← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

بالفسخ فائدة: وهو سقوط الثمن عنه، وليس للبائع في الخيار فائدة؛ لأنه لو رَدَّ الدراهم لم ينفسخ العقد، وإنما يرجع بمثلها، فلم يثبت الخيار مع عدم الفائدة. فأما إذا تبايعا عينًا بعينٍ فلكلِ واحدٍ منهما في الفسخ فائدة؛ لأن العقد ينفسخ برد العين، فجاز أن يثبت الفسخ لفائدته. وأما إذا تبايعا دينًا بدينٍ فكل واحد منهما من العوضين لا ينفسخ العقد برده، وإنما يرجع بمثله، فلم يجز إثبات الخيار فيه مع عدم الفائدة. ١٣٤٥ - فَصْل: [إجازة صاحب الخيار في بعض المبيع] قال أبو الحسن: وليس لمن له الخيار أن يجيز في بعض المبيعِ دون بعضٍ، وإنما يجيز في الكلِّ، أو ينقض [الكلّ]؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ خيار الرؤية يمنع تمام الصفقة، فلو ردَّ المشتري البعض لفرق الصفقة على البائع في الإتمام، وهذا لا يجوز. وقد قالوا لو كان المشتري اثنين لم يكن لأحدهما أن يردَّ، وقال أبو يوسف يردّ، وهذا صحيح على ما قلنا أنَّ في ردِّ البعض تفريق الصفقة في الإتمامِ [فلا يجوز. وأبو يوسف بنى على أصله: أن المشتري إذا كان اثنين فلأحدهما فسخ العقد في نصيبه عند وجود سبب الفسخ، كما قال في المشتري إذا كانا اثنين فوجدا بالمبيع عيبًا، أن لأحدهما ردّ نصيبه دون الآخر، كذلك هذا].

стр. 1507

١٣٤٦ - فَصْل: [إجازة المشتري في البعض أثناء الخيار] قال أبو الحسن: فإن [أجاز] (١) المشتري في البعض لم يجز، والخيار على حاله، روي ذلك عن أبي يوسف ومحمد؛ لأنه إذا أجاز في البعض لم يكن إجازة (٢) في الكل؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى لزوم (٣) بقية المبيع وهو لم يرضَ به، ولا يكون إجازةً فيما أجاز العقد فيه؛ لأنه لا يملك ردَّ ما بقي، فلم يبقَ إلا أن [لا] يتعلق بإجازته حكم. ١٣٤٧ - فَصْل: [في العرض على البيع] فإن عرض بعضه على بيعٍ لم يكن إجازةً عند أبي يوسف، وقال محمد: يبطل خياره. وجه قول أبي يوسف: أن العرض على البيع يُستدل به على الرضا، ولو صرَّح بالرضا في البعض لم يبطل خياره، فإذا وُجِدَ ما يدل على الرضا أولى. وجه قول محمد: أن العرض يبطل الخيار من طريق الحكم، فإذا وُجِدَ في بعض المعقود عليه، أبطل الخيار في الكل كالعيب. ١٣٤٨ - فَصْل: [إجازة مالك الخيار مع غياب الآخر] قال أبو الحسن: ويجوز إجازة من له خيار الرؤية بغير محضرٍ من الآخر، ولا يجوز نقضه في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف يجوز نقضه، وهذا

стр. 1508

الخلاف على ما بينا في الفسخ بخيار الشرط. ١٣٤٩ - فَصْل: [قبض من له الخيار بعد الرؤية] وإن قبض من له خيار الرؤية بعد أن رأى المبيعَ، بطل خياره؛ وذلك لأنَّ القبض يدل على الرضا. ألا ترى أن من يريد الفسخ لا يقبض، ومن فعل ما يدل على الرضا بعد الرؤية؛ بطل خياره. ١٣٥٠ - فَصْل: [الوكيل بالقبض قائم مقام الموكّل] قال: فإن وَكَّل بالقبض وكيلًا فكذلك عند أبي حنيفة، وهو على خياره عند أبي يوسف ومحمَّد، وإن أرسل رسولًا بالقبضِ [فقبض]، فهو على خياره في قولهم. أما إذا وَكَّل المشتري رجلًا بالقبض، فقبض المبيعَ بعدما رآه، قامت رؤيته عند أبي حنيفة مقام رؤية المشتري، وبطل خيار الرؤية. وجه قول أبي حنيفة: أنه موكَّلٌ بالقبض، ومن وُكِّل بشيءٍ وُكِّل بإتمامه، والرؤية من تمام القبض، ألا ترى أنه لو قبض ما لم يره، جاز له فسخ العقد من غير قضاءٍ ولا رضا، ولو قبض أحد المبيعين بعدما رآه ثم رأى الآخر في يد البائع، كان له رد ما قبضه، وإذا كانت الرؤية إتمامًا للقبض كان موكلًا بها، ولا يلزم (على هذا) (١) إذا وكله بالقبض، وهناك خيار عيب أو شرط؛ لأن خيار

стр. 1509

الشرط على هذا الخلاف؛ لأن شموله (١) من تمام القبض، وأما خيار العيب فلا يمنع ثبوته من تمام القبض، ألا ترى أن المشتري بعد القبض لا يملك الفسخ إلا بقضاء، أو رضا. وعَلَى أن من أصحابنا من التزم خيار العيب، وقال هو على الخلاف. فإن قيل: الوكيل بعقد الكتابة لا يملك قبض مال الكتابة، وفي قبضه إتمام العقد الذي وُكِّلَ به، قلنا العقد تامٌّ عندنا وإن لم يقبض المال؛ لأنه ليس لواحد من المتبايعين (٢) الفسخ إلا برضا الآخر، أَوْ بعجز المكاتب فيكون الفسخ إلى الحاكم إن لم يتراضيا به، ولا يلزم الرسول بالقبض؛ لأنَّا قلنا: الوكيل بالشيء وكيلٌ بإتمامه، فالرسول بالشيء ليس برسول في إتمامه. ألا ترى أن الوكيل بالبيع وكيلٌ بالتسليم؛ لما فيه من تمام العقد، والوكيل بالشراء وكيل بالقبض لما فيه من تمام العقد، والرسول بالبيع لا يملك القبض والتقبيض. وكان أبو بكر الرازي: يحتج بأن خيار الرؤية من حقوق القبض، بدلالة أنه يثبت لتغير الصفات، والصفات لا [حصة] (٣) لها بالعقد [إلّا] (٤) بالقبض، وإذا كانت من حقوق القبض فمن وكل بشيءٍ وكل بحقوقه. فإن قيل: لو كان الخيار من حقوق القبض ما جاز الفسخ قبل القبض.

стр. 1510

قلنا: إنما (١) جوز الفسخ لعدم لزوم العقد للمشتري بجهالة (٢) الصفة لا بخيار الرؤية. ألا ترى أن من ملك الفسخ بالخيار ملك الإجازة به، وكان غيره من أصحابنا يقول: إن الخيار ثبت عند الرؤية بالعقد المتقدم، والرؤية في الغالب توجد مع القبض، وإذا وكله بالقبض فقد وكله (بها فقام مقامه فيها، ومن أصحابنا من احتج: أن الوكيل بالقبض وكيل) (٣) بالتمليك؛ بدلالة أنه يملك المشتري التصرف، فهو كالوكيل بالشراء الذي يملكه [الغير] (٤). فإذا كانت رؤية أحدهما تسقط الخيار كذلك الآخر، ومن [سَلَكَ] (٥) هذه الطريقة فلا بُدَّ له من [التزام] (٦) خيار العيب. وجه قولهما: أنه وكله بالقبض، ولم يجعل له غيره، والوكيل بالقبض لا يملك إسقاط الحقوق كالوكيل [بقبض الوديعة والدين] (٧) إذا أراد أن [يهب] (٨). والله أعلم بالصواب وإليه المآب (٩).

