدمنا أن كل واحد من المتعاقدين لا يملك تفريق الصفقة على الآخر في الإتمام. فالمعاني المانعة في تمام الصفقة ثلاثة: خيار الشرط، وذلك لأنه يمنع المِلك على ما قدمنا، ويستحيل أن تتم الصفقة مع عدم الملك. والثاني: عدم القبض؛ لأنَّه بالقبض يملك به التصرُّف، كما يملك العينَ بالعقد، فوقف تمام الصفقة عليه. والثالث: خيارُ الرُّؤية؛ لأنَّه ثبت لجهالة صفة المبيع، وجهالة نفس المبيع

стр. 1480

تمنع انعقاد العقد، فجهالة صفته تمنع من تمام الصفقة، فإذا ثبت أن الصفقة لم تتم في خيار الشرط؛ لم يجز لأحدهما أن يفسخ في البعض ويجيزَ في البعض؛ لأنَّ في ذلك تفريق الصفقة على صاحبه في الإتمام، إلا أن يرضى؛ لأنَّا [إنَّما] منعنا من تفريق الصفقة لحقِّه، ألا ترى أنَّه دخل في العقد ليسلم له الجملة، فإذا رضيَ بتفريقها جَاز ذلك عليه. ١٣١٧ - فَصْل: [هلاك بعض المبيع في يد المشتري والخيار للبائع] وقد قال أبو يوسف: في الخيار إذا كان للبائع وقبض المشتري المبيع، فهلك بَعضه أو استهلكه مستهلك، فللبائع أن يجيز البيع، وهذا قياسُ قول أبي حنيفة. وروى ابن سماعة، عن محمد، قال: إذا كان ممَّا يتفاوت فهلك واحد منه انتقض البيع، وليسَ للبائع أن يجيز في الباقي، وإن كان مكيلًا أو موزونًا أو مَعدودًا غير متفاوت، فهلك بعضه، فللبائع أن يلزمه البيع فيما بقي. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ ما هلك من المبيع مضمونٌ على المشتري، والإجازة تستندُ إلى العقد، فكأنَّه كان عقدًا باتًا، فهلك بعضهُ قبل البعض على وجه تجب قيمته، [مثل أن يتلفه أجنبي] فلا يفسخ البيع فيه. وأمَّا محمد فيقول: إن خيار البائع يمنعُ الملك، وهو بالإجازة يبتدئ التمليك، فيستحيل أن يُمَلِّكه بالعقد ما قد هلك، فبقي أن يملكه الباقي، فإن كان مما يتفاوت؛ فحصَّته [من الثمن] مجهولة، فلا يجوز كما لو ابتدأ بيعه بحصَّته، وإن كان غير متفاوت فحصَّته من الثمن معلومةٌ، فيجوز الإجازة فيه، كما لو باعه ابتداءً. وقد روى بشر، عن أبي يوسف، قال: إذا هلك أحد العبدين في يد البائع؛

стр. 1481

لم يكن له أن يُلزم المشتري الباقي، إلا أن يرضى المشتري، وهذا صحيحٌ؛ لأنَّ الهالك غير مضمون على المشتري، والإجازة في الباقي تفريق الصفقة، فلا يجوز إلا برضا المشتري. وليس كذلك إذا هَلَك في يَدِ المشتري؛ لأنَّه من ضمانه، فالإجازة تقع فيهما جميعًا. ١٣١٨ - فَصْل: [حدوث العيب في يد المشتري والخيار للبائع] وإن كان المبيعُ شيئًا واحدًا، فدخله عيبٌ في يد المشتري والخيار للبائع، فللبائع أن يلزمه البيعَ فيه، ولا خيار للمُشتري لأجل العيب؛ وذلك لأنَّ العيبَ [حدث في] (١) ضمانه، فحدوثه لا يمنع الإجازة، وللبائع أن يفسخ البيع ويضمِّن المشتري ما نقص؛ لأنَّ العيب لا يمنع الفسخ، وقد كانت العينُ مضمونةً على المشتري بالقبض، فيضمن ما نقص منها [كالمغصوب في يد الغاصب]. ١٣١٩ - فَصْل: [استهلاك المبيع في يد المشتري] فإن استهلك مستهلكٌ المبيعَ في يد المشتري وأخذ قيمته، فللبائع أن يلزمهُ البيعَ ويأخذ الثمن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو يوسف بعد ذلك: ليس للبائع إلزامه إلَّا أن يَرضى المُشتري. وجهُ قول أبي حنيفة: أن الجناية حَصلت والمبيع في ضمان المشتري، وقد قامت القيمة مقام العين، فإذا أجاز البائع استندت الإجازة إلى حال العقد، فكأنَّه كانَ عقدًا جائزًا، قبضَ المشتري المبيعَ منه فاستهلكه في يده، وأمَّا أبو يوسف

стр. 1482

فيقول: التمليك يتعلَّق بالإجازة، وإن استند إلى حال العقد، فيعتبر فيه الطرفان، وقد تغيرت صفة المبيع، فكان للمشتري الخيار كما لو تصرف قبل القبضِ. ١٣٢٠ - فَصْل: [وقوع نِتاج الشجر في يد المشتري والخيار له] قال أبو الحسن: وإذا كان المبيع [شجرًا] (١) أو نخلًا، أو كَرْمًا، فقبضه المشتري وله الخيار؛ فأثمرَ في يده، جَاز البيع عليه وبطل خياره، وكذلك إذا كانَ المبيعُ شيئًا من الحيوان، فولدت في يد المشتري، وكذلك اللبن إن حلبه أو جزَّ الصُّوفَ، استهلكه أو لم يستهلكه؛ وذلك لأنَّ هذه الزيادة لم يقع عليها العقدُ، فلا يجوزُ أن يقع عليها فسخ، وإذا تعذر الفسخ تم البيع. قال أبو الحسن: فأما ما لم يزل [من ذلك] عن المبيع [ولم يباينه] مما لا يجوز بيعه منفردًا، أو عما هو متعلِّق به، فالخيار قائم، فإن كان حدث في يد المشتري؛ ففي هذا اختلاف رواية بيَّناها في الجامع الكبير، وهذا الذي ذكره في الزيادة المتصلة [إذا حدثت في يد المشتري ظاهر على قول محمد؛ لأن من مذهبه أن الزيادة المتصلة] لا تمنع الرد بالعيب، ولا تمنع الفسخ في المهر بالطلاق، فكذلك لا تمنع الفسخ بخيار الشرط. فأمَّا على قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ فمن أصلهما أن الزيادة المتصلة كالمنفصلة في منع الفسخ بخيار العيب، والفسخ في المهر، فكذلك في الفسخ بخيار الشرط، وهذا ظاهر على قولهما.

