الزيادة، وإن حكم بأقل فلها مهر مثلها، وإن حكمت هي بمهر مثلها أو أقل فلها ذلك؛ لأنها رضيت بإسقاط [ببعض] حقها، وإن حكمت بأكثر من ذلك لم يجز؛ لأن المستحق مهر المثل.
١٥٣٢ - [فَصْل: الزواج على ما يكتسب العام أو يرث]
فإن تَزَوَّجها على ما يكتسب العام أو يرث، فهذه تسمية فاسدة؛ لأن جهالة هذا أكثر من جهالة مهر المثل، وقد انضم إلى الجهالة الخطر؛ لأن الكسب يجوز أن يكون ويجوز أن لا يكون، [وكذلك الإرث، فلا تصح التسمية] (١).
١٥٣٣ - [فَصْل: الزواج على بيت وخادم]
فإن تزوجها على بيت [وخادم]، فلها بيت وسط مما تجهز به النساء في ذلك البلد الذي وقع عقد النكاح فيه، ومعنى البيت في أهل الأمصار: فرش البيت، وفي البادية: البيت [من] الشَّعْر.
والأصل في صحة هذه التسمية: أن الوسط معلوم منها في العادة، فجهالته مثل جهالة مهر المثل أو أقل.
وقد قالوا: [إن] الجارية الوسط هي السِّنْدية، والأعلى البيضاء، [والأدنى] (٢) الزنجية، والزوج في كل ذلك بالخيار: إن شاء أعطاها البيت والخادم، وإن شاء أعطاها قيمتها لما قدمنا في العقد على الثياب والحيوان أن للزوج فيه الخيار.
стр. 1787
وقد قال أبو حنيفة: إن قيمة الخادم الوسط أربعون دينارًا، وقيمة البيت أربعون دينارًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: إن زاد السعر أو نقص فبقدر الغلاء والرخص، وهذا ليس باختلاف، وإنما أجاب أبو حنيفة على قدر ما [اتفق] (١) في العادة في زمانه، وزادهما في الجواب الحكم على سائر الأزمان، والمعتبر في ذلك: القيمة في كل زمان [بلا خلاف] (٢)(٣).
١٥٣٤ - [فَصْل: الصلح على معين مع الزوج]
فإن صالحت زوجها على ستين دينارًا أو سبعين دينارًا، جاز ذلك؛ لأنها صالحت على بعض المستحق؛ [لأن حقها ثمانون دينارًا] (٤)، ومن ثبت له حق فصالح على بعضه وأسقط [بعضه]، جاز [ذلك].
قال: ويجوز ذلك بالنقد والنسيئة؛ لأنه [صالح] على نفس المستحق، فكل موضع وقع الصلح على ما كان مستحقًا جاز فيه التأجيل.
قال: وإن صالحت على مائة دينار أبطلنا الفضل؛ لأن القيمة واجبة بالعقد إذا كان المسمى غير مستقر، ومن وجب له حقّ فصالح على أكثر منه لم يجز. والله تعالى أعلم.
стр. 1788
بَابْ: الرجل يتزوج على مهر فيوجد خلاف ما سمى
قال أبو الحسن: فإذا تَزَوَّج الرجل المرأة فقال: أتزوجك على هذا العبد أو على هذا [الدَّن] (١) من خلّ، أو على هذه الشاة الذكية، فوجد العبد حرًا، والخلّ خمرًا، والشاة ميتة، فالعقد جائز وما سمى من المهر باطل، ولها مهر مثلها في قول أبي حنيفة، وأما إذا سمى الحرام وأشار إلى حلال، فقال: أتزوجكِ على هذا الحر فإذا هو عبد، أو على هذه الخمر فإذا هي خلّ، أو على هذه الميتة فإذا هي ذكية، فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أن لها الحلال المشار إليه.
وروى محمد عن أبي حنيفة: إذا سمى خمرًا فوجدت خلًّا، فلها مهر مثلها.
وقال أبو يوسف: العقد واقع على الحلال منهما، فإن سمى حلالًا وأشار إلى حرام، فالعقد على التسمية، وإن سمى حرامًا وأشار إلى حلال، فالعقد على المشار إليه.
وأما محمد فقسم ذلك قسمين فقال: إذا كان المسمى من جنس المشار إليه، فالعقد واقع على العين، وإن كان المشار إليه من غير جنس المسمى، وقع العقد على التسمية، [كان المشار إليه حلالًا أو حرامًا.
وجه قول أبي حنيفة: أن التسمية] لا يثبت لها حكم مع التعيين والإشارة، ألا ترى أن التعيين أبلغ في المعرفة؛ لأنه لا يقع فيه احتمال.
стр. 1789
قال أهل اللغة: أعرف المعارف أنا وأنت [وهذا؛ لأنه يقال فيما فيه احتمال هكذا]؛ ولهذا قالوا: لو قال بعتك هذا الحمار فأشار إلى عبده، كان بائعًا لعبده، ولو قال: بعتك هذا الأسود وأشار إلى الأبيض، كان بائعًا للأبيض.
فإذا قال: تزوجتك على هذا العبد، فكأنه قال: على هذا الحر، فيجب لها مهر المثل، ولهذا قال في أصح الروايتين: إذا سمى حرامًا وأشار إلى حلال، أن لها المشار إليه؛ لأن التسمية لا حكم لها مع الإشارة، فكأنه قال: تزوجتك على هذا الخلّ.
وأما أبو يوسف فقال: إنه عقد على مستحق؛ لأن الحر مستحق لرقبته، فهو كما لو عقد على عبد غيره، ولأن التسمية يتعلق (١) العقد عليها تارة، والإشارة يتعلق العقد عليها فأيهما بطل والآخر صحيح، صار الباطل كأن لم يكن فتعلق العقد على الآخر.
وأما محمد فقال في العبد والحر والميتة والمذكاة: أيهما من جنس واحد، فإذا أبطلنا أحدهما أن يكون [مهرًا]، بطل ما هو من جنسه، وليس كذلك الخلّ والخمر لأنهما جنسان، فبطلان التسمية في أحدهما لا يوجب بطلان الآخر.
ووجه رواية محمد عن أبي حنيفة: أنه لما سمى حَرَامًا وأشار إلى حلال فقد هزل بالتسمية، [والهازل لا يتعلق بتسميته حكم، فبطل حكم التسمية] والمشار إليه.
١٥٣٥ - [فَصْل: الزواج على عبدين فإذا أحدهما حرّ]
ولو تزوجها على عبدين فإذا أحدهما حر: فروى ابن سماعة عن أبي يوسف
стр. 1790
عن أبي حنيفة: أن العبد إن كان مهر مثلها أو أكثر، فليس لها إلا مهر ذلك، وإن كان أقل من مهر مثلها، بلغ بها مهر مثلها، وهو قول زفر ومحمد.
وقال أبو يوسف: لها العبد وقيمة الحر لو كان عبدًا.
وروى محمد عن أبي حنيفة: أن لها العبد لا يزاد على ذلك إذا كانت قيمته عشرة.
ووجه رواية أبي يوسف: أن المشار إليه لما تعلق الحكم به، صار كأنه قال: تزوجتك على هذا العبد وهذا الحر، إلا أنه لما سمى لها مع العبد زيادة متقومة في الظاهر لم يسلم لها، فوجب الرجوع إلى مهر مثلها.
ووجه رواية محمد: أن التسمية لما سقط حكمها صار كأنه قال: تزوجتك على هذا العبد وهذا الحر، فلا يستحق زيادة على العبد إذا بلغت قيمته أقل المهر.
وجه قول أبي يوسف: أن استحقاق الحر لرقبته كاستحقاق الأجنبي له فتجب قيمته.
١٥٣٦ - [فَصْل: فيمن تزوج على حلال وحرام]
وقد روى ابن سماعة عن محمد: فيمن تزوج امرأة على هذا [الدَّنِّ من] الخمر وقيمة الظرف عشرة دراهم فصاعدًا، فهو المهر ولا شيء لها غير ذلك؛ لأنه سمى حلالًا وحرامًا، والحلال يصح أن يكون مهرًا، [فكان مهرًا]، وروى ابن سماعة خلاف ذلك فقال: لها مهر مثلها؛ لأن الظرف لا يقصد بالعقود وإنما المعقود عليه ما فيه، فإذا بطلت التسمية في [المقصود] بطلت في غيره (١). والله تعالى أعلم.
