← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

بَابْ: اللفظ الذي يقع به عقد النكاح قال أبو الحسن: قال أبو يوسف: إذا قال الرجل لرجل زَوِّجني بنتك، أو قال: جئتك خاطبًا بنتك، أو قال: جئتك لتزوجني بنتك، فقال الأب: قد زوجتك، فالنكاح واقع لازم، وليس للمخاطب أن لا يقبل، ولا [يُشبه] (١) هذا البيع، روى جميع ذلك معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة. ولو قال رجل لامرأة: أتزوجك على ألف، فقالت: قد تزوجتك على ذلك، فهو جائز، رواه ابن سماعة عن محمد، وهي رواية الأصل، وكذلك إذا قال: زوجيني أو أنكحيني نفسك، فهو مثل ذلك، وهذا استحسان وليس بقياس. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا أن عقد النكاح ينعقد بلفظين يعبر بهما عن الماضي، وينعقد بلفظين يعبر بأحدهما عن المستقبل، [وبالآخر عن الماضي] (٢) استحسانًا، وكان القياس أن لا ينعقد بذلك؛ لأن لفظ الاستقبال عِدَةٌ، وإنما استحسنوا لما قال أبو يوسف حدثني أبو إسحاق الشيباني عن الحَكَم: (أن بلالًا خطب إلى قوم من الأنصار، فأبوا أن يزوجوه، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ أمرني أن أخطب إليكم لما خطبت، فقالوا له: أملكت) (٣). ولم

стр. 1717

ينقل أنه أعاد القبول؛ ولأن النكاح لا يحضره [السَّوم] (١)، فالظاهر من ألفاظه أنها على وجه الإيجاب، وقد بينا في البيوع الفرق بين البيع والنكاح. قال: [ولو] (٢) قالت امرأة لرجل قد وهبت لك نفسي، أو تصدقت عليك بنفسي، فهو نكاح، وإذا قالت: قد أحللت لك نفسي، أو أعارته نفسها، فليس بنكاح. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا ما رواه ابن رستم عن محمد قال: كل لفظ يكون في الأمة تمليكًا للرقبة فهو في الحرة نكاح، وكان أصحابنا يقولون: كل لفظ يصلح لتمليك الأعيان مطلقًا ينعقد به النكاح، وقد ادعى بعض أصحابنا بخراسان: أن النكاح ينعقد بلفظ الهبة والصدقة، ولا ينعقد بلفظ البيع، وما ذكرناه عن محمد يبطل ذلك وكان أبو بكر الرازي يقول: لا ينعقد [النكاح] بلفظ الإجارة، وكان أبو عبد الله البصري يحكي عن أبي الحسن: أن النكاح ينعقد بلفظ الوصية، [فلو] فقال: أوصيت لك بابنتي الآن؛ انعقد النكاح، وإنما لا ينعقد بالوصية المطلقة، لأن التمليك يتعلق [فيها بشرط] (٣) وهو الموت، وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح إلا بلفظ النكاح والتزويج (٤). وهل ينعقد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة أم لا؟

стр. 1718

فيه وجهان: لنا: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] فأجاز النبي ﷺ عقد النكاح بلفظ الهبة، وكل لفظ جاز للنبي ﵊ أن يعقد به النكاح جاز لغيره أن يعقد به كلفظ التزويج، ولا يعترض على هذا قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الخلوص لا يجوز أن ينصرف إلى اللفظ؛ لأن النبي ﷺ لم يضف إليه بلفظ الهبة، وإنما أضاف إليه الاستنكاح، ولو كان الخلوص لأجل اللفظ لقال: خالصة لها من دون المؤمنين، وإنما أراد بالخلوص جواز النكاح له بغير بدل. الدليل عليه ثلاثة أشياء: أحدها: أنه ابتدأ الآية بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، ثم ذكر الموهوبة بغير أجر، فدل على أن الخلوص أراد به سقوط الأجر؛ ولأنه قال: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، والضيق إنما يكون عليه في دفع البدل الذي يجوز أن يعجز عنه، ولا يكون في إبدال لفظ بلفظ انتقل عليه كل واحد منهما؛ ولأن هذا أخرج مخرج الامتنان، والله تعالى يمُنُّ على نبيه بما له فيه منفعة، وذلك موجود في سقوط العوض، فأما في إبدال لفظ بلفظ فلا؛ ولأنه عقد يوجب الملك المؤبد ليس من شرطه تسمية البدل، فانعقد بلفظ (الهبة) (١) كهبة الأموال؛ ولأنه عقد على البُضع فلا يختص بلفظين كالخلع؛ ولأن منفعة البُضع تملك على التأبيد بالانفراد، وتملك الرقبة مع منفعة البضع على التأبيد، فإذا جاز أن يملكا جميعًا على التأبيد بلفظ الهبة، جاز أن يملك أحدهما، [يبيّن ذلك: أن كل شيئين

стр. 1719

يجوز أن يملكا على التأبيد بلفظ واحد، يجوز أن يملك أحدهما] (١) بذلك اللفظ، (ولأن البضع يجوز أن يزول الملك عنه بلفظ الحرية، ألا ترى أن من قال لزوجته: أنت حرة، ينوي به الطلاق وقع الطلاق، وما جاز أن يزول الملك عنه بلفظ الحرية، جاز أن يقع الملك فيه بلفظ البيع والهبة، أصله الرقاب) (٢). وأما [لفظ] الإحلال فلا ينعقد به النكاح؛ لأنه لا يفيد الملك. ألا ترى أن [المُحَلِّل] (٣) له أن يرجع متى شاء، وإنما ينتفع [المحلل] بالشيء على حكم ملك [المحلل]، والعارية إباحة للمنافع فلا يملك بها منفعة البضع. وأما الإجارة: فوجه ما قاله أبو بكر أن التمليك بها يفتقر إلى التوقيت، والنكاح يبطله التوقيت، وإذا كان من شرطها ما هو شرط في إبطال النكاح لم يجز أن ينعقد بها. وجه ما حكاه أبو عبد الله عن أبي الحسن: أن الله تعالى سمى العوض في هذا العقد أجرًا، فانعقد بلفظ الإجارة كالإجارة (٤). ١٤٥٧ - فَصْل: [نكاح المتعة] والمتعة (٥) عندنا عقد باطل، والدليل على تحريمها: ما روي أن عائشة

стр. 1720

رضي الله تعالى عنها سُئلت عن المتعة، فقالت: بيني وبينكم كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فأباح الله الاستباحة بأحد شرطين، [والمتمتع] (١) بها ليست بزوجة، بدلالة أن الاستباحة ترتفع من غير طلاق ولا فرقة. والدليل عليه: أن من حكم الزوجية التوارث مع ارتفاع الموانع، فلما لم (ترث) (٢) هذه دل على أنها ليست بزوجة، ويدل عليه ما روى مالك عن الزهري عن عبد الله والحسين ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما عن جدهما: (أن النبي ﵊ حرَّم في يوم خيبر متعة النساء ولحوم الحمر الأهلية) (٣). ولا يقال: روى الربيع بن بشير عن أبيه: (أن النبي ﷺ حرم المتعة عام الفتح) (٤)؛ لأن هذا لا منفعة فيه لمخالفنا إذا كان يفيد التحريم؛ ولأنه لا يمتنع أن يكون حرمها يوم خيبر ثم أباحها عام الفتح أيامًا للحاجة ثم حَرَّمها. وقد روى محمد بن الحسن: (أن النبي ﷺ أباحها أيامًا)، ويدل عليه ما روي سالم بن عبد الله عن أبيه عن عمر: (أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: "ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى عنها رسول الله ﷺ ، لا أجدُ

