← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

لأنَّ العقدَ صحَّ بتراضيهما، والمسلم إليه بالبراءة يُريد الفسخَ، فلا يفسخ إلا برضا الآخر. ١٤٠٦ - فَصْل: [أخذ شيء عوض رأس المال من غير جنسه] ولا يجوز أن يأخذ عوضَ رأس المال شيئًا من غير جنسه؛ وذلك لأنه يسقط القبض فيه، وإسقاط القبض يُفسدُ العقدَ، فإن أعطاه من جنس ذلك أجودَ منه أو أرْدَأَ منه ورضي المسلم إليه بالرديء جَاز؛ وذلك لأنَّ هذا ليسَ بعوض، [وإنما] (١) خالفَ البدل في الصفة، ألا ترى أن من اشترى عبدًا فوجده مقطوع اليدين، فالبيع جَائز ولو كان تغير الصفة، [فخرج المعقود] (٢) عليه من جنسهِ، وجبَ أن يَبطل العقد إلَّا أنَّهُ لا بدَّ من رضا المسلم إليه إذا كانَ ما أعطاه دون حقِّه؛ لأنَّ في ذلك إسقاط حق له وهو الجودة. فأمَّا إذا أعطاه أجود من حَقِّه أجْبر على أخذه، وقال زفر: لا يأخذه إلا برضاه. لنَا: أن الجودة لا تخرج الشيء من جنسه، فإذا دفع أجود [مما] (٣) عليه فقد سمحَ بالجودة، وهي غير منفردة عن العين، فلا يعتبر [فيه] الرضا كإيفاء الوزن. وزفرُ يقول: تبرع عليه بالجودة، فله أن يقبل التبرع وله أن يَرده. ١٤٠٧ - فَصْل: [أخذ عوض المسلم فيه من غير جنسه] وكذلك لا يجوز أن يأخذ عوض المسلم فيه من غير جنسه؛ لقوله ﷺ :

стр. 1647

"من أسلم في شيءٍ فلا يصرفه إلى غيره" (١). ولأنَّ المسلم فيه في حكم الأعيان؛ بدلالة جَوازِ الفسخ عليه مع هلاك رأس المال والأعيان التي تنقل وتحول؛ لا يجوز التصرفُ فيها قبل القبض. فإن أعطاه من جنسه أجودَ منه أو أدون [منه] ورضي ربُّ السلم بالأدنى، جَاز على ما بَيّنّاه في رأس المال. ١٤٠٨ - فَصْل: [إبراء رب السلم المسلم إليه] وإن أبرأ رَبُّ السلم المسلمَ إليه جَاز، وسلم له رأس المال؛ لأنَّه دين لا يستحقُّ قبضه في المجلس، فجاز أن يبرئ عنه كسائر الديون. ١٤٠٩ - مَسْألة: [الإقالة في عقد السلم] وإن تقايلا جاز وردَّ عليه رأس ماله لما رُوي عن النبي ﵊ أنه قال: "من أقال نادمًا أقاله الله عثرته يوم القيامة" (٢) وروي عن جماعة من الصحابة أنَّهم قالوا: لا تأخذ إلا سَلمك أو رأسَ مالك، وإنما يأخذ رأس المال عندَ الفسخ؛ ولأنَّها معاوضة تحتمل الفسخ، فصحَّت الإقالة فيها كالبيع. ١٤١٠ - فَصْل: [الإقالة في البعض وأخذ البعض] وإن أقاله في بعض وأخذ البعض فهو جائز، وقال مالك: لا يجوز، وروي

стр. 1648

عن ابن عباس أنَّه سئل عن ذلك، فقال: ذلك المعروفُ الحسنُ الجميلُ، وعن ابن عمر: أنَّه لا يجوز (١). لنا: أنه تجوز الإقالة في جَميعه، فجازت في بعضهِ كالبيع، [ومالك يقول] (٢) الإقالة بيع، فإذا أقال في البعض على أن يأخذ الباقي كان بيعًا فيه شرط فيبطله، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الإقالة عندنا فسخ وليسَ ببيع، وقبض الباقي لا يجبُ بالإقالة حتَّى يعتبر شرطًا فيها، [وإنما] (٣) يجب بمقتضى العقد. ١٤١١ - فَصْل: [ما لا يجوز أن يأخذ إذا تقايلا] وإذا تقايلا لم يجز أن يأخذَ برأس المالِ شيئًا من غير جنسه استحسانًا، والقياسُ أن يجوز، وهو قول زفر. وجه القياس: أنَّه دين لا يجبُ قبضه في المجلس، ولا هو مسلم فيه، فجازَ التصرُّفُ فيه قبل القبض كسائر الديون. وجه الاستحسان: قوله ﷺ : "مَن أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره". وقول الصحابة لا تأخذ إلا سَلمك أو رأس مالك؛ ولأنَّه بعدَ الفسخ رأس مال بدلالة جَواز الفسخ عليه، والفسخُ [إنما] (٤) يقع عَلى ما وقع عليه العقد، ورأس المال لا يجوز التصرُّفُ فيه، أصله حال بقاء العقد. وقد قال الطحاوي: إن قياس قولهم أنَّه لا يجوز تأجيله، وهذا ليسَ

стр. 1649

بصحيح؛ لأنَّه دين لا يجبُ قبضه في المجلس ولا يثبت على وجهِ التبرّع، فجاز تأجيله كسائر الديون، وليسَ إذا لم يجز التصرّف فيه لم يجز التأجيل؛ لأنَّ المسلم فيه لا يجوز التصرُّف فيه، ويجوز تأجيله. ١٤١٢ - فَصْل: [التصرف في رأس مال في السلم الفاسد] وأمَّا السلم الفاسد فيجوز التصرُّف فيه في رأس مَاله قبل القبض؛ لأنَّ القياس يقتضي جواز التصرُّف بكل حالٍ، وإنما تركنا القياسَ في السَّلَم الصحيح للخبر ومَا سِواه مبقيٌّ على أصله. قال وكذلك القروضُ والغصوب والاستهلاكات وغير ذلك؛ لأنها ديون لم يجب قبضها في المجلس ولا هي بدل في السلم. قال أبو الحسن: إلا الصرف؛ فإنَّه لا يجوز فيه إلَّا ما يجوز في رأس المال، وهذا إنما يعني به حال بقاء عقد الصرف؛ لأنَّ القبض مستحقُّ لحق الله تعالى، وفي التصرُّف إسقاطه فلا يجوز. فأمَّا إذا تفاسخا الصرف جاز التصرُّف في الثمن بخلافِ السلم؛ لأنَّه دين لا يجب قبضُه في المجلس، وكذلك كان القياس في رأس مال السلم لولا الخبر. ١٤١٣ - مَسْألة: [السلم فيما لا يضبط مقداره] قال أبو الحسن: وكل ما لا يضبطُ مقدارهُ بالكيل أو الوزن أو الذرع المعروف بين النَّاس، ويُضبط مع ذلك صفته، فإن السلمَ فيه لا يجوز حتَّى يضبط ذلك أجمع. والأصل في هذا: أن كلّ ما تضبطُ صفته، ويُعرفُ قدره، ويجوز أن يكون

стр. 1650

مبيعًا بحالٍ، فالسلم فيه جائز؛ لقوله ﷺ : "مَن أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم، إلى أجل معلوم". وما لا تُضبط صفته ولا يُعرفُ قدره، لا يجوز السلم فيه كالجواهرِ. ١٤١٤ - فَصْل: [السلم في الدراهم والدنانير] فأمَّا ما لا يجوز مبيعًا بحال كالدراهم والدنانير، فلا يجوز السلم فيهَا عندنا، وقال الشافعي: يجوز السلم (١). والدليل على ما قلناه: أنَّه أحدُ بَدلَيْ السلم، فلا تكونُ الدراهم فيه مؤجّلةً كرأس المال؛ ولأنَّ مخالفنا إما أن يثبت اسمَ العقد أو حُكمه، فإنْ كان يثبت اسمه لم يَصحّ؛ لأن العرب لا تسمِّي مَن باع ثوبًا بدراهم مؤجَّلة مسلفًا في الدراهم، وإن أثبت حكمه من قبض رأس المال في المجلس لم يصح؛ لأنَّ مَن باع ثوبًا بدراهم مؤجَّلة لم يجب قبضه في المجلس، وإذا لم يثبت الاسم ولا الحكم لم يصحَّ العقد؛ ولأنَّ كل ما لا يجوز السلم فيه إذا كان رأسُ المال من الأثمان لم يجز السلمُ فيه إذا كان من غيرها كالجواهر. ١٤١٥ - فَصْل: [السلم في الحيوان] قال أبو الحسن: لا يجوز السلم في الحيوان؛ لأنَّ مقداره (٢) لا يضبط. وقال الشافعي: يجوز إذا سمَّى ثنيًّا أو رباعيًا من نَعَم بني فلان (٣).

