← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ورثها من يحل [له] وطؤها، بطل النكاح الموقوف؛ لأن الاستباحة الصحيحة طرأت على الموقوفة، وإن ورثها من لا يحل له وطؤها، مثل أن يرثها جماعة أو يرثها ابنه، وقد كان الميت وطأ الجارية فللوارث الإجازة؛ لأنه لم تطرأ استباحة [صحيحة على استباحة] موقوفة [فبقي] (١) الموقوف بحاله، وكذلك إذا باعها المولى فالحكم في إجازة المشتري على الوجه الذي ذكرناه في الوارث. وعلى هذا قالوا فيمن تزوج جارية غيره بغير إذنه ووطئها فباعها المولى لرجل، ملك الإجازة؛ لأن وطء الزوج يمنع وقوع الإباحة للمشتري، [فلم تطرأ استباحة صحيحة على الموقوفة] وأما العبد إذا تزوج بغير إذن المولى ثم مات المولى أو باعه، فللوارث والمشتري الإجازة، لأنه لا يستباح بالملك، فلم يطرأ على الاستباحة الموقوفة ما ينافيها. ١٥٦٨ - [فَصْل: زواج العبد أو الأمة بغير إذن المولى فأعتقا] وإذا تزوج العبد أو الأمَة بغير إذن المولى فأعتقهما جاز النكاح، وذلك لأن لكل واحد منهما قولًا صحيحًا، وإنما لم ينفذ عقدهما لحق المولى، فإذا أعتقهما فقد زال حق المولى، فلم يبق إلا حقهما فجاز العقد. وقد قال أصحابنا: إنهما إذا أُعتقا جاز العقد بغير إجازة؛ لأن العتق أسقط حق المولى، فلم يبق إلا حق العبد فلم يقف عقده على إجازته، ولو لم يعتقه، ولكنه أذن له في النكاح لم يجز ذلك العقد إلا بالإجازة؛ لأن الإذن لم يسقط حق المولى، ألا ترى أنه يملك النهي، وإذا كان حقه ثابتًا، وإنما ملك العبد ما [جعله] إليه، صار العبد كهو فلا بد من الإجازة. والله أعلم.

стр. 1822

١٥٦٩ - [فَصْل: اقتضاء إذن المولى لعبده بالزواج] وإذا أذن المولى لعبده (١) أن يتزوج، لم يجز أن يتزوج إلا امرأة واحدة؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار بإطلاقه، فيفيد أدنى ما يتناوله الاسم. ١٥٧٠ - [فَصْل]: فإن قال تزوج ما شئت من النساء، جاز أن يتزوج اثنتين ولم يجز أكثر من ذلك؛ لأنه ملّكه النكاح عَامًا فملك منه جميع ما يملكه العبد. وقد قال أصحابنا: إن الحرّ لا يتزوج بأكثر من أربع لقوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، معناه: مثنى أو ثلاث أو رباع، ومن تأول ذلك على الجمع فقد غلط؛ لأن الزَجاج قال: هذا عِيّ من الكلام؛ لأن العرب إذا عبرت [عن تسعة لا يقولون اثنين وثلاثة وأربعة، إنما يقولون تسعة] (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] وإنما اختص رسول الله ﷺ بجواز زيادة العدد لفضيلته؛ لأنه كان يقدر على التسوية بينهن، فأما العبد فلا يتزوج أكثر من اثنتين، لما روي أن النبي ﵊ قال: "لا يتزوج العبد أكثر من اثنتين" (٣)، ولأنه حق من حقوق النكاح مقدر، (فللرق فيه تأثير) (٤) في نقصه كالقسم، ولأن النكاح بُني على التفاضل بدلالة أن رسول الله ﷺ لما كان أفضل

стр. 1823

الناس، جاز له من العدد ما لا يجوز لغيره، والحرّ أفضل من العبد، فوجب أن يتفاضلا في العدد. ١٥٧١ - [فَصْل: المهر إذا تزوّج نكاحًا فاسدًا] فإن تزوج العبد نكاحا فاسدًا ودخل [بها] لزمه المهر في الحال في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: بعد العتق. وجه قول أبي حنيفة: أنه أذن له في العقد، وإطلاق العقد يقتضي الصحيح والفاسد بدلالة الإذن في البيع، ولا يلزمه إذا حلف لا يتزوج أنه يحمل على الصحيح؛ لأن الأيمان لا تحمل على (الإطلاق) (١) وإنما تحمل على العرف، والمعتاد عن الامتناع من التزويج أن يمتنع مما يصح، يبين ذلك ما قالوا أنه لو حلف ما تزوج وقع على الصحيح والفاسد، فدل على أن المستقبل لمّا حُمل على الصحيح لم يحمل للإطلاق، وإنما حمل للعرف. وجه قولهما: أن غَرَض المولى بالإذن في التزويج أن يحصل لعبده الاستباحة ويعفه عن الزنا، وهذا المعنى موجود في الصحيح دون الفاسد. ١٥٧٢ - [فَصْل]: فإن أذن له في نكاح فاسد لزمه المهر في الحال في قولهم؛ لأنه مال لزمه بسبب إذن له فيه [فصار كسائر العرف] (٢).

стр. 1824

١٥٧٣ - [فَصْل: نكاح الأمة على الحرة] ولا يجوز نكاح الأمَة على الحرة، ويجوز نكاح الحرة على الأمَة وقد قدمنا ذلك، فإن جمعهما في عقد صح نكاح الحرة وبطل نكاح الأمَة؛ وذلك لأن [نكاح] الحرة والأمة ينفي نكاح إحداهما الأخرى، ولا تنفي الأمَة الحرة، فإذا جمع بينهما فكل واحدة منكوحة على الأخرى، ولو نكح الأمَة على الحرة على الانفراد بطل نكاحها، ولو نكح الحرة على الأمَة على الانفراد صح نكاحها، فإذا جمع بينهما صح ما يصح على الانفراد وبطل ما يبطل على الانفراد، وليس [كذلك الأختين] (١) لأن نكاح كل واحدة منهما ينفي نكاح الأخرى، فإذا جمع بينهما تنافيا جميعًا. ١٥٧٤ - [فَصْل: عتق الأمة بعد النكاح] قال: إذا أعتقت الأمَة بعد صحة نكاحها فلها الخيار، وقال الشافعي: إن كان زوجها حرًا فلا خيار لها، وإن كان عبدًا فلها الخيار (٢). لنا: قوله ﷺ لبريرة: "ملكتِ بضعكِ فاختاري" (٣)، فجعل العلة المثبتة للخيار معنى فيها، وعند مخالفينا الخيار يثبت لمعنى [في] الزوج [لا فيها]، ولأنها ملكت نفسها بالحرية بعد تمام العقد عليها فصار كما

стр. 1825

لو كان زوجها عبدًا، [ولأنّ] (١) مخالفنا يثبت الخيار لعدم (٢) الكفاءة من جهة الزوج، وعدم الكفاءة في حال البقاء لا يؤثر في النكاح، ولأن ما يوجب النقص إذا وقع به [الرضا بالعقد] (٣) لم يثبت فيه الخيار من بعد، كالفسق وعدم النسب والمال، ولأنه استفاد بحريتها زيادة ملك عليها لم يملكها بعقد النكاح: وهي التطليقة الثالثة، فكان لها الامتناع من التزام ذلك، (كما فيما إذا كان عبدًا) (٤)، وهذا على أصلنا أن الطلاق بالنساء يجعل [الأصل] المتفق عليه الرجعة في الحيضة الثالثة. وقد ألزم على هذه المسألة مسائل، منها: إذا تزوجت بغير إذنه فأعتقها أنه لا خيار لها، وهذا لا يلزم؛ لأن العقد تم عليها [بعد الحرية] (٥) برضاها، وألزموا عليه المريض إذا زوج أمَته وقيمتها مائة ولا مال له غيرها بمهر مائتين، وأعتقها في مرضه أنه لا خيار لها، وهذا لا يلزم؛ لأن عندنا لها الخيار إلا أنه يتعذر استيفاؤه؛ لأنها لو اختارت [نفسها] سقط مهرها، وإذا سقط مهرها بطل عقدها، وإذا بطل عقدها بطل خيارها، فكان في استيفاء الخيار فسخه، يبيّن ذلك أن المريض لو ظهر له مال كان لها أن تختار، والخيار إنما يثبت بالعتق لا بظهور المال، وألزموا الحرة إذا تزوجت وهي مجهولة النسب ثم أقرت بالرق فأعتقها المُقر له، وهذا لا يلزم لأنا لم نحكم بالرق، ووقوع الحرية في حق الزوج وإنما [نحكم] (٦) بذلك في حقها.

