← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قال (١): إن اشترى هذه الأمة [مشتر بعد] (٢) زوجها الأول، وقبضها الثاني، ثم طلقها الزوج ولم يدخل بها، [ولم يخل بها] (٣)، فلا استبراء على المشتري في قول أبي حنيفة؛ لأنه لم يجب عليه بالقبض الذي هو سببه، فلا يجب عليه بعد ذلك إلا بحدوث سبب مثله. وقد قال أبو يوسف: يجب على المشتري الاستبراء كما كنت أوجبته على الزوج؛ لأنه إنما وجب على الزوج حتى لا يجتمع مع وطء الأول في طهر واحد، فكذلك المشتري. قال: وإذا حَرُمَ فرج الأمة على مولاها، ولم تخرج بذلك عن ملكه، ثم زال ذلك وحل له الوطء فلا استبراء عليه، وهذا مثل أن يكاتبها فتعجز، أو يزوجها فيطلقها الزوج قبل الدخول، أو ترتد عن الإسلام ثم تسلم؛ لأن هذا تحريم عارض مع بقاء الملك، فزواله لا يوجب الاستبراء كالإحرام. قال: ولو اشترى أمة مجوسية أو مسلمة فكاتبها قبل أن يستبرئها، ثم حاضت المكاتبة في حال كتابتها، أو حاضت المجوسية في حال مجوسيتها حيضة، ثم عجزت المكاتبة، أو أسلمت المجوسية، أجزأت تلك الحيضة من حيضة الاستبراء؛ وذلك لأن الحيضة وجدت بعد سبب الاستبراء وهو القبض، فتحريم الوطء لا يمنع من الاعتداد بها عن الاستبراء، كمن اشترى جارية مُحرمة فحاضت في حال إحرامها (٤).

стр. 1577

١٣٨٤ - فَصْل: [الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين] وإذا اشترى الرجل أختين فوطئ إحداهما، لم يحل له وطء الأخرى؛ وذلك لأن الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين لا يجوز عندنا، وهو قول عليّ ﵇، وقال عثمان ﵁: يجوز، وقال (١): أحلتهما آية - يعني قوله تعالى -: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وحرَّمتهما آية - يعني قوله : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (٢). [قال: والتحريم أولى، وقال عثمان ﵁: التحليل أولى]. والصحيح ما قاله علي ﵇؛ لأن الحظر والإباحة متى تساويا، فالحكم للحظر صحيح (٣). ألا ترى أن المحظور يجب تركه، والمباح لا يجب فعله؛ ولأنه مستلحق [نسب] (٤) ولد الأختين، فصار كما لو جمع بينهما في النكاح.

стр. 1578

[قال]: فإن أخرج [التي] (١) وطئ عن ملكه أو زوّجها، جاز أن يطأ الأخرى إذا كان استبرأها، أما إذا باعها فقد زال ملكه عن رقبتها، فصار كمن طلّق إحدى الأختين، جاز أن يتزوج أختها، وكذلك إذا أخرج التي وطئها عن ملكه بأن يزوجها أو يكاتبها؛ لأنها خرجت من أن تكون مملوكة بالوطء له، فكأنه باعها. قال: وإذا اشترى جارية بيعًا فاسدًا وقبضها لم يطأها وإن حاضت حيضة؛ لأن البيع الفاسد يجب فسخه لحق الله تعالى، فالتصرف فيه محظور، والوطء من جملة التصرف فيكون محظورًا، فإن اشتراها بعد ذلك شراءً صحيحًا وقد كانت حاضت بعد القبض في البيع الفاسد لم يعتد بتلك الحيضة؛ لأن قبض البيع الفاسد لا يبيح الوطء، والحيضة الموجودة قبل [سبب] (٢) الاستباحة لا يعتد بها. ١٣٨٥ - فَصْل: [الاستبراء في حالة شراء الجارية ثم الإقالة قبل القبض] وإذا اشترى الرجل جارية ولم يقبضها حتى [تاركه] (٣) البائع أو أقاله؛ فلا استبراء على البائع في رواية محمد عن أبي حنيفة، وهو قول محمد، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن عليه الاستبراء، وقال أبو يوسف الاستبراء على البائع. وجه ما رواه أبو يوسف - وهو القياس -: أنه لما باع فقد زال ملكه عن رقبتها، فإذا [فسخ] فقد تم ملكه بالفسخ في الرقبة والاستباحة (٤)، فصار كما لو اشترى.

стр. 1579

وجه رواية محمد: وهو الاستحسان أنها عادت إلى البائع قبل تمام ملك المشتري، فصار كما لو عادت وللبائع الخيار. ١٣٨٦ - فَصْل: [الاستبراء في الشراء الذي فيه خيار الفسخ] وإذا اشترى جارية وله فيها خيار ففسخ البيع فيها، فقد قال في الأصل: لا [يجب] استبراء على البائع في قياس قول أبي حنيفة، وأما في [قياس] (١) قول أبي يوسف ومحمد: فعليه أن يستبرئها بحيضة، وهذا فرع على اختلافهم في المِلك في بيع الخيار. فعند أبي حنيفة: أن الجارية لم تدخل في ملك المشتري، وإذا عادت إلى البائع لم يجب عليه الاستبراء، كما لو كان الخيار له. وعندهما: أنها دخلت في ملك المشتري، فإذا عادت إلى البائع وجب عليه الاستبراء كالإقالة بعد القبض، وقالوا جميعًا: لو كان الخيار للبائع ففسخ لم يجب عليه الاستبراء؛ لأنها لم تخرج من ملكه. والله أعلم بالصواب (٢).

стр. 1580

بَابْ: المبيع يحدُث فيه النماء قبل القبض أو بعده قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا أن كل نماء يحدث من (١) نفس المبيع كالولد واللبن والثمر، أو كان عوضًا عن جزء من المبيع كالأرش، أو عوضًا عما في حكم الجزء كالمهر، فإن ذلك إذا حصل قبل القبض دخل في المبيع، أما الولد: فلأن وجوب التسليم حق مستقر في الأم، والحقوق المستقرة تسري إلى الأولاد كالاستيلاد، وأما الأرش: فلأنه يدل عما كان داخلًا في البيع، وحكم البدل حكم المبدل عنه، وأما المهر: فلأن الوطء أجري مجرى إتلاف جزء من طريق الحكم فصار كالأرش. وإذا ثبت أن النماء الذي ذكرناه يدخل في البيع، [فالولد] (٢) ليس له حصة مضمونة ما دام في يد البائع، يعني إذا هلك لا يسقط بهلاكه شيء من الثمن؛ وذلك لأن الولد (بيع في العقد) (٣)، والإتباع يضمن بالقبض (ولا يضمن بالعقود، وإذا قبض المشتري صارت حصته مضمونة؛ لأن الإتباع يضمن بالقبض) (٤) ويقسم الثمن على قيمة المبيع يوم العقد، وقيمة الولد يوم القبض؛ لأن المبيع صار مضمونًا بالعقد، فاعتبرت قيمته عنده.

