← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قال: فإن كان المبيع قد هلك في يد المشتري، أو خرج عن ملكه، أو صار بحال لا يقدر على رَدِّه بعيبٍ، فالقول قول المشتري مع يمينه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كان الثمن دينًا، وقال محمد: يتحالفان ويفسخ البيع ويجب على المشتري القيمة، وهو قول الشافعي (١). لهما: ما روي في حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة في يد المشتري، تحالفا وترادا، وإن هلك المبيع فالقول ما قال المشتري" (٢). فلأنه سبب في الفسخ فلا يجوز مع هلاك المبيع كالإقالة والرد بالعيب، ولا يلزم إذا باع [عبدًا بجارية] (٣) وسلمها وهلك العبد قبل القبض، ثم اختلفا؛ لأنه لم يهلك جميع المبيع وإنما هلك بعضه، ولأنَّا سوينا في العلة بين الفسخ بالتحالف وبين الفسخ بالإقالة، وهما يتساويان في تلك المسألة؛ لأن الإقالة جائزة بعد هلاك العبد، وقد قال محمد في المبيع: إذا استهلك في يد البائع فأخذ قيمته ثم اختلفا تحالفا، وهذا لا يجوز أن يكون قوله خاصة؛ لأن التحالف [يثبت] الفائدة، [فلو تحالفا بعد الهلاك، لرجع إلى قول المشتري في القيمة، فيجوز أن يعترف] (٤) مما اعترف به من الثمن، فلا يستفاد بالفسخ فائدة، ومالا فائدة فيه فلا معنى لإثباته. وجه قول محمد: أنه اختلاف في المعقود عليه، فصار كحال بقاء السلعة؛

стр. 1612

ولأن التحالف يثبت لاستدراك الظلامة التي لا تستدرك إلا به، وهذا المعنى موجود بعد الهلاك. قال: وإن اختلفا في البيع فادَّعى البائع ثمنًا دينًا، وأقرَّ المشتري بثمن [عين]، أو ادعى البائع ثمنًا عينًا وأقرَّ المشتري بدين مثل أن يقول: اشتريت هذه الجارية بألف، فيقول البائع: بعتكها بعبدك هذا وقد قبض المشتري الجارية فماتت في يده، فإنه لا ينظر إلى دعوى البائع، وينظر إلى دعوى المشتري، فإن ادَّعَى أن الثمن دين كان القول قوله مع يمينه، وإن ادعى عينًا تحالفا وردَّ قيمة الجارية؛ وذلك لأن المعقود عليه من جهة البائع هالك، والثمن يثبت بقول المشتري، فإذا اعترف بدين فلم يبق ما تعين بالعقد فلا يثبت التحالف، وإن اعترف بعين فقد بقي ما تعين بالعقد، فيثبت التحالف كما تثبت الإقالة. قال: وإذا تحالفا وقد هلك أحد العوضين في يد الآخر ردَّ مثله إن كان له مثل، وقيمته إن لم يكن [له] مثل؛ لأن التحالف [يوجب] (١) فسخ العقد، فصار العوض مقبوضًا بعقد [منفسخ] (٢)، فيضمن بنفسه كضمان الغصب. قال: وإذا اختلفا وقد هلك بعض المبيع في يد المشتري، فالقول عند أبي حنيفة قول المشتري، ولا يتحالفان إلا أن يرضى البائع أن يأخذ الباقي، ولا يطالب بثمن الهالك، فإن رضي بذلك تحالفا كما يتحالفان إذا كان المبيع كله قائمًا، وكذلك إن نقص المبيع بعيب في يد المشتري. وقال أبو يوسف: القول قول المشتري في حصة الهالك ويتحالفان

стр. 1613

ويترادان فيما بقي. وقال محمد: يتحالفان، أما أبو حنيفة فيقول: المعنى المانع من التحالف إذا هلك جميع المبيع، أن الفسخ يقع على القيمة التي لم يقع عليها العقد، وهذا المعنى موجود إذا هلك بعضه، وليس كذلك إذا رضي البائع أن يترك حصة الهالك؛ لأنه يسقط من العقد، فصار كأن لم يكن، وكأن العقد لم يتناول إلا الباقي. وأما أبو يوسف: فقال إن التحالف سبب للفسخ كالإقالة، ومعلوم أن الإقالة جائزة إذا هلك بعض المبيع، فكذلك يثبت التحالف، وأما محمد فمن أصله: أن هلاك جميع المبيع لا يمنع التحالف فهلاك بعضه أولى، وإنما قالوا إنهما يتحالفان على جميع المبيع؛ لأنه لو حلف على الباقي كان صادقًا؛ لأنه إذا اشترى عبدين بألف وحلف أنه لم يشترِ أحدهما بحصته فهو صادق؛ فلذلك يستحلف على الجميع، وإن كان الفسخ في البعض عند أبي حنيفة [لا يجوز] (١). قال: ولو اختلفا في الثمن، فقال أحدهما: حَالٌّ، وقال الآخر: إلى شهرٍ، أو قال البائع: إلى شهر، وقال المشتري: إلى شهرين. فالقول قول البائع ولا يتحالفان، وقال زفر: يتحالفان، وهو قول الشافعي (٢). لنا: أنه اختلاف في غير المعقود عليه كالاختلاف في البراءة من العيب؛ لأن الأجل معنىً يؤثر في المطالبة، فالاختلاف فيه لا يوجب التحالف كالبراءة؛ ولأن التحالف يثبت إذا كان الاختلاف في معنى إذا سقط بيمينهما فسد العقد بسقوطه فيقتضي الفسخ، وهذا المعنى لا يوجد في الأجل؛ لأن سقوطه لا يفسد

стр. 1614

العقد، فإن قيل: فقد قلتم إن الاختلاف في الأجل في السَّلَم لا يوجب التحالف وإن كان سقوطه يفسد السلم عندكم. والجواب: أن في السلم إنما سقط بالتحالف ما بقي من الأجل، وما مضى منه لا يمكن إسقاطه، والعقد يستقل بذلك القدر. وجه قول زفر: قوله ﵊: "إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا". ولم يفصل؛ ولأن الأجل صفة في الثمن كالسود والبيض، فالاختلاف فيه يوجب التحالف كالسود والبيض. (والله أعلم بالصواب وإليه المآب) (١) (٢).

стр. 1615

بَابْ: الرجل يبيع السلعة ثم يشتريها بأقلَّ ممَّا باعها به قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل سلعة بثمن إلى أجلٍ، أو بثمن حَالّ فلم يقبض الثمن حتى اشتراها بثمن من جنس الثمن، وهما [مما] لا يجوز التفاضل فيهما، فإن البيع لا يجوز في قولهم. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وهذه هي مسألة زيد بن أرقم وقد قدمناها (١). قال: فإن كان الثمن [الثاني] من غير جنس الأول، جاز البيع إلا أن يكون أحدهما دراهم والآخر دنانير، والثاني أقل قيمة من الأول، فالبيع فاسدٌ استحسانًا. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في ذلك: أن المنع من الشراء بأقل من الثمن الأول قبل استيفاء حقوق العقد الأول إنما هو لتُهْمَة الربا، والربا يثبت في الجنس الواحد ولا يثبت في الجنسين، وهذا هو القياس في الدراهم والدنانير، ولكنهم استحسنوا فيهما؛ لأنها أجريت مجرى الجنس الواحد في الأحكام. ألا ترى أن كل واحد منهما أثمان الأشياء وقِيَمُ المتلفات، فصار كأنه

стр. 1616

اشتري بجنس ما باع بأقل من الثمن الأول. فإن قيل: إن كانت الدراهم والدنانير أجريتا مجرى الجنس الواحد فيما ذكرتموه، فقد أُجرِيَتا مجرى الجنسين في جواز التفاضل، فهلّا اعتبرتم ذلك؟ قلنا: إذا أجريا مجرى الجنس في حكم، ومجرى الجنسين في حكم كان اعتبار ما يوجب الحظر أولى. قال: ولا يجوز أن يشتري ذلك وكيل للبائع، ولا مضارب ولا شريك في تلك التجارة، ولا مدبر للبائع ولا مكاتب ولا عبد ولا مأذون له في التجارة؛ وذلك لأن شراء هؤلاء يقع للبائع، فكأنه اشتراه بنفسه. قال: وإن اشتراه والد البائع أو ولده أو من لا يجوز شهادته له، لم يجز عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: ذلك جائز. لأبي حنيفة: إن ملك هؤلاء قد أجري مجرى ملكه؛ لامتناع [شهادتهم له، و] (١) شهادته لهم، فكما لا يجوز أن يشتريه لنفسه، [كذلك] لا يجوز أن يشتريه من لا تجوز شهادته له. وجه قولهما: أن ملك هؤلاء متميز عن ملكه، فصار كالأجانب. قال: وكذلك لا يجوز للمولى أن يشتري ما باعه مكاتبه ولا عبده المأذون ولا مضاربه؛ لأن أملاك هؤلاء غير متميزة عن ملكه، فصار ما باعوه كما باعه هو.