стр. 1721

أحدًا ينكحها إلا رجمته بالحجارة" (١)؛ ولأنه عقد يقتضي التأبيد بإطلاقه، فإذا أجل مبدله بطل كالبيع. احتجوا بقول الله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]. وهذا لا دلالة فيه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ يرجع إلى المسافحات، وهذا يدل على وجوب الأجرة بالمتعة، وكذلك نقول، فأما الإباحة فلا يدل الظاهر عليها. واحتجوا: بأن الأصل الإباحة بالإجماع فمن ادعى الحظر احتاج إلى الدليل. والجواب: أنَّا لا نسلم إباحة مطلقة وإنما كانت مؤقتة. هكذا نقل محمد بن الحسن، والإباحة المؤقتة ترتفع بذهاب الوقت من غير دليل (٢). ١٤٥٨ - فَصْل: [حكم النكاح لمدة معلومة] مَسْألة: قال أصحابنا: إذا تزوج الرجل امرأة مدة معلومة فالنكاح باطل وهذه المتعة، وقال زفر: النكاح جائز، وهو مؤبد والشرط باطل. لنا: أنه لا يخلو إما أن يصح العقد في المدة دون غيرها، وهذا معنى المتعة، أو يصحّ في المدة وما بعدها، فيستحق البضع عليها بغير رضاها، وهذا لا يصح؛ ولأن المتعة هي الاستمتاع المؤجّل، وهذا موجود وإن عبر عنه بلفظ النكاح. والعقود لا تختلف باختلاف الألفاظ إذا وجدت معانيها، ولا يلزم على

стр. 1722

هذا إذا قال تزوجتك على أن أطلقك إلى عشرة أيام؛ لأنه أبَّد العقد ثم شرط قطع التأبيد بذكر الطلاق، والنكاح [المؤبد] لا تبطله الشروط. [لزفر: أنه نكاح شرط فيه شرط فاسد، والنكاح لا يبطله الشروط الفاسدة] (١). وهذا الذي ذكره ليس بصحيح؛ لأنهم قد قالوا لو قال أتزوجك غدًا شهرًا لم يصح، والمعنى المبطل هاهنا هو الشرط. ١٤٥٩ - فَصْل: [قبول النكاح على المجلس] قال: وقبول النكاح على المجلس، فإن قام من المجلس قبل القبول بطل ذلك؛ لقوله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (٢). وقد بينا أن المراد بذلك خيار القبول. وقد قال الشافعي: إن القبول على الفور (٣). وهذا لا يصح؛ لأن القبول يحتاج إلى الارتياء، فإذا جعل على الفور، لم يكن معنى الارتياء فيه. ١٤٦٠ - فَصْل: [حكم العقد إذا قال الزوج قد تزوجت فلانة بحضرة شاهدين] وإذا قال الزوج: قد تزوجت فلانة بحضرة شاهدين، فبلغها ذلك بحضرة ذينك الشاهدين فقَبِلَتْ، لم يجز؛ وذلك لأن قوله تزوجت [شطر] (٤) العقد،

стр. 1723

ألا ترى أنه لا يملك جميع العقد، وشطر العقد لا يقف على غائب عن المجلس. ١٤٦١ - فَصْل: [أثر الرسول والكتاب في عقد النكاح] ولو أرسل إليها رسولًا أو كتب إليها بذلك كتابًا، فقبلته بحضرة شاهدين سمعا كلام الرسول أو قرآ الكتاب، جاز ذلك. وقال أبو يوسف: يجوز إذا قالت زوجت نفسي وإن لم [يسمعا] كلام الرسول (١). وجه قول أبي حنيفة ومحمد: أن قولها زوجت نفسي [شطر] العقد بدلالة أن الزوج لو كان حاضرًا كان ذلك [شطر] العقد، والشهادة شرط في شطري العقد، وليس كذلك إذا سمعوا كلام الرسول؛ لأن [قول] الرسول يقوم مقام قول المرسل، وكذلك قراءة الكتاب تقوم مقام قول الكاتب. ألا ترى أن رسول الله كان مأمورًا بدعاء الناس إلى الإسلام، وقد قام كتابه مقام قوله. وجه قول أبي يوسف: أن قولها زوجت نفسي جميع العقد، بدلالة أنه إذا حصل من مالك العقد انعقد النكاح به، وجميع العقد لا يختلف بولي دون غيره. وهذا ليس بصحيح؛ لأن الولي مالك لكل العقد؛ فلهذا جعل قوله جميع العقد.

стр. 1724

١٤٦٢ - فَصْل: [الشهادة على قول الزوجة وقول الرسول] قال: وإن شهدوا على قولها وقول الرسول جاز، وإن لم يشهدوا على إرسال الزوج. وقد قال الحسن بن حي: التوكيل في النكاح لا يصح إلا بشهادة. وهذا ليس بصحيح؛ لأنها وكالة فلا تفتقر إلى الشهادة كالوكالة في البيع. ١٤٦٣ - فَصْل: [قول المرأة: قد تزوجت فلانًا في النكاح] قال أبو يوسف: وإذا قالت المرأة قد تزوجت فلانًا، جاز وإن لم تقل لهم اشهدوا؛ لأن كل شيء ثبت [حكمه] بنفسه لا تفتقر الشهادة فيه إلى التحمل كالغصب والقتل، وكل ما لا يثبت حكمه بنفسه لا تصح الشهادة به إلا بالتحمل، كالشهادة على الشهادة.

стр. 1725

بَابْ: معرفة الأولياء قال الشيخ رحمه الله تعالى: الولي (١) له مدخل [في النكاح على الصغيرة] (٢)؛ لأن العقدَ على الصغيرة يقفُ عليه، والعقدُ على الكبيرة - على قول أبي يوسف ومحمد - والاعتراضُ إليه، فلذلك وجب بيان الأولياء. قال أبو الحسن: أجمع أصحابنا أن أولياءَ الصغيرة في النكاح العصبةُ، وإن لم يكن عَصَبَة فالإمام أو الحاكم، وهذا إن أراد به الولي المجمع عليه فهو صحيح في ابتداء الكلام وليس بصحيح في قوله: (فإن لم تكن [عصبة] فالإمام أو الحاكم)؛ لأن من جعل الولاية إلى الوارث لم ينقلها إلى الحاكم عند عدم العصبة. قال: وجملة هذا أن أبا يوسف ومحمدًا رويا عن أبي حنيفة: أن من كان من القرابات من غير العصبة من الرجال والنساء يرث المزوجة إذا لم يكن أقرب منه فإنهم يزوجون. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه لا يزوج الصغيرة إلا العصبة.