стр. 1826

١٥٧٥ - [فَصْل: المكاتبة إذا تزوجت بإذن المولى] وقد قال أصحابنا في المكاتبة: إذا تزوجت بإذن المولى ثم أدَّت فعتقت أن لها الخيار؛ لأنها ملكت نفسها بالحرية بعد تمام العقد عليها كالأمَة، وقال زفر: لا خيار لها لأنها ملكت بدل بضعها كالحرة، وهذا ليس بصحيح؛ لأنها لم تملك بدل بضعها بعقد النكاح، وإنما ملكته بعقد الكتابة، فالمعتبر في سقوط الخيار أن يسلم لها البدل بعقد النكاح، فأما إذا سلم بغيره لم يمنع ثبوت الخيار، كما لو زوج المولى أمَته على طعام وأذن لها في أكله، [وإذا أعتقها ووهب لها مهرها]. ١٥٧٦ - [فَصْل: في الرق إذا طرأ على النكاح ثم أعتقت] وقد قال أبو يوسف: في الرّق إذا طرأ على النكاح ثم أعتقت ثبت لها الخيار، كالحربية إذا تزوجت ثم سبيت فأعتقت، والمسلمة إذا تزوجت ثم ارتدت مع زوجها ولحقا بدار الحرب، فأخذا معًا فاسترقت ثم أعتقت إن الخيار لها ثابت. وقال محمد: إذا لم يثبت العقد على وجه يوجب الخيار لم يثبت لها الخيار بالعتق، وعلى هذا الخلاف جوّز أبو يوسف أن يثبت خيار العتق في العقد مرة بعد مرة مثل أن تعتق فتختار الزوج، ثم تسترق فتعتق فتختار نفسها. وقال محمد: لا يثبت بالرق الثاني الخيار. وجه قول أبي يوسف: أن العتق سبب للتخيير، فصار كقوله لها: اختاري. وجه قول محمد: أن (العتق) (١) وقع غير موجب للخيار فلا يتعلق به خيار

стр. 1827

لم يثبت سببه في حال العقد، كالكفاءة إذا زال سببها. ١٥٧٧ - [فَصْل: خيار المخيرة في المجلس] وقد قالوا: إن الخيار للمخيّرة في المجلس الذي تعلم فيه بالعتق، وبأن لها الخيار؛ وذلك لأنه خيار تملك فيقف على المجلس كخيار القبول. قالوا: فإن علمت بالعتق ولم تعلم بالخيار [في ذلك المجلس] ثم علمت أن لها الخيار في مجلس آخر، فلها أن تختار في ذلك المجلس، وإن كان قد وطئها فيما بين المجلسين؛ لأن سبب هذا الخيار تملكها لبضعها بعد أن لم تكن مالكة، [والخيار إذا ثبت بملك طارئ] (١) على النكاح اعتبر العلم بالتمليك، كقوله: اختاري. ١٥٧٨ - [فَصْل: الفرقة التي لا تكون طلاقًا] قال: وهي فُرقة بغير طلاق؛ لأنها تتعلق بسبب من جهة المرأة والفرقة متى كانت بهذه الصفة لم تكن طلاقًا؛ لأن المرأة لا تملك الطلاق ولا تفتقر إلى حكم الحاكم؛ لأنه خيار طارئ على النكاح كاختيار المخيرة (٢). والله أعلم بالصواب.

стр. 1828

بَابْ: نكاح أهل الذمة قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل نكاح جائز بين المسلمين فهو جائز بين أهل الذمة، والكلام في هذا الفصل يقع في جواز أنكحتهم، وقد دللنا على ذلك فيما مضى، فأما صحة أنكحتهم التي تقع على وجه يصح من المسلمين؛ فلأن الناس كلهم في الشريعة سواء إلا ما خص بدليل، ولهذا قال ﷺ : "خطابي للجماعة"، وقال: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (١)، فأما ما حرم على المسلمين من العقود فإنها تنقسم في حقهم، فعند أبي حنيفة: كل نكاح يفسد بين المسلمين [لفقد] (٢) شرط، فإنه يصح منهم كالنكاح بغير شهود، ونكاح الذمية في عدة ذمي، وما كان الفساد فيه لمعنى في نفس المعقود عليه أو كان من طريق الجمع، فإنه فاسد في حقهم، فالأول: مثل نكاح ذوات المحارم، والثاني: مثل الجمع بين الخامسة والأختين والزوجين وإن سبيت. قلت: كل نكاح فسد بين المسلمين لمعنى يستوي فيه الابتداء والبقاء فسد في حقهم، وما فسد في حق المسلمين لمعنى يختلف فيه الابتداء والبقاء، فإنه لا يفسد في حقهم. وقال أبو يوسف: ما فسد في حق المسلمين فسد في حقهم إلا النكاح بغير شهود، فكأنه يعتبر الفساد المجمع عليه.

стр. 1829

وقال محمد: ما فسد في حق المسلمين فسد في حقهم إلا النكاح بغير شهود، والجمع بين أكثر من أربعة والجمع بين الأختين. وقال زفر: ما فسد في حق المسلمين فسد في حقهم. والكلام يقع مع زفر في الذمي إذا تزوج بغير شهود ثم أسلم. قال أصحابنا: يقر على نكاحه، وقال زفر: لا يقر. لنا: أن الشهادة تعتبر في ابتداء النكاح حقًا لله تعالى، والكافر لا يخاطب بحقوق الله تعالى في أحكام الدنيا، وفي حال البقاء الشهادةُ غير معتبرة بدلالة موت الشهود، ولأن أهل الذمة إذا التزموا أحكامنا بالذمة لم يلتزموها على اختلافها، فإذا كان هذا [النكاح] يصح بين المسلمين بوجه فلأن يصح من الكفار أولى. وجه قول زفر: أنه نكاح فاسد، فيستوي فيه المسلم والذمي كنكاح ذوات المحارم. ١٥٧٩ - [فَصْل: زواج الذمي ذمية أثناء عدتها] وأما إذا تزوج الذمي ذمية في عدة من ذمي جاز النكاح عند أبي حنيفة، فإن أسلما أقرا عليه. وقال أبو يوسف ومحمد وزفر: النكاح فاسد. وجه قول أبي حنيفة: أن العدة تؤثر في ابتداء النكاح، ولا تمنع البقاء كالشهادة؛ ولأن العدة تجب لحق الله تعالى ولحق الزوج، فما كان من حق الله فالذميان لا يخاطبان به في أحكام الدنيا، وما كان من حق الزوج فإنه لا يعتقده

