← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

اليد البيِّنة على الملك؛ لأنَّ بيِّنة صاحب اليد [غير] مقبولة، فلا يُسمَّى بيِّنة. ومَن نكل منهم عن اليمين قُضي عليه بدعوى صاحبه؛ لأنَّ النكول بذل عند أبي حنيفة، وبذل هذه المعاني يصحُّ من طريق الحكم، وعندهما: النكول قائم مقام الإقرار، والإقرار بهذه المعاني يصحُّ. فإن أقاما جميعًا البيِّنة، فالبيِّنة التي تُثبت الزيادة أولى؛ لأنَّ فيها معنًى زائدًا. ١٤٤٦ - فَصْل: [الاختلاف في مُضِيّ أَجَل السَّلَم] وإن اتَّفقا أن الأجل [شهر] (١)، فقال ربُّ السلم قد مضى، وقال المسلم إليه لم يمضِ، فالقول قول المُسلم إليه؛ لأنَّ رب السلم اعترف له بالحق الذي هو أجل، وادَّعى الإيفاء بمضيِّ المدَّة، فلا يقبل قوله. فإن أقام أحدهما بيِّنة؛ فالبيِّنة بيِّنته، لما بيَّنَّا أنَّ البيِّنة مقدَّمة على الدعوى. وإن أقاما جميعًا البيِّنة؛ فالبيِّنةُ بيِّنةُ المسلم إليه؛ وذلك لأنَّ ربَ السلم اعترفَ للمسلم إليه بحقٍّ وهو التأجيل في رجب، وأنَّه وفاه فأقام على ذلك بيِّنة، وادَّعى المسلم إليه حقًّا آخر، وهو التأجيل في شعبان، وأقام عليه البيِّنة، فكانت بيِّنته أولى، كمن ادَّعى على غيره دينارًا وأقام بيِّنة، واعترف المدَّعى عليه بدرهم، وأقام البيِّنة أنَّه وَفاه، فلا يَسقط الدينار الذي قامت عليه البيِّنة (٢).

стр. 1682

بَابْ: اختلافهما في رأس المال قال أبو الحسن: إذا اختلفا في رأس المال فقال أحدهما: دينار، وقال الآخر: عشرة دراهم، أو قال أحدهما: كُرّ شعير في مئة من زيت، وقال الآخر: كر حنطة في مئة [من زيت] (١)، وأقاما جميعًا البيِّنة، فكانت البيِّنة بيِّنة المُسْلَم إليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: أقضي بالبيِّنتين، وأجعله سَلَمين. (وروى ابن سماعة عن أبي حنيفة: أنهما إذا اختلفا في جنس رأس المال وأقاما بَيِّنة تقضى بسلمين) (٢)، فإن قال ربُّ السلم: أسلمت إليك هذا العبد في كُرّ حنطة، وقال المسلم إليه: هذه الجارية في كر شعير، وأقاما البيِّنة، قضي بسَلمين في قولهم، فإن قال المُسَلم إليه: أسلمت إليّ العبد والأمة في كُر حنطة، وقال رب السلم: أسلمت إليك العبد في كر حنطة، وأقاما بيِّنة فالبيِّنة بيِّنة المسَلم إليه، ويقضي بسَلم واحد في قولهم [جميعًا]، فكان الحاصل من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف: أنَّهما يقضيان بسَلم واحد إلَّا أن لا يمكن ذلك، فيُقضى بسَلمين، ومن أصل محمد: أنَّه يقضى بسَلمين إلا أن لا يمكن ذلك، فيقضى بسلم واحد. وَجْهُ قولهما: أنَّهما اتَّفقا أنَّه لم يجرِ بينهما إلا عقد واحد، فلو قضينا بعقدين

стр. 1683

من غير ضرورة، قضينا بعقدٍ اتَّفقا على إسقاطه، وهذا لا يَصحُّ، فإذا ثبت هذا قالا: إذا اختلفا في قدر رأس المال، والجنس الواحد يدخل بعضه في بعض، ألا ترى أن مَن أقرَّ لواحد بخمسة، ثم أقرَّ بعشرة، دَخلت الخمسةُ فيها، فيجعل الأقل داخلًا في الأكثر، ويقضي بالبيِّنة التي اقتضت الزيادة، وليس كذلك إذا كان رأسُ المال من جنسين؛ لأنَّ أحدَ الجنسين لا يدخل في الآخر، فلم يمكن جعلهما عقدًا واحدًا، فقضينا بسَلمين للضرورة. وجْهُ ما روى سماعة عن محمد عن أبي حنيفة: أن رأس المال إذا لم يكن بعينه، فهو في حكم الثمن، والمسلم فيه في حكم المبيع. والاختلاف في قدر الثمن وجنسه سواء في أن البينة بينة المستحق دون غيره، وليس كذلك إذا كان رأس المال عينًا واختلفا؛ لأن الأعيان لا تجوز أن تكون أثمانًا، وإنما تكون مبيعة، والاختلاف في العين المبيعة إذا أقيم عليها البينة لا يختص الحكم فيها بإحدى العينين دون الأخرى، بل يقضى بعقدين إذا أمكن ذلك؛ فلذلك يحكم بسلمين. ووجه قول محمد: أن الشهود أمناء [فمهما] (١) أمكن حمل قولهم على الصحة فهو أولى من حمله على الفساد، [وهاهنا] (٢) يمكن بأن يقضي بالعقدين، فيكون ذلك قبولًا [للبيِّنَتين] (٣) جميعًا ما أمكن، وليس كذلك إذا قال أحدهما: أسلمت هذا العبد في كر، وقال الآخر: هذا العبد وهذه الأمة؛ لأنه لا يمكن

стр. 1684

الحكم بالعقدين؛ إذ رأس المال في أحد العقدين هو رأس المال في العقد الآخر، والشيء الواحد لا يكون بدلًا في عقدين فلذلك قضي بسلم واحد. ١٤٤٧ - فَصْل: [الاختلاف في رأس المال] قال: وإن قال رب السلم أسلمت إليك مائة درهم في كُرَّي حنطة، وقال الآخر أسلمت إليّ مائتي درهم في كر حنطة، وأقاما بينة، حُكم بما يبين في كرين في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن أقل الجنسين يدخل في أكثرهما فيقضى بما تضمنته كل واحدة من البينتين من الزيادة، وقال محمد: يقضى بسلمين مائة في كرين، ومائتين في كر؛ لأنه قد أمكن حمل البينتين على الصحة، فكان الحكم [تصحيحهما] (١) أولى من إبطال أحدهما (٢). تمّ كتاب البيوع بحمد الله ومَنِّه وحسن توفيقه والصلاة على رسوله محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين يتلوه كتاب النكاح بمشيئة الله وعونه