стр. 1651

لنا: ما روى الثوري، عن معمر، عن [يحيى] (١) بن أبي كثير، عن ابن عباس، "أن النبي ﷺ نهى عن السلف في الحيوان" (٢)؛ ولأن السلم لا يجوز في أطرافه، فلا يجوز فيه كالجلود، والذي روي أن عبد الله بن عمرو استسلف من [النبي ﷺ بعيرًا ببعيرين إلى خروج المصدق)، فيحتمل أن يكون استسلف من أرباب الزكوات على الزكاة، أو يكون استسلف من حربيّ في دار الحرب، وقد كانت متاخمة لدار الإسلام، أو يكون استسلف] على بيت المال، فكل ذلك يجوز عندنا. وقولهم: ما جاز أن يثبت في الذمَّة [مهرًا، جاز أن يثبت سلمًا، لا يصح؛ لأنا لا نسلم ثبوت الحيوان في الذمة] بالنكاح ثبوتًا صحيحًا؛ ولأنَّ بدل النكاح يثبتُ مع الجهالة بدلالة مهر المثل، ومثل ذلك لا يثبت في السلم. ١٤١٦ - فَصْل: [السلم فيما لا يعرف قدره من الأواني] قال أبو الحسن ﵀: وكذلك مَا لا يُعرف قدره من الأواني وسائر المصنوعات، فإنَّ ذلك لا يجوز السلم فيه، وقد بيَّنَّا هذا. ١٤١٧ - مَسْألة: [السلم في اللَّبِن والطوابيق] قال: واللَّبِنُ والطوابيق (٣) إذا اشترط من ذلك قدرًا معلومًا جَاز؛ لأنَّه معدود

стр. 1652

غير متفاوت، والعدد يُعرف به مقدار الأشياءَ، فجاز السلم فيه، كالكيل والوزن. ١٤١٨ - فَصْل: [السلم في الحطب والقصب] قال أبو الحسن: ولا يجوز السلم في الحطب، والقصب، والقت، والرطبة أحمالًا، ولا أوقارًا وَلا حُزَمًا، ولا حزرًا؛ وذلك لأنَّ هذا مقدار مجهول مختلف يتفاوت فيه الصغير والكبير، وما لا يُضبط قدره لا يجوز السلم فيه. ١٤١٩ - مَسْألة: [السلم في الجلود] قال أبو الحسن: ولا يجوز السلم في جلود البقر والغنم والإبل، وقال مالك: يجوز (١). لنا: أنه معدود مختلف، ألا ترى أن الجلود [يختلف] (٢) فيها الصغير والكبير والثقيل والخفيف، وهذا المعنى يوجب تفاوت الأثمان، فمنع من صحَّة السلم. قال أبو الحسن: وكذلك رؤوسها، وهذا صحيح؛ لأنَّ الرؤوس تختلف بالسمن والهُزال، والصغرِ والكبر، والمعدود المتفاوت لا يجوزُ السلم فيه (٣). ١٤٢٠ - مَسْألة: [السلم في الثياب والبسط] قال أبو الحسن: ويجوز السَّلَم في الثياب، والبُسط، والحُصر، والبواري (٤)، والسُتور وما أشبه ذلك إذا اشترط ذرعًا مَعلومًا وصفةً وصنعةً معلومتين، وقد كان

стр. 1653

القياس أن لا يجوز السلم في الثياب؛ لأنَّ مستهلكها لا يلزمه أمثالها، فلا يجوز السلم فيها كالحيوان، وإنما تركوا القياس لإجماع الفقهاء؛ والإجماع حجة؛ ولأنَّه إذا بين الطول والعرض والصفة تقاربت الجهالة فيها، وصار اختلافها كاختلاف الجيد والجيد من الحنطة، ولا يمنع ذلك صحَّة العقد. ١٤٢١ - فَصْل: [ما يوزن من الثياب بوزن] قال أبو الحسن: وما كان من الثيابِ يوزن مثل ثياب الحرير، ذكر مع ذلك الوزن، فإن اقتصر على الذرع أجزأ، ومن أصحابنا من قال: لا بدَّ من ذكر الوزن، وهذا عندنا على وجهين: إن كان إذا ذكر الطول والعرض والرقةَ لم يتفاوت الوزن، لم يحتج إلى ذكرِ الوزن، كما قال أبو الحسن؛ لأنَّه غير متفاوت، وإن كان يختلف باختلاف وزنه لم يجز حتى يذكر الوزن. ١٤٢٢ - فَصْل: [البيع بمكيال غير معروف] قال أبو الحسن: وإن شرط في السلم مكيالًا لا يعرف، فقال: بهذا الزنبيل (١) أو وزن حجر لا يُعرف قدره من الوزنِ المعروف، فقال: بهذا الحجر لم يجز حتّى يكون قدره من الكيل المعلوم والوزن المعلوم معلومًا. والأصل في ذلك: أن كل جهالة يجوز أن تطرأ على عقد السلم فَرفعها من العقد شرط إذا أمكن ذلك؛ لأنَّ المقصود من هذا العقد مترقّب، فيما يجوز أن يطرأ كالموجود في حال العقد، ومعلومٌ أن الإنَاء قد يهلك، ويضيعُ الحجر، فلا يدرى ماذا يسلم إليه؛ فلذلك لم يصح العقد به (٢).

стр. 1654

فأما إذا باع وشرط الكيل بمكيالٍ لا يُعرف أشار إليه، أو الوزن بحجر لا يُعرف أشار إليه، فالمشهور أنَّه يجوز؛ لأنَّه لو باع مجازفةً جاز، وليس هذا أكثر من المجازفة. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنَّه لا يجوز؛ لأنَّ البيع يقعُ على وجهين إما مكايلةً أو مجازفة، وليس هذا مكايلة ولا مجازفة. ١٤٢٣ - مَسْألة: [السلم في شيئين مختلفي الصفة والجنس] قال أبو الحسن: قال [أبو حنيفة] (١): إذا أسلم في شيئين مختلفي الصفة [أو الجنس] (٢) لم يصح السلم إذا كان رأس المال مكيلًا أو موزونًا حتى يعين (٣) قدر رأس مال كل واحد منهما، مثل من أسلمَ مائة درهم في قفيز حنطة وقفيز شعير، أو في ثوبين مختلفين، وإن كان رأس المال من غير المكيل أو الموزون لم يحتج إلى تفصيله، وقال أبو يوسف ومحمد: ذلك جائز فيهما (٤). وهذا مبني على ما قدَّمنا أن معرفة رأس المال شرط في السلم، فإذا أسلم مائة درهم في شيئين مختلفين انقسمت عليهما بالقيمة، فصار رأس مال كل واحد منهما مجهولًا، فلم يجز عنده كما لو أفرده بالعقد، وليس كذلك إذا كان رأس المال ثوبًا؛ لأنَّ معرفةَ قدر الثوب لا يُعتبرُ في العقد، وعلى أصلهما إذا كان رأس المال معينًا جاز وإن لم يُعرف قدره، فكذلك إذا لم يَعرف حصَّة كل ثوب منه.

стр. 1655

١٤٢٤ - مَسْألة: [السلم في طعام قرية بعينها مما ينقطع] [قال أبو الحسن]: وإذا أسلم في طعام قرية بعينها أو بلد بعينه مما ينقطع عن أيدي الناس، فالسَّلَم باطلُ. وجملة هذا: أنَّه إذا سمَّى طعام بقعة لا يفقد طعامها غالبًا جَاز السلم، وإن سمَّى ما يجوز أن يفقد لم يجز، وقد رويَ أن النبي ﷺ أسلم إلى زيد بن سعنة في تمر فقال له: "أسلم إليّ في تمر نخلة بعينها، فقال: أما في تمر نخلة بعينها فلا" (١)، وإن كان المعني فيه: أنه يجوز أن يفقد تمرها ولا تحمل في ذلك العام، وقد قال محمد في الأصل: إذا أسلم في طعام هَراة لم يجز. قال أصحابنا: ليس يعني بذلك هَراة خراسان؛ لأنَّ طعامها لا ينقطع، وإنما أراد به قرية من قُرى الفرات يقال لها هَراة، وذلك [لأنه] ينقطع طعامها. ١٤٢٥ - مَسْألة: [وجود المسلم فيه مدة العقد] قال أبو الحسن: ولا بدَّ أن يكون المسلمُ فيه موجودًا من حين السلم إلى انتهاء أجله، فإن كان يعدم في شيء من هذه المدَّة لم يجز. وجملة هذا أن من شرط السلم عندنا كون المسلم فيه موجودًا من حين العقد إلى حين الحلول، فإن عُدم في إحدى الحالتين أو ما بينهما لم يجز. وقال الشافعي: يجوز السلم إذا كان المسلمُ فيه موجودًا عند الحلول، ولا يُعتبر وُجوده قبل ذلك (٢).