стр. 1830

حقًا، فسقطت العدة في ابتداء (العقد) (١) فلم يجز أن يؤثر فيه حال البقاء، وليس كذلك إذا تزوجها في عدة من مسلم؛ لأن المسلم يعتقد العدة حقًا فتجب [العدة] لأجله فيمنع العقد. وجه قولهم: أن النكاح في حال العدة مجمع على تحريمه كنكاح ذوات المحارم. ١٥٨٠ - [فَصْل: نكاح ذوات المحارم] وأما نكاح ذوات المحارم فهو فاسد؛ لأن الفساد في نفس المعقود عليه، ولأنه يستوي فيه الابتداء والبقاء إلا أن عند أبي حنيفة لا يعترض عليهم فيه إلا أن يترافعوا إلينا أو يسلم أحدهم. وقال أبو يوسف: أفرق بينهم، ترافعوا أو لم يترافعوا. وقال محمد: إن ارتفع أحدهما فرقت وإلا لم أفرق. وجه قول أبي حنيفة ومحمد إذا لم يترافعوا: (أن النبي ﷺ كتب إلى مجوس هجر: "إما أن تذروا الربا أو تأذنوا بحرب من الله" (٢)، ولم يكتب إليهم في أنكحتهم، وفتح المسلمون بلاد فارس ولم يعترضوا في الأنكحة، والذي روي (أن عمر ﵁ كتب أن يفرق بينهم وبين أمهاتهم) لو ثبت لنقل من طريق الاستفاضة، فلما لم ينقل دل على أنه لم يثبت، أو يكون كتب به ورجع عنه فلم

стр. 1831

يعمل عليه، ولأنه أمر يعتقدونه دينًا وليس فيه ضرر علينا فصار ككفرهم. وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، [والله تعالى لم ينزل نكاح الأمهات] ولأن جميع الناس في أحكام الشريعة سواء، [إلا أن يقوم دليل] ولو استطعنا [لتتبعنا] (١) دار الحرب بأحكامنا، إلّا أنه لا يمكن [فوجب إجراؤها] في دار الإسلام. ١٥٨١ - [فَصْل: الفرقة إذا رضي أحدهم بحكمنا] وأما إذا رضي أحدهم بحكمنا، قال أبو حنيفة: لا يفرق بينهم، وقال محمد: يفرق. وجه قول أبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فعلق الحكم بشرط وهو اجتماعهم عليه، ولأن ترك الاعتراض حق لهما، فإذا طلب أحدهم حكمنا فقد أسقط حق نفسه فبقي حق الآخر بحاله. وجه قول محمد: أن الطالب بحكمنا ملتزم له، فصار كما لو أسلم. ١٥٨٢ - [فَصْل: إقامة الذمي مع مطلقته ثلاثًا] وأما إذا طلق الذمي امرأته ثلاثًا أو خالعها ثم أقام عليها، فإنه يمنع منها وإن لم يترافعا؛ وذلك لأنه طرأ بعد العقد ما أوجب إسقاط حقه عنها، فلا يقر على المقام بغير عقد كما لا يقر على الزنا. ١٥٨٣ - [فَصْل: زواج الذمي بلا مهر] قال أبو حنيفة: إذا تزوج الذمي الذمية على أن لا مهر لها، صَحَّ ذلك

стр. 1832

ولا شيء لها وإن أسلمت، وقال أبو يوسف ومحمد: لها مهر مثلها. وجه قول أبي حنيفة: أن المهر ثبت في ابتداء النكاح لحق الله ولحق الزوجة، فما كان من حق الله تعالى فهما لا يخاطبان به، وما كان من [حقها] (١) فقد أسقطته، فلو اعتبر المهر لاعتبر في حال البقاء مع رضاها بإسقاطه، وهذا لا يصح كما لو [أبرأت] (٢) من مهرها بعد تسميته، ولا يلزم إذا تزوجها على خمر أو خنزير، لأنها لم ترض بإسقاط حقها من البدل حين سَمّت ماله قيمة عندها. (وقد قال في الأصل: ولو تزوجها بميتة أو دم أو بغير شيء؛ كان لها مهر مثلها، وهذا محمول على أنه سكت عن التسمية، والسكوت ليس برضًا منها بإسقاط حقها) (٣). وجه قولهما: أن أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام، فما أجمع عليه [المسلمون] لزمهم حكمه، [وثبوت] (٤) المهر في النكاح مجمع عليه، فلا يسقط بإسقاطهم. ١٥٨٤ - [فَصْل: الزواج على ميتة أو بغير شيء] وقد ذكر في الأصل: إذا تزوجها على ميتة أو دم أو بغير شيء فالنكاح جائز، ولها مهر مثلها، وظاهر قوله: (أو بغير شيء) السكوت عن التسمية (لا) (٥) أنه نفاها.

стр. 1833

(وقال) (١) في الجامع الصغير: إذا تزوجها على ميتة أو دم فلا شيء لها، وحكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن أنه قال: قياس قول أبي حنيفة أن لا يثبت لها المهر كما لو (نفياه) (٢)، ومن أصحابنا من فرق بين الموضعين فقال: إذا تزوجها على أن لا مهر لها فلا مهر، وإن سكت عن التسمية فلها المهر، وتأول ما ذكره في النكاح على أنه سكت [عن التسمية؛ لأنه نفاه]، والفرق بينهما: أن المهر يثبت في العقد لحق الله تعالى وحقها، وإنما يسقط بالنفي، والسكوت ليس بنفي فبقي المهر متعلقًا بالعقد، وأما إذا تزوجها على ميتة أو دم فقال: لها [مهر مثلها] (٣) رواية واحدة؛ لأنها لم ترض باستحقاق (بضعها) (٤) إلا ببدل، فصارت كالمسلمة. ويتأول ما ذكره في الجامع الصغير على الحربيين فيكون جامعًا بينهما، وما ذكره في الأصل [حمل] (٥) على الذميين، ومنهم من جعل ما ذكره في الجامع مخالفًا لما ذكره في الأصل. فوجه رواية الأصل ما ذكرنا أنها لم ترض باستحقاق بضعها إلا ببدل، فلم يجز استحقاقه على غير الوجه الذي رضيت به. ووجه رواية الجامع: أنها لما رضيت بالميتة ولا قيمة لها صار ذلك رضًا باستحقاق بضعها بغير بدل، فكأنها قالت: على أن مهر لي.

стр. 1834

١٥٨٥ - [فَصْل: نكاح أهل الذمة فيما اختلفت شرائعهم] ويجوز نكاح أهل الذمة بعضهم لبعض [وإن اختلفت شرائعهم] (١)؛ وذلك لأن الكفر ملة واحدة بدلالة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦] فجعل لهم دينًا واحدًا، ولأنه يجمعهم اعتقاد واحد يقرون عليه، وهو التكذيب برسول الله ﷺ ، فصار كاليهود المختلفين فيما بينهم. والله أعلم. ١٥٨٦ - [فَصْل: الفرقة في إسلام أحد الذميين] قال: وإذا أسلم أحد الذميين لم تقع الفرقة حتى يعرض الحاكم على من لم يسلم الإسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما. قال: وجملة هذا أن المرأة إذا أسلمت في دار الإسلام عرض الحاكم على زوجها الإسلام، فإن أسلم وإلا فرق بينهما، وإن أسلم الزوج، فإن كانت الزوجة كتابية فالنكاح بحاله؛ لأنه يصح الابتداء به، وإن كانت مجوسية أو وثنية عرض الحاكم عليها الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما، وقال الشافعي: إذا أسلم أحد الزوجين بعد الدخول لم تقع الفرقة حتى تمضي ثلاث حيض، فإن أسلم الآخر قبل مضيها فالنكاح بحاله، وإن لم يسلم بانت بمضيها (٢). لنا: (ما روي أن رجلًا من بني تغلب أسلمت امرأته، فعرض عليه عمر ﵁ الإسلام فامتنع ففرق بينهما)، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف، ولأنه إسلام طارئ على نكاح ذميين فلا تقع الفرقة فيه بمضي [ثلاث حيض] (٣)، كما