стр. 1685

[٣٨] كتاب النكاح رب يسّر ولا تعسر قال الشيخ رحمه الله تعالى: النكاح (١) في اللغة: حقيقته الوطء، تقول العرب: تناكح [الشيئان] (٢) إذا تداخلا. وقالوا: (أنكحنا الفرا فسنرى)، يضربون بذلك مثلًا للأمر الذي يجتمعون عليه فينظرون ماذا يكون منه. وهو مجاز في العقد؛ لأنه يتوصل به إلى الوطء فسمي نكاحًا، كما يُسمى الكأس خمرًا، ولهذا لا يُسمى العقد الذي لا يتوصل به إلى الوطء نكاحًا، [ويسمى كل وطءٍ نكاحًا] (٣). وقد قال الشافعي: النكاح في الشرع عبارة عن العقد؛ لأن الله تعالى لم يذكر النكاح في القرآن إلا والمراد به العقد (٤). وهذا لا يصح؛ لأنه قد ذكر النكاح في القرآن والمراد به الوطء. قال الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ

стр. 1686

أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] والمراد بذلك الوطء. وما أريد به العقد في القرآن فإنما حمل عليه بدليل كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] لأن الوطء لا يقف على الإذن، فعلم أن المراد بالآية العقد، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]؛ (لمَّا ذكر العدد علم أن المراد بالنكاح العقد) (١)؛ لأن الوطء لا [يتقدر] (٢) (والنكاح عقد جائز) (٣) بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢] وقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، وقال النبي ﷺ : "تناكحوا تكثروا فإني أباهي بكم الأمم" (٤)، وبعث ﷺ والناس يتناكحون فأَقَرَّهم على ذلك، وتقريره دلالة على الجواز. قال أبو الحسن: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. فحث على النكاح ترغيبًا من غير إيجاب له، فالنكاح عندنا مستحب وليس بواجب، وقال

стр. 1687

نفاة القياس: [إنه] واجب (١). والدليل على ما قلناه قوله عليه [الصلاة و] السلام: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فليصم، فإن الصوم له وجاء" (٢)، فأقام الصوم مقام النكاح [والصوم] ليس بواجب، والواجب لا يقوم مقامه ما ليس بواجب؛ ولأن الصحابة كان فيهم من لا زوجة له، وكانوا يفتحون البلاد ويعلمون الناس الشرائع، ولم ينقل أنهم علموهم وجوب النكاح، ولو فعلوا ذلك لنقل عنهم من طريق الاستفاضة؛ ولأنه سبب يتوصل به إلى الوطء كشراء الجارية؛ ولأنه عقد معاوضة كالبيع؛ [ولأنه نوع تلذذ كالطعام الناعم] (٣). احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه ذكر العدد ولا خلاف أن العدد ليس بواجب. واحتجوا: بقوله ﷺ : "تناكحوا تكثروا" (٤). وهذا لا دلالة فيه؛ لأن النسل إنما يكون من الوطء، والوطء ليس بواجب. واحتجوا: بما روي أن النبي ﵊ قال لرجل يقال له عكّاف: "ألك زوج؟

стр. 1688

قال: لا. قال: ألك جارية؟ قال: لا. قال: تزوج فإنك من إخوان الشياطين" (١). وهذا لا دليل فيه؛ لأن خبر الواحد لا يثبت به وجوب ما يعم به البلوى، ولأنه يجوز أن يكون علم من طريق [الوحي] (٢) أنه إذا لم يتزوج زنى. واحتجوا بأن الامتناع من الزنا واجب، ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. وهذا غير مُسَلَّم به؛ لأنه يتوصل إلى ترك الزنا بالصوم كما قاله رسول الله ﷺ . قال أبو الحسن: قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأيم: الرجل الذي لا امرأة له، والمرأة التي لا زوج لها. وروي ذلك عن ابن عباس وأبي عبيدة: أن الأيم المرأة التي لا زوج لها، يقال: رجل أيم وامرأة أيمة وأيم (٣). وأنشد أبو عبيدة: فإن تنكحي أنكح وإن تتأَيَّمي … وإن كنت أفتى فيكُمُ أتأيَّم (٤)

стр. 1689

وقال ابن السكيت: يقولون إزلٌ حُبُّ ليلى وودُّها … وقد كذبوا ما في مودتها إزلُ وأقسم إن الغُسْل ما دمت أيمًا … عَلَيَّ حرامٌ لا يَمَسُّنِيَ الغُسْلُ (١) وقال النابغة: وكم من أسيرٍ في الحديد مكبَّلٌ … وكم بطلٍ غادرته عند معطفِ وكم أيّم قد أنكَحَتْها رماحُنا … وأخرى على عمٍّ وخالٍ تَلَهّفِ ومعلوم أنه [لم] يفتخر بسبي الثيّب خاصة. ومن دعاء النبي ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من بوار الأيم" (٢). وقال في حديث على ﵁: "ثلاث لا تؤخرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا وضعت، والأيم إذا وجدت لها كفؤًا" (٣). وقال ﵊: "ألا أيم صالح نزوجها عثمان فقد زوجناه ابنتين، ولو كانت عندنا ثالثة زوجناه" (٤). ومعلوم أنه لم يندب الثيب دون الأبكار. واحتج محمد بقوله ﵊: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في

стр. 1690

نفسها" (١)، ففرق بين الأيم والبكر. وهذا لا يصح؛ لأنه ﵊ خصَّ بالذكر الأيم الثيب، وتخصيص الذكر لا يدل على تخصيص الاسم. ألا ترى أنه قد خصَّ الأيم البالغة العاقلة بهذا القول، ولا يدل على أن من شرط استحقاق الاسم وجود العقل، فكذلك الثيوبة. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المآب (٢).

стр. 1691

بَابْ: ذكر ما حرَّم الله تعالى في كتابه قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣] الآية. قال ابن عباس: حرم الله تعالى سبعة بالنسب وسبعة بالسبب. فأما اللواتي بالنسب فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾. وأما التي بالسبب فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والسابعة قوله : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].

стр. 1692

وكان أبو الحسن يقول: إن الله حرم في هذه الآية سبعة أضرب من التحريم، فمنهن من حرمها بالعقد كأم المرأة، وحليلة الابن، وامرأة الأب، ومنهن من حرمها بالعقد والوطء وهي الربيبة، ومنهن من حرمها بالوطء وهي الموطوءة أمها وبنتها بملك اليمين، وتحريم بالرضاع، وتحريم بالنسب، وتحريم بالجمع، وتحريم لذوات الأزواج. ونحن نتكلم في تفصيل ذلك: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فأمُّ الرجل حرام عليه، وجداته أيضًا، فمن قال: إن اللفظ الواحد يحمل على الحقيقة والمجاز حرَّمهن بالآية، ومن قال إن اللفظ لا يحمل عليهما، حَرَّمَ الأم بالآية والجدات بالإجماع. وقال تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فبنت الرجل حرام عليه، وبنات أولاده وإن سفلن على الطريقة التي قدمنا أن بنت الصلب حرام بالآية ومن سواها بالإجماع. وقال تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فالأخت حرام بالآية: وهي كل من انتسب إلى أحد الأبوين، فيدخل في ذلك الأخوات المتفرقات [لأنهن ينسبن إلى أحد الأبوين] (١). وقال تعالى: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فعمة الرجل حرام عليه بالآية، وعمة أبيه وعمة جده حرام عليه بالإجماع.