стр. 1483

١٣٢١ - فَصْل: [العصير يصير خمرًا قبل القبض] ذكر محمد في الأصل: فيمن اشترى عصيرًا فصار خمرًا قبل القبض: أنَّ البيع باطل، وهو قول محمد. وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنَّ البيع بحاله، وكان أبو الحسن يقول معنى قوله في الأصل: البيعُ باطل، أي: للمشتري أن يبطله. وجهُ قولهما: أنَّه لم يطرأ على العقد ما يُوجبُ تحريم مثله، ألا ترى أنَّه كان عقدًا على العصير، ومثل ذلك العقد جائز، وإنما تغيرت صفة المعقود عليه، وهذا يثبت الخيار. وجهُ قول محمد - وهو ظاهرُ الأصل -: أن تقابض المسلم الخمر لا يجوز؛ لأنَّ القبض يملك به التصرُّف، والمسلم لا يجوز له تمليك الخمر، ولا تملكها، وكذلك لا يجوز له تملُّك التصرُّف فيها. فأمَّا الذي تأوَّل أبو الحسن عليه ما في الأصل؛ فهو غير ظاهر، وقد استدلَّ عليه باستشهاد محمد في الأصل، وهو أنَّه قال: لو صارت خلًّا قبل الفسخ، كان للمشتري أن يأخذها. قال أبو الحسن: فلو كان العقد قد بطل، لم يملك المشتري أخذها، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يمتنع أن يفسدَ العقد لمعنى ويصحَّ بزواله، كما قالوا في الشروط الملحقةِ. ١٣٢٢ - فَصْل: [العصير يصير خمرًا بعد قبض المشتري والخيار له] وقد قال أبو يوسف: فيمن اشترى عصيرًا وقبضه والمشتري بالخيار، فصار

стр. 1484

خمرًا قبل مضي الثلاثة، فقد لزم [البيع، وعليه الثمن؛ وذلك لأن هذا عيب] حصل بالمبيع في مدَّة الخيار، فسقط [الخيار] (١). ولو كان الخيار للبائع، فروى بشر عن أبي يوسف: أنَّ البائع على خياره، فإن سكت حتَّى يمضي وقت الخيار جَاز البيعُ على المشتري، قال بشر: وقال بعد ذلك: قد انتقضَ البيعُ، وعلى المشتري عصيرٌ مثل [عصيره] (٢). وجهُ [قوله] (٣) الأوَّل: أنَّ الخيارَ إذا كان للبائع، فحدوث العيب لا يمنع البائع خياره، ومن أصله: أن تغيُّر العصير لا يُفسد البيع، [وإنما يجري مجرى العيب] فبقي خياره بحاله. وجهُ الرواية الثانية: أنَّ المبيع على [ملك البائع] (٤)، وإنما ينتقل الملك فيه بالإجازة، ولا يجوز للمسلم نقل الملك في الخَمر. ١٣٢٣ - فَصْل: [العصير يصير خمرًا في يد المشتري والخيار للبائع] ولو كانَ الخيارُ للبائع فصار خمرًا في يد المشتري، فلم يختصما حتى صارت خلًّا، فاختار البائع أن يُلزم البيع، ورضي [به] المشتري فله ذلك، والمشهور عنهم: أنَّه لا يحتاج إلى رضا المشتري؛ وذلك لأنَّ تغيُّر العصير إلى الخمر لم يُبطل العقد على ما قدمنا، فإذا صار خلًّا جاز نقل المِلك فيه على الروايتين عن أبي يوسف، ولا يحتاج إلى رضا المشتري؛ لأنَّ العيبَ حدث

стр. 1485

والمبيع في ضمانه، فلا تقف على رضاه الإجازة. ١٣٢٤ - فَصْل: [ذميان تبايعا خمرًا ثم أسلم المشتري قبل القبض] قال ولو تبايع الذِّمِّيَّان خمرًا على أن المشتري بالخيار، فأسلم المشتري، [أو أسلما] قبل أن يختار، وقد قبضَ الخمر، بطل البيع في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجوز البيعُ. وجهُ قول أبي حنيفة: أنَّ خيارَ الشرطِ يمنع تمامَ الصفقة كعدم القبض، ولو تبايع الذمِّيَّان خمرًا ثم أسلما قبل قبضها، بطل البيعُ فكذلك إذا أسلما مع الخيار. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ الخمرَ في ملك المشتري، على أصله أنَّ خيار المشتري لا يمنع انتقال الملك إليه، وبالفسخ ينتقل المبيع إلى البائع، فلا يجوز له النقل بعد الإسلام، وإذا تعذَّر الفسخ تمَّ البيع. ١٣٢٥ - فَصْل: [الخيار للبائع فأسلم] ولو كانَ الخيار للبائع فأسلما، أو أسلم البائع، كان البيع باطلًا؛ وذلك لأن الخمر على ملك البائع، وبالإجازة ينقلها من ملكه، والمسلم لا يجوز له نقل الملك في الخمر. ولو لم يسلم البائعُ وأسلم المشتري لم يبطل البيعُ؛ لأنَّ العقدَ إذا كان الخيارُ فيه للبائع فقد تمَّ من جهةِ المشتري بدلالة أنَّه لا يملك فسخَه، وإنما يقف تمامهُ على فعل البائع، والبائعُ ذمِّيٌّ يصحُّ فعله للتملك في الخمر، فينتقل بإجازته، ويصيرُ المشتري كالمالك لها قبل الإسلام (١).

стр. 1486

١٣٢٦ - فَصْل: [إسلام الذي له الخيار قبل التقابض] ولو لم يتقابضا، فأسلم الذي له الخيارُ بطل البيع؛ وذلك لأنَّ البيع لو كان باتًا فأسلما بطل؛ لأنَّه طرأ على العقد قبل القبض مَا يُوجبُ تحريم مثل ذلك العقد، فإذا كان فيه خيارٌ أولى.