стр. 1835

لو كانت المرأة كتابية، أو كما لو أسلما أو كإسلام الزوج الصغير. ١٥٨٧ - [فَصْل: الفرقة في إسلام أحد الزوجين بدار الحرب] وأما إذا أسلم أحد الزوجين في دار الحرب فإن الفرقة تقف على مضي ثلاث حيض، فإذا مضت وقعت الفرقة، وتجب العدة بعد مضيها على قول من يوجب العدة على امرأة الذمي؛ وذلك لأن عرض الإسلام يتعذر في دار الحرب، ولا يجوز أن تقع الفرقة بالإسلام؛ لأنه مصحح للعقود فلا تبطل ولا تقع بالكفر؛ لأن ابتداء العقود صح معه فلأن لا ينافي البقاء أولى، فاحتجنا إلى معنى طارئ يتعلق به الفرقة ليقوم مقام عرض الإسلام، وما ذلك إلا مضي مدة العدة، فإذا مضت صار كتفريق الحاكم، فإن كان الزوج في دار الحرب ثم خرجت إلينا فتمت (١) الحيض، وجبت العدة بعدها عند أبي يوسف ومحمد. ١٥٨٨ - [فَصْل: التفريق بين الزوجين إذا أبت المرأة الإسلام] وإذا أبت المرأة الإسلام فرق القاضي [بينهما] وكانت فرقة بغير طلاق؛ لأنها فرقة بفعل المرأة، والمرأة لا تملك الطلاق، وأما إذا أسلمت المرأة وأبى الزوج؛ فرق القاضي بينهما، وكان ذلك طلاقًا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: ليس بطلاق. وجه قولهما: أنها فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج طارئ على النكاح مختص به فصار كلفظ الطلاق. وجه قول أبي يوسف: أنها فرقة يشترك (في سببها الرجل والمرأة) (٢) كفرقة

стр. 1836

الرضاع، وهذا يبطل بالخلع. ١٥٨٩ - [فَصْل: أثر الردة في الفُرقة] وأما الردة: فعند أبي حنيفة وأبي يوسف أنها توجب فرقة بغير طلاق. وقال محمد: (إذا ارتد الرجل فردته طلاق) (١)، أما أبو حنيفة فيقول: هذه الفرقة تتعلق بسبب غير مختص بالنكاح، ألا ترى أن الأحكام المتعلقة بالردة يتعلق بها النكاح (وغيره) (٢)، والطلاق ما اختص بالنكاح، وليس كذلك الإباء؛ لأنه يتعلق بسبب مختص بالنكاح، ألا ترى أن عرض الإسلام على الإنسان لإسلام غيره لا يكون إلا في النكاح. وأما أبو يوسف فأصله: أن الطلاق فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج لا توجب تحريمًا مؤبدًا ولا تتعلق بالدين، وأما محمد فيقول: كل فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج [لا توجب] تحريمًا مؤبدًا فهي طلاق كقوله: أنت طالق. ١٥٩٠ - [فَصْل: أثر الفُرْقة في بقاء النكاح] والفرقة في هذا كله بائنة لأنا نوقع الفرقة حتى لا يبقيا على النكاح الذي لا يجوز البقاء عليه، فلو لم تكن الفرقة [بائنة] (٣) لبقيا على النكاح، وهذا لا يصح. والله أعلم بالصواب، وإليه المآب.

стр. 1837

بَابْ: المهر الذي يجوز بين أهل الذمة قال أبو الحسن: ما جاز بين المسلمين من المهر فهو جائز بين أهل الذمة، وهذا لما بينا أن أحكامنا تجري عليهم، فما جاز بيننا فهو بينهم أجوز، وما لا يجوز بين المسلمين لم يجز بينهم إلا الخمر والخنزير؛ وذلك لأنها مالٌ لهم فيجوز أن تكون مهرًا في حقهم كالشاة والعصير في حق المسلمين، فإن [أسلما أو] أسلم أحدهما والمهر لم يقبض وهو بعينه، فعند أبي حنيفة ليس لها إلا العين، وقال أبو يوسف: مهر المثل، وقال محمد: القيمة. وجه قول أبي حنيفة: أنها ملكت الخمر وتم ملكها فيها، بدلالة جواز تصرفها من جميع الجهات، والسبب الموجب لتسليمها [وهو النكاح] لا ينفسخ بالإسلام، فصارت كالخمر المغصوبة. وجه قول أبي يوسف: أن الإسلام الطارئ على العقد على الخمر قبل القبض يصير كالموجود في الابتداء، أصله عقد البيع. وجه قول محمد: أن التسمية فيها قد صحت وقد تعذر (القبض) (١) بالإسلام؛ لأن المسلم لا يجوز له أن يتمم الملك في الخمر بالقبض، وتعذُّر التسليم بعد صحة التسمية يوجب القيمة كهلاك المهر.

стр. 1838

١٥٩١ - [فَصْل: القيمة في المهر إذا تعذر التسليم] وأما إذا كان ذلك في الذمة فالقياس عند أبي حنيفة: أن تجب القيمة فيها وهو قول محمد وزفر؛ وذلك لأن التسمية صحت وتعذر التسليم، ألا ترى أن في تسليم الخمر تمليكها بما في الذمة، والمسلم لا يجوز له [تمليك] (١) الخمر ولا [تملكها] (٢)، فإذا تعذر التسليم وجبت القيمة كالهلاك، وإنما استحسن أبو حنيفة فقال: يجب في الخمر القيمة، وفي الخنزير مهر المثل؛ لأن الإسلام أوجب تغيير التسمية وقد كان الزوج مخيرًا قبل الإسلام بين تسليم الخنزير وتسليم قيمته، على أصلنا فيمن تزوج على حيوان فلو أوجبنا القيمة بعد الإسلام لم تتغير التسمية [في الخنزير؛ لأن قيمته تحكي عينه] وهذا لا يصح. وقال أبو يوسف: يجب مهر المثل فيهما؛ لأن الإسلام الطارئ على التسمية قبل القبض، كالموجود في الابتداء، أصله البيع. ١٥٩٢ - [فَصْل: قبض المهر المحرم] وإن كانت مقبوضة فلا شيء للمرأة؛ لأنه طرأ على العقد بعد القبض ما أوجب تحريم مثله، فصار كنزول تحريم الربا، لأن النبي ﷺ لم (يتعرض) (٣) للمقبوضة منه، [لهذا المعنى، كذلك هذا] (٤). والله تعالى أعلم.

стр. 1839

بَابْ: نكاح أهل الحرب قال الشيخ ﵀: كل عقد إذا عقده الذمي كان فاسدًا، إذا عقده الحربي كان فاسدًا؛ لأن المعنى [المفسد] (١) في الذمي أن التحريم يستوي فيه الابتداء [والبقاء] وهذا المعنى موجود في الحربي. ١٥٩٣ - [فَصْل: زواج الكافر بخمس نسوة أو بأختين ثم يسلم] وأما إذا تزوج الكافر بخمس نسوة أو بأختين ثم أسلم، فإن كان تزوجهن في عقدة؛ فُرق بينه وبينهن، وإن كان تزوجهن في عُقَدٍ صح نكاح الأول وبطل نكاح الآخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: يختار أربعة منهن وواحدة من الأختين، سواء تزوجهن في عقدة، أو عُقود استحسانًا. وجه قولهم: أنه تحريم من طريق الجمع فلا يخير فيه بعد الإسلام كالجمع بين الزوجين، ولأن كل اعتراض ثبت في النكاح لأجل الإسلام لم يخير فيه كنكاح ذوات المحارم، ولأنه عقد يعترض عليه لأجل الزيادة فيجب الاعتراض على جميعه كما لو باع درهمًا بدرهمين. وأما محمد: فاستحسن لما رُوي (أن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره رسول الله أن يختار منهن أربعًا) (٢)، (وقيس بن الحارث أسلم وتحته ثمان