стр. 1791
بَابْ: الرجل يتزوج على مهرين لكل واحد منهما شرط غير شرط صاحبه
قال: إذا تزوج الرجل المرأة على ألف إن لم يخرجها من بلدها، وعلى ألفين إن أخرجها من بلدها، أو على ألف إن لم يكن له امرأة وألفين إن كانت له امرأة، أو على ألف إن كانت مولاة وألفين إن كانت عربية، وما أشبه هذا فالنكاح جائز في قولهم؛ لأن [الشرط الذي] ليس [فيه] توقيت لا يفسد النكاح، ولأن هذا الشرط لو أفسد لأفسد المهر، [وفساد المهر] لا يوجب فساد العقد، فأما المهر فإن أبا حنيفة، وزفر، والحسن قالوا: الشرط الأول جائز إن وقع الوفاء به، فلها ما سمى على ذلك الشرط وإن كانت على خلاف ذلك أو فعل خلاف ما شرط، فلها مهر مثلها لا ينقص من الأقل ولا يزاد على الأكثر.
وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان، (وقال الشافعي: المهر فاسد بالشرط ويجب لها مهر المثل) (١).
وجه قول أبي حنيفة: أن الشرط الأول قد صح وموجبه مهر المثل إن لم يقع الوفاء به، فلما شرط الثاني (فكأنه) (٢) نفى [به] موجب الأول، والتسمية إذا
стр. 1792
صحت لا يجوز نفي موجبها، فبطل الشرط الثاني.
وجه قولهما: أن كل واحد من الشرطين فيه غرض، وقد سمى فيه بدلًا فصار كمن قال: إن خطته روميَّا فبدرهم، وإن خطته فارسيًا فبنصف، (وعلى هذا الخلاف إذا قال: إن خطته اليوم فبدرهم، وإن خطته غدًا فبنصف) (١).
ومن أصحابنا من حكى عن زفر بطلان التسميتين؛ لأن كل واحد من الشرطين (مخالف للآخر) (٢)، فأوجب جهالة المستحق فلم تصح التسمية.
١٥٣٧ - [فَصْل: إلزام الوفاء بما شرط الزوج]
وقالوا جميعًا: إن الزوج لا يلزمه الوفاء بما شرط من طلاق امرأته أو ترك الخروج من البلاد؛ لأنه وعد بذلك وعدًا فلا يلزمه الوفاء به. والله تعالى أعلم.
стр. 1793
بَابْ: المرأة تمنع نفسها بمهرها
قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: للمرأة قبل أن يدخل بها الزوج أن تمنع (١) الدخول حتى يعطيها جميع المهر.
والأصل في ذلك: أن حقها لم يتعين في البدل، فكان لها المطالبة بالقبض حتى يتعين [كتعين ملك الزوج في الاستباحة]؛ ولأن المهر في حكم الثمن في البيع، وقد بينا أن للبائع أن يحبس المبيع حتى يستوفي الثمن.
١٥٣٨ - [فَصْل: خروج المرأة لزيارة أهلها قبل دفع مهرها]
قال: فإن أرادت السفر أو الخروج من منزل الزوج أو زيارة أهلها، لم يكن له منعها من ذلك؛ لأن حق الحبس إنما يثبت له إذا وفاها حقها، فإذا لم يوفها فلها الامتناع، وكان لها التصرف في نفسها كمن لا زوج لها.
١٥٣٩ - [فَصْل: منع الزوجة من الزيادة بعد دفع المهر]
قال: فإن أعطاها المهر: فله أن يمنعها من ذلك، وله أن يدخل بها؛ لأنه وَفّاها حقها، فيثبت له [التسلم] (٢) والحبس؛ لاستيفاء المعقود عليه.
стр. 1794
١٥٤٠ - [فَصْل: منع المرأة نفسها إذا لم تستوف المهر كاملًا]
فإن أعطاها المهر إلا درهمًا واحدًا، فلها أن تمنعه نفسها وأن تخرج من مصرها، فإذا خرجت فليس له استرجاع ما أعطاها؛ وذلك لأن من ثبت له حق الحبس إذا لم يستوف البدل، ثبت له حق الحبس ببعض البدل كالبائع، وليس له استرجاع ما قبضت؛ لأنها قبضته بحق والقبض بحق لا يفسخ.
١٥٤١ - [فَصْل: منع نفسها بالمهر المؤجل]
وإن كان المهر إلى أجل فليس لها أن تمنع نفسها، وقال أبو يوسف: لها أن تمنع نفسها بالمؤجل، رواه معلى عنه قال: وهو قوله الآخر.
وجه قولهما: أنها لما أجلت المهر فقد رضيت بإسقاط حقها، فلم يسقط حق زوجها، وصار كالبائع إذا أجّل الثمن سقط حق الحبس، وليس كذلك إذا ذكر أجلًا غير معلوم مثل أن يقول: أتزوجك إلى الميسرة أو [أتزوجك] (على ألف مؤخرة) (١)؛ لأن الأجل لا يثبت إلا معلومًا فإذا لم يبين مدة، بطل التأجيل وبقي المهر حالًا.
وجه قول أبي يوسف: أن المهر من حكمه أن يتقدم على تسليم المرأة بكل حال، ألا ترى أنه لو كان معينًا أو غير معين وجب تقديمه، فلما قبل الزوج التأجيل كان ذلك رضىً بتأخير حقه من الاستمتاع، وليس كذلك البيع؛ لأن المبيع لا [يوجب] (٢) تقديم قبض الثمن عليه بكل حال، ألا ترى (أن البدل متى
стр. 1795
كان معينًا سلما) (١) معًا، فلم يكن قبول المشتري الأجل رضًا بإسقاط حقه من القبض.
وقد قال أبو يوسف: إن كان بعضه حالًا وبعضه مؤجلًا، فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال، (وإن لم يدخل بها حتى حلّ الأجل، فله أن يدخل بها إذا أعطاها الحال) (٢)؛ وذلك لأنها لما أجلت بعض البدل وعجلت بعضه، فلم يرضَ الزوج بتأخير حقه من الاستمتاع، ألا ترى أنه لو رضي بذلك، لم يكن لشرط التعجيل فائدة.
فإذا أعطاها الحال ثبت له التسليم كالبيع، وكذلك قال أبو حنيفة: إذا حلّ الأجل فليس لها أن تمنع به؛ لأن العقد لم يوجب لها حق الحبس به، فلا يثبت وإن حل.
١٥٤٢ - [فَصْل: منع نفسها إذا أجل وشَرَطَ أن يدخل بها]
قال: وقد قال أبو يوسف: [وكذلك] إن كان كله إلى أجل وشرط أن يدخل بها قبل أن يعطيها، فذلك له؛ [وذلك] لأنه لما شرط الدخول فلم يرض بتأخير حقه في الاستمتاع، وإن كانت المرأة رضيت بإسقاط حقها، [فكان له أن يدخل بها].
١٥٤٣ - [فَصْل: منع المرأة نفسها بعد الدخول]
وقد قال أبو حنيفة في قوله الآخر: إذا دخل الزوج بامرأته فلها أن تمنع نفسها
стр. 1796
حتى تستوفي المهر، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس لها ذلك، [وكذلك] على هذا الخلاف إذا خلا بها، قال أبو يوسف ومحمد: ليس لها أن تمتنع إذا أخلته بنفسها.
وجه قول أبي حنيفة: أن المهر في مقابلة الاستمتاع؛ بدلالة أنها لو انتقلت إلى بيت الزوج ثبت لها حق الامتناع، وكذلك لو شرطت أن تحبس نفسها، ولو كان المهر في مقابلة التسليم، لم يكن لها أن تحبس نفسها بعد الانتقال إليه، وإذا ثبت أن المهر في مقابلة الاستمتاع، صار الوطء الثاني كالأول، فلها أن تمتنع منه، وليس كذلك البيع؛ لأن البائع إذا سَلَّم فيريد الرجوع فيما سلّمه، وهذا لا يصح.