стр. 1726

قال: فإن زوجها قرابة غير العصبة لم يتوارثا [لم يجز ذلك] (١)، ووقف على إجازة العصبة أو الحاكم، وهذا قول أبي يوسف ومحمد. وجه قول أبي حنيفة المشهور: أن كل قرابة يتعلق بها الإرث يتعلق بها ثبوت الولاية كقرابة العصبة؛ ولأنه وارث بقرابته له قول صحيح كالعصبة. وقد روى الحسن عن علي وابن مسعود ﵄ مثل ذلك؛ ولأن الأم ثبت لها حق المطالبة بالقصاص، فملكت بقرابتها التزويج كالأب، أو لأنها أحد الأبوين [كالآخر]. وجه رواية الحسن: أن الاعتراض في الكفاءة إلى العصبات دون غيرهم، فوجب أن تكون الولاية إليهم؛ ولأن من لا تعصيب له لا ولاية له كالأجنبي، وإذا ثبت ما ذكرنا فعلى كل واحد من القولين يعتبر صحة القول، فلا تثبت الولاية للصغير ولا للمجنون؛ لأن ولايتهما لا تثبت على أنفسهما فأولى أن لا تثبت على غيرهما. فأما اعتبار الإسلام والحرية فلا يحتاج إلى شرطه؛ لأن الكفر والرق [ينفيان] (٢) التعصيب والإرث؛ فلذلك منعا الولاية، والدليل على أن الكافر لا يلي على المسلمة قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] ولأن الولاية تقتضي نفوذ قول الإنسان على غيره، والكافر لا ينفذ قوله على المسلم [كالشهادة]، فأما المملوك فلا ولاية له على مملوكة ولا حرة؛ وذلك لأنه لا يلي على نفسه؛ فلأن لا يلي على غيره أولى.

стр. 1727

فأما إذا عدم الأولياء على القولين فالولاية إلى الإمام أو الحاكم؛ لأن التصرف في مصالح المسلمين إليهم، والعقد على الصغيرة من [مصالحهم] (١)؛ ولأن ميراثها للمسلمين، والولاء عند أبي حنيفة يُستحق بالإرث، فإذا ثبتت الولاية عليهما للمسلمين، قام بها من يقوم مقامهم وهو الإمام (٢). ١٤٦٤ - فَصْل: [ولاية الفاسق في النكاح] وقد قال أصحابنا: إن الفاسق يزوج وليّته كالعدل، وقال الشافعي: لا ولاية للفاسق (٣). لنا: أن الفاسق يملك قبول العقد بنفسه، فجاز أن يكون وليًا فيه كالعَدْل؛ ولأنه يملك تزويج أمته فيملك [بالتعصيب] تزويج بنته كالمحدود في قذف، ولا يقال: إن الفسق يقدح في الولاية كالحاكم إذا فسق؛ لأن مِنْ أصحابنا مَنْ قال: إن الحاكم إذا فسق فزوج قبل أن يعزل جاز عقده، كالوصي الفاسق إذا تصرف؛ ولأن الفسق يقدح في سبب ولاية الحاكم ولا يقدح في أبوة الأب؛ فلذلك افترقا (٤). ١٤٦٥ - فَصْل: [الولاية في الأقرب والأقرب] وقد قال أصحابنا: إنّ الولاية للأقرب فالأقرب، لا يجوز أن يكون الأبعد وليًا مع الأقرب وهو والأجنبي سواء مع من هو أقرب منه؛ وذلك لأن الولاية إن

стр. 1728

استحقت بالتعصيب فالأبعد لا تعصيب له مع الأقرب، وإن استحقت بالميراث فالأبعد غير وارث مع الأقرب. ١٤٦٦ - فَصْل: [غياب الولي الأقرب غيبة منقطعة] وقد قال أصحابنا: إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة، جاز للأبعد أن يزوج، وقال زفر: لا يجوز والولاية إلى الأقرب. وجه قولهم: أن تأخير النكاح فيه ضرر على الصغيرة؛ لأن [الكفاءة] (١) تتفق في زمان دون زمان، والولاية إذا كان في اعتبارها ضرر سقطت، وإذا سقطت ولايته جاز لمن بعده أن يزوج؛ ولأن الغائب لا يقدر على تدبير مصالح نكاحها، فلم يوجد فيه مقصود الولاية فصار كالميت. ألا ترى أنهم قالوا في الفقير: إنه كالميت في النفقة [لما لم] (٢) يوجد مقصود الكفاية فيه. وجه قول زفر: أن ولايته باقية مع الغيبة بدلالة أن لو زوّج جاز، وإذا بقيت ولاية الأقرب لم يجز تزويج الأبعد، وهذا ليس بصحيح؛ لأنا أسقطنا الولاية للضرر الذي يلحق الصغيرة، فإذا زوّجها ارتفع الضرر فعادت ولايته بعد ارتفاعها (٣). ١٤٦٧ - فَصْل: [السلطان يقوم مقام الولي الغائب] وقد قال الشافعي: إن الولي إذا غاب زَوَّجها السلطانُ (٤).

стр. 1729

وهذا ليس بصحيح لقوله ﵊: "السلطان ولي من لا ولي له" (١). وهذا ينفي ثبوت ولايته مع ولي؛ [وهو لا يقول به] (٢) ولأنه تعذر الوصول إلى تدبير الولي الأقرب (فصار كجنونه) (٣)؛ ولأن كل معنى يوجب انتقال الولاية إلى الحاكم إذا لم يكن ولي أبعد من الولي، يوجب انتقال الولاية إلى الأبعد كالموت والجنون، وليس هذا كما لو عضلها الولي؛ لأنه إذا كان حاضرًا لذمة العقد عليها فإذا امتنع مما لزمه، قام الحاكم مقامه في إبقاء ما استحق عليه، فأما الغائب فلا يلزمه العقد مع الغيبة وعدم العلم بالتدبير، فلا يقوم القاضي مقامه في إيفاء حق لم يجب عليه؟ ١٤٦٨ - فَصْل: [حدّ الغيبة المنقطعة] وأما حد الغيبة المنقطعة فقال ابن رستم: أخبرني علي قاضي الموصل أن محمدًا سئل عن الغيبة المنقطعة وهو يومئذ بالرَّقَّة؟ فقال مثل ما مِنْ هاهنا إلى البصرة. وروى هشام عن محمد ما بين الرّي والكوفة، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: ما بين بغداد والرّي، وفصّل ابن شجاع ذلك فقال: إذا كان غائبًا في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل [إلا مرة واحدة في السنة] (٤) فهي غيبة

стр. 1730

منقطعة، وإن كانت القوافل تصل إليه غير مرة فليست بمنقطعة، وهذا صحيح؛ لأن الخاطب لا ينتظر إذن الولي سنة، ولا يعلم هل يجيب أم لا؟ وقد ينتظر بعض سنة؛ فلذلك جعلوا هذا حَدَّ الغيبة المنقطعة. ١٤٦٩ - مَسْألة: [التقدم في اجتماع الأب والابن] قال أبو يوسف: إذا اجتمع أبٌ وابنٌ في [مجنونة]، فالابن أولى بالتزويج، روى ذلك عنه محمد، وروى معلى عنه: أيهما زَوَّج جاز، وإن اجتمعا قلت للأب زَوّج، وقال محمد: الأب أولى. وجه قول أبي يوسف: أن الابن هو العصبة والأب معه من ذوي السهام فصار [كالأخ للأم مع الأخ للأب والأم] (١). فأما رواية مُعَلَّى: فوجهها أن كل واحد منهما له سبب يتقدم (فالأب يلي) (٢)؛ لأنه من قومها، والابن لأنه يرثها [بالتعصيب]، فأيهما زوّج جاز، فإذا اجتمعا فالابن منهي عن التقدم على أبيه؛ فلذلك قال للأب [أن يزوّج] (٣). وجه قول محمد: أن الأب من قومها، والابن ليس منهم، فكان الأب أولى بالولاية؛ ولأنه أحق بالتصرف في مالها فكان أحق بالتصرف في نكاحها، [كالأب مع الأخ] (٤). وعلى هذا الخلاف الجد [مع] (٥) الابن، قال أبو يوسف: الابن أولى، فأما