стр. 1840

نسوة، فأمره رسول الله أن يختار منهن أربعًا) (١)، (وفيروز الديلمي أسلم وتحته أختان، فخيره رسول الله بينهما) (٢)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن العقد وقع في حال الإباحة، ألا ترى أن في خبر غيلان أسلم وقد تزوج في الجاهلية، وقال مكحول: كان ذلك قبل نزول الفرائض وتحريم الجمع، ثبت بسورة النساء وهي مدنية، يبين ذلك ما روى فيروز لما هاجر إلى رسول الله ﷺ قال له: إن تحتي أختين، فقال: "ارجع فطلق إحداهما"، وهذا يدل على أن العقد وقع صحيحًا في الأصل. ١٥٩٤ - [فَصْل: استرقاق الحربي بعد زواجه بأربع نسوة] وعلى هذا الخلاف إذا تزوج الحربي أربع نسوة ثم استرق، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يفرق بينه وبينهن؛ لأن التزويج وقع مع تحريم الأربع على العبد، وإذا فسد العقد لمعنى مقارن لم يخير. وعند محمد: يخير فيه، كما يخير (الحرّ) (٣) في أربعة من نسائه. ١٥٩٥ - [مَسْألة: الفُرقة في اختلاف الدارين] وقد قال أصحابنا: إن اختلاف الدارين يوجب الفرقة، فإذا خرجت المرأة مسلمة وتركت زوجها كافرًا (في دار الحرب) (٤) بانت منه، وكذلك إذا خرج الزوج مسلمًا وتركها كافرة في دار الحرب [بانت منه] (٥)، وقال الشافعي: لا تقع

стр. 1841

الفرقة باختلاف الدارين (١). لنا: أنه لو غلب على بضعها غيرها مراغمًا لزوجها زال ملك الزوج عنه، فكذلك إذا غلبت عليه وحازته كالرق، ألا ترى أن من غلب على عبد الحربي وأحرزه مراغمًا لمولاه زال ملك المولى [منه، فإذا غلب العبد على رقه مراغمًا وحازه، زال ملك المولى] (٢). ١٥٩٦ - [فَصْل: العدة إذا خرجت الزوجة] وإن كانت المرأة هي التي خرجت فلا عدة عليها، وقالا: عليها العدة، وقد قدمنا ذلك. ١٥٩٧ - [فَصْل: العدة إذا خرج الزوج] وإن كان الزوج هو الذي خرج؛ فلا عدة على المرأة في قولهم؛ لأنها حربية في دار الحرب فلا تجري الأحكام عليها. ١٥٩٨ - [فَصْل: الفرقة إذا خرج أحدهما ذميًّا] وإن خرج أحدهما ذميًا وقعت الفرقة؛ لأنه صار من [أهل دار الإسلام كالمسلم، ولو خرج بأمان لم تقع الفرقة؛ لأنه مبقًى على حكم دار الحرب] فصار كأنهما في دار الحرب. ١٥٩٩ - [فَصْل: الفُرْقة في وقوع السَّبْيِ على الزوجين أو أحدهما] وإذا سُبِي الزوجان معًا لم تقع الفرقة، وقال الشافعي: تقع الفرقة.

стр. 1842

لنا: أنه لم يختلف بهما دين ولا دار فصارا كالمسلمين. ١٦٠٠ - [فَصْل: سبي أحد الزوجين] وإن سبي أحدهما بانت، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، نزلت في سبايا أوطاس لما امتنع المسلمون من وطء النساء لأجل أزواجهن. ١٦٠١ - [فَصْل: العدة على المسبية] ولا عدة عليها لأن النبي ﵇ أوجب على المسبيّة الاستبراء. ١٦٠٢ - [مَسْألة: حال وقوع البينونة في الردة] وإذا ارتد أحد الزوجين وقعت البينونة بينهما في الحال، وقال الشافعي: إن كانت [الردة] بعد الدخول لم تقع الفرقة إلا بمضي الحيض (١). لنا: أنه زوال ملك متعلق بالردة فلا يتأجل، كزوال ملك المرتد عن دمه، ولا يلزم زوال ملكه عن ماله؛ لأنه لا يتأجل عند أبي حنيفة بل يزول في الحال، وإنما عوده مراعىً ولا يقال: إن المرتد يؤجل ثلاثة أيام يُعرض عليه الإسلام فيها؛ لأن ملكه عن دمه زال في الحال، وحكمنا بإباحته، وإنما يستحب [الإنظار] (٢) في قتله. ١٦٠٣ - [فَصْل: الفرقة في ارتداد الزوجين معًا] وإذا ارتد الزوجان معًا لم تقع الفرقة بينهما، فإن أسلما كانا على نكاحهما

стр. 1843

استحسانًا، والقياس: أن تقع الفرقة بردتهما، وهو قول زفر ووجهه: أن ردة أحدهما توجب البينونة فردتهما أولى. [وجه] الاستحسان: أن العرب ارتدوا بعد رسول الله ﷺ ثم أسلموا فلم يفرق الصِّدِّيق بينهم وبين نسائهم بحضرة الصحابة من غير خلاف. ولا يقال: فمن أين أنهم ارتدوا معًا؛ لأن كل أمرين [حادثين] لا يعلم تاريخ ما بينهما يحكم بوقوعهما معًا كالغرقى؛ ولأنه لم يختلف بهما دِينٌ ولا دار، والفرقة لأجل الدين تقع بالاختلاف فيه. ١٦٠٤ - [فَصْل: الفرقة في حال انتقال الكتابي إلى دين آخر] وقد قال أصحابنا: إذا انتقل الكتابي من دِينٍ إلى دِينٍ لم يعترض عليه. وقال الشافعي: لا يُمَكَّن من البقاء على الدين الذي انتقل إليه، إلا أن يسلم أو يعود إلى دينه، فإن لم يفعل حتى مضت الحيض وقعت الفرقة، وصار كالمرتد (١). لنا: أنه تبديل دين لا يوجب زوال الملك، فلا يوجب الفرقة كإسلام الزوجين، ولأن النصراني إذا انتقل إلى اليهودية فقد اعتقد التوحيد، فلو منعناه من ذلك وأقررناه على النصرانية إذا أظهرها؛ لكنا نلزمه ترك القول بالتوحيد واعتقاد التثليث وهذا لا يصح (٢). والله أعلم بالصواب وإليه المآب.

стр. 1844

بَابْ: القَسْم قال أبو الحسن: القسم بين النساء الحرائر سواء مسلمات كُنّ أو كتابيات، والأصل في وجوب التسوية في القسم: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وهذا يدل على وجوب العدل بين النساء في القَسم، وقد قال الشافعي في تأويل هذه الآية: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: معناه: ([لا] (١) تكثر عيالكم) (٢). وهذا خطأ فاحش مخالف لأقوال الخلف والسلف؛ لأن السلف قالوا معناه: ألا تميلوا، وهو غلط في اللغة؛ لأنه لو كان المراد ما قاله لقال: ألا تعيلوا، وهذا خطأ في المعنى؛ لأن المنع من تزويج ما زاد على الواحدة، لو كان لخوف العيال لم يبح ملك اليمين بغير عدد، ونفقة الإماء واجبة كنفقة الحرائر، فدل على أن المراد بالآية: الخوف من الميل في القَسم الذي يسقط اعتباره في الإماء؛ ويدل على وجوب التسوية في القَسم ما روت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بيننا فيعدل في القسم ويقول: "اللهم هذا فيما أملك فلا تؤاخذني بما تملك ولا أملك" (٣)، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من

стр. 1845

كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى، جاء يوم القيامة وشقه مائل" (١). ١٦٠٥ - [فَصْل: القَسْم في الكتابية] ويستوي في القسم المسلمة والكتابية؛ لأنهما لا يختلفان في أحكام النكاح، ولأنهما يستويان في السبب الذي أوجب القسم وهو النكاح، (ألا ترى أن الذمية يجوز أن يتزوجها قبل المسلمة وبعدها ومعها، والأمَة والحرة لا يستويان في السبب الموجب للقسم؛ لأن الأمة لا يجوز أن يتزوجها بعد الحرة ولا معها فلم يتساويا في القسم) (٢). ١٦٠٦ - [فَصْل: القَسْم في الحرة والأمة] قال: وللحرة يومان وللأمة يوم، لما روي عن علي ﵇ أنه قال: للحرة الثلثان من القسم وللأمَة الثلث، فإذا سافر فلا قسم عليه، وذلك لأن الرجل لا يلزمه استصحاب المرأة في سفره، (فلا يجب القسم) (٣) لها، والذي روي (أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه) (٤)، [إنما كان يفعل يطيّب] قلوبهن حتى لا يظن به الميل إلى إحداهن، وإذا لم يثبت للنساء حق [السفر] لم

