قلنا: اليمين في القتل يجوز أن يكون نفس الحق، بدلالة القسامة، يستحلف أهل المحلة مع بذل المال، واليمين في غير النفس ليست نفس الحق فلا يحبس لأجلها.
وجه قولهما: أن النكول قائم مقام الغير، فما جاز إثباته بما قام مقام الغير من الشهادة على الشهادة؛ جاز إثباته بالنكول، والأشياء السبعة يجوز إثباتها بالشهادة على الشهادة، فكذلك بالنكول، وأما الحدود فلا تثبت بالشهادة على الشهادة فكذلك بالنكول، ولهذا لا يستحلف فيها.
وأما على الشافعي فنقول: ما لا يصح بذله لا يستحلف فيه كحد الزنا، ونقول في حد القذف: إنه حد فلا يستحلف فيه كحد الزنا. والله أعلم (١).
стр. 1752
بَابْ: ما جاء في جواز النكاح على الصغير
قال أصحابنا: يجوز للولي تزويج الصغير والصغيرة، وقال ابن شبرمة: لا يجوز.
لنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، والأيامى: عبارة عمن لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة؛ (ولأن النبي ﷺ تزوج عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين) (١)، وتزوج قدامة بن مظعون بنت الزبير [يوم ولدت (٢)، فقيل له في ذلك، فقال: إن أمت فهي خير ورثتي، وإن عشت فهي بنت الزبير] (٣)، (وزوَّج علي ﵇ عمر بن الخطاب أم كلثوم وهي صغيرة) (٤)(٥)، وزوج عبد الله بن عمر بنته وهي صغيرة عروة بن الزبير؛ ولأنه عقد يتضمن المنافع فجاز أن يملك على الصغار بالولاية كعقد الإجارة.
واحتج ابن شبرمة: أن هذا العقد يتأبد فتستحق منافعها بعد البلوغ، فكأنه عَقَدَ عليها بعد بلوغها، وهذا يبطل بالبيع؛ لأن ملكها يستحق على التأبيد، ولا يصير كأنه عَقَدَ عليه بعد البلوغ.
стр. 1753
١٥٠٠ - فَصْل: [الولي يتولى تزويج الثيب الصغيرة]
وقد قال أصحابنا: إنّ للولي تزويج الثيب الصغيرة، وقال الشافعي: لا يجوز (١).
لنا: أنها لا تملك التصرف في نفسها ولا مالها، فيملك الولي عقد النكاح عليها كالبكر؛ ولأنه معنى في المولى عليه لا يوجب انتقال الولاية إليه، فلا يوجب زوال الولاية عنه كالجنون وفوات الأعضاء.
١٥٠١ - فَصْل: [الخيار في الزواج إذا بلغت الصغيرة]
وروى ابن سماعة عن محمد: أن الأب إذا زوّج الصغيرةَ، فالقياس: أن يثبت لها الخيار إذا بلغت، والاستحسان: أن لا يثبت.
وجه القياس: أنها ملكت نفسها بعد تمام العقد عليها، فصارت كالأمة إذا أعتقت.
وجه الاستحسان: أن النبي ﷺ لم يخير عائشة ﵂ عند بلوغها، ولو كان ذلك حقًا لها أعلمها إياها.
١٥٠٢ - فَصْل: [الصغيرة يزوجها غير الأب]
وقد قال أصحابنا: إن الصغيرة يزوجها غير الأب والجد مثل العم والأخ، وقال الشافعي: لا يزوجها إلا من له وِلاد (٢).
стр. 1754
والدليل على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، قالت عائشة ﵂: نزلت في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها ولا يعطيها من الصداق ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن حتى يقسطوا لهن في الصداق، وأبيح لهم نكاح (١) من سواهن، ثم أنزل الله تعالى قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [النساء: ١٢٧]، فنزلت في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها وهي شريكته في المال فيرغب عن نكاحها، ويمتنع أن يزوجها؛ لئلا يؤخذ مالها من يده، وفي كل واحدة من [الآيتين] (٢) دليل على تزويج من لا وِلادَ له (٣).
ألا ترى أن الولي الذي يجوز أن يتزوج هو ابن العم، فلو كان عقده لم يصح لم يمنع لنقصانه في الصداق، ولم يدم على رغبته عن نكاحها؛ ولأن العم يملك تزويجها بالولاية بعد البلوغ، [فملك] (٤) ذلك قبله كالأب؛ ولأن البلوغ من الأسباب المزيلة للولاية، فلو كان العم [لا] (٥) يجوز عقده على الصغيرة، لاستفاد الولاية بالسبب الموجب لزوال الولاية، وهذا لا يصح؛ ولأنه يملك الاعتراض عليها بعد البلوغ في الكفاءة، فيملك تزويجها بولاية النسب في حال الصغر كالأب.
١٥٠٣ - فَصْل: [الخيار بعد البلوغ إذا زوّجها غير الأب]
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا زَوَّج العَمُّ أو الأخُ الصغيرةَ ثم بلغت، فلها
стр. 1755
الخيار، وقال أبو يوسف: لا خيار لها.
فوجه قولهما: أنَّ العمَّ تصرف عليها في المال [وهو المهر] (١)، ولا ولاية له فيه فلم ينفذ تصرفه، ولا يملك إزالة تصرفه في الملك إلا بفسخ العقد الموجب للمال؛ ولأنه عقد عليها في حال لا تملك العقد على نفسها بولاية غير متكاملة، [فصار كالمولى إذا زوّج أمته، ولا يلزم الأب؛ لأن ولايته متكاملة] (٢) في البضع والمال جميعًا من جهة واحدة، ولا يلزم الجد إذا زوجها وهناك وصي أب، لأنَّا [لا] نعرف الجواب (٣) في هذه المسألة؛ ولأن ولاية الجد) في الجملة متكاملة، وولاية العم لا تكمل في حال.
وجه قول أبي يوسف: أنه يلي عليها في النكاح، والمهر تبع فيه؛ بدلالة أنه يصح مع السكوت عنه، ولا (٤) يفسد بفساده، وإذا ولي في المتبوع ولي في التبع (٥).
١٥٠٤ - فَصْل: [خيار الصغيرة إذا زوّجها القاضي]
وظاهر ما ذكره في الأصل: أن القاضي إذا زوَّج الصغيرة فلها الخيار؛ ولأنه قال: إذا زوجها غير الأب والجد فلها الخيار، وروى خالد بن صبيح المروزي عن أبي حنيفة: أنه لا خيار لها، وقال محمد: لها الخيار.
وجه رواية الأصل: أن ولاية العم أقوى من ولاية الحاكم.
стр. 1756
ألا ترى أن الحاكم لا يتصرف مع وجوده، فإذا ثبت الخيار في تصرف العم فالحاكم أولى.
وجه الرواية الأخرى: أن الحاكم يملك التصرف في البضع والمال من جهة واحدة فصار كالأب.
١٥٠٥ - فَصْل: [خيار الصغير والصغيرة بعد البلوغ إذا زوّجهما العم]
وإذا زوّج العم الصغيرَ أو الصغيرة ثم بلغا، فإن كانت بكرًا فسكتت عقيب بلوغها سقط خيارها، وإن كانت وُطِئت قبل البلوغ لم يبطل خيارها، إلا بالقول أو الفعل الذي يستدل به على الرضا، وكذلك الغلام.
أما البكر فلأن سكوتها أجري مجرى قولها قد رضيت [في الشرع]، ولو قالت عقيب بلوغها: قد رضيت، جاز عليها، فكذلك السكوت.
وأما الثيب فسكوتها لا يدل على الرضا، فوقف الرضا على قولها، أو ما أجري مجراه، وكذلك الغلام لا يستدل بسكوته على الرضا، فما لم يقل قد رَضيتُ أو يفعل فعلًا يستدل به على الرضا لا يسقط خياره (١).