стр. 1487

بَابْ: الرجل يبيع على غيره ويشترط الخيار قال أبو الحسن: وإذا باع الأبُ، أو الوصيُّ، أو المضاربُ، أو الشريك شركة عنان، أو مفاوضة (١)، أو وكيل ببيع أو شراء، فمن شرط من هؤلاء الخيارَ لنفسه أو للّذي عاقده، فهو جَائزٌ، والحكم فيما بين المتعاقدين في جميع ذلك مثل ما قدَّمته من أمر البائع لنفسه أو شرائه لنفسه، سواء فيما لا يجوز وفيما ينتقض، لا يختلفان في شيءٍ من ذلك ما دامت ولايته التي جاز بها بيعه وشراؤه على غيره قائمة. وأمَّا جوازُ شرط الأب والوصي الخيار؛ فلأنَّهما يتصرَّفان على الصغير من طريق الاحتياط، وقد يكون شرط الخيار أحوط، فجاز شرطُهما. وأمَّا من سواهم ممَّن ذكره فيتصرَّف بالأمر، والأمر عامٌّ في البيع المشروط فيه الخيار والمطلق، فجازا جميعًا. وأما قوله: إنهما فيه كالعاقدين لأنفسهما، يعني في الإجازة والفسخ؛ لأنَّهما من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلَّق بالعاقدين.

стр. 1488

وأمَّا قوله: ما دامت ولايتُه التي بها ملك العقد باقية، فإنَّما احترز بها عن مسألة ولم يذكرها، ونحن نذكرها: وهي إذا باع الوصيُّ أو الأب (١)، أو اشتريا للصغير وشرطا الخيار، فبلغ الصبي في مدَّة الخيار، فروى محمدُ عَن أبي يوسف في الزيادات: أن البيع قد تمَّ، وبطل الخيار، وقال محمد: ليسَ للوصيِّ أن يخير، وقد انتقلت الإجازة إلى الصبيِّ، وللوصيِّ أن يفسخ. وروى أبو سليمان عنه: أنَّ البيع لا يجوزُ بمضيِّ وقتِ الخيار، حتَّى يجيزه الصبيُّ، وروى ابن سماعة، عن محمد: أن وقت الخيار إذا مضى بعد بلوغ اليتيم أو قبل ذلك جَاز البيع. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ الصبي لما بلغ بطل تصرُّف الوصي عليه، ومن شرط له [الخيار] إذا بطل تصرُّفه سقط خياره، فلم يجز أن ينتقل إلى غيره، كما لو مات المشتري لم ينتقل الخيارُ إلى ورثته. وجهُ قول محمد: أنَّ الوصيَّ يتصرَّفُ للصغير، والخيار ثبت لحقِّه، وإنما كان لا يملك التصرُّفَ فيه لصِغَرِه، فإذا بلغ قَدِر على التصرف، فلم يجز للوصيِّ أن يلزمه بعد بلوغه شيئًا بغير رضاه. وأمَّا الفسخ فقد ملكه الوصي بالعقد، وليسَ فيه إلزام حق للصغير، فبقي ملكه فيه، كما كان قبل بلوغه. واختلفت الرواية عنه في مضي مدَّة الخيار، فقال في إحدى الروايتين: لما مضت المدَّة لزم البيع الصبي حكمًا؛ لاستحالة بقاء الخيار بعد المدَّة، وإذا لزمه

стр. 1489

بعقد (١) كان من الوصي قبل البلوغ فنفذ عليه. وقال في الرواية الأخرى: طريان البلوغ في مدَّة الخيار يصيرُ كالموجودِ في الابتداء، ومَن باعَ ملك البائع بغير أمره وشرط الخيار لنفسه فله أن يفسخ، ولا يلزم العقد المالك إلا بإجازته وإن مضت مدَّة الخيار. ١٣٢٧ - فَصْل: [بيع المكاتب وشرط الخيار لنفسه] ونظير هذه المسألة إذا باع المكاتب وشرط الخيار لنفسه، فعجز في الثلاثة؛ تمَّ البيع في قولهم جميعًا؛ وذلك لأنَّ عجز المكاتب سكوته؛ بدلالة أنَّه يؤثر في بُطلان التصرُّف وانتقال الاكتساب إلى غيره، وموت من له الخيار يُبطل الخيار [كذلك هذا]. ١٣٢٨ - فَصْل: [بيع المأذون وشرط الخيار له] ونظير هذا: إذا باع المأذون وشرط الخيارَ، فحجرَ المولى عليه في الثلاثة، بطل الخيار في قول أبي يوسف، وإحدى الروايتين عن محمد، وروى أصحابُ الإملاء، عن محمد: أنَّ الحَجْرَ لا يُبطل الخيارَ والخيار للمولى، إلَّا أنَّه لا يملك الإجازة إن كان على العبد دينٌ حتَّى يقضيه، وروي عنه [أنه قال]: إنَّ الخيارَ للعبدِ قائم كأنَّه لم يحجر عليه. وجهُ قول أبي يوسف: أنَّ الحجرَ على المأذون يُبطل تصرُّفه، [فصار] كعجز المكاتب، وكموت الحر. وجهُ قول محمد: أنَّ المأذون ينتقلُ ما يتصرَّفُ فيه إلى المولى وما يبيعه فهو

стр. 1490

ملك المولى، فصار كالوكيل إذا عزل، فلا يبطل خياره، ولهذا جُعل الخيار له في إحدى الروايتين؛ لأنَّه ملك ذلك بالعقد، فالحجر لا يُؤثِّر فيه، كما لا يؤثِّر عزل الوكيل، ونقل الإجازة في الرواية الأخرى إلى المولى؛ لأنَّ المولى أقامه مقامهُ في حقوقه حكمًا، فكأنَّه وكَّله بالخيار. قال أبو الحسن: وهذا الاختلاف عن محمد إذا حُقق لم يعد إلى الخلاف؛ لأنَّه قال في إحدى الروايتين: خياره قائم، يعني في الفسخ، وقال في الرواية الأخرى: لا تجوز [الإجازة] (١)، فقد اتَّفقت الروايتان: أنه لا يملك الإجازة ويملك الفسخَ (٢). وقالوا (٣) في الأب والوصي: إذا اشتريا للصغير شيئًا بدين في الذمَّة وشرطا الخيارَ، ثم بلغ الصبيُّ، فأجاز الأب والوصي؛ جاز العقد عليهما، والصبيُّ بالخيار: فإن أجاز العقد لزمه، وإن فسخه لزم العقد الأب والوصي؛ وذلك لأنَّهما لا يملكان الإجازة على الصبي بعد البلوغ كما بيَّنا، فإذا أجاز وهما يملكان الإجازة في حقِّهما، فإن فسخ الصبيُّ لم يبق إلّا حق البائع وحقُّ الوصي، وقد أجاز الوصي؛ فيلزمه الشراء في نفسه، فإن أجاز الصبي تَمّ البيع عليه بعقد الوصي، وكان الثمن عليه. ١٣٢٩ - فَصْل: [شراء الرجل العبد وشرط الخيار لغيره] قال أبو الحسن: وإذا اشترى الرجل عبدًا وشرط الخيار لغيره، فالخيار