стр. 1846

يقسم لمن لم يسافر بها. وقال الشافعي: إن سافر بغير قرعة (قسم للتي لم يسافر بهن) (١)، وهذا غلط؛ لأن من ثبت حقها في القسم لم يختلف في القرعة وغيرها كحال الإقامة، (والصحيح والمريض في ذلك سواء) (٢)؛ (لأن النبي ﷺ استأذن نساءه في مرض موته أن يكون في بيت عائشة ﵂) (٣)، فدل على ثبوت حقهن. والبكر والثيب في القسم سواء، وكذلك المنكوحة ابتداءً وغيرها؛ لأنهن يتساوين في حقٍ حال البقاء فتساوين في حال الابتداء، كما لو تزوجهن في عقد واحد وهن أبكار، فإن اصطلح النساء في ذلك على شيء جاز، وإن رضيت امرأة بترك قسمتها جاز، لما روي (أن سودة بنت زمعة لما أَسنَّتْ وفَرقت أن يفارقها ﷺ جعلت يومها لعائشة) (٤) فنزلت ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]، فإن رجعت بعد ذلك وطلبت القَسْمَ فلها ذلك، لأنها أسقطت حقًا لم يجب فلم يسقط بإسقاطها، كالديون التي لم تجب. وبالله التوفيق اهـ (٥). [آخر كتاب النكاح. ولله الحمد والمنَّة، والصلاة والسلام على رسوله] (٦).

стр. 1847

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٣٩] كتاب الطلاق قال الشيخ رحمه الله تعالى: الطلاق في اللغة: عبارة عن إزالة [اليد] (١)، هو مأخوذ من الإطلاق، يقول: أطلقت إبلي وأسيري وطلقت امرأتي، فالجميع باب واحد، وإنما فصلوا بين اللفظين لاختلاف المعنيين، فقالوا في المرأة طلاق، وفي غيرها إطلاق، وهذا كقولهم حَصان وحِصان وكلاهما مأخوذ من المنع إلا أنهما قالوا حِصَان في الفرس، وحَصَان في المرأة، وكذلك عَدل وعِدل كلاهما من المعادلة إلا أنهم خصوا أحد الاسمين بالآدمي والآخر بما سواه. والطلاق في الشرع: عبارة عن المعنى الموضوع لحَلِّ النكاح، والدليل على وقوعه قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [وقوله ]: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وقال ﷺ : (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي) (٢)، ولأن الاستباحة ملك للزوج ولا حق لأحدٍ فيه، والمالك الصحيح القول يملك إزالة ملكه كسائر (أملاكه) (٣). وقد قال أصحابنا: إن الطلاق موضوع لحل عقد النكاح، فزوال الملك يعقبه إذا كان طلاقًا قبل الدخول أو بائنًا، وإن كان [طلاقًا] رجعيًا وقف على

стр. 1848

انقضاء العدة، والدليل على ذلك: ما قالوا فيمن قال لامرأته قبل الدخول: يا زانية أنت طالق، إنه لا حَدَّ عليه ولا لِعَان، ومعلوم أن اللِعَان يسقط بزوال الملك، فلو كان قوله: أنت طالق لا يُزيل الملك لوجب عليه الحد؛ لأن اللعَان متى تعذر بفعل الزوج انتقل حدًا مثل تكذيبه نفسه، فلما لم يجب الحد، دَل على أن زوال الملك يكون عقيب انحلال النكاح (بالطلاق حكمًا) (١)، واللعَان متى سقط من طريق الحكم لم يجب الحد. قال: والطلاق على ضربين: طلاق سُنَّةٍ، وطلاق بِدْعَةٍ، ثم السنة على ضربين: سنة في العَدَدِ، وسنة في الوَقْتِ، فالسنة في العدد: يستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها، والسنة في الوقت: يختلف فيها المدخول بها وغير المدخول بها. فأما السنة في العدد فقال أصحابنا: أحسن الطلاق أن يطلق الرجل امرأته واحدةً في طُهرٍ لم يجامعها فيه، ثم يتركها حتى تنقضي عدتها. والأصل في ذلك: ما روى بشر بن الوليد قال: أخبرنا أبو يوسف عن عبيدة الضبي عن إبراهيم النخعي (أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يستحبون أن لا يُطلقوا للسنة إلا واحدة ثم لا يطلقوا غير ذلك حتى تنقضي العدة). وفي خبر آخر: (فكان ذلك أحسن عندهم من أن يطلق الرجل [المرأة] ثلاثًا في ثلاثة أطهار)؛ ولأن هذا الطلاق أبعد من الندم، وكلما بَعُدَ الطلاق من الندم كان أولى. فأما طلاق السنة: فهو أن يطلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار، وقال مالك: لا أعرف

стр. 1849

طلاق السنة إلا أن يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تنقضي عدتها (١)، والدليل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وفي حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال له: "ما هكذا أمرك ربك يا ابن عمر، إنما أمرك أن تستقبل الطهر استقبالًا، فتطلقها لكل طُهرٍ تطليقة" (٢)، وإنما قلنا إن هذه السنة يستوي فيها المدخول بها وغير المدخول بها، لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] (٣) وروي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر أن المراد: لقُبُل عدتهن، فالآية عامة. وأما السنة في الوقت: فأن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها؛ والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين: طاهرًا من غير جماع؛ وروي أن ابن عمر طلق امرأته في حال الحيض، فقال ﷺ : "ما هكذا أمرك ربك يا ابن عمر، إنما أمرك أن تستقبل الطُّهر استقبالًا، فتطلقها لكل قُرءٍ تطليقة" (٤)، وروي أنه قال لعمر: "مُرْه فليراجعها، فإذا طهرت فيطلقها إن شاء طاهرًا من غير جماع أو حاملًا قد استبان حملها" (٥)، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تُطلق لها النساء،

стр. 1850

وإنما قلنا إن هذه السنة تختلف فيما بين المدخول بها وغير المدخول بها، فيجوز أن يطلق من لم يدخل بها في حال الحيض؛ لأن المانع من إيقاع الطلاق في حال الحيض، أنه يؤدي إلى تطويل العدة؛ لأن الحيضة التي يوقع فيها الطلاق لا تحتسب بها، وهذا المعنى لا يوجد قبل الدخول؛ لأنه لا عدة عليها، وأما كونها طاهرًا من غير جماع فلا يُتصور في غير المدخول بها. وقد قال أصحابنا: إن إيقاع الطلاق مجتمعًا بدعة، وقال الشافعي: لا أعرف في عدد الطلاق سُنة ولا بدعة وإنما هو مباح (١). لنا: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وهذا أمر بالتفريق، وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ (أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربًا)، وأجاز ذلك عليه؛ ولأنه سبب لتحريم البضع بفعله من غير حاجة فصار كالمظاهر. وقد قال أصحابنا: إن من طلق امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة، أو طلقها (واحدة) (٢) في حال الحيض أو بعد الجماع فإن ذلك يقع ويكون بدعة. ومن الناس من قال: لا يقع، والدليل على ما قلناه: ما روي أن ابن عمر قال للنبي ﷺ : أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكانت تحل لي، فقال: "لا، ويكون معصية" (٣)، وروي عن عبادة بن الصامت أن بعض آبائه طلق امرأته ألفًا،