стр. 1617

وقد قال أبو حنيفة: ولو وكَّل البائع من يشتريه بأقل من الثمن الأول فاشتراه، فالشراء جائز، وقال أبو يوسف: الشراء لازم للوكيل ولا يلزم المُوَكِّل، وقال محمد: الشراء يلزم الوكيل (١) شراءً فاسدًا، وهذه مبنية على اختلافهم في توكيل المسلم الذمي بشراء الخمر. وجه البناء: أن الشراء يتعلق حقوقه بالوكيل وينتقل المبيع إليه، وإنما يملكه الموكل من طرف الحكم، وهذا غير ممنوع منه، كما لو مات المشتري فورثه البائع. وأبو يوسف يقول ما لا يجوز له أن يشتريه لا يصح أمره بشرائه، فيصير المشتري مشتريًا بغير وكالة، فيلزمه المبيع دون الموكل، وأما محمد فقد فرق بين هذه المسألة وبين الخمر فقال: الموكل لو اشترى الخمر لم يملكها، فكذلك وكيله إذا اشترى [له. وفي مسألتنا: الموكل لو اشترى ملك المشتري ملكًا فاسدًا، فكذلك وكيله إذا اشترى له] (٢). قال: ومن باع لغيره بوكالة ثم اشتراه لنفسه بأقلّ، لم يجز؛ لأن [حقوق العقد] (٣) تتعلق به فصار كأنه باع لنفسه، وإن قبض الثمنَ ثم اشترى بأقل جاز؛ لأنه استوفى حقوق العقد الأول، فلم يعتبر أحكامه في الثاني؛ ولأن القياس أن يجوز الشراء بكل حال، وإنما تركوا القياس إذا لم يقبض الثمن للخبر، فإذا قبض فهو على أصل القياس، وكذلك لو حدث بالسلعة عيب؛ لأن النقصان يجعل في

стр. 1618

مقابلة العيب الحادث، ولا يتبين أنه اشترى بنقصان مما باع. وكذلك لو خرجت السلعة من ملك المشتري فاشتراها من المالك الثاني جاز، إلّا أن يكون وارثًا؛ لأن اختلاف الملكين كاختلاف العينين، فكما يجوز أن يشتري عينًا أخرى بأقل، فكذلك يجوز أن يشتري تلك العين من مالك آخر بأقل، فأما إذا مات المشتري فاشتراها البائع من وارثه بأقل لم يجز؛ لأن الوارث يملكها على حكم ملك الميت، بدلالة أنه يردها على بائعها بالعيب، فصار الشراء من الوارث كالشراء من المورّث. قال: وإن باع المشتري السلعة فعادت إليه بملك مستأنف جاز للبائع أن يشتريها بأقلّ مما بَيَّنَّا أن اختلاف الملكين كاختلاف العينين، فإن عادت إليه على حكم الملك الأول لم يجز؛ لأن الملك الأول لما عاد عادت حقوقه (١) أيضًا. قال: ولا يجوز أن يبيع سلعة بألفٍ حالٍّ ثم يشتريها بذلك الثمن إلى أجل، ولا أن يبيعها بأجل ثم يشتريها بأجل أكثر من ذلك؛ لأن الأجل نقصان من طريق المعنى، فصار كالنقصان في القدر. والله أعلم (٢).

стр. 1619

بَابْ: المبيع يجنى عليه قبل القبض قال أبو الحسن: وإذا اشترى الرجل جارية فلم يقبضها حتى جنى عليها المشتري جناية ينقصها، فهو لها قابض بذلك؛ وذلك لأنه استوفى الجزء التالف بالمباشرة، وثبتت يده على بقيتها من طريق الحكم. ألا ترى أن الإنسان لا يتمكن من الجناية إلا بعد ثبوت يده [عليه]، وثبوت اليد على المبيع قبض، فإن ماتت في يد البائع من تلك الجناية وقد منعه البائع أو لم يمنعه ماتت من مال المشتري؛ لأن التالف بالسراية في حكم التالف بالمباشرة، ومعلوم أن البائع لو منع الجارية فأتلفها المشتري كانت من ضمانه، فكذلك إذا تلفت بالسِّراية من جنايته. وإن ماتت من غير الجناية فإن كان البائع لم يمنعه فهي من مال المشتري، وإن كان منعه لزم المشتري حصة العيب وبطل عنه ما بقي؛ وذلك لأن البائع إذا لم يمنع فحكم القبض بحاله، وتلف المبيع بعد القبض من ضمان المشتري وإن لم يكن بفعله، وأما إذا منع البائع فقد فسخ قبض المشتري، وله حق الفسخ ما لم يستوفِ الثمن، فصار الهلاك في يد البائع فهو من ضمانه. قال: وما كان من الجنايات له قدر من دية الحر معلوم، فهو مثل ذلك من قيمة العبد؛ وذلك لأن القيمة بدل عن رقبة العبد، كالدية التي هي بدل عن رقبة

стр. 1620

الحر، فما قدّر (١) من الأعضاء ء بجزء من الدية، فكذلك يتقدر بجزء من القيمة، فأما إذا قطع المشتري يده لزمه نصف الثمن؛ لأن اليد من الحُرِّ يجب فيها نصف الدية، فمن العبد مقدر بنصف بدله (٢)، وإن منع البائع فمات من غير الجناية، بطل عن المشتري نصف الثمن ولزمه نصفه، لما قدمنا. فإن كان البائع جنى على العبد أول مرة، بطل من الثمن بقدر ذلك، وخُيِّرَ المشتري، وهذا على ما بينا؛ لأن البائع لا يجوز أن يلزمه قيمة ما أتلف من المبيع قبل القبض، لأنه لو وجب ذلك لوجب تسليمه [بعقد البيع]، وما وجب تسليمه بعقد البيع فهو مبيع، والقيمة لا تجوز أن تكون مبيعًا في الذمة. وقد قال الشافعي: إن البائع إذا أتلف المبيع وجب عليه القيمة. وهذا غلط؛ لأنها جناية من البائع قبل القبض كالجناية في المجلس، وإنما [يثبت] (٣) الخيار للمشتري؛ لأن العيب [قد لحق] (٤) المبيع قبل القبض. قال: فإن اختار المشتري أخذه فلم يقبضه حتى مات من الجناية أو غيرها، مات من مال البائع وبطل الثمن عن المشتري؛ لأنه تلف قبل القبض، وفوات القبض في المبيع يوجب فسخ العقد. قال: فإن قبضه المشتري فمات في يده من جناية البائع أو غيرها، سقطت عنه حصة جناية البائع، ولزمه ما بقي من الثمن؛ وذلك لأن قبض المشتري مع

стр. 1621

علمه بالجناية مسقط لسرايتها. ألا ترى أن القبض يقع به التمليك فصار كالعقد، ومعلوم أن العقد على المجني عليه يسقط سراية الجناية عن الجاني، فكذلك القبض يسقط السراية الحاصلة بجناية البائع أيضًا، وليس هذا كما لو جنى المشتري ثم منعه البائع فمات من جناية المشتري؛ لأن قبض البائع لا يملك به شيء فلا تسقط [به] السراية. قال: فإن جنى عليه المشتري بعد جناية [البائع] كان المشتري قابضًا لما بقي ولزمه ثمن ما بقي، ولا خيار له؛ لما بينا أن الجناية قبض للجزء الفائت بالمباشرة والباقي من طريق الحكم، وفي قبض العبد المجني عليه يسقط خياره فيه. قال: فإن [بدأ] (١) المشتري فجنى ثم جنى البائع ولم يقبض البائع الثمن فالمشتري بالخيار: إن شاء قبض وأعطى البائع حصة جنايته وحصة ما قبض ويسقط عنه حصة جناية البائع، وإن شاء ترك؛ لأن المشتري لما جنى فقد قبض جزءًا بالمباشرة وصار قابضًا لما بقي من طريق الحكم، فلما جنى البائع فقد فسخ قبض المشتري، وله ذلك ما لم يستوفِ الثمن، فصارت هذه الجناية عيبًا بالمبيع قبل القبض، فيثبت للمشتري الخيار. قال: فإن مات العبد في يد البائع [بعد] الجنايتين جميعًا، فعلى المشتري خمسة أثمان الثمن، وسقط عنه ثلاثة أثمان الثمن؛ وذلك لأن المشتري لما قطع يده صار مستوفيًا للنصف، فلما قطع البائع رجله صار مستوفيًا لنصف ما بقي،