стр. 1656

لنا: ما روي "أنَّ النبي ﷺ نهى عن بيع النخل حتى يؤكل منه" (١)، وقد بيَّنا أن السلم بيع؛ ولأنَّ محل المسلم فيه تارة يثبت بالشرط، وتارة بالشرع، فإذا كان عدمه في إحدى الحالين (٢) يمنع فكذلك الآخر؛ ولأنَّه سلم في معدوم فلم يجز كالحال. وقولهم: إنه مضبوط الصفة مأمون الوجود عند المحل لا يصحُّ؛ لأنَّ المحلَ تارة يكون بالوقت الذي شرطاه، وتارةً يكون قبله بأن يموت المُسلم إليه، فيحل السَّلم، فوجَب اعتبار وجوده في كل [حال لجواز] (٣) أن يكونَ محلًا. ١٤٢٦ - فَصْل: [عدم قبض المسلم فيه أثناء المدة مع وجوده] قال أبو الحسن: فإن كان مَوجودًا في حالة العقد إلى حين حلول السلم فلم يقبض ربُّ السلم حتى انقطع، فالسلم صحيحٌ على حاله، ورب السلم بالخيارِ: إن شاء فسخ العقد وأخذ رأسَ ماله، وإن شاء انتظر إلى حين وجودهِ؛ وذلك لأن العقد قد تَمَّ واستقرَّ الدين في الذمَّة بالحلول، فعدمُه بعد استقراره لا يؤثر في العقد كعدمه قبل العقد. وإنما يثبت الخيار؛ لأنَّ الصفة تغيرت، ألا ترى أنه دخل في العقد ليسلم له المعقود عليه في هذا العام، فإذا تأخر إلى عام آخر لحقه الضرر فصار كالعيب إن شاء التزمه وإن شاء فسخ.

стр. 1657

١٤٢٧ - مَسْألة: [السَّلم في المعدود الذي يتفاوت آحاده] فإن أسلم في بيض عددًا أو أسلم في الجوزِ كيلًا أو عددًا جاز. وجملة هذا: أنَّ المعدودَ إذا تفاوت آحاده لم يجز السلم فيه كالبطيخ والرمَّان، وإذا لم تتفاوت آحاده جاز السلم فيه، وإن تفاوتت جملته كالبيض والجوز، ذكر هذا التفصيل أبو يوسف، وقال زفرُ: لا يجوز السلم في البيض والجوز عددًا، (وقال الشافعي: يجوز السلم في البيض وزنًا ولا يجوز عددًا) (١). والدليل على ما قلناه: أن كل ما جَازَ قرضه بصفةٍ، جاز السلم فيه بتلكَ الصفةِ إذا كان مما يُسلم فيه كالكيل والوزن؛ ولأنَّ العدد معنى يُعلم بهِ مقدار البيض، فجاز السلم فيه كالكيل. وجهُ قول زفر: أن البيض معدود مختلف، ألا ترى أن كباره تشتري بأكثر مما تشتري صغاره، والمعدود المتفاوت لا يجوزُ السلمُ فيه. ١٤٢٨ - مَسْألة: [السلم في دين] قال أبو الحسن: وإذا أسلم رَجلٌ إلى رجلٍ في حنطة دينًا له عليه لم يجز؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ "نهى عن الكالئ بالكالئَ" (٢) وهو الدينُ بالدَّين.

стр. 1658

فإن لم يفترقا حتّى قبض رَبُّ السَّلَمِ دينه منه ثم ردَّه عليه، أو أعطاه مثله جَاز العقد؛ لأنَّ الدراهم [عندنا] لا تتعيّن، فإذا سمَّى دينه وقع العقد على دراهم مطلقة، فإذا افترقا بطل؛ لعدم القبض، فإن دفع رأس المال جَاز وصارَ كأنَّه عقد بدراهم مطلقة، فدفعها، وليس كذلك إذا قال أسلمت إليك العشرة التي لي في ذمَّة فلان في قفيز حنطة، ثم قبضها وسلَّمها قبل الافتراق، أو سلَّم غيرها؛ فإنَّ العقد لا يصحُّ؛ لأنَّه شَرَطَ هُناك استِيفَاء رأسِ المالِ من ذمَّة غيرِ العاقد، وهذا خلاف مقتضى العقد، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنَّه شرط الاستيفاء من مال العاقد، وذلك مقتضى العقد. ١٤٢٩ - مَسْألة: [الافتراق بعد السلم دينًا وعينًا] وإذا أسلم دينًا وعينًا فافترقا، جَاز في حصة العين وبطل في حصة الدين؛ لأنَّ العقد وقع صحيحًا فيها، ألا ترى أنه لو قبض الدين جاز، وإنما بطل في بعض المعقود عليه لعدم القبض، وبطلان العقد في بَعضِ ما وقع عليه العقد بعد صحته لا يُوجبُ بطلان جميعه، كما لو اشترى عبدين، فمات أحدهما قبل القبض. ١٤٣٠ - مَسْألة: [السلم في مكيل بمكيل] قال أبو الحسن: وإذا أسلم مكيلًا في مكيلٍ وموزون، أو [أسلم] موزونًا في موزونٍ ومكيل، أو جنسًا في جنسه وغير جنسه، بطل السلم في جميعه في قول أبي حنيفة، وجاز في قول أبي يوسف ومحمد في حصة المكيل من الموزون، ولم يجز في حصة الموزون من الموزون. قال الشيخ ﵀: وجملة قول أبي حنيفة: أنَّ الصفقة إذا جمعت الصحيحَ

стр. 1659

والفَاسد، والفاسد والفساد في نفس المعقود عليه، بَطل العقدُ في الجميع، والفساد في نفس المعقود عليه عنده أن يفسد [نَصٌّ] (١) أو إجماع. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كان الفاسِد مما له قيمة جَاز في الصحيح وبطل في الفاسدِ مثل مسألتنا، وإن كان الفاسد [مما] لا قيمةَ له مثل الحرِّ والعبد، وقد سمَّى الثمن جملةً واحدةً بطل العقد في الجميع، وإن سمَّى لكلِّ واحد [منهما] ثمنًا، جاز في العبد وبطل في الحرِّ. وذكر أبو الحسن في الجامع عن أبي يوسف: فيمن باع جَاريةً في عنقها طوق فضَّة بألفٍ نسأً، فإنَّ البيع (باطل) (٢) في الجميع في قول أبي يوسف الآخر، وجعل أبو الحسن رجوع أبي يوسف في هذه المسألة دلالة على رُجوعه في جميع المسائل، فكانَ أبو بكر يقول: يجوزُ أن يفرق بينهما. وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: فيمن أسلم عشرة في قفيز حنطةٍ، خمسةً يؤدِّيها في المجلس وخمسةً يؤديها بعد عشرةِ أيامٍ، أن البيع باطل في الجميع، ولم يحك خلافًا، وللشافعي قولان، أحدهما مثل قول أبي حنيفة، والآخر: مثل قولهما. وجهُ قول أبي حنيفة: أن الصفقة تضمَّنت الصحيح والفاسد، والفساد في نفس المعقود عليه، ففسدَ في الجميع كمن جمع بين حر وعبد، وسمَّى لها ثمنًا واحدًا، وعلى الشافعي: أن عقد البيع إذا جمع الحر وغيره بطل البيع فيهما كمن جمع بين حرٍّ وكلب، ولأنَّه عَقدٌ يبطل بالشرط، فإذا جمع بين الأمة والحرة فيه،

стр. 1660

جَاز أن يبطل في الأمةِ كالنكاح، ولا يلزم على الوجه الأوَّل إذا جمع بين عبده وعبد غيره؛ لأنَّ العقد عندنا صحَّ فيهما، فكيف يقول إن الفساد في نفس المعقود عليه، ولا يلزم إذا جمع بين عبد ومدبَّر، أو أم ولد؛ لأنَّ الرق المعقود عليه موجودٌ فيهما، والعقد قد تناولهما؛ ولهذا يصحُّ فيهما بحكم الحاكم، ولا يَلزم إذا جمعَ بين عبد ومكاتب؛ لأنَّ الرق موجود في المكاتب، ويصحُّ العقد فيه بالحكم؛ لأنَّ عندَ مالك أن من باع نجوم المكاتب جَاز وعتق وكان الولاء للمشتري. ولا يلزم إذا باع عبدًا نسأً بألفٍ، ثم اشتراه مع عبدٍ آخر بألف ومائة؛ لأنَّ العقدَ صَحّ فيهما، وإنما يَفسد [عند] تسمية (١) الثمن والعلم بنقصان حصَّة المبيع عن الألف، وهذا [إنما] يكون في ثاني العقد، فإن ألزم إذا باعه مع عبد آخر من البائع بألف، فقيل لنا: إنه عند العقد يعلم أن حصَّته أقلّ من ألف، قلنا: الفسَاد في نفس المعقود عليه قد بينا أنه ما يتناوله النصُّ أو الإجماع، وهذا عندنا يفسد بما جرى مجرى النصِّ، لأنَّا نقول: إن قول عائشة ﵂ فيما لا يُعلم من طريق القياس الظاهر أنَّه توقيف، وهذا ليس بنصٍ في الحقيقة (لكن عمل عمل النص في فساد البيع) (٢). وجْهُ قولهما: أن الصفقة جمعت الصحيحَ والفاسد وكل واحد منهما له قيمة، فصار كالعبد والمدبر، وأمَّا العبد والحر فلا قيمة للحر فيصير العبد مَبيعًا بحصته، والبيع بالحصَّة لا يجوز، ولهذا قالا: إن أفرده بالثمن جَاز؛ لأنَّ المعنى المفسد جهالة الحصّة وهذا لا يوجد إذا أفرده بثمن.