стр. 1491

للمشتري والمشروط له جميعًا بمنزلة الوكيل للمشتري. وقال الشافعي: إذا شرط المشتري الخيارَ لغيره على وجه التوكيل في الفسخ والإمضاء جَاز، ولو شرط لا على وَجهِ التوكيل، ففيه قولان (١). والدليل على ذلك: أن هذا الخيار مشروط في العقد، فهو من حقوق العقد، وحقوق العقد تثبت للعاقد، فلما شرط لغيره، ثبت له حكم العقد، فصار المشروط له قائمًا مقامه فيه. وعلى الشافعي: أنَّه علَّقَ الفسخ بفعل غيره، فصار كما لو شرطه على وجهِ التوكيل؛ ولأنَّه خيار مشروط في البيع لمن يصحُّ تصرُّفه، [فصحَّ] كالخيار المشروط للمشتري. وإذا ثبت أنَّ الخيار للمشتري والأجنبي وكيله، فأيُّهما سبق في الإجازة [أو] النقض، جاز ما صنع؛ لأن كل واحد منهما لما كان له الخيار؛ ملك به الإجازة والنقض. فإذا سبق أحدهما بالنقض والفسخ، انفسخ العقد، فأجازه الآخر [بعد ذلك]، ولا عقد [فلا يتعلق بالإجازة حكم]، وإن سبق أحدهما بالإجازة سَقط الخيار، ففسخ الآخر بعد ذلك ولا خيار، فلا يصح فسخه. وإن فسخ أحدهما وأجاز الآخر، وأوقعا [ذلك] معًا، فالفسخ أولى؛ لأنَّ الفسخ لا يلحقه الفسخ من جهة العاقدِ، والإجازةُ يلحقها الفسخ من جهته، ألا

стр. 1492

ترى أنَّه لو ظهر على عيب ردَّ المبيع به، ومتى اجتمع ما يلحقه الفسخ وما لا يلحقه الفسخ وتساويا كان ما لا يَلحقهُ الفسخ أولى. وروي عن أبي يوسف أنه قال: الإجازة أولى؛ لأنَّه إذا تساوى ما يُوجب فسخ العقد وما يوجب تصحيحه؛ كان ما يتضمَّن التصحيح أولى. ١٣٣٠ - فَصْل: [توكيل بالبيع مع اشتراط الخيار للآمر] قال أبو الحسن: وإن وكَّل رجلٌ رجلًا ببيع عبدٍ له، وأمره بأن يشترط له الخيار، فباعه المأمور ولم يشترط الخيار للآمر، فبيعه لا يجوز على الآمر، وهذا كمن باعَ عبد رجل بغير أمره؛ وذلك لأنه وكَّله بعقد لا بزوال ملكه فيه إلا برضاه، فإذا لم يشترط له الخيار؛ فقد عقد عقدًا بخلافِ ما أمره به، فلا يجوز. [قال]: فإن باع واشترط الخيار للآمر كما أمره، فليس له أن يُجيز البيع على الآمر، وللآمر أن يُجيز؛ لأنه إنما أمره بشرطِ الخيار له حتى لا يزول ملكه إلا باختياره، فإذا أجاز الوكيل [فهو يريد] نقل الملك بغير اختيار الموكِّل، فلا يصحَّ. [قال]: فإن أمرهُ أنْ يشتري له عبدًا ويشترط الخيار للآمر، فاشتراه بغير خيار، فهو لازمٌ له دون الآمر؛ وذلك لأن الوكيل خالفَ [المولى] (١) فيما أمره به، فيصير مشتريًا لنفسه، كما لو ابتدأ الشراء بغير أمره (٢).

стр. 1493

بَابْ: الرجل يشتري شيئين على أنه بالخيار في أحدهما قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا اشترى الرجل ثوبين أو عبدين على أنَّه بالخيار في أحدهما: فيأخذ أيّهما شاء بثمنٍ معلومٍ، ويردُّ الآخر، فهو جائز استحسانًا في ثوبين وثلاثة، ولا يجوز في أكثر من ذلك، أربعة وما زاده. وقال الشافعي: البيعُ باطل، وهو القياسُ (١). ووجههُ: أنَّ البيع مجهول، وجهالة المبيع يمنع صحَّة العقد، كما لو باع ثوبًا من أربعة أثواب، وكما لو باع ثوبًا من ثوبين بغير خيار. وجه الاستحسان: أنَّ هذه جهالة لا ترتفع في الثاني بفعل أحد المتعاقدين، فصَارَ كبيع قفيزٍ من صُبْرة. وعلى الشافعي: أن كلَّ جملة جاز البيعُ عليها؛ جاز البيعُ على بعضها غير معين كالصُبرة، وكما لو اختلط عبده بعبد غيره، فباع من صاحب العبد الآخر. ١٣٣١ - فَصْل: [العقد بشرط الخيار وعدم اشتراط المدة] ولا بدَّ في هذا العقد من الخيار؛ لأنَّ الخيار متى لم يشرط ثبتت الجهالة، ألا ترى أنَّه ليس للمشتري اختيار أحد العبدين، وإلا للبائع أن يُعيّن في الآخر، فإذا شرط الخيار تعيَّن المبيعُ بفعل أحدهما، فقلَّت الجهالة، فجاز.

стр. 1494

وقد ذكر في الأصل: جواز العقدِ إذا شرط الخيارَ ولم يشترط فيه مدَّةً معلومةً (١)، وذكره أبو الحسن: أنَّه لا بدَّ من خيار معلوم، وكذلك حكاه الطحاوي عن محمد، وكان ابن شجاع يقول: لا تحتاج إلى توقيت الخيار على ظاهر الأصل، والصحيح ما ذكره أبو الحسن؛ لأنه خيار مشروط، والخيار المشروط لا يجوز غير مؤقَّت، كما لو شرط في عبد واحد. ووجهُ ما قاله ابن شجاع: أنَّ عدد الثياب جعل عوضًا عن عدد الأيام؛ ولذلك جوَّزوا في ثلاثة أثواب، ولم يجوِّزوا في الأربعة، فإذا قام [ذلك] مقام المدَّة، لم يحتج إلى ذكر المدَّة. وإنما قلنا: إنَّه لا يجوز في أكثر من ثلاثة أثواب؛ لأنَّ الجهالة تكثر في الأربعة، ألا ترى أنَّه لا بدَّ فيها من ثوبين على صفة واحدة، فيحتاج إلى اختيار الجيدين من الرديء والوسط، ثم اختيار أحد الجيِّدين، فتكثر الجهالة [فيه]، فلا يصحّ العقد. وليس كذلك الثلاثة؛ لأن فيها جيِّدًا ووسطًا ورديئًا، فهو لا يحتاج إلى أكثر من اختيار واحد، فتقِلّ الجهالة، فيجوز. قال أبو الحسن (٢): وإذا وقع البيعُ على هذا، فقبض المشتري، فأحدهما مِلك للمشتري مضمون عليه بالثمن، والآخر في ملك البائع أمانة في يد المشتري؛ وذلك لأنَّ أحدهما مبيع، والمشتري إذا قبض المبيعَ كان مضمونًا عليه، والآخر ليس بمبيع، وقد أخذه بإذن مالكه لا على طريق البدل والوثيقة،