стр. 1581

وقد قالوا في الزيادة إذا هلكت في يد البائع: إنها تهلك بغير شيء ولا خيار للمشتري إلا في ولد الجارية خاصة؛ وذلك لأن [هذه] الزيادة لم يتناولها العقد، فإذا هلكت قبل أن تصير لها حصة مضمونة فكأنها لم تكن، وأما ولد الجارية؛ فلأن الولادة عيب في بنات آدم فيثبت الخيار لنقص الأمر لا لهلاك الولد. وأما النماء الذي يخالف ما قدمناه فلا يدخل في البيع مثل الكسب؛ لأن الحقوق المتعلقة بالرقاب لا تسري إلى الاكتساب، وأما إذا أتلف البائع النماء الذي [يدخل] في البيع ذهب بحصته من الثمن، تقسم على قيمة العقد يوم العقد وقيمة النماء يوم الاستهلاك؛ لأن البائع إذا استهلكه صار قابضًا له، والأتباع يضمن بالقبض، وإن لم [يضمن] (١) بالعقد. وإذا ضمن النماء بالقبض اعتبرت قيمته يوم القبض، فإن استهلك النماء مستهلك ضمن قيمته، فكانت مع الأصل مبيعًا؛ لأنها قامت مقام الأصل، وقد بينا دخول الأصل في العقد فكذلك بدله. قال: ولا خيار للمشتري في حدوث الزيادة إلا في ولد الجارية؛ لأن الخيار يثبت [لنقصٍ] في المعقود عليه، وحدوث النماء زيادة، وأما ولد الجارية فلا يثبت الخيار [فيه] للزيادة، وإنما يثبت للعيب الحاصل في الأم، فإن استهلك البائع النماء بطلت حصته عن المشتري، ولا خيار له في قول أبي حنيفة إلا في ولد الجارية، وقال أبو يوسف ومحمد: له الخيار. لأبي حنيفة: أن الولد لو هلك بآفة من السماء لم يثبت للمشتري الخيار

стр. 1582

على ما قدمنا، وإن لم يسقط شيء من الثمن، فإذا استهلكه (١) البائع سقط بعض الثمن؛ فلأن لا يثبت الخيار أولى. وجه قولهما: أن الولد لو دخل في العقد فإذا استهلكه البائع تفرقت الصفقة فيه، فيثبت الخيار كما لو كان موجودًا يوم العقد. وهذا لا يصح؛ لأنه استهلكه قبل أن يحصل له حصة مضمونة، فلم يكن ذلك تفريقًا، ألا ترى أنه لو كان كالموجود في حال العقد استوى هلاكه واستهلاكه في ثبوت الخيار، وأحد لا يقول هذا. ١٣٨٧ - فَصْل: [ثمرة النخل فيما إذا اشترى النخل والأرض] [قال أبو الحسن]: قال أبو يوسف: إذا اشترى أرضًا ونخلًا، فأثمرت النخل فإن الثمرة داخلة في بيع النخل دون الأرض، وقال محمد: [هي داخلة] فيهما. ومعنى ذلك: أن عند أبي يوسف إذا استهلك البائع الثمر، قسم الثمن على قيمة الأرض وقيمة النخل، فما أصاب النخل قسَمته على قيمته يوم العقد، وقيمة الثمر يوم الاستهلاك. ووجه ذلك: أن الأرض والنخل كل واحدة منهما يصح إفرادها بالعقد فالنماء من أحدهما يتبعه خاصة، ولا يتبع الآخر، كمن اشترى جاريتين فولدت إحداهما دخل الولد في [في بيع أمه] دون الأخرى، كذلك هذا. وأما محمد: فيقسم جملة الثمن على قيمة الأرض والنخل يوم العقد وقيمة

стр. 1583

[الثمر] يوم الاستهلاك. ووجه ذلك: أن النخل يدخل في بيع الأرض على طريق التبع. ألا ترى أنه لا يفتقر دخوله إلى تسمية، ولو كان هلك لم يسقط بهلاكه شيء، فصار كمن اشترى جارية فولدت ولدًا وكبر ولدها في يد البائع، وولدت ولدًا أن الثمن يقسم عليهم. يعتبر قيمة الأم يوم العقد، وقيمة الولدين يوم القبض، كذلك هذا. قال: وما حدث من النماء بعد القبض فليس بداخل في العقد دلالة، [ولا حصة له] (١) من الثمن؛ لأن العقد لم يقع عليه، ولا وقع عليه التسليم [الموجب] (٢) بالعقد، فصار كسائر أموال المشتري. والله أعلم (٣).

стр. 1584

بَابْ: الزيادة في البيع قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الزيادة في البيع بعد وقوعه وتمامه جائز عند أصحابنا جميعًا من البائع والمشتري إذا كانت الزيادة فيما لو استؤنف العقد عليها وعلى المزيد فيه جاز. أما جواز الزيادة في المبيع والثمن فهو قول أصحابنا إلا زفر، فإنه قال: الزيادة هبة مبتدأة، إن قبضت استحقت وإلا بطلت. وقال الشافعي في الزيادة في المجلس مثل قولنا، وبعد المجلس مثل قول زفر (١). لنا: أن العقد في ملكهما بدلالة جواز الفسخ فيه، فجاز إلحاق الزيادة به كحال العقد؛ ولأن البيع يقع على جارية فتلد قبل القبض فيدخل ولدها في البيع، وإذا جاز إلحاق الزيادة بغير تراضٍ من طريق الحكم؛ فلأن يجوز مع التراضي أولى، وعلى الشافعي أن العقد في ملكهما، فجاز إلحاق الزيادة به كحال المجلس. وجه قول زفر: أن المبيع داخل في ملك المشتري، والثمن في ملك البائع، فإذا زاد المشتري فهو يبذل العوض عن ملك نفسه، وهذا لا يجوز. والجواب: أن هذا العوض عندنا يلحق بالعقد من طريق الحكم ويصير

стр. 1585

كالموجود فيه، فلا يكون دفع عوض عن ملكه؛ (ولأن فيه فلا يكون دفع عوض عن ملكه) (١)؛ ولأن الموهوب له إذا قبض الهبة ثم عوّض عنها جاز، وإن كان بدفع العوض عما هو في ملكه. فأما شرط أبي الحسن: أن تكون الزيادة مما يجوز استئناف العقد [عليها] (٢) والمزيد عليه بحيث يجوز العقد عليه. فإنما شرط ذلك لأحد أمرين: أحدهما: أنه ذكر اجتماعهم (٣) والزيادة المتفق عليها ما كانت بهذه الصفة، فأما على قول أبي حنيفة فلا يحتاج إلى هذا الشرط؛ لأن الزيادة الفاسدة تلحق عنده وتفسد، والزيادة بعد هلاك المعقود عليه [تلحق]، أو يكون هذا الشرط ذكر في لزوم الزيادة لا في لحوقها؛ لأن الزيادة الصحيحة تلحق ويلزم، والفاسدة عنده تلحق ولا يلزم؛ لأن العقد عنده يبطل. قال أبو الحسن: وسواء كان ذلك قبل القبض أو بعده؛ لأن العقد في ملكهما في الحالين، وهذا هو المعنى المُجَوِّز للزيادة. قال أبو الحسن في تفسير هذه المسألة: إذا كان المبيع عبدين فزاده المشتري مائة جاز وانقسمت على قيمتهما، وكأنّ الثمن في الأصل ألف ومائة، وكذلك لو كان لكل عبد ثمن مسمى فزاده مائة، انقسمت على قدر [الثمنين] (٤)، ولو زاد في العشرة واحدًا، انقسمت على قدر الثمنين؛ وذلك لأنه إذا زاده