وفي مسألتنا تمنع ما لم يقع فيه تسليم، وهذا غير ممتنع، فإن ألزم على هذا الإجارة إذا شرط فيها تعجيل الأجرة [ثم] (١) سلّم الدار قبل قبض الأجرة، قلنا: لا رواية في هذه المسألة، فمن أصحابنا من قال: [للمؤاجر] أن يرجع الدار حتى يقبض الأجرة، فعلى هذا لا فرق بينهما، ومنهم من قال: بأن عقد الإجارة يقتضي تأخير الأجرة، ثم جاز أن يتغير موجبها بتعجيل البدل، فكذلك موجبها الحبس، ويتغير الموجب بتسليم الدار.
وجه قولهما: أن التسليم الذي يستقر به البدل قد وجد، فلا يثبت بعده حق الحبس كالبائع إذا سَلّم المبيع.
١٥٤٤ - [فَصْل: في منع نفسها إذا ما أخرت الحالّ]
قال أبو يوسف: لو كان المهر حالًا فأخرته شهرًا فلها أن تمنعه، وهذا على
стр. 1797
أصله؛ لأن قبوله للتأخير رضًا [منه] بإسقاط حقه من التسليم.
١٥٤٥ - [فَصْل: منع نفسها إذا وجدت المهر زيوفًا]
قال أبو يوسف: ولو وجدت المهر زيوفًا أو ستوقًا، أو كان عرضًا اشترته منه بالمهر فاستحق بعد أن قبضته وقد دخل بها، فليس لها أن تمنع نفسها في جميع ذلك؛ لأن من أصله [أن] التسليم لو حصل من غير قبض لم يكن لها المنع، فإذا استحق المقبوض، صار كأنها لم تقبضه في الأصل.
والفرق بين هذا وبين [المبيع] أن في البيع يمكن البائع الحبس على ما ثبت له في الأصل، وفي مسألتنا لا يمكنها أن تحبس على الوجه الذي ثبت لها (١) في الأصل، ألا ترى [أنه] قد استوفى بعض الوطء فإذا لم يكن الحبس على الوجه الذي ثبت، لم يعد [حقّها في الحبس] (٢). والله أعلم.
стр. 1798
بَابْ: اختلاف الزوجين في المهر
قال أبو الحسن [رحمه الله تعالى]: وإذا اختلف الزوجان في المهر ولا بينة بينهما فقال الزوج: تزوجتكِ على ألف [درهم]، وقالت المرأة: على ألفين؛ تحالفا ويبدأ [بيمين] الزوج في قول أبي حنيفة ومحمد، فإن كان مهر مثلها ما قال الزوج أو أقل، فلها ما قال الزوج، وإن كان مثل ما ادعت أو أكثر، فلها ما ادعت، وإن كان مهر مثلها [فوق] (١) ما قال الزوج ودون ما ادعت، فلها مهر مثلها.
وقال أبو يوسف: القول قول الزوج إلا أن يأتي بشيء مستنكر [جدًا].
وجه قولهما: أن موجب عقد النكاح قيمة المعقود عليه، وإنما يسقط بصحة التسمية، فإذا اختلفا في التسمية لم يثبت، فوجب الرجوع إلى [قيمة المعقود عليه] (٢) الذي ليس فيه معنى التبرع.
أصله: إذا اختلف الصَّبّاغ ورب الثوب في أجرة الصبغ، ولا يلزم إذا اختلف القصار ورب الثوب؛ لأن موجب العقد ليس هو قيمة المنافع، ألا ترى أنه لو قال اقصِرْ هذا ولم يُسَمِّ [فيه] بدلًا لم يجب له بدل العقد؛ ولأن النكاح معاوضة يصحُّ فسخها ليس فيها معنى التبرع، فإذا اختلفا في بدلها تحالفا كالبيع، وإذا
стр. 1799
ثبت هذا قال أبو حنيفة: سقط كل واحد من البدلين بيمين المدعى عليه، فبقي موجب العقد، فإن كان ألفين أو أكثر فقد رضيت بإسقاط حقها من الزيادة، وإن [كان] ألفًا أو أقل فقد رضي ببذل الزيادة، فلزمته برضاه، وإن كان مهر المثل بين ذلك فلها مهر مثلها؛ لأن الظاهر لا يشهد لواحد منهما، فيسقط قولهما، ووجب القضاء بالظاهر.
وقد ذكر أبو الحسن: التحالف في الفصول الثلاثة وهو صحيح؛ لأن مهر المثل لا يثبت إلّا بسقوط التسمية، والتسمية لا تسقط إلا بالحلف.
وكان أبو بكر الرازي يقول: إن التحالف يثبت في فصل واحد، وهو إذا لم يشهد مهر المثل لدعواهما، فأما إذا كان مهر المثل مثل ما يدعيه أحدهما فالظاهر يشهد [له] (١)، فالقول قوله من غير تحالف.
وجه قول أبي يوسف: أن البضع في حكم السلعة المستهلكة؛ بدلالة أن العقد لا يفسخ فيه بالتحالف، فإذا لم يثبت التحالف هلاك السلعة، فكذلك لا يثبت في النكاح.
وقد ذكر أبو الحسن: أن معنى قول أبي يوسف (ما لم يأت بشيء مستنكر) أن يذكر ما لا يُتَزَوَّج مثل تلك المرأة عليه؛ لأنه إذا ادعى ذلك أكذبه الظاهر.
وقد روي عن أبي يوسف: أن المستنكر أن يدعي أقل من عشرة؛ لأن ذلك لا يجوز أن يكون مهرًا في الشريعة.
وقد روي عن أبي يوسف في المتبايعين إذا اختلفا والسلعة هالكة: أن القول
стр. 1800
قول المشتري ما لم يأت بشيء مستنكر، [وأجرى على هذا القياس].
١٥٤٦ - [فَصْل: تقديم إحدى البيّنتين]
وإن كانت لأحدهما بينة فالبينة بينته؛ لأنها بينة قابلت الدعوى، فكانت أولى منها، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المرأة؛ لأنها تثبت الزيادة.
١٥٤٧ - [فَصْل: القول في اختلاف الزوجين في عين المهر]
فإن قال الزوج: تزوجتك على هذا العبد، وقالت المرأة: على هذه الجارية، فالكلام في هذه المسألة كالكلام في الألف والألفين إلا في فصل واحد، وهو أن مهر مثلها إذا كان مثل قيمة الجارية أو أكثر فلها قيمة الجارية؛ لأن تمليك الجارية لا يجوز إلا بالتراضي، ولم [يتفقا] (١) على تمليكها، فوجب القضاء بقيمتها.
١٥٤٨ - [فَصْل: المهر إذا طَلّقها قبل الدخول]
قال: وإن طلقها قبل الدخول بها فلها نصف الألف في قولهم؛ لأن مهر المثل لا يثبت مع الطلاق قبل الدخول، فلم يمكن [تحكيمه] (٢)، فوجب إثبات المتيقن وهو نصف الأقل، وقال في مسألة الجارية والعبد: لها المتعة [إلا أن ترضى أن تأخذ نصف الجارية؛ وذلك لأن في مسألة الألف إذا اتفقا على تسميتها] (٣)، فالقضاء بنصفها حكم متيقن، وفي مسألة العبد والجارية لم يتفقا
стр. 1801
على تسمية أحدهما، فلم يمكن القضاء بنصف الأقل إلا باختيارها، وإذا لم [تختر] (١) سقط البدلان ووجب الرجوع إلى المتعة.
وقد ذكر محمد في الجامع الكبير: إذا اختلفا بعد الطلاق تحالفا وحكمت بالمتعة؛ لأنها ظاهرة مع الطلاق، كما أن مهر المثل ظاهر مع بقاء النكاح فوجب الرجوع إلى ظاهرها، وإذا اختلفا في طعام بعينه فقال الزوج: تزوجتكِ على هذا الطعام على أنه كُرّ، وقالت المرأة: شرطت لي أنه كُران، فهو مثل اختلافهما في الألف والألفين.