стр. 1851

فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "بانت [منك] (١) بالثلاث في معصية، وتسع مائة وسبعة وتسعون فيما لا تملك" (٢)، (وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان لا يؤتى برجل طلق امرأته ثلاثًا إلا أوجعه ضربا وأجاز ذلك عليه) (٣)، (وعن ابن عباس أنه قال: إن أحدكم يركب الأحموقة فيطلق امرأته ألفًا، ثم يأتيني فيقول: يا ابن عباس، [يا ابن عباس!]، بانت منك امرأتك وعصيت ربك). ولأن النهي عن إيقاع طلاق البدعة لمعنى في غير المنهي عنه؛ لأنه منع من إيقاع الطلاق الثلاث حتى لا يندم فلا يقدر على مراجعتها، وكذلك الطلاق عقيب الجماع؛ لأنها يجوز أن تحمل من الجماع فيندم، ومنع من إيقاع الطلاق في حال الحيض لتطويل العدة، والنهي إذا كان لمعنى في غير المنهي عنه لا يفيد الفساد كالبيع عند أذان الجمعة، ولأن الله تعالى لما نهى عن طلاق البدعة دلّ ذلك على وقوعه، ألا ترى أن النهي عما لا يُتصور وجوده لا يصحُّ، وإنما فائدة النهي تحريم المنهي عنه وحظره؛ وقولهم: إن الله تعالى جعل لنا الطلاق على وجهٍ مباح، فإذا طلقت على غيره لم يقع، كمن وكَّل رجلًا بطلاق امرأته للسنة فطلقها للبدعة لم يقع. فالجواب: أن الله تعالى ملكنا الطلاق وأمرنا أن نتصرف فيه على وجه، فإذا تصرفنا على غير ذلك الوجه لم يمنع وقوع التصرف وإن كان محظورًا، ووزانه

стр. 1852

من الوكيل أن يملكه طلاق امرأته ويقول له: طلقها لسُنَّةٍ، فإن طلقها للبدعة وقع. ١٦٠٧ - [فَصْل: طلاق المدخول بها التي لم تَحِضْ] وإذا كانت المرأة مدخولًا بها لم تحض طلَّقَها أيّ وقت شاء، وإن كان قد طلق عقيب الجماع وكذلك الحامل. وقال زفر: يفصل بين طلاق الآيسة والصغيرة وبين جماعها بشهر. لنا: أن المنع من الطلاق عقيب الجماع لا يأمن أن تكون حملت فيندم، وهذا المعنى لا يوجد في الآيسة والصغيرة، ولأن العلم ببراءة رَحِمها بعد الجماع أكثر من العلم ببراءة رحم الكبيرة بعد الحيضة، فإذا جاز إيقاع الطلاق عقيب الحيضة، فلأن يجوز هاهنا ابتداءً أولى. وجه قول زفر: أن الشهر أقيم مقام الحيضة فيمن لا تحيض ( … ) (١)، فإذا وجب الفصل بين الوطء والطلاق فيمن تحيض بحيضة وجب الفصل فيمن لا تحيض بشهر، كالفصل بين التطليقتين. ١٦٠٨ - [فَصْل: طلاق الصغيرة ثم أراد تطليقها للسنة] وإذا طلق الصغيرة والآيسة تطليقة ثم أراد أن يطلقها أخرى للسُّنَّة؛ فصل بين تطليقَتَيْهَا بشهر؛ وذلك لأن الشهر أقيم مقام الحيضة فيها بدلالة انقضاء العدة به، فإذا وجب الفصل بين التطليقتين (٢) بالحيض فيمن تحيض؛ وجب

стр. 1853

الفصل فيمن لا تحيض بالشهور. وقد قال أصحابنا: إن الشهر فيمن لا تحيض أقيم مقام حيضة [وطهر]؛ لأن العدة تنقضي بهما، ومن أصحابنا (من أقامه مقام حيضة) (١)؛ لأن انقضاء العدة يقع بالحيض ويقع بالشهر. وفي مسألتنا يدل على أنه قائم مقام ما تنقضي به العدة، فإنما تتخلل العدة في ذوات الأقراء الأطهار؛ لأنه لا يمكن وجود الحيض (إلا بأطهار) (٢) تتخللها، ويمكن وجود العدة بالشهور من غير أن يتخللها معنى آخر. ١٦٠٩ - [فَصْل: طلاق الحامل للسُّنَّة] وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أراد أن يطلق الحامل للسنة ثلاثًا فصل بين كل تطليقتين بشهر، وقال محمد وزفر: لا يطلقها للسُّنَّة إلا واحدة. لهما: إن عِدَّتها طُهر واحد كالصغيرة، ولأنها على صفة لا يصح منها ابتداء الحمل كالآيسة والصغيرة. وجه قول زفر: أن الفصل بين التطليقات يقع فيما تنقضي به [العدة]، وطُهر الحامل لا تنقضي به العدة، فلا يقع به الفصل. وقد ناقضهما أصحابنا بمن قال لامرأته الصغيرة: أنت (طالق ثلاثًا للسُّنَّة) (٣)، فوقعت عليها تطليقتان في شهرين ثم حاضت، فإن الفصل بين التطلِيْقَتَين للسنة قد

стр. 1854

وقع بزمان لم تنقض به العدة. ١٦١٠ - [فَصْل: تساوي النساء في محل الطلاق والمنع من جمعه] [قال]: والحرة والمسلمة والأَمَة [و] الكتابية في ذلك سواء، يعني في محل الطلاق والمنع من جمعه، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ولم يُفصل؛ ولأن المنع من جمع الطلاق لخشية الندم، وهذا المعنى موجود في الأمَة [و] الكتابية. ١٦١١ - [فَصْل: طلاق الأمة وعِدَّتِها] [قال]: وطلاق الأمَة تطليقتان وعدتها حيضتان، وقال الشافعي: العدة بالنساء والطلاق بالرجال (١). لنا: حديث عائشة وابن عمر أن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمَة تطليقتان وعدتها حيضتان" (٢)، ولأن الزوج الحرّ لو ملك من امرأته [الأمة] ثلاث تطليقات لملك تفريقهن [في أوقات السنة، كالحرِّ مع امرأته الحرة، فلما لم يملك تفريقهنّ]، دلّ على أنه لا يملكهن. وأما العدة: إن كانت الأمَة ممن تحيض فعدتها حيضتان للخبر الذي ذكرناه؛ ولأنه حق من حقوق النكاح مقدر بنفسه، [فكان للرق تأثير فيه كالقسم، ولا يلزم أجل العِنِّيْن؛ لأنه لا يتقدر بنفسه]، وإنما يتقدر بتقدير الحاكم، فإن

стр. 1855

كانت ممن لا تحيض فعدتها شهر ونصف. وقال مالك: عدتها بالحيض حيضتان، وبالشهور ثلاثة أشهر (١). لنا: ما روي عن عمر أنه قال في عدة الأمَة بالشهور: شهر ونصف، وبالحيض: حيضتان، ولو استطعت لجعلتها حيضة ونصف، ولأنها عدة فأثر الرق في نقصانها كالعدة بالحيض. ١٦١٢ - [فَصْل: طلاق المرأة التي تحيض ثلاثًا للسُّنَّة] قال: وإذا طلق الرجل المرأة الحرّة ثلاثًا للسنة وهي ممن تحيض؛ بقي عليها من عدتها حيضة؛ وذلك لأنه طلقها ثلاثًا في ثلاثة أطهار ومضت حيضتان، وانقضاء العدة يكون بالحيض عندنا، فبقي عليها حيضة، وإن كانت بالشهور بقي عليها شهر واحد؛ لأنه طلقها التطليقة الثالثة في أول الشهر الثالث، وانقضاء العدة موقوف على (انقضاء) (٢) جميعه، وأما إن كانت أمَة فطلقها تطليقتين بقي عليها حيضةٌ واحدة، وإن كانت [ممن] لا تحيض بقي عليها نصف شهر؛ لأنه أوقع التطليقة الثانية في ابتداء الشهر الثاني، والعدة تنقضي بمضي نصفه. ١٦١٣ - [فَصْل: عدة الحامل المطلقة أو المتوفى عنها زوجها] قال: وعدة الحامل أن تضع حملها، وتستوي في ذلك المطلقة والمتوفى عنها زوجها، وقال علي [﵁] في المطلقة مثل قولنا، وفي المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين.