стр. 1586

في العبدين مائة فقد جعلها بدلًا عنهما، والبدل عن الشيئين المختلفين ينقسم على قيمتهما كأصل الثمن، وكذلك إذا كان سمى لكل عبد ثمنًا ثم زاده مائة مطلقة فيهما انقسمت على قيمتهما؛ لأن المائة بدل مطلق فصار كالأصل إذا كان مطلقًا، فأما إذا زاده في العشرة واحدًا فإن الزيادة أتبعها الثمن، فوجب أن يقسم على قدره. ألا ترى أنها لو قسمت على القيمة لصارت في أحدهما أقل من واحد في العشرة، وفي الآخر أكثر، وهذا ضد ما قصده. قال أبو يوسف: فإن اشترى عبدين صفقة واحدة بألف، فحط المشتري عنه مائة كان الحط نصفين، والحط مخالف للزيادة؛ وذلك لأن الحط لا يكون إلا من ثمن ولا يتبع القيمة، فإذا قال: حططت من ثمنهما مائة، فقد أدخلهما في الإطلاق على وجه واحد، [فتساويا] (١). قال: وإذا زيد في المبيع ما لا يجوز بيعه، أو لا يجوز الشراء به، فَقَبِلَ الآخر [انفسخ العقد] عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الزيادة باطلة والعقد بحاله. لأبي حنيفة: أن كل (معاوضة) (٢) يملكان فيها تسمية عوض [صحيح] فإذا سميا عوضًا فاسدًا فسد العقد كحال العقد؛ ولأن الزيادة الفاسدة معنىً ينفسخ به العقد، فإذا تراضيا عليها صار كتراضيهما بالفسخ. وجه قولهما: أن الزيادة الفاسدة لا فائدة في إلحاقها، وما لا فائدة فيه يلغو

стр. 1587

ويصير كأن لم يكن؛ ولأنها لا تملك لحق الله تعالى، فلا يصح اشتراطها. قال: وإن كان المبيع قد صار مما لا يجوز العقد عليه مثل أن يعتقه المشتري، أو يستولد، أو يدبر، أو يكون عصيرًا فيصير خمرًا، أو يخرجه المشتري عن ملكه، فإن الزيادة جائزة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز. لأبي حنيفة: أن العقد في ملكهما؛ بدليل أنه (١) لو اطلع على [عيب] (٢) بعد العتق أو الهلاك رجع بحصته من الثمن، فجاز إلحاق الزيادة كما لو كان باقيًا بحاله. وجه قولهما: أن الزيادة تثبت في الحال وتستند إلى حال العقد، فلا بد من اعتبار الطرفين، فإذا كان المبيع في الحال لا يجوز العقد عليه، لم تجز الزيادة في عوضه. وعلى هذا الخلاف إذا زاد الزوج في مهر المرأة بعد موتها. قال: وإذا زاد غير البائع أو المشتري في المبيع أو في الثمن، فإن كان ذلك بأمر مَن زِيْدَ عليه جاز؛ لأن الزيادة بأمره كزيادته [بنفسه] (٣)، ولو زاد بنفسه جاز، فكذلك إذا زاد وكيله. وأما إذا كان بغير أمره وقعت الزيادة على رضا مَنْ زادها عنه، فإذا أجازها جازت وإن أبطلها بطلت؛ لأنه بذل العوض عنه فصار كالعقد [له] (٤)، ثم لو عقد

стр. 1588

له عقدًا وُقف، فكذلك إذا بذل عنه زيادة في عقدٍ وقف، ولا [يجوز أن] (١) يقال: فهلا قلتم وإنه يضمن الزيادة كما يضمنها الوكيل؛ لأن الوكيل في الزيادة لا يضمن وإن أمر بالزيادة، فإذا لم يؤمر أولى. وإنما قلنا إنه لا يضمن وإن أمر [بالزيادة] (٢)؛ لأن المعقود عليه في ملك العاقد، فلا يَصحُّ أن ينتقل إلى المتولي للزيادة [وهو الوكيل] (٣)، وما لا يجوز أن ينتقل الملك فيه إلى الوكيل لا يضمن بعقده كالوكيل بالنكاح، فإن ضمن هذا الزائد الزيادة جازت، ولم يقف على رضا العاقد؛ لأنَّا أوقفناها (٤) على رضاه ليسلم من جهته، فإذا ضمنها المتولي للزيادة وبذلها، فقد حصل [العوض] (٥) فلم يقف. وهذه المسألة نظير ما قال محمد في الجامع الصغير: إذا قال الرجل: بع عبدك من فلان بألفٍ على أني ضامن لك مائة أخرى من ثمنه، ففعل جاز، وكانت هذه المائة زيادة في الثمن من جهة المخاطب. قال: وإذا زاد أحد المتعاقدين الآخر فلم يَقْبل الزيادة حتى افترقا بطلت الزيادة؛ لأنها عوض في العقد، وإيجاب العقد إذا لم يصادفه القبول في المجلس بطل، فكذلك إيجاب الزيادة. قال أبو يوسف: وإذا اشترى عبدًا بجارية وتقابضا، ثم مات أحدهما في يد

стр. 1589

مالكه، ثم زاد أحدهما صاحبه، فالزيادة جائزة عند أبي حنيفة وأبي يوسف. أما على أصل أبي حنيفة: فلما بينا أن هلاك المعقود عليه لا يمنع الزيادة، فكذلك هلاك بعضه. فأما أبو يوسف فيقول: إذا باع عبدًا بجارية فهلك أحدهما بعد القبض فالعقد قائم؛ لأن الإقالة جائزة لبقاء ما تعين بالعقد، فجازت الزيادة (كما لو لم يهلك واحد منهما) (١). وقد قالوا جميعًا في الحَطِّ (بعد هلاك المعقود عليه) (٢): [إنه] جائز، قال أبو يوسف: وهو استحسان، أما أبو حنيفة: فالهلاك لا يمنع الزيادة عنده، فلأن لا يمنع الحط أولى. وأما أبو يوسف فيقول: حكم الحَطِّ مخالف للزيادة، ألا ترى أنه يصح ملحقًا بالعقد وغير ملحق؛ لأن حط جميع الثمن يصح ولا يلحق، وليس في هلاك المعقود عليه أكثر من أن الزوائد [لا] (٣) تلحق العقد، وعدم اللحوق لا يمنع الحط على ما بينا، وأما الزيادة فلا تَصِحُّ إلا [لاحقة] (٤)، فإذا كان المعقود عليه بحيث لا يؤخذ عنه عوض لم يجز إلحاق الزيادة [فيه]. قال: وإذا مات المتعاقدان جازت الزيادة بين ورثتهما، كما كانت تجوز لأبيهما (٥)؛ لأن الوارث قام مقام الميت.

стр. 1590

قال محمد: وإذا اشترى جارية، [وقبضها، فماتت] (١) في يده، فزاد البائع المشتري جارية أخرى فالزيادة جائزة، وإن زاد المشتري البائع لم تجز الزيادة، فإن سلمها إلى البائع فله أن يرجع [فيها]؛ وذلك لأن زيادة البائع عوض عن الثمن، وحكم الثمن قائم فجازت في مقابلته، وزيادة المشتري عوض [عن المبيع] (٢)، والمبيع هلك فلا يجوز بذل العوض عنه (٣).