стр. 1731

الجد والأخ، فقال ابن سماعة عن محمد: هما سواء في قول من يقول [بقول] زيد بن ثابت، فأما من جعل الجد بمنزلة الأب فهو أحق، وهذا صحيح؛ لأن الجد عند أبي حنيفة هو العصبة، والأخ لا يرث معه، فحلَّ محل الأجنبي. وأما على قولهما: فتعصيبهما سواء وهما (يشتركان) (١) في الإرث فصارا كالأخوين. ١٤٧٠ - فَصْل: [تزويج المجنونة] وقد قال أصحابنا: إن المجنونة تزوج كما تزوج الصغيرة، وقال زفر: إذا طرأ الجنون لم يجز تزويجها. لنا: [أن الجنون الأصلي] (٢) يستحق به الولاية عليها، فالطارئ مثله كالرق؛ ولأن الجنون الطارئ يثبت الولاية في مالها، فكذلك في نكاحها كالأصلي. وجه قول زفر: الولاية بالبلوغ زالت عنها، فما يطرأ بعد ذلك لا يؤثر كالإغماء، وهذا يبطل بالولاية في المال. ١٤٧١ - فَصْل: [الابن يزوِّج المجنونة] قال أصحابنا: للابن أن يزوج المجنونة، وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يكون من قبيلتها. لنا: أنه عصبة له قول صحيح كالأب؛ ولأن الشين يلحقه بوضعها نفسها في غير كفء، فصار كما لو كان من قبيلتها.

стр. 1732

١٤٧٢ - فَصْل: [ولاية مولى النعمة] ومولى (١) النعمة أولى من غيره؛ لأنه عصبة، فحل محل العصبة من جهة النسب، فأما مولى الموالاة فيزوج عند أبي حنيفة؛ لأنه وارث وإن لم يكن له تعصيب، وعلى قولهما لا يزوج لأنه لا عصبة له، [فلا يجوز تزويجه]. والله أعلم (٢).

стр. 1733

بَابْ: معرفة الشهود الذين ينعقد بحضورهم النكاح قال رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب أن الشهادة شرط في عقد النكاح، وقال مالك: إذا شرط الإعلان انعقد العقد بغير شهود، ولو حضر الشهود وشرطوا الكتمان، لم يصح النكاح (١). والدليل على اعتبار الشهادة: قوله ﵊: "لا نكاح إلا بشهود" (٢)، وروي: "لا نكاح إلا [بولي] (٣) وشاهدين"، وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "الزانية التي تنكح نفسها بغير بينة" (٤). ولأن النكاح لا ينعقد بالإيجاب والقبول حتى ينضم إليه معنى آخر، فشرط أصحابنا الشهادة، وشرط مالك الإعلان، فكان

стр. 1734

شرط الشهادة أولى؛ لأن لها مدخلًا في العقود، والإعلان ليس له مدخلٌ في العقود. ١٤٧٣ - فَصْل: [نكاح السِّر] وأما نكاح [السِّر] (١) فهو عندنا جائز لقوله ﵊: "لا نكاح إلا بشهود". ولأنه عقد فلا يكون من شرط صحته الإعلان كسائر العقود، والذي روي أنه ﷺ نهى عن نكاح السر، فنكاح السر ما لم يحضره شهود، فإذا حضره شاهدان فقد علن، قال الشاعر: وسرك ما كان عند امرئ … وسر الثلاثة غير الخفي ١٤٧٤ - فَصْل: [صفة شهود النكاح] فإذا ثبت أن حضور الشهود من شرائط العقد، احتجنا أن نبيِّن صفة الشهود الذين ينعقد بحضورهم (العقد. فقال أصحابنا: كل من ملك القبول بنفسه انعقد بحضوره) (٢) ومن لا يملك القبول بنفسه لم ينعقد بحضوره، وهذا اعتبار صحيح؛ لأن الشهادة من شرائط العقد كالقبول، فاعتبر أحدهما بالآخر. وحكي عن أبي يوسف أنه قال: كل من جاز الحكم بشهادته في قول بعض الفقهاء انعقد النكاح بحضوره، ومن لا يجوز الحكم بشهادته عند أحد لا ينعقد [النكاح] بحضوره، ونحن نتكلم في تفصيل هذه الجملة، وقد ذكر أبو الحسن:

стр. 1735

إن كل مَنْ صَحَّ أن يكون وليًا صَحَّ أن يكون شاهدًا، وعلى هذا الطريق الذي قدمناه؛ لأن الولاية شرط كالشهادة. ١٤٧٥ - فَصْل: [قبول شهادة الفاسق] قال أصحابنا: ينعقد النكاح بحضور الفاسقين، وقال الشافعي: لا ينعقد إلا بحضور من [كان] ظاهره العدالة (١). لنا: قوله ﵊: "لا نكاح إلا بشهود". ولم يفصل؛ ولأن الفاسق يملك قبول العقد بنفسه كالعدل؛ ولأنها تَحَمُّل للشهادة فجاز من الفاسق كتحمل سائر الشهادات؛ ولأن الفسق يؤثر في الشهادة للتهمة، وهذا المعنى يوجد عند الأداء، فأما التحمل فهو معنى يشاهد لا يتهم فيه، وانعقاد النكاح لا يقف على شهادة من تثبت بشهادته؛ بدلالة مَنْ ظاهره العدالة ولا يعلم عدالة باطنه. ١٤٧٦ - فَصْل: [شهادة الأعمى في النكاح] وينعقد النكاح بشهادة الأعمى؛ لأنه يملك القبول بنفسه، ولأنه من أهل الشهادة. ألا ترى أن مالكًا يجوّز شهادة الأعمى، وأبو يوسف يجوّز شهادته فيما تحمله وهو بصير، وعند أبي حنيفة (٢) يجوز شهادته على النسب، وإذا كان من أهل الشهادة صار كالبصير (٣).

стр. 1736

١٤٧٧ - فَصْل: [شهادة المحدود في قذف] وينعقد بشهادة المحدود في قذف؛ لأنه وإن كان لم يتب فهو فاسق، وقد دللنا على شهادة الفاسق، وإن كان قد تاب فهو من أهل الشهادة. ألا ترى أن حاكمًا لو حكم بشهادته جاز. ١٤٧٨ - فَصْل: [شهادة العبيد في النكاح] ولا ينعقد نكاح (١) المسلمين بشهادة العبد؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، ألا ترى أن حاكمًا لو حكم بشهادته فسخ حكمه؛ ولأنه لا يملك قبول العقد بنفسه. ١٤٧٩ - فَصْل: [نكاح المسلمين بشهادة الكفار] ولا ينعقد نكاح المسلمين بشهادة الكافر؛ لأنه ليس من أهل الشهادة عليها، ولأنه لا يملك قبول نكاح المسلمة. ١٤٨٠ - فَصْل: [النكاح بشهادة الصبيان والمجانين] ولا ينعقد بشهادة الصبي والمجنون؛ لأنهما لا يملكان القبول وليسا من أهل الشهادة. ١٤٨١ - فَصْل: [نكاح الكفار بشهادة الكفار] وينعقد نكاح الكفار بشهادة الكفار؛ لأن الكافر يملك قبول نكاح الكافرة؛ ولأنه من أهل الشهادة عليهما، على أصلنا؛ [لأن] شهادة بعضهم على بعض] مقبولة.