стр. 1495

فكان أمانةً كالوديعة. ١٣٣٢ - فَصْل: [تصرف المشتري تصرفًا يدل على الرضا] قال أبو الحسن: وإن تصرَّف المشتري في أحدهما مما ذكرت لك أنه يُبطل الخيار، أو حدث ما يوجب البيع [فيه من] سائر ما ذكرت لك، وذلك في عبدٍ منهما بعينه، فقد لزمَ المشتري بما سمَّى له من الثمن، ويردُّ الآخر على البائع، وذلك لما بيَّنا أنَّه مقبوضٌ بشرطِ الخيار، والمشتري إذا تصرَّف تصرُّفًا يدل على الرِّضا؛ فإنَّ ذلك اختيارًا للمبيع، فيتعيَّن به المبيع. وكذلك إذا حدث بأحدهما عيبٌ؛ لأنه يملك الفسخ فيه مع العيب، وإذا سقط الفسخ تعيَّن المبيعُ. ١٣٣٣ - فَصْل: [تصرف المشتري في أحد المبيعين] قال أبو الحسن: وإن حدث ذلك بالعبدين معًا أو تصرَّف المشتري فيهما جميعًا وهما حيَّان، فهو على خياره، فإذا اختار أحدهما لزمهُ ثمنه وبطل ما تصرَّف به في الآخر، وإن كان الحادث نقصًا في بدن، ردَّ الذي لم يختر منهما (١). وكان القياس: أن يردَّ معهُ نصف أرش النقصان، والاستحسان: أن لا يردَّ؛ وذلك لأن المعنى المُسقط للخيار يتعيَّن به المبيع في مسألتنا، فإذا وقع فيهما معًا لم (٢) يمكن التعيين به، فصار وجوده وعدمه سواء، فإذا كانا [باقيين] (٣) فله أن

стр. 1496

يختار بعد ذلك، فإذا اختار أحدهما وقد كان باعهما؛ بطل بيعه في الآخر؛ لأن البيعَ تعيَّن في الذي اختاره، وصار الآخر وديعةً في يده، فلا يجوز بيعُه فيه. وأما إذا حدث بهما عيبٌ بغير فعله معًا، ثم اختار أَحدهما وقد كان باعهما، بطل بيعه في الآخر؛ لأن البيع تعين في الذي اختاره، وصار الآخر وديعة في يده، فلا يجوز بيعه فيه. وأما إذا حدث بهما عيب بغير فعله معًا، ثم اختار أحدهما وردَّ الآخر، فالقياس: أن يردَّ معه نصف الأرش؛ لأنَّ العيب حدث قبل أن يتعيَّن المبيع، ويجوز أن يكون كل واحدٍ منهما هو المبيعُ، [فيكون مضمونًا]، ويجوز أن يكون هو الأمانة [فلا يضمن] فإذا لزمه الضمان في حال ولا يلزمه في حال، لزمه نصفه. وجه الاستحسان: أنَّه لما اختار أحدهما تعيَّنَ البيعُ فيه، وتعيَّنت الأمانة في الآخر، فكأنه لم يزل وديعة، فلا يضمنُ شيئًا من [نقصه] (١). ١٣٣٤ - فَصْل: [ما يلزم إذا مات العبدين معًا] قال أبو الحسن: وإن ماتا معًا، لزمه نصف ثمن كل واحد منهما؛ وذلك لأنَّ كل واحد منهما يجوز أن يكون هو المبيع، فيلزمه ثمنُه، ويجوز أن يكون هو الأمانة، فلا يلزمه بهلاكه شيء، وهو مع ذلك مخالف وذلك معًا، فثبت نصف كل واحد من الثمنين، ويسقط النصف الآخر على أصلنا في اعتبار الأحوال.

стр. 1497

١٣٣٥ - فَصْل: [توريث خيار الشرط] قال أبو الحسن: وإن مات المشتري في الثلاثة، فقد لزم المشتري أحدهما بغير عينه، ويقال للورثة خذوا أيهما شئتم، وليس خيار [الورثة] (١) هو الخيار الذي شرط المشتري؛ لأن ذلك خيار لا يورث (٢). والأصل في هذا: أن خيارَ الشرط لا يُورَث عندنا، فلما مات المشتري سقط، خياره، فلزمه أحدُ العبدين، إلا أن الثمن مستحق من مال الورثة، وهو غير معيّن، ومَن لزمه حقٌّ غيرُ معين [كان] (٣) التعيينُ إليه، فهذا الخيارُ هو في تعيين الضمان لا في اختيار المبيع. والذي يدل أنَّ هذا [الخيار] خيار مبتدأ عن الأول: أن المشتري كان له أن يختار أحدهما أو يردهما جميعًا، والورثة ليس لهم أن يردّوهما، ودليل آخر: وهو أن خيار المشتري كان مؤقتًا، والورثة يثبت لهم الخيار غير مؤقت. ١٣٣٦ - فَصْل: [قطع الخيار في البيع الفاسد] قال أبو الحسن: فإن كان [البيع] (٤) فاسدًا، وقد شرط الخيار في أحدهما، فقبضهما، فأحدهما مضمون عليه بقيمته، والآخر في يده أمانة، وإذا تصرَّف المشتري في أحدهما أو تلف في يده، فعليه قيمته، وما يقطع خياره في البيع الصحيح من هذا، فهو يقطع خياره في الفاسد، ويَصير هو المضمون عليه بالقيمة،