стр. 1591

بَابْ: ما يكره من التفريق بين الرقيق قال الشيخ رحمه الله تعالى: والأصل في هذا الباب أن كل من اجتمع في ملكه مملوكان صغيران، أو صغير وكبير وبينهما رَحِم مَحْرَم، لم يحل له أن يفرق بينهما في البيع حتى يبلغ الصغير، سواء كان ملكهما [بالسبي] (١)، أو الميراث، أو الشراء. وقال الشافعي: لا يجوز التفريق بين المملوكين إذا كان بينهما ولاد، ويجوز فيما سوى ذلك (٢). فأما الدليل على امتناع التفريق بين المملوكين إذا كان بينهما ولاد قوله ﷺ : "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين الجنة" (٣). وقال: "لا تجمعوا عليهم السبي والتفريق" (٤). ولا خلاف في ذلك.

стр. 1592

فأما مَنْ سواهم من ذوي الأرحام فالدليل على امتناع التفريق بينهما ما روي (أن رسول الله ﷺ دفع إلى عليّ ﵇ مملوكين أخوين فباع أحدهما، فقال له: اذهب فاسترد)؛ ولأن بينهما رَحِمًا كاملًا فيمنع التفريق كالوالدين؛ ولأنه ثبت لبعضهم على بعض حق الحضانة فيمنع التفريق بينهم كالأم. وقد قال أصحابنا: لا يحل التفريق حتى يبلغ الصغير، وقال الشافعي: إذا بلغ سبع سنين جاز التفريق. والذي يدل عليه ما روي أن النبي ﷺ قال: "لا تجمعوا عليهم السبي والتفريق حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" (١). ذكره الدارقطني في سننه؛ ولأن المنع من التفريق إنما ثبت لحاجة الصغير إلى الكبير، وهذا المعنى لا يستغنى عنه إلا بالبلوغ كالحضانة في حق الحرة. وقد قال أصحابنا: إذا فرق بين مملوكين فباع أحدهما، جاز البيع وقد [أَثِم] (٢)، وقال الشافعي: البيع باطل، وقال أبو يوسف: البيع باطل في الوالدين جائز في الأخوين، وقال الحسن [بن زياد]: البيع باطل في الجميع. لنا: أن النهي عن التفريق ليس لمعنىً في نفس العقد، وإنما هو لمعنى في غيره: وهو الضرر الذي يلحق الصغير، والنهي إذا كان لمعنى في غير النهي عنه لم [يفد] (٣) الفساد، كالبيع عند أذان الجمعة، وعلى الشافعي: أن التفريق مع

стр. 1593

الرحم لا يوجب فساد البيع كالأخوين. وجه قول أبي يوسف: أن الحرمة التي بين [الوالدين والولد آكد من الحرمة التي بين الأخوين؛ ولهذا ورد النص بتغليظ التفريق بين] الوالدة وولدها؛ فلذلك فسد البيع في الوالدين ولم يفسد في الأخوين. قال: وإذا اجتمع مع الصغير عدد من أقاربه في ملك واحد، فقد روى بشر عن أبي يوسف: أنه لا يفرق بينه وبين واحد منهم اختلفت جهات قرابتهم أو اتفقت، فالمختلف كالعمة والخالة، والمتفق كالخالتين والأخوين. قال: وكذلك لا يفرق بينه وبين الأبعد وإن وجد الأقرب، فقال: إذا اجتمع مع الصغير أبواه وجداه لم يفرق بينه وبين الجدين، وروى ابن سماعة عنه: أنه يجوز التفريق بين الصغير وبين الأبعد إذا وجد من هو أقرب منه. وقال محمد في الزيادات: إذا اجتمع في الصغير أبواه لم يفرق بينه وبين واحد منهما، وجاز أن يفرق بينه وبين من سواهما، وإذا اجتمعت القرابات غير الأب والأم فإن كانت من جهات مختلفة (كأب الأب، وأمّ الأم، والخال والعمة) (١)، لم يفرق بينه وبين واحد منهم، فإن كانوا من جهة واحدة كالإخوة والعمات والخالات جاز بيعهم إلا واحدًا منهم، ويجوز بيع البعيد إذا وجد من هو أقرب منه. وجه قول أبي يوسف الذي رواه بشر: أن المنع في التفريق [لأنس] (٢) الصغير بأقاربه ووحشته بفراقهم، وهذا المعنى يوجد في البعيد مع القريب.

стр. 1594

[وأما رواية ابن سماعة؛ فلأن التفريق أجري مجرى حق الحضانة، وذلك لا يثبت للبعيد مع القريب] (١). وجه قول محمد: أن القرابة إذا كانوا من جنس واحد، فلهم نوع واحد من الشفقة، وذلك النوع موجود في أحدهم، فلم يستضر الصغير ببيع الباقين، وإذا اختلفت الجهات فلكل جهة ضرب من الشفعة يخالف الأخرى، فلم يتعوض الصغير بأحدهما من الآخر، (فمنع) (٢) من بيع الجميع. قال: وإذا وجب في أحدهما حق بجناية جناها، أو بدين لزمه أو اشتراهما فوجد بأحدهما (عيبًا بعد القبض رَدّ المعيب، ودفع الجاني، وبيع المدين) (٣)، وهذا قول أبي حنيفة وزفر ومحمد، إلا أن محمدًا روى عن أبي حنيفة أنه قال: أكره للمولى دفعه بالجناية، وأحبّ له أن يفديه، وقال أبو يوسف في العيب: يردهما جميعًا. قال الشيخ: والأصل في هذا أنه متى تعلَّق بأحدهما حق لم يكره التفريق؛ لأنَّا لو لم نفرق لأسقطنا حق المولى. ألا ترى أنا نلزمه المعيب ونعين عليه الفداء، وقد يكون أكثر من قيمة العبد، ونوجب عليه قضاء الدين، وإذا فرقنا أسقطنا حق العبد، فإذا لم يكن [بد] (٤) من إسقاط أحد الحقين كان إسقاط حق العبد أولى، وإنما قال أبو حنيفة:

стр. 1595

أستحب في الجناية الفداء؛ لأن المولى مخير بين ذلك وبين الدفع، فإذا خُيّر بين التفريق وغير التفريق على وجه واحد، فترك التفريق أولى. فأما الذي قاله أبو يوسف [في الرد بالعيب، فليس بصحيح؛ لأنه يؤدي إلى ردّ الصحيح بعد القبض بعيب في غيره، وهذا لا يجوز، كما لو كانا أجنبيّين. وأما أبو يوسف] (١) فيقول: لما لم يجز التفريق ووجب الرد في المعيب، ردَّهما كما قبل القبض، ولا يكره عتق أحدهما ولا كتابته؛ وذلك لأن المنفعة التي تحصل بالعتق أكثر من الضرر الذي يوجد في التفريق، والضرر الذي قابله نفع وهو أكثر منه لم يمنع منه، وكذلك الكتابة يتوصل بها إلى العتق فهي كالعتق، وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه كره بيع أحدهما لمن يعتقه نسمةً، وأجاز البيع، وقال أبو يوسف: أفسخه، وقال محمد: لا بأس بذلك. وجه قول أبي حنيفة: أنه إذا شرط العتق في العقد فسد العقد، وإن شرط (٢) في غير العقد لم يجب الوفاء به، فاستضر بالتفريق من غير نفع حاصل فَكُرِه، وأما أبو يوسف فقال: أفسخ العقد؛ لأن البيع الذي شرط فيه العتق بيع فاسد، ففسخ للفساد لا للتفريق، وأما محمد فيقول: الغالب أنّ من اشترى عبدًا نسمة وفَّى بالشرط، فيحصل له منفعة العتق، وذلك يوحي على التفريق، ويجوز أن يكون محمد أجاب في الموضع الذي يجب الوفاء بالعتق، وهو أن يقول للمشتري: إن اشتريته فهو حر عن كفارتي فيحصل العتق لا محالة، وأجاب أبو حنيفة في العتق الذي للمشتري أن يفي به، وله أن لا يفي به.