والأصل في هذا: أنهما إذا اختلفا في مقدار ما تعلق العقد على قدره تحالفا، وإذا اختلفا في مقدار ما لا يتعلق العقد به على قدره وهو عين لم يتحالفا؛ لأنه اختلاف في غير المعقود عليه ويعرف الفرق بينهما بجواز العقد على الأبعاض، فكل ما جاز إفراد بعضه بالعقد فالعقد تعلق على قدره، وما لا يجوز إفراد بعضه [بالعقد] فالعقد لا يتعلق على قدره كالثوب.
١٥٤٩ - [فَصْل: الاختلاف في قيمة ما كان القول قول الزوج فيه]
قال: وما كان القول قول الزوج فيه فهلك فاختلفا في قيمته فالقول أيضًا قول الزوج؛ وذلك لأن القيمة دين عليه، والاختلاف إذا وقع في الدين فالقول قول المستحق عليه.
١٥٥٠ - [فَصْل: القول في اختلاف المهر بالجنس والصفة]
وإن كان المهر دينًا فاختلفا في جنسه أو صفته أو نوعه، فهو كالاختلاف
стр. 1802
[في الجنسين؛ لأن كل واحد من الجنسين لا يملك إلا بالتراضي، فهو كالاختلاف] (١) في العبدين، فأما الذرع والكيل والصفة فهي معقودة عليها فيما في الذمة، فإذا اختلفا فيها تحالفا، وأما إذا ادعى أحدهما ألف درهم والآخر مائة دينار، (فهو مثل الاختلاف في الألف والألفين، يعني أن مهر مثلها إن كان مثل مائة دينار) (٢) أو أكثر فلها المائة دينار؛ وذلك لأن مهر المثل يقضى به من جنس الدراهم والدنانير، فكذلك جاز أن يستحق المائة دينار من غير تراض، وليس كذلك العبد؛ لأن مهر المثل لا يقضى من جنسه، فلم يجز أن يملك من غير تراض؛ فلذلك قضي بمقدار قيمته (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 1803
بَابْ: المهر يزيد أو ينقص في يد الزوج أو في يد المرأة
قال أبو الحسن ﵀: إذا تزوج الرجل المرأة على جارية أو نخل أو شجر، فولدت الجارية أو وطئت بشبهة أو أثمر النخل أو الشجر، فذلك كله مهر للمرأة في قول أصحابنا جميعًا.
قال: وجملة هذا أن الزيادة في المهر إما أن تكون في يد المرأة أو في يد الزوج، فإن كانت في يد الزوج فهو على وجهين:
ما كان نماء من نفس المهر كالولد والتمر، أو بدلًا عن جزء من أجزائه كالأرش، أو ما كان بدلًا عما هو في حكم [الجزء كالعقر] (١)، فإن ذلك كله مهر، إن طلقها قبل أن يدخل بها انقسم كما ينقسم الأصل؛ وذلك لأن حق التسليم مستقر في الأصل، ألا ترى أنه ينتقل عند الهلاك إلى القيمة، والحقوق المستقرة في الأمر تسري إلى الولد، فأما الثمر فهو نماء من نفس المهر كالولد، وأما الأرش فهو بدل عن العضو فحكمه حكم مبدله، وأما العقر فهو بدل عما هو في حكم الجزء وصار كالأرش، والقسم الثاني: الزيادة إذا لم تكن من نفس المهر ولا عوضًا عن جزء منه، ولا عما هو في الحكم حكم الجزء، مثل أن يوهب لها هبة أو يكتسب كسبًا، قال أبو حنيفة: ذلك ليس بمهر وإنما تملكه المرأة بملك الأصل، فإن طلقها قبل الدخول لم ينقسم، وقال أبو يوسف ومحمد: ذلك مهر
стр. 1804
وينقسم مع الأصل.
وجه قول أبي حنيفة: أن الحقوق المتعلقة بالرقاب لا تسري إلى الاكتساب ككسب أم الولد؛ ولأنه ليس بمقصود بالعقد، ألا ترى أن الجارية لا يقصد بتملكها ما يوهب لها، وإذا لم يكن مقصودًا ولا هو بدل عما قصد بالعقد، وإنما هو مال للمرأة [كسائر أموالها] (١).
وجه قولهما: أنه يستحق بملك الأصل، فوجب أن يدور مع الأصل كالولد و [الثمر] (٢)، وأما إن آجر الزوج المهر فالأجرة له؛ لأن المنافع صارت [مالًا بفعله] (٣)، فهو في حكم الغاصب بملك غيره إذا آجره (ويتصدق بالأجرة؛ لأنه مالٌ حصل له من وجه محظور) (٤).
١٥٥١ - [فَصْل: الزيادة بالمهر في يد المرأة]
وأما إذا حصلت الزيادة في يد المرأة، فكل زيادة من نفس المهر منفصلة عنه كالولد والثمر، أو ما كان بدلًا عن جزء منه، أو ما هو في حكم الجزء، فإنه يمنع الفسخ في قولهم، فإن طلقها قبل أن يدخل بها كان له نصف قيمة الأصل؛ وذلك لأن هذه الزيادة لم يقع عليها العقد فلا يقع عليها الفسخ كجارية أخرى، ولا يجوز أن يقع الفسخ في الأصل دونها؛ لأن الولد موجب بالعقد فلا يسلم لها الموجب مع فسخ العقد في الأصل، كما لا يسلم لها الملك والقبض.
стр. 1805
وقال زفر: إذا طلقها فلها نصف المهر ونصف الزيادة؛ وذلك لأنها قبضته مع تعلق حق الزوج به، ألا ترى أن حق [التنصيف] (١) متصور ما لم يدخل بها، فصار كالمقبوض ببيع فاسد، [ينقسم] (٢) فيه العقد بزوائده.
١٥٥٢ - [فَصْل: ارتداد المرأة بعد حصول الزيادة في المهر]
وإذا حدثت الزيادة في يد المرأة ثم ارتدت أو قَبَّلت ابن زوجها قبل الدخول: قال أبو يوسف: في (الأصول) (٣) ذلك كله لها، وهو قول محمد، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الأصل والنماء للزوج.
وجه [قولهم] المشهور: أن الردّة سبب للفرقة كالطلاق.
وجه رواية ابن سماعة: أن هذا فسخ للعقد من أصله، فصار كمن باع عبدًا بجارية وقبض الأَمَة ولم يدفع العبد حتى ولدت ثم مات العبد قبل أن يدفعه، فإنه يأخذ الجارية وولدها، وليس كذلك الطلاق؛ لأنه حل للعقد وليس بفسخ فيرتفع من حين الطلاق
١٥٥٣ - [فَصْل: أثر الفسخ في الزيادة المتصلة]
وأمّا [الزيادة] (٤) المتصلة كزيادة البدن، فإنها تمنع الفسخ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تمنع.
стр. 1806
وجه قولهما: أنها زيادة لم يقع عليها العقد، فلا يقع عليها الفسخ كالمنفصلة، [ولأن الزيادة المتصلة لها تأثير في المنع من الفسخ ما ليس للمنفصلة، ألا ترى أنَّ] (١) الزيادة المتصلة تمنع الرجوع في الهِبَة والمنفصلة لا تمنع، فإذا كانت المنفصلة تمنع الفسخ في مسألتنا فالمتصلة أولى.
وجه قول محمد: أنها زيادة غير متميزة من العين كزيادة السّعر وعلى هذا الخلاف إذا اختلفا في المبيع بعد الزيادة المتصلة منعت التحالف عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم تمتنع عند محمد، وفرق محمد بين الزيادة المتصلة في المبيع والمهر وبينها في الهِبَة؛ لأن البيع يتعلق به الضمان فيقبضه المشتري قبضًا مضمونًا، فيتعلق حق البائع بما يتولد من الزيادة لأجل الضمان، وقبض الموهوب له ليس مضمونًا، فيقبض العين ولا حق للواهب فيها، فتحدث الزيادة على ملكه ولا يتعلق بها حق غيره، فيمنع الفسخ.