стр. 1622

فإذا تلف العبد من الجنايتين كانت السراية عليهما نصفين فيحتاج إلى عدد له ربع، [ولربعه] (١) نصف، (وأقل ذلك ثمانية) (٢)، فاجعل العبد ثمانية أسهم، استوفى المشتري بقطع اليد أربعة، والباقي بقطع الرجل سهمان وبقي سهمان تلفا بالسرايتين، فكان على كل واحد منهما سهم، فلذلك لزم المشتري خمسة أثمان الثمن وسقط عنه ثلاثة أثمان. قال: فإن برأ العبد من الجنايتين واختار أخذه لزمه ثلاثة أرباع الثمن (وبطل) (٣) عنه الربع؛ لأن نصف الثمن لزمه بالقطع وربع الثمن سقط بجناية البائع، وبقي من العبد الربع، فإذا اختار قبضه لزمه حصته وهي الربع مضافة إلى النصف الذي لزمه بالقطع. قال: فإن جنى البائع أولًا ثم المشتري والمسألة على حالها فلا خيار للمشتري، فإن مات العبد من الجنايتين لزم المشتري ثلاثة أثمان الثمن، وبطل عنه خمسة أثمانه، وإن برأ لزمه نصف الثمن؛ وذلك لأن البائع لما قطع اليد أولًا انفسخ العقد في نصف العبد وثبت للمشتري الخيار، فلما قطع الرِّجْلَ فقد أسقط خياره؛ لأنه قبض مع العلم بالعيب ولزمه ربع الثمن، فلما مات العبد من الجنايتين انقسمت السراية عليهما، فيلزم المشتري سهم بالسراية مضافًا إلى ما لزمه بالقطع؛ فلذلك لزمه ثلاثة أثمان. فإن قيل لما قطع المشتري الرِّجْلَ، فقد صار قابضًا بعد [جناية] البائع، وقد

стр. 1623

قلتم أن قبض المشتري يسقط عن البائع حكم السراية، وقد ألزمتموه هاهنا السراية!؟. والجواب: أن القبض في الحقيقة هو القبض الذي أوجبه البيع، وذلك القبض يملك به التصرف فتسقط السراية، فأما القبض بالجناية فليس هو القبض الذي أوجبه البيع، وإنما صار قبضًا من طريق الحكم، فلا يسقط حكم السراية، فإن جنى على العبد أجنبي، لزمه من القيمة قدر نقصان الجناية، وكان المشتري بالخيار: إن شاء أخذه واتبع الجاني، وإن شاء ترك، وتصدق المشتري بما زاد من القيمة على الثمن إذا كان ما حكم به على الجاني من جنس الثمن، وإنما لزم الجاني الأرش؛ لأنه جنى على ملك غيره، والجناية على ملك الغير مضمونة، وإنما جاز أن يبقى البيع؛ لأن هذه القيمة لا يجب تسليمها بعقد البيع. ألا ترى أنَّا لو قدرنا ارتفاع العيب (١) وجبت أيضًا، وإنما يثبت للمشتري الخيار؛ لأن صفة المعقود عليه تغيرت فصارت دراهم بعد أن كانت لحمًا ودمًا، وإنما يتصدق المشتري بالفضل؛ لأنه ربح ما لم يكن في ضمانه وقد (نهى النبي ﵊ عن ربح ما لم يضمن) (٢). قال: فإن جنى المشتري ثم الأجنبي، لم يتصدق المشتري بشيء مما يأخذ من الجاني؛ وذلك لأنه لما ابتدأ بالجناية صار قابضًا للعبد، فإذا أخذ الأرش فقد (٣) ربح فيما في ضمانه فلا يتصدق بشيء منه.

стр. 1624

قال: ولو كان الثمن مقبوضًا والعبد في يد البائع، فجنى عليه البائع وحده. فالجواب: فيما يسقط عن المشتري كما قدمنا؛ لأنه في ضمان البائع، وإن قبض الثمن فإذا جنى انفسخ البيع فيما جنى عليه. قال: فإن كان المشتري هو الذي جنى أولًا ثم جنى البائع، لزم البائع من القيمة ما يلزم الأجنبي؛ لأن المشتري لما جنى أولًا فقد صار قابضًا، وليس للبائع فسخ قبضه؛ لأنه لم يبق له حق في الثمن، فصارت جنايته بعد القبض كجناية الأجنبي. قال: ولو كان البائع جنى أولًا ثم جنى المشتري والثمن مقبوض، فما تلف بجناية البائع قبل جناية المشتري بطل فيه البيع، وما تلف بالسراية من جناية البائع بعد جناية المشتري فعلى البائع فيه القيمة؛ وذلك لأن البائع لما بدأ بالجناية انفسخ العقد فيما جنى فيه، فلما جنى المشتري صار قابضًا فما تلف بعد ذلك بسراية جناية البائع فقد تلف بعد القبض، وقد بينا أن جناية البائع بعد القبض كجناية الأجنبي، فكذلك سراية جنايته بعد القبض كسراية جناية الأجنبي، فيجب فيها القيمة. والله أعلم بالصواب وإليه المآب.

стр. 1625

[بَابْ: الربا] (١) قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: التفاضل في البيع يحرم بشيئين: الكيل مع الجنس، والوزن مع الجنس إلى آخر الفصل. قال الشيخ ﵀: وجملة ما يقال [في هذا] أن الربا في اللغة: عبارة عن الزيادة. وفي الشرع: عبارة عن عَقدٍ فاسدٍ بصفة، سواء كان هناك زيادة أو لم يكن، ألا ترى أن بيع الدراهم بالدراهم نسيئةً ربا، ولا زيادة هناك؛ ولهذا قال عمر ﵁: إن آية الربا من آخر ما أنزل الله، وإن رسول الله ﵇ قُبضَ قبل أن نسأله عنها، وهو رجل من أهل اللغة، فلو كان الاسم باقيًا على ما كان عليه في اللغة لم يحتج إلى تفسيره. وتحريم الربا يثبت في الأشياء الستَّة: الذهب والفضة، والحنطة والشعير، والتمر والملح. أجمعت الصحابة على ذلك، إلَّا ابن عباس فإنه قال: يجوز التفاضل فيها ويحرم النسأ، والدليل على فسادِ قوله: ما روي عن عبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ قال: "الذهبُ بالذهبِ مثلًا بمثل،

стр. 1626

وزنًا بوزن، عينًا بعين، هاء وهاء، والفضل ربا، والفضةُ بالفضةِ مثلًا بمثلٍ، وزنًا بوزنٍ، عينًا بعينٍ هاء وهاء، والفضلُ ربا، والبر بالبر، مثلًا بمثلٍ كيلًا بكيلٍ، يدًا بيدٍ، عينًا بعينٍ، والفضلُ ربا" (١). إلى أن ذكر بقية الأشياء الستة، فلا يخلو هذا الخبر إما أن يكون هذا من خبر الاستفاضة، كما يقول؛ لأن الأمة تلقته بالقبول وعملت بموجبه لأجله (أو يكون من أخبار الآحاد) (٢) وأيهما كان فهو حجَّة؛ لأنَّ الصحابة أنكروا على ابن عباس هذا القول؛ لأنَّ أبا سعيد الخدري مشى إليه وقال له: أصحبت رسول الله ﷺ ما لم نصحبه؟ أسمعت منه ما لم نسمع؟ قال: لا، قال: فوالله لا آواني وإياك ظل بيتٍ أبدًا وأنت على هذا القول. والواحد من الصحابة متى انفرد بقول فأنكروا عليه ولم يسوِّغوا له الخلاف؛ لم [يعتد] (٣) بخلافه عليهم، ولو ثبت خلافه، فقد روى جابر بن زيد أن ابن عباس لم يمت حتّى نزل (٤) عن قوله في الصَّرف والمُتعة، [وهذا بعدما قال له عليّ ﵁: إنك رجل تائه]، وإذا لم يخالفه غيره ثمّ رجع، فصارت المسألة إجماع الصحابة، ولو لم يثبت رجوعه فإن إجماع التابعين يسقط خلافه. واحتجَّ ابن عباس، فقال: حدَّثني أسامة بن زيد أن النبي ﵊ قال: "لا ربا إلَّا في النسيئة" (٥).