стр. 1596

وقد قالوا في الصغير: إذا راهق فبيع باختياره [ورضاه، أنه لا] (١) يكره ذلك؛ لأن [المنع] الضرر الذي يلحقهما، فإذا اختار التفريق دلَّ ذلك على ما يقع لهما فيه، فيجوز (٢).

стр. 1597

بَابْ: الإقالة قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في جواز الإقالة (١) قوله عليه [الصلاة و] السلام: "من أقال نادمًا ببيعته أقاله الله عثرته يوم القيامة" (٢). ولأن العقد انعقد بتراضيهما، والإقالة رفع له، فصارت كالطلاق في النكاح، وإذا ثبت هذا فقال أبو حنيفة: الإقالة فسخ في حق المتعاقدين، بيع في حق غيرهما، بمعنى أن الشفعة تتعلق بها. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنها بيع بعد القبض فسخ قبله. وقال أبو يوسف: هي بعد القبض وقبل القبض فسخ إلا في العقار، فإنها بيع قبل القبض وبعده (٣). وقال محمد: إن كانت بغير جنس الثمن (الأول) (٤) أو بأكثر منه فهو بيع، وإن كانت بمثل الثمن (الأول) (٥) أو أقل، فهي فسخ بالثمن، ويبطل بشرط

стр. 1598

النقصان، (وكذلك إن أجَّل الثمن) (١). وقال زفر: هي فسخ في حق المتعاقدين وغيرهما، ولم يوجب فيها الشفعة. لأبي حنيفة: أن الإقالة عبارة عن الرفع يقال أقال الله عثرته بمعنى: رفعها، والرفع: هو الفسخ؛ ولأنها تصح من غير تسمية عوض، فلو كانت بيعًا لم تجز إلا بعوض مسمىً؛ ولأنها تصح في عبدٍ حيٍّ وعبدٍ ميتٍ، وابتداء البيع لا يجوز على هذا الوجه؛ ولأنها اختصت باسم، وكل عقد خصَّ في الشرع باسم اختص بمعنى؛ بدلالة النكاح والإجارة، ولا معنى يختص بالإقالة إلا ما ذكرنا. وجه قول أبي يوسف: أن الإقالة نقل ملك بعوض، وهذا معنى البيع، وعقد البيع لا يقف على لفظ البيع إذا وجد معناه، فإذا كان معنى البيع موجودًا والبيع يصح في المبيع بعد القبض [كانت] بيعًا، [وليس] (٢) يسري كذلك قبل القبض؛ لأنَّا لو جعلناها بيعًا كان بيعًا فاسدًا؛ لأن بيع الأعيان المنقولة قبل القبض لا يصح، فوجب حمل ذلك على وجه صحيح وهو الفسخ، ولهذا قال إنها بيع في العقار قبل القبض؛ لأن بيعه جائز. وجه قول محمد: أنهما لما عدلا (عن جنس الثمن إلى جنس آخر، وعن مقداره إلى ما هو أكثر منه، دلَّ على أنهما) (٣) لم يقصدا الفسخ؛ لأن الفسخ لا يقع إلا (على ما) (٤) وقع عليه العقد، فكان ذلك بيعًا، وليس كذلك إذا ذكر أقل

стр. 1599

من الثمن؛ لأن السكوت عن بعض الثمن كالسكوت عن جميعه، ولو سكت عن جميعه صحت الإقالة، فكذلك إذا سكت عن بعضه. وقد قال محمد في كتاب الشفعة: إن الشفيع إذا قضي له بالشفعة وطلب منه المشتري أن يقيله فيها بزيادة ثمن، فالزيادة باطلة في قول أبي حنيفة ومحمد، وإنما وافقه (١) محمد في هذه المسألة؛ لأنه حملها على الإقالة قبل قبض الشفيع الدار، ومن أصله: أن بيع العقار قبل القبض لا يصح، فحمله على الفسخ. وقد ذكر في المأذون في الإقالة بأكثر من الثمن [إنها في قول أبي يوسف ومحمد، وهذا يدل على مسألة الشفعة، وإنما قلنا] (٢): أنها بيع في حق الغير، (وعلقا) (٣) بها الشفعة. وصورة ذلك: أن يبيع الرجل دارًا فيسلم الشفيع الشفعة ثمَّ يتقايل البائع والمشتري، فللشفيع الشفعة، وقال زفر: لا شفعة له. والوجه في ذلك: أن الإقالة نقل ملك بعوض، والشفعة تتعلق بذلك، فلما عبّرا عنها بالإقالة فقد أرادا إسقاط حق الشفيع وهما لا يملكان ذلك؛ ولأن الدار عادت إلى ملكه بقبوله ورضاه فصارت كالبيع المبتدأ. وجه قول زفر: أن ما كان فسخًا في حق المتعاقدين كان فسخًا في حق غيرهما كالرد بخيار الشرط إذا ثبت ما قدمنا، فقال أبو حنيفة: إذا تقايلا بأكثر من الثمن، أو أقل، أو بجنس آخر، أو أجَّلا الثمن صحت الإقالة بالثمن وبطل ما شرطاه.

стр. 1600

وقال الشافعي: الإقالة باطلة (١). وهذا لا يصح؛ لأنه فسخ شرط فيه زيادة بدل، فصح الفسخ وبطل الشرط، كالفسخ بالخيار (٢). قال: وقبول الإقالة على المجلس؛ لأنه نقل ملك بالعوض كالبيع؛ ولأن الإقالة إذا أوجبها المشتري فإن البائع يحتاج إلى الارتياء والنظر، وذلك يتقدر بالمجلس كخيار القبول. قال: وتصح الإقالة بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل، وقال محمد لا تصح إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي، والأصل في ذلك: أن الإقالة لا يحضرها السوم في العادة فصارت كالنكاح. وجه قول محمد: أنها تمليك مال بعوض كالبيع. قال: وتصح الإقالة إذا كان ما وقع عليه العقد عينًا قائمة في يد المشتري، وسواء كان البيع على شيئين بأعيانهما بقيا جميعًا، أو بقي أحدهما إذا بقي في البيع ما يجوز فسخ البيع فيه بعيب جازت الإقالة، وإن لم يبق ذلك لم تجز الإقالة. قال الشيخ: وجملة هذا أنه إذا بقي ما يعين بالعقد، أو بشيءٍ منه جازت

стр. 1601

الإقالة منه؛ لأن العقد قائم لبقاء ما تعين به، والإقالة وُضِعت لرفعه فما دام قائمًا جازت الإقالة، وإن (لم يبق) (١) ما تعين بالعقد لم يبق العقد، فلا معنى لرفعه، ولهذا قالوا إذا باع عبدًا بثمن فهلك العبد مع بقاء الثمن لم تصح الإقالة (٢)؛ لأن الثمن لم يقع العقد عليه، وإنما هو مأخوذ عما وقع عليه العقد، وإذا لم يبق المعقود عليه لم يبق العقد، فلم تصح الإقالة (٣).