стр. 1498

غير أن للبائع أن يفسخ [البيعَ] (١) وإن كان خيار المشتري قد انقطع أو لم ينقطع. وإن ماتا (٢) ضمن نصف قيمة كل واحد منهما، [والأصل في هذا: أن البيع الفاسد إذا قبض تعلق به الاستحقاق عندنا، فصار الفاسد في هذا كالصحيح، وإنما اختلفا في ثبوت الفسخ للبائع؛ لأن الفاسد يثبت فيه الفسخ لكل واحد] من المتعاقدين لحق الله تعالى، والصحيح لا يثبت الفسخ فيه إلا لمن شرط له [الخيار]. وأمَّا إذا ماتا معًا، فالقيمة في البيع الفاسد كالثمن في الصحيح، فإذا وجبَ في الصحيح نصف ثمن كل واحد، وجبَ في الفاسد نصف القيمة. ١٣٣٧ - فَصْل: [حدوث العيب في يد البائع والخيار للمشتري] قال: فإن لم يقبض العبدين في البيع الصحيح، فمات أحدهما؛ فهو بالخيار في الباقي: إن شاء أخذ بالثمن الذي سمَّى له، وإن شاء تركهُ، وإن حدث بأحدهما عيبٌ في يد البائع، فالمشتري على خياره: إن شاء أخذ أحدهما، وإن شاء ترك؛ وذلك لأن المبيع في يد البائع إذا حدث به عيب لم يبطل به خيار المشتري؛ لأنَّ ذلك ليس في ضمانه، وإنما يبطل خيار المشتري بالعيب الحادث في يده؛ لأنه مضمون عليه، فلا يملك الفسخ فيه مع العيب، وهذا لا يوجد في العيب في يد البائع. فأمَّا الهالك، فإنما يتعيَّن به المبيع إذا كان الخيار للمشتري؛ لأنه صار معيبًا

стр. 1499

قبل الهلاك، فيتعين فيه البيعُ بالعيب، والعيبُ في يد البائع لا يعين [المبيع] (١)، فلا يبطل الخيار بالهلاك. ١٣٣٨ - فَصْل: [خيار البائع مثل خيار المشتري] قال محمد: إذا كانَ الخيارُ للبائع في أن يلزم المشتري أيَّهما شاء من الثوبين بعشرة، فهو مثل خيار المشتري في القياس والاستحسان؛ وذلك لأنَّ خيار الشرط يجوز شرطه للبائع كما يجوز للمشتري، وإذا بيّنا جواز اشتراط هذا الخيار للمشتري، كذلك للبائع. ١٣٣٩ - فَصْل: [انتقال الملكية في خيار البائع] فإن هلك أحدهما فالمشتري أمين في الهالك، وللبائع أن يلزمه الباقي، وإن شاء نقض، وليس للبائع أن يلزمه الهالك؛ لأن الخيار صار في الباقي، وبطل في الهالك، فكذلك إذا مات أحدهما في يد البائع. والأصل في هذا: أنَّ خيارَ البائع يمنع من انتقال ملكه، فإذا هلك أحدُ العبدين تعيَّن البيع في الآخر، ألا ترى أنه لو لم يبطل خيار البائع [نقل الملك] (٢) في مبيع هالك، وهذا لا يصحُّ، وليسَ كذلك إذا كان الخيار للمشتري؛ لأنَّ الملك انتقل، وإجازة البيع في الهالك ليسَ بنقل للملك فيه؛ فلذلك تعيَّن فيه [البيع]. ١٣٤٠ - فَصْل: [شرط الخيار في أحد العبدين وسمى الثمن جملة] وقد قالوا فيمن اشترى عبدين وشرط الخيار في أحدهما بعينه، فإن كان

стр. 1500

سمَّى الثمن جملةً واحدةً، فالبيع فاسد؛ لأن العقد لزمه في أحدهما بثمن مجهول، فلا يصح. وإن سمَّى لكل واحد منهما ثمنًا، جاز البيع؛ لأن الثمن معلوم فيلزمه البيع في أحدهما بثمن معلوم، فيصحُّ (١).

стр. 1501

[٣٦] بَابْ: خيار الرؤية (١) قال أبو الحسن: من اشترى عينًا ولم يرها (٢)، فالبيع جائز، وله الخيار إذا رآها: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. [قال]: والأصل في هذا: أن بيع ما لم يره البائع من الأعيان وشراء ما لم يره المشتري جائز، وللمشتري الخيار إذا رآه. و [كان] هو قول أبي حنيفة الأوَّل: أن للبائع الخيار أيضًا إذا باع ما لم يره، ثم رجع فقال: لا خيار للبائع. وقال الشافعي: إذا باع ما لا يعرف جنسه، فالبيع لا يجوز قولًا واحدًا، وإن باع شيئًا سمَّاه، فالبيع جائز في أحد القولين، فكل واحد من المتبايعين بالخيار إذا لم يكن رآه، وفي القول الآخر: لا يجوز (٣). لنا: قوله ﵊: "من اشترى ما لم يره؛ فهو بالخيار إذا رآه" (٤)، ذكره محمد

стр. 1502

في المأذون؛ ولأنه عقد فلا يُعتبر في انعقاده رؤية المعقود عليه، كعقدِ النكاح؛ ولأن أحد العوضين في البيع كالثمن. وإذا ثبت جواز العقد، (ثبت الخيار للمشتري بالخبر؛ ولأن من قال بجواز العقد، أثبت الخيار)، وقد دللنا على جوازه، فثبت الخيار بالإجماع. وأمَّا وجه قوله الأوَّل في البائع (١)؛ فلأنه جاهل بصفة المعقود عليه، (كعقد النكاح عليه) (٢)، فصار كالمشتري؛ ولأنَّ كل معنى أثبت الخيارَ للمشتري، جاز أن يثبت الخيار للبائع، كالعيب والشرط. وجهُ قوله الثاني: أنَّ عثمان بن عفان ﵁ باع أرضًا بالبصرة لطلحة بن عبد الله، فقيل لطلحة: قد غُبنت، فقال: لي الخيار؛ لأنِّي اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان، فقال: لي الخيار؛ لأنِّي بعتُ ما لم أره، فحكَما بينهما جُبير بن مُطعم، فقضى بالخيار لطلحة، وهذا بحضرة الصحابة (٣) من غير خلاف؛ ولأن المشتري إنما ثبت له الخيار لتغير السلعة عمَّا يظنها، فلو أثبتنا للبائع الخيار فيها؛ لأثبتنا لزيادتها على ما ظنه، وهذا المعنى لا يُثبت الخيار. ألا ترى أن من باع عبدًا على أنه معيب فظهر صحيحًا، فلا خيار للبائع وإن وجد أكمل مما ظنه، كذلك هذا.