١٥٠٦ - فَصْل: [الفُرقَة بعد تمام العقد لمعنى في المعقود عليه]
ولا تكون الفُرقة في ذلك إلا عند القاضي، والأصل في هذا: أن كل فسخ ثبت بعد تمام العقد لمعنى في العقد، فإنه لا يثبت إلا بتراضيهما (٢) أو بحكم الحاكم كالرد بالعيب، وكل فسخ ثبت بعد تمام العقد لمعنى في المعقود عليه؛
стр. 1757
فإنه لا يثبت إلا بحكم الحاكم كالفسخ بالعِنة، وكل فسخ ثبت قبل تمام العقد، فإنه لا يقف على حكم الحاكم كرد الإيجاب قبل القبول.
١٥٠٧ - فَصْل: [هل الفرقة طلاق؟]
وهي فرقة بغير طلاق؛ وذلك لأن كل فرقة يشترك في سببها الرجل والمرأة ويتساويان فيه، فإنها لا تكون طلاقًا كالرضاع، ولا يلزم الإباء؛ لأنهما لا يتساويان فيه.
ألا ترى أن إسلام المرأة يوجب العرض على الزوج بكل حال، وإسلام الزوج قد يوجب العرض وقد لا يوجبه.
١٥٠٨ - فَصْل: [المهر إذا وقعت الفُرقة قبل الدخول]
قال: ولا مهر على الزوج إذا لم يدخل بها، أما [المرأة] (١) إذا اختارت قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأنها استحقت البضع على زوجها قبل الدخول كالمرتدة، وأما الغلام إذا اختار [الفُرقة] (٢) قبل الدخول فلا مهر عليه، وليس في الأصول فرقة من جهة الزوج لا يتعلق بها مهر إلا هذه.
والوجه فيه: أن الخيار فيه ثابت، فلو وجب عليه المهر لم يكن لإثبات الخيار معنى؛ لأنه يملك الطلاق، فلما ثبت الخيار عُلِم أنه ثبت لفائدة وهي سقوط المهر، وأما الفُرقة بعد الدخول فلا تسقط المهر؛ لأنه استوفى المعقود عليه، والفُرقة بعد استيفاء المعقود عليه لا تسقط (البدل) (٣). والله أعلم بالصواب، وإليه المآب.
стр. 1758
بَابْ: معرفة البكر
قال: أحكام البكر والثيب في النكاح مختلفة؛ لأن البكر قد بَيَّنَّا أن سكوتها رضا، والثيب لا يكون سكوتها رضا، وللأب أن يقبض مهر البكر بغير إذنها ما لم تنهه عن ذلك، وليس له أن يقبض مهر الثيب إلا بإذنها، وإذا اختلفت أحكامها وجب أن يبين كل واحدة منهما.
فالثيوبة في الحقيقة: زوال البكارة وهذا معلوم من طريق المشاهدة، كما يعلم فوات الأعضاء، وإنما يتكلم على من هي في حكم الأبكار من طريق الحكم، فكل امرأة زالت بكارتها بوطء يتعلق به ثبوت النسب، فإنها (في حكم الثيب) (١) في قولهم جميعًا؛ لأن البكارة زالت بوطء يتعلق به أحكام النكاح، وهذا المعنى يوجب زوال الحياء الذي على النبي ﷺ الحكم به.
وأما إذا زالت بكارتها بزنا، قال أبو حنيفة: تزوج كما تزوج الأبكار، وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: تزوج كما تزوج الثيب (٢).
لأبي حنيفة: أن البكارة زالت بسبب لا يتعلق به أحكام النكاح، فصار كما لو زالت بالوثبة، ولا يقال: إنه يتعلق به تحريم الأمهات والبنات؛ لأن التحريم ليس من أحكام النكاح، ألا ترى أنه يعقد لتحل لا لتحرم؛ ولأن الحياء عند
стр. 1759
استئذانها موجود ولأنها تستشعر أنها تُزوّج لتعف عن الزنا، وهذا المعنى هو الذي جعل سكوت البكر به رضاها؛ ولأن الأصل البكارة، ورضا البكر يكون بالسكوت، فلو قلنا: إن الولي يطلب من الزانية النطق، لدلَّ بذلك على الزنا وهو مأمور بسترها.
وجه قولهما: أن البكارة زالت بالوطء فصار كما لو زالت بالشبهة.
١٥٠٩ - فَصْل: [زوال البكارة بالوثبة أو الجناية]
وأما إذا زالت البكارة بوثبة أو طفرة (١) أو حيضة أو جناية، فهي في حكم الأبكار في قولهم، أما على قول أبي حنيفة: فلأن أحكام النكاح لا تتعلق بذلك، وأما على قولهما: فلأنها لم [تباشر] الرجال فلم يزل الحياء.
стр. 1760
بَابْ: معرفة الأكفاء
قال: لا خلاف بين أصحابنا أن الكفاءة معتبرة في النكاح، وإنما اختلفوا في شروطها، وحكي عن علي أبي الحسن: أن الكفاءة غير معتبرة وهو قول مالك (١): والدليل على ما قلناه: قول النبي ﷺ : "قريش بعضهم أكفاء لبعض، والعرب بعضها أكفاء لبعض، والموالي بعضها أكفاء لبعض حي بحي، وقبيلة بقبيلة" (٢). وفي حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح النساء إلا من الأكفاء" (٣). وقال ﷺ [لعلي ﵇]: "ثلاثة لا يؤخرن: الأيم إذا أصابت لها كفؤًا".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: (لأمنعنَّ النساء ذوات الأحساب فروجهن إلا من الأكفاء)؛ ولأنها إذا هي تزوجت غير كفءٍ ألحقت الشين بقبيلتها، وهي ممنوعة من ذلك.
وأما ما روي أن أبا ظبية خطب إلى بني بياضة فأبوا أن يزوِّجوه، فقال رسول الله ﷺ : "أنكحوا أبا ظبية إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"، وخطب بلال إلى قوم من الأنصار فأبوا أن يزوجوه، فقال له رسول الله ﷺ : "قل لهم أن
стр. 1761
رسول الله ﷺ يأمركم أن تزوجوني" (١)، فلا (٢) دلالة فيه، لأنه ﷺ ندبهم إلى ترك الكفاءة، واعتبار الدين (ولم يجبرهم على ذلك؛ والأولى عندنا أن نعتبر الدين) (٣) فإن امتنعوا فالامتناع من حقهم، وقوله ﵇: "ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى" (٤)، المراد به أحكام الآخرة.
واحتج أبو الحسن: أن الكفاءة لا تعتبر في الدماء، وقد اعتبر فيها للاحتياط فلأن لا يعتبر في النكاح أولى.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن الدماء لا يعتبر فيها الكفاءة بالدين؛ لأن المسلم يقتل بالكافر [والذمي]، وإن اعتبر ذلك في النكاح بالإجماع.
١٥١٠ - [فَصْل: شرائط الكفاءة]
وإذا ثبت اعتبار الكفاءة فقال أبو حنيفة: الكفاءة تعتبر في خمسة شرائط: الحرية، والنسب، والمال، والدين، وإسلام الآباء.
وقال محمد: الدين غير معتبر إلا أن يكون أمرًا مستحقًا، كمن يسكر ويمشي في الأسواق فيسخر منه.
وقال أبو يوسف: الفسق إذا كان مستترًا لم يؤثر، وإن كان معلنًا أثر؛ وقال
стр. 1762
أبو يوسف: يعتبر في الموالي شرط آخر: وهو الصناعة، فلا يكون الحائك كفؤًا للصيرفي والجوهري.
أما الحرية فلا يكون العبد والمكاتب والمدبر كفؤًا للحرة بحال؛ لأن الرق نقص وشين، فهو أكثر من عدم النسب؛ (وقد قالوا: إن قريشًا بعضها أكفاء لبعض أدناها لأعلاها، وقال محمد: إلا أن يكون أمرًا مشهورًا فيها مثل الثيب الذي فيه الخلاف.