стр. 1693

وقال تعالى: ﴿وَخَالَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فخالة الرجل حرام عليه، وخالة أبيه وخالة أمه حرام عليه بالإجماع. وقال تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، فحرم الأخت وولدها، وحرم العمة والخالة دون ولدهما، فولد العمة والخالة حلال، [وقد قال ﷺ : "العمة والخالة أم" (١)]، وولد الأخت حرام، وكذلك بنات الأخ فهذا التحريم من جهة النسب. ثم قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، فهذا يدل على تعلق التحريم بالرضاع، وقد دل عليه قوله ﵊: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢). وقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فأم الزوجة حرام على الزوج، دخل بزوجته أو لم يدخل. وقال بعض (٣) الناس: لا تحرم حتى يدخل على بنتها، وحكي عن ابن شجاع مثله، وقد حكى أصحاب الخلاف ذلك عن علي ﵇. قال الشيخ: إلا أني رأيت عنه مثل قولنا، والدليل على ما قلناه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﵊ قال: "إذا نكح الرجل المرأة

стр. 1694

ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فله أن يتزوج ابنتها، وليس له أن يتزوج الأم" (١). وقد رُوي مثل قولنا عن علي وعمر ﵄، وقال ابن عباس: أبهموا ما أبهم الله . ورُوي أنّ ابن مسعود قال: لا تحرم الأم بالعقد، فلما قدم المدينة كلمه في ذلك عمر وعلي وقالا: إنها مبهمة، فرجع إلى قولهما. واحتج بعض (٢) الناس بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، قال: والمعطوف بعضه على بعض إذا تعقبه لفظ شرطٍ عاد إلى جميعه كمن قال: امرأته طالق، وعبده حرٌّ إن دخل الدار، وهذا لا يصح؛ لأن الشرط إنما يعود إلى الجميع إذا أمكن ذلك، ولا يمكن رد الشرط هاهنا إلى أمهات النساء؛ لأنه قد استقر في اللغة: أن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف، وأن المعمول الواحد لا يكون معمولًا لعاملين، فإذا ثبت هذا، فقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] جر بالإضافة، وقوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، جر بحرف الجر، فلو عاد قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ إليهما لصار معمولًا بالإضافة وحرف الجر. وقد بينا أن المعمول الواحد لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين. وقال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، فربيبة الرجل حرام [عليه] إذا دخل بأمها، فإن لم

стр. 1695

يدخل بأمها حتى فارقها جاز له أن يتزوجها، ويستوي في تحريم الربيبة أن تكون في حجره أو حجر غيره، ورُوي عن علي ﵇: (أنها لا تحرم إلا أن تكون في حجره) (١). لنا: أن التحريم المؤبد لا يعتبر فيه القرب والبعد، كأمهات النساء. وإنما شرط الله تعالى كونها في حجره؛ لأن العادة أن الربيبة تكون في حجرة زوج أمها، فخرج الكلام على المعتاد، كما قال ﵊ (في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض) (٢). وقال الله تعالى ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، فحليلة الرجل حرام على أبيه دخل [الابن] بها أو لم يدخل؛ لأنها [مبهمة] (٣) فيختص التحريم بها دون غيرها، فيجوز للأب أن يتزوج بأمهاتها وبناتها. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إنما ذكره لأن العرب كانت تستلحق [الابن] بالتبني، وينسبون ذلك إلى أنفسهم بالبنوة إلى أن نهى الله تعالى بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، فخص الله تعالى البنين من الأصلاب ليبين أن امرأة الابن من التبني ليست محرمة. وامرأة ابن الابن وإن سفل حرام إما بظاهر الآية على قول من جَوَّز

стр. 1696

حمل اللفظ الواحد على الحقيقة والمجاز، أو بالإجماع على قول من منع ذلك. ولا يقال: كيف يقال لولد الولد [أنه ابن] (١) الصلب؛ لأن ذلك لا يمتنع إذا كان أصلهم [للصلب] (٢)، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر: ٦٧]. وإن كانت هذه الصفة لأول الخلق دون مَنْ بعده. وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، فالجمع بين الأختين في عقد النكاح حرام بالآية. واختلفوا في الجمع بينهما في الوطء بملك اليمين: فروي عن عمر وعلي وابن مسعود ﵃: أنه محرم، وقال عمارٌ: كل شيء حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه من الإماء إلا الجمع، وروي أن رجلًا سأل عثمان ﵁ عن ذلك فقال: ما أحب أن أحله، ولكن أحلتهما آية، وحرمتهما آية، وأما أنا فلا أفعله، وخرج الرجل من عنده فلقي عليًا ﵇ فذكر له ذلك، فقال: لو أن (٣) إليَّ من الأمر شيئًا لجعلت من فعل ذلك [نكالًا] (٤)، والدليل على التحريم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، والمراد به الجمع في أحكام النكاح وذلك موجود في الوطء بملك اليمين؛ ولأنه جامع بينهما في

стр. 1697

استلحاق النسب، كما لو جمع بينهما في العقد، وقول عثمان ﵁ حرمتهما آية يعني هذه الآية، وقوله أحلتهما آية يعني قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. فإذا اقتضت إحدى الآيتين التحريم والأخرى الإباحة فالتحريم أولى، وإذا ثبت تحريم الجمع بين الأختين فإن تزوجهما معًا فسد نكاحهما؛ لأن الجمع بينهما لا يصح لما بيناه، [ولا يجوز أن يصح نكاح إحداهما بعينها؛ لأنه ليس إحداهما أولى من الأخرى] (١)، ولا يجوز أن يصح في إحداهما بغير عينها؛ لأن النكاح لا يصح في منكوحة مجهولة، فلم يبق إلا بطلان نكاحهما، وأما إن تزوج إحداهما بعد الأخرى، فسد نكاح الثانية وفُرِّقَ بينهما؛ وذلك لأن نكاح الأولى قد صح، والحظر حصل في نكاح الثانية؛ لأن الجمع به وقع فاختص الفساد به، فإن كان لم يدخل بها فلا مهر لها ولا عدة عليها؛ لأن النكاح الفاسد إذا لم يتصل به الدخول لم يتعلق به شيء من الأحكام، بدليل قوله ﷺ : "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢)، [فإن دخل بها، فلها مهر مثلها، فعلق الحكم بالدخول] (٣)، فإن دخل بها فعليها العدة؛ لأنه وطئ بنكاح فاسد فيثبت به النسب، والوطء الذي يثبت به النسب يوجب العدة كالوطء بنكاح صحيح. قال: ولها الأقل من مهر مثلها ومن المسمى، أما وجوب مهر المثل فقوله