стр. 1737

١٤٨٢ - مَسْألة: [زواج المسلم الذمية بشهادة ذِمِّيَّيْن] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا تزوج المسلم الذمية على شهادة ذميين جاز. وقال محمد والشافعي: لا يجوز (١). والكلام مع الشافعي فرع على أصلنا: أن شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، والكلام في هذه المسألة في موضعه. فأما الكلام مع محمد فلأن الكافر يملك قبول هذا النكاح بنفسه، فحل محل المسلم في حق المسلمة؛ ولأنه يجوز أن يثبت العقد بشهادتهما إذا جحدت الكافرة [وكان حضر معها مسلمان] (٢)، ومن جاز أن يثبت به العقد فلأن ينعقد بحضوره أولى. وجه قول محمد: أن شهادة الكفار ليست بحجة على المسلم، فصار كأنهم سمعوا كلام المرأة دون كلام الزوج، فلا ينعقد العقد [كشهادة الصبيان إذا بلغوا] (٣). وهذا ليس بصحيح؛ لأن انعقاد النكاح لا يقف على سماع [قول] من يكون قوله حجة؛ ولأن سماع الكفار في حق المسلم سماع صحيح؛ بدلالة أنهم لو أسلموا وقد كان حضر العقد مسلمًا جازت شهادة الذميين، فدل على أن سماعهم قد صح. ١٤٨٣ - مَسْألة: [النكاح بشهادة النساء] قال أصحابنا: ينعقد النكاح بشهادة رجل وامرأتين، وقال الشافعي: [لا

стр. 1738

تقبل] شهادة النساء في النكاح (١)، والطلاق، والعتاق، [والوكالة]. والدليل على ما قدمنا: أن ما جاز إثباته بالشهادة على الشهادة، جاز بشهادة الرجال والنساء كالأموال؛ ولأن كل شهادة جاز أن يثبت بها المال، جاز أن ينعقد بها [النكاح] (٢) كشهادة رجلين. ١٤٨٤ - فَصْل: [سماع الشهود كلام العاقدين] قال: يحتاج الشهود أن يسمعوا كلام العاقدين جميعًا، وإن سمعا كلام أحدهما (ولم يسمعا كلام الآخر) (٣)، لم يصح؛ وذلك لأن الشهادة شرط [في] العقد، والعقد هو الإيجاب والقبول، فاعتبرت الشهادة في أحدهما كالآخر. ١٤٨٥ - فَصْل: [اعتبار الشهادة في العقد] قال: وإذا كان عقد النكاح موقوفًا، اعتبر حضور الشهود عند العقد دون الإجازة، فإن حضروا عند الإجازة ولم يحضروا عند العقد لم يجز؛ وذلك لأن الانعقاد إنما يكون بالإيجاب والقبول، والإجازة تجري مجرى إسقاط الخيار في البيع، فإذا انعقد [العقد بالإيجاب والقبول، اعتبرت الشهادة فيه؛ ولأن الملك يقع] (٤) عند الإجازة [بالعقد]، وما يقع به الملك هو الذي يشرط فيه الشهادة؛ [فلذلك اعتبرت الشهادة في العقد] (٥) (٦).

стр. 1739

بَابْ: ما يصح به عقد النكاح قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قد قدمنا معرفة الولي والشهود ولفظ العقد، فلا يجوز [عقد النكاح] (١) على صغيرة ولا مجنونة إلا باجتماع ذلك كله عند أصحابنا جميعًا. قال: والأصل في اعتبار الولي في نكاح الصغيرة والمجنونة، أنهما مُولى عليهما، والعقد على المُولى عليه لا يصح إلا من ولي، أصله: العبد والأمة، وقد دل عليه قوله ﵊: "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" (٢). ١٤٨٦ - فَصْل: [تولّي البالغة العاقلة نكاح نفسها] فأما البالغة الصحيحة العقل فإنها لا تحتاج إلى ولي في صحة نكاحها، فإن زَوَّجت [هي] نفسها أو جعلت أمرها إلى رجل فزوّجها، أو زوّجها رجل أجنبي فبلغها ذلك فأجازت، فذلك جائز إذا كان الزوج كفؤًا، وكانت قد [استوفت] (٣) مهر مثلها، وهذا قول أبي حنيفة وهو قول زفر وأبي يوسف الأول، ثم رجع عنه أبو يوسف فقال: لا يجوز العقد إلا أن يجيزه ولي، أو يعقد برضاها، أو يجيزه الحاكم (٤).

стр. 1740

قال أبو يوسف: وإن مات أحدهما قبل أن يجيزه الحاكم أو الولي والزوج هو كُفءٌ توارثا، رواه ابن الوليد وحبان بن بشر، وهشام، وهي إحدى روايتي ابن أبي مالك، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف قال: لا يتوارثا كُفْأً كان أو غير كُفْءٍ، وهي إحدى روايتي ابن أبي مالك. وقال محمد في كبيرة زوجت نفسها: إن العقد لا يجوز حتى يجيزه الولي، فإن ماتا لم يتوارثا وإن كان كفؤًا وهي بمنزلة الأمة إذا [زوّجت نفسها] (١) بغير إذن مولاها، فإن طلقها لم يلزمه طلاق ولا ظهار؛ وإن وطئ كان وطؤه حرامًا، روى ذلك حبان بن بشر عن أبي رجاء، قال ابن أبي رجاء: ثم سألت محمدًا عن امرأة فقيرة ليس لها حسب، (طلبها) (٢) رجل فقير يعمل ويكفيها، وليس لها ولي، قال يترافعان إلى الحاكم، فقلت له: [أما] (٣) يتم ذلك في شهود، فقال: [فيتمّ] (٤) بقول سفيان، قلت: وما يقول سفيان؟ قال: إذا كان للمرأة ولي لم يجز عقدها إلا بإذنه، فإن لم يكن لها ولي جاز عقدها على نفسها، فلم أزل حتى قال بقول سفيان. وقال الشافعي: لا يجوز العقد إلا بالولي أو الحاكم (٥). وجه قول أبي حنيفة: قوله ﷺ : "الأيم أحق بنفسها من وليها" (٦). وحديث

стр. 1741

ابن عباس أن النبي ﵊ قال: "ليس للولي مع الثيب أمر" (١)؛ ولأنها تملك التصرف في مالها بعوض وغير عوض كالرجل. ووجه قولهما: حديث عائشة أن النبي ﵊ قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٢). وهذا الخبر لا يصح الاحتجاج به؛ لأن ابن جريج رواه عن سليمان بن موسى عن الزهري، قال ابن جريج: ثم لقيت الزهري فذكرت ذلك له فأنكره، والراوي إذا أنكر الخبر لم يصح روايته عنه؛ ولأن من مذهب عائشة ﵂ جواز النكاح بغير ولي، ويستحيل أن تروي خبرًا وتخالفه. ويقولان: إن حق الولي ثابت في العقد بدلالة اعتراضه عليه، وإذا ثبت حقه وقف انعقاده عليه؛ لاستدراك حقه كالعقد على الأمة (٣). ١٤٨٧ - فَصْل: [إذن الولي للمرأة في النكاح] وقد قال أبو يوسف ومحمد: إن الولي إذا أذن للمرأة في النكاح فعقدت جاز، وقال الشافعي: لا ينعقد النكاح بقول المرأة بحال (٤). لنا: ما روي أن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن

стр. 1742

الزبير (١)؛ ولأن العقد حق لها [وقولها] (٢) صحيح، فجاز أن تستوفي حقها من العقد كسائر العقود؛ (ولأنه نوع عقد فجاز للمرأة عقده كسائر العقود) (٣). وجه قول أبي يوسف: أنها إذا زوجت نفسها كفأً ثم مات أحدهما توارثا، [قبل الإجازة]، وإنما كان كذلك لأن العقد وقع على شرائط الصحة. ألا ترى أن الولي منهي عن الامتناع من إجازته، ولو فعل ذلك كان عاضلًا فصار كعقد الرجل. وجه قول محمد: أنه عقد يتم بالإجازة كالعقد الموقوف. ١٤٨٨ - فَصْل: ووجه قول محمد في الفرق بين مَنْ لها ولي ومَنْ لا ولي لها: أن وقوف العقد على إذن الولي لحقه لا لحقها، فمن لا ولي لها فلا حق إلا لها فإذا عقدت جاز عقدها. والله أعلم. ١٤٨٩ - فَصْل: [امتناع الولي من إجازة من زوّجت نفسها] وقد قال أبو يوسف: إذا زَوَّجت نفسها كفأً وبلغ الولي فامتنع من الإجازة، فرفعت أمرها إلى الحاكم، فإنه يجيزه، وقال محمد: يستأنف العقد. وجه قول أبي يوسف: أن الولي ليس له الامتناع من الإجازة إذا لم تُفَوِّت عليه بالعقد حقًا، فإذا امتنع فقد عضلها، فخرج من أن يكون وليًا، وصار الحاكم

стр. 1743

هو الولِيّ فإذا أجازه جاز. وجه قول محمد: أن العقد وقف على الوليّ، فلما (١) امتنع من إجازته فقد رده، فبطل برده، فلا يصح إلا باستئناف عقد. ١٤٩٠ - فَصْل: [فسخ الأولياء لنكاح من زوّجت نفسها] فإن وضعت نفسها في غير كُفْءٍ كان للأولياء أن يفسخوا؛ لأن العقد وإن كان من حقوقها فقد ألحقت بأوليائها الضرر للشَّيْن الذي يلحقهم لعدم الكفاءة، فكان لهم الاعتراض كالشفيع الذي يعترض [على] عقد المشتري لدفع الضرر عن نفسه وإن كان العقد جائزًا. ١٤٩١ - فَصْل: [اعتراض الأولياء إذا قصرت عن مهر مثلها] فأما إذا قصرت عن مهر مثلها، كان للأولياء أن يعترضوا عليها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا اعتراض لهم في ذلك، وبه قال الشافعي. وإنما يتصور الخلاف في هذه المسألة على قولهما إذا أذن لها الولي أن تتزوج، وعلى مذهب الشافعي إذا أذن لرجل أن يزوجها فزوجها بأقلّ من مهر مثلها برضاها. وجه قول أبي حنيفة: أنها تصرفت على وجه يُلحق الشَّين بأوليائها، فصار كما لو تزوجت بغير كُفْءٍ؛ ولأنها تلحق الضرر بنساء قبيلتها؛ لأن مهور مثلهن إذا تقادم العهد اعتبر بها، وهي لا تملك إلحاق الضرر بالقبيلة.

стр. 1744

وجه قولهما: أن المهر حق من حقوقها كالثمن في البيع، [والأجرة] (١) في الإجارة؛ ولأنها لو وهبت المهر بعد تسميته لم يكن لهم الاعتراض، فإذا سامحت ابتداء مثله. والله أعلم (٢). ١٤٩٢ - فَصْل: [إكراه العاقلة البالغة على النكاح] قال: ولا يجوز نكاح أحد على بالغة صحيحة العقل من أب أو سلطان بغير رضاها بكرًا كانت أو ثيبًا. وقال الشافعي: للأب أن يُجبر البكر على النكاح (٣). [لنا]: حديث ابن عباس وابن عمر وجابر (أن النبي ﷺ ردَّ نكاح امرأة بكر زوَّجها أبوها وهي كارهة) (٤)؛ ولأن لها أن تطالب الأب بالعقد إذا امتنع فكان لها الامتناع من العقد كالثيب؛ ولأنها تملك الإقرار بالعقد على نفسها، فلا يجوز لأحد إكراهها على العقد كالرجل، ولأنه لا يملك أن يجبرها على عقد أمتها، فلا يجبرها على عقد نفسها كالرجل. ١٤٩٣ - مَسْألة: [تزويج البالغة بغير أمرها] وإذا زُوِّجت المرأة البالغة بغير أمرها بشهود ومهر، فالعقد موقوف عليها، فإن كانت ثَيِّبًا لم يجز العقد إلا أن تجيزه بقول أو فعل منها يدل على الرضا، فأما البكر إذا بلغها فصمتت فإن كان المزوج وليًا جاز النكاح، وإن كان أجنبيًا لم يجز

стр. 1745

النكاح عليها بالسكوت، ولا يجوز عليها إلا كما يجوز على الثيب بقول أو فعل. أما وقوف العقد عليها؛ فَلِمَا بَيَّنَّا أن الولي لا يملك إجبارها على العقد، فلا بد من اعتبار الرضا منها، فإن كانت ثيبًا فَرِضاها بالقول أو بالفعل الذي يدل على الرضا، وذلك لقوله ﷺ : "والثيب تشاور" (١). ولأن رضاها لما اعتبر في العقد صار كالرضا في عقد البيع، فلا يقع بالسكوت. وأما الفعل الذي يدل على الرضا: فتمكينها من نفسها أو المطالبة بمهرها أو نفقتها؛ لأن هذا لا يكون إلا مع جواز العقد. ومَنْ خيِّر بين إجازة العقد وإبطاله إذا فعل ما يدل على الإجازة قام مقام قوله "قد رضيت"؛ لقوله ﵊ لبريرة: "إن وطأك زوجك فلا خيار لك" (٢). وأما البكر إذا زَوَّجها الولي فسكتت: فالقياس أن لا يكون رضا؛ لأن الساكت قد يكون راضيًا، [وقد] يكون ساخطًا، فلا يجوز إثبات الرضا بالشك، وإنما تركوا القياس لقوله ﷺ لما قيل له إنها تستحي، فقال: "إذنها صماتها، وسكوتها إقرارها" (٣). وأما إذا زَوّجها غير الولي أو وليٌّ وهناك أقرب منه فلا تكون إجازتها إلا بالقول أو الفعل الدال على الرضا؛ لأن عقده يجوز من حيث الوكالة لا الولاية، والوكالة لا تكون إلا بالكلام؛ ولأنها إنما تستحي من أوليائها ولا تستحي من الأجانب، فصارت في حكمهم كالثيب.