стр. 1602

بَابْ: بيوع أهل الذمة قال أبو الحسن: ما جاز بيعه بين المسلمين جاز بين أهل الذمة (١)، وما بطل بين المسلمين بطل بين أهل الذمة، إلا الخمر والخنزير فإن بيعهم في ذلك جائز. قال الشيخ: والأصل في ذلك أنَّ جميع الناس في حكم الشريعة سواء إلا ما دلَّ عليه الدليل. ألا ترى أن النبي ﵊ قال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (٢). وإذا (صاروا في حكم الشريعة سواء) (٣) حملوا عليها. فأما الخمر والخنزير فالدليل على جواز بيعهم فيهما: أنهم أُقِرُّوا بعقد الأمان على أنها مال لهم، فلو لم يجز تصرفهم فيها لخرجت من أن تكون مالًا، و [في] هذا خفر الأمان، وليس كذلك الربا؛ لأنَّا إذا منعناهم منه لم تخرج الأموال من أن تكون مالًا [لهم]؛ لأنهم يتصرفون فيها لا على وجه الربا؛ ولأن النبي ﵊ كتب إلى مجوس هجر: "إما أن تذروا الربا أو فأذنوا بحرب من الله ورسوله" (٤)،

стр. 1603

ولم يكتب إليهم في الخمر بشيء، فدل على اختلافهما. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن المسلمين بالشام يأخذون الخمر والخنزير في الجزية، فكتب إلى عماله: ولّوهم بيعها وخذوا أثمانها، فسمى العقد عليها بيعًا، وعوضها ثمنًا، وهذا يدل على (جواز) (١) البيع؛ ولأنه مال لهم أُقروا على التصرف فيه، فجاز بيعه كسائر أموالهم. قال: وإذا باع ذِمِّيٌّ خمرًا أو خنزيرًا، ثم أسلما أو أسلم أحدهما قبل القبض انتقض البيع، وإن كان ذلك بعد قبض الخمر والخنزير جاز البيع، قبض الثمن أو لم يقبض. والأصل في هذا: أنه طرأ على العقد قبل القبض [ما أوجب] (٢) تحريم مثل ذلك العقد، فبطل العقد بدلالة أن النبي ﷺ لما دخل مكة أبطل من الربا ما لم يقبض، ولم يتعرض لما قبض بالفسخ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]؛ ولأن القبض يملك به التصرف كما أن العقد يملك به العين، فإذا كان الإسلام يمنع العقد (مع) (٣) القبض، (فكذلك يمنع القبض بعد العقد) (٤)، فأما المقبوض فقد تمَّ العقد فيه، فالتحريم بعد تمام العقد لا يؤثر في العقد كالربا. قال: فإن صارت خَلًّا قبل القبض فالمشتري بالخيار: إن شاء قبض، وإن

стр. 1604

شاء ترك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قياس قول محمد: العقد باطل. لهما: أن العقد وقع صحيحًا، وإنما تعذر فيه القبض بالإسلام، فإذا صارت خَلًّا أمكن القبض، فزال المعنى المفسد فيصح العقد، إلا أن الخيار ثبت لتغيير الصفة. وجه قول محمد: أن العقد بطل بالإسلام فلا يصح إلا باستئناف، وهذا الخلاف بناه أبو الحسن على مسألة قد قدمناها: وهي المسلم يشتري من المسلم عصيرًا فيصير خمرًا قبل القبض، وقد بينا هذه المسألة. ١٣٨٨ - فَصْل: [إجبار الذمي ببيع العبد المسلم] وإذا اشترى الذمي عبدًا مسلمًا جاز البيع، وأجبر على بيعه صغيرًا كان المالك أو كبيرًا، [يجبر] (١) ولي الصغير على بيعه، فإن لم يكن له ولي أقام الحاكم له وليًا. وقال الشافعي: في أحد قوليه: البيع باطل. وعلى هذا الخلاف إذا اشترى (٢) مصحفًا. والدليل على ما قلنا: أن الكافر يملك المسلم بالميراث، فجاز أن يملك بالشراء كالمسلم؛ ولأنه يجوز له بيعه فجاز له شراؤه كالعبد الكافر (أو كالصبي المملوك إذا أسلم بنفسه) (٣)؛ ولأن المنع من ملك الكافر المسلمَ لحرمة المسلم، والحرمة في المملوك تمنع استدامة الملك ولا تمنع الملك كالابن إذا اشترى

стр. 1605

أباه، وإنما [قلنا إنه] يجبر على إخراجه من ملكه؛ لأنا لو بقّيناه [على ملكه] لاستذله بالاستخدام، والكافر لا يُمَكَّن من استذلال المسلم، فأما الصغير، فلو بقينا المسلم على ملكه لاستخدمه، ولا يمكن إلزام الصبي البيع، فيلزم ذلك وليه المالك التصرف عليه. قال أبو الحسن: وسواء كان المردود عليه مسلمًا أو كافرًا، ثم يجبر المردود عليه إذا كان كافرًا. قال الشيخ: وهذا جواب مسألة أغفل سؤالها: وهي الكافر إذا اشترى من الكافر عبدًا مسلمًا شراءً فاسدًا، فإنه يجبر على ردِّه عليه، ويجبر البائع على بيعه؛ لأن فسخ البيع الفاسد يجب لحق الله تعالى، فلو أجبرنا المشتري على البيع (كنا قد قررنا) (١) البيع الفاسد، وهذا لا يجوز، فكذلك فسخ البيع الفاسد، ثم أجبر البائع على بيعه حتى يكون قد أدى الحقين. قال: وكذلك إذا أسلم عبد الذمي بعد أن ملكه؛ لأنه لا يجوز أن يستديم الملك فيه بعد الإسلام، فيجبر على البيع. قال: فإن أعتقه الذمي جاز؛ لأنه على ملكه وقد أزال ملكه عنه بالعتق فهو كالبيع، وإن دبّره جاز؛ لأنه على ملكه ويستسعي المدبَّر في قيمته؛ لأنَّا لو بقيناه على ملكه لاستخدمه، [ولا يجوز بيعه] (٢)، ولا يجوز أيضًا أن يزال ملكه عنه بغير عوض، فلم يبق إلا السعاية التي يتوصل إلى زوال الملك، فإن كانت أمة فاستولدها قضي عليها بالسعاية؛ لأن الاستيلاد صادف ملكه فتعدّى، فلا يجوز