стр. 1698

ﷺ : "فإن دخل بها فلها مهر مثلها" (١)؛ ولأن التسمية لا تثبت إلا في نكاح صحيح، وإنما تجب في الفاسد قيمة المعقود عليه، وذلك مهر المثل. وقد قال أصحابنا: يجب في النكاح الفاسد الأقل من مهر المثل ومن المسمى، وكذلك في الإجارة الفاسدة، وقال زفر: يجب مهر المثل (٢) بالغًا ما بلغ. لنا: أن المنافع لا تتقوَّم إلا بالعقد أو الشُّبهة، وقد قوّماها بالتسمية وذلك رضًا بإسقاط الزيادة، فصارت مستوفاة بغير عقد يقوم به، فلا تكون لها قيمة، وليس كذلك البيع الفاسد؛ لأن الأعيان متقومة بنفسها، فإذا سقط اعتبار التسمية وجب اعتبار [كمال] (٣) قيمة العين. وجه قول زفر: أن المنافع تتقوم بالعقد الفاسد والصحيح كالأعيان. قال ﵀: ولو لم يبين أبو الحسن الوقت الذي يبتدأ منه العدة. وقد قال أصحابنا: إن العدة تجب عليها من حين يفرق بينهما. وقال زفر: من آخر وطء وطأها، فإن كانت قد حاضت ثلاث حيض بعد آخر وطء وطأها قبل التفرق فقد انقضت عدتها. لنا: أن التفريق في العقد الفاسد كالطلاق في النكاح الصحيح. ألا ترى إذا وطئها قبل التفرق لم يجب عليه حَدٌّ، ولم يجب عليه حد بتكرار الوطء إلا مهر واحد، ولو فرق القاضي بينهما ثم وطئها، وجب الحَدُّ

стр. 1699

وإن دخلت شبهة وجب مهر آخر، وإذا حل التفريق محل الطلاق اعتبرت العدة منه. وجه قول زفر: أن المعنى الموجب للعدة هو الوطء بدلالة لو لم يحصل لم تجب، وإذا كان هو الموجب للاستبراء وجب اعتبار العدة (عقبه) (١). قال: ولا يقرب امرأته حتى تنقضي عدة أختها؛ لأنه لو وطئها صار مستلحقًا لنسب ولديهما، ولا يجوز استلحاق نسب أختين في حالة واحدة. قال: ولا يحل للرجل أن يجمع بين ذواتي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب: أن كل امرأتين لو كانت كل واحدة منهما رجلًا لم يجز له أن يتزوج بالأخرى، لم يجز الجمع بينهما. وقال عثمان البتي: يجوز الجمع فيما سوى الأختين والأم والبنت. لنا: حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على بنت أخيها ولا على بنت أختها، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئَ (٢) ما في صحفتها (٣) " (٤) وقد روى هذا الخبر جابر وابن عباس،

стр. 1700

فلا يخلو إما أن يكون من حيز أخبار الاستفاضة؛ لأن الأمّة تلقته بالقبول وعملوا بموجبه (١)، أو يكون خبر واحد (٢)، وعلى كلا الأمرين فهو حجة، ولأن كل واحدة منهما لو كانت رجلًا لم يجز له أن يتزوج بالأخرى، فلا يجوز الجمع بينهما كالأختين. واحتج عثمان [البتي] بقوله تعالى بعد ذكر المحرمات ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. والجواب: أن هذه الآية مجملة؛ لأنه (٣) شرط في الإباحة الإحصان وهو مجمل، والإباحة إذا شرط فيها بشرط مجمل صارت مجملة، والمجمل ثبت بيانه بخبر الواحد، وأما المرأتان اللتان لو كانت إحداهما رجلًا جاز له أن يتزوج بالأخرى، فالجمع بينهما جائز عندنا كالجمع بين امرأة وبنت زوج كان لها من قبل. وقد روي أن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي ﵇ وبنته (٤). وقال زفر: لا يجوز الجمع بينهما. لنا: أن إحداهما لو كانت رجلًا وهي الزوجة، جاز له أن يتزوج بالأخرى، [وهي بنت الزوج] (٥) فلم يعم التحريم الأجنبيتين، فصارتا كالأجنبيتين.

стр. 1701

وجه قول زفر: أن البنت لو كانت رجلًا لم يجز [له أن يتزوّج بزوجة أبيه] (١)، فلا يجوز الجمع بينهما كالأختين، وأما قوله تعالى في تحريم الجمع ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، ففيه تأويلان: أحدهما: أن مَنْ جمع قبل التحريم [ثم طرأ التحريم]، جاز له البقاء. والتأويل الثاني: أنه لا إثم على من جمع قبل التحريم. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، المراد به: ذوات الأزواج فنكاح المرأة التي لها زوج حرام، لأن المعقود عليه ملك للغير؛ ولأنها محبوسة بعقد، فلا يجوز العقد عليها كالرهن. وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، قال ابن مسعود: المراد به السبايا إذا كان لهن أزواج؛ لأن الفُرْقة وقعت بينهما بالسبي. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، فإنه يدل على تحريم امرأة الأب بنفس العقد؛ لأنها مبهمة، وكذلك تحريم نساء الأجداد إما بالنص أو الإجماع على ما قدمناه، وقد كانت الجاهلية إذا مات الرجل ورث ابنه نكاح امرأته إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]، فكانوا إن رضيت أمسكوها، وإن سخطت تركوها، فكانوا يسمون ذلك نكاح المقت حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، محمول

стр. 1702

على أحد التأويلين اللذين قدمناهما. قال أبو الحسن: والوطء كله عند أصحابنا حلاله وحرامه في التحريم سواء. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والكلام في هذه المسألة يقع مع الشافعي في أن الزنا يحرم أم المزني بها وبنتها، ومن زنى بأم امرأته أو ابنتها حرمت عليه امرأته. وقال الشافعي: الزنا لا يتعلق به التحريم (١). لنا: أنه وطء من يحل له وطؤها بسببي الإباحة، فحرمت عليه أمها وبنتها كوطء جارية أبيه (٢)، وجاريته المزوجة؛ [ولأن كل عقد يبطله الوطء يستوي في إبطاله الزنا وغيره كالإحرام] (٣). وقال أصحابنا: اللمس بالشهوة يتعلق به التحريم، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يحرم (٤). وقد رُوي عن سالم بن عبد الله: أنه وهب جارية لأبيه (٥) وقال: (لا تقربها فإني قد أردتها فلم أتبسط إليها) (٦). وعن مسروق: أنه كتب إلى أهله في جارية وقال: [ألا فبيعوها] (٧) أما إني