стр. 1627

وهذا الخبر لا يُعارِضُ خبرنا؛ لأنَّه لم يَروه إلا واحدٌ، وخَبرنا رواه أربعة، وزيادة الروايات ترجيح؛ ولأنَّ خبرنا يقتضي الحظر، وخبرهم يقتضي الإباحة، فكان خبرنا (١) أولى؛ ولأن تناوله يحتمل أن يكون ﵊ سُئل عن بيع الفضة بالذهب، فقال: "لا ربا إلا في النسيئة"، فسمع [أسامة] (٢) الجواب العام، ولم يسمع السؤال الخاص، ولا يمكن تأويل خبرنا، فكان ما ذهبنا إليه أولى. ١٣٩٠ - فَصْل: [القياس في الربا على الأنواع الستة] ثم اتَّفقت الأمة على أن الربا لا يختص بالأشياء الستة بل يتعداها إلى غيرها قياسًا عليها، إلا عثمان [البتّي] (٣) في المتقدِّمين، وداود في المتأخرينَ، والدليل على بطلان قولهما؛ قوله ﷺ : "لا تبيعوا الصاع بالصاعين ولا الصاعين بالثلاثة" (٤) والمراد بذلك ما يدخل تحت الصاع وهذا عام في كل مكيل. ورُويَ أن وكيله ﷺ بخيبر حمل إليه تمرًا جيدًا، فقال له: "أكل تمر خيبر هكذا"، قال: لا، ولكنَّا نبيع الصاعين من الجمع بالصاع من هذا، فقال: "لا تفعلوا، ولكن بيعوا تمركم بثمن، واشتروا به هذا" (٥)، وكذلك الميزان، وهذا عام في كل ما يوزن، وهذه المسألة فرع على وجوب القول بالقياس، وداود لما منع القياس جعل الحكم مقصورًا على ما ورد به النصُّ.

стр. 1628

فأمَّا عثمان [البتي] فيقول بالقياس؛ إلَّا أنه يشترط وجوب إقامة الدليل في كل أصل يقاس عليه، وليس هذا قولنا، بل نقول: القياس يجب على كل أصل إلا أن يدل دليل على المنع منه، وليسَ هذا موضع الكلام في هذه المسألة. فإن قيل: قال رسول الله ﷺ : "خمسٌ يقتلهن المحرم في الحل والحرم" (١) فلم تقيسوا عليها [غيرها، وذكرتم التحريم في الأشياء الستة، فقستم عليها غيرها، فما الفرق بينهما؟]. قيل له: القياس لا يجوز على الأصل إذا أدَّى إلى إبطالهِ، لأنا نقيس لنستفيد بالقياس الحكم في غير الأصل، ونَتَحَرّس الأصل، ورسول الله ﷺ حصر ذلك بعدد، والقياس عليه يؤدِّي إلى إبطال الحصر، فلهذا لم نقس عليه، وفي مسألة الربا، لم يقل [الربا] في ستَّة أشياء، حتى يكون القياس عليه مؤدِّيًا إلى إبطال أصله؛ فلهذا جاز القياس عليه. ١٣٩١ - فَصْل: [علة تحريم الربا] فأمَّا العِلَّة التي يتعلّق بها تحريم التفاضل: فهي الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس، والعلة التي يتعلق بها فسادُ البيع عند وجود التفاضل عدمُ العلم بالمماثلة من [طريق] (٢) الكيل أو الوزن مع الجنس. وقال مالك: الاقتيات والادخار مع الجنس، وقال ابن سيرين: تقارب المنافع [مع الجنس]، وقال الشافعي: الأكل مع الجنس، وربما [قال]: الطعم

стр. 1629

مع الجنس، وفي الذهب والفضة كونهما ثمنًا (١). والدليل على صحّة علتنا: أنهم أجمعوا أن الكيل أو الوزن له تعلق بالحكم، ألا ترى أن من أثبت الربا بغير هذه العلة يقول: إن جواز العقد موقوف على التساوي في الكيل أو الوزن دونَ غيرهما، وتعليق الحكم على ما أجمعوا أنَّ له به تعلّقًا أولى من تعليقه على ما اختلفوا في تعلقه به. وأما علّتهم فتبطل بمسألة العرايا (٢)؛ لأن البيع جائز عندهم مع وجود الطعم، [وعدم] (٣) المماثلة من طريق الكيل، ويبطل ببيع الشاة بالشاتين؛ لأنها مأكولة، وقد جاز (٤) التفاضل بها. فإن قالوا: إن الأكل [لا يتأتى] فيها إلا بعدَ فعل حادث، يبطل بالملح وبالحنطة؛ لأنهما ليسا بمأكول في العادة إلا بعد فعل حادث. والدليل على صحة حُكمنا: وهو ثبوت الربا في المكيل الذي لا يؤكل قوله ﷺ : "لا تبيعوا الصاع بالصاعين". والمراد به: ما يدخل تحت الصاع وهذا عام في كل مكيل. وقال في قصة تمر خيبر: (بيعوا تمركم هذا بثمن واشتروا به هذا) وكذلك الميزان، وهذا عام في كل ما يوزن.

стр. 1630

والدليل على إبطال حكمهم: وهو أن المأكول الذي لا يكال ولا يوزن فيه الربا عندهم، أن الفرع يقاس بالأصل ليلحق به في حكمه على الوجه الذي يثبت [به] الحكم في الأصل، ومعلوم أن النبي ﷺ علق الحكم في الأصل بجواز العقد عند التساوي في الكيل أو الوزن، وبطلانه عند عدم ذلك، وهذا المعنى لا يوجد فيما لا يكال ولا يوزن، فلا يمكن إلحاقه به، ولأن النبي ﷺ ذكر الأشياء الستة، وبيّن جواز العقد عليها عند صفة، وفساده عند صفة أخرى، فلا يمكن إلحاق فرع به، ولا طريق إلى صحة العقد فيه بحال. فأما الدليل على صحة علتنا في الموزونات: فحديث خيبر، وما ذكرنا أنهم أجمعوا أن للوزن تعلقا بالحكم، وعلتهم باطلة؛ لأنها لا تتعدى أصلها فلا يستفاد بها. فائدة: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] فهذا يدل على أن الربا إنما يثبت فيما يؤكل فليس بصحيح؛ لأنه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، ولم يدل ذلك على تخصيص التحريم بالمأكول. واحتجاجهم (بنهيه ﷺ عن بيع الطعام بالطعام) لا يصح؛ لأن إطلاق الطعام يتناول الحنطة دون غيرها. وقولهم إن الحكم يوجد بوجود علتنا، ويعدم بعدمها، يبطل بالعرايا بل نقول إن الحكم يوجد بوجود علتنا، ويعدم بعدمها. وقولهم إن علتكم تعود على أصلها بالتخصيص، لا يصح؛ لأن النبي ﷺ