стр. 1856

لنا: قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وهو (١) عام، لما روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية مات عنها زوجها فوضعت حملها، وسألت أبا السنابل بن بعكك: هل يجوز لها أن تتزوج؟ فقال: لا، حتى يبلغ الكتاب (٢) أجله، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "كذب أبو السنابل ابتغي الأزواج" (٣)، ولأن المقصود في العدة في ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم، وهذا المعنى (موجود في وضع الحمل) (٤) أكثر منه في مضي المدة، (فانقضاء العدة به أولى) (٥). وأما عَلِيّ فجمع بين الاثنتين وهذا لا يصحُّ؛ لأن مسروقًا روى عن [عبد الله] (٦) ابن مسعود أنه قال: مَنْ شاء باهَلْتُه أن آية النساء القُصْرى نزلت بعد آية النساء الطُّولى [أربعة أشهر وعشرًا] (٧)، وإذا تأخرت هذه الآية أوجبت خصوص تلك الآية. ١٦١٤ - [فَصْل: الطلقة الثانية في المراجعة في طهر واحد] وإذا طلق الرجل امرأته واحدة ثم راجعها في ذلك الطُهر [بالقول] فله أن

стр. 1857

يطلقها [أخرى] في ذلك الطُهر في قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف: لا [يطلقها]، وهو قول الحسن بن زياد، وعن محمد روايتان. لهما: أنه لما راجعها بطل حكم الطلاق (فصار كما لو كانت في طُهر لم يجامعها فيه) (١)، فيجوز له أن يطلقها، ولأنها عادت إلى الحالة الأولى بسبب من جهته، فصار كما لو أبانها (في طُهر لم يجامعها فيه) (٢) ثم تزوجها، [وعلى هذا قالوا: إذا راجعها بالقبلة واللمس] فيجوز له أن يطلقها تطليقة أخرى لما ذكرنا، وليس كذلك إذا راجعها بالجماع؛ لأن حكم الطلاق يبطل فيصير كطهر مبتدأ جامعها فيه، فلا يجوز [له] أن يطلقها. لأبي يوسف أنه طُهر واحدٌ فلا يجوز أن يوقع فيه طلاقين في نكاح واحد كما لو لم يراجعها، وعلى هذا الخلاف قالوا: إذا (لمس) (٣) الرجل امرأته لشهوة وقال لها: أنتِ طالق ثلاثًا للسنة، وقع عليها ثلاث تطليقات في الحال إذا كانت في طُهر لم يجامعها فيه؛ لأن التطليقة الأولى تقع ويصير مراجعًا بالإمساك، ثم تقع التطليقة الأخرى على أصل أبي حنيفة وزفر ويصير مراجعًا فتقع [الثالثة] (٤). وعلى قول (٥) أبي يوسف لا تقع إلا واحدةٌ، قال: فإن طلقها ثم راجعها بالجماع فحملت منه؛ جاز له أن يطلق أخرى في قول أبي حنيفة وزفر ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يطلقها.

стр. 1858

وجه قولهم: أن الرجعة أبطلت حكم الطلاق، وإنما كان لا يجوز له أن يطلقها أخرى عقيب الجماع لجواز أن تكون حبلت فيندم، فإذا علم بالحمل فطلق فقد أمن الندم، فجاز طلاقه كما لو لم يكن طلقها في هذا الطُهر، ولكنه جامعها فيه فحبلت، وعلى قول أبي يوسف: أنه طُهرٌ واحدٌ فلا يوقع فيه تطليقتين، (كما قال في المسألة الأولى) (١). ١٦١٥ - [فَصْل: الطلقة الثانية للصغيرة إذا حاضت وطهرت بعد الأولى وقبل مضي الشهر] إذا طلق الصغيرة تطليقة ثم حاضت وطهرت قبل مضي شهر، فله أن يطلقها أخرى في قولهم؛ لأن الشهر وضع للفصل بين التطليقتين بدلًا عن الحيضة، فإذا وجد الحيض سقط حكم بدله [مع القدرة عليه]؛ (لأن البدل لا يتعلق به حكم مع وجود مبدله) (٢)، وأما إذا طلقها وهي حائض ثم أيست، فله أن يطلقها أخرى حين تيأس في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يطلقها حتى يمضي شهر، وهذا إنما يتصور على [هذه] الرواية التي يقول فيها أن للإياس حدًا مقدرًا، فروي عنهم خمسين سنة، وروي ستين سنة، فإذا (مضت) (٣) المدة بعد التطليقة جاز أن يطلقها أخرى؛ لأن انتقال حالها من العدة بالحيض إلى العدة بالشهور يفصل بين التطليقتين كانتقالها من الشهور إلى الحيض. فأما على قول أبي يوسف: فهو طهرٌ واحد فلا يقع فيه أكثر من تطليقة، فأما

стр. 1859

في الرواية التي لم يقدر للإياس قدرًا وإنما علقه بالعادة، فلا يتصور هذا النوع (١). وقد قال أصحابنا: إذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض فالأفضل أن يراجعها، لما روي أن ابن عمر طلق امرأته في حال الحيض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها، ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة، فتبِين منه بطلاق غير محظور، وإذا تركها بانت بطلاق محظور؛ فلهذا كانت الرجعة أولى، فإذا راجعها ثم أراد طلاقها فقد ذكر في الأصل أنها إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء، وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة. قال أبو الحسن: ما ذكره الطحاوي قول أبو حنيفة، (وما في الأصل قولهما) (٢). لأبي حنيفة: أنه طُهرٌ لم يجامعها فيه ولم يوقع فيه طلاقًا، فجاز أن يطلقها فيه كالطهر الثاني. وجه ما ذكره في الأصل: ما روي أن النبي ﵊ قال لعمر (مُرْهُ فليراجعها، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت فإن شاء [أمسكها وإن شاء] طلقها) (٣)؛ ولأن الطلاق الموقع في الحيض كالموقع في الطهر الذي بعده بدلالة أن تلك الحيضة لا يعتد بها، ولو طلق في الطهر لم يجز أن يطلق أخرى، وكذلك إذا طلق في الحيض ثم طهرت. أهـ (٤).

стр. 1860

بَابْ: اللفظ الذي يقع به طلاق السنة قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته وهي مدخولٌ بها ممن تحيض: أنت طالق للسُّنَّة، وقعت [التطليقة] (١) إن كانت طاهرًا من غير جماع، وإن كانت حائضًا أو في طُهرٍ [قد] جامعها فيه لم تقع السّاعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت لها تطليقة، وإن قال لها: أنت طالق ثنتين للسُّنَّة أو ثلاثًا للسُّنَّة، وقع على الشرط الذي بيّنّا حتى يستوفي العدد؛ وذلك لأن اللام في قوله: للسُّنَّة كناية عن أوقات السُّنَّة، فكأنه قال: أنت طالق في أوقات السُّنَّة، فيقع عليها في الأطهار التي لم يجامعها فيها. قال بشر عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته: أنت طالق طلاق السُّنَّة، ولا نية له، أو طلاق العدة أو طلاق العدل، أو طلاق الدين، أو طلاق الإسلام، فهذا كله للسُّنَّة، وكذلك لو قال: طلاقًا عدلًا، أو طلاق سُنَّة، أو طلاق عدة، أو سُنّيّة أو عدلة أو عدلية، فهذا كله للسنة يقع إذا كانت المرأة طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها، وقد ذكر بشر عن أبي يوسف هذا النوع على أقسام: فذكر القسم الأول: منها ما يحمل على أوقات من غير نية، وهو أن يقول: للسُّنَّة أو للعدة أو طلاق العدل أو [طلاق] الدين أو الإسلام، أو طلاقًا عدلًا أو طلاق سُنّة أو طلاق عدة، أو أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، أو طلاق الحق،
следующие страницы →