стр. 1511

بَابْ: ما يكون رؤية بعضه كرؤية كله في إبطال [خيار الرؤية] (١) قال أبو الحسن: وإذا اشترى الرجل من الرجل المكيل أو الموزون صُبْرَةً، أو في وِعاءٍ واحد، فنظر إلى بعضه ثم اشتراه، فليس له خيار الرؤية، وكذلك إذا كان في أوعية وهو من صنف واحد غير مختلف؛ وذلك لأن رؤية بعض الطعام يعرف بها جميعه. والمقصود بالرؤية: معرفة الصفة، فإذا وقف على [الصفة] (٢) برؤية البعض فكأنه رأى الجميع. قال: وإن كان مختلفًا فالخيار له ما لم يرَ الكُلَّ، [مثل] (٣) العبيد والدَّواب والثياب. وما يباع عددًا مثل الجوز والبيض، لا يبطل خيار الرؤية أن (٤) ينظر إلى بعضه دون بعضٍ، حتى ينظر إلى جميعه، (روى ما حكيناه في الجوز والبيض ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة) (٥).

стр. 1512

أما الطعام المختلف فرؤية أحد الأوعية لا يستدل بها على صفة بقيته، [وكذلك العبيد والدَّواب إذا رأى واحدًا منها لا يقف على صفة بقيتها، وكذلك الجوز والبيض؛ لأنه يختلف بالصغر والكبر، فإذا رأى بعضه فلم يدل ذلك على صفة بقيته] فلم يسقط خياره. وإن كانت أمةً أو عبدًا فنظر إلى الوجه [فلا خيار له، وإن نظر إلى غير الوجه من الجسد وهي منتقبة، فله الخيار؛ لأن المقصود من الآدمي الوجه، وهو مما يستغنى به عن بقية الصفات، ولا يستغنى بصفات البدن عنه، فوقف الخيار على النظر إليه. قال: وإن كان ثوبًا أو ثيابًا، فنظر إلى ظاهرها مطويةً، فلا خيار له، وهذا إذا نظر إلى ظاهر كل ثوب؛ لأن ظاهر الثوب يُستدل به على باطنه، فهو كوجه الجارية. وكذلك الدار وسائر العقار إذا رأى ظاهره فلا خيار له، وقال زفر: لا بد من رؤية داخل الدار. وكان أصحابنا يقولون: إنما أجابوا في الدور على عادة الكوفة في زمن أبي حنيفة؛ لأنها كانت لا تختلف إلا بالكبر والصغر وعُلوّ البناء، فأما في داخلها فكانت على تقطيع واحد، فإذا رآها من ظاهرها، يستدل بذلك على باطنها، فأمَّا الآن فصفات الدور تختلف وتتباين، فلا يُعرف ذلك برؤية ظاهرها، فالأمر فيها على ما قاله زفر. فأما الدابة، فإن أبا يوسف قال: لا يكون النظر إلى وجه الدابة مبطلًا لخيار

стр. 1513

الرؤية، حتى ينظر إلى كَفَلها، وروى ابن سماعة عنه: إذا رأى ما بقي، قال معلى عنه: في النظر إلى الدَّوابّ، قال: يسأل النخّاسين، فإن قالوا: يحتاج مع النظر إلى الكَفَل والوجه إلى النظر إلى مؤخرها، لنقصان يكون في المؤخر من غير عيب، فله الخيار إذا لم ينظر إلى مؤخرها ومقدمها. وقال ابن رستم وعمرو عن محمد: إذا نظر إلى وجه الدَّابَّة أو جسدها فليس له خيار الرؤية. أما على الرواية التي اعتبر فيها أبو يوسف الوجه والكَفَل؛ فلأن كل واحد منهما مقصودٌ بالعقد، فاعتبر الوقوف على صفته. والرواية التي اعتبرَ الكَفَل، قال: لأنه ينظر إلى أكثرها، فيقوم ذلك مقام الكل. والرواية الثالثة: يرجع فيها إلى النخاسين؛ ليعلم منهم ما يوقف به على صفة الدواب. وأما محمد فقال: إن وجه الدابة وكفلها، كل واحد منهما يُستدل به على صفتها، فصار كوجه الآدمية. قال أبو يوسف: وكذلك الشاة إذا نظر إلى وجهها؛ لأن الشاة تختلف باختلاف أطرافها وضرعها، ولا يُستدل بذلك على وجهها. قال أبو يوسف: وإن كانت شاة لحم، فلا بد من الجسّ حتى يُعرف الهزال من السمن، فإن رأى ذلك من بعيد ولم يجسّ، فله الخيار؛ وذلك لأن شاة اللحم المقصود منها السِّمَن، وذلك يخفى بصوفها، ويُعرف بجسها، فلذلك اعتبر الجسّ في سقوط الخيار.

стр. 1514

بَابْ: الخيار فيما اشترى وهو مغيب في الأرض قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا اشترى شيئًا مُغيَّبًا في الأرض، مثل الجَزَرِ، والبصل، والثوم، وبصل الزعفران، وما أشبه ذلك، فله الخيار إذا رأى جميعه، ولا يكون رؤية بعضه مبطلًا لخياره، فإن رضي بذلك البعض، فخياره باقٍ إلى أن يرى جميعَه. حكى ما اختصرنا منه هذا: بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. وقد روى عمرو عن محمد قال: قال أبو حنيفة: المشتري بالخيار إذا قلع قَلَّت أوَ كثُرتْ؟ قلت له: فإن قلع البعض؟ قال: لم يزد أبو حنيفة على ما قلت لك، فأما في قول أبي يوسف وقولي: إذا قلع شيئًا يستدل به على ما بقي في سمنه وعظمه، فرضي المشتري، فإنه لازم له، وكذلك روى هشام وابن رستم عن قول محمد نفسه. وقال بشر عن أبي يوسف في مسألة تاريخها سنة إحدى وثمانين ومائة، قال: إذا قلع البائع أو المشتري بإذن البائع، ما له قدر من الكَيْل أو الوزن، فرضيه، فليس له أن يرد ما بقي، وإن قلع ما ليس له قدر من الكيل أو الوزن يُعرف به، لم يسقط خياره. وإن كان الذي اشترى ما لا يكال ولا يوزن، فإن كان البائع قلعه وهو مما

стр. 1515

له ثمن، فهو بالخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. وجه قول أبي حنيفة: أن بعض هذه الأشياء لا يدل على بقيتها؛ لأنها تختلف بالكبر والصغر والجودة، فلم يسقط الخيار برؤية البعض، كالثياب والدواب. وجه قولهما: على رواية محمد: أن البعض يستدل به على الجميع، فهو كالصُّبْرَة. وجه الرواية الأخيرة عن أبي يوسف: أن المقلوع إذا كان له قدر من الكيل أو الوزن، أو الثمن، فهو مقصود، فالرضا به يسقط الخيار. وإن لم يكن له قَدْر لم يعتد به؛ لأنه غير مقصود فبقي على خياره، وإنما اعتبر قلع البائع أو قلع المشتري بإذنه؛ لأن المشتري إذا قلع بغير إِذن البائع، فالقلع نقص في المقلوع، والنقص إذا حصل في بعض المعقود عليه، أسقط الخيار في الباقي. وقد قال أبو يوسف: إذا باع جزرًا، أو فُجْلًا، فاختلف البائع والمشتري في قَلْعه، فقال المشتري: أخاف إن قلعته لا يصلح لي، ولا أقدر على ردّه، وقال البائع: أخاف إن أقلعه فلا ترضاه فيهلك عليّ، فمن تطوع منهما بالقلع جاز، وإن لم يتطوَّع فسخ العقد بينهما؛ لأن المشتري لا يجبر على القلع، فيسقط بذلك خياره، والبائع لا يجبر على القلع؛ لأنه تصرف في المبيع بعدما زال ملكه عنه، والفسخ جائز لعدم الرؤية، فيقطع القاضي الخصومة بالفسخ (١).