стр. 1746

١٤٩٤ - فَصْل: [البكاء من دلالة الرضا] روى هشام عن أبي يوسف: في البكر إذا بلغها النكاح فبكت أو ضحكت فهو رضا، وروي عنه: أن البكاء ليس برضا، وهو قول محمد. وجه قول أبي يوسف: أن البكاء يكون من شدة الحياء فصار كالسكوت. وجه قول محمد: أن البكاء يدل على الكراهة فصار كالامتناع. ١٤٩٥ - فَصْل: [السكوت من دلالة الرضا] روى ابن سماعة عن محمد: في البكر يزوجها وليَّان كل واحد منهما لرجل، فبلغها ذلك فأجازتهما [جميعًا] بطلا؛ لأنها جمعت بينهما في الإجازة فكأنها تزوجت بزوجين، ولو بلغها فسكتت لم يكن ذلك ردًا ولا إجازة حتى تجيز، وروى حفص بن صالح عن محمد: إذا بلغها فسكتت بطلا جميعًا. وجه رواية ابن سماعة: أن الإجازة لا يستدل عليها بالسكوت. ألا ترى أنه لا يحمل على إجازة العقدين؛ لأن ذلك لا يجوز، ولا يجوز أن يحمل على أحدهما؛ لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر، فلم يبق إلا أن يبطل حكم السكوت ويقف الأمر على الإجازة بالقول. وجه الرواية الأخرى: أن السكوت قد أجري مجرى الإجازة بالقول بدلالة العقد الواحد، فكأنها أجازت العقدين. ١٤٩٦ - فَصْل: [استثمار البكر في الابتداء] قال: وكذلك إن استؤمرت في الابتداء فسكتت البكر فهو إذْنٌ إذا كان

стр. 1747

[المستأذن] وليًا؛ وذلك (لأن النبي ﷺ كان إذا خطبت إحدى بناته دنى من خِدْرها وقال إن فلانًا يذكر فلانة) (١)، ثم يزوجها، فدل على أن السكوت في استئمار الولي كالإذن. وقد قالوا في الولي إذا قال للبكر: إني أريد أن أزوِّجك فلانًا، فقالت: غيره أولى منه، لم يكن ذلك إذنًا، ولو زَوَّجها ثم أخبرها، فقالت: قد كان غيره أولى منه كان إجازة؛ وذلك لأنه إذا استأمرها في ابتداء العقد فقد أخبرت أن رأيها في غير ذلك العقد، فلا يجوز أن يعقد بغير رأيها، وأما إذا عقد فقد أخبرت أن رأيها في غير العقد وسكتت عن الرد مع انعقاده [عليها] فنفذ عليها. وقد قالوا في الولي إذا قال لها إني أزوّجك فلانًا أو فلانًا، حتى عدَّد جماعة فسكتت فبأيّهم زوّج جاز؛ لأن السكوت لما دلَّ على الرضا صار كأنها أذنت له أن يزوجها أحدهم، ولو سمّى (٢) لها جماعة مجملًا، فقال أزوجك من جيراني أو بني عمي فسكتت فإن كانوا يحصون فهو رضا، وإن كانوا لا يحصون فليس برضا؛ (لأن من يحصى قد علم بالذكر، فصار السكوت فيهم رضا، ومن لا يحصى) (٣) لا يجوز أن يرضى به مع جهالته فلا يستدل بالسكوت على الرضا. ١٤٩٧ - مَسْألة: [القول في دعوى الإذن والرضا] وإذا زوج المرأةَ ولي؛ فقالت: لم أرضَ ولم آذن، وقال الزوج: قد أذنتِ

стр. 1748

فالقول قول المرأة؛ وذلك لأن الزوج يدعي عليها الرضا والإذن وهو معنى حادث، ومن ادعى معنىً حادثًا لا يقبل قوله إلا ببينة؛ ولأنه يدَّعي انتقال الملك فلا يقبل (قوله) (١). ١٤٩٨ - فَصْل: [الرد بعد بلوغ العقد] قال أصحابنا في البكر إذا زُوِّجت فقال الزوج (٢): بلغك العقد فسكَتِّ، وقالت: رددت، فالقول قولها. وقال زفر: القول قول الزوج. وجه قولهم: أنه يدعي عليها انتقال الملك، والأصل عدم الانتقال، فلا يثبت الانتقال بالظاهر، ولا يلزم على هذا إذا ادعى المشتري إجازة البائع للعقد المشروط فيه الخيار بعد [الثلاثة]؛ لأن الملك لا ينتقل بالظاهر، وإنما مُضِيّ المدة هو السبب في الانتقال للملك؛ ولأن السكوت [ظاهر] يدعيه الزوج، وبقاء ملكها ظاهر تدّعيه، فيقابل الظاهران، والأصل أن الملك لم ينتقل، فبقي على ما كان عليه. وجه قول زفر: أن الأصل السكوت، والزوج يدعي الأصل وهي تدعي معنىً حادثًا، فلا يقبل قولها إلا بدليل. ١٤٩٩ - فَصْل: [الاختلاف في دعوى الإذن] قال أبو حنيفة: إذا ادعى الزوج عليها الإذن أو السكوت، وادعت أنها لم تأذن، فالقول قولها ولا يمين عليها.

стр. 1749

وقال أبو يوسف ومحمد: القول قولها مع يمينها، فإن حلفت بطل العقد، وإن نكلت لزمها. قال: وجملة هذا أن عند أبي حنيفة لا يستحلف في ثمانية أشياء: النكاح وحقوقه، مثل الرجعة، والفيء في الإيلاء، والنسب، والرق وحقوقه كالاستيلاد، والولاء، والحدود. وقال أبو يوسف ومحمد: يستحلف في جميع ذلك إلا في الحدود. وقال الشافعي: يستحلف في حد القذف أيضًا. والخلاف في هذه المسألة فرع على أن النكول ما هو؟ فعند أبي حنيفة قائم مقام البذل، وليس [بصريح] بذل، وقالا: قائم مقام الإقرار، ومنزلته من الإقرار منزلة الشهادة على الشهادة. وجه قول أبي حنيفة: أن المدَّعى عليه إذا كان بريئًا من الدعوى، [فهو] مخير بين إسقاطها عن نفسه باليمين وبين التزامها بالنكول، ومن خيِّر بين إسقاط الشيء عن نفسه أو التزامه، فإذا التزمه كان بالإذن كالموصي والواهب، ولا يلزم الإقرار؛ لأن المقر ليس بمخير، ألا ترى أنه إن كان صادقًا لزمه أن يقر، وإن كان [كاذبًا] (١) لم يجز له أن يقر؛ ولأن النكول لا يتعلق به حكم في حق من صح من جهته إلا بمعنى آخر ينضم إليه، فكان بذلًا كالهبة والوصية، ولا تلزم الشهادة؛ لأن الحكم يتعلق بها في حق من لم يصح من جهته. وجه قولهما: أن النكول يثبت حكمه من المكاتب والمأذون والوكيل،

стр. 1750

وبذل هؤلاء يَصِحُّ، فلو كان بذلًا لم يصح ممن لا يصح بذله، فدل على أنه إقرار؛ لأنه يصح ممن يصح إقراره. وهذا ليس بصحيح؛ لأن عند أبي حنيفة ليس بصريح بذل، وإنما أجري مجرى البذل، وهؤلاء يصحّ منهم ما أجري مجرى البذل كالمحاباة ثم نقلب هذا الكلام عليهما، (فنقول) (١): إن نكول المأذون بعد الحجر عليه يتعلق به حكم، وإن كان لا يصح إقراره، فلو قام مقام الإقرار لم يصح ممن لا يصح إقراره، وإذا ثبت لأبي حنيفة أن النكول أجري مجرى البذل، وبذل هذه الأشياء من طريق الحكم لا يصح؛ لأن استيفاءها مع البذل كاستيفائها من غير بذل في الحكم المتعلق بها، فلم يمكن استيفاؤها بالنكول، وإذا لم يستوفِ بالنكول لم تكن في اليمين فائدة، ومالا فائدة فيه لا يصح المطالبة به، ولا يلزم على هذا دعوى الجناية؛ لأنها إن كانت فيما دون النفس، استوفيت بالنكول واليمين فيها فائدة، وإن كانت في النفس فقد كان القياس أن يستوفي؛ لأن استيفاءها بالبذل ليس كاستيفائها من غير بذل في الأحكام. ألا ترى أن من أذن لرجل في قتله [فقتله]، لم يجب عليه القصاص، وإنما استعظموا حرمة النفس فقالوا يحبس الناكل حتى يقرَّ، أو يحلف فلم يمكنه إسقاط اليمين عن نفسه من غير شيء يلزمه، فكانت اليمين حقًا، وفي مسألتنا لما لم يستوفِ بالنكول أمكن المدعى عليه إسقاط اليمين عن نفسه من غير شيء يلزمه، فلم يكن حقًا. فإن قيل: [هلّا] (٢) قلتم إنه يحبس في هذه المسائل كما قلتم في دعوى القتل؟