стр. 1606

تبقيتها على الملك فيستخدمها، ولا يجوز إزالة ملكه بغير عوض؛ لأن كل ذلك استحق إزالته، فإن الحاكم يزيله بعوض، ولا عوض في أم الولد إلا السعاية، ويُوجَع الذمي ضربًا؛ لأنه وَطِئ مسلمة، وهذا وطءٌ محرم ليس عليه حد في الشريعة، فيجب فيه التعزير، فإن كاتبه جازت الكتابة؛ لأنها صادفت ملكه، ولا يعترض عليه؛ لأن الكتابة إزالة اليد، ومنعت الاستخدام وهذا هو المقصود، فإن عتق فقد زال ملك الذمي عنه، وإن عجز أجبر على بيعه كالابتداء، وكذلك الذمي إذا ملك شِقْصًا من مسلم؛ لأنه يملك استخدام الشقص. ألا ترى أن العبد يخدم كل واحد من مواليه بقدر حقه [فلذلك يجبر] (١) على بيعه كما لو ملك جميعه. قال: وإذا كان أحد المتعاقدين مسلمًا والآخر ذميًا لم يجز بيعهما إلا بما يجوز بين المسلمين؛ وذلك لأن المسلم [منهما] (٢) لا يجوز له تملك الخمر ولا تمليكها، فلم يصح عقد الآخر معه عليها. قال: وإذا كانا ذميين أحدهما وكيل المسلم في بيع خمر أو شرائها، جاز ذلك عند أبي حنيفة وأُمِرَ المسلم أن يخللها، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. لأبي حنيفة: أن حقوق العقد تتعلق بالعاقدين، وهما كافران يجوز لهما التصرف في الخمر فجاز عقدهما، ولم يعتبر المالك كالمأذون الكافر إذا كان مولاه مسلمًا؛ ولأنَّ من أصلنا: أن المشترى ينتقل إلى الوكيل ويملكه الموكل من طريق الحكم، والمسلم يجوز أن يملك الخمر حكمًا، كما لو مات أبوه وهو حلال

стр. 1607

قد صنع الخل فاشتد قبل (أن يصير خلًّا) (١) انتقل إلى الوارث، كذلك هذا. وجه قولهما: أن المسلم لا يملك شراء الخمر فلا يملك الأمر بها، وإذا لم يصح أمره بقي الوكيل متصرفًا بغير أمره فيكون ما اشتراه له (٢). ١٣٨٩ - قال الشيخ: ومن مسائل هذا الباب إذا اقترض النصراني من [النصراني] خمرًا ثم أسلما أو أسلم أحدهما، فإن كان المقرض هو المسلم سقطت الخمر في قولهم؛ وذلك لأن المطالبة بالدين سقطت على التأبيد من جهة صاحب الحق كالبراءة، وأما إذا أسلم المستقرض فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن الخمر تسقط، وذلك لأنّ إسلام أحد المتقارضين صار كإسلام المقرض، (فيوجب سقوط الخمر بغير شيء) (٣). وقد روى محمد [و] عافية وزفر عن أبي حنيفة: أن الخمر لا تسقط، وهو قول محمد؛ لأن التسليم تعذر بفعل المسلم، فصار كما لو استهلك بعد إسلامه خمرًا على ذمي (فيلزمه قيمتها. والله تعالى أعلم بالصواب) (٤).

стр. 1608

بَابْ: اختلاف البائع والمشتري في المبيع قال أبو الحسن: وإذا اختلف البائع والمشتري فيما وقع عليه عقد البيع، أو في ثمنه، فالقول قول البائع، ويتحالفان ويفسخ البيع بينهما ويحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه. قال الشيخ: قد بَيَّنَّا في باب السلم أن القياس ينفي التحالف، وأن الخبر ورد بخلاف القياس، وبَيَّنَّا ما ذكره محمد في كتاب الدعوى (١)، فلذلك لم نعده في هذا الموضع. وأما قوله (يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه) فهذا يقتضي أن يحلف البائع بالله ما باعه بألف، ويحلف المشتري بالله ما اشتراه بألفين، (وذكر محمد في الزيادات: أن البائع يحلف بالله ما باعه بألف ولقد باعه بألفين، ويحلف المشتري: بالله ما اشتراه بألفين) (٢) ولقد اشتراه بألف، فجمع في اليمين بين النفي والإثبات، والصحيح أن الاقتصار على النفي هو الواجب؛ لأن الأيمان لم توضع على الإثبات وإنما وضعت على النفي. وما ذكره في الزيادات فإنما جعله الإثبات تأكيدًا للنفي، وهذا غير ممتنع. ألا ترى أن البينات وضعت للإثبات ثم جاز أن تؤكد بالنفي، فتشهد الشهود

стр. 1609

أن فلانًا مات وأن هذا وارثه، ولا يعلمون له وارثًا غيره. وأما قوله (ويفسخ البيع بينهما) فيدل على أنهما إذا تحالفا لم ينفسخ البيع بالتحالف حتى يفسخه الحاكم، وهذا صحيح لأن التحالف يسقط ما يدعيه كل واحد منهما من البدل، فيفسد البيع بالتحالف لعدم بدله، والبيع الفاسد لا بد له من فسخ. قال: وأيهما نكل عن اليمين لزمه دعوى الآخر؛ لأن النكول بذلٌ، وبذل الأعواض يجوز من طريق الحكم. قال: والذي يبدأ به في اليمين المشتري، فظاهر ما ذكره في الأصل وأشار إليه أبو الحسن في جامعه: أنه يبدأ بيمين البائع عند أبي حنيفة وزفر؛ لأنه قال: كان القياس أن يبدأ بيمين البائع، وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع. وقال: يبدأ بيمين المشتري، وهذا قول محمد ولم يذكر رجوع أبي حنيفة، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يبدأ بيمين المشتري، وهذا إذا كان بيع عين بثمن، فإن كان باع عينًا بعينٍ، أو ثمنًا بثمنٍ بدأ القاضي بأيهما شاء في اليمين، وقال الشافعي: يبدأ بيمين البائع (١). والأصل في البداية بيمين المشتري: أن اليمين تطلب لفائدة النكول؛ ولهذا لا يستحلف فيما لا يستوفى بالنكول، [ونكول] (٢) المشتري تتعجل فائدته وهو تسليم الثمن، ونكول البائع تتأخر فائدته؛ لأنه يقال له: أمسك المبيع حتى

стр. 1610

تستوفي الثمن، فكان تقديم يمين من (تتعجل فائدته بنكوله أولى) (١). ولهذا قلنا في العين بالعين، والثمن بالثمن، أن القاضي يبدأ بأيهما شاء؛ لأنهما تساويا في فائدة النكول، وعلى الشافعي أن الاختلاف إذا حصل في البدل ابتدأ بيمين من في ذمته البدل كالاختلاف في المهر يبدأ بيمين الزوج بلا خلاف. وجه قول زفر: قوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع" (٢)، فخصه بالذكر، وأقل (أحوال) (٣) فائدة التخصيص التقديم. ثم قال: وإذا وقع الاختلاف في صفة ما في الذمة كالمُسْلَم فيه تحالفا، فإن وقع في صفة الأعيان لم يتحالفا، وقد بينا أن الفرق بينهما: وهو أن العقد على ما في الذمة عقد على الصفة، فالاختلاف فيهما اختلاف في عين المعقود عليه. فأما الأعيان فالمعقود عليه العين، فالاختلاف في صفتها اختلاف في المعقود، فلا يوجب التحالف كالاختلاف في البراءة من العيوب. قال: وأيهما أقام البينة فالبينة بينته؛ لأنه لا يقابلها إلا الدعوى، والبينة مقدمة على الدعوى، فإن أقاما جميعًا البينة، فالبينة بينة البائع في الثمن، وبينة المشتري في المبيع؛ لأن كل واحدة من البينتين أثبتت الزيادة، والبينة المثبتة للزيادة أولى.