стр. 1516

بَابْ: شراء الأعمى قال أبو الحسن: وإذا اشترى الأعمى، فله الخيار فيما اشتراه. والأصل في هذا: أن بيع الأعمى وشراؤه جائز وله الخيار إذا اشترى (١). وقال الشافعي: إذا وُلد أعمى فبيعه جائز وشراؤه باطل، ومن عمي بعد الصحة، فشراؤه لما كان رآه جائز (٢). والأصل في ذلك: ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال لحِبّان بن منقذ: "إذا بعت فقل: لا خِلَابة، ولي الخيار ثلاثًا" (٣)، قال عمر وكان ضريرًا، ذكر ذلك الدارقطني؛ ولأن من جاز له التوكيل في البيع والشراء، جاز له الشراء كالبصير، والتعليل للأكمه حتى لا يقولوا بموجب العلة فيما رآه قبل العمى.

стр. 1517

وإذا ثبت جواز البيع، قال أبو الحسن: وجسّهُ وتقليبه بمنزلة النظر الصحيح، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد فيما يُذَاق أو يُشَم؛ لأنه إذا ذاق أو شَمَّ، فهو بمنزلة رؤية الصحيح يرى، وما لم يقدر على شيء مما ذكرنا فيه، فله الخيار حتى يُوصف له، فإذا وصف له فرضيه، جاز عليه. قال: وجملة هذا: أن الخيار ثابت للأعمى للجهل بصفات المبيع، والكلام فيما يسقط به خياره: فقد ذكر في الجامع الصغير: في الأعمى يشتري الشيء، قال: فنظره جسّه فيما يُجسّ (١). وقال هشام عن محمد: في الثياب يبطل خياره فيها بالجسِّ والصفةِ والأدهان بالشم، والسمن على الصفة والذوق، وكل شيء يذاق فهو على الذوق والصفة، والحنطة باللمس والصفة. قال: وإن كان الشيء جَسّه بمنزلة صفته، فجسّه ثم اشتراه، فلا خيار له، فأما الثوب، فلا بد من صفته: طوله وعرضه ووَقعته. وما لا يمكن فيه ذلك كالتمرة على رؤوس النخل، فالصحيح: هو أن يعتبر الصفة، وكان أصحابنا يقولون: وكذلك العقارُ. وقد روى بشر وابن سماعة في الدار قال: يلمس الحائط والتراب، ولمسه بمنزلة النظر. وروي عن أبي يوسف أنه قال فيما لا يمكن فيه شيء من ذلك: إذا وقف

стр. 1518

بحيث لو وقف البصير لرأى، سقط خياره. وهذه الروايات لا تختلف في المعنى؛ لأن الخيار يسقط بوقوف المشتري على صفة المبيع، فما قدر الأعمى على معرفة صفته بنفسه، اعتبر ذلك باختياره، وما لا يقف عليه بالجَسِّ حتى يضم إليه الصفة، اعتبر الأمران؛ لأن الجسَّ يقدر عليه، وهو مما يعرف به لين المبيع، والصفة يعرف بها لين الثوب، فلا بد منها، وما لا يقدر على معرفة شيء من أوصافه بنفسه، اعتبر فيه الصفة. وما قاله أبو يوسف في الوقوف بقرب الشيء، بعيدٌ؛ لأنه لا يستفيدُ به فائدة، ووجهه: أنه أقصَى ما يقدر عليه، فصار كنظر البصير الذي لا خبرة له بالمبيعات. وقد قالوا: لو اشترى الأعمى ما وصف له، ثم أبصر، فلا خيار له؛ لأن العقد وقع على حالة غير موجبة للخيار، فلا يوجبه في الثاني. فإن اشترى البصير ما لم يَره، ثم عمي، انتقل إلى الصفة؛ لأنه لا يقدر إلا عليها، ولو اشترى البصير ما وصف له، لم يسقط خياره؛ لأنه يقدر على النظر، والصفة قائمة مقام الرؤية عند العجز، فلا يقوم مقامه عند القدرة (١).

стр. 1519

بَابْ: الاختلاف في خيار الرؤية قال أبو الحسن: إذا اختلف البائع والمشتري، فقال البائع: بعتك ما رأيتَ، وقال المشتري: لم أرَه، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ وذلك لأن البائع يدعي الرؤية، وهو معنى حادث، فلا يُقبل قوله في حدوثها إلا ببيِّنة، ويُسْتَحلف المشتري؛ لأن البائع يدّعي عليه سقوط الفسخ، وذلك مما يصحّ بذله، فَيُستحلف فيه. قال أبو الحسن: فإن اختلفا بعد ذلك في المبيع، فقال البائع: ليس هذا ما بعتكَ، وقال المشتري: هو ما بعتَنِي، فالقول قول المشتري. والأصل في هذا: أن كل موضع ينفسخُ العقد فيه بقول المشتري وحده، فالقول قوله في المبيع مع اليمين، وكل موضع لا ينفسخ العقد بقوله إلا برضا البائع أو حكم الحاكم، فالقول قول البائع في المبيع، مثل الرد بالعيب. أما الفصل الأول: فهو الرَّدّ بخيار الرؤية والشرط؛ وذلك لأن البيع ينفسخ بقول المشتري: فَسَخْتُ، ويعود المبيع إلى ملك البائع، فالاختلاف فيه اختلاف فيما استحقه البائع على المشتري، فالقول فيه قول المشتري، كالغصب والوديعة. وأما الفصل الثاني: فلأن العقد لا ينفسخ بقول المشتري، وإنما يدعي ثبوت الفسخ فيه، والبائع إذا جحد أن يكون باعه تلك العين، نفى حق الفسخ، ومن يدعي ثبوت الفسخ لا يقبل قوله، ورجع إلى قول النافي له، كما لو ادّعى عليه الإقالة، فأنكَرَ.

стр. 1520

بَابْ: العيوب التي توجب الرد قال أبو الحسن: وكل ما نقص القيمة بكونه فيما بيع أو في معناه، فهو عيب يُردُّ به إذا لم يعلم المشتري، أو تبرأ منه البائع، وقد يكون ذلك في نفس المبيع، كالعَور والشَّلَل، والخرق في الثياب، والهشم في الأواني، والعقار إذا كان فيه شيء واهٍ، والأرض المزروعة) (١) إذا كان فيها شيء يفسد (٢) الزرع مثل السَّبْخ (٣)، وأما ما يكون في المعنى فكالسَّرَق، والإباق. قال: وجملة هذا أن إطلاق العقد يقتضي صحة المعقود عليه، بدلالة أن النبي ﷺ اشترى مملوكًا، وكتب في عهدته: (هذا ما اشترى محمد رسول الله من العدّاء بن خالد بن هَودة اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة، ولا خِبْثةَ، بيعَ المسلم للمسلم) (٤). وهذا يدل أن عقود المسلمين تقتضي صحة المعقود عليه، فإذا وجد بالمبيع عيبًا لم يعلم به، ولم يتبرأ [منه] البائع، فقد خالف صفة المعقود (٥) عليه [ما] (٦)

стр. 1521

اقتضاه العقد، فثبت للمشتري الخيار، وأما إذا رآه عند الشراء فقد رضي بنقصان الصفة، فلا يثبت له خيار، وكذلك إذا [تبرأ] (١) البائع منه فقد استثناه من العقد، وأزال إطلاقه، فيسقط بذلك الخيار (٢).