стр. 1751

قلنا: اليمين في القتل يجوز أن يكون نفس الحق، بدلالة القسامة، يستحلف أهل المحلة مع بذل المال، واليمين في غير النفس ليست نفس الحق فلا يحبس لأجلها. وجه قولهما: أن النكول قائم مقام الغير، فما جاز إثباته بما قام مقام الغير من الشهادة على الشهادة؛ جاز إثباته بالنكول، والأشياء السبعة يجوز إثباتها بالشهادة على الشهادة، فكذلك بالنكول، وأما الحدود فلا تثبت بالشهادة على الشهادة فكذلك بالنكول، ولهذا لا يستحلف فيها. وأما على الشافعي فنقول: ما لا يصح بذله لا يستحلف فيه كحد الزنا، ونقول في حد القذف: إنه حد فلا يستحلف فيه كحد الزنا. والله أعلم (١).

стр. 1752

بَابْ: ما جاء في جواز النكاح على الصغير قال أصحابنا: يجوز للولي تزويج الصغير والصغيرة، وقال ابن شبرمة: لا يجوز. لنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأيامى: عبارة عمن لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة؛ (ولأن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين) (١)، وتزوج قدامة بن مظعون بنت الزبير [يوم ولدت (٢)، فقيل له في ذلك، فقال: إن أمت فهي خير ورثتي، وإن عشت فهي بنت الزبير] (٣)، (وزوَّج علي ﵇ عمر بن الخطاب أم كلثوم وهي صغيرة) (٤) (٥)، وزوج عبد الله بن عمر بنته وهي صغيرة عروة بن الزبير؛ ولأنه عقد يتضمن المنافع فجاز أن يملك على الصغار بالولاية كعقد الإجارة. واحتج ابن شبرمة: أن هذا العقد يتأبد فتستحق منافعها بعد البلوغ، فكأنه عَقَدَ عليها بعد بلوغها، وهذا يبطل بالبيع؛ لأن ملكها يستحق على التأبيد، ولا يصير كأنه عَقَدَ عليه بعد البلوغ.

стр. 1753

١٥٠٠ - فَصْل: [الولي يتولى تزويج الثيب الصغيرة] وقد قال أصحابنا: إنّ للولي تزويج الثيب الصغيرة، وقال الشافعي: لا يجوز (١). لنا: أنها لا تملك التصرف في نفسها ولا مالها، فيملك الولي عقد النكاح عليها كالبكر؛ ولأنه معنى في المولى عليه لا يوجب انتقال الولاية إليه، فلا يوجب زوال الولاية عنه كالجنون وفوات الأعضاء. ١٥٠١ - فَصْل: [الخيار في الزواج إذا بلغت الصغيرة] وروى ابن سماعة عن محمد: أن الأب إذا زوّج الصغيرةَ، فالقياس: أن يثبت لها الخيار إذا بلغت، والاستحسان: أن لا يثبت. وجه القياس: أنها ملكت نفسها بعد تمام العقد عليها، فصارت كالأمة إذا أعتقت. وجه الاستحسان: أن النبي ﷺ لم يخير عائشة ﵂ عند بلوغها، ولو كان ذلك حقًا لها أعلمها إياها. ١٥٠٢ - فَصْل: [الصغيرة يزوجها غير الأب] وقد قال أصحابنا: إن الصغيرة يزوجها غير الأب والجد مثل العم والأخ، وقال الشافعي: لا يزوجها إلا من له وِلاد (٢).

стр. 1754

والدليل على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، قالت عائشة ﵂: نزلت في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها ولا يعطيها من الصداق ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن حتى يقسطوا لهن في الصداق، وأبيح لهم نكاح (١) من سواهن، ثم أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ١٢٧]، فنزلت في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها وهي شريكته في المال فيرغب عن نكاحها، ويمتنع أن يزوجها؛ لئلا يؤخذ مالها من يده، وفي كل واحدة من [الآيتين] (٢) دليل على تزويج من لا وِلادَ له (٣). ألا ترى أن الولي الذي يجوز أن يتزوج هو ابن العم، فلو كان عقده لم يصح لم يمنع لنقصانه في الصداق، ولم يدم على رغبته عن نكاحها؛ ولأن العم يملك تزويجها بالولاية بعد البلوغ، [فملك] (٤) ذلك قبله كالأب؛ ولأن البلوغ من الأسباب المزيلة للولاية، فلو كان العم [لا] (٥) يجوز عقده على الصغيرة، لاستفاد الولاية بالسبب الموجب لزوال الولاية، وهذا لا يصح؛ ولأنه يملك الاعتراض عليها بعد البلوغ في الكفاءة، فيملك تزويجها بولاية النسب في حال الصغر كالأب. ١٥٠٣ - فَصْل: [الخيار بعد البلوغ إذا زوّجها غير الأب] قال أبو حنيفة ومحمد: إذا زَوَّج العَمُّ أو الأخُ الصغيرةَ ثم بلغت، فلها

стр. 1755

الخيار، وقال أبو يوسف: لا خيار لها. فوجه قولهما: أنَّ العمَّ تصرف عليها في المال [وهو المهر] (١)، ولا ولاية له فيه فلم ينفذ تصرفه، ولا يملك إزالة تصرفه في الملك إلا بفسخ العقد الموجب للمال؛ ولأنه عقد عليها في حال لا تملك العقد على نفسها بولاية غير متكاملة، [فصار كالمولى إذا زوّج أمته، ولا يلزم الأب؛ لأن ولايته متكاملة] (٢) في البضع والمال جميعًا من جهة واحدة، ولا يلزم الجد إذا زوجها وهناك وصي أب، لأنَّا [لا] نعرف الجواب (٣) في هذه المسألة؛ ولأن ولاية الجد) في الجملة متكاملة، وولاية العم لا تكمل في حال. وجه قول أبي يوسف: أنه يلي عليها في النكاح، والمهر تبع فيه؛ بدلالة أنه يصح مع السكوت عنه، ولا (٤) يفسد بفساده، وإذا ولي في المتبوع ولي في التبع (٥). ١٥٠٤ - فَصْل: [خيار الصغيرة إذا زوّجها القاضي] وظاهر ما ذكره في الأصل: أن القاضي إذا زوَّج الصغيرة فلها الخيار؛ ولأنه قال: إذا زوجها غير الأب والجد فلها الخيار، وروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة: أنه لا خيار لها، وقال محمد: لها الخيار. وجه رواية الأصل: أن ولاية العم أقوى من ولاية الحاكم.
следующие страницы →