стр. 1703

لم أصب منها إلا ما يحرمها علي ولدي من اللمس والنظر) (١)، ورُوي مثل قولنا عن الحسن ومجاهد، والزهري وجابر بن زيد. [وقال] ابن مسعود: (من قبَّل امرأة بشهوة حرمت عليه أمها وبنتها) (٢)؛ ولأن اللمس بشهوة لا يحل إلا بنكاح أو بملك يمين، ويتعلق به الكفارة في الإحرام كالوطء. وقال أصحابنا: إذا نظر إلى فرجها بالشهوة تعلق بذلك التحريم، وقال الشافعي: لا يحرم النظر (٣). لنا: حديث أم هانئ قال رسول الله ﷺ : "من نظر إلى فرج امرأة لم يحل له أمها ولا بنتها" (٤). وعن مكحول: (أن عمر ﵁ جرّد جارية له، [فنظر فيها] فسأله إياها بعض ولده فقال: إنها لا تحل لك) (٥). وروى سالم عن أبيه قال: "أيما رجل جرد جارية له فنظر فيها لذلك الأمر فإنها لا تحل لابنه" (٦)؛ ولأن النظر على هذا الوجه لا يستباح إلا بالملك كالوطء (٧).

стр. 1704

١٤٤٨ - فَصْل: [زواج المعتدة] ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة تعتد من غيره من أي وجه لزمتها العدة؛ وذلك لأن المعتدة محبوسة على [حق] من تعتد منه، فلا يجوز العقد عليها لغيره كالرهن؛ ولأن الله تعالى أباح التعريض في العدة بذكر التزوج. والتعريض: هو أن يذكر لها كلامًا يستدل به على رغبة فيها، فإذا كانت الخطبة المصرحة حرامًا فالعقد أولى. ويجوز لصاحب العدة أن يتزوجها، إن لم يكن هناك مانع غير العدة لأنها محبوسة لحقه، [فيجوز] عقده عليها، وإن منع غيره من العقد كبيع الرهن من المرتهن؛ ولأن العدة موضوعة للاستبراء، والإنسان لا يجب عليه الاستبراء من ماء نفسه. قال: ولا يجوز أن يتزوج امرأة ذات رَحِمٍ مَحْرَم من امرأة تعتد منه، ولا أربعًا وخامسة تعتد منه، وما منع النكاح من الجمع بين ذوات الرحم المحرم، فالعدة تمنع منه. وقال الشافعي: إذا كانت العدة من طلاق رجعي لم يجز له أن يتزوج بأختها، وإن كان من طلاق بائن [جاز أن يتزوّج] أختها (١)، وأربعًا سواها، وقد رُوي مثل قولنا عن علي وعبد الله بن عباس، وروي أن مروان استشار الصحابة في رجل تزوج بامرأة وأختها تعتد منه، وكانوا متوافرين، فقالوا لا يجوز، وقال زيد بن ثابت: يجوز، ثم رجع، ففرق مروان بينهما، ولا يجوز أن يحمل ذلك على العدة من طلاق رجعي؛ لأنه ذكر مخالفة زيد [في القصة] ورجوعه، وهذا لا يكون إلا في البائن، ولأن كل منع ثبت على أحد الزوجين بسبب كان نكاح

стр. 1705

صاحبه [ممنوعًا] (١)، فإن ذلك المنع يبقى ببقاء العدة، كمنعها من الأزواج؛ ولأن بقاء ماء الرجل في الرحم يمنعها من تزوج زوج آخر، فكذلك يمنعه من تزويج أختها كحال النكاح، وهذا التعليل معنى ما قال أبو يوسف: إن الرجل لا يتزوج بأخت المعتدة، ليس من قِبَل أن عليه العدة، ولكن من قِبَلِ أن رحمها مشغولة بمائه (٢). ١٤٤٩ - فَصْل: [الزواج بالأَمَةِ أثناء عدة الحرة منه] وقال أبو حنيفة: لا يتزوج الرجل أمةً على حرة تعتد منه، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز ذلك في عدة بينونة (٣). لأبي حنيفة: أن تحريم الأمة على الحرة من طريق الجمع، ويستوي فيه حال النكاح والعدة، كالجمع بين الأختين. وجه قولهما: أن الجمع بين الأمة والحرة غير ممنوع [منه] إذا تقدمت الأمة، وإنما نمنع أن يتزوجها على الحرة؛ لأنه يُدخل عليها مَنْ لا تساويها في القسم، وهذا المعنى لا يوجد بعد البينونة، ولهذا نقول فيمن حلف لا يتزوج على امرأته فتزوج بعدما أبانها في عدتها، أنه لا يحنث، قال: ويجوز أن يتزوج أخت أمته التي وطأها [وأخت أم ولده] (٤)، ولكن لا يطؤها الزوج حتى يحرم الأمة التي في ملكه وأم ولده (بأن يزوجها) (٥) أو يملك الأمة؛ وذلك لأن

стр. 1706

الأمة لا فراش لها عندنا. ألا ترى أنه مخيَّر في الاعتراف بنسب ولدها، فإذا ضعف حكم نسب ولدها لم يمنع من النكاح، وكذلك أم الولد حكم فراشها ضعيف؛ ألا ترى أن نسب ولدها ينتفي بقوله، فإذا ضعف الفراش لم يمنع من عقد النكاح، وإنما قلنا أنه لا يطأ التي تزوج حتى يحرّم أختها؛ لأنه لو وطئها لصار مستلحقًا لنسب ولدها؛ ولأنه يصير جامعًا بينهما في معنى واحد وهو الوطء، وذلك لا يجوز، وليس كذلك العقد؛ لأنه لا يصير به جامعًا بينهما في حكم واحد من أحكام النكاح. ١٤٥٠ - فَصْل: [الزواج بأخت أم ولده وأم الولد تعتد منه] ولا يجوز له أن يتزوج أخت أم ولده وأم الولد تعتد منه، ويجوز أن يتزوج أربعًا سواها. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يتزوج [بأختها] (١). لأبي حنيفة: أن المعنى الذي لأجله جاز تزوج أخت أم الولد أن فراش أم الولد ضعيف، بدلالة أنه يملك نقل الفراش إلى غيره، ويقطع النسب بقوله، فإذا أعتقها قوي فراشها. ألا ترى أنه لا يملك نفي نسب ولدها، فصارت كالحرة المعتدة، فلا يجوز أن يتزوج بأختها. وجه قولهما: أن فراش العدة مرتب على فراش المِلك، فإذا جاز له أن يتزوج أختها قبل العتق مع بقاء الملك؛ فلأن يجوز إذا قطع الملك أولى.