١٥٥٤ - [فَصْل: هلاك الزيادة بيد الزوج]
فإن هلكت هذه الزيادة في يد الزوج ثم طلقها، كان له نصف الأصل؛ لأن الزيادة لما تلفت صار وجودها وعدمها [سواء]، فيتعلق الحكم بالأصل.
١٥٥٥ - [فَصْل: حدوث الزيادة في يد المرأة بعد الطلاق]
ولو حدثت الزيادة في يد المرأة بعد الطلاق أو الردة، ثبت حقه في الزيادة؛ لأن حق الفسخ استقر بالطلاق [في الأصل]، (فيتعلق الحق بالزيادة) (٢) كالنماء فيما قبض ببيع فاسد.
стр. 1807
١٥٥٦ - [فَصْل: حصول الكسب بيد المرأة وطلاقها قبل الدخول]
وأما الكسب إذا حصل في يد المرأة ثم طلقها قبل أن يدخل بها فالكسب لها، ويأخذ الزوج نصف الجارية؛ لأن الكسب ليس بموجب بالعقد، فيجوز أن يفسخ العقد في الأصل دونه، ولا يجوز أن يستحق الزوج نصفه؛ لأنه لم يقع عليه العقد ولا التسليم الواجب بالعقد.
١٥٥٧ - [فَصْل: حصول النقصان في المهر]
قد بينا حكم الزيادة في المهر، فأما النقصان فلا يخلو إما أن يكون في يد الزوج أو في يد المرأة، وكل واحد منهما على خمسة أوجه:
إن كان النقص في يد الزوج بفعل الأجنبي؛ فالمرأة بالخيار: [إن شاءت] أخذت العبد وأتبعت الجاني بالأرش، وإن شاءت أخذت قيمة العبد يوم وقع عليها العقد، وإنما يثبت لها الخيار لأنها دخلت في العقد ليسلم لها عبد صحيح، والآن يسلم لها بعض العبد وتمامه دراهم، فقد تغيرت صفة المعقود عليه قبل القبض، وهذا (سبب للخيار) (١).
(فإن اختارت أخذ العبد أخذت الأرش؛ لأن الجناية حصلت على ملكها) (٢)، وإن اختارت أخذ القيمة اتبع الزوج الجاني بالأرش؛ لأن ملك المرأة نما الفسخ في المهر، صار كأنه لم يزل على ملك الزوج، فالأرش له، وليس لها أخذ العبد [وتضمين] (٣) الزوج الأرش؛ لأنها إذا اختارت أخذه فقد
стр. 1808
أبرأت الزوج من ضمانه [فلا يلزم الزوج شيء].
والثاني: إذا نقص المهر بفعل الله تعالى؛ فالمرأة بالخيار: إن شاءت أخذته ناقصًا ولا شيء لها، وإن شاءت أخذت قيمته يوم وقع عليه العقد؛ لأنه مضمون في يد الزوج فعيوبه من ضمانه فيثبت لها الخيار (لتغير صفته) (١)، وليس لها الأرش؛ لأن الأتباع لا تُضمن بالعقود، والمهر مضمون على الزوج بالعقد، وهذا [إذا] كان العيب فاحشًا، فأما إن كان العيب يسيرًا فلا خيار لها، كما لو كان العيب اليسير في الأصل.
وأما إذا حدث النقصان بفعل الزوج فالمشهور من الرواية: أن المرأة بالخيار: إن شاءت أخذته وأرش النقصان، وإن شاءت أخذت قيمته يوم العقد؛ وذلك لأن الأتبَاع تُضمن بالقبوض وإن لم يضمن بالعقود، واستهلاك الزوج قبض، وفرقوا بين هذا وبين البائع إذا جنى على المبيع؛ لأن الأرش لو وجب على البائع، لوجب تسليمه بعقد البيع، (وما وجب تسليمه بعقد البيع) (٢) فهو مبيع، والأرش لا يجوز أن يكون مبيعًا في الذمة، وفي مسألتنا إذا وجب تسليم الأرش على الزوج كان مهرًا، والأرش يجوز أن يكون مهرًا في الذمة.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الزوج [إذا جنى] (٣) على المهر فهي بالخيار: إن شاءت أخذته ناقصًا من غير أرش، وإن شاءت أخذت القيمة، وسوّى بينه وبين المبيع؛ لأنه مضمون عليه بالعقد لم يستقر ملكها فيه
стр. 1809
كالمبيع في يد البائع.
والقسم الرابع: إذا جنى المهر على نفسه فيه روايتان:
إحداهما: أنه كالآفة من السماء، والرواية الأخرى: أنه في حكم جناية الزوج.
[وجه الرواية الأولى]: أنّ جناية الإنسان على نفسه هدر، فهي كالآفة من السماء.
[وجه الرواية الأخرى]: أنّ جناية المضمون في يد الضامن كجناية الضامن، الدليل عليه العبد الغصبُ إذا جنى في (١) يد الغاصب (٢).
والقسم الخامس: أن تجني المرأة عليه، فتصير قابضة بالجناية ويدخل في ضمانها على ما قدمنا في المشتري إذا جنى على (المبيع) (٣) في يد البائع.
١٥٥٨ - [فَصْل: النقص الحادث بالمهر في يد المرأة]
وأما النقص الحادث بالمهر في يد المرأة، فهو على خمسة أقسام:
إن جنى عليه أجنبي بعد القبض (قبل الطلاق) فلها الأرش، فإن طلقها الزوج فلها نصف قيمتها ولا سبيل له على [العبد] (٤)؛ لأن الأرش لم يقع عليه العقد فلم يقع عليه الفسخ، وإن كانت جناية الأجنبي عليه بعد الطلاق فللزوج
стр. 1810
نصف العبد وهو بالخيار في الأرش: إن شاء أخذ نصفه من المرأة، واعتبرت القيمة يوم القبض، وإن شاء اتبع الجاني فكان عليه أرش ذلك من قيمته؛ لأنه مضمون عليها، وحق الفسخ يستقر فيه كالمقبوض ببيع فاسد.
[والقسم الثاني] (وإن كان النقص بآفة من السماء) (١)، فالزوج بالخيار: إن شاء أخذ نصفها ولا شيء له، وإن شاء أخذ نصف القيمة يوم القبض؛ لانَّ حقه معها عند الفسخ [كحقها معه] (٢) عند العقد، ولو حدث في يده نقص بآفةٍ من السماء، كان لها الخيار: بين أن يأخذ العين ناقصة أو قيمتها، كذلك حق الزوج معها.
وقال زفر: للزوج أن يضمِّنها الأرش؛ لأن المهر مضمون عليها بالقبض والأتباع تُضمن بالقبوض وإن لم يضمن بالعقود، وإن كان ذلك بعد الطلاق، فللزوج أن يأخذ نصفه ونصف الأرش، وإن شاء أخذ نصف قيمته يوم قبضت، لأن الملك لها (وحق الغير في الفسخ مستقر) (٣)، كالمقبوض ببيع فاسد.
وأما القسم الثالث: إذا كانت الجناية بفعلها، فالزوج بالخيار: إن شاء أخذ نصفها ولا شيء له من الأرش، وإن شاء أخذ نصف قيمتها؛ لأن المرأة جنت على ملك نفسها، وجناية الإنسان على [ملك] نفسه لا تكون مضمونة عليه، وليس كذلك الزوج إذا جنى في الرواية المشهورة؛ لأنه جنى على ملك غيره، وجناية الإنسان على ملك غيره مضمونة عليه، وإن جنت بعد الطلاق فعليها نصف الأرش لأن حق الفسخ استقر فيها.
стр. 1811
والقسم الرابع: إذا كانت الجناية بفعل المهر، فعلى كلا الروايتين الزوج بالخيار إن شاء أخذ نصفها (ناقصًا) (١) وإن شاء أخذ نصف القيمة؛ لأنّا إن جعلنا جناية المهر كالآفة من السماء لم تكن مضمونة، وإن جعلناها كجناية المرأة لم تكن مضمونة أيضًا.