قالوا: ولا يكون العرب كفؤًا لقريش، والعرب بعضها أكفاء لبعض، وموالي العرب أكفاء لموالي قريش، والموالي بعضها أكفاء لبعض، والأصل في ذلك الخبر الذي قدمناه) (١).
وأما اعتبار المال فالمعتبر فيه: القدرة على المهر والنفقة المقصودين بالعقد، ولا تعتبر الزيادة على ذلك، والأصل في اعتبار المال أنه مقصود بالعقد بدلالة قوله ﵊: "تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك" (٢)، ولأن عدم المال يؤثر أكثر من تأثير النسب.
وأما الدين: فوجه قول أبي حنيفة قوله ﷺ : "تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها، فعليك بذات الدين تربت يداك"، وهذا يدل أن الدين أبلغ في القصد من المال والجمال؛ ولأن المرأة يلحقها الشين بفسق الزوج أكثر مما يلحقها [بفقد نسبه] (٣).
стр. 1763
وجه قول أبي يوسف: أن الفسق المستتر به لا يظهر، فلا يلحق به الشين، والمعلن يظهر فيلحق بها الشين.
وأما محمد فقال: إن [الأمير] (١) النسيب كُفْءٌ للدنيئة وإن كان لا يبالي كيفَ قيل؟ ولا يلحقها به شين في العادة، فأما إذا كان [فسقًا] مستحقًا فإن الشين يلحق به.
١٥١١ - [فَصْل: الكفاءة في إسلام الآباء]
وأما إسلام الآباء فقد قالوا: إن مَنْ له أب واحد في الإسلام لا يكون كفؤًا لمن له آباء؛ لأنه يعير بتأخير أبيه الإسلام، فيقال: مسلماني وابن مسلماني؛ وإذا ألحق الشين به اعتبر في الكفاءة، وليس كذلك إذا كان له آباء؛ لأنه لا يعبر بذلك في العادة.
١٥١٢ - [فَصْل: الكفاءة في الصناعة]
فأما الكلام في الصناعة فأبو حنيفة بنى الأمر فيها على عادة العرب؛ لأن مواليهم يعملون بهذه الأعمال لا يقصدون بها الحِرَف، فلا يعيرون بذلك، وأجاب أبو يوسف: على عادة أهل البلاد، أنهم (يتخذون) (٢) ذلك حِرفة، فيعيرون [بالدَّنيء] (٣) من الصنائع.
١٥١٣ - [فَصْل: زواج المرأة نفسها بغير كفء]
وإذا زوجت المرأة نفسها غير كفءٍ، فللأولياء الاعتراض عليها؛ لأنها
стр. 1764
عقدت عقدًا ألحقت بهم الضرر والشين، فكان لهم دفع (ذلك) (١) على أنفسهم، ولا تكون الفرقة في ذلك إلا عند الحاكم؛ لأن التفريق يتعلق بشرط لا تقبل فيه الدعوى، فيحتاج الحاكم [فيه] إلى النظر، فإذا ثبت عنده فرّقَ لأجله.
١٥١٤ - [فَصْل: هل الكفاءة شرط صحة أم شرط لزوم؟]
وقد قال أبو حنيفة ومحمد: إذا رضي أحد الأولياء بترك الكفاءة سقط حق الباقين، وقال أبو يوسف: لا يسقط، وبه قال الشافعي (٢).
وجه قولهما: أن الاعتراض ثبت للأولياء لما يلحقهم من الشين، وهذا المعنى لا يتبعض، [فإذا ثبت وأسقط بعضهم حقه، سقط حق الجميع] (٣) كالقصاص، وكما لو أَمَّنَ رجل من المسلمين كافرًا، سقط حق بقية المسلمين عن استرقاته.
وجه قول أبي يوسف: [أن إبراء بعضهم لاقى حق غيره؛ لأن] (٤) الاعتراض حق لجماعتهم، فإذا رضي أحدهم فقد أسقط حقه، فبقي حق الباقين [كالدين المشترك إذا أبرأ بعضهم] (٥)؛ وهذا ليس بصحيح؛ لأن هنا يتصور فيما يتبعض، فأما ما لا يتبعض فلا أن يصح يثبت حق بعضهم فيه دون بعض، ولا يقال: إن المرأة إذا زوجت نفسها من غير كفءٍ كان للأولياء الاعتراض، فرضا أحد الأولياء لا يكون أكثر من رضاها؛ وذلك لأن حقها (من غير جنس) (٦) حق
стр. 1765
الأولياء، ألا ترى أنها تستوفي حقها من العقد، والأولياء لا حق لهم في العقد، وإنما حقهم في دفع الشين، وإذا اختلف الحقان لم يكن إسقاط أحدهما موجبًا لإسقاط الآخر، وإن كان الحق من جنس واحد فسقوط بعضه يوجب سقوط جميعه. والله تعالى أعلم (١).
стр. 1766
بَابْ: الوكالة في النكاح
قال الشيخ ﵀: الوكالة في النكاح جائزة؛ لأن النجاشي زَوَّجَ النبي ﷺ أم حبيبة (١)، فلا يخلو إما أن يكون أَمَره أو لم يأمُرْه، فإن كان أمره فهو وكيل، وإن [كان] لم يأمره فإجازة عقده كأمره في الابتداء، ولأن النكاح مما [لا] يسقط بالشبهة، فيجوز التوكيل فيه، كالبيع والشراء.
قال: ويجوز التوكيل من جهة المرأة والرجل؛ لأن العقد إذا جاز التوكيل به لأحد العاقدين جاز للآخر.
قال: وتجوز [الرسالة] (٢) في النكاح؛ لأن كل ما جاز بالتوكيل جاز بالرسول كالبيع، وتجوز بالكتاب؛ لأن الكتاب يقوم مقام قول الكاتب.
ألا ترى أن كتاب النبي ﷺ إلى ملوك الآفاق قام مقام قوله في الدعاء إلى الإسلام؛ ولأن الكتاب حروف منظومة تدل على (معنى مفهوم) (٣) كالكلام.
١٥١٥ - [فَصْل: الشهادة في التوكيل بالنكاح]
وقد قال أصحابنا: إن التوكيل بالنكاح لا يفتقر إلى الشهادة، وقال ابن حي: لا يصح إلا بالشهادة.
стр. 1767
لنا: أنه توكيل بعقد كالتوكيل بعقد البيع، فإذا وصل الرسول إلى المرأة أو الكتاب، فسمع الشهود قول الرسول، أو قرأت الكتاب عليهم، أو قالت إن فلانًا أرسل إليّ أو كتب إليّ يخطبني، [فاشهدوا] أني زوجته نفسي، انعقد النكاح؛ لأن سماع قول الرسول وسماع الكتاب كسماع قول الزوج، فقد شهدوا على جنبتي العقد، فانعقد العقد، وكذلك إذا أخبرتهم؛ لأن إخبارها عن كتابته أو من رسالته قائم مقام قوله، وإذا قالت لهم قد زوجت نفسي من فلان، لم ينعقد النكاح عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: ينعقد، وهذا فرع على أن هذا القول [شطر] (١) العقد عندهما؛ بدلالة أن الزوج لو كان حاضرًا، فقالت: زوجت نفسي، فقام قبل القبول بطل، ولو كان جميع العقد لم يبطل بالافتراق، ولأن جميع العقد لا يختلف بالغيبة والحضور، وإذا ثبت [أنه] [شطر] (٢) العقد لم يقف على غائب عن المجلس، ولا يلزم إذا قال الزوج: فلانة طالق على ألف، أو عبدي حر على ألف، أنه يقف على علمهما بعد المجلس؛ لأن هذا عتق معلق بشرط وطلاق معلق بشرط، فلا يقال إنه [شطر] (٣) العقد، فإن قيل: لو كان كما قلتم لكان إذا قال لها وهي حاضرة: أنت طالق على ألف، فقامت من مجلسها أن لا يبطل، كما لا يبطل قوله أنت طالق إن دخلت الدار، فلما بطل دل على أنه [شطر] (٤) العقد، فالجواب: أن هذا [يمين] (٥) معلق بشرط، فإذا كانت في المجلس خصصنا الشرط بدلالة الحال، وهذا لا يوجب أن يكون [شطر] (٦)
стр. 1768
عقد، ألا ترى أنهم قالوا: لو قال له [تَغدَّ] (١) معي، فقال: إن تغدّيت معك فامرأتي طالق، أنه محمول على ذلك الغداء دون غيره بدلالة الحال، فكذلك في مسألتنا.