стр. 1611

قال: فإن كان المبيع قد هلك في يد المشتري، أو خرج عن ملكه، أو صار بحال لا يقدر على رَدِّه بعيبٍ، فالقول قول المشتري مع يمينه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كان الثمن دينًا، وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع ويجب على المشتري القيمة، وهو قول الشافعي (١). لهما: ما روي في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة في يد المشتري، تحالفا وترادا، وإن هلك المبيع فالقول ما قال المشتري" (٢). فلأنه سبب في الفسخ فلا يجوز مع هلاك المبيع كالإقالة والرد بالعيب، ولا يلزم إذا باع [عبدًا بجارية] (٣) وسلمها وهلك العبد قبل القبض، ثم اختلفا؛ لأنه لم يهلك جميع المبيع وإنما هلك بعضه، ولأنَّا سوينا في العلة بين الفسخ بالتحالف وبين الفسخ بالإقالة، وهما يتساويان في تلك المسألة؛ لأن الإقالة جائزة بعد هلاك العبد، وقد قال محمد في المبيع: إذا استهلك في يد البائع فأخذ قيمته ثم اختلفا تحالفا، وهذا لا يجوز أن يكون قوله خاصة؛ لأن التحالف [يثبت] الفائدة، [فلو تحالفا بعد الهلاك، لرجع إلى قول المشتري في القيمة، فيجوز أن يعترف] (٤) مما اعترف به من الثمن، فلا يستفاد بالفسخ فائدة، ومالا فائدة فيه فلا معنى لإثباته. وجه قول محمد: أنه اختلاف في المعقود عليه، فصار كحال بقاء السلعة؛

стр. 1612

ولأن التحالف يثبت لاستدراك الظلامة التي لا تستدرك إلا به، وهذا المعنى موجود بعد الهلاك. قال: وإن اختلفا في البيع فادَّعى البائع ثمنًا دينًا، وأقرَّ المشتري بثمن [عين]، أو ادعى البائع ثمنًا عينًا وأقرَّ المشتري بدين مثل أن يقول: اشتريت هذه الجارية بألف، فيقول البائع: بعتكها بعبدك هذا وقد قبض المشتري الجارية فماتت في يده، فإنه لا ينظر إلى دعوى البائع، وينظر إلى دعوى المشتري، فإن ادَّعَى أن الثمن دين كان القول قوله مع يمينه، وإن ادعى عينًا تحالفا وردَّ قيمة الجارية؛ وذلك لأن المعقود عليه من جهة البائع هالك، والثمن يثبت بقول المشتري، فإذا اعترف بدين فلم يبق ما تعين بالعقد فلا يثبت التحالف، وإن اعترف بعين فقد بقي ما تعين بالعقد، فيثبت التحالف كما تثبت الإقالة. قال: وإذا تحالفا وقد هلك أحد العوضين في يد الآخر ردَّ مثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن [له] مثل؛ لأن التحالف [يوجب] (١) فسخ العقد، فصار العوض مقبوضًا بعقد [منفسخ] (٢)، فيضمن بنفسه كضمان الغصب. قال: وإذا اختلفا وقد هلك بعض المبيع في يد المشتري، فالقول عند أبي حنيفة قول المشتري، ولا يتحالفان إلا أن يرضى البائع أن يأخذ الباقي، ولا يطالب بثمن الهالك، فإن رضي بذلك تحالفا كما يتحالفان إذا كان المبيع كله قائمًا، وكذلك إن نقص المبيع بعيب في يد المشتري. وقال أبو يوسف: القول قول المشتري في حصة الهالك ويتحالفان

стр. 1613

ويترادان فيما بقي. وقال محمد: يتحالفان، أما أبو حنيفة فيقول: المعنى المانع من التحالف إذا هلك جميع المبيع، أن الفسخ يقع على القيمة التي لم يقع عليها العقد، وهذا المعنى موجود إذا هلك بعضه، وليس كذلك إذا رضي البائع أن يترك حصة الهالك؛ لأنه يسقط من العقد، فصار كأن لم يكن، وكأن العقد لم يتناول إلا الباقي. وأما أبو يوسف: فقال إن التحالف سبب للفسخ كالإقالة، ومعلوم أن الإقالة جائزة إذا هلك بعض المبيع، فكذلك يثبت التحالف، وأما محمد فمن أصله: أن هلاك جميع المبيع لا يمنع التحالف فهلاك بعضه أولى، وإنما قالوا إنهما يتحالفان على جميع المبيع؛ لأنه لو حلف على الباقي كان صادقًا؛ لأنه إذا اشترى عبدين بألف وحلف أنه لم يشترِ أحدهما بحصته فهو صادق؛ فلذلك يستحلف على الجميع، وإن كان الفسخ في البعض عند أبي حنيفة [لا يجوز] (١). قال: ولو اختلفا في الثمن، فقال أحدهما: حَالٌّ، وقال الآخر: إلى شهرٍ، أو قال البائع: إلى شهر، وقال المشتري: إلى شهرين. فالقول قول البائع ولا يتحالفان، وقال زفر: يتحالفان، وهو قول الشافعي (٢). لنا: أنه اختلاف في غير المعقود عليه كالاختلاف في البراءة من العيب؛ لأن الأجل معنىً يؤثر في المطالبة، فالاختلاف فيه لا يوجب التحالف كالبراءة؛ ولأن التحالف يثبت إذا كان الاختلاف في معنى إذا سقط بيمينهما فسد العقد بسقوطه فيقتضي الفسخ، وهذا المعنى لا يوجد في الأجل؛ لأن سقوطه لا يفسد

стр. 1614

العقد، فإن قيل: فقد قلتم إن الاختلاف في الأجل في السَّلَم لا يوجب التحالف وإن كان سقوطه يفسد السلم عندكم. والجواب: أن في السلم إنما سقط بالتحالف ما بقي من الأجل، وما مضى منه لا يمكن إسقاطه، والعقد يستقل بذلك القدر. وجه قول زفر: قوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا". ولم يفصل؛ ولأن الأجل صفة في الثمن كالسود والبيض، فالاختلاف فيه يوجب التحالف كالسود والبيض. (والله أعلم بالصواب وإليه المآب) (١) (٢).

стр. 1615

بَابْ: الرجل يبيع السلعة ثم يشتريها بأقلَّ ممَّا باعها به قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجلٍ، أو بثمن حَالّ فلم يقبض الثمن حتى اشتراها بثمن من جنس الثمن، وهما [مما] لا يجوز التفاضل فيهما، فإن البيع لا يجوز في قولهم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذه هي مسألة زيد بن أرقم وقد قدمناها (١). قال: فإن كان الثمن [الثاني] من غير جنس الأول، جاز البيع إلا أن يكون أحدهما دراهم والآخر دنانير، والثاني أقل قيمة من الأول، فالبيع فاسدٌ استحسانًا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في ذلك: أن المنع من الشراء بأقل من الثمن الأول قبل استيفاء حقوق العقد الأول إنما هو لتُهْمَة الربا، والربا يثبت في الجنس الواحد ولا يثبت في الجنسين، وهذا هو القياس في الدراهم والدنانير، ولكنهم استحسنوا فيهما؛ لأنها أجريت مجرى الجنس الواحد في الأحكام. ألا ترى أن كل واحد منهما أثمان الأشياء وقِيَمُ المتلفات، فصار كأنه
следующие страницы →