← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

لنا: قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وهو (١) عام، لما روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمية مات عنها زوجها فوضعت حملها، وسألت أبا السنابل بن بعكك: هل يجوز لها أن تتزوج؟ فقال: لا، حتى يبلغ الكتاب (٢) أجله، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "كذب أبو السنابل ابتغي الأزواج" (٣)، ولأن المقصود في العدة في ذوات الأقراء العلم ببراءة الرحم، وهذا المعنى (موجود في وضع الحمل) (٤) أكثر منه في مضي المدة، (فانقضاء العدة به أولى) (٥). وأما عَلِيّ فجمع بين الاثنتين وهذا لا يصحُّ؛ لأن مسروقًا روى عن [عبد الله] (٦) ابن مسعود أنه قال: مَنْ شاء باهَلْتُه أن آية النساء القُصْرى نزلت بعد آية النساء الطُّولى [أربعة أشهر وعشرًا] (٧)، وإذا تأخرت هذه الآية أوجبت خصوص تلك الآية. ١٦١٤ - [فَصْل: الطلقة الثانية في المراجعة في طهر واحد] وإذا طلق الرجل امرأته واحدة ثم راجعها في ذلك الطُهر [بالقول] فله أن

стр. 1857

يطلقها [أخرى] في ذلك الطُهر في قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف: لا [يطلقها]، وهو قول الحسن بن زياد، وعن محمد روايتان. لهما: أنه لما راجعها بطل حكم الطلاق (فصار كما لو كانت في طُهر لم يجامعها فيه) (١)، فيجوز له أن يطلقها، ولأنها عادت إلى الحالة الأولى بسبب من جهته، فصار كما لو أبانها (في طُهر لم يجامعها فيه) (٢) ثم تزوجها، [وعلى هذا قالوا: إذا راجعها بالقبلة واللمس] فيجوز له أن يطلقها تطليقة أخرى لما ذكرنا، وليس كذلك إذا راجعها بالجماع؛ لأن حكم الطلاق يبطل فيصير كطهر مبتدأ جامعها فيه، فلا يجوز [له] أن يطلقها. لأبي يوسف أنه طُهر واحدٌ فلا يجوز أن يوقع فيه طلاقين في نكاح واحد كما لو لم يراجعها، وعلى هذا الخلاف قالوا: إذا (لمس) (٣) الرجل امرأته لشهوة وقال لها: أنتِ طالق ثلاثًا للسنة، وقع عليها ثلاث تطليقات في الحال إذا كانت في طُهر لم يجامعها فيه؛ لأن التطليقة الأولى تقع ويصير مراجعًا بالإمساك، ثم تقع التطليقة الأخرى على أصل أبي حنيفة وزفر ويصير مراجعًا فتقع [الثالثة] (٤). وعلى قول (٥) أبي يوسف لا تقع إلا واحدةٌ، قال: فإن طلقها ثم راجعها بالجماع فحملت منه؛ جاز له أن يطلق أخرى في قول أبي حنيفة وزفر ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يطلقها.

стр. 1858

وجه قولهم: أن الرجعة أبطلت حكم الطلاق، وإنما كان لا يجوز له أن يطلقها أخرى عقيب الجماع لجواز أن تكون حبلت فيندم، فإذا علم بالحمل فطلق فقد أمن الندم، فجاز طلاقه كما لو لم يكن طلقها في هذا الطُهر، ولكنه جامعها فيه فحبلت، وعلى قول أبي يوسف: أنه طُهرٌ واحدٌ فلا يوقع فيه تطليقتين، (كما قال في المسألة الأولى) (١). ١٦١٥ - [فَصْل: الطلقة الثانية للصغيرة إذا حاضت وطهرت بعد الأولى وقبل مضي الشهر] إذا طلق الصغيرة تطليقة ثم حاضت وطهرت قبل مضي شهر، فله أن يطلقها أخرى في قولهم؛ لأن الشهر وضع للفصل بين التطليقتين بدلًا عن الحيضة، فإذا وجد الحيض سقط حكم بدله [مع القدرة عليه]؛ (لأن البدل لا يتعلق به حكم مع وجود مبدله) (٢)، وأما إذا طلقها وهي حائض ثم أيست، فله أن يطلقها أخرى حين تيأس في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يطلقها حتى يمضي شهر، وهذا إنما يتصور على [هذه] الرواية التي يقول فيها أن للإياس حدًا مقدرًا، فروي عنهم خمسين سنة، وروي ستين سنة، فإذا (مضت) (٣) المدة بعد التطليقة جاز أن يطلقها أخرى؛ لأن انتقال حالها من العدة بالحيض إلى العدة بالشهور يفصل بين التطليقتين كانتقالها من الشهور إلى الحيض. فأما على قول أبي يوسف: فهو طهرٌ واحد فلا يقع فيه أكثر من تطليقة، فأما