стр. 1522

بَابْ: العيوب قال أبو الحسن: إذا اشترى الرجل معيبًا فوجد [بما اشترى] (١) عيبًا، أو وجد ذلك في بعضه كائنًا [ما] كان معدودًا أو موزونًا، أو مكيلًا، أو شيئًا واحدًا، وذلك قبل (٢) القبض، أو بعد قبض بعضه، فهو بالخيار: إن شاء أَخَذَ الكُلَّ، وإن شاء رَدَّ الكُلَّ، وليس له أن يأخذ الصحيح ويرد المعيب، إلا أن يرضى البائع بذلك (٣). والأصل في هذا: ما بيَّنَّا أن المشتري لا يملك تفريق الصفقة على البائع في الإتمام، وبيَّنَّا أن عدم القبض يمنع تمام الصفقة، فلو رَدَّ المشتري البعض فرق الصفقة على البائع في الإتمام، وهذا لا يصح، وكذلك إذا قبض البعض؛ لأن الصفقة لم تتم لعدم القبض في بعضها. ألا ترى أن ما لم يقبض لو هلك، هلك على ملك البائع، فلا يجوز فيه تفريق الصفقة. وأما إذا رضي البائع بذلك جاز؛ لأنَّا منعنا التفريق لحقه فإذا أسقط حقه جاز، وأما إذا كان ذلك بعد القبض، فوجد العيب ببعض المبيع فهو على وجهين: إن كان في تفريقه عيب لم يملك رد بعضه دون بعضٍ، كزوجَي خُفّ،

стр. 1523

ومصراعَي بابٍ؛ لأن انفراد أحدهما عن الآخر عيب، فلو رد المعيب لردّه بعيب لم يكن في ملك البائع وهذا لا يصح، وأما إذا لم يكن في تفريقه عيب، كالعبدين والثوبين فله أن يمسك الصحيح، ويرد المعيب، وقال زفر: يردهما، وهو قول الشافعي. لنا: أن العقد وقع عليهما وتم بالقبض، وسبب الخيار وجد في أحدهما، فصار كمن اشترى عبدين، بَتَّ العقد في أحدهما وشرط الخيار في الآخر؛ ولأن الصفقة تمت بالقبض، فجاز للمشتري رَدّ بعضهما بالعيب، كما لو كان البائع اثنين فرد نصيب أحدهما. وجه قول زفر: أن الإنسان [قد] يبيع الشيئين رغبة في بيع أحدهما، فلو رد أحدهما عليه للحقه بذلك ضرر، (وهذا لا يصح) (١) [فصار] كما لو [رَدَّ] (٢) قبل القبض. ١٣٥١ - فَصْل: [مسك المشتري المبيع وأخذ الأرش] فإن قال المشتري: أنا أمسك المبيع وآخذ الأرش، فليس له ذلك إلا برضا البائع؛ لأن البائع لم يرضَ أن يستحق عليه المبيع إلا بجملة من الثمن، فلا يجوز أن يستحق عليه [تبعيضها] (٣) إلا برضاه، وعلى هذا قالوا في استحقاق أحد العبدين، إن كان قبل القبض كان للمشتري رَدّ الآخر ليفرق الصفقة عليه، وإن كان بعد القبض لم يكن له ردّه؛ لأن الصفقة تمت بالقبض، وسبب الفسخ

стр. 1524

وجد في البعض. ١٣٥٢ - فَصْل: [رَدُّ بعض المُشترى إذا وجد الجميع مَعيبًا] قال أبو الحسن: وإذا أصاب المشتري جميع ما اشترى معيبًا، فأراد رد بعضه وأخذ بعضه فله ذلك، إذا كان المردود مما لو كان العيب به وحده فله رده؛ وذلك لأنه إذا رضي ببعض المعقود عليه سقط الفسخ فيه، فصار كما لو كان صحيحًا لا عيب فيه، فيردّ الباقي [خاصة]. ١٣٥٣ - فَصْل: [علم المشتري بالعيب قبل القبض] وإذا وجد ببعض ما اشترى عيبًا قبل القبض، فقبض المعيب وهو يعلم بالعيب، فهو رضًا ويلزمانه؛ وذلك لأن القبض يدل على الرضا. ألا ترى أن من يختار الفسخ لا يقبض، ومن كان له الخيار، ففعل ما يدل على إسقاط خياره سقط. فإن قبض الصحيح من العبدين أو كانا معيبين، فقبض أحدهما، قال أبو يوسف: ليس ذلك برضًا؛ لأن قبض بعض المبيع لا تتم الصفقة به، فلو أسقطنا خياره فيهما أسقطناه في الآخر ولم يرضَ به، ولو أسقطنا خياره في المقبوض دون الآخر، فَرَّقْنا الصفقة، وهذا لا يصح (١).

стр. 1525

بَابْ: معرفة العيوب قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب أن كل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار فهو عيب، وما [لا] يوجب نقصان الثمن في عادتهم فليس بعيب؛ لأن المبيع يبتاع للربح والزيادة، فالمرجع فيما يزيد [فيه] (١) أو ينقص إلى العادة، والعيوب على ضربين: عيوب مشاهدة لنقص ظاهر أو باطن، وعيوب في المعنى. فأما العيوب في الخِلْقَة: فكالعَمَى، والعَوَر، والشَّلَل، والحَوَل، والخَوص: وهو اتساع إحدى العينين، والسَّبَل: هو زيادة في الأجفان، والصَّمَم، والطَّرَش، والخَرَس، والإصبع الزيادة والناقصة، والقُرُوح، والشِّجَاج، وأثر الجراح والأمراض كلها، والأدواء التي تكون في سائر الأبدان والحمّيات، والأَدر عيب: وهو انتفاخ الأنثيين، والعَشَا عيب: وهو الذي لا يبصر بالليل، والعَمَش عيب، والسِّن السوداء والساقطة، والظُّفْر الأسود، والقَرْن عيب: وهو عَظْم في الفرج يمنع الوطء، والعَفَل عيب: [وهو لحم نابت في الفرج، والبَرَص والجُذَام عيب، والفَتَق عيب والسِّلْعَة (٢) والكيّ والفَدَع]: وهو اعوجاج في القدم، والفَحَج عيب: وهو تباعد ما بين الساقين، والحَنَف

стр. 1526

عيب: وهو انقلاب القدم (١)، [والشَّدَقُ] (٢) عيب: وهو اتساع في الفم فاحش، والعزل عيب: وهو اعوجاج ذَنَب الدابة، والمَشَش [عيب]، والدَّخَس، والحَرَن، والزوائد، والجَرَد، والجَمْح، وَبَلّ المخلاة، وخلع الرَّسَن، والانتشار في العين، والستر وهو انقلاب الجفن، [والظُّفْرُ] (٣) وهو البياض الذي ينبت في العين، والشعر في جفون العين عيب، والجَرَب بالعين وغيرها من البدن عيب، والسُّعَال القديم عيب، والاستحاضة في الجارية عيب؛ لأنها داء يعرض، وارتفاع الحيض عيب؛ لأنها لا تلد، والتخنيث في الغلام عيب، والشَّمَط في الشعر. قال بشر عن أبي يوسف: الشمط في الغلام والجارية عيب، والثؤلول والخال ما فحش منه فهو عيب، (وما لم يفحش فليس بعيب، والصُّهُوبة في الشعر عيب) (٤)، وهذا كله على ما قدمنا؛ لأن هذه [العيوب كلها] تنقص الثمن في العادة، والبخر عيب في الجارية وليس بعيب في الغلام إلا من داء؛ لأن الجارية تراد للاستفراش، والغلام للاستخدام، والبخر لا يؤثر في الاستخدام، والدَّفَر في الجارية عيب، وفي الغلام ليس بعيب، إلا أن يكون فاحشًا ينقص الثمن؛ لأن الدفر نَتْن في البدن، والغلام يراد للاستخدام، وذلك لا يؤثر في الخدمة، إلا أن يكون فاحشًا فيمنع من القرب إلى المولى، والحبل في الجارية عيب؛ وذلك لأنه يمنع [من] الوطء ويوجب نقصان الثمن في العادة، فأما الحبل