стр. 1661

فأما رجوع أبي يوسف في مسألة الطوق، فالظاهر أنَّه رجوع في جميع المسائل، كما قال أبو الحسن ﵀، وإلَّا ضعف الفرقُ، وكان أبو بكر يقول: إن النَّسَاء يَحْرُم في الفضَّة بإجماع، فيجوز أن يقول أبو يوسف: إن الفسادَ متى ثبت بإجماع أفسد الصفقة؛ فإنَّه دليل مقطوع به، فأمَّا خبر الواحد فلا يُقطع به، فإذا قابله الاختلافُ لم تفسد الصفقة. وإذا ثبت هذا قلنا في مسألة الكتاب: إذا أسلم مكيلًا في مكيلٍ وموزون فتحريم النسأ بالمعنى المضموم إلى الجنس مجمع عليه، والتحريم إذا ثبت بالإجماع كان الفَساد في نفس المعقود عليه؛ ولأنَّ النص قد تناوله وهو قوله ﷺ : "وإذا اختلف النوعان، فبيعوا كيفَ شئتم يدًا بيد، ولا خير فيه نسيئة" (١). ١٤٣١ - مَسْألة: [السلم في الشحوم] قال أبو الحسن: ويجوز السلم في الشحوم والأليات (٢)؛ وذلك لأنَّها لا تختلف بالسمن والهزال لأنها كلها سمن ولا بالعظام؛ لأنَّه لا عظم فيها يتفاوت والموزون المعلوم يجوز السلمُ فيه (٣). ١٤٣٢ - فَصْل: [السلم في اللحم] ولا يجوز السلم في اللحم عند أبي حنيفة، ويجوز عندهما إذا سمَّى مكانًا معلومًا من الشاة، وهو قول الشافعي، وكان أبو الحسن يقول: يجوز السلم في

стр. 1662

اللحم المخلوع من العظام، وكان أبو بكر الرازي يقول: لا يجوز (١). وجهُ قول أبي حنيفة: أن اللحم مختلف باختلاف السمن والهزال، وهذا معنى مقصود منه، والموزون المختلف لا يجوز السلم فيه؛ ولأنَّه يختلفُ باختلاف العظام، ألا ترى أنَّ من العظام ما ينتفع به، ومنها ما لا يُنتفع به، والاختلاف يمنع جواز السلم، وليسَ كذلك النوى في التمر؛ لأنَّه يقع على وجه واحد، إذ لا ينتفع بجميعه. فإن قيل: قد جوزتم السلم في الألية وفيها عظم العُصْعُص. قلنا: ذاك موجود على صفة واحدة منتفع به، لا يختلف فلذلك لم يمنع، وعلى الشافعي إن ما اختلف باختلاف العظام والسمن والهزال؛ لم يجز السلم فيه، كالرؤوس واللحم المشوي والمطبوخ؛ ولأنَّه سلم في لحم كلحم ما لا يُؤكل لحمه. وَجْهُ قولهما: أنَّه إذا سمَّى مكانًا من الشاة بعينه قلَّت الجهالة، فصار اختلافه كاختلاف الجيّدِ والجيَّدِ من المكيل (٢). ١٤٣٣ - مَسْألة: [السلم في السمك] قال أبو الحسن: لا يجوز السَّلَم في السمك عند أبي حنيفة، طريَّةً ولا مالحةً. وقال أبو يوسف: يجوز في المالح إذا سمى وزنًا معلومًا، وفي السمك الصغار إذا كان مما يُكال، ولا يجوز في الكبار، إذا كان لا يُكال، فإن اشترط

стр. 1663

وزنًا لم يجز لفضل الكبير على الصغير، روى ذلك بِشْرٌ عنه، وقد اضطربت عبارة الأصل والجامع الصغير في ذلك، وأشارَ إلى الفرق بينَ المالح والطَّرِي، كما قال أبو يوسف، والصحيح من المذهب: أنَّ السمكَ الصغارَ يجوز السلم فيه كيلًا وَوزنًا، وفي الكبار روايتان، ولا فرق بين المالح والطري، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز؛ أمَّا الصِّغارُ فلأنها لا تختلف باختلاف السمن [والهزال]؛ لأنَّه لا سمنَ فيه، ولا باختلاف العظام؛ لأنَّ عظامه تؤكل معه، فصار مكيلًا غير مختلف، فجاز العَقد عليه، وأمَّا الكبارُ فتختلفُ باختلاف السمن والهُزالِ، فهو كاللحم. وقال في الرواية الأخرى: إن السمن والهزال ليسَ بظاهر فيه، فلم يقصد بالعقد وعظامه على وجه واحدٍ لا يُنتفع بها، فلم يمنع ذلك السلمَ. فأما هُما ففرَّقا بينه وبين اللَّحم؛ لأنَّهما جوَّزا في اللحم إذا شرط مكانًا من الشاة بعينه لتقل الجهالة، وهذا المعنى لا يوجد في السمك، فالسلم فيه كالسلم في مَساليخ الغنم، فلا يجوز (١).

стр. 1664

بَابْ: السلم ينتقض فيه القبض بعد الافتراق قال أبو الحسن: وإذا افترق المتعاقدان في السلم بعد القبض ثم وجَد المُسلم إليه رأسَ المال زُيوفًا أو بهرجةً، فإن تجوَّز بها صحَّ السلم، وإن استبدلها بطل عند أبي حنيفة، ولا يبطل عندهما إذا قبض في المجلس الذي ردَّها فيه، فإن افترقا قبل القبض في الردَّ بطل السَّلَم، وإن أصابها ستوقة أو رَصَاصًا أو جنسًا غير الفضَّة أو استحقَّت في يده بعد الافتراق، بطل السَّلَم عندهم جميعًا. قال: وجملةُ هذا: [أنّ] رأسَ المالِ إذا لم يكن دَينًا في الذمَّة وكانَ عينًا مُشارًا إليها، فاستحقَّ في المجلس أو بعدَ المجلس، أو وجدَ به عيبًا فردَّه، بطل السلم؛ ولأنَّ العقدَ وقع على عينهِ، فإذا استحقَّ أو رده بعيب بطل العقد فيه، ولا يَعود إلا باستئناف عقد. فأمَّا إذا كان رأسُ المال دينًا في الذمَّة فقبضهُ ثم وجده في المجلسِ زائفًا فردَّه، أو رَصاصًا، أو ستوقًا، أو استحقَّ فأعطاه بدله في المجلس صحَّ العقد؛ لأنَّ استحقاقه وردَّه يبطل فيه القبض، ويبقى مُوجب العقد في الذمَّة بحاله، فكأنَّه لم يقبض رأسَ المال حتى الآن، وتأخير القبض في المجلس معفو عنه. وأمَّا إذا افترقا، فوجده بهرجة أو زيوفًا أو ستوقًا، أو رصاصًا، أو استحقَّ فلم يجز المستحق القبض، بطل العقد في قولهم؛ لأنَّ الستوقة والرصاص ليست من جنسِ الأثمان، فقبضها لا يُعتد به، فصار كأنهما افترقا عن غير قبض.