стр. 1631

لما قال: (الطعام بالطعام مِثلا بمثلٍ كيلًا بكيل) (١) لم يتناول لفظه إلا ما يصح أن يكال، ثم لو كان اللفظ عامًا لم يكن التخصيصُ بهذه العلة، وإنما نخصه بعلة أخرى منتزعة من الثياب فلم تكن هذه مخصَّصة [لأصلها] (٢). ١٣٩٢ - فَصْل: [بيع التمرة بالتمرتين] وعلى هذا الأصل قال أصحابنا: بجواز بيع التمرة بالتمرتين، والحبة بالحبتين، وقال الشافعي: لا يجوز (٣). وقد بينا أن العلة هي الكيل، فما لا يتأتى فيه الكيل لا يثبت فيه التحريم؛ ولأن التمرة والتمرتين تباع عددًا في العادة، فصار كالثياب. وما يحتجون به أن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا مثلًا بمثلٍ) خبر لا يعرف، ولا ذكره أحد في كتاب مسندًا، وإنما المروي: (الطعام بالطعام مثلًا بمثلٍ كيلًا بكيلٍ)، وهذا لا يتناول إلا ما يكال منه دون ما لا يكال. ١٣٩٣ - فَصْل: [العلة التي تتعلق بها الربا] وإذا ثبت أن العلة التي تتعلق بها الربا ذات وصفين على ما بينا، فمتى وُجِدا جميعًا، حرم التفاضل والنَّساء، وهذا خلاف ابن عباس، وقد دللنا عليه، وإذا عدما جميعًا حلّ التفاضل والنَّساء لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولأن التحريم مأخوذ من النص ومن عِلّة النص، فما

стр. 1632

لم يوجد فيه نصّ ولا علته فهو على أصل الإباحة، وإن عُدم الجنس ووجد المعنى المضموم إليه، حلّ التفاضل وحرم النَّساء لقوله ﷺ : (إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد (١) ولا خير فيه نسيئة)، وهذا أصل جارٍ إلا في مسألة واحدة، وهو: استحسان في الدراهم إذا أسلمها في الموزونات جاز ذلك، مع وجود الوزن. فمن أصحابنا من قال: تحريم النَّساء يتعلق باتفاق الوزن على صفة واحدة، والزعفران يوزن وزن القَبَّان، والدراهم توزن وزن الميزان، فلم يتفقا [في الوزن] على صفة. ومنهم من قال: القياس أن لا يجوز، وإنما تركوا القياس بالإجماع. وتخصيص العلة عندنا جائز في الشرعيات؛ ولأن الحاجة تدعو إلى السَّلَم في الموزونات، وغالب الأثمان الدراهم والدنانير، ولو لم يجز سلفها في الموزونات ضاق على الناس، فجوّزوا ذلك للضرورة. ١٣٩٤ - فَصْل: [وجود الجنس مع عدم المعنى المضموم إليه] وأما إذا وُجد الجنس وعُدِم المعنى المضموم إليه، مثل الهَرَوِيُّ بالهَرَوِيِّ والمَرْوِيُّ بالمَرْوِيِّ (٢)، فإن النَّساء لا يجوز عندنا، وقال الشافعي: يجوز (٣). والدليل عليه: أنه وُجد أحد وصفي علة الربا، فكان له تأثير في المنع من

стр. 1633

النسأ، كالمعنى المضموم إلى الجنس؛ ولأن تجويز النسأ في الجنس يؤدي إلى أكل المال (١) بالباطل؛ لأنه يسلم ثوبين مرويين في ثوب على صفتهما، فيأخذهما المسلَم إليه، ويرد أحدهما عند الأجل، ويبقي الآخر في يده بغير عوض، وهذا أكل مالٍ بالباطل. ١٣٩٥ - فَصْل: [الاختلاف في جنس الأشياء] وقد قال أصحابنا: إن الحنطة والشعير جنسان، يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا. وقال مالك: هما جنس واحد (٢). والدليل عليه: أن النبي ﷺ أفرد الشعير بالذكر عن الحنطة، ثم قال: (وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)، فالظاهر أن المراد به اختلاف ما تقدم، فدلَّ على جواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا؛ ولأنهما مختلفان في اسمهما وصفتهما، والمقصود من كل واحدٍ منهما، فصارا كسائر الأجناس المختلفة. وقد ذكر أبو الحسن في هذا الباب: بيان الأجناس المختلفة، وما ذكره ظاهر، ونحن نضم إليه ما لم يذكره. منها: ثمار النخل كلها جنس واحد، لا يجوز فيه التفاضل لقوله ﵊: (والتمر بالتمر مثلًا بمثلٍ) وهو عام، فأما بقية الثمار فثمرة كل نوع من الشجر جنس مخالف لثمرة النوع الآخر والكُرُوم كلها جنس واحد، والكُمَّثْرَى جنس واحد وإن اختلفا، والتفاح

стр. 1634

جنس، ويجوز بيع الكمثرى بالتفاح متفاضلًا، لأنهما جنسان، والحديد والرَّصَاص والصُّفْر كل واحد منهما جنس لا يجوز التفاضل فيه، ويجوز بيعه بالآخر متفاضلًا، فأما اللحمان فأصولها معتبرة، فالبقر والجواميس جنس واحد ولحمانها جنس واحد، لا يجوز التفاضل فيها، والإبل جنس واحد بخاتيها وعِرابها، وكذلك لحمها، والغنم جنس واحد ضأنها ومعزها لا يجوز التفاضل فيها، ويجوز بيع كل واحد منها بالآخر متفاضلًا. وقال الشافعي: كلها جنس واحد (١). والدليل عليه: أن أصولها أجناس، فما يتولد منها أجناس كالأولاد، والألية واللحم جنسان، يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، (وشحم البطن والألية جنسان، يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا) (٢)، وشحم الجَنْب لا يجوز بيعه باللحم متفاضلًا؛ لأنه لحم، ويجوز بيعه بالألية وشحم البطن متفاضلًا. والقطن والكتان جنسان يباع أحدهما بالآخر متفاضلًا. والمُشَاقَّةُ (٣) والكتان جنس واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا، وغزل القطن وغزل الكتان وغزل الصوف وغزل الشعر أجناس، يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا، ولا يجوز بيع كل واحد منهما بصاحبه متفاضلًا، ولا يجوز بيع غزل القطن بالقطن متساويًا؛ لأن القطن ينقص إذا غزل، فهو كالدقيق بالحنطة.

стр. 1635

وقال بشر عن أبي يوسف: في لحم الطير أنه يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلًا، وإن كان من نوع واحد؛ قال: لأنه لا يوزن في العادة، وأما الأدهان: فالخلّ والزيت جنسان، يجوز التفاضل بينهما، وكذلك إذا اختلف ما يطيّب بالدهن، جعله جنسين وإن كان أصله واحدًا، فيجوز التفاضل فيه، وقالوا: يجوز بيع دهن البنفسج بدهن الخيري اثنان بواحد؛ لأن المقاصد فيهما تختلف. وقالوا: يجوز بيع قفيز (١) سمسم مُربى بقفيزين سمسم غير مربى، وجعلوا الرائحة التي فيها بإزاء الزيادة، وقالوا: لا يجوز بيع رطل من زيت غير مطبوخ برطل زيت مطبوخ مطيّب؛ لأن الرائحة زيادة، فكأنه باع زيتًا بزيت وفضلٍ. قال أبو يوسف: اللهم إلا أن تكون الرائحة التي تطبخ بها تزيد في وزنه، حتى لو خلص نقص، فيجوز بيعه مَنًّا بِمَنَّيْنِ وزيادة، فيكون الزيت المطيب بمثله من الزيت، والزيادة بزيادة الرائحة. وقالوا: يجوز [أن] يبيع مَنًّا من دهن الخل بِمَنٍّ من دهن البنفسج، وفرقوا بينه وبين الزيت المطيّب؛ لأن دهن الخل لا يصير بنفسجًا أبدًا، والزيت الذي لم يطبخ يصير مثل المطبوخ (٢) إن طبخ، فأما الثياب فإنها تتجنس بأصولها وبصفاتها، فالمروي جنس غير الهروي، والمروي الذي ينسج ببغداد جنس غير الذي ينسج بخراسان، وإن جمعهما الاسم لاختلاف الصفة (٣).