وجه قول أبي يوسف: أن قولها زوجت نفسي جميع العقد إذا وجد من الولي على الزوجين أو وكيلهما، فكذلك العقد من أحد الزوجين، وجميع العقد يجوز أن يقف، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الولي يملك الإيجاب والقبول، فقوله (زوجت نفسي) جميع العقد، ألا ترى أنا لو جعلناه [شطر] العقد احتجنا [إلى] أن نوقفه على قبوله، (وقول) (٢) الإنسان لا يقف على قبوله، وفي مسألتنا: المرأة لا تملك جميع العقد، فكذلك لم يكن قولها: زوجت نفسي جميع العقد، وعلى هذا الخلاف إذا تبرع أجنبي فقال: زوجت فلانة من فلان، لم يقف ذلك عند أبي حنيفة ومحمد إلا أن يقبله قابل في المجلس، وقال أبو يوسف: يقف على الإجازة.
١٥١٦ - [فَصْل: مخاطبة اثنين بوكالتين]
قال: وإن خاطب رجلان ليسا بوكيلين، خاطب أحدهما عن الزوج والآخر عن المرأة؛ انعقد العقد إذا كان بحضرة شاهدين ووقف على إجازة الزوجين.
قال: وجملة هذا أن كل عقد لو عقده الزوجان انعقد، إذا عقده لهما غيرهما بغير إذنهما [وقف على إجازتهما] (٣)، وقال الشافعي: [لا ينعقد] (٤).
стр. 1769
لنا ما روي: (أن النجاشي زوّج رسول الله ﷺ أم حبيبة فبلغه فأجاز) (١)، والذي روي أن النبي ﷺ أنفذ عمرو بن أميةَ الضمري يخطبها، لا يعترض على هذا؛ لأنه يجوز أن يكون زوّجها قبل وصوله، ولهذا احتاج إلى الإجازة، ولأنه نكاح لو انعقد بإذن المرأة صَحّ، فإذا عقد بغير إذنها انعقد كالأب يزوج بنته [البكر البالغة] (٢)، ولأن كل تصرف لو حصل بإذن [المالك] نفذ، فإذا حصل بغير إذنه جاز أن يقف كالتصدق باللقطة.
١٥١٧ - [فَصْل: تولي طرفي العقد]
وإن عقد العقد واحد وهو ولي على صغيرين جاز، وكذلك الوكيل للرجل والمرأة إذا عقد لهما جاز، وكذلك الولي إذا زوّج وليته من نفسه، وقال زفر: لا ينعقد النكاح بالواحد، وقال الشافعي: إن كان وليًا لهما جاز، وإن كان وكيلًا لم يجز (٣).
لنا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] قالت عائشة: نزلت في شأن اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها ولا يقسط لها في مهرها، فنهوا أن ينكحوهن أو يبلغوا بهن أعلى نساءهن في الصداق، وهذا يدل على جواز تزويج ابن العم بنت عمه من نفسه، (وأعتق رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب وتزوجها) (٤)، ولا يقال: إنه يجوز أن يكون رد أمرها إلى من
стр. 1770
زوجه؛ لأن النكاح إذا أضيف إلى الولي فالظاهر أنه هو العاقد، [ولولا ذلك لقال: فتزوّجت به، ولما قال: فتزوّجها] (١) ولأنه يملك إيجاب العقد وقبوله، فجاز أن ينفرد بعقده كتزويج المولى أمته من عبده [الصغير]، (وتزويج ابن ابنه من بنت ابنه) (٢)؛ ولأن الوكيل بالنكاح لا يتعلق به حقوقه، وإنما يعبر [به] عن الزوجين، والعبارة عنهما لا تتنافى؛ فلذلك جاز أن ينعقد به.
وجه قول زفر: (أن العقد لا يجوز أن ينفرد به الوكيل كالبيع) (٣).
١٥١٨ - [فَصْل: مطالبة الوكيل والولي بحقوق العقد]
قال: وليس للوكيل ولا للرسول ولا للولي، ولا عليهم من حقوق العقد شيء، لا يُطالِبون ولا يُطالَبون بما تولَّوه من عقد النكاح؛ وذلك لأن العاقد في النكاح سفير ومُعَبِّر؛ بدلالة أن المعقود عليه لا ينتقل إليه، فلم يتعلق به حقوقه كالرسول.
قال: فإن كان لهم حق المطالبة من غير جهة النكاح طلبوا من ذلك الوجه، وهذا مثل الأب إذا عقد والجدّ؛ لأنهم يملكون المطالبة فيطالبون من حيث الوِلاية لا من حيث العقد.
١٥١٩ - [فَصْل: تزويج الرجل رجلًا امرأةً بغير أمره]
وإذا زوّج الرجل رجلًا امرأة بغير أمره، أو امرأة بغير أمرها، ثم فسخ
стр. 1771
المزَوِّج العقد قبل أن يجيزه من وقف عليه الفسخ [انفسخ] (١)، في قول أبي يوسف [الآخر: ولم ينفسخ في قوله الأول، وهو قول محمد.
لأبي يوسف] (٢) أن العقد لم يتم، فلكل واحد من المتعاقدين فسخه قبل تمامه، كالإيجاب قبل القبول.
وجه قول محمد: أن العقد تم من جهة العاقد وإنما وقف على المعقود له، فلم يجز لمن تم من جهته فسخه كالبيع المشروط فيه الخيار لأحدهما إذا فسخه الآخر؛ ولأن العقد الموقوف قد تعلق به حق الإجازة لمن وقف عليه، فإذا فسخ العاقد فيريد بفسخه [إسقاط] (٣) الحق الذي ثبت للمعقود له، وهذا لا يجوز.
١٥٢٠ - [فَصْل: أوجه العاقد لغيره في الفسخ]
وإذا ثبت هذا، قال محمد في الجامع الكبير تفريعًا على هذا الأصل: إن العاقد لغيره في الفسخ على أربعة أوجه:
أحدها: لا يملك الفسخ بقوله ولا بفعله، وهذا كالمتبرع الذي لم يؤمر بالعقد إذا فسخ العقد لم ينفسخ، وإن زوّج الزوج أخت المرأة نكاحًا [موقوفًا] (٤) لم ينفسخ أيضًا، وقال أبو يوسف: ينفسخ في الوجهين، وهذا على ما بينا أنه لا يملك إسقاط حق المعقود له بقوله فلا يملك بفعله.
والنوع الثاني: من ملك فسخ العقد الموقوف بقوله ولم يملكه بفعله، وهو
стр. 1772
[كرجل] (١) وكّل [رجلًا] أن يزوجه، فزوجه امرأة خاطب عنها مخاطب بغير أمرها، فلهذا الوكيل أن يفسخ العقد قبل الإجازة؛ لأنه قائم مقام الزوج فصار فسخه [كفسخه] (٢)، وإن زوجه أختها لم ينفسخ نكاحها؛ لأنه ليس بوكيل في تزويج الأخت، ففعله لا يقوم مقام فعل الزوج، فلا ينفسخ به العقد.