стр. 1665

وأمَّا إذا وجدها زائفةً أو بهرجةً، فَتَجَوَّزَ بها، جاز؛ لأنَّها من جنسِ المعقود عليه، وإنما [وجد] بها عَيْبًا، ووجود العيب بالعين لا يجعلها غيرَ المعقود عليه، فإذا تجوَّز بها فكأنَّه أخذ نفسَ حقِّه، [فجاز] (١)، وأمَّا إن استبدلها [في مجلس الرَّد] بطل العقد عند أبي حنيفة، وقالا: لا يبطل إذا قبض البدل في مجلس الردِّ. لأبي حنيفة: أن المقبوض ليس هو نفس ما وقع العقد عليه، وإنما هو مأخوذ منه على وجه الاقتضاء، بدلالة أنَّ من أسلمَ دراهمَ صِحاحًا [وتجوّز بأخذ] (٢) عملة فوجدها في المجلس زيوفًا فردَّها، كان له المطالبة بالصحاح على ما اقتضى العقد، وإذا كان المقبوض مأخوذًا عما وقع عليه العقد فمتى ردَّه انفسخ فيه القبض، فلو رجع أُرجع بمقتضى السلم، والرجوع بمقتضى السلم من رأسِ المالِ بعد الافتراقِ لا يصحُّ، أصله إذا افترقا ابتداءً من غير قبض. ولا يلزم إذا وجد بعضها زيوفًا فاستبدله، فإنَّ القياس أن يُفسد القبض فيه، وإن شئت أن يُحترزَ عنه فقل: والرجوع بموجب العقد فيما يمكن الاحتراز فيه بعدَ الافتراق لا يجوز. ووجْهُ قولهما: أنَّهما لم يفترقا إلا عن عين بدين، والمبطل للعقد الافتراق عن دين بدين، وهذا لم يوجد. ١٤٣٤ - فَصْل: [استبدال رأس المال المستحق في المجلس] ولو استحقَّ رأس المال فاستبدله في مجلس الاستحقاق لم يصحَّ العقد

стр. 1666

عندهما؛ لأنَّ المستحقَّ إذا لم يجز فيه القبض انفسخ من أصله، فكأنَّهما افترقا في المجلس الأوَّل من غير قبض. وأمَّا الزيوف إذا رَدَّها لم تخرج من أن تكون مقبوضةً مملوكةً في المجلس؛ فلذلك صحَّ العقد فيها [كالاستبدال] (١). ١٤٣٥ - فَصْل: [إجازة المستحق القبض لرأس المال] وإن أجاز المستحقُّ القبضَ جَاز السلم، وقال زفر: لا يجوز. لنا: أنهما افترقا عن قبض ليسَ لواحدٍ منهما فيه حقُّ فَسخ، فصار كما لو قبض [ذلك من مال] (٢) رَبِّ السَّلم؛ ولأنَّهما لو افترقا عن قبض الزيوف فتجوَّز بها جاز، وإن كانا افترقا مع ثبوتِ حقِّ الفسخ لأحدهما، فإذا افترقا وليسَ لأحدهما حقُّ فسخ أولى. وجه قول زفر: أن المستحقّة لا تملك بالقبض، فقد افترقا ولم تملك رأس المال، فكأنَّه لم يقبضه ١٤٣٦ - فَصْل: [رد بعض رأس المال لوجود الزيوف] وأمَّا إذا وجَد بعضها زيوفًا فردَّه، فالقياس أن ينتقض العقد بقدره، وهو قولٌ [زفر] (٣) والاستحسان: إذا كان يسيرًا أن لا يبطل، واختلفت الرواية في القدر اليسير، فذكر محمدُ في الأصل: أنَّه يستبدل أقلَّ من النصف، فإن كانت الزيوفُ

стр. 1667

النصف بطل العقد فيها. روى بشر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: أنَّه يستبدل ما بينه وبين الثلث، فإن زادت على الثلث انتقض العقد فيها. وروي عنه رواية ثالثة: أنَّه لا ينتقض حتَّى تكون الزيوف أكثر من النصف. وجه رواية محمد: أن النصف إذا كان زيوفًا استوى [الحظر] (١) والإباحة، فكان الحكم للحظر. وجه رواية بشر: أنَّ النبي ﵊ قال [لسعد]: "الثلث، والثلث كثير" (٢). في حد الكثرة وأجاز الوصية به، فدل على أنه من الكثير الجائز، وما زاد عليه لا يجوز. ووجْهُ الرواية الثالثة: أنَّ الحكم يتعلَّق بالأكثر، والأقل تبع له، فإذا كان الأكثر زيوفًا فكان الجميع زيونًا، وأما زفر: فذهبَ إلى القياس: وهو أنه إذا رده انفسخ فيه القبضُ، فيرجع بموجبِ العقد بعد الافتراق، وهذا لا يجوز، واستحسن أصحابنا فقالوا: الدراهم لا تخلو من رديَّة وإن اجتهد الإنسان في النقد، فصار ذلك ما لا يمكن الاحتراز عنه، فلم يُعتدَّ به؛ حتَّى لا يؤدي إلى إبطال كل سلم. ولأنَّ الدراهم لا تخلو من قليل غشٍّ تنطبع بهِ، [فكل ما] (٣) كان يَسيرًا فهو مقيس على الغش. وأمَّا إذا استحق رأس المال بعد الافتراق فأجاز المُستحِقُّ جاز العقد؛ لأن ملك غيره عندنا يدخل في العقد، وإنَّما [يخرج] (٤) لعدم الإجازة،

стр. 1668

فإذا أجاز صار كأنَّه أذنَ في تسليمه ابتداءً. ١٤٣٧ - فَصْل: [الاختلاف في زيوف في بعض رأس المال] قال أبو الحسن: فإن وَجَد البعض بهرجةً، أو زيوفًا، [أو] (١) استحقَّ بعض رأس المال، فاختلفا فقال ربُ السلم: هو ثلث رأس المال، وقال المُسلم إليه: هو نصفه، فالقول قول رَبِّ السلم مع [يمينه] (٢) إذا كانت زائفة أو بهرجة أو مستحقَّةً، فإن كانت ستوقةً أو رصاصًا فالقول فيه قول المُسلم إليه، وهو القابض؛ وذلك لأنَّ الزيوف والمُستحقَّة يَقعُ بها الاستيفاء، وقد اتَّفقا أن رأسَ المال دَخل في ضمان القابض، فالاختلاف فيما انفسخ فيه القبضُ بالردِّ، فالقول في ذلك قول رب السلم، وأما الستوقة والرصاص فلا يقع بها الاستيفاء، فقد اتَّفقا أنَّه لم يدخل في ضمان المُسلَم إليه إلا بعض رأس المال، فالقول قوله في ذلك البعض (٣).

стр. 1669

بَابْ: في قبض السلم قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قبضَ ربُّ السَّلم السَّلَمَ، أو وكَّل بقبضه جاز؛ وذلك لأنَّ القبض موجب العقد، وموجب العقد إذا وليه العاقد جاز، وإن وكَّل [به] جاز؛ لأنَّ وكيله يقوم مقامه، فكأنَّه قبضَ بنفسه. ١٤٣٨ - فَصْل: [الضمان يصير قصاصًا عن السلم] قال أبو الحسن: وكذلك إذا حصل في ضمانه كُرّ (١) مثل السلم بعد عقد السلم بقبض، ثم حل السلم، فإنَّه يصير قصاصًا عن السَّلم، تقاصَّا أو لم يتقاصَّا إلى آخر ما ذكره. قال الشيخ ﵀: وجملة هذا أن المُسلم إليه إذا وجَب له على ربِّ السلم كرًّا مثل كرِّه، فإنْ كان وجوبه بسبب متقدِّم على العقد، فإنَّه لا يصير قصاصًا وإن تقاصَّا، سواءٌ كان بعقد أو بقبض، وهذا مثل أن يكون قد أسلم إليه في كر، أو بايعه أو غصبه كُرّا. وإن وجبَ له عليه كر بعد العقد والحلول؛ فهو على وجهين: إن وجَب

стр. 1670

بعقد لم يصر قصاصًا، وإن تقاصَّا، وإن وجبَ بقبضٍ مثل القرض والغصب صارَ قصاصًا، وإن لم يتقاصَّا، والأصل في ذلك: أن عقد السلم يوجب الاقتضاء، ولا يوجبُ القضاء؛ لأنَّ الاقتضاء [من موجب] (١) العقد، والقضاء تصرُّفٌ في المعقود عليه، والتصرُّف في المسلم فيه لا يجوز. والاقتضاء: كل قبض مضمون متأخِّر عن سبب الحق في مثله؛ بدلالة أنَّ من له على رجل مالًا فدفعه إليه، فالقابض مقتضٍ (٢) لوجود هذا المعنى فيه، والمقتضي: مَن ثبت عليه الدين أخيرًا، [والقاضي: من ثبت عليه الدين أوّلًا]؛ بدلالة أن مَن اقترضَ عشرةً فردَّها، فالمقترضُ مقتضي لأن العشرة التي قبضها صارت [بالردّ] دَينًا، ثم صارت قصاصًا، فهو الذي ثبت عليه الدينُ أخيرًا، والمُستقرضُ قاضيًا؛ لأنَّه الذي ثبت عليه الدين أولًا. وإذا ثبت هذا الأصل قلنا: إذا وَجبَ الحقُّ على ربِّ السلم بسبب تقدّم عقده لم يصر قصاصًا تسلمُه؛ لأنَّه يصير قاضيًا بالسلم دَيْنَه، وقد بيَّنّا أن السلم لا يُوجبُ القضاء. وأمَّا إذا وجبَ عليه الحقُّ بعقد بعد [عقد] السلم لم يصر قصاصًا؛ لأنَّ حقيقة الاقتضاء لا تُوجدُ فيه، وهو القبضُ المضمون [المتأخر] في مثل الحق. فإن وجبَ بقبض مضمون صارَ قصاصًا؛ لأنَّه وَجد حقيقة الاقتضاء، وهو القبض المضمون المتأخِّر عن العقد في مثل الحق، فأمَّا إن كان غصبه كرًا قبل العقد، وبقي قائمًا في يده إلى أن حَلَّ العقد، فجعله قصاصًا صَار قصاصًا، سواء