стр. 1503

[قال أبو الحسن: والخيار في ذلك غير مؤقت؛ وذلك لأنه يثبت من طريق الحكم كخيار العيب. وقد قالوا: إن هذا الخيار لا يورث؛ لأنه يثبت للارتياء من غير فوات جزءٍ، فهو كخيار الشرط] (١). ١٣٤١ - فَصْل: [ما يبطل خيار الرؤية] قال أبو الحسن: والخيار باقٍ ما لم يحدث ما يبطل خيار رؤيته، والذي يبطل خياره: ما يبطل خيار الشرط، غير أنه ليس له أن يجيز قبل الرؤية، وله أن يفسخ؛ وذلك لما بينا أن هذا الخيار لا يتوقت، ولا يبطله إلا رضا المشتري، أو أن يوجد منه ما يدل على الرضا، أو أن يحدث منه ما يمنع الفسخ، وإنما لم يجز له إسقاط الخيار قبل الرؤية؛ لأنه يَلزَم (٢) المبيع المجهول الصفة، وذلك ممنوع منه لحق الله تعالى. وإنما [أجاز] (٣) له الفسخ؛ لأن الخيار له ثابت فجاز له الفسخ به. ١٣٤٢ - فَصْل: [التصرف المانع من الفسخ] قال أبو الحسن: وله أن يفسخ ما لم يتصرف في المبيع تصرفًا [لا يمكن] للمشتري رفعه عن العين، أو يتصرف تصرفًا يوجب لغيره فيه حقًا، مثل الإجارة والرهن؛ فإن ذلك يلزمه البيع. أما إذا أوجب في العين ما لا يمكن رفعه، مثل العتق والتدبير، فقد تعذر

стр. 1504

الفسخ، وذلك يسقط الخيار. وكذلك إذا علق بالعين حقًا للغيرِ لا يمكن رفعه، مثل البيع والإجارة والرهن؛ لأن الفسخ قد تعذر، ألا ترى أن هذه الحقوق تمنع العاقد من التصرف في الملك، والفسخ تصرف في الملك [فيمنعه]. وقد قال مُعلى عن أبي يوسف: في المشتري إذا أوجب في العين حقًا فانتقض الحق الذي أوجب وعاد إلى ملكه، لم يعد خيار الرؤية بعد أن بطل، وهذا مثل أن يبيع فيرد عليه بقضاء أو بفك الرهن، أو بفسخ الإجارة؛ وذلك لأن [الخيار] (١) بطل بعقده فلا يعود إلا بعود مثل سببه، فأما إذا تصرف تصرفًا لا يوجب فيه حقًا مثل أن يبيع على أنه بالخيار [أو يستام] (٢) به أو يهبه ولا يقبضه: فإن كان ذلك بعدما رأى بطل خياره؛ لأنه يدل على الرضا. وإن كان [ذلك] قبل الرؤية لم يبطل خياره؛ لأن هذا الفعل ليس بأكثر من أن يصرح (٣) بإبطال الخيار، ولو قال: أبطلت خياري (٤) قبل أن يرى، لم يبطل، [فلأن لا يبطل هاهنا أولى]. ولو هلك منه شيء في يده، أو دخله عيبٌ بطل خياره؛ لأنه لا يملك رده معيبًا بعيبٍ لم يكن عند البائع، فلا يملك رد ما بقي إذا هلك بعضه؛ لأنه لا يفرق (٥) الصفقة على البائع في الإتمام، [وإذا تعذَّر الفسخ تمّ البيع].

стр. 1505

وقد قالوا: لو تصرف المشتري تصرفًا ينقص المبيعَ، وهو لا يعلم بطل خياره، مثل أن يسقيه البائع لبن الشاة، أو يلبسه الثوب وهو لا يعلم، فينتقص بلبسه؛ وذلك لأن هذا نقص حصل بفعله، وهذا [يسقط الخيار] (١) من طريق الحكم، فالعلم والجهل فيه سواء. ١٣٤٣ - فَصْل: [منع المِلك مع خيار الرؤية] قال أبو الحسن: وخيار الرؤية لا يمنع من وقوع الملك للبائع، [والمشتري] (٢)، وهو بمنزلة خيار العيب؛ وذلك لأنه خيار يثبت من طريق الحكم، فلا يمنع الملك بالعقد كخيار العيب؛ ولأنه يثبت لتغير الصفات، وعدم هذه الصفات لا يمنع من وقوع الملك، فالخيار لأجلها لا يمنع. ١٣٤٤ - فَصْل: [متى يكون الخيار للمشتري؟] قال أبو الحسن: وإذا كان المبيع عينًا بدينٍ فالخيار للمشتري دون البائع، وإذا كان عينًا بعينٍ، فلكل واحدٍ منهما الخيار فيما يملك، [إذا لم يكن رآه] (٣)، وإن كان العقد دينًا بدين ولم يملك كل واحدٍ منهما بالعقد إلا دينًا فلا خيار لواحد منهما. والأصلُ في هذا: أن كل عقدٍ يلحقه الفسخ إذا وقع على ما لم يره، وله في الفسخ فائدة فله الخيار، وإن لم يكن له في الفسخ فائدة فلا خيار له؛ لأنه لا حق في الفسخ مع عدم الفائدة فيه، فإذا باع عينًا بدينٍ فللمشتري الخيار؛ لأنه يستفيد

стр. 1506

بالفسخ فائدة: وهو سقوط الثمن عنه، وليس للبائع في الخيار فائدة؛ لأنه لو رَدَّ الدراهم لم ينفسخ العقد، وإنما يرجع بمثلها، فلم يثبت الخيار مع عدم الفائدة. فأما إذا تبايعا عينًا بعينٍ فلكلِ واحدٍ منهما في الفسخ فائدة؛ لأن العقد ينفسخ برد العين، فجاز أن يثبت الفسخ لفائدته. وأما إذا تبايعا دينًا بدينٍ فكل واحد منهما من العوضين لا ينفسخ العقد برده، وإنما يرجع بمثله، فلم يجز إثبات الخيار فيه مع عدم الفائدة. ١٣٤٥ - فَصْل: [إجازة صاحب الخيار في بعض المبيع] قال أبو الحسن: وليس لمن له الخيار أن يجيز في بعض المبيعِ دون بعضٍ، وإنما يجيز في الكلِّ، أو ينقض [الكلّ]؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة، فلو ردَّ المشتري البعض لفرق الصفقة على البائع في الإتمام، وهذا لا يجوز. وقد قالوا لو كان المشتري اثنين لم يكن لأحدهما أن يردَّ، وقال أبو يوسف يردّ، وهذا صحيح على ما قلنا أنَّ في ردِّ البعض تفريق الصفقة في الإتمامِ [فلا يجوز. وأبو يوسف بنى على أصله: أن المشتري إذا كان اثنين فلأحدهما فسخ العقد في نصيبه عند وجود سبب الفسخ، كما قال في المشتري إذا كانا اثنين فوجدا بالمبيع عيبًا، أن لأحدهما ردّ نصيبه دون الآخر، كذلك هذا].