стр. 1636

[٣٧] بَابْ: السَّلَم قال أبو الحسن ﵀: أسلم ما يكال فيما يوزن، وما يوزن فيما يكال، ولا يسلم ما يكال فيما يكال، ولا ما يوزن فيما يوزن، وقد بيّنا حكم هذه الجملة، وبينا أن كل واحد من وصفي علة الربا تؤثر في النسأ. قال أبو الحسن: والسَّلَم (١) يصح بشرائط سبعة عند أبي حنيفة إلى آخر ما ذكر. قال الشيخ: السَّلَم في اللغة: عقد يتضمن تعجيل أحد البدلين، وتأخير البدل الآخر، وَهو من نوع عقد البيع، إلا أنه لما اختص بحكم - وهو تعجيل قبض رأس المال - اختص باسم، كما أن الصرف من نوع البيع، فلما اختص بوجوب التقابض في بدليه اختص باسم. والدليل على أن السَّلَم يُسمى بيعًا: أن الصحابة رووا "أن النبي ﵊: نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان (٢) ورخَّصَ في السَّلَم"، وإنما قال ذلك رسول الله ﷺ

стр. 1637

في حالين، فلما خافوا أن ينقلوا العموم دون ما أوجب التخصيص جمعوا بين اللفظين. والدليل على جواز السلم: ما روي أن النبي ﷺ قال: "من أسلم فلْيُسْلِم في كيل معلوم أو وزن معلوم" (١)، وأسلم رسول الله ﷺ إلى زيد بن سَعنة في تمر. ١٣٩٦ - [فَصْل: شرائط صحة السلم] والسلم يصح عند أبي حنيفة بذكر شرائط سبعة: جنس معلوم كقولنا تمر، ونوع معلوم كقولنا بَرْني، وصفة معلومة كقولنا جيد أو رديء، وقدر معلوم كقولنا قفيز أو مَنّ، وأجل معلوم كقولنا شهر أو سنة، ومعرفة قدر رأس المال، إذا كان مما يتعلق العقد على قدره [مثل] (٢) المكيلات والموزونات والمعدودات. فإن كان مما لا يتعلق العقد على قدره مثل الثياب، اعتبر معرفة عينه وبيان المكان الذي يقبض فيه المسلم (٣) فيه، إذا كان مما له حمل ومؤونة. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان رأس المال عينًا مشارًا إليها، لم يحتج إلى معرفة قدره ولا يحتاج إلى تسمية المكان، ويسلمه في مكان العقد، وهذه الشرائط ليست التي يصح العقد بها [فإن العقد يحتاج إلى مسائل كثيرة في صحته]، وإنما هي التي يحتاج إلى ذكرها، ولهذا لم يشترط فيها قبض رأس المال في المجلس.

стр. 1638

والأصل في اعتبار الشرائط قوله ﵊: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" فاعتبر ﷺ معرفة القدر؛ لأن جهالته تؤدي إلى جهالة المقبوض، وكل ما أدى جهالته إلى جهالة المقبوض وجب ذكره قياسًا على القدر، وذَكَرَ الأجل المعلوم؛ لأن جهالته تؤدي إلى جهالة القبض. وكلّ جهالةٍ في القبض وجب نفيها قياسًا على الأجل المعلوم، وإذا ثبت هذا قلنا: لا بد من ذكر الجنس ليصير المقبوض معلومًا؛ لأنه لو قال أسلمت إليك في شيء، فقال أحدهما: هو الحنطة، وقال الآخر: هو الشعير، فصار المقبوض مجهولًا، وكذلك النوع؛ لأنه إذا قال: أسلمت في تمر، فقال أحدهما: هو بَرني، وقال الآخر: شهري، وكذلك الصفة؛ لأنه إذا قال: تمر برني، جاز، لأن قول أحدهما جيد والآخر رديء. فأما المقدار فقد نص رسول الله ﷺ على وجوب معرفته. فأما الأجل فعندنا هو شرط في المسلم فيه، وقال الشافعي: إذا أسلم في الموجود جاز حالًا ومؤجلًا، وإن أسلم في معدوم لم يكن (١) بد من الأجل (٢). والدليل على اعتبار الأجل حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار العام والعامين فقال: "أسلموا في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم" فشرط الأجل، ذكر هذا اللفظ الطحاوي في الاختلاف. ولا يقال إن السلم ليس بواجب، فكيف يجب تأجيله؛ لأن ما لا يجب إذا فعله الإنسان لزمه بشرائطه، كما تجب الطهارة لصلاة النافلة، ولأن جهالة الأجل

стр. 1639

تفسد العقد، فكان ذكره شرطًا كالقدر، ولأن التأجيل أحد صفتي الدين، فوجب أن يكون شرطًا في أحد بدلي السَّلَم كالحلول. وقول الشافعي: إذا جاز السلم مؤجلًا فجوازه حالًا أولى؛ لأنه أبعد من الغرر، وهذا يبطل على أصله بالكتابة، ولأنا لم نجوّزه في المؤجل لبعده من الغرر، حتى يكون ما هو أبعد منه أولى، وطريق الأولى يستعمل في شيئين اشتركا في علة واحدة، ولأحدهما مَزِيّة على الآخر. ١٣٩٧ - [فَصْل: أقل أجل السلم] حكى الطحاوي عن ابن أبي عمران أنه كان يذكر من مذهب أصحابنا: أن الأجل في السلم لا يكون أقل من ثلاثة أيام؛ لأنها مدة ملحقة بالعقد كالخيار، وقد روي عنهم أيضًا خلاف ذلك وقالوا: لو شرط نصف يوم جاز؛ لأن الثلاثة ليس أدنى مدة الخيار، وإنما هي أقصاها، وأدنى مدة الخيار لا يتقدر، فكذلك أدنى الأجل لا يتقدر. ١٣٩٨ - [فَصْل: اعتبار قدر رأس المال] وأما الدليل على وجوب اعتبار قدر رأس المال وإن كان معينًا؛ فلأنه أحد بدلي عقد السلم، فكان معرفة قدر ما يتعلق العقد على قدره شرطًا كالمسلم فيه؛ ولأن ترك معرفة المقدار تؤدي إلى جهالة المقبوض في الثاني؛ لأنه إذا أسلم كفًا من دراهم فوجد بعضها زيوفًا، ردّه وانفسخ العقد فيه، ولم يعلم مقداره من رأس المال، وكل جهالة يجوز أن تطرأ على عقد السلم، ويمكن نفيها عن العقد، فنفيها واجب كالسلم بمكيال بعينه، وليس كذلك إذا كان رأس المال ثوبًا؛ لأن قدره ليس بمعقود عليه، ألا ترى أن من اشترى ثوبًا على أنه عشرة أذرع، فوجده أحد

стр. 1640

عشر، سلّم له، ولو كان القدر معقودًا عليه لم يستحق الزيادة كالدراهم، ومعرفة ما ليس بمعقود عليه لا يعتبر كمعرفة القيمة. وجه قولهما: أن البدل المعتبر (١) لا يفتقر العقد إلى معرفة قدره كالبدل في البيع. ١٣٩٩ - فَصْل: [دليل وجوب ذكر مكان القبض] وأما الدليل على وجوب ذكر المكان الذي يقبض فيه؛ فلأن المعقود عليه، يختلف باختلاف الأماكن لما يلزم عليه من الحمل والمؤونة، فصار مجهولًا بجهالة مكان قبضه، فلم يكن بد من ذكره، وهذا المعنى متفق عليه إلا أنهما قالا: مكان العقد مكان التسليم. والدليل على بطلان ذلك: أن من باع حنطة في السواد لم يجب تسليمها في البلد، ولو كان التسليم في مكان العقد من مقتضى العقد لم يختلف، ولأنه لو كان من موجب العقد لم يجز نفيه عن العقد بالشرط كسائر موجبات العقود، فلما جاز أن يشترط التسليم في غير مكان العقد، دل على أنه ليس من موجب العقد. ولا يقال أن نقد البلد يُنفى بالشرط وإن كان من موجب العقد؛ فإن ذلك يثبت بالعادة، فأما بموجب العقد فلا. ولا يقال: إن العقد يقتضي الملك ثم ينفى بشرط الخيار؛ لأن القياس يمنع ذلك، وإنما عدلنا عن القياس للخبر. ولا يقال: إن موجب العقد حلول الثمن وينفي بشرط التأجيل؛ لأن العقد