والقسم الخامس: أن تكون الجناية بفعل الزوج، فهي كجناية الأجنبي؛ لأنه جنى على ملك غيره، ولا يد له فيه (فصار كجناية الأجنبي) (٢)(٣).
стр. 1812
بَابْ: نكاح السمعة
قال أبو الحسن: وإذا تزوج الرجل المرأة نكاحًا صحيحًا في ظاهره على الشروط التي يصح بها، وهما يريدان بذلك السمعة والرياء في الظاهر، ولا يقصدان أن يكونا به زوجين (لأمر) (١) خافاه، فالنكاح صحيح في الظاهر - (ولا نقصان) (٢) - والباطن، ويبطل ما نويا من ذلك، والأصل في هذا أن عدم القصد لا يمنع من انعقاد النكاح بدلالة الهازل، وقد دل على ذلك قوله ﷺ : "ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ، النكاح والطلاق والعتاق" (٣)، وأما إذا جعلا السمعة في المهر، فاتفقا أن المهر في الباطن مائة، وأنهما يظهران مائتين، ولم يقولا إن مائة منها سمعة، فالمهر مائتان؛ لأنه سمّى في العقد ما يصح أن يكون مهرًا، ولم يتفقا على الهزل ببعضه، فما تقدم من الاتفاق لا يعتدّ به، وصار كأنه زادها في المهر الذي (اتفقا عليه) (٤)، وإن كانا قالا: نظهر مائتين، منها مائة سمعة، كان المهر مائة؛ وذلك لأن إحدى المائتين اتفقا على أنهما قالا لم يقصداها، فكأنهما هزلا بها، والمهر يختلف فيه الجدّ والهزل وهذا على أحد الروايتين عن أبي
стр. 1813
حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
فأما على الرواية الأخرى: فالمهر ما أظهراه؛ لأنهما سميا في العقد ما يصح أن يكون مهرًا، وما ذكراه في الباطن لم يعتدا به في حال العقد، فلا يؤثر فيه، وأما إذا اتفقا في الباطن على أن المهر ألف درهم، وإنما يظهران مائة دينار سمعة، فلها مهر مثلها، وهذا في إحدى الروايتين؛ لأن ما ذكراه في الباطن لم يسمياه في حال العقد، وما ذكراه في حال العقد لم يقصداه، فسقطا جميعًا ووجب لها مهر مثلها، فأما على الرواية الأخرى عن أبي حنيفة: [فلها] (١) مائة دينار.
١٥٥٩ - [فَصْل: الاتفاق بالإقرار بعقد لم يكن]
فإن اتفقا أن يُقِرّا بعقد لم يكن فأَقرّا بذلك لم يلزمهما؛ لأن الإقرار إخبار عن أمر متقدم لا ينعقد به شيء، فإذا لم يتقدم عليه عقد لم يتعلق به حكم. والله أعلم.
١٥٦٠ - [فَصْل: الزواج بمهر في الباطن ثم إظهار خلافه في العلن]
قال: وإن تزوجها [في الباطن على مهر تزويجًا] قاطعًا، ثم أظهرا غير ذلك في العلانية لم يلزمهما الظاهر، وإنما يعني بهذا أن يظهرا عقدًا فلا يعتبر ما سمياه فيه؛ لأن النكاح انعقد وتَمَّ، فما يظهر بعد ذلك لا يتعلق به حكم (٢). والله أعلم.
стр. 1814
بَابْ: نكاح العبيد
قال أبو الحسن: لا يجوز نكاح مملوك [عاقل] بالغ إلا بإذن سيده، عبدًا كان أو أَمَة، كانت ممن يجوز بيعها أو لا يجوز بيعها، أما الأمة فلا يجوز عقدها بغير إذن سيدها؛ لأن منافع بضعها على ملكه، فلا يعقد عليها إلا بإذنه، وأما العبد فلا يصح عقده عندنا، وقال مالك: يصح (١).
لنا: قوله ﷺ : "أيما عبد تزوج بغير إذن مولاه فهو عاهر" (٢)، ولأنه عقد فيه عوض، فلا يملكه العبد بغير إذن سيده، كالبيع والإجارة، وكذلك المكاتب؛ لأن عقد الكتابة إذْنٌ فيما يتوصل به إلى أداء (ما لها، والتزويج يلزمه الغرم فلا يتوصل) إلى الأداء فيبقى على أصل الحجر، وكذلك المأذون في التجارة؛ لأن النكاح ليس من التجارة، ألا ترى أن من تزوجت على عبدٍ تنوي أن يكون للتجارة، [لم يكن للتجارة]، ولو كان العقود من عقود التجارة لكان بدله للتجارة كالبيع، وكذلك المدَبَّرَة وأم الولد؛ لأن منافعها لمولاها كالأمة، وكذلك المكاتبة لأنها معرضة للعجز، [فيعود] بضعها إلى ملك المولى، فيصير مستحقًا عليه فلا يجوز إلا بإذنه، وأما المعتَق بعضه فهو عند أبي حنيفة كالمكاتب، وعندهما [كحرٍّ عليه دين، فيجوز تزويجه من غير إذن أحد] (٣).
стр. 1815
١٥٦١ - [فَصْل: نكاح المولى لإمائه]
قال: ويجوز نكاح المولى عليهم جميعًا وإن كرهوا [إلا] المكاتب، أما الأمَة والمدبرَة وأم الولد فيجوز تزويج المولى لهن وإن كرهن؛ لأنه يعقد على ما يملك منهن وهو الاستباحة، فصار كعقده على منافع أعضائهن وكبيعهن، وأما العبد فظاهر رواية الأصل: أنه [يجوز] (١) تزويجه بغير رضاه، وروي عن أبي حنيفة أنه لا يزوجه إلا برضاه، وبه قال الشافعي.
والدليل على أنه يجوز إنكاحه: أنه عقد لا يملكه [العبد] (٢) من نفسه، فيملكه المولى منه [إذا كان مما يملك] كعقد الإجارة، ولا يلزم المكاتب؛ لأن إطلاق العبد لا يتناوله، [ثم نسوّي بين الأصل والفرع]؛ ولأن هذا العقد يستحق به مال المولى في المهر والنفقة، فصار كعقده على أمواله؛ ولأن كل عقد ملكه بحق الملك على أمته، ملكه على عبده كالإجارة والبيع.
ووجه الرواية الثانية: أن المعقود عليه من جهة العبد هو الاستباحة، وذلك معنى لا يملكه المولى منه، فلا يجوز عقده عليه.
وأما قول الشافعي: أن المولى إذا أكره عبده على النكاح فلا فائدة فيه (٣)؛ لأن الطلاق بيده فيفارق عقيب العقد فبطل [لمن] (٤) قال لزوجته المطلقة: إن راجعتك فأنت طالق ثلاثًا، إنه لا فائدة في الرجعة وإن صحت، ولأن [في]
стр. 1816
العقد فائدة [للعبد]، وهو أن المولى تحصل له الإباحة وقد يحتم على العبد مولاه أن يطلق عقيب النكاح في العادة.
فأما المكاتب والمكاتبة فلا يجوز للمولى تزويجهما بغير رضاهما؛ لأنه أخرجهما عن يده بعقد منع من تصرفه فيهما، فصار كعقد البيع، فإذا رضيا جاز عقده؛ [لأنه منع من العقد لحقهما، فإذا رضي جاز، ولا يجوز لهما أن يتزوّجا إلا بإذن المولى لما ذكرنا، فإن أذن لهما المولى جاز] (١)؛ لأنهما منعا من العقد [لحقه]، فإذا [رضي] جاز [عقدهما] (٢).
١٥٦٢ - [فَصْل: ملكية مهر الأمة]
قال: وما كان من مهر وجب بالعقد للأمَة أو بالدخول مسمىً كان أو مهر المثل، فهو [للمولى، إلا المكاتبة والمعتق بعضها، فإن المهر لها.
والأصل في ذلك: أن المهر في حكم العوض عن جزء من أجزائها، فهو كالأرش؛ ولأن المهر بدل عن منافع بُضعها] (٣)، كالبدل عن منافع أعضائها، وأما المكاتبة فهي المستحقة لأرشها، والمهر في حكم الأرش.