стр. 1527

في سائر البهائم فهو زيادة وليس بعيب، والثيوبة ليست بعيب؛ لأنها غالب حال الجواري إلا أن يشتريها على أنها بِكْر؛ لأنها ناقصة عما شرط، فإن كانت الجارية [غير] مختونة والغلام غير مختون وهما [جليبان] فإن ذلك ليس بعيب؛ لأن الكفار لا يختنون، وإن كانا مُوَلَّدين صغيرين فليس بعيب؛ لأن مدة الختان لم تفت، وإن كانا كبيرين فهو عيب؛ لأن المولد لا يؤخر ختانه، وفي الختان بعد الكبر صعوبة وزيادة ألم، ولو اشترى مصحفًا فوجد في حروفه سقطًا أو في نقطه فهو عيب؛ لأن هذا يوجب نقصان الثمن، والزنا في الجارية عيب؛ لأنها تراد للاستيلاد وذلك عيب، والزنا في الغلام ليس بعيب وإنما هو عيب في الدين؛ لأن الغلام يراد للخدمة والزنا لا يؤثر في الخدمة، إلّا أن يكون مداومًا للزنا حتى ينقطع [به عن] (١) خدمة المولى فهذا عيب، وإذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب؛ لأنها تستولد فيعاب ولدها لذلك، وليس هذا بعيب في الغلام؛ لأنه يراد للاستخدام. وأما العيوب في المعنى: فبول الصبي في الفراش والسَّرَق والإباق. وقد قال أبو حنيفة: إن السرق والبول إذا كان في الصغير قبل أن يأكل وحده ويشرب وحده، فليس بعيب؛ لأنه لا يعقل الامتناع عن هذه الأشياء، فإذا أكل وحده وشرب وحده فالبول والسرق والإباق عيب فيه مادام صغيرًا؛ لأنه لا يقدر على الامتناع من ذلك، فإذا بلغ لم يكن ما سبق عيبًا بعد البلوغ؛ لأن هذه الأفعال من أخلاق الصبيان، والظاهر أن خلق الصبيان ينتقل عنه بعد البلوغ، فإذا عاد إلى ذلك بعد البلوغ فهو عيب أبدًا؛ لأنَّا علمنا أنه لم يفعل ذلك بخلق الصغر،

стр. 1528

وإنما هو لطبعه. وقد قالوا في الجنون في الصغر: إنه عيب أبدًا؛ لأن الجنون نقصان في الخلقة، وذلك لأنه يختلف بالصغر والكبر. وإذا وجد المملوك على غير الإسلام فهو عيب؛ لأن الكفر نقص قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]. ولو اشترى النصراني عبدًا على أنه نصراني فوجده مسلمًا فليس بعيب؛ لأن الإسلام زيادة فيه، وإنما شرط بائعه أنه نصراني على وجه التبرؤ من العيب، وإذا لم يوجد العيب لم يثبت [له] الخيار، والزوج للأمة والزوجة للعبد عيب؛ وذلك لأن الأمة المتزوّجة لا يتوصل المولى إلى وطئها ولا إلى تحصيل [غرض] (١) استباحتها، فصار ذلك كاستحقاق شيء منها. فأما العبد المزوج فتستحق رقبته بالمهر والنفقة، فإن كانت الجارية معتدة من طلاق رجعي فهو عيب؛ لأنها في حبال الزوج، وإن كانت من طلاق بائن فليس بعيب؛ لأنه لا سبيل للزوج عليها إلا برضا المشتري، فالتحريم فيها عارض [كتحريم الحيض]، [والإحرام في الجارية] (٢) ليس بعيب؛ لأن المشتري يحللها عندنا إن شاء، وإن كانت الجارية محرَّمة الوطء على المشتري برضاع أو صهر فليس بعيب؛ لأنه يقدر على استيفاء استباحتها بالتزويج وأخذ العوض، فتحريمها عليه لا يعد عيبًا؛ ولأنا بينا: أن العيب ما يوجب نقصان الثمن عند التجار، وتحريم الجارية على واحد من الناس لا ينقص ثمنها، وإذا كان على

стр. 1529

العبد دَيْن أو في رقبته جناية فهو عيب؛ لأنه يجب بيعه في الدَّيْن ودفعه في الجناية، فتستحق الرقبة بذلك. وإذا اشترى جارية فوجدها لا تحسن طبخًا ولا خبزًا فليس ذلك بعيب؛ لأن هذه صناعة تعلم وينفق عليها [الأعواض] كالكتابة، ومعلوم أن العبد إذا لم يكن كاتبًا فليس بعيبٍ، فإن كان البائع شرط أنها تخبز، فوجدت لا تحسن الخبز رَدَّها؛ لأنها لم توجد على شرطه، فوجب الرد بالشرط لا بالعيب، ومن اشترى جارية تحسن الخبز والطبخ ولم يشرط ذلك، فنسيت في يد البائع رَدَّها؛ لأنها نقصت عما كانت عليه في حال العقد، ونقصان البيع عما وقع عليه العقد يوجب الخيار. ١٣٥٤ - فَصْل: [استحقاق بعض المبيع قبل القبض] وإذا استحق بعض المبيع قبل القبض، فالمشتري بالخيار: إن شاء أخذ ما بقي وإن شاء ترك؛ لأن الصفقة لم تتم فاستحقاق البعض تفريق الصفقة في الإتمام، وإن كان ذلك بعد القبض ألزمه البائع بحصتها ولا خيار له إذا لم يكن فيه شركة؛ لأن الصفقة تفرقت في الفسخ، فأما إذا صار المستحق شريكًا، مثل أن يستحق بعض العبد، فللمشتري أن يردَّ الباقي؛ لأن الشركة عيب فيرد بالعيب لا بتفرق الصفقة (١).

стр. 1530

بَابْ: ما يمنع الرد بالعيب قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب أن المشتري إذا ظهر على عيب بالمبيع لم يعلم به، وقد حدث عنده عيب آخر، فإنه يرجع بأرش العيب ولا يرده. وقال مالك: يرده مع أرش العيب الحادث (١). لنا: أن المبيع خرج من ملك البائع بعيب واحد، فلو رُدَّ لَرُدَّ بعيبين وهذا لا يصح؛ ولأن حق البائع مع المشتري كحق المشتري مع البائع عند العقد، ومعلوم أن العيب إذا حدث في يد البائع كان للمشتري أن يمنع من إمضاء البيع وله أن يرضى به، كذلك إذا حدث عند المشتري عيب فللبائع أن يمتنع من قبول [العقد] (٢) وله أن يرضى به. وأما مالك فيقول: تساويا في حدوث العيب عند كل واحد منهما، والبائع قد دَلَّس والمشتري لم يدلس، فالرد على من دَلَّس أولى. وهذا ليس بصحيح؛ لأن [هذا] الحكم لا يختلف بعيب عَلِمه البائع فدلسه وبعيب لم يعلم به؛ ولأن تدليس البائع قد ثبت به الخيار، ثم سقط بحدوث

стр. 1531

العيب في ضمان المشتري، وما أوجب الخيار يجوز أن ينقطع الخيار فيه، ولا يجب استدامته. والله أعلم. ١٣٥٥ - فَصْل: [حدوث عيب عند المشتري لم يجب عليه بدل] إذا ثبت هذا، قلنا: إذا حدث عند المشتري عيب لم يجب عليه بدل، ولم يختلط المبيع بشيء من ملك المشتري لا يمكن إزالته أو يمكن إزالته بضرر يدخل على المشتري، فللمشتري أن يرجع بأرش العيب إلا أن يرضى البائع أن يأخذه، ولا يطالب المشتري بشيء؛ وذلك لأن الرَّدَّ تعذر بحق البائع، [والرّدُّ] (١) متى تعذر من طريق الحكم وجب الأرش، فإذا رضي البائع بأخذ المبيع بغير أرش، فقد أسقط حق نفسه، فالمشتري بالخيار: إما أن يمسك المبيع بغير أرش أو يرد، وليس له المطالبة بأرش؛ لأن الأرش يكون عند تعذر الرد، والرد يمكن باختيار البائع، وهذا مثل العور والشلل، ووطئ المشتري الجارية وتقبيلها بشهوة، أو قطعه يد العبد، فإن وجب بدل للمشتري [بالنقص] (٢) فقبضه أو لم يقبضه، رجع بالأرش، وليس للبائع أن يقول أنا آخذ وأرد الثمن، وهذا مثل أن يقطع يد العبد، أو يطأ الجارية لشبهة فيجب [العُقْر] (٣)؛ لأن الردَّ تعذر من طريق الحكم فيجب الأرش، وليس للبائع الاسترجاع؛ لأن الأرش والعقر لم يقع (٤) عليهما العقد، فلا يقع عليهما الفسخ، فإن حدث نماء وزيادة في نفس المبيع، وكان قائمًا في يد المشتري، [أو وجب فيه بدل على أخذ مثل أن تلد الجارية،

стр. 1532

أو تثمر الشجر أو النخل، وذلك كله في يد المشتري]، أو استهلكه مستهلك، فوجب له العوض، فللمشتري الأرش. وليس للبائع أن يأخذ المبيع؛ لأن هذه الزيادة لم يقع عليها العقد، فلا يقع عليها الفسخ، وقد تعذر الرَّدُّ من طريق الحكم للأرش [فيجب الأرش]، وكذلك إن خلط المشتري بالمبيع شيئًا من ماله لا يقدر على إزالته، مثل أن يصبغ الثوب بعُصْفُر أو زَعْفَرَان، أو [لَتَّ] (١) السَّويق بالسمن، أو خلط المبيع بما يمكن إزالته بضررٍ مثل أن يبني في العَرَصة، فإنه يرجع بالأرش وليس للبائع أن يقول أنا آخذ؛ لأن البناء والصبغ لم يقع عليهما العقد فلا يقع عليهما الفسخ، ولا يجوز الفسخ في الثوب دون الصبغ؛ لاستحالة نقل الملك في الثوب دون صبغه، فلم يبق إلا تعذر من طريق الحكم فيجب الأرش. ١٣٥٦ - فَصْل: [تصرفُ المشتري بالسلعة ما يخرجها عن ملكه] فإن تصرف المشتري تصرفًا أخرج به السلعة عن ملكه، وقد كان للبائع قبل تصرفه أن يقبل المبيع، لم يرجع بالأرش، وهذا كالعتق والتدبير والاستيلاد والبيع؛ وذلك لأن البائع [كان] مخيَّرًا: بين دفع الأرش وبين الفسخ، والمشتري بتصرفه قد منع الفسخ، فلا يتعين الأرش على البائع بفسخه. وإن كان المبيع قبل تصرف المشتري بحال لو أراد البائع أن يقبله (٢) لم يكن له ذلك، فللمشتري أن يرجع بالأرش؛ لأن الأرش كان متعينًا فلم يسقط المشتري حقًّا للبائع بتصرفه، فبقي وجوب الأرش على ما كان عليه، فصار هذا الفصل

стр. 1533

على قسمين: كل موضع كان للبائع أن يقبل فتصرف المشتري رضًا، وكل موضع لم يكن له أن يقبل فتصرف المشتري ليس برضًا. ١٣٥٧ - فَصْل: [طريقة تحديد الأرش] وإذا وجب الرجوع بالأرش قوّمت السلعة صحيحة وقومت وبها هذا العيب، فإن كان ينقصها عُشر قيمتها، رجع المشتري بعشر العوض؛ لأن الأرش هو حصة العيب من الثمن، والثمن عوضٌ والقيمة عوض، فمقدار ما ينقص من القيمة هو الذي يجب إسقاطه من الثمن (١).

стр. 1534

بَابْ: ما يمنع الرجوع بالأرش وما لا يمنع قال أبو الحسن: إذا تصرف المشتري في السلعة بشيء مما ذكرت لك أنه يبطل خيار الشرط وهو يعلم بالعيب، فهو رضًا ولا شيء له على البائع من ردٍّ ولا أرش؛ وذلك لأنه لما اطلع على عيبٍ كان بالخيار: إن شاء رضي، وإن شاء ردَّ، فإذا فعل ما يستدل به على الرضا قام مقام قوله قد رضيت، وهذا مثل أن يعرض السلعة على البيع أو يستام بها، وإن تصرف وهو لا يعلم وهي في ملكه، فله أن يرجع بالأرش، إلا [في] الكتابة خاصة؛ لأن التصرف جعلناه دلالة على الرضا، فإذا كان لا يعلم بالعيب استحال أن يكون راضيًا به، وإذا لم يسقط خياره وتعذَّر الرَّدُّ بتصرفه وجب الأرش. فأما الكتابة فلأنها كالبيع، ألا ترى أنه عقدٌ على الرقبة يوجب زوال اليد، وينتقل به استحقاق الأرش، فصار كالبيع، وإن كان تصرفه أخرجه من ملكه، فليس له أن يرجع بالأرش إلا في العتق خاصة، وذلك مثل البيع والهبة مع القبض؛ لأنه منع الرَّدَّ [بفعل] (١) مضمون، فصار كما لو أمسك المبيع، وقال: لا أردّه، فأما إذا أعتق فالقياس أن لا يرجع بالأرش؛ لأنه منع الرَّدّ بفعله فصار كما لو باعه. ووجه الاستحسان: أن العتق ليس بسبب موجب للضمان بكل حال، ألا

стр. 1535

ترى أن الشريك المعسر لا يضمن إذا أعتق، والشريك الموسر إذا وَكَّلَ رجلًا بالعتق لم يضمن الوكيل، فالتعذر لم يقع بفعل مضمون، وإنما وقع بزوال ملكه حكمًا فهو كموت العبد، فأما إذا أكل الطعام أو لبس الثوب حتى نقص أو هلك، قال أبو حنيفة: لا يرجع بالأرش، وقالا: يرجع استحسانًا. وجه قول أبي حنيفة: أنه منع الرَّدَّ بفعل مضمون، فصار كالقتل والمنع (١). وجه قولهما: أن الأكل واللبس تصرف للمشتري المبيع لأجله، كالعتق وهذا يبطل بالبيع. ١٣٥٨ - فَصْل: [الرَّدُّ بعد أكل بعض الطعام] وإن أكل بعض الطعام لم يرد ما بقي، ولم يرجع بالأرش فيما أكل، ولا فيما بقي عند أبي حنيفة؛ لأن الطعام كالعبد الواحد. ألا ترى أن العيب ببعضه عيب بجميعه، ومن اشترى شيئًا فوجد به عيبًا فتصرف في بعضه لم يثبت له الرَّدُّ، ولا الأرش [كذلك هنا]، واختلفت الرواية عن أبي يوسف ومحمد: فروي عنهما أنه يَردُّ ما بقي، ويرجع بأرش ما أكل؛ لأنه لو أكل الجميع رجع بالأرش، فكذلك إذا أكل البعض، وما بقي يمكن ردُّه من غير ضررٍ؛ لأنه ليس فيه عيب الشركة فيرد، وروي عنهما: أنه لا يرد ما بقي ويرجع بأرش الجميع؛ لأن في رَدِّ البعض تبعيض (٢) الصفقة فيما هو في حكم الشيء الواحد، فإذا تعذر الرَّدُّ حكمًا وجب الأرش.

стр. 1536

١٣٥٩ - فَصْل: [العلم بالعيب بعد بيع بعض الطعام] فإن باع بعض الطعام ثم علم بالعيب، لم يرجع بأرش ما باع، ولا بأرش ما بقي؛ لأنه تعذر الرد للمبيع (١) وهو فعل مضمون. ألا ترى [أنه لو ردّ ما بقي لتبعّض] (٢) الرد فيما هو في حكم الشيء الواحد، فصار كالتعذر بالبيع، واختلفت الرواية عن أبي يوسف: فروى هشام عنه: أنه يرد ما بقي، ولا يرجع بأرش ما باع (٣)؛ وذلك لأنه لو باع الكل، لم يرجع بأرشه، فكذلك إذا باع البعض ولو بقي الكل لرده، فكذلك البعض إذا لم يكن فيه ضرر الشركة، وصار كعبدين وجدَ بهما عيبًا بعدما باع أحدهما، وروى ابن سماعة عنه: أنه لا يرد الباقي، ولا يرجع بالأرش، وهذا مثل قول أبي حنيفة، وروي [عنه]: أنه يرجع بأرش ما بقي خاصة؛ لأن الرَّدَّ تعذر فيه بالتبعيض فوجب أرشه، وروى ابن رستم عن محمد: أنه لا يرجع بأرش ما باع و [ما] (٤) بقي، وهذا مثل قول أبي حنيفة، وروي أنه يرد ما بقي، وقد بينا وجه ذلك لأبي يوسف. ١٣٦٠ - فَصْل: [خروج المبيع من ملك المشتري بغير فعله] قال أبو الحسن: فإن خرج المبيع من ملكه بغير فعله مثل أن تموت الجارية، أو [يهلك] (٥) الثوب، رجع بالأرش؛ لأن الرد تعذر من طريق الحكم.