стр. 1859

في الرواية التي لم يقدر للإياس قدرًا وإنما علقه بالعادة، فلا يتصور هذا النوع (١). وقد قال أصحابنا: إذا طلق الرجل امرأته في حال الحيض فالأفضل أن يراجعها، لما روي أن ابن عمر طلق امرأته في حال الحيض، فأمره النبي ﷺ أن يراجعها، ولأنه إذا راجعها أمكنه أن يطلقها للسنة، فتبِين منه بطلاق غير محظور، وإذا تركها بانت بطلاق محظور؛ فلهذا كانت الرجعة أولى، فإذا راجعها ثم أراد طلاقها فقد ذكر في الأصل أنها إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت طلقها إن شاء، وذكر الطحاوي أنه يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة. قال أبو الحسن: ما ذكره الطحاوي قول أبو حنيفة، (وما في الأصل قولهما) (٢). لأبي حنيفة: أنه طُهرٌ لم يجامعها فيه ولم يوقع فيه طلاقًا، فجاز أن يطلقها فيه كالطهر الثاني. وجه ما ذكره في الأصل: ما روي أن النبي ﵊ قال لعمر (مُرْهُ فليراجعها، فإذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت فإن شاء [أمسكها وإن شاء] طلقها) (٣)؛ ولأن الطلاق الموقع في الحيض كالموقع في الطهر الذي بعده بدلالة أن تلك الحيضة لا يعتد بها، ولو طلق في الطهر لم يجز أن يطلق أخرى، وكذلك إذا طلق في الحيض ثم طهرت. أهـ (٤).

стр. 1860

بَابْ: اللفظ الذي يقع به طلاق السنة قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته وهي مدخولٌ بها ممن تحيض: أنت طالق للسُّنَّة، وقعت [التطليقة] (١) إن كانت طاهرًا من غير جماع، وإن كانت حائضًا أو في طُهرٍ [قد] جامعها فيه لم تقع السّاعة، فإذا حاضت وطهرت وقعت لها تطليقة، وإن قال لها: أنت طالق ثنتين للسُّنَّة أو ثلاثًا للسُّنَّة، وقع على الشرط الذي بيّنّا حتى يستوفي العدد؛ وذلك لأن اللام في قوله: للسُّنَّة كناية عن أوقات السُّنَّة، فكأنه قال: أنت طالق في أوقات السُّنَّة، فيقع عليها في الأطهار التي لم يجامعها فيها. قال بشر عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته: أنت طالق طلاق السُّنَّة، ولا نية له، أو طلاق العدة أو طلاق العدل، أو طلاق الدين، أو طلاق الإسلام، فهذا كله للسُّنَّة، وكذلك لو قال: طلاقًا عدلًا، أو طلاق سُنَّة، أو طلاق عدة، أو سُنّيّة أو عدلة أو عدلية، فهذا كله للسنة يقع إذا كانت المرأة طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها، وقد ذكر بشر عن أبي يوسف هذا النوع على أقسام: فذكر القسم الأول: منها ما يحمل على أوقات من غير نية، وهو أن يقول: للسُّنَّة أو للعدة أو طلاق العدل أو [طلاق] الدين أو الإسلام، أو طلاقًا عدلًا أو طلاق سُنّة أو طلاق عدة، أو أحسن الطلاق، أو أجمل الطلاق، أو طلاق الحق،