النوع الثالث: من ملك الفسخ بالفعل ولم يملكه بالقول، وهو رجل زوّج رجلًا امرأة بغير أمره، ثم إن الرجل وكله أن يزوجه امرأة فزوجه أختها نكاحًا موقوفًا؛ انفسخ الأول، ولو قال: فسخته، لم ينفسخ عند محمد؛ لأنه موكل بالعقد الثاني، ففعله له (كفعل موكله) (٣)، ولو زوّج الموكل أخت المرأة التي وقف عقدها عليه، بطل نكاحها، فكذلك إذا زوجه وكيله، وإن قال: فسخت؛ لم ينفسخ على أصل محمد الذي قدمناه.
النوع الرابع: من يملك الفسخ بالقول والفعل: وهو الرجل يوكل رجلًا يُزَوِّجُه امرأة بغير عينها، فزوجه امرأة نكاحًا موقوفًا، فإن فسخ بالقول انفسخ؛ لأن الوكيل بالعقد الموقوف يملك الفسخ على ما قدمنا، وإن زوجه أختها انفسخ؛ لأنه وكيل في تزويج الأخت، فقام عقده مقام عقد موكله. والله تعالى أعلم بالصواب (٤).
стр. 1773
بَابْ: المهور
قال أبو الحسن: المهر عند أصحابنا لا يكون إلا ما هو مال، أو ما يوجب تسليمه مالًا، قال: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، [فعلّق الإباحة بشرط المال؛ ولأنه عقد لا يقصد به التبرع] (١)، فلا ينعقد إلا بعوض هو مال كالبيع.
١٥٢١ - [فَصْل: تقدير المهر]
[قال]: والمهر عندنا مقدر بعشرة دراهم أو ما قيمته عشرة بالشرع، وقال الشافعي: كل ما يجوز أن يكون عوضًا في البيع، جاز أن يكون مهرًا (٢).
والدليل على ما قلناه: حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "لا تنكح النساء إلا من الأكفاء، ولا مهر أقل من عشرة دراهم" (٣)؛ ولأن ثبوت المهر في العقد حق الله تعالى، والأموال التي تثبت لحق الله تعالى يدخلها التقدير كالزكاة، ولأنه أحد المسمَّيَيْن في العقد، فدخله التقدير كعدد المنكوحات، ولأنه ما ثبت جملته تارة لحق الله ويتصف أخرى، دخله التقدير كالحد.
стр. 1774
وجملة ما يقال في التسمية أنهما إذا سميا في النكاح مالًا قَلَّ أو كثر صحت تسميته، فإن كان عشرة فصاعدًا فهو المهر، نقص من مهر المثل أو زاد؛ لأنها رضيت به بدلًا، وهو مما يجوز أن يكون بدلًا هذا العقد، فصار كالتسمية في البيع، وإن كان ذلك أقل من عشرة تمم عشرة، وصار تسمية ما دونها تسمية لها، قال زفر: والتسمية فاسدة ولها مهر مثلها.
وجه قولهم: أن العشرة لا تتبعض في حكم العقد، وما لا يتبعض فتسمية بعضه كتسمية جميعه كالطلاق؛ ولأنها حطت ما لا تملك حطه، وما تملك حطه فيسقط ما يملك حطه، [ولا يسقط مالا تملك حطه كدين مشترك أبرأ منه أحد الشريكين، يبيِّن ذلك أنها تملك حط] (١) ما زاد على العشرة، ولا تملك حط شيء من العشرة.
وجه قول زفر: أنها سمت ما لا يجوز أن يكون مهرًا، فوجب لها مهر مثلها، كما لو سمت خمرًا.
١٥٢٢ - [فَصْل: ثبوت مهر المثل]
وأما إذا سَمَّت ما ليس بمال فلها مهر مثلها، مثل من تَزَوَّج امرأة على طلاق أخرى، أو على عفوٍ عن قصاص؛ وذلك لما بيّنا أن من شرط المهر أن يكون مالًا، فما ليس بمال لا يصح تسميته، فصار ذكره والسكوت عنه سواء.
١٥٢٣ - [فَصْل: تسمية ما هو مال وما ليس بمال في العقد]
وإن سمى مالًا وما ليس بمال مما لها فيه منفعة، فإن وَفَّى بالمنفعة فليس
стр. 1775
لها إلا ما سمى إذا كان عشرة فصاعدًا؛ لأنه سمى ما يجوز أن يكون مهرًا وشرط منفعة وفى بها، وإذا سلم للمرأة ما قصد به بالعقد، جاز، وإن لم يف بالمنفعة، فإن كان ما سمى لها من المال مثل مهر مثلها أو أكثر، فلا شيء لها إلا ذلك، وإن كان ما سمى لها أقل من مهر المثل، تمم لها مهر مثلها.
وقال زفر: إن كانت المنفعة مالًا مثل أن يشرط أن يهدي لها هدية فلم يف بها تمم لها مهر مثلها، وإن كانت المنفعة غير مال مثل أن يشرط طلاق امرأة أخرى أو لا يخرجها من البلد، فليس لها إلا ما سمى.
لنا: أنها لم ترضَ بالتسمية عوضًا إلا بمنفعة أخرى، فإذا لم يسلم لها وجب لها تمام مهر (١) مثلها، كما لو كانت المنفعة مالًا.
وجه قول زفر: أن ما ليس بمال لا يتقوم، فلا يجب الرجوع (إلى عوض) (٢) عنه عند فواته، وما هو مال متقوم إذا لم يسلم لها، جاز أن يرجع إلى تمام العوض.
١٥٢٤ - [فَصْل: تسمية ما لا يحل تملكه في العقد]
فإن سمى في العقد ما لا يحل تملكه، مثل المسلم يتزوج المسلمة على الخمر والخنزير، فالنكاح جائز والتسمية باطلة ولها مهر مثلها، وقال مالك: النكاح فاسد (٣).
لنا: أن فساد المهر لو أوجب فساد العقد لوجب (فساد العقد) (٤)
стр. 1776
بالسكوت عنه، كالعوض في البيع، وإذا صح النكاح وتمليك الخمر للمسلمين لا يجوز و [لا] (١) تملكها فسقط ذكرها، فكأنه تزوجها (بغير مهر) (٢).
١٥٢٥ - [فَصْل: تسمية ما يحل وما لا يحل في العقد]
فإن سمى في عقد النكاح [ما يحل] (٣) وما لا يحل، مثل أن يتزوجها على مهر صحيح وأرطال من خمر، فالمهر ما سمي لها إذا كان عشرة فصاعدًا، ويبطل الحرام وليس لها تمام مهر مثلها؛ لأن الخمر يبطل تسميتها في حق المسلمة، فكأنه لم يسمِّ إلا ما سواها، وليس لها تمام مهر المثل؛ لأن الخمر لا منفعة للمسلم فيها، فلم يجز أن تجب لأجل فواتها زيادة عوض. والله تعالى أعلم.
١٥٢٦ - [فَصْل: فرق القيمة في المهر]
ولو تزوجها على ثوب قيمته ثمانية، فلم يسلمه إليها حتى صارت قيمته عشرة، فلها الثوب ودرهمان، ولا معتبر بالقيمة يوم القبض، إنما يعتبر بها يوم العقد.
وذكر الحسن عن أبي حنيفة: إذا تزوجها على مكيل أو موزون اعتبر قيمته يوم العقد، وإن تزوجها على ثوب، اعتبرت قيمته يوم التسليم.
وجه الرواية الأولى: أن المهر يعتبر (قيمته) (٤) عند العقد، فإذا كان ناقصًا وجب كماله، فكأنه تزوجها على ثوب ودرهمين، فزيادة القيمة لا يؤثر.
стр. 1777
ووجه رواية الحسن: أن المكيل والموزون يستقر مهرًا بنفسه، ألا ترى أنه لا يجوز للزوج دفع غيره، فاعتبرت قيمته حين استقر، فأما الثوب فلا يستقر في الذمة، وإنما الزوج يخير في إحدى الروايتين: بين تسليمه، أو تسليم قيمته، وإنما يستقر مهرًا بالتسليم، فوجب اعتبار قيمته يوم التسليم.