١٥٦٣ - [فَصْل: تحصيل المهر من العبيد]
وما لزم العبيد من المهور بإذن المولى فإنهم يباعون فيه، وذلك لأنه دين لزم العبد بسبب ثابت في حقه وحق مولاه، وهذا على أصلنا أن العبد يباع في ديونه، وقد بيّنّا ذلك في البيوع.
стр. 1817
وأما المدبر والمكاتب فيسعون في المهر؛ لأن دين العبد يستوفى من رقبته وكسبه وقد تعذر الاستيفاء من الرقبة بالتدبير والكاتبة، فلم يبق إلا أن يستوفي من الكسب.
١٥٦٤ - [فَصْل: المهر دين]
قال: وما لزم من ذلك بغير إذن المولى أتبع به بعد العتق؛ وذلك لأنه دين تعلق بسبب لم يثبت في حق المولى فصار كما [لو] ثبت بإقرار العبد.
١٥٦٥ - [فَصْل: تزويج العبيد بالولاية]
وليس لأحد [أن] يتصرف على غيره بالولاية، أو بالأمر أن يزوّج عبده، مثل الأب والوصي والمفاوض والمضارب والمأذون؛ وذلك لأن تصرف هؤلاء على وجه الاحتياط وفيما يعود به النفع إلى المال، وتزويج العبد ضرر من غير منفعة للمولى، ألا ترى أنه يستحق المهر والنفقة، فلم [يملك] (١) الغير عليه.
فأما تزويج الأمةَ فقال أبو حنيفة: كل من كان تصرفه عامًا في التجارة وغيرها فإنه يملك تزويج الأمَة في حق الغير، مثل الأب والجد والوصي [والمكاتب] والمفاوض والقاضي وأمين القاضي؛ وذلك لأن تصرف هؤلاء عام في كل ما عاد نفعه إلى المال، وفي التزويج نفع لأنه يستحق المهر والولد، [فكان لهم تزويجها]، وأما من كان تصرفه خاصًا في التجارة كشريك العنان والمضارب والمأذون، فلا يملكون عند أبي حنيفة ومحمد تزويج الإماء.
وقال أبو يوسف: كل من كان تصرفه عامًا فإنه يملك تزويج الأَمَة.
стр. 1818
وجه قولهما: أن تصرف هؤلاء خاص في التجارات، والنكاح ليس من التجارة؛ بدلالة أن المأذونة لا تزوج نفسها، وإذا لم يكن من التجارة لم يجز عقدهم فيه.
وجه قول أبي يوسف: أن تصرف هؤلاء عام، [فحلوا] (١) محل الأب والوصي.
وقال أبو يوسف: إذا زوج الأب جارية ابنه الصغير من عبده جاز، وقال زفر: لا يجوز.
وجه قول أبي يوسف: أن فيه منفعة، ولا ضرر فيه بدلالة أنه يحصل له الأولاد ولا يستحق رقبته بالمهر ولا بالنفقة؛ لأن النفقة [تجب] على مولاها بعد النكاح وقبله، فصار كتزويج الأمَة.
لزفر: أن هذا [يوجب عيبًا] (٢) في رقبته، ويجوز أن يبيع الأَمَة فيستحق رقبته بالمهر، فصار كتزويجه بأَمَةِ الغير.
١٥٦٦ - [فَصْل: تزويج العبد والأمة بغير إذن المولى]
قال: وإن زوَّج عبدًا أو أَمَة أو أحدًا ممن ذكرنا أنه لا يجوز تزويجه إلا بإذن مولاه، [فإن زوَّج] بغير إذن المولى ثم أجاز المولى النكاح قبل الدخول بالزوجة أو بعده جاز النكاح، ولم يلزم الزوج إلا مهر واحد، وهذا استحسان في الإجازة بعد الدخول؛ وذلك لأن من لا يملك العقد إذا عقده وقف على إجازة مالكه
стр. 1819
كالأجنبي، فإذا (أجاز استندت إجازته) (١) إلى العقد، فكأنه عقد بإذنه، وأما إذا تزوج العبد بغير إذن المولى، ودخل بها، ثم أجاز المولى [النكاح]، فالقياس أن يلزمه مهر بالدخول ومهر بالإجازة؛ لأن الدخول في النكاح الموقوف كالدخول في النكاح الفاسد فيجب به مهر المثل، فإذا أجاز العقد وجب بالعقد الصحيح مهرًا آخر.
وجه الاستحسان: أنه لا يلزمه إلا مهر واحد؛ لأن مهر المثل لو وجب لتعلق بحكم العقد، ألا ترى أنه لو [لا] (٢) العقد لوجب به الحد والمسمى يجب بالعقد، فلو اجتمعا لأوجب العقد الواحد مهرين، وهذا لا يصح.
١٥٦٧ - [فَصْل: زواج الأمة بغير إذن المولى]
وإذا تزوجت الأَمَة بغير إذن المولى ثم خرجت من ملكه فإن حَلَّ فرجها للمالك الثاني انفسخ النكاح، وإن لم يحل فأجاز الثاني جاز، وأما العبد فللثاني أن يجيز نكاحه.
والكلام في هذه المسألة يقع في أن العقد إذا وقف على واحد جاز أن يلحقه الإجازة من غيره، وقال زفر: لا يجوز.
[لنا]: ذلك لأن المالك إنما وقف عليه العقد؛ لأنه يملك إجازته، وهذا المعنى موجود في المالك الثاني، [فينبغي أن يكون مثله؛ ولأنه لما ملك ابتداء العقد، جاز أن يملك إجازته، أصله المالك الأول] ولا شبهة في العقد على ملك الصغير إذا لم يجزه الوصي حتى بلغ [الصغير]؛ لأن الوصيَّ إنما كان يقوم مقام
стр. 1820
الصغير في الإجازة لعجزه، فإذا بلغ فقد قدر على الإجازة فيجوز بإجازته.
وأما زفر فيقول: بأن هذا العقد وقف على إجازة واحدٍ، فإذا انتقلت عنه الإجازة لم يجز أن تلحقه الإجازة من جهة غيره.
أصله: إذا [تزوّج] أَمَة الغير بغير إذنه فمات المولى قبل الإجازة، أن الوارث لا يملك الإجازة، كذلك هذا.
والفصل الثاني: أن كل استباحة صحيحة طرأت على استباحة موقوفة أبطلتها، وكل ملك صحيح طرأ على ملك موقوف أبطله، والدليل عليه حديث حكيم بن حزام أنه قال لرسول الله ﷺ : إني أدخل السوق فأستجيد السلع ثم أخرج فأبيعها ثم أرجع فأبتاعها وأسلمها، فقال ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (١)، والمعنى في ذلك أنه طرأ ملك صحيح على ملك موقوف، ولأن الشيء الواحد لا يجوز أن يكون ملكًا لمالكين، كل واحد منهما يملك جميعه، ومعلوم أن [الملك] الموقوف قد أوجب حق التمليك للعاقد، فإذا انتقل الملك لا يخلو إما أن [يصحا] (٢) جميعًا، وهذا لا يصح [لما بيّنّا، أو يبطلا جميعًا، وهذا لا يجوز؛ لأنه خلاف الإجماع؛ لأن العقد الثاني وقع صحيحًا بشرائطه]، فلم يبق إلا أن يصح أحدهما، (فكان تصحيح (٣) الصحيح) أولى من تصحيح الموقوف (٤).
إذا ثبت هذا، قالوا: فيمن زوَّج أمَة غيره فلم يجز المولى حتى مات، فإن
стр. 1821
ورثها من يحل [له] وطؤها، بطل النكاح الموقوف؛ لأن الاستباحة الصحيحة طرأت على الموقوفة، وإن ورثها من لا يحل له وطؤها، مثل أن يرثها جماعة أو يرثها ابنه، وقد كان الميت وطأ الجارية فللوارث الإجازة؛ لأنه لم تطرأ استباحة [صحيحة على استباحة] موقوفة [فبقي] (١) الموقوف بحاله، وكذلك إذا باعها المولى فالحكم في إجازة المشتري على الوجه الذي ذكرناه في الوارث.