стр. 1537

ألا ترى أن الهالك لا [يمكن] (١) نقل الملك فيه، وتَعَذُّر الرَّدِّ حكمًا يوجب الأرش. قال: فإن كان ذلك بفعل غيره فوجب له الضمان، لم يرجع بالأرش. وقد قدمنا هذا في القسم الأول، وقد قالوا فيمن اشترى دارًا فبناها مسجدًا ثم اطلع على عيبٍ، لم يرجع بأرشه؛ لأن ملكه زال عن المبيع بفعل مضمون. ألا ترى أنَّ من فعل ذلك في دارٍ في يده ثم أقرَّ بِها للغير كان في حكم الغاصب، وقالوا لو اشترى ثوبًا فكفن به ميتًا ثم ظهر على عيب، فإن كان المشتري وارثًا للميت رجع بالأرش؛ لأن مقدار الكفن لا يملكه الوارث من [التركة] (٢)، وإنما هو مستحق عليه، فإذا اشتراه وكفن به فلم ينتقل بالتكفين عن الملك الذي أوجبه العقد، وقد تعذَّر فيه الرَّدُّ فيرجع بالأرش، وقالوا لو كفن بالثوب أجنبيًا تبرع بتكفينه لم يرجع بأرش العيب؛ لأنه لما ابتاع الثوب ملكه، وبالتكفين يزول ملكه عنه، وزوال الملك بفعل مضمون يسقط الأرش. ١٣٦١ - فَصْل: [حصول الفسخ بعيب خروج السلعة من ملك المشتري] قال أبو الحسن: فإن أخرج المشتري السلعة من ملكه ففسخ ذلك بعيب بقضاء أو بغير قضاء، قبل القبض كان المشتري في ذلك بمنزلة من لم يبع؛ وذلك لأن الرد بالعيب قبل القبض فسخ. ألا ترى أنه لا يقف على رضا البائع، وإذا انفسخ العقد صار كأنه لم يكن،

стр. 1538

وإن كان بعد القبض، فإن كان بقضاء فهو مثل الأول؛ لأن الرَّد بقضاء فسخ للعقد من أصله. ألا ترى أن المبيع يدخل في ملكه بغير قبوله ولا رضاه، فيصير عقده كأن لم يكن، وإن كان الرَّدُّ بغير قضاء لم يكن للبائع أن يرده (على بائعه) (١) ولا أن يرجع بالأرش؛ لأن هذا في حكم تمليك [ملك] مبتدأ. ألا ترى أنه دخل في ملكه بقبوله ورضاه، ولو رُدَّ عليه بخيار رؤية أو شرط قبل القبض أو بعده، كان له أن يردها؛ لأن هذا فسخ للعقد. ألا ترى أنه يفسخ (٢) بفعل المشتري وحده، فقد دخل في ملك البائع بغير قبوله ولا رضاه، فإن وهبها وأقبضها ثم رجع في الهبة (بقضاء أو بغير قضاء فله أن يردها؛ لأن الرجوع في الهبة عندنا) (٣) فسخ بكل حال، فصار كالفسخ بخيار الشرط، وعلى قول زفر يختلف الرجوع في القضاء وغير القضاء، وقد ذكر في الهبة مسألة تدل على اختلاف القضاء وغير القضاء [في الرجوع]، والكلام في هذا في كتاب الهبة. ١٣٦٢ - فَصْل: [ادّعاء المشتري عيبًا بالمبيع] قال أبو الحسن: وإن ادَّعى المشتري عيبًا بالمبيع، فإن كان عيبًا ظاهرًا مشاهدًا فهو على وجهين: إن كان مما لا يحدث مثله كالأصبع الزائدة والناقصة والشامة، فإن القاضي

стр. 1539

يقضي برده إذا طلب ذلك المشتري؛ لأن إطلاق العقد يقتضي الصحة، وقد علمنا وجود العيب في يد البائع، فوجب القضاء بالرد. وإن كان عيبًا يحدث مثله كالقروح والأمراض، فادّعى المشتري أنه كان في يد البائع، وادعى البائع أنه حدث في يد المشتري، لم يقبل قول المشتري، إلا أن يقيم بينة؛ لأنه يدَّعي سبب (١) الخيار، فالقول قول من ينفيه، وإن لم يقم البينة استحلف البائع بالله لقد بعته وسلمته وما به هذا العيب؛ لأن البائع جعل القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومة، والشيء [مما] يصح بَذله فكان القول قوله مع يمينه، كالمدعى عليه المال، ويستحلف على البينة لأنها يمين على فعله، وهو وقوع البيع والتسليم على صفة دون صفة، وإنما جمعنا بين البيع والتسليم؛ لأنه قد يبيعه ولا عيب به، ثم يطرأ العيب قبل التسليم فيجب الفسخ به، فلهذا يستحلف على التسليم، ولو اقتصر في اليمين على قوله والله لقد سلمته وما به هذا العيب، اكتفى بذلك؛ لأنه يجمع الأمرين. وأما إذا كان العيب مما لا يشاهد كالعيوب المتعلقة بالأفعال من السَّرَق والإباق والبول في الفراش، أو النقص في البدن الذي لا يشاهد في كل حال، كالجنون والعيوب الباطنة، فإن القاضي يسأل البائع هل هذا العيب المدَّعى موجود بالعبد (٢) أم لا، فإن جحد العيب فلا خصومة بينهما حتى يقيم المشتري البينة أن العبد قد جُنّ (٣) عنده أو أبق أو سرق؛ وذلك لأن الخصومة في العيب فرع على وجوده، فما لم يعلم وجوده باتفاقهما أو بالبينة لم تثبت الخصومة فيه،

стр. 1540

وإن طلب المشتري يمين البائع على ذلك، فإن القاضي يستحلف البائع بالله ما تعلم أن هذا العيب موجود في العبد؛ لأن دعوى العيب لو أقرَّ بها البائع [لم] تثبت الخصومة، فإذا جحدها استحلف عليها، يستحلف على العلم؛ لأنها يمين على غير فعله، فإن نكل عن اليمين أو أقرَّ بالعيب أو أقام المشتري البينة، فهو على التفصيل الذي قَدَّمناه. وإن كان العيب لا يحدث رددته، وإن كان العيب مما يحدث تثبت الخصومة فيه، على ما قدمناه في العيب الظاهر، وإن كان العيب بباطن النساء مثل الثيوبة والحبل، وما لا يطلع عليه الرجال، فإنه يرجع إلى قول النساء وتنظر إليه امرأة [ثقة] (١)، والثنتان أحوط، فإن شهدنَ بوجود العيب والمبيع في يد البائع، ردّ المبيع بشهادتهن عند أبي يوسف؛ وذلك لأن ما لا يطلع عليه الرجال فقول الواحدة فيه كالبينة، بدلالة الولادة. وإذا ثبت العيب بقولها، فالعيب الموجود في يد البائع يفسخ به (٢) البيع، وأما إن كان ذلك بعد القبض فروي عن أبي يوسف أنه قال: أثبت الخصومة بشهادتهن، ولا أردُّ بها؛ لأن المبيع في ضمان المشتري، فلا أثقل الضمان بقول النساء، وإنما أقبل قولهن في وجود العيب ليثبت (٣) الاستحلاف، وروي عنه: أن العيب إذا كان مما لا يحدث فسخ البيع بقولهن، لأن العيب يثبت بشهادتهن، وقد علمنا كون العيب في يد البائع فالفسخ لا يثبت بقولهن وإنما يثبت بحكم العقد.