стр. 1707

وقد قال أصحابنا: يجوز أن يتزوج بأربع سواها، وقال زفر: لا يجوز. لنا: أن المنع من [جهة] (١) العدد يختص تحريمه بعقد النكاح، وعدة أم الولد لم تجب بعقد النكاح، فلم يحرم الجمع بينهما، وليس كذلك تزوج الأخت؛ لأن تحريم الجمع بين الأختين لا يختص بالنكاح، بدلالة أنه لا يجوز الجمع في حال الوطء بملك اليمين، (ويجوز ذلك في العدد) (٢)، لأن كل موضع حرم الجمع في حال العدة إذا طرأت العدة بعد الجمع حرم الوطء. الدليل على هذا: أن المعتدة الحرة لما منعت عدتها من تزوج أختها وأربع سواها كان إذا تزوجهن ثم وجبت العدة منها حرَّم الوطء أختها والأربع. في مسألتنا لو تزوج بأربع ثم أعتق أم ولده، لم يحرم وطأهنَّ، فكذلك لا يحرم عدتها العقد عليهن، ولو كان تزوج بأختها ثم أعتقها حرم وطؤ أختها، فكذلك يحرم تزوج أختها في عدتها. وجه قول زفر أنها معتدة فلا يجوز أن يتزوج أربعًا سواها كالحرة؛ ولأن العدة إذا حرّمت نكاح الأخت حرّمت نكاح الأربع كعدة الحرة. فحاصل جملة المذهب: أن كل وجه منع النكاح الصحيح جمع غيرها إليها، فإن العدة من أي وجه وجبت تمنع أيضًا إلا في وجه واحد: وهو أن يتزوج بأربع حرائر في عدة أم ولده، وهذا جملة قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: تمنع العدة من الجمع ما يمنع النكاح إلا تزويج الأربع [وإدخال] (٣) أم

стр. 1708

الولد والأمة على الحرة. وقال زفر: ما منع أحدهما منع الآخر من غير استثناء. ١٤٥١ - فَصْل: [الزواج بالحامل من زنا] قال أبو حنيفة ومحمد: إذا تزوج الرجل امرأة حاملًا من زنا، فذلك جائز ولا يطؤها حتى تضع. قال أبو يوسف وزفر: لا يصح النكاح. لهما: أن ماء الزنا لا حرمة له، ولهذا قال النبي ﷺ : "الولد للفراش، وللعاهر الحَجَر" (١) [يعني: لا شيء له] (٢)، والمنع من تزويج الحامل لحرمة ماء الوطء، فإذا سقطت حرمته جاز التزويج؛ ولأنه لو منع الحمل من الزنا التزويج تعلق به ثبوت النسب وأحكام الولادة، كالوطء بشبهة، (وإنما قلنا لا يطؤها حتى تضع لقوله ﵊: "لا يحل لرجلين يؤمنان بالله واليوم الآخر يجتمعا من امرأة واحدة في طهر واحد" (٣). وجه قول أبي يوسف وزفر: أن الحمل لما منع الوطء منع العقد كالحمل الثابت النسب؛ ولأنها حامل من الغير كالموطوءة بشبهة وكأم الولد إذا كانت حاملًا من مولاها) (٤).

стр. 1709

١٤٥٢ - فَصْل: [الزواج بامرأة مسلمة من دار الحرب] قال أبو حنيفة: إذا جاءت امرأة مسلمة من دار الحرب جاز تزويجها، ولا عدة عليها، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة. لأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فأباح نكاح المهاجرة مطلقًا ولم يشترط فيه انقضاء العدة، ثم قال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فلو منعنا من تزويجها للعدة لكان ذلك تمسكًا بعِصَمِ زوجها الكافر؛ ولأن الفُرقة وقعت بينهما باختلاف الدارين كالمسْبيَّة. وجه قولهما: أن الفُرقة وقعت عليها وهي مسلمة في دار الإسلام فصارت كسائر المسلمات، وأما إذا كانت حاملًا فروى محمد عن أبي حنيفة: أنها لا تتزوج، وهي إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه يتزوجها ولا يطؤها حتى تضع. وجه رواية أبي يوسف: أن ماء الحربي لا حرمة له، فحَلَّ محل ماء الزاني منه. وجه رواية محمد: أنها حامل بولد ثابت النسب كامرأة المسلم. وقال الطحاوي: الصحيح ما رواه محمد ظنًا منه أن المنع من تزويجها لأجل العدة، [ومن أصل أبي حنيفة أن لا عدة على المهاجرة] (١).

стр. 1710

وقال أبو الحسن: الصحيح رواية أبي يوسف؛ لأن المنع ليس لأجل العدة، وإنما هو لثبوت نسب الولد، (وهذا المنع يمنع النكاح وإن عدمت العدة كأم الولد إذا كانت حاملًا من مولاها) (١). ١٤٥٣ - فَصْل: [وطء الكافرة بنكاح أو بملك يمين] ولا يحل وطء كافرة بنكاح ولا ملك يمين، إلا الكتابيات خاصة وسواء الحرائر في ذلك والإماء. والأصل في تحريم المشركات قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وعمومه يقتضي تحريم وطء كل مشركة، وأما إباحة تزويج الكتابيات فلقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. فلا يجوز حمله على من أسلم منهن؛ لأن ذلك يبطل فائدة تخصيص الكتابية؛ لأن المشركة والمجوسية إذا أسلمتا جاز نكاحهما؛ ولأن الكتابية مؤمنة بكتاب من كتب الله تعالى كالمسلمة. ويجوز تزويج الأمة الكتابية عندنا، وقال الشافعي: يجوز وطؤها بملك اليمين، ولا يجوز بالنكاح (٢). لنا: أنه يجوز وطؤها بملك اليمين، فجاز وطؤها بالنكاح كالمسلمة؛ ولأنها مؤمنة بكتاب من كتب الله تعالى فلا يختص بنكاحها الكفار كالحرة الكتابية، فأما المجوس فلا كتاب لهم عندنا، [ولا] يجوز مناكحتهم، والدليل على ذلك: قوله تعالى حكاية عمّن تقدم ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]