стр. 1671

كان بحضرتهما أو لم يكن؛ لأنَّه مضمون في يَده، فإذا جعله قصاصًا [صار] مضمونًا بنفس التقابض، فوقع عن المستحق. ولو كان المُسلم إليه أودع ربَّ السلم كُرًّا قبل العقد أو بعده، فجعل المُسلم إليه قصاصًا لم يكن قصاصًا، إلا أن يكون بحضرتهما، أو يرجع ربُّ السلم فيخلِّي بين نفسه وبينه؛ وذلك لأنَّه أمانة في يَده فلم يوجد بالمقاصَّة القبضُ الذي يقتضيه العقد، فلم يكن بدٌّ من تحديد القبض. وأما إذا غصَبه كرًّا بعد العقد قبل الحلول، ثم حلَّ السلم فإنَّه يَصيرُ قصاصًا؛ لأنَّ القبض إذا وجدَ بعد العقد جاز أنْ يكون اقتضاءً، ألا ترى أنَّه لو قدّم إليه الحق على [أجله] (١) جَاز، وإنما لا يَصير قصاصًا قبل حلول [الأجل] (٢)، لما فيه من إسقاط حقِّ المُسلم إليه من الأجل، فإذا حل الأجل والقبض حاصل في وقت يجوز أن يكون مقتضيًا فيه، صحَّ الاقتضاء به. وهذا كلُّه إذا كان الغصب في مثل الحق، فإن كان في أجود أو أردأ لم يصر قصاصًا في الجيِّد إلا برضى المُسلم إليه؛ لما في ذلك من إسقاط حقِّه من الجودة، ولم يصر قصاصًا في الرديء إلا برضا ربِّ السلم؛ لما فيه من إسقاط حقِّه من الجودة. ١٤٣٩ - فَصْل: [الصور التي لا تكون قبضًا في السَّلَم] قال أبو الحسن: وإذا أمر ربُّ السلم المسلم إليه أن يكيل السلم في غرائر (٣)

стр. 1672

ربِّ السلم، أو يكيله فيعزله، لم يكن قبضًا حتَّى يكون ذلك بحضرة ربّ السَّلَم. وقالوا: فيمن اشترى طعامًا بعينه فأمر المشتري البائع أن يكيله في غرائره ففعل، صار قابضًا، والفرق بينهما: أن في البيع قد ملكَ المشتري الطعام، وتعيَّن ملكه [فيه] فإذا أمره بكيله في غرائره، فقد أمره أن يتصرَّف في ملكه؛ فتعلَّق بأمره حكم غرائره يده؛ بدلالة أن المختلفين في طعام في غرائر أحدهما فالقول قول صاحب الغرائر فيه، وقد حصل في يده، فصار به قابضًا، كما لو قال كِلْه واحمله إلى داري، ففعل. فأمَّا السلم فلم يتعيَّن ملك ربّ السّلم في شيء، فإذا قال كِله فقد أمره أن يتصرَّف في غير ملكه، فلم يصحَّ أمره، فبقي كيل المسلم إليه بغير أمر، فلم يصر رب السلم بذلك قابضًا، وعَلى هذا قالوا في مسألة البيع لو أمره بطحن الطعام صار بطحنه قابضًا، ولو أمره بطحن المُسلم فيه فطحنهُ لم يصر بطحنه قابضًا. فإن قيل: فقد قال محمد في كتاب الصرف إذا دفع إلى صائغ نصف درهم وأمره أن يزيد عليه نصف درهم، ويعملهما خاتمًا [له] ففعل، رجع عليه بنصفه، فجعله قابضًا بخلطه بماله، وإن كان الصائغ تصرف في ملكه. والجواب: أَنا لا نعرف الجواب على هذا الوجه، وإنما ما فيه أنه يأخذ الخاتم ويضمن النصف له، فيجوز أن يكونَ لم يجعله قابضًا بالخلطة، وإنما جعله قابضًا بالتسليم، وإنما كان يصح هذا السؤال أن لو قال: هلك قبل التسليم ضمن، ولم يذكر هذا؛ ولأنَّه في مسألة الصياغة أمره بخلط الفضة بماله، والخلط من أسباب التمليك، فجاز أن يكون به قابضًا، فوِزَانه من مسألتنا أن نقول له: كِلِ الكُرّ واخلطه بكُريّ هذا ففعل، وقد قالوا: إنَّه يصيرُ بذلك قابضًا، فأمَّا الكيل في

стр. 1673

الغرائر فليسَ بسبب من أسباب التمليك، فلا يصيرُ به قابضًا فيما لم يتعين ملكه فيه. ١٤٤٠ - فَصْل: [متى يصير القبض في السلم قبضًا] مسألة: قال أبو الحسن ولا يصير (١) القبض في السلم قبضًا - يجوز لرب السلم أن يبيعه وينتفع به - حتَّى يكيله ويقبض بعد الكيل؛ لأنَّ "النبي ﵊ نهى عن بيع الطعام حتَّى يجري فيه الصاعان" (٢). قال الشيخ ﵀: وجملة هذا أنَّ مَن اشترى طعامًا مكايلةً (ثم باعه من آخر) (٣) لم يجز له التصرف فيه وإن قبضه حتَّى يكيله، فإن كان البائع قد ابتاعه واكتاله من بائعه بحضرة المشتري أو رب السَّلَم، لم يجز لربِّ السلم ولا للمُشتري أن [يقتصر] (٤) على ذلك الكيل، ولا يبيع ولا يأكل حتَّى يكتاله ثانيًا، وهذا معنى نهيه ﷺ عن بيع الطعامِ حتَّى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري. وإنما كان كذلك لأنَّ المكيل يزيد بإعادة الكيل عليه تارة وينقص أخرى، فإذا زادَ وجب عليه ردُّ الزيادة على بائعه، فقبل الكيل لم يتعيَّن ملكه فيه، فلا يجوز له التصرُّف، وكذلك الوزن؛ لأنَّ الموزون إذا أُعيد الوزن عليه زاد أو نقص.

стр. 1674

فأمَّا المذروعات فيجوز أن يبيعها وإن لم يُعد ذرعها؛ لأنَّ المذروعَ لو زاد لم يجب ردَّ الزيادة على البائع، وقد تعيَّن ملكُ المُشتري، فجاز تصرُّفه. وأمَّا المعدودات ففيها روايتان: والصحيح منهما: أنّه يجوز البيع قبل إعادةِ العد؛ لأنَّها لا تزيد بإعادة العدِّ عليها إلا من غَلطٍ، وفي الرواية الأخرى: لا بدَّ من إعادة العدِّ؛ لأنَّ العقد يتعلَّق على قدرها، ألا ترى أنها لو زادت وجبَ ردُّ الزيادة، فصارت كالمكيل والموزون. وهذا إذا كان الشراء مكايلة، فأمَّا إذا كان مُجازفةً لم يحتج إلى الكيل. وقد ذكر محمد الأصل: أن المُسلم إليه لو اقترض الطعامَ بكيل، وسلَّمه إلى ربِّ السلم لم يحتج إلى إعادة الكيل؛ لأنَّ الكيل [إنما] يحتاج إليه لمعرفة القدر، وقد عُرفِ، وإنما الكيلان في [التبايع] (١) للخبر، وذكر محمد في هذا الفصل الاستشهاد المشكل (٢). ١٤٤١ - مَسْألة: [اشتراط القبض في موضع معين] وإذا شرط ربُّ السلم أن يقبض السلم في مدينة أو مصر أو قرية، فحيث سلَّمه المسلم إليه في ذلك الموضع، فهو جائز، وليس لربِّ السَّلم أن يتخير عليه للأماكن من ذلك الموضع؛ وذلك لأنَّ المستحق على المسلم إليه من الشروط أدنى ما يتناوله الاسم، ألا ترى أنَّه لو سلم ما سمى جَيّدًا لم يلزمه أجود منه، فكذلك إذا شرط التسليم في مدينة فسلم في طرفها، فقد وجد ما يتناوله الاسم،