стр. 1541

وأما إذا كان العيب مما يحدث فقلن: إنه كان في يد البائع لم أقبل قولهن؛ لأن هذا المعنى يمكن أن يعلم من غير جهتهن، فلا يقتصر عليهن، وأما محمد فروي عنه: أنه لا يفسخ بقولهن؛ لأنه فسخ عقد، فلا يثبت بقول النساء كالإقالة، وروي عنه: أنه يفسخ بقولهن قبل القبض وبعده؛ لأن العيب يثبت بشهادتهن للضرورة، والفسخ يثبت بحكم العقد عند ثبوت العيب، كما تثبت بشهادتهن الولادة، ويثبت النسب بعقد النكاح، وأما إذا كان العيب لا يقف عليه إلا الأطباء رجع إلى قول اثنين مسلمين ثقتين، فإذا شهدا بوجوده قبل قولهما؛ لأن الأمراض تعرف من جهتهم فرجع إليهم فيها. والله أعلم. ١٣٦٣ - فَصْل: [من لم تلزمهم الخصومة في العقد، ومن لم تلزمهم] قال أبو الحسن وأما الإمام والحاكم إذا نصَّبا رجلًا ليبيع على يتيم أو لسبي بما يتوليانه، فلا يكون البائع في ذلك خصمًا. قال: والأصل في هذه الجملة: أن العاقد لغيره إذا كان ممن يجوز أن تلزمه الخصومة كالوكيل، والشريك، والمضارب، والمأذون، والمكاتب، فالخصومة تلزمهم؛ لأنها من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد إذا كان ممن تلزمه الخصومة كالعاقد لنفسه، فمهما قضي به على العاقد رجع به على من وقع العقد له؛ لأنه قائم مقامه إلا المكاتب والمأذون، فإنهما لا يرجعان على المولى، ولكن الدَّين يلزم المكاتب، ويباع فيه المأذون، لأنهما يتصرفان لأنفسهما فلا يرجعان على غيرهما، وأما الإمام والقاضي إذا [عقد بحكم] (١) الولاية أو عقد أمينهما، لم يلزمهم الخصومة؛ لأنها (٢) لو لزمت القاضي لم يجز حكمه فيما هو خصم

стр. 1542

فيه، فلما نفذ حكمه دل على أن الخصومة لا تلزمه، إلا أنه ينصب خصمًا يخاصم في ذلك، فما مضى عليه رجع في مال من وقع التصرف له، فإن كان التصرف للمسلمين رجع به في بيت مالهم، وإن كان العاقد صبيًا محجورًا أو عبدًا محجورًا فلا خصومة عليهم، ولا ضمان، وإنما الخصومة على من وكّلهم؛ لأن العقد وقع له، والعاقد ممن لا تلزمه الخصومة، فصار كالوكيل بالنكاح. ١٣٦٤ - فَصْل: [مخاصمة الوكيل في العيب ورد المبيع بإقامة البينة] وإذا خاصم الوكيل في العيب فردَّ عليه المبيع ببينةٍ قامت [بالعيب] (١)، ردَّه على موكله؛ لأن البينة لا تتهم في حقه وحق موكله، وكذلك إن ردَّ عليه بنكوله؛ لأن النكول لا يتعلق به حكم حتى ينضم إليه القضاء فصار كالبينة؛ ولأن الوكيل لا يتهم فيه؛ لأنه لا يلزمه أن يحلف كاذبًا، وأما إذا ردَّ عليه بإقراره بالعيب، فإن كان العيب لا يحدث مثله، كان له رده على موكله، لأنا علمنا أنه كان في يده، وإن كان مما يحدث مثله، كان له خصومة موكله، فإذا ثبت أن العيب كان في يد الموكل ردَّه؛ لأن إقراره جائز على نفسه غير جائز على موكله، وهذا كله إذا ردَّ عليه بقضاء؛ لأنه عاد إليه بغير قوله ولا رضاه، فعاد على حكم الملك الأول. وأما إذا عاد بغير قضاء فهو على وجهين: كل من ملك أن يشتري بعدما باع فإنه يرده على أمره؛ لأن عود الشيء إليه بقبوله كشراء مبتدأ وهذا كالمضارب والشريك. وكل من لا يملك أن (٢) يشتري بعدما باع إذا ردَّ عليه بغير قضاءٍ، لزمه في

стр. 1543

نفسه، ولم (١) يكن له الرد على موكله فيما يحدث مثله، أو لا يحدث مثله؛ لأن المبيع عاد إليه بقبوله فعاد على حكم ملك مبتدأ، وقد ذكر محمد في البيوع ما يقتضي أن الوكيل إذا قبل المبيع بغير قضاءٍ، والعيب مما لا يحدث أنه يرده على موكله [وهذا] وليس بصحيح، والصحيح ما ذكرناه. ووجه هذا إن صحت الرواية فيه [أن] العيب الذي لا يحدث معلوم الكون عند الموكل، فالفسخ فيه مستحق، فيقع الردُّ عن مستحقه، كما قامت البينة بالعيب. والله أعلم بالصواب (٢).

стр. 1544

بَابْ: البراءة من العيوب قال أبو الحسن: إذا باع الرجل على أنه بريء من كل عيب فعَمَّ، ولم يخُصّ شيئًا من العيوب، فذلك جائز في قولهم، وقال الشافعي: البراءة من العيوب المجهولة لا تصح إلا أن تكون من باطن الحيوان، ففيها قولان، وهل يفسد العقد بشرط البراءة؟ فيه قولان (١). لنا: أن كل عيب لو ظهر وجب فسخ العقد به، جاز أن ينعقد العقد غير موجب للفسخ به كالعيب المعلوم؛ ولأنَّ البراءة حكم يتعلق بالعيب، فجاز أن يتعلق بالعيوب المجهولة الرد (٢). وهذه المسألة مبنية على أن البراءة من [العيوب المجهولة و] الحقوق المجهولة جائزة. وقال الشافعي: لا تجوز. وهو خلاف النص والإجماع. روي أن رجلين تخاصما إلى رسول الله ﷺ في مواريث قد درست (٣)، فقال: "استهما وتوخيا الحق، وَلْيَحْلِلْ كل واحد منكما صاحبه" (٤).

стр. 1545

وأما الإجماع: فلأن المسلمين في سائر الأعصار إذا حضرهم الموت استحلوا من معامليهم من غير نكير. وأما قول الشافعي إن شرط البراءة في المجهول يفسد العقد. فخلاف الإجماع؛ لأن زيد بن ثابت ابتاع من ابن عمر عبدًا بشرط البراءة من العيوب، فأراد أن يرده بعيب، فقال ابن عمر بعت بشرط البراءة، وقال زيد: إنك لم تعدد [العيوب]، فاختصما إلى عثمان ﵁، فقضى على ابن عمر باليمين، فقد أجمعوا على صحة العقد مع هذا الشرط؛ ولأن العيوب المجهولة معنى يثبت به الفسخ، فشرط إسقاطه فيما قد رآه لا يبطل العقد كالخيار المشروط. ١٣٦٥ - فَصْل: [حدوث عيب المبيع قبل القبض] قال أبو الحسن: فإن حدث به عيب (بعد البيع) (١) قبل القبض، فروى محمد عن أبي يوسف: أن البائع بريء منه بالبراءة المشروطة في البيع، وقال محمد - وهي رواية بِشْرِ وابن سماعة عن أبي يوسف، وقال زفر والحسن بن زياد -: لا يبرأ من الحادث. وجه قول أبي يوسف: أن العقد سبب لوجوب الفسخ بالعيب، فإذا أبرأه منه فقد أسقط الحق عند وجود سببه، فجاز. وجه قول محمد: أنه أبرأ عن حق لم يجب، فإذا وجب بعد البراءة لم
следующие страницы →