مَسْألة: قال أصحابنا: لا يجوز أن يكون المهر إلا مالًا أو ما يستحق بتسليمه تسليم مال، فأما منافع الحر، وتعليم القرآن، والعفو عن القصاص، لا يكون مهرًا.
وقال الشافعي: ما جاز أخذ العوض عنه كان مهرًا (١).
لنا: أن منافع الحرّ ليست بمال ولا تستحق بتسليمها تسليم مال، فصارت كمنفعة البضع، [فلا يجوز أن يكون مهرًا] (٢)، ولأن منفعة الحُرِّ نماءٌ منه كولده، وأما تعليم القرآن؛ فلأنه ذكر واجب، [فتعليمه] (٣) لا يجوز أن يكون مهرًا كتعليم الشهادتين.
وقد ذكر في الأصل: إذا تزوجها على أن [يخدمها سنة، لم يجز؛ لأن توفير الزوج المهر عليها واجب، وفي استخدامها إياه إهانة له.
وذكر ابن سماعة في نوادره: إذا تزوّجها على أن] (٤) يرعى غنمها سنة جاز.
والصحيح على رواية الأصل: ألا يجوز في رعي الغنم، كما لا يجوز في الخدمة، ويجعل ما ذكره ابن سماعة رواية أخرى.
стр. 1778
ومن أصحابنا من قال: إن منافع الحُرِّ يجوز أن يكون مهرًا إلا خدمته لها، [فإنها لا تكون مهرًا لما بيّنّا].
قالوا: وذلك لأنها مأمورة بتعظيمه، فلا يجوز لها استخدامه [واستذلاله بالخدمة]، كما قالوا في الابن إذا استأجر أباه للخدمة لم يجز؛ لأنه أمر بتعظيمه، [فلا يجوز له استخدامه].
ومن أصحابنا من قال غير هذا، فقال: خدمتها مستحقة عليه، ألا ترى أنه يجب أن يخدمها بخادم، إن لم يكن يخدمها، فإذا تزوجته بخدمته وهي مستحقة لم يجز العقد عليها، كما قالوا في الأب إذا استأجر ابنه لخدمته لم يجز؛ لأن خدمة الأب مستحقة على الابن.
والصحيح التسوية بين منافع الحرّ كلها في أنها لا تكون مهرًا، وإذا ثبت أن منافع الحر لا يجوز أن تكون مهرًا، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا تزوجها على خدمته سنة فلها مهر مثلها، وقال محمد: لها قيمة خدمته.
لهما: أنه سمى في عقد النكاح ما لا يجوز أن يكون مهرًا بحال، فصار كما لو سمى خمرًا أو خنزيرًا.
لمحمد: أن منافع الحر يجوز أخذ العوض عنها بالعقد، إلا أن تسليمه قد تعذّر هنا، فيجب الرجوع إلى قيمته كما لو تزوجها على عبد فاستحق.
١٥٢٧ - [مَسْألة: انعقاد نكاح الشغار]
قال أصحابنا: نكاح الشغار منعقد والشرط باطل، ولكل واحدة من
стр. 1779
المرأتين مهر مثلها، وقال الشافعي: النكاح باطل (١).
لنا: أنه نكاح غير مؤقت فلا يبطله الشرط، كما لو شرط أن يطلقها أو لا ينقلها من منزلها؛ ولأنه عقد على البضع، [وشرط] (٢) المشاركة فيه لمن لا يجوز أن يستحقه، فصار كما لو خالعها على أن بضعها لها ولفلانة، (وأما نهيه ﷺ عن نكاح الشغار) (٣)، فالشغار: هو الخالي عن المهر، يقال: شَغَر البلد إذا خلا عن السلطان، وشغر الكلب إذا رفع إحدى رجليه، وعندنا هذا العقد لا يخلو من عوض فلا يتناوله الخبر.
يبين ذلك أن العقد يفسد عندهم للتشريك في البضع، والخبر يخالف ذلك؛ لأن ابن عمر قال: (نهى رسول الله ﵇ أن تنكح المرأة بالمرأة ليس لواحدة منهما مهر) (٤)؛ وهذا يدل على أن علة النهي عدم المهر، لا ما ذكروه من التشريك. والله تعالى أعلم (٥).
стр. 1780
بَابْ: المهر يدخله الجهالة ما يصح منه مع ذلك وما لا يصح
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا الباب أن من سمى مهرًا غير معين، فإن كان الاسم يقع على أجناس مختلفة؛ بطلت التسمية، وكان للمرأة مهر مثلها بالغًا ما بلغ، وهذا كمن تزوّج على ثوب أو دابة.
والأصل في ذلك: أن الجهالة في الأعواض تمنع صحة العوض؛ بدلالة البيع والإجارة، وإنما سومح في المهر (بقدر) (١) من الجهالة؛ وذلك لأن النكاح الصحيح يثبت فيه مهر المثل: وهو مجهول ضربًا من الجهالة، فكل جهالة في المهر كجهالة مهر المثل أو أقل، فهي مسموح بها، وكل جهالة تزيد على جهالة مهر المثل، [فإنها] تمنع صحة التسمية [قياسًا] على الأصل في سائر الأبدال، وإذا ثبت هذا فجهالة ثوب أو دابة أكثر من جهالة مهر المثل.
ألا ترى أن الثوب يقع على القطن [والكتّان والقزّ]، والحرير، [والإبريسم، وهي مختلفة، وأنواعها مختلفة، وكذلك الدابة تقع على الخيل والبغال والحمير] (٢)، وهذه الجهالة أكثر من جهالة مهر المثل، فمنعت من صحة التسمية، وكذلك الدار؛ لأن جهالة الدار كجهالة الأجناس، ألا ترى أنها تختلف باختلاف البلاد والمحال، وإذا ثبت بطلان التسمية وجب مهر المثل؛ لأنه موجب العقد،
стр. 1781
وإنما ينتقل عنه بالتسمية الصحيحة، فإذا فسدت التسمية عاد موجب العقد، وإنما قالوا يجب مهر المثل بالغًا ما بلغ؛ لأن المرأة [لم ترضَ] (١) بقدر مقدر حتى يكون قد أسقطت ما زاد عليه؛ لأن اختلاف الجنس [يمنع] من التقدير.
١٥٢٨ - [فَصْل: صِحّة التسمية في المهر]
وإن كان ما سماه يقع على جنس واحد معلوم المقدار مختلف الصفة، وهو مما يصح أن يكون ثمنًا للبيع، فالتسمية صحيحة، ولها الوسط من ذلك: إن شاء أعطاها الوسط من ذلك، وإن شاء أعطاها قيمته، والخيار إلى الزوج، وهذا كالتزويج على العبد.
والأصل في جواز التزويج على الحيوان المطلق، [بخلاف] (٢) ما قال الشافعي: أن الحيوان المطلق يجوز أن يثبت في الذمة، بدلًا عما ليس بمال [كالذباب] (٣)؛ لأن جهالة العبد الوسط كجهالة مهر المثل أو أقل، وإذا كانت تلك الجهالة لا تمنع صحة البدل فكذلك هذه، وإنما قالوا أن الزوج مخير؛ لأن الحيوان لا يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا، ألا ترى أن مستهلكه لا يلزمه مثله، وإنما يخير من لزمه بين تسليمه أو تسليم القيمة كالدية؛ ولهذا قالوا الخيار للزوج لأنه المستحق عليه.
١٥٢٩ - [فَصْل: المسمى معلوم الجنس والصفة ويصح كونه ثمنًا]
وإن كان ما سمى معلوم الجنس والصفة ويصح أن يكون [ثمنًا] (٤) في البيع
стр. 1782
لو شرط، فلها ذلك الشيء، [ولا يخير] (١) الزوج على دفعه إليها، وليس له أن يدفع قيمة ذلك إذا أبت أن تأخذ، وهذا كمن تزوج على مكيل أو موزون موصوف؛ وذلك لأن هذا يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا، (ألا ترى أن على مستهلكه مثله، ويجوز السّلم فيه فيثبت ثبوتًا صحيحًا) (٢)، فلا يجوز دفع عوضه إلا برضى المستحق. وقد ذكر أبو الحسن في جامعه فيمن تزوج على كُرّ حنطة ولم يصفها: فإن شاء أعطى كُرًّا وسطًا وإن شاء أعطى قيمته.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجبر على (تسليمها) (٣).