وعلى هذا قالوا فيمن تزوج جارية غيره بغير إذنه ووطئها فباعها المولى لرجل، ملك الإجازة؛ لأن وطء الزوج يمنع وقوع الإباحة للمشتري، [فلم تطرأ استباحة صحيحة على الموقوفة] وأما العبد إذا تزوج بغير إذن المولى ثم مات المولى أو باعه، فللوارث والمشتري الإجازة، لأنه لا يستباح بالملك، فلم يطرأ على الاستباحة الموقوفة ما ينافيها.
١٥٦٨ - [فَصْل: زواج العبد أو الأمة بغير إذن المولى فأعتقا]
وإذا تزوج العبد أو الأمَة بغير إذن المولى فأعتقهما جاز النكاح، وذلك لأن لكل واحد منهما قولًا صحيحًا، وإنما لم ينفذ عقدهما لحق المولى، فإذا أعتقهما فقد زال حق المولى، فلم يبق إلا حقهما فجاز العقد.
وقد قال أصحابنا: إنهما إذا أُعتقا جاز العقد بغير إجازة؛ لأن العتق أسقط حق المولى، فلم يبق إلا حق العبد فلم يقف عقده على إجازته، ولو لم يعتقه، ولكنه أذن له في النكاح لم يجز ذلك العقد إلا بالإجازة؛ لأن الإذن لم يسقط حق المولى، ألا ترى أنه يملك النهي، وإذا كان حقه ثابتًا، وإنما ملك العبد ما [جعله] إليه، صار العبد كهو فلا بد من الإجازة. والله أعلم.
стр. 1822
١٥٦٩ - [فَصْل: اقتضاء إذن المولى لعبده بالزواج]
وإذا أذن المولى لعبده (١) أن يتزوج، لم يجز أن يتزوج إلا امرأة واحدة؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار بإطلاقه، فيفيد أدنى ما يتناوله الاسم.
١٥٧٠ - [فَصْل]:
فإن قال تزوج ما شئت من النساء، جاز أن يتزوج اثنتين ولم يجز أكثر من ذلك؛ لأنه ملّكه النكاح عَامًا فملك منه جميع ما يملكه العبد.
وقد قال أصحابنا: إن الحرّ لا يتزوج بأكثر من أربع لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، معناه: مثنى أو ثلاث أو رباع، ومن تأول ذلك على الجمع فقد غلط؛ لأن الزَجاج قال: هذا عِيّ من الكلام؛ لأن العرب إذا عبرت [عن تسعة لا يقولون اثنين وثلاثة وأربعة، إنما يقولون تسعة] (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وإنما اختص رسول الله ﷺ بجواز زيادة العدد لفضيلته؛ لأنه كان يقدر على التسوية بينهن، فأما العبد فلا يتزوج أكثر من اثنتين، لما روي أن النبي ﵊ قال: "لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين" (٣)، ولأنه حق من حقوق النكاح مقدر، (فللرق فيه تأثير) (٤) في نقصه كالقسم، ولأن النكاح بُني على التفاضل بدلالة أن رسول الله ﷺ لما كان أفضل
стр. 1823
الناس، جاز له من العدد ما لا يجوز لغيره، والحرّ أفضل من العبد، فوجب أن يتفاضلا في العدد.
١٥٧١ - [فَصْل: المهر إذا تزوّج نكاحًا فاسدًا]
فإن تزوج العبد نكاحا فاسدًا ودخل [بها] لزمه المهر في الحال في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: بعد العتق.
وجه قول أبي حنيفة: أنه أذن له في العقد، وإطلاق العقد يقتضي الصحيح والفاسد بدلالة الإذن في البيع، ولا يلزمه إذا حلف لا يتزوج أنه يحمل على الصحيح؛ لأن الأيمان لا تحمل على (الإطلاق) (١) وإنما تحمل على العرف، والمعتاد عن الامتناع من التزويج أن يمتنع مما يصح، يبين ذلك ما قالوا أنه لو حلف ما تزوج وقع على الصحيح والفاسد، فدل على أن المستقبل لمّا حُمل على الصحيح لم يحمل للإطلاق، وإنما حمل للعرف.
وجه قولهما: أن غَرَض المولى بالإذن في التزويج أن يحصل لعبده الاستباحة ويعفه عن الزنا، وهذا المعنى موجود في الصحيح دون الفاسد.
١٥٧٢ - [فَصْل]:
فإن أذن له في نكاح فاسد لزمه المهر في الحال في قولهم؛ لأنه مال لزمه بسبب إذن له فيه [فصار كسائر العرف] (٢).
стр. 1824
١٥٧٣ - [فَصْل: نكاح الأمة على الحرة]
ولا يجوز نكاح الأمَة على الحرة، ويجوز نكاح الحرة على الأمَة وقد قدمنا ذلك، فإن جمعهما في عقد صح نكاح الحرة وبطل نكاح الأمَة؛ وذلك لأن [نكاح] الحرة والأمة ينفي نكاح إحداهما الأخرى، ولا تنفي الأمَة الحرة، فإذا جمع بينهما فكل واحدة منكوحة على الأخرى، ولو نكح الأمَة على الحرة على الانفراد بطل نكاحها، ولو نكح الحرة على الأمَة على الانفراد صح نكاحها، فإذا جمع بينهما صح ما يصح على الانفراد وبطل ما يبطل على الانفراد، وليس [كذلك الأختين] (١) لأن نكاح كل واحدة منهما ينفي نكاح الأخرى، فإذا جمع بينهما تنافيا جميعًا.
١٥٧٤ - [فَصْل: عتق الأمة بعد النكاح]
قال: إذا أعتقت الأمَة بعد صحة نكاحها فلها الخيار، وقال الشافعي: إن كان زوجها حرًا فلا خيار لها، وإن كان عبدًا فلها الخيار (٢).
لنا: قوله ﷺ لبريرة: "ملكتِ بضعكِ فاختاري" (٣)، فجعل العلة المثبتة للخيار معنى فيها، وعند مخالفينا الخيار يثبت لمعنى [في] الزوج [لا فيها]، ولأنها ملكت نفسها بالحرية بعد تمام العقد عليها فصار كما
стр. 1825
لو كان زوجها عبدًا، [ولأنّ] (١) مخالفنا يثبت الخيار لعدم (٢) الكفاءة من جهة الزوج، وعدم الكفاءة في حال البقاء لا يؤثر في النكاح، ولأن ما يوجب النقص إذا وقع به [الرضا بالعقد] (٣) لم يثبت فيه الخيار من بعد، كالفسق وعدم النسب والمال، ولأنه استفاد بحريتها زيادة ملك عليها لم يملكها بعقد النكاح: وهي التطليقة الثالثة، فكان لها الامتناع من التزام ذلك، (كما فيما إذا كان عبدًا) (٤)، وهذا على أصلنا أن الطلاق بالنساء يجعل [الأصل] المتفق عليه الرجعة في الحيضة الثالثة. وقد ألزم على هذه المسألة مسائل، منها:
إذا تزوجت بغير إذنه فأعتقها أنه لا خيار لها، وهذا لا يلزم؛ لأن العقد تم عليها [بعد الحرية] (٥) برضاها، وألزموا عليه المريض إذا زوج أمَته وقيمتها مائة ولا مال له غيرها بمهر مائتين، وأعتقها في مرضه أنه لا خيار لها، وهذا لا يلزم؛ لأن عندنا لها الخيار إلا أنه يتعذر استيفاؤه؛ لأنها لو اختارت [نفسها] سقط مهرها، وإذا سقط مهرها بطل عقدها، وإذا بطل عقدها بطل خيارها، فكان في استيفاء الخيار فسخه، يبيّن ذلك أن المريض لو ظهر له مال كان لها أن تختار، والخيار إنما يثبت بالعتق لا بظهور المال، وألزموا الحرة إذا تزوجت وهي مجهولة النسب ثم أقرت بالرق فأعتقها المُقر له، وهذا لا يلزم لأنا لم نحكم بالرق، ووقوع الحرية في حق الزوج وإنما [نحكم] (٦) بذلك في حقها.