стр. 1641

الذي ثمنه مؤجل غير العقد الذي ثمنه حال، فكان كل واحد من العقدين غير الآخر. ولا يقال: إن موجب النكاح مهر المثل ويُنفى بالتسمية؛ لأنّ النكاح لا يبطل بنفي موجبه. وجه قولهما: أن المعقود عليه ملك في هذا المكان فتسليمه يجب فيه كما أن من اشترى حنطة في السواد وجب تسليمها فيه؛ لأنها ملكت في ذلك المكان. ١٤٠٠ - فَصْل: [مكان تسليم ما لا حمل ولا مؤونة له] وأما ما لا حمل له ولا مؤونة: فالصحيح عند أبي حنيفة أنه يسلم حيث لقيه؛ لأنه لا يختلف باختلاف الأماكن لأجل الحمل، وإنما يختلف لرغبة الناس في مكان دون مكان، فصار كالأثمان، وقد روي عن أبي حنيفة: أنه يسلمه في مكان العقد وهو قولهما؛ لأنه مَلَكَ في ذلك المكان فتسليمه (١) فيه. ١٤٠١ - مَسْألة: [قبض رأس المال في السلم] قال أبو الحسن: وإذا وقع السلم لم يجز أن يفترقا من غير قبض رأس المال عينًا كان أو دينًا، فإن افترقا قبل قبضه بطل السلم [عندنا]. قال [الشيخ]: قبض رأس المال في المجلس شرط في صحة السلم، وقال مالك: يجوز تأخيره يومًا ويومين، والدليل عليه: أن النبي ﷺ "نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم". والسلم في اللغة: عقد يتضمن تعجيل أحد البدلين وتأخير البدل الآخر،

стр. 1642

فما سوى ذلك مبقي على أصل النهي، ولأنه ﷺ "نهى عن الدَّين بالدَّيْن والكالئ بالكالئ" (١) ولو لم يقبض رأس المال إذا كان ثمنًا صار دينًا بدين، ولأنه لو جاز تأخير قبضه يومًا ويومين جاز شهرًا وشهرين كثمن البيع، وأما إذا كان رأس المال عينًا من غير الأثمان، فالقياس أن لا يبطل السلم بالتفرق قبل القبض؛ لأنهما افترقا عن عين بدين وإنما استحسنوا في إبطال العقد لما قدمناه من الخبر. ١٤٠٢ - فَصْل: [الافتراق قبل القبض] قال أبو الحسن: ولا يجوز أن يفترقا ولهما أو لأحدهما خيار شرط وذلك لأن خيار الشرط ينفي الملك [بفعلهما] (٢)، وعدم القبض يمنع صحة العقد، فعدم الملك بفعل أحد المتعاقدين أولى، ولأن القبض الصحيح شرط في العقد، والخيار المشروط يمنع صحة القبض. فإن قيل: أليس لو أقبضه دراهم مستحقَّة ثم افترقا، فأجاز صاحبها صحَّ العقد، وإن لم يحصل الملك في المقبوض. قيل له: إنه لم يمتنع الملك بفعل واحدٍ من المتعاقدين، وإنما امتنع حكمًا، فإذا أجيزَ صَارَ كَأَنَّ العَاقدَ سَلَّم ملكَ نفسهِ. ١٤٠٣ - فَصْل: [الخيار يثبت حكمًا] قال: فإن كان فيه خيارُ رُؤية أو عيب لم يفسدِ العقد، وإن افترقا؛ وذلك لأنَّ هذا الخيار يثبت حكمًا، ألا ترى أنه يثبت في الصرف، ولا يمنع صحَّة

стр. 1643

التقابض، فلم يمنع صحَّة القبض في مسألتنا. ١٤٠٤ - فَصْل: [الإحالة أو الحوالة برأس المال] قال أبو الحسن: فإن أحال رب السلم المسلم إليه برأس المال على رَجُل أو كفل له به، أو أخذ به رهنًا، ثم فارقَ المسلم إليه، وترك الكفيل أو المحتال عليه مع [المسلَم إليه] (١) بطل السلم. قال: أمَّا الحِوالَة فهي جَائزة برأسِ المال والمُسلَم فيه، وقال زفر: لا يجوز. لنا: قوله ﷺ : "مَن أحيل على مليء فليتبع" (٢)؛ ولأنَّ المحتال عليه يقوم مقام المحيل في الدفع فصار كوكيله: زفر يقول: إنَّه أقام ما في ذمَّةِ المحال عليه مقام ما في ذمَّته، فكأنَّه أخذ عوضًا عن رأس المال أو المُسلم فيه. وأمَّا الكفالة فتجوز عندنا برأس المال والمُسَلَم فيه. وقال زفر: لا تجوز، وذكر ابن شجاع عنه: أنَّها تجوز بالمُسلم فيه، ولا تجوز برأس المال. لنا: قوله ﷺ : "الزعيمُ غارم" (٣)، ولم يفصّل؛ ولأنَّ الكفيل يقوم مقام

стр. 1644

المكفول عنه في الأداء كوكيله. وجَهُ قول زفر: أنَّه أقام ما في ذمَّة الكفيل مقامَ ما في ذمَّته فصارَ كالبدل عنه. وأمَّا فرقه بين رأسِ المال والمسلم فيه على رواية ابن شجاع؛ فلأن رأس المال يقبض في المجلس، والكفالة يحتاجُ إليها في الديون التي يتأخر قبضها، والمسلم فيه يتأخر قبضه؛ فلذلك جازت الكفالة [به]. وأمَّا الرهن فيجوز عندنا برأس المال، والمُسَلَم فيه، وقال زفر: لا يجوز. لنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال ابنُ عباس: [أشهد] (١) أن السلم المؤجل في كتاب الله تعالى دينًا، [وتلا] هذه الآية (٢)، وإذا تضمَّنت المداينة السّلم، وقد أجَاز الله تعالى الرهنَ فيه فدَلَّ على جَوازه؛ ولأن الرهنَ وثيقة كالشَّهَادة. وجَه قول زفر: أن الرَّهن إذا هلك صارَ المرتهنُ مُستوفيًا لدينه منه، واستيفاء غير رأس المال والمسلم فيه لا يجوز. والجوابُ: أنَّ الرهنَ إذا هلكَ لم يَصر عوضًا عن الدين، وإنَّما يصير المرتهنُ مستوفيًا لنفس حقِّه بهلاكه حكمًا؛ الدليل عليه: أن الكفيل لو رَهَنَ المكفول له رهنًا فهلك رَجعَ على المكفولِ عنه بدَيْنِه، وقد قالوا في العبد الرهن إذا مات وجبَ كفنه على الراهن، ولو كانَ المرتهنُ [صار به] مُستوفيًا، وجبَ كفنه عليه.

стр. 1645

فإذا ثبت ما ذكرنا؛ قلنا: إذا فارقَ ربُ السلم المسلم إليه بطل العقد، وإن كان الكفيل والمحال عليه في المجلس؛ لأنَّ القبضَ من حُقوق العقد، وحقوق العقد يتعلَّق بالعاقدين، فإذا افترقا بطل العقد، ولم ينفع بقاء غيرهما. ولو فارقهما الكفيل أو المحال عليه وهما في المجلس لم يبطل العقدُ؛ لأنَّ صحَّة العقد يتعلَّق بهما، فمفارقة الكفيل كعدَمهِ. وكذلكَ لو افترقا بعد قبض الرهن برأسِ المال بطل العقدُ؛ لأنَّهما افترقا من غير قبض. ولو هلكَ الرهنُ في المجلسِ صحَّ العقد؛ لأنَّه يصير مستوفيًا لرأس المالِ بهلاكه حُكمًا فهو كالاستيفاء بالمُباشرة. فإن أخذ بالمُسلم فيه رَهنًا ثم افترقا جَاز؛ لأنَّ قبضَ المُسلم فيه لا يُعتبر في مجلس العقد. فإن هلك بعد ذلك صار ربُّ السلم مستوفيًا للمُسلم فيه؛ لأنَّ الرهنَ عندنا يهلك بأقل من قيمته ومن الدين. ١٤٠٥ - مَسْألة: [إبراء المسلم إليه من رأس المال] قال أبو الحسن: ولا يجوز للمُسلم إليه أن يبرئ من رأسِ المالِ؛ وذلك لأنَّ قبضه في المجلس واجب لحقِّ الله تعالى، فإذا أبرأه سقط القبضُ فيه، وبطل العقد. وهذا إذا قبل رب السلم البراءة، فإن ردَّها لم يبطل [السَّلَم] (١).