وجه الرواية الأولى: أن الحنطة إذا لم تكن موصوفة لم تثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا بدلالة أن السَّلَم فيها لا يجوز، وما لا يثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا؛ فالزوج فيه مخيرٌ [إذا كان مهرًا] كالعبد.
وجه رواية الحسن: أن عقد النكاح إذا صحت التسمية مع الجهالة، لزم من ذلك الجنس الوسط، فصار لزوم الوسط من طريق الحكم، كلزومه بالتسمية، ولو سمى كُرًّا وسطًا أجبر على تسليمه، فكذلك إذا لزمه حكمًا وليس كذلك العبد؛ لأن الحكم يوجب لزوم الوسط فيه، [فصار كالتسمية]، ولو سمى وسطًا لم يجبر على تسليمه، فكذلك إذا [لزمه] في الحكم الوسط.
وأما الثياب فقد ذكر في الأصل: إذا تزوجها على ثياب موصوفة أنه بالخيار: إن شاء سلَّمها، وإن شاء سَلَّم قيمتها.
стр. 1783
وذكر ابن شجاع في اختلاف أبي يوسف وزفر: فيمن تزوج امرأة على عشرة أثواب هروية، بغير عينها، وَوَصَف رفعتها وطولها وعرضها صفة توصف مثلها في السّلم، وسمى أجلًا أو لم يُسَمِّ فهو جائز، ويجبر على دفع الثياب.
وقال أبو يوسف: إن أجلها أجبر على دفعها، وإن لم تؤجل فلها القيمة.
وقد حكى أصحابنا عن أبي حنيفة في الثياب الموصوفة: أنه يجبر على تسليمها، ولم يفصلوا هذا التفصيل.
وجه ما [قال] في الأصل: أن الثياب لا تثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا بنفسها، بدلالة أن مستهلكها لا يغرم مثلها، فصارت كالعبيد.
وجه قول أبي يوسف: أنه إذا وصفها وأجلها فقد تثبت على وجه يصح أن يثبت في البيع، فلأن يستقر في المهر أولى، وإذا لم يؤجلها لم تثبت في الذمة ثبوتًا صحيحًا، لأنها لا تثبت بأنفسها، فلم يجبر على تسليمها كالحيوان.
وجه قول زفر: أنه إذا سماها ووصفها، فقد صارت معلومة يصح ثبوتها في السّلم، وإنما يفتقر السّلم إلى التأجيل لأنه لا يصح الحلول (١) فيه، والمهر لا يفتقر إلى الأجل؛ فصار ثبوتها في المهر غير مؤجلة كثبوتها في السّلم مؤجلة، [فيجبر على تسليمها].
١٥٣٠ - [فَصْل: تسمية المهر بأحد شيئين معينين]
قال أبو الحسن: وإن سمي أحد شيئين معينين، جاز ذلك أيضًا، وكان الخيار في ذلك إلى الزوج في قول أبي يوسف ومحمد، فأما أبو حنيفة فإنه ينظر
стр. 1784
[في ذلك]: فإن كان مهر مثلها مثل أقلهما قيمة، أو أقل من ذلك، فلها أقلهما قيمة إلّا أن يرضى الزوج أن يسلم إليها الأرفع، وإن كان مهر مثلها مثل أكثرهما قيمة، [فلها أكثرهما قيمة] (١)، إلا أن ترضى المرأة بالأدوَن، وإن كان مهر مثلها فوق أدونهما [قيمة] وأقل من أرفعهما، فلها مهر مثلها، وهذا مثل من تزوج امرأة على هذا العبد أو هذا العبد أو على ألف [درهم] أو ألفين.
قال أبو حنيفة: التسمية فاسدة ويحكم بمهر المثل، وقالا: التسمية صحيحة والمهر أدوَنهما.
وجه قول أبي حنيفة: أن الجهالة التي تدخل بحرف التخيير أكثر من جهالة مهر المثل، ألا ترى أنه يصح أن يدخل حرف التخيير بين أقل الأشياء وأكثرها، فكل جهالة زادت على جهالة مهر المثل [منعت] (٢) التسمية؛ ولأن النكاح يفتقر إلى التسليم والتسلم، فإذا خير بين بدلين لم يثبت واحد منهما كالبيع، ولا يلزم إذا أعتقه على ألف أو ألفين؛ لأن العتق إذا قبل العبد صار مسلمًا له، فلا يفتقر إلى التسليم والتسلم، وليس كذلك النكاح؛ لأن المرأة تحتاج إلى تسليم البضع، وذلك يقف على تسليم البدل، فإذا كان مجهولًا لم يصح ولا يلزم إذا خالعها على ألف أو ألفين، لأنها إذا قبلت فالمعقود عليه لا يفتقر إلى التسليم كالعتق، ولأن الخلع إذا سقطت التسمية فيه لم يجب فيه بدل؛ [فلذلك] (٣) وجب إثبات أحد البدلين، والنكاح إذا سقطت [فيه] التسمية، بقي موجبه من مهر المثل، فأمكن القضاء به، ولا يلزم على ما قدمنا إذا تزوجها على هذا العبد أو على هذا
стр. 1785
العبد على أنه بالخيار في أن يدفع أيهما شاء، أو على أنها بالخيار؛ لأن إثبات التخيير لأحدهما يقلل الجهالة، ألا ترى أنها ترتفع بفعل أحد المتعاقدين، ومتى لم يكن خيار كان لكل واحد منهما أن يختار غير ما اختاره الآخر، وإذا ثبت هذا قال أبو حنيفة: إن كان مهر مثلها مهر [مثل] أعلاها أو أكثر فلها الأعلى؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها عمّا زاد عليه، وإن كان مهر مثلها مثل أدوَنهما أو أقل فلها أدونهما، لأن الزوج رضي ببذل الزيادة لها، فإن كان مهر مثلها أكثر من أدوَنهما وأقل من أرفعهما فلها مهر مثلها، لأن التسمية فاسدة، وإنما يحكم بمهر المثل، فإذا خالف الأمرين وجب الرجوع إلى مهر مثلها.
وقد ذكر في الجامع الكبير: أن مهر مثلها إذا كان مثل أرفعهما أو أكثر، فالخيار إليها، وإن كان مثل أدَونهما أو أقل فالخيار إلى الزوج (١).
وجه قولهما: أن البذل في النكاح لا يقف العقد على ذكره، فصار المال الثابت بغير عقد، ومعلوم أن من أقر بألف أو ألفين لزمه الأقل فكذلك هذا؛ ولأن فساد البذل لما لم يوجب فساد العقد صار كالخلع، ولو خلعها على ألف أو ألفين كان له الأقل، كذلك هذا.
١٥٣١ - [فَصْل: الزواج على حكمه أو حكمها أو حكم أجنبي]
ولو تزوجها على حكمه أو حكمها أو حكم أجنبي فالتسمية فاسدة؛ لأن جهالة المحكوم به (أكثر من جهالة مهر المثل، وذلك بمنع التسمية لم ينظر في الحكم) (٢)، فإن حكم الزوج مهر مثلها أو أكثر فلها ذلك؛ لأنه رضي ببذل
стр. 1786
الزيادة، وإن حكم بأقل فلها مهر مثلها، وإن حكمت هي بمهر مثلها أو أقل فلها ذلك؛ لأنها رضيت بإسقاط [ببعض] حقها، وإن حكمت بأكثر من ذلك لم يجز؛ لأن المستحق مهر المثل.