стр. 1711

وهذا يدل على أنه لم ينزل على طائفة ثالثة، ولم يذكر الله تعالى ذلك، ولِما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال ما أصنع بالطائفة الذين ليسوا من أهل الكتاب، فقال عبد الرحمن بن عوف سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" (١)، وهذا يدل على أنه لا كتاب لهم، والذي روي عن علي ﵇ أنه قال: "كان لهم كتاب فأصبحوا وقد رفع عنهم فنسوا" (٢)، ولو ثبت لدل على ما قلنا؛ لأنهم لما نسوه خرجوا من أن يكونوا من أهله. فأما الصَّابئات فقال أبو حنيفة: يجوز نكاحهن، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز وهذا ليس باختلاف في الحقيقة، وإنما هو لاشتباه مذهبهم فحمل أبو حنيفة أمرهم على أنهم يؤمنون بكتاب ويعظمون الكواكب كتعظيم المسلمين القبلة، فمخالفتهم لأهل الكتاب في بعض دينهم لا يمنع مناكحتهم، ألا ترى أن عليًا ﵇ قال في بني تغلب (أنهم لم يوافقوا النصارى إلا في شرب الخمر وأكل الخنزير)، ولم يمنع ذلك من جريان أحكام النصارى عليهم. وأما أبو يوسف ومحمد: فحملا تعظيمهم الكواكب على عبادتها، وعابد الكواكب كعابد الوثن، فلا يجوز مناكحتهم (٣). ١٤٥٤ - فَصْل: [أنكحة الكفار بعضهم لبعض] وأنكحة الكفار بعضهم لبعض جائزة، وقال مالك: أنكحتهم فاسدة (٤). لنا: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] فلو كان نكاحهم

стр. 1712

فاسدًا لم يسمها امرأته، وقال النبي ﵊: "ولدت من نكاح، ولم أولد من سفاح" (١)، وإن كان (آباؤه كفارًا) (٢)؛ ولأن من أسلم من الكفار أقره رسول الله ﷺ على نكاحه، فلو كان نكاحهم فاسدًا (لما أقرهم عليه) (٣). وأما المرتدة فلا يجوز لمسلم ولا لكافر ولا لمرتد نكاحها؛ وذلك لأن الردة إذا طرأت على النكاح الصحيح أبطلته، فإذا قارنت ابتداءه منعت من انعقاده كما في الرضاع. والله أعلم (٤). ١٤٥٥ - فَصْل: [زواج الرجل أمة على حرة] ولا يجوز أن يتزوج الرجل أمةً على حرة. والأصل في ذلك ما روى علي ﵇ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تنكح الأمة على الحرة" (٥)، وقال عليّ ﵇: "وتنكح الحرة على الأمة، وللحرة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث" (٦). وقال أصحابنا: لا يجوز للعبد أن يتزوج أمة على حرة، وقال الشافعي: يجوز (٧).

стр. 1713

وعموم الخبر دلالة على فساد قوله؛ ولأنه يدخل على الحرة من لا تساويها في القسم، [فلا يجوز] (١) كالحر، وأما الشافعي فإنه يقول: إنما لا يجوز للحر أن يدخل الأمة على الحرة؛ لأن نكاح الأمة موقوف على عدم الطَّوْلِ، ومن كانت تحته حرة فقد استغنى بها، وأما العبد فتزوجه الأمة غير موقوف على عدم الطَّول؛ فلذلك جاز أن يتزوجها على الحرة. وهذا الذي قاله لا يصح؛ لأن الغائب عن زوجته غيبة بعيدة لا يجوز أن يتزوج بالأمة وإن كان لا يستغني بالحرة، وكذلك إن كان تحته امرأة لا يمكن وطؤها لم يجز له [أن يتزوّج بالأمة] (٢) مع الحاجة إلى تزوجها. قال الشيخ ﵀: وقد كان أصحابنا يقولون: العلة المانعة من ذلك أنه يدخل على الحرة من [لا تساويها] (٣) في القسم، وحكي عن أبي الحسن أنه قال: من كانت تحته حرة فقد ثبت لولده حق الحرية، فإذا أراد أن يتزوج بأمة فإنه يريد أن يسقط حق الحرية الذي ثبت لولده ويعرضه للرق، وحق الحرية إذا ثبت لم يجز رفعه. ١٤٥٦ - فَصْل: [زواج الرجل بملك يمينه] ولا يجوز أن يتزوج الرجل بملك يمينه ولا [مَنْ] (٤) يملك شقصًا منها، ولا تتزوج المرأة مَنْ تملك منه شقصًا، وكذلك إن ملك أحدهما صاحبه أو بعضه

стр. 1714

بعد النكاح فسد النكاح، وقال نفاة القياس: يجوز أن يتزوج الرجل أمته والمرأة عبدها. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦] فأباح الفرج بأحد أمرين فلا يستباح بهما جميعًا؛ ولأن النكاح يتعلق به حقوق تجب لكل واحد من الزوجين على الآخر، وتلك الحقوق لا تثبت على المولى لأمته ولا على الحرة لعبدها. وأحكام العقود (إذا انتفت) (١) لم تنعقد العقود، كما لا يجوز نكاح ذوات المحارم لما لم يوجد الاستباحة الموجبة بالعقد. وقد قالوا في المأذون والمدبر إذا اشتريا زوجتيهما لم يفسد النكاح؛ لأنهما لا يملكانها بالعقد، وكذلك قال أبو حنيفة فيمن اشترى زوجته هو فيها بالخيار على أصله: أن خيار المشتري يمنع انتقال الملك إليه، وقالوا في المكاتب إذا اشترى زوجته لم يفسد نكاحها؛ لأنه لا يملكها، وإنما ثبت له فيها حق الملك، وحق الملك لا (٢) يمنع ابتداء النكاح ولا يمنع الاستدامة كالعدة، وقالوا فيمن زوج بنته من مكاتبه ثم مات لم يفسد النكاح بينهما حتى يعجز، وقال الشافعي: ينفسخ النكاح. لنا: أن الورثة لا يملكون المكاتب؛ لأن الميراث سبب من أسباب الملك فلا يملك به المكاتب كالبيع، وإنما ثبت لهم فيه حق الملك، وحق الملك لا يمنع البقاء على النكاح؛ ولأنه لو كان لها عليه دَين لم يبطل، ولو كانت مَلَكَتْه

стр. 1715

لبطل دينها؛ ولأن كل حالة جاز أن يبقى دينها عليه لم ينفسخ النكاح بينها وبينه كحال حياة المولى؛ ولأنه عقد على بنته لمن ثبت له حق الحرية من جهته، فلا ينفسخ النكاح بموته كمدبرة لم يفسد نكاحها، وعلى قولهما هو حر وعليه دين فيفسد نكاحها. والله تعالى أعلم.