стр. 1646

لأنَّ العقدَ صحَّ بتراضيهما، والمسلم إليه بالبراءة يُريد الفسخَ، فلا يفسخ إلا برضا الآخر. ١٤٠٦ - فَصْل: [أخذ شيء عوض رأس المال من غير جنسه] ولا يجوز أن يأخذ عوضَ رأس المال شيئًا من غير جنسه؛ وذلك لأنه يسقط القبض فيه، وإسقاط القبض يُفسدُ العقدَ، فإن أعطاه من جنس ذلك أجودَ منه أو أرْدَأَ منه ورضي المسلم إليه بالرديء جَاز؛ وذلك لأنَّ هذا ليسَ بعوض، [وإنما] (١) خالفَ البدل في الصفة، ألا ترى أن من اشترى عبدًا فوجده مقطوع اليدين، فالبيع جَائز ولو كان تغير الصفة، [فخرج المعقود] (٢) عليه من جنسهِ، وجبَ أن يَبطل العقد إلَّا أنَّهُ لا بدَّ من رضا المسلم إليه إذا كانَ ما أعطاه دون حقِّه؛ لأنَّ في ذلك إسقاط حق له وهو الجودة. فأمَّا إذا أعطاه أجود من حَقِّه أجْبر على أخذه، وقال زفر: لا يأخذه إلا برضاه. لنَا: أن الجودة لا تخرج الشيء من جنسه، فإذا دفع أجود [مما] (٣) عليه فقد سمحَ بالجودة، وهي غير منفردة عن العين، فلا يعتبر [فيه] الرضا كإيفاء الوزن. وزفرُ يقول: تبرع عليه بالجودة، فله أن يقبل التبرع وله أن يَرده. ١٤٠٧ - فَصْل: [أخذ عوض المسلم فيه من غير جنسه] وكذلك لا يجوز أن يأخذ عوض المسلم فيه من غير جنسه؛ لقوله ﷺ :

стр. 1647

"من أسلم في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره" (١). ولأنَّ المسلم فيه في حكم الأعيان؛ بدلالة جَوازِ الفسخ عليه مع هلاك رأس المال والأعيان التي تنقل وتحول؛ لا يجوز التصرفُ فيها قبل القبض. فإن أعطاه من جنسه أجودَ منه أو أدون [منه] ورضي ربُّ السلم بالأدنى، جَاز على ما بَيّنّاه في رأس المال. ١٤٠٨ - فَصْل: [إبراء رب السلم المسلم إليه] وإن أبرأ رَبُّ السلم المسلمَ إليه جَاز، وسلم له رأس المال؛ لأنَّه دين لا يستحقُّ قبضه في المجلس، فجاز أن يبرئ عنه كسائر الديون. ١٤٠٩ - مَسْألة: [الإقالة في عقد السلم] وإن تقايلا جاز وردَّ عليه رأس ماله لما رُوي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أقال نادمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة" (٢) وروي عن جماعة من الصحابة أنَّهم قالوا: لا تأخذ إلا سَلمك أو رأسَ مالك، وإنما يأخذ رأس المال عندَ الفسخ؛ ولأنَّها معاوضة تحتمل الفسخ، فصحَّت الإقالة فيها كالبيع. ١٤١٠ - فَصْل: [الإقالة في البعض وأخذ البعض] وإن أقاله في بعض وأخذ البعض فهو جائز، وقال مالك: لا يجوز، وروي

стр. 1648

عن ابن عباس أنَّه سئل عن ذلك، فقال: ذلك المعروفُ الحسنُ الجميلُ، وعن ابن عمر: أنَّه لا يجوز (١). لنا: أنه تجوز الإقالة في جَميعه، فجازت في بعضهِ كالبيع، [ومالك يقول] (٢) الإقالة بيع، فإذا أقال في البعض على أن يأخذ الباقي كان بيعًا فيه شرط فيبطله، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الإقالة عندنا فسخ وليسَ ببيع، وقبض الباقي لا يجبُ بالإقالة حتَّى يعتبر شرطًا فيها، [وإنما] (٣) يجب بمقتضى العقد. ١٤١١ - فَصْل: [ما لا يجوز أن يأخذ إذا تقايلا] وإذا تقايلا لم يجز أن يأخذَ برأس المالِ شيئًا من غير جنسه استحسانًا، والقياسُ أن يجوز، وهو قول زفر. وجه القياس: أنَّه دين لا يجبُ قبضه في المجلس، ولا هو مسلم فيه، فجازَ التصرُّفُ فيه قبل القبض كسائر الديون. وجه الاستحسان: قوله ﷺ : "مَن أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره". وقول الصحابة لا تأخذ إلا سَلمك أو رأس مالك؛ ولأنَّه بعدَ الفسخ رأس مال بدلالة جَواز الفسخ عليه، والفسخُ [إنما] (٤) يقع عَلى ما وقع عليه العقد، ورأس المال لا يجوز التصرُّفُ فيه، أصله حال بقاء العقد. وقد قال الطحاوي: إن قياس قولهم أنَّه لا يجوز تأجيله، وهذا ليسَ

стр. 1649

بصحيح؛ لأنَّه دين لا يجبُ قبضه في المجلس ولا يثبت على وجهِ التبرّع، فجاز تأجيله كسائر الديون، وليسَ إذا لم يجز التصرّف فيه لم يجز التأجيل؛ لأنَّ المسلم فيه لا يجوز التصرُّف فيه، ويجوز تأجيله. ١٤١٢ - فَصْل: [التصرف في رأس مال في السلم الفاسد] وأمَّا السلم الفاسد فيجوز التصرُّف فيه في رأس مَاله قبل القبض؛ لأنَّ القياس يقتضي جواز التصرُّف بكل حالٍ، وإنما تركنا القياسَ في السَّلَم الصحيح للخبر ومَا سِواه مبقيٌّ على أصله. قال وكذلك القروضُ والغصوب والاستهلاكات وغير ذلك؛ لأنها ديون لم يجب قبضها في المجلس ولا هي بدل في السلم. قال أبو الحسن: إلا الصرف؛ فإنَّه لا يجوز فيه إلَّا ما يجوز في رأس المال، وهذا إنما يعني به حال بقاء عقد الصرف؛ لأنَّ القبض مستحقُّ لحق الله تعالى، وفي التصرُّف إسقاطه فلا يجوز. فأمَّا إذا تفاسخا الصرف جاز التصرُّف في الثمن بخلافِ السلم؛ لأنَّه دين لا يجب قبضُه في المجلس، وكذلك كان القياس في رأس مال السلم لولا الخبر. ١٤١٣ - مَسْألة: [السلم فيما لا يضبط مقداره] قال أبو الحسن: وكل ما لا يضبطُ مقدارهُ بالكيل أو الوزن أو الذرع المعروف بين النَّاس، ويُضبط مع ذلك صفته، فإن السلمَ فيه لا يجوز حتَّى يضبط ذلك أجمع. والأصل في هذا: أن كلّ ما تضبطُ صفته، ويُعرفُ قدره، ويجوز أن يكون

стр. 1650

مبيعًا بحالٍ، فالسلم فيه جائز؛ لقوله ﷺ : "مَن أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم". وما لا تُضبط صفته ولا يُعرفُ قدره، لا يجوز السلم فيه كالجواهرِ. ١٤١٤ - فَصْل: [السلم في الدراهم والدنانير] فأمَّا ما لا يجوز مبيعًا بحال كالدراهم والدنانير، فلا يجوز السلم فيهَا عندنا، وقال الشافعي: يجوز السلم (١). والدليل على ما قلناه: أنَّه أحدُ بَدلَيْ السلم، فلا تكونُ الدراهم فيه مؤجّلةً كرأس المال؛ ولأنَّ مخالفنا إما أن يثبت اسمَ العقد أو حُكمه، فإنْ كان يثبت اسمه لم يَصحّ؛ لأن العرب لا تسمِّي مَن باع ثوبًا بدراهم مؤجَّلة مسلفًا في الدراهم، وإن أثبت حكمه من قبض رأس المال في المجلس لم يصح؛ لأنَّ مَن باع ثوبًا بدراهم مؤجَّلة لم يجب قبضه في المجلس، وإذا لم يثبت الاسم ولا الحكم لم يصحَّ العقد؛ ولأنَّ كل ما لا يجوز السلم فيه إذا كان رأسُ المال من الأثمان لم يجز السلمُ فيه إذا كان من غيرها كالجواهر. ١٤١٥ - فَصْل: [السلم في الحيوان] قال أبو الحسن: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنَّ مقداره (٢) لا يضبط. وقال الشافعي: يجوز إذا سمَّى ثنيًّا أو رباعيًا من نَعَم بني فلان (٣).
следующие страницы →