١٥٣٢ - [فَصْل: الزواج على ما يكتسب العام أو يرث]
فإن تَزَوَّجها على ما يكتسب العام أو يرث، فهذه تسمية فاسدة؛ لأن جهالة هذا أكثر من جهالة مهر المثل، وقد انضم إلى الجهالة الخطر؛ لأن الكسب يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، [وكذلك الإرث، فلا تصح التسمية] (١).
١٥٣٣ - [فَصْل: الزواج على بيت وخادم]
فإن تزوجها على بيت [وخادم]، فلها بيت وسط مما تجهز به النساء في ذلك البلد الذي وقع عقد النكاح فيه، ومعنى البيت في أهل الأمصار: فرش البيت، وفي البادية: البيت [من] الشَّعْر.
والأصل في صحة هذه التسمية: أن الوسط معلوم منها في العادة، فجهالته مثل جهالة مهر المثل أو أقل.
وقد قالوا: [إن] الجارية الوسط هي السِّنْدية، والأعلى البيضاء، [والأدنى] (٢) الزنجية، والزوج في كل ذلك بالخيار: إن شاء أعطاها البيت والخادم، وإن شاء أعطاها قيمتها لما قدمنا في العقد على الثياب والحيوان أن للزوج فيه الخيار.
стр. 1787
وقد قال أبو حنيفة: إن قيمة الخادم الوسط أربعون دينارًا، وقيمة البيت أربعون دينارًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن زاد السعر أو نقص فبقدر الغلاء والرخص، وهذا ليس باختلاف، وإنما أجاب أبو حنيفة على قدر ما [اتفق] (١) في العادة في زمانه، وزادهما في الجواب الحكم على سائر الأزمان، والمعتبر في ذلك: القيمة في كل زمان [بلا خلاف] (٢)(٣).
١٥٣٤ - [فَصْل: الصلح على معين مع الزوج]
فإن صالحت زوجها على ستين دينارًا أو سبعين دينارًا، جاز ذلك؛ لأنها صالحت على بعض المستحق؛ [لأن حقها ثمانون دينارًا] (٤)، ومن ثبت له حق فصالح على بعضه وأسقط [بعضه]، جاز [ذلك].
قال: ويجوز ذلك بالنقد والنسيئة؛ لأنه [صالح] على نفس المستحق، فكل موضع وقع الصلح على ما كان مستحقًا جاز فيه التأجيل.
قال: وإن صالحت على مائة دينار أبطلنا الفضل؛ لأن القيمة واجبة بالعقد إذا كان المسمى غير مستقر، ومن وجب له حقّ فصالح على أكثر منه لم يجز. والله تعالى أعلم.
стр. 1788
بَابْ: الرجل يتزوج على مهر فيوجد خلاف ما سمى
قال أبو الحسن: فإذا تَزَوَّج الرجل المرأة فقال: أتزوجك على هذا العبد أو على هذا [الدَّن] (١) من خلّ، أو على هذه الشاة الذكية، فوجد العبد حرًا، والخلّ خمرًا، والشاة ميتة، فالعقد جائز وما سمى من المهر باطل، ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة، وأما إذا سمى الحرام وأشار إلى حلال، فقال: أتزوجكِ على هذا الحر فإذا هو عبد، أو على هذه الخمر فإذا هي خلّ، أو على هذه الميتة فإذا هي ذكية، فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن لها الحلال المشار إليه.
وروى محمد عن أبي حنيفة: إذا سمى خمرًا فوجدت خلًّا، فلها مهر مثلها.
وقال أبو يوسف: العقد واقع على الحلال منهما، فإن سمى حلالًا وأشار إلى حرام، فالعقد على التسمية، وإن سمى حرامًا وأشار إلى حلال، فالعقد على المشار إليه.
وأما محمد فقسم ذلك قسمين فقال: إذا كان المسمى من جنس المشار إليه، فالعقد واقع على العين، وإن كان المشار إليه من غير جنس المسمى، وقع العقد على التسمية، [كان المشار إليه حلالًا أو حرامًا.
وجه قول أبي حنيفة: أن التسمية] لا يثبت لها حكم مع التعيين والإشارة، ألا ترى أن التعيين أبلغ في المعرفة؛ لأنه لا يقع فيه احتمال.
стр. 1789
قال أهل اللغة: أعرف المعارف أنا وأنت [وهذا؛ لأنه يقال فيما فيه احتمال هكذا]؛ ولهذا قالوا: لو قال بعتك هذا الحمار فأشار إلى عبده، كان بائعًا لعبده، ولو قال: بعتك هذا الأسود وأشار إلى الأبيض، كان بائعًا للأبيض.
فإذا قال: تزوجتك على هذا العبد، فكأنه قال: على هذا الحر، فيجب لها مهر المثل، ولهذا قال في أصح الروايتين: إذا سمى حرامًا وأشار إلى حلال، أن لها المشار إليه؛ لأن التسمية لا حكم لها مع الإشارة، فكأنه قال: تزوجتك على هذا الخلّ.
وأما أبو يوسف فقال: إنه عقد على مستحق؛ لأن الحر مستحق لرقبته، فهو كما لو عقد على عبد غيره، ولأن التسمية يتعلق (١) العقد عليها تارة، والإشارة يتعلق العقد عليها فأيهما بطل والآخر صحيح، صار الباطل كأن لم يكن فتعلق العقد على الآخر.
وأما محمد فقال في العبد والحر والميتة والمذكاة: أيهما من جنس واحد، فإذا أبطلنا أحدهما أن يكون [مهرًا]، بطل ما هو من جنسه، وليس كذلك الخلّ والخمر لأنهما جنسان، فبطلان التسمية في أحدهما لا يوجب بطلان الآخر.
ووجه رواية محمد عن أبي حنيفة: أنه لما سمى حَرَامًا وأشار إلى حلال فقد هزل بالتسمية، [والهازل لا يتعلق بتسميته حكم، فبطل حكم التسمية] والمشار إليه.
١٥٣٥ - [فَصْل: الزواج على عبدين فإذا أحدهما حرّ]
ولو تزوجها على عبدين فإذا أحدهما حر: فروى ابن سماعة عن أبي يوسف
стр. 1790
عن أبي حنيفة: أن العبد إن كان مهر مثلها أو أكثر، فليس لها إلا مهر ذلك، وإن كان أقل من مهر مثلها، بلغ بها مهر مثلها، وهو قول زفر ومحمد.
وقال أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدًا.
وروى محمد عن أبي حنيفة: أن لها العبد لا يزاد على ذلك إذا كانت قيمته عشرة.
ووجه رواية أبي يوسف: أن المشار إليه لما تعلق الحكم به، صار كأنه قال: تزوجتك على هذا العبد وهذا الحر، إلا أنه لما سمى لها مع العبد زيادة متقومة في الظاهر لم يسلم لها، فوجب الرجوع إلى مهر مثلها.
ووجه رواية محمد: أن التسمية لما سقط حكمها صار كأنه قال: تزوجتك على هذا العبد وهذا الحر، فلا يستحق زيادة على العبد إذا بلغت قيمته أقل المهر.
وجه قول أبي يوسف: أن استحقاق الحر لرقبته كاستحقاق الأجنبي له فتجب قيمته.
١٥٣٦ - [فَصْل: فيمن تزوج على حلال وحرام]
وقد روى ابن سماعة عن محمد: فيمن تزوج امرأة على هذا [الدَّنِّ من] الخمر وقيمة الظرف عشرة دراهم فصاعدًا، فهو المهر ولا شيء لها غير ذلك؛ لأنه سمى حلالًا وحرامًا، والحلال يصح أن يكون مهرًا، [فكان مهرًا]، وروى ابن سماعة خلاف ذلك فقال: لها مهر مثلها؛ لأن الظرف لا يقصد بالعقود وإنما المعقود عليه ما فيه، فإذا بطلت التسمية في [المقصود] بطلت في غيره (١). والله تعالى أعلم.