стр. 1716

بَابْ: اللفظ الذي يقع به عقد النكاح قال أبو الحسن: قال أبو يوسف: إذا قال الرجل لرجل زَوِّجني بنتك، أو قال: جئتك خاطبًا بنتك، أو قال: جئتك لتزوجني بنتك، فقال الأب: قد زوجتك، فالنكاح واقع لازم، وليس للمخاطب أن لا يقبل، ولا [يُشبه] (١) هذا البيع، روى جميع ذلك معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. ولو قال رجل لامرأة: أتزوجك على ألف، فقالت: قد تزوجتك على ذلك، فهو جائز، رواه ابن سماعة عن محمد، وهي رواية الأصل، وكذلك إذا قال: زوجيني أو أنكحيني نفسك، فهو مثل ذلك، وهذا استحسان وليس بقياس. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن عقد النكاح ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي، وينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل، [وبالآخر عن الماضي] (٢) استحسانًا، وكان القياس أن لا ينعقد بذلك؛ لأن لفظ الاستقبال عِدَةٌ، وإنما استحسنوا لما قال أبو يوسف حدثني أبو إسحاق الشيباني عن الحَكَم: (أن بلالًا خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ أمرني أن أخطب إليكم لما خطبت، فقالوا له: أملكت) (٣). ولم

стр. 1717

ينقل أنه أعاد القبول؛ ولأن النكاح لا يحضره [السَّوم] (١)، فالظاهر من ألفاظه أنها على وجه الإيجاب، وقد بينا في البيوع الفرق بين البيع والنكاح. قال: [ولو] (٢) قالت امرأة لرجل قد وهبت لك نفسي، أو تصدقت عليك بنفسي، فهو نكاح، وإذا قالت: قد أحللت لك نفسي، أو أعارته نفسها، فليس بنكاح. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا ما رواه ابن رستم عن محمد قال: كل لفظ يكون في الأمة تمليكًا للرقبة فهو في الحرة نكاح، وكان أصحابنا يقولون: كل لفظ يصلح لتمليك الأعيان مطلقًا ينعقد به النكاح، وقد ادعى بعض أصحابنا بخراسان: أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة والصدقة، ولا ينعقد بلفظ البيع، وما ذكرناه عن محمد يبطل ذلك وكان أبو بكر الرازي يقول: لا ينعقد [النكاح] بلفظ الإجارة، وكان أبو عبد الله البصري يحكي عن أبي الحسن: أن النكاح ينعقد بلفظ الوصية، [فلو] فقال: أوصيت لك بابنتي الآن؛ انعقد النكاح، وإنما لا ينعقد بالوصية المطلقة، لأن التمليك يتعلق [فيها بشرط] (٣) وهو الموت، وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح والتزويج (٤). وهل ينعقد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة أم لا؟

стр. 1718

فيه وجهان: لنا: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فأجاز النبي ﷺ عقد النكاح بلفظ الهبة، وكل لفظ جاز للنبي ﵊ أن يعقد به النكاح جاز لغيره أن يعقد به كلفظ التزويج، ولا يعترض على هذا قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الخلوص لا يجوز أن ينصرف إلى اللفظ؛ لأن النبي ﷺ لم يضف إليه بلفظ الهبة، وإنما أضاف إليه الاستنكاح، ولو كان الخلوص لأجل اللفظ لقال: خالصة لها من دون المؤمنين، وإنما أراد بالخلوص جواز النكاح له بغير بدل. الدليل عليه ثلاثة أشياء: أحدها: أنه ابتدأ الآية بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ثم ذكر الموهوبة بغير أجر، فدل على أن الخلوص أراد به سقوط الأجر؛ ولأنه قال: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، والضيق إنما يكون عليه في دفع البدل الذي يجوز أن يعجز عنه، ولا يكون في إبدال لفظ بلفظ انتقل عليه كل واحد منهما؛ ولأن هذا أخرج مخرج الامتنان، والله تعالى يمُنُّ على نبيه بما له فيه منفعة، وذلك موجود في سقوط العوض، فأما في إبدال لفظ بلفظ فلا؛ ولأنه عقد يوجب الملك المؤبد ليس من شرطه تسمية البدل، فانعقد بلفظ (الهبة) (١) كهبة الأموال؛ ولأنه عقد على البُضع فلا يختص بلفظين كالخلع؛ ولأن منفعة البُضع تملك على التأبيد بالانفراد، وتملك الرقبة مع منفعة البضع على التأبيد، فإذا جاز أن يملكا جميعًا على التأبيد بلفظ الهبة، جاز أن يملك أحدهما، [يبيّن ذلك: أن كل شيئين

стр. 1719

يجوز أن يملكا على التأبيد بلفظ واحد، يجوز أن يملك أحدهما] (١) بذلك اللفظ، (ولأن البضع يجوز أن يزول الملك عنه بلفظ الحرية، ألا ترى أن من قال لزوجته: أنت حرة، ينوي به الطلاق وقع الطلاق، وما جاز أن يزول الملك عنه بلفظ الحرية، جاز أن يقع الملك فيه بلفظ البيع والهبة، أصله الرقاب) (٢). وأما [لفظ] الإحلال فلا ينعقد به النكاح؛ لأنه لا يفيد الملك. ألا ترى أن [المُحَلِّل] (٣) له أن يرجع متى شاء، وإنما ينتفع [المحلل] بالشيء على حكم ملك [المحلل]، والعارية إباحة للمنافع فلا يملك بها منفعة البضع. وأما الإجارة: فوجه ما قاله أبو بكر أن التمليك بها يفتقر إلى التوقيت، والنكاح يبطله التوقيت، وإذا كان من شرطها ما هو شرط في إبطال النكاح لم يجز أن ينعقد بها. وجه ما حكاه أبو عبد الله عن أبي الحسن: أن الله تعالى سمى العوض في هذا العقد أجرًا، فانعقد بلفظ الإجارة كالإجارة (٤). ١٤٥٧ - فَصْل: [نكاح المتعة] والمتعة (٥) عندنا عقد باطل، والدليل على تحريمها: ما روي أن عائشة

стр. 1720

رضي الله تعالى عنها سُئلت عن المتعة، فقالت: بيني وبينكم كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فأباح الله الاستباحة بأحد شرطين، [والمتمتع] (١) بها ليست بزوجة، بدلالة أن الاستباحة ترتفع من غير طلاق ولا فرقة. والدليل عليه: أن من حكم الزوجية التوارث مع ارتفاع الموانع، فلما لم (ترث) (٢) هذه دل على أنها ليست بزوجة، ويدل عليه ما روى مالك عن الزهري عن عبد الله والحسين ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن جدهما: (أن النبي ﵊ حرَّم في يوم خيبر متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية) (٣). ولا يقال: روى الربيع بن بشير عن أبيه: (أن النبي ﷺ حرم المتعة عام الفتح) (٤)؛ لأن هذا لا منفعة فيه لمخالفنا إذا كان يفيد التحريم؛ ولأنه لا يمتنع أن يكون حرمها يوم خيبر ثم أباحها عام الفتح أيامًا للحاجة ثم حَرَّمها. وقد روى محمد بن الحسن: (أن النبي ﷺ أباحها أيامًا)، ويدل عليه ما روي سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر: (أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى عنها رسول الله ﷺ ، لا أجدُ
следующие страницы →