стр. 1507

١٣٤٦ - فَصْل: [إجازة المشتري في البعض أثناء الخيار] قال أبو الحسن: فإن [أجاز] (١) المشتري في البعض لم يجز، والخيار على حاله، روي ذلك عن أبي يوسف ومحمد؛ لأنه إذا أجاز في البعض لم يكن إجازة (٢) في الكل؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى لزوم (٣) بقية المبيع وهو لم يرضَ به، ولا يكون إجازةً فيما أجاز العقد فيه؛ لأنه لا يملك ردَّ ما بقي، فلم يبقَ إلا أن [لا] يتعلق بإجازته حكم. ١٣٤٧ - فَصْل: [في العرض على البيع] فإن عرض بعضه على بيعٍ لم يكن إجازةً عند أبي يوسف، وقال محمد: يبطل خياره. وجه قول أبي يوسف: أن العرض على البيع يُستدل به على الرضا، ولو صرَّح بالرضا في البعض لم يبطل خياره، فإذا وُجِدَ ما يدل على الرضا أولى. وجه قول محمد: أن العرض يبطل الخيار من طريق الحكم، فإذا وُجِدَ في بعض المعقود عليه، أبطل الخيار في الكل كالعيب. ١٣٤٨ - فَصْل: [إجازة مالك الخيار مع غياب الآخر] قال أبو الحسن: ويجوز إجازة من له خيار الرؤية بغير محضرٍ من الآخر، ولا يجوز نقضه في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف يجوز نقضه، وهذا

стр. 1508

الخلاف على ما بينا في الفسخ بخيار الشرط. ١٣٤٩ - فَصْل: [قبض من له الخيار بعد الرؤية] وإن قبض من له خيار الرؤية بعد أن رأى المبيعَ، بطل خياره؛ وذلك لأنَّ القبض يدل على الرضا. ألا ترى أن من يريد الفسخ لا يقبض، ومن فعل ما يدل على الرضا بعد الرؤية؛ بطل خياره. ١٣٥٠ - فَصْل: [الوكيل بالقبض قائم مقام الموكّل] قال: فإن وَكَّل بالقبض وكيلًا فكذلك عند أبي حنيفة، وهو على خياره عند أبي يوسف ومحمَّد، وإن أرسل رسولًا بالقبضِ [فقبض]، فهو على خياره في قولهم. أما إذا وَكَّل المشتري رجلًا بالقبض، فقبض المبيعَ بعدما رآه، قامت رؤيته عند أبي حنيفة مقام رؤية المشتري، وبطل خيار الرؤية. وجه قول أبي حنيفة: أنه موكَّلٌ بالقبض، ومن وُكِّل بشيءٍ وُكِّل بإتمامه، والرؤية من تمام القبض، ألا ترى أنه لو قبض ما لم يره، جاز له فسخ العقد من غير قضاءٍ ولا رضا، ولو قبض أحد المبيعين بعدما رآه ثم رأى الآخر في يد البائع، كان له رد ما قبضه، وإذا كانت الرؤية إتمامًا للقبض كان موكلًا بها، ولا يلزم (على هذا) (١) إذا وكله بالقبض، وهناك خيار عيب أو شرط؛ لأن خيار

стр. 1509

الشرط على هذا الخلاف؛ لأن شموله (١) من تمام القبض، وأما خيار العيب فلا يمنع ثبوته من تمام القبض، ألا ترى أن المشتري بعد القبض لا يملك الفسخ إلا بقضاء، أو رضا. وعَلَى أن من أصحابنا من التزم خيار العيب، وقال هو على الخلاف. فإن قيل: الوكيل بعقد الكتابة لا يملك قبض مال الكتابة، وفي قبضه إتمام العقد الذي وُكِّلَ به، قلنا العقد تامٌّ عندنا وإن لم يقبض المال؛ لأنه ليس لواحد من المتبايعين (٢) الفسخ إلا برضا الآخر، أَوْ بعجز المكاتب فيكون الفسخ إلى الحاكم إن لم يتراضيا به، ولا يلزم الرسول بالقبض؛ لأنَّا قلنا: الوكيل بالشيء وكيلٌ بإتمامه، فالرسول بالشيء ليس برسول في إتمامه. ألا ترى أن الوكيل بالبيع وكيلٌ بالتسليم؛ لما فيه من تمام العقد، والوكيل بالشراء وكيل بالقبض لما فيه من تمام العقد، والرسول بالبيع لا يملك القبض والتقبيض. وكان أبو بكر الرازي: يحتج بأن خيار الرؤية من حقوق القبض، بدلالة أنه يثبت لتغير الصفات، والصفات لا [حصة] (٣) لها بالعقد [إلّا] (٤) بالقبض، وإذا كانت من حقوق القبض فمن وكل بشيءٍ وكل بحقوقه. فإن قيل: لو كان الخيار من حقوق القبض ما جاز الفسخ قبل القبض.

стр. 1510

قلنا: إنما (١) جوز الفسخ لعدم لزوم العقد للمشتري بجهالة (٢) الصفة لا بخيار الرؤية. ألا ترى أن من ملك الفسخ بالخيار ملك الإجازة به، وكان غيره من أصحابنا يقول: إن الخيار ثبت عند الرؤية بالعقد المتقدم، والرؤية في الغالب توجد مع القبض، وإذا وكله بالقبض فقد وكله (بها فقام مقامه فيها، ومن أصحابنا من احتج: أن الوكيل بالقبض وكيل) (٣) بالتمليك؛ بدلالة أنه يملك المشتري التصرف، فهو كالوكيل بالشراء الذي يملكه [الغير] (٤). فإذا كانت رؤية أحدهما تسقط الخيار كذلك الآخر، ومن [سَلَكَ] (٥) هذه الطريقة فلا بُدَّ له من [التزام] (٦) خيار العيب. وجه قولهما: أنه وكله بالقبض، ولم يجعل له غيره، والوكيل بالقبض لا يملك إسقاط الحقوق كالوكيل [بقبض الوديعة والدين] (٧) إذا أراد أن [يهب] (٨). والله أعلم بالصواب وإليه المآب (٩).
следующие страницы →