стр. 1861

أو طلاق القرآن، أو طلاق الكتاب، أو أنت [طالق] للسُّنَّة أو في السُّنَّة أو بالسُّنَّة أو مع السُّنَّة أو عند السُّنَّة أو على السُّنَّة؛ وذلك لأن طلاق السُّنَّة والعدل والدين والإسلام، هو ما اقتضاه الدين والسُّنَّة، وذلك لا يكون إلا في المأمور به، وإذا قال: طلاقًا عدلًا أو طلاق سُنَّة، فقد جعل هذا صفةً للطلاق، وإذا قال: أحسن الطلاق أو أجمل الطلاق، فلفظة أفعل تستعمل للمبالغة، وذلك لا يكون إلا في المأمور به. فأما النوع الثاني فقال: إذا قال: أنت طالق في كتاب الله، أو بكتاب الله، أو مع كتاب الله، فإن نوى به طلاق السُّنَّة وقع في أوقاتها، وإن لم ينوِ وقع في الحال؛ لأن كتاب الله تعالى دلّ على وقوع الطلاق للسُّنَّة وللبدعة، فلما احتمل كلامه الأمرين وقف على نيته. والثالث: إذا قال: أنت طالق على الكتاب أو بالكتاب، أو قال: على قول القُضاة، أو على قول الفقهاء، أو طلاق القضاة أو طلاق الفقهاء، فإن نوى بذلك السُّنَّة وقع فيما بينه وبين الله تعالى في أوقاتها، ووقع في القضاة [الطلاق] في الحال؛ لأن قول القضاة يقتضي وقوع الطلاق على كل واحدٍ من الأمرين، فإذا خصّص عموم لفظه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يصدق في القضاء؛ لأنه غير الظاهر، وأما إذا قال: أنت طالق عدلة أو عدلية، أو سُنّة أو سُنّية؛ وقع عند أبي يوسف للسُّنَّة، وإن قال: حسنة أو جميلة، وقع في الحال. وقال محمد في الجامع الكبير: إذا قال: تطليقة سُنّيَّة أو عادلية أو حسنة أو جميلة؛ فالطلاق واقع عليها في الحال، فاعتبر أبو يوسف ما كان في الغالب من صفات الطلاق كالعدلية والسنية، فجعله صفة للطلاق فلم يقع إلا على تلك

стр. 1862

الصفة، فأما حسنة وجميلة فهو من صفات المرأة، فلم [يجعلها] (١) صفة للطلاق بالشك. فأما محمد فقال في هذه الصفات [عدلية أو سنية]: لما جاز أن يوصف بها المرأة، وجاز أن يوصف بها الطلاق لم يجعلها صفة للطلاق، [فلا يتأخر] (٢) إيقاعه من غير [يقين] (٣)، فأوقع [الطلاق] في الحال (٤).

стр. 1863

بَابْ: ما يقع من ذلك مجتمعًا أو متفرقًا بالنِّيَّة قال أبو الحسن: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا للسُّنَّة، فإن نوى أن يقعن ساعة تكلم وقعن، وقال زفر: نيته باطلة. لنا: أن قوله للسُّنَّة كناية عن أوقات السُّنَّة، والكنايات تنصرف بالنية من وجه إلى وجه كسائر الكنايات؛ ولأن وقوع الطلاق المجتمع سُنَّة عند بعض الفقهاء، فيجوز أن يكون أراد ذلك، [ويجوز أن يريد بذلك جواز الوقوع خلاف الروافض]؛ ولأن الاقتصار على ثلاث تطليقات سُنَّة؛ لأن الجاهلية كانت تطلق عدد نجوم السماء، وتطلق ألف تطليقة، فجاءت الشريعة بالاقتصار على ثلاث تطليقات، فإذا نوى ما يحتمله كلامه حمل عليه. وجه قول زفر: أن إطلاق قوله للسُّنَّة يقتضي وقوع التطليقات في الأطهار، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا في ثلاثة أطهار ونوى وقوعهن معًا فلا يتعلق بنيته حكم، ولو قال: أنت طالق للسُّنَّة ونوى ثلاثًا، كانت ثلاثًا في قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن اللام كناية عن أوقات السُّنَّة، فكأنه قال لها: أنتِ طالق للشهور أو للحيض، ونوى ثلاثًا فيكون ثلاثًا؛ لأنه أضاف الطلاق إلى ما له عدد، فإن أراد واحدة بائنة لم تكن بائنة، وذلك لأن صريح الطلاق لا يصير بائنًا إلا بلفظ [يقتضيه، والسُّنَّة لا] تقتضي وقوع البينونة، وإنما [تمنعها] فلم يجز أن تصير بائنة بلفظ يضاد البينونة.