стр. 1675

فلا يستحقُّ عليه ما زاد على ذلك، كما لا يستحق عليه ما زاد على اسم الجيّد (١). ١٤٤٢ - فَصْل: [التسليم دون المكان المشروط فيه] قال وإن سَلم [إليه] دونَ ذلك المكان الذي شرط، فلرب السَّلَم أن يأتي؛ لأنَّه دفع إليه أقل مما استحقَّه بالعقد، فصار كما شرط الجيِّد فأعطاه رَدِيئًا. ١٤٤٣ - فَصْل: [إعطاء الأجر إن أسلم دون المكان] قال: فإن أعطاه على ذلك أجرًا لم يجز له أخذ الأجر، وقيل له: إن شئت فردَّ الأجر وخذ السلم، وإن شئت فردَّه عني يسلِّمه إليك حيث شرط لك، والأصل في ذلك: أنَّه لما سَلَّمه إليه [فقد] ملكه، فإذا أعطاه الأجرة لحمله فقد أخذ الأجرة من غيره، لنقل ملكِ نفسه، وهذا لا يصحُ. ثم ربُّ السلم بالخيار؛ لأنَّه لم يرض بإسقاط حقِّه من التسليم إلا بعوض، فإذا لم يسلم له عادَ حقّه، فإن شاء أخذ دونه، وإن شاء ردَّه، وطالبه بحقِّه. وقد قالوا في المشتري: إذا صالح الشفيع على دراهم ليسقط [شفعته] (٢)، [فلو] ردَّ الدراهمَ لم تعد الشفعة، وإنما لم يصح أخذ العوض عن إسقاط الشفعة؛ لأنَّ المشتري مالك للدار قبل التسليم وبعده على وجهٍ واحد، فلم تملك بإزاء العوض شيئًا؛ فلذلك وجب ردُّ العوضِ، وإنما بطلت الشفعة لأنَّها حقٌ ضعيف، ألا ترى أنها تبطل بالسكوت والإعراض عن المطالبة، وأخذ العوض إعراض عن المطالبة، وليس كذلك العيب في المبيع، وما [جرى مجرى] (٣) العيب مثل

стр. 1676

مسألتنا؛ لأنَّه حق قويٌّ لا يسقط بترك المطالبة والإعراض؛ فلذلك لم يسقط بالصلح إذا لم يسلم العوض المشروط. وقد قالوا في الكفيل بالنفس: إذا صالح على مال لإسقاط الكفالة أنَّه لا يصحُّ أخذ المال؛ لأنَّ الكفالة [بالنفس حق ليس فيه معنى المال، فلا يجوز الصلح على مال، وهل تسقط الكفالة؟] فيه روايتان: إحداهما: لا تسقط؛ لأنَّ المكفول له لم يرض بإسقاطها إلا بعوض، فإذا لم يسلِّم له بقي حقّه، وفي الرواية الأخرى تسقط؛ لأنَّ إسقاطها لا يقف على عوض، فإذا أسقطها بعوض فبطل من طريق الحكم، لم يبطل الإسقاط كالخلع والعفو عن دم العمد. فإن قيل فإسقاط الحقِّ في مسألة السلم لا يقف على عوض؛ فبطلان العوض فيه لا يُوجبُ بطلانه، قلنا: هذا الحق لا يصحُّ إسقاطه، ألا ترى أنَّ ربَّ السلم لو قال أسقطت حقِّي من التسليم في البلد لم يسقط، وإنما إذا قبض المسلم [فيه] في غير ذلك المكان ملكه بالقبض، والتسليم في المكان صفة للملك، فسقط بسقوط الحق عن الذمَّة، فإذا ردَّه عادت الصفة بعوده (١).

стр. 1677

بَابْ: اختلاف المتعاقدين في السَّلم قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا اختلف العاقدان في السَّلَم فيما ملك كل واحد منهما على صاحبه، تحالفا وترادَّا، وقد كان القياسُ عندنا نفي التحالف، وإنما تركوا القياس للخبر، ذكر ذلك محمد في الأصل، وقال: القياس أن يكون القول قول البائع، [وكذلك روى] (١) أبو يوسف عن أبي حنيفة. وذكر محمد في الدعوى قياسًا آخر فقال: إذا اختلفا، فقال البائع: بعتُ بألفين، وقال المشتري: بألف، فالقياسُ أن يتحالفا، ويكون بيعًا بالألفِ. والاستحسان: أن يُفسخ العقد، وكان أبو الحسن يقول: إن الخبر ورد بمقتضى القياس. وجهُ القياس: أنَّهما اتَّفقا أنَّ المبيع دخل في ملك المشتري وإنما اختلفا في الثمن، وهو دين في الذمَّة، والاختلاف في الديون لا يُوجب التحالف؛ ولأنَّ الاتفاق حصل على انتقال الملك في المبيع، واختلفا في قدر الثمن، فلو تحالفا لفسخنا الملك في المبيع، ولا يجوز أن يفسخ بالتحالف ما لم يختلفا فيه، كما لا يفسخ عقد آخر، وإنما تركوا القياس للخبر، وهو قوله ﷺ : "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع، أو يترادَّان" (٢)، روى ابن مسعود أنَّ النبي ﵊

стр. 1678

قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة بعينها، تحالفا وترادَّا" (١). وجهُ ما قاله أبو الحسن: أن اختلافَ الأبدال يوجبُ اختلاف العقود، فصار كل واحد منهما يدَّعي عقدًا غير العقد الذي يدعيه الآخر، فيحلف المدَّعى عليه، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه يتصورُ اختلاف البدل، والعقد واحد بأن يزيد المُشتري في الثمن أو ينقص البائع. [ولا يقال: فما] (٢) تقولون إذا قال أحدهما: بعتُ بدنانير، وقال الآخر: اشتريت بدراهم؛ قلنا: يجوز أن يكون عقدًا واحدًا اشترى بالدراهم وزاده [المشتري] (٣) دنانير، وحط البائع الدراهم، فيكون العقد واحدًا، وإن اختلف جنس البدل فيه. ووجْهُ القياس الذي ذكره محمدُ في الدعوى: أنهما اتَّفقا على الألف واختلفا في الزيادة، والتحالف يسقط ما اختلفا فيه دونَ ما اتَّفقا عليه، إذا ثبت هذا قلنا: إذا اختلفا في قدر رأس المال أو صفته أو جنسه، مثل أن يقول أحدهما: كُرّ حنطة، ويقول الآخر: شعير، أو يقول أحدهما: دراهم، والآخر: دنانير، أو يقول أحدهما: جيِّد، والآخر: وسَط، فإنهما يتحالفان؛ لأنَّهما إذا اختلفا في الجنسِ أو القدر، فقد اختلفا في قدر نفس المعقود عليه، والاختلافُ في ذلك يقتضي التحالف. وأما إذا اختلفا في الصفة فلأن المعقود عليه في الذمة، والثابت في الذمَّة

стр. 1679

هو الصفات، فصار الاختلافُ فيها اختلافًا في المعقود عليه. وكذلك المسلم فيه إذا اختلفا في جنسه أو قدره لما ذكرنا. وإن اختلفا في صفته مثل الذرع والجودة، تحالفا؛ لأنَّ المعقودَ عليه هو الصفات وليسَ كذلك إذا اختلفا في صفة المبيع؛ لأنَّ الصفة في الأعيان ليست بمعقود عليها، والخلاف في غير المعقود عليه لا يُوجب التحالف. وأمَّا إذا اتَّفقا على رأسِ المال والمُسلم فيه، واختلفا في شرائط العقدِ؛ فإن اختلفا في المكان قال أبو حنيفة: القول قولُ المُسلم إليه، ولا تحالف، وقال أبو يوسف ومحمد: يتحالفان. لأبي حنيفة: أنَّه اختلاف في غير المعقود عليه، فصار كالخلاف في الاستيفاء والخلاف في البراءة من العيب. لهما: أنَّ المعقود عليه يختلفُ باختلاف الأماكن، والاختلاف في الأماكن كالاختلاف في نفس المعقود عليه، فيتحالفان (١). ١٤٤٤ - فَصْل: [اختلاف المتعاقدين في أَجَل السَّلَم] وأمَّا إذا اختلفا في الأجل؛ فهو على وجوه إن قال أحدهما: اشترطت الأجل، وقال الآخر: لم تشرط، فإن كان الذي يدَّعي الأجل ربُّ السلم فالقول قوله؛ لأنَّ الأجل حقٌّ عليه، وقد اعترفَ به، وهو حق للمسلم إليه، جحده ليبطل العقد، فلا يُقبل قوله. وإن ادَّعى المُسْلَم إليه شرط الأجل وأنفاه ربُّ السَلم، فالقياس أن يكون

стр. 1680

القول قول ربِّ السلم، ويبطل العقد. والاستحسانُ: أن يكون القول قول المُسلم إليه، ويصحُّ العقد عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الذي ينفي الأجل. وجْهُ القياس: أنَّ الأجل حقٌّ للمطلوب في مالِ الطالبِ، فإذا لم يعترف الطالبُ به لم يثبت. وَوجهُ الاستحسان: أن دخولهما في العقد اعترافٌ بصحّته، والذي ينفي الأجل يدَّعي الفسادَ، فلا يُقبل قوله؛ ولأنَّ السَّلَم عبارة عن عقد يتضمَّن تعجيل أحد البدلين وتأخير الآخر، وقد اعترفا بدخولهما في السلم، وذلك اعتراف بالتأجيل، فلا يقبل رُجوع من يَرجع عنه. فإن ادَّعى المُسلَم إليه شهرين، واعترف ربُّ السلم بشهر، فالقول قول ربِّ السلم؛ لأنَّ الأجل حقٌّ عليه، فوجبَ أن يثبت منه مقدار ما اعترف به دُون غيره. ١٤٤٥ - فَصْل: [من يقبل قوله يكون مع اليمين] قال وكل مَن جعلنا القول قوله في هذه الفصول، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنَّ كل مَن جعل القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومةُ والشيء ممَّا يصحُّ بدله؛ فالقول قوله مع يمينه؛ لقوله ﷺ : "اليمين على المُنكر" (١). وأيُّهما أقامَ البيِّنة فيما اختلفا فيه فالبيِّنةُ بيِّنتُه؛ لأنَّها بيِّنة قابلتها الدعوى والبيِّنة مقدَّمةٌ على الدَّعوى، ولا يلزم إذا ادَّعى عينًا في يد غيره، فأقام صاحبُ

стр. 1681

اليد البيِّنة على الملك؛ لأنَّ بيِّنة صاحب اليد [غير] مقبولة، فلا يُسمَّى بيِّنة. ومَن نكل منهم عن اليمين قُضي عليه بدعوى صاحبه؛ لأنَّ النكول بذل عند أبي حنيفة، وبذل هذه المعاني يصحُّ من طريق الحكم، وعندهما: النكول قائم مقام الإقرار، والإقرار بهذه المعاني يصحُّ. فإن أقاما جميعًا البيِّنة، فالبيِّنة التي تُثبت الزيادة أولى؛ لأنَّ فيها معنًى زائدًا. ١٤٤٦ - فَصْل: [الاختلاف في مُضِيّ أَجَل السَّلَم] وإن اتَّفقا أن الأجل [شهر] (١)، فقال ربُّ السلم قد مضى، وقال المسلم إليه لم يمضِ، فالقول قول المُسلم إليه؛ لأنَّ رب السلم اعترف له بالحق الذي هو أجل، وادَّعى الإيفاء بمضيِّ المدَّة، فلا يقبل قوله. فإن أقام أحدهما بيِّنة؛ فالبيِّنة بيِّنته، لما بيَّنَّا أنَّ البيِّنة مقدَّمة على الدعوى. وإن أقاما جميعًا البيِّنة؛ فالبيِّنةُ بيِّنةُ المسلم إليه؛ وذلك لأنَّ ربَ السلم اعترفَ للمسلم إليه بحقٍّ وهو التأجيل في رجب، وأنَّه وفاه فأقام على ذلك بيِّنة، وادَّعى المسلم إليه حقًّا آخر، وهو التأجيل في شعبان، وأقام عليه البيِّنة، فكانت بيِّنته أولى، كمن ادَّعى على غيره دينارًا وأقام بيِّنة، واعترف المدَّعى عليه بدرهم، وأقام البيِّنة أنَّه وَفاه، فلا يَسقط الدينار الذي قامت عليه البيِّنة (٢).

стр. 1682

بَابْ: اختلافهما في رأس المال قال أبو الحسن: إذا اختلفا في رأس المال فقال أحدهما: دينار، وقال الآخر: عشرة دراهم، أو قال أحدهما: كُرّ شعير في مئة من زيت، وقال الآخر: كر حنطة في مئة [من زيت] (١)، وأقاما جميعًا البيِّنة، فكانت البيِّنة بيِّنة المُسْلَم إليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أقضي بالبيِّنتين، وأجعله سَلَمين. (وروى ابن سماعة عن أبي حنيفة: أنهما إذا اختلفا في جنس رأس المال وأقاما بَيِّنة تقضى بسلمين) (٢)، فإن قال ربُّ السلم: أسلمت إليك هذا العبد في كُرّ حنطة، وقال المسلم إليه: هذه الجارية في كر شعير، وأقاما البيِّنة، قضي بسَلمين في قولهم، فإن قال المُسَلم إليه: أسلمت إليّ العبد والأمة في كُر حنطة، وقال رب السلم: أسلمت إليك العبد في كر حنطة، وأقاما بيِّنة فالبيِّنة بيِّنة المسَلم إليه، ويقضي بسَلم واحد في قولهم [جميعًا]، فكان الحاصل من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف: أنَّهما يقضيان بسَلم واحد إلَّا أن لا يمكن ذلك، فيُقضى بسَلمين، ومن أصل محمد: أنَّه يقضى بسَلمين إلا أن لا يمكن ذلك، فيقضى بسلم واحد. وَجْهُ قولهما: أنَّهما اتَّفقا أنَّه لم يجرِ بينهما إلا عقد واحد، فلو قضينا بعقدين

стр. 1683

من غير ضرورة، قضينا بعقدٍ اتَّفقا على إسقاطه، وهذا لا يَصحُّ، فإذا ثبت هذا قالا: إذا اختلفا في قدر رأس المال، والجنس الواحد يدخل بعضه في بعض، ألا ترى أن مَن أقرَّ لواحد بخمسة، ثم أقرَّ بعشرة، دَخلت الخمسةُ فيها، فيجعل الأقل داخلًا في الأكثر، ويقضي بالبيِّنة التي اقتضت الزيادة، وليس كذلك إذا كان رأسُ المال من جنسين؛ لأنَّ أحدَ الجنسين لا يدخل في الآخر، فلم يمكن جعلهما عقدًا واحدًا، فقضينا بسَلمين للضرورة. وجْهُ ما روى سماعة عن محمد عن أبي حنيفة: أن رأس المال إذا لم يكن بعينه، فهو في حكم الثمن، والمسلم فيه في حكم المبيع. والاختلاف في قدر الثمن وجنسه سواء في أن البينة بينة المستحق دون غيره، وليس كذلك إذا كان رأس المال عينًا واختلفا؛ لأن الأعيان لا تجوز أن تكون أثمانًا، وإنما تكون مبيعة، والاختلاف في العين المبيعة إذا أقيم عليها البينة لا يختص الحكم فيها بإحدى العينين دون الأخرى، بل يقضى بعقدين إذا أمكن ذلك؛ فلذلك يحكم بسلمين. ووجه قول محمد: أن الشهود أمناء [فمهما] (١) أمكن حمل قولهم على الصحة فهو أولى من حمله على الفساد، [وهاهنا] (٢) يمكن بأن يقضي بالعقدين، فيكون ذلك قبولًا [للبيِّنَتين] (٣) جميعًا ما أمكن، وليس كذلك إذا قال أحدهما: أسلمت هذا العبد في كر، وقال الآخر: هذا العبد وهذه الأمة؛ لأنه لا يمكن

стр. 1684

الحكم بالعقدين؛ إذ رأس المال في أحد العقدين هو رأس المال في العقد الآخر، والشيء الواحد لا يكون بدلًا في عقدين فلذلك قضي بسلم واحد. ١٤٤٧ - فَصْل: [الاختلاف في رأس المال] قال: وإن قال رب السلم أسلمت إليك مائة درهم في كُرَّي حنطة، وقال الآخر أسلمت إليّ مائتي درهم في كر حنطة، وأقاما بينة، حُكم بما يبين في كرين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن أقل الجنسين يدخل في أكثرهما فيقضى بما تضمنته كل واحدة من البينتين من الزيادة، وقال محمد: يقضى بسلمين مائة في كرين، ومائتين في كر؛ لأنه قد أمكن حمل البينتين على الصحة، فكان الحكم [تصحيحهما] (١) أولى من إبطال أحدهما (٢). تمّ كتاب البيوع بحمد الله ومَنِّه وحسن توفيقه والصلاة على رسوله محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين يتلوه كتاب النكاح بمشيئة الله وعونه

стр. 1685

[٣٨] كتاب النكاح رب يسّر ولا تعسر قال الشيخ رحمه الله تعالى: النكاح (١) في اللغة: حقيقته الوطء، تقول العرب: تناكح [الشيئان] (٢) إذا تداخلا. وقالوا: (أنكحنا الفرا فسنرى)، يضربون بذلك مثلًا للأمر الذي يجتمعون عليه فينظرون ماذا يكون منه. وهو مجاز في العقد؛ لأنه يتوصل به إلى الوطء فسمي نكاحًا، كما يُسمى الكأس خمرًا، ولهذا لا يُسمى العقد الذي لا يتوصل به إلى الوطء نكاحًا، [ويسمى كل وطءٍ نكاحًا] (٣). وقد قال الشافعي: النكاح في الشرع عبارة عن العقد؛ لأن الله تعالى لم يذكر النكاح في القرآن إلا والمراد به العقد (٤). وهذا لا يصح؛ لأنه قد ذكر النكاح في القرآن والمراد به الوطء. قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ
следующие страницы →