стр. 1864

وقال ابن سماعة عن محمد: إن أراد ثنتين لم يكن ثنتين؛ وذلك لأن أوقات السُّنَّة هي ثلاثة أطهار، فإذا قال: أنت طالق للسُّنَّة، فإما أن يحمل كلامه على أول وقت السُّنَّة فيقع واحدة أو ينوي أوقات السُّنَّة فيقع ثلاثًا فأما الثنتين فليست بمقتضى إطلاق اللفظ ولا بمقتضى أوقات السُّنَّة، فلم يقع. وقال محمد: ولو أراد بقوله طالق واحدة، وبقوله: للسُّنَّة أخرى لم يقع؛ لأن رجلًا لو قال لامرأته: أنت للسُّنَّة، وأراد الطلاق لم يقع، فكذلك إذا نوى به لا يقع. وقال ابن سماعة عن محمد: إذا قال: أنت طالق للبدعة ونوى ثلاثًا فهي ثلاث لما بيّنا أن إيقاع الثلاث المجتمعة بدعة، فإذا نوى مقتضى لفظه وقع. وروى هشام عن محمد: أنها واحدة يملك الرجعة؛ وذلك لأن البدعة لم يجعل لها وقت بالشرع، فتصرف الإضافة إليه فيلغو قوله: للبدعة، ويبقى قوله: أنت طالق [فيقع به تطليقة واحدة. قال ابن سماعة عن محمد: إذا قال لامرأته وهي لا تحيض: أنت طالق] للشهور، فهي طالق عند كل شهر واحدة؛ وذلك لأن الشهور التي تضاف إليها الطلاق شهور العدة، فكأنه قال: أنت طالق للعدة، [ولو قال: للحيض، وهي تحيض، وقع عند كل حيضة تطليقة؛ لأن الحِيَض التي يضاف إليها الطلاق هي العدة، فكأنه قال: للعدة]، ولو قال: أنت طالق للحيض، وَهي [ممن] لا تحيض لم يقع عليها شيء؛ لأنه أضاف الطلاق إلى ما ليس بموجود، فصار كأنه علقه بشرط لم يوجد (١).

стр. 1865

بَابْ: طلاق غير المدخول بها قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال [الرجل] لامرأته وهو لم يدخل بها: أنت طالق، بانت منه ولا عدة عليها، وإنما يلزمها العدة لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] ولأن العدة موضوعة للاستبراء، وقبل الدخول لا استبراء فلا معنى للعدة، ولا يلزم المتوفى عنها زوجها قبل الدخول؛ لأن عدة الوفاة لم توضع للاستبراء وإنما وضعت على وجه [العبادة] (١) بدلالة أنها تجب بالشهور مع القدرة على الحيض، ولأن الموت أجري مجرى الدخول في إكمال المهر، فهو كالخلوة التي أجريت مجرى الدخول، وإذا ثبت أنه لا عدة عليها، فالرجعة إنما تثبت مع بقاء العدة، فوزان مسألتنا عقيب [طلاق] (٢) المدخول بها إذا انقضت عدتها، ولأنه لم يبق حق من حقوق الملك، والرجعة إنما تثبت مع بقاء حقوق الملك، قال: ولا تحل [له] إلا بنكاح مستقبل؛ لأن النكاح لمّا زال وأحكامه صارت أجنبية، فلا تحل إلا بعقد جديد. قال: وما جاء بعد قوله: (طالق مما هو تفسير أو صفة، فإن الطلاق يقع عليها بعد الفراغ من الكلام، و [لا] تبين (٣) بالأول دون الثاني.

стр. 1866

وأما التفسير فمثل قوله: أنت طالق ثلاثًا أو ثنتين، فيقع عندنا الطلاق والعدد. وقال الحسن البصري: تبِين بقوله: طالق، ويلغو قوله: ثلاثًا. لنا (١): أن الكلام موقوف على آخره لجواز أن تعلقه بشرط أن يدخل عليه استثناءٌ، وإذا وقف على آخره صار جملة واحدة فلا يقع بعضه دون بعض؛ ولأن قوله: أنت طالق ثلاثًا، كلمة واحدة، ألا ترى أنه لا يقدر أن يتكلم بها إلا على هذا الوجه، والكلمة الواحدة لا تتبعض في الإيقاع. وجه قول الحسن البصري: أن قوله: أنت طالق، يقع به البينونة؛ لأنه [يستوفي] اللفظ، [فيستوفي] (٢) الوقوع، فما بعده لا يقع [لكونها غير مدخول بها] كمن قال: أنت طالق [طالق]. وأما الصفة: فكقوله: أنت طالق بائن، أو حرام؛ وذلك لأن الصفة مع الموصوف كلام واحد، (فلا ينفرد بعضه عن بعض) (٣)، وهذا لا يتبيّن له فائدة بمجرده؛ لأن الطلاق يقع بائنًا سواء وصفه بالبينونة أو لم يصفه، وإنما تبين فائدته إذا [علقت الصفة] (٤) بشرط تعلق به الطلاق، ولم تفصل الصفة بين الإيقاع والشرط، فإن كرر لفظ الطلاق بحرف عطف أو بغير حرف عطف وقع الأول قبل الثاني إذا لم يدخل على الكلام شرطًا في قولهم، وهذا مثل أن يقول:

стр. 1867

أنت طالق طالق؛ أو أنت طالق، أنت طالق؛ أو أنت طالق وطالق، أو فطالق، أو ثم طالق؛ وذلك لأن الطلاق إذا لم يعلقه بشرط يقف عليه، سبق الأول في الوقوع فبانت به، فيصادفها الثاني وهي أجنبية فلا يقع. وقد اختلف أبو يوسف ومحمد متى يقع [الأول]؟، فقال أبو يوسف: [يقع] قبل الفراغ من الثاني؛ لأنه لما لم يدخل عليه شرطًا سبق في الوقوع كما سبق في اللفظ، وقال محمد: لا يقع إلا بعد الفراغ من الثاني؛ لأنه يجوز أن يدخل عليه حرف شرط، فإذا قطع الكلام عن الشرط وقع الطلاق الأول، وهذا الخلاف متصور فيما فيه حرف العطف، فأما ما لا عطف فيه فلا يقف على اللفظ الأول؛ لأنه لو جاء بالشرط لم يتعلق به، فإن أدخل الشرط على الكلام وهو غير معطوف فهو كذلك، وهذا مثل قوله: أنت طالق طالق إن دخلت الدار؛ لأن الكلام الثاني غير متعلق بالأول فسبق الأول في الوقوع فبانت، [ثم] عقد اليمين عليها بعد البينونة فلم تنعقد، فإن كان معطوفًا تعلق الكلام بالشرط ولم يقع منه شيء إلا بوجود الشرط إذا كان الشرط لا يفيد التراخي في قولهم جميعًا، وهذا مثل قوله: أنت طالق وطالق إن دخلت الدار، [أو فطالق إن دخلت الدار]؛ لأن حرف العطف يعلق الثاني بالأول فيجعلهما كلامًا واحدًا، فإذا جاء بالشرط تعلقا به ووقف كل واحدٍ منهما عليه، فلم يقع قبل وجوده. وأما ما يفيد التراخي فهو قوله: أنت طالق ثم طالق إن دخلت الدار، قال أبو حنيفة: يقع عليها في الحال واحدة تبين بها ويبطل ما بعدها من الكلام. وقال أبو يوسف ومحمد: يقف الطلاق على الشرط، فإن دخلت الدار قبل أن يدخل بها؛ وقعت تطليقة واحدة، وإن كان قد دخل بها وقعت اثنتان.

стр. 1868

لأبي حنيفة: أن "ثم" تفيد المهلة، فكأنه قال لها: أنت طالق وسكت، ثم قال: طالق إن دخلت الدار. ووجه قولهما: أن "ثم" حرف عطف فهي كالواو والفاء إلا أنهما قالا: إذا دخلت الدار، قبل أن يدخل بها، لم يقع عليها إلا واحدة؛ لأن "ثم" تقتضي التراخي فيسبق الطلقة الأولى فتبين بها، وتصادفها الثانية وهي أجنبية، فكأنهما جعلا "ثم" كالواو في العطف ولم يجعلاها كهي في الوقوع، فإن قدم الشرط وعطف الكلام بالواو أو بالفاء، فقال: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق، أو فطالق؛ تعلق الكلام بالشرط، فإذا وجد وقع الطلاق الأول، فإن كانت مدخولًا بها وقع الثاني بعده، وإن كانت غير مدخول بها بطل ما بعد الأولى. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع ذلك كله مدخولًا بها كانت أو غير مدخول بها. لأبي حنيفة: أن الطلاق المعلق بالشرط كالمذكور عند وجود الشرط، [فكأنه قال لها بعد الدخول: أنت طالق وطالق، وليس كذلك إذا أخّر الشرط]؛ لأن التطليقات لما [وقفت] (١) عليه تعلقت كل واحدة به كتعلق الأخرى فوقعن معًا، وصار كما لو كرر حرف الشرط عند كل تطليقة. وجه قولهما: أن الواو للجمع، فكأنه قال: أنت طالق اثنتين إن دخلت الدار، وإن قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم طالق ثم طالق؛ تعلق الطلاق الأول بالدخول خاصة ووقع الذي بعده، فإن [كان قد] دخل بها وقعت الثانية والثالثة الساعة.

стр. 1869

فإن دَخَلت الدار وهي في العدة أو بعد أن راجعها؛ طَلُقت بالأولى، وإن لم يكن دخل بها تعلق الطلاق الأول بالدخول، ووقعت الثانية حين تكلم بها وبطلت الثالثة؛ لأنه تكلم بها وهي بائن، فإن تزوجها ودخلت الدار ولم تكن قد دخلت قبل ذلك الدار بانت بالتطليقة الأولى، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كانت قد دخل بها وقعت ثلاث تطليقات بالدخول (١)، فإن لم يكن دخل بها وقعت واحدة. لأبي حنيفة أن "ثم" للتراخي، فإذا قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، فهذه يمين منعقدة، فلما قال: ثم طالق، تراخى الكلام الثاني عن الأول، فكأنه سكت وقال لها: أنت طالق، فيقع في الحال ولا يتعلق بالشرط، وأما هما فقالا: "ثم" حرف عطف كالواو، فتعلق الطلاق كله بالشرط وإن كانت تترتب في الوقوع على ما بينا. وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته: أنت طالق، أستغفر الله إن دخلت الدار، أو سبحان الله أو الحمد لله، دُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى، ووقعت في القضاء في الحال؛ لأن هذا كلام لا تعلق له بالطلاق، فيفصل بين الجزاء والشرط، قال: وكذلك إن تنحنح أو تساعل من غير سعال غشيه؛ لأنه قطع الكلام بالسكوت (٢).

стр. 1870

نوع آخر من الطلاق قبل الدخول قال أبو الحسن: وإذا قال [الرجل] لامرأته قبل الدخول بها: أنت طالق واحدة وعشرين، أو واحدة وثلاثين، أو واحدة وأربعين؛ وقعت ثلاث. وقال زفر: واحدة. لنا (١): أن واحدة وعشرين كلمة واحدة، ألا ترى أنه لا يمكن أن يتكلم بها إلا على هذه الصفة، والكلمة الواحدة لا يقع بعضها دون بعض، كقوله: طالق ثلاثًا. وجه قول زفر: أنه عدد معطوف على عدد (قبله، ذكره) (٢) قبل الدخول بها، فيسبق الأول في الوقوع [قبل الثاني]، كقوله: أنت طالق وطالق، وعلى هذا الخلاف إذا قال: اثنتين وعشرين، أو [اثنتين] وثلاثين، فقال أصحابنا: هو ثلاث لما قدمنا، وقال زفر: [يقع] اثنتان [لما قدمنا]؛ لأنه أوقع المعطوف عليه دون العطف، والمعطوف عليه اثنتان، فأما إذا قال: أنت طالق إحدى عشرة، [أو اثنتي عشرة]، وقع ثلاثًا في قولهم [جميعًا]؛ لأنه كلام واحد غير معطوف فيصير كالجملة الواحدة. وأما إذا قال: واحدة وعشرة؛ وقعت واحدة في قولهم؛ لأنه كان يمكنه أن يتكلم به على غير هذا الوجه، ويأتي باللفظ المعتاد. وذكر في الكتاب عن أبي يوسف في واحدة وعشرة أنه ثلاث؛ لأنه يفيد ما

стр. 1871

يفيد قوله: (إحدى عشرة) (١)، فكان مثله، ولو قال: أنت طالق واحدة ومائة، أو واحدة وألف، كانت واحدة، روى ذلك الحسن عن أبي حنيفة، لأنه كان يمكنه أن يتكلم به على غير هذا الوجه، ألا ترى أن العادة [جرت] أنهم يقولون: مائة وواحدة، وألف وواحدة، فلما قدم الواحدة فقد خالف المعتاد فلا يقع إلا واحدة. وقال أبو يوسف: إذا قال: واحدة ومائة وقعت ثلاثًا، لأن هذا يذكر على هذا الوجه، ألا ترى أنهم يقولون في العادة: مائة وواحدة، وواحدة ومائة على وجه واحد. وأما إذا قال: واحدة ونصفًا، وقع اثنتان في قولهم؛ لأن هذه جملة واحدة، ألا ترى أنه لا يمكن أن يتكلم بها إلا على هذا الوجه، ووقوع نصف تطليقة يقتضي وقوع باقيها [ثم إذا طلق نصف تطليقة، وقعت تطليقة]. وقال ربيعة: (إذا قال نصف تطليقة) (٢) لم يقع عليها شيء. لنا: أن الطلاق لا يتبعض، وما لا يتبعض فإن جميعه يثبت بثبوت بعضه؛ ولهذا قال عمر ﵁ في عدة الأمَة: ولو استطعت لجعلتها حيضة ونصفًا؛ ولأن الطلاق يقتضي الإيقاع والموقع عليه، ولو طلق جزءًا (من أجزائها) (٣) طلقت، فكذلك إذا طلق جزءًا من تطليقة وقعت، ولو قال: أنت طالق نصفًا وواحدة، وقعت عليها اثنتان عند أبي يوسف. وقال محمد: وقعت واحدة، والصحيح ما قاله محمد؛ لأنه يعتاد اللفظ

стр. 1872

على غير هذا الوجه، فلما عدل عن المعتاد، صار أحد اللفظين غير الآخر، وأما أبو يوسف فقال: إن في العادة يقال واحدة ونصف، ونصف وواحدة على وجه واحد.

стр. 1873

نوع آخر: [قول الرجل لغير المدخول بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة] قال أبو الحسن: وإذا قال لغير المدخول بها: أنت طالق واحدة قبل واحدة، أو قبلها واحدة، أو بعد واحدة، أو بعدها واحدة، أو مع واحدة، أو معها واحدة، فإنه يقع في ذلك كله اثنتان إلا في قوله: واحدة قبل واحدة، وفي قوله: واحدة بعدها واحدة، فإنه يقع واحدة. قال: وهذا مبني على أصلين: أحدهما: أن كل موضع كان الملفوظ به أولًا موقعًا أولًا وقعت واحدة، وإن كان موقعًا آخرًا وقعت اثنتان، وذلك لأن الملفوظ به أولًا إذا سبق في الوقوع بانت (به) (١) فصادفها الثانية وهي أجنبية، وإذا كان الملفوظ به أولًا موقعًا آخرًا لم يسبق في الوقوع فوقع الطلاقان معًا. والأصل الثاني: أن الإنسان لا يملك إيقاع الطلاق في زمان ماضٍ؛ لأن الطلاق وضع لرفع الاستباحة، وما مضى من الاستباحة معدوم فلا معنى لرفعه، وإذا لم يملك إيقاع الطلاق فيما مضى، فمتى أوقع اعتبرت الحال، فإن كانت المرأة في الحال يجوز أن توصف بطلاق أوقعه عليها في ذلك الوقت وقع عليها في الحال؛ لأنه أضاف الطلاق إلى ما مضى وهو لا يملك ذلك، وهي في الحال ممن توصف بذلك الطلاق، فوقع عليها في الحال، وبطلت الإضافة، وهذا كمن

стр. 1874

قال لامرأته وقد تزوجها أول أمس: أنت طالق أمس، فإن الطلاق يقع عليها في الحال، وأما إذا كانت لا توصف في الحال بطلاق أوقعه عليها في ذلك الوقت بطل الكلام، وهذا كمن قال لامرأته: أنت طالق أمس، وقد تزوجها اليوم، لم يقع عليها شيء؛ لأن إضافة الطلاق إلى ما مضى لا تصح، وهي في الحال لا توصف بطلاق أوقعه أمس، فلغا الكلام ولم يقع. وإذا ثبت هذا قلنا: إذا قال لها: أنت طالق واحدة قبل واحدة، فالملفوظ به أولًا هو الموقَع أولًا، فوقعت واحدة، فإن قال: قبلها واحدة وقعت اثنتان، لأن الملفوظ به أولًا موقع [أخيرا] (١)، فاقتضى اللفظ [وقوع] (٢) التطليقة في الحال ووقوع أخرى قبلها، وهو لا يملك إيقاع طلاق متقدم، فيقعان معًا. وإذا قال: أنت طالق واحدة بعدها واحدة وقعت واحدة؛ لأن الملفوظ [به] أولًا موقع أولًا، ولو قال: بعد واحدة، وقعت اثنتان؛ لأن الملفوظ به أولًا موقع أخيرًا. ولو قال: مع واحدة، أو معها واحدة وقعت اثنتان؛ لأن مع للمقارنة فيقتضي وقوع أحد الطلاقين مع الآخر. وقد روي عن أبي يوسف في قوله: معها واحدة أنه يقع واحدة؛ لأن الكناية تقتضي (تقدم) (٣) تطليقة على تطليقة فيقع السابق دون الثاني (٤). وبالله التوفيق.

стр. 1875

بَابْ: الطلاق الرجعي والبائن قال أبو الحسن ﵀: طلاق الصريح كله رجعي إذا كانت واحدة أو اثنتين، والكنايات كلها بوائن إلا قوله: اعْتَدِّيْ، واسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ، وأنت واحدة. قال الشيخ ﵀: وجملة هذا أن الطلاق على ضربين: رجعي وبائن، فصريح الطلاق كله رجعي، وكذلك ما جرى مجرى الصريح، والكنايات كلها بوائن. فأما الصريح فقوله: أنت طالق، وأنت الطلاق، وإنما قلنا: إنه صريح؛ لأن العرف قد جرى باستعماله في هذا المعنى، والصريح إنما يرجع فيه إلى الاستعمال، ولأنه يختص بالزوجات ولا يستعمل في غيرهن فدل على أنه صريح، ومن حكمه أن يقع به الطلاق من غير نيةٍ؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ولم يُفَصِّل؛ ولأن ابن عمر طلق امرأته في حال الحيض فأمره النبي ﵊ بمراجعتها، ولم يسأله هل نوى الطلاق أو لم ينوه، ولأن النية يحتاج إليها في اللفظ المستعمل في شيئين؛ لينصرف بها عن أحدهما إلى الآخر، وقد بينا أن الطلاق لا يستعمل في غير الزوجات فلا يحتاج إلى النية. وقد قال أصحابنا: إذا قال لها: أنت طالق، وقال: أردت به طلاقًا عن وثاق، لم يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه صرف الكلام عن ظاهره فلا يصدقه الحاكم، وكذلك لا يسع المرأة أن تصدقه، وهو مصدق فيما بينه

стр. 1876

وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه (١)، والله تعالى مطلع على نيته. قالوا: ولو قال: أنت طالق، وقال: أردت أنها طالق من العمل، لم يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن اللفظ لا يستعمل في [الانطلاق] (٢) من العمل، فقد نوى ما لا يقتضيه لفظه، فلم يصدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولو صرح فقال: أنت طالق من وثاق، لم يقع في القضاء شيء؛ لأن المرأة توصف بأنها طالق من وثاق وإن لم يكن مستعملًا، فإذا صرح به حمل عليه، وإن صرح فقال: طالق من هذا العمل، لم يصدق في القضاء ووقع الطلاق، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لما بينا أنه لا يستعمل الطلاق في العمل حقيقة ولا مجازًا، [فوقع] (٣) الطلاق في الحكم ويُدَيَّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل وإن كان خلاف الظاهر. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: نويت طلاقًا من عمل أو قيد، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنها مطلقة من الأمرين، فجاز أن يصدق فيه. ١٦١٦ - [فَصْل: قول الزوج: أنت أطلق من امرأة فلان المطلقة] وقد قالوا: إذا قال: أنت [أطلق] (٤) من امرأة فلان وهي مطلقة؛ وُقف ذلك على النية إلا أن يكون جوابًا لمسألة الطلاق؛ لأن لفظة "أفعل" (٥) ليست بصريح في الطلاق، وما ليس بصريح يقف على النية، وكذلك قالوا فيمن قال: أنت مُطْلَقَة وخفف، أنه يحمل على النية؛ لأن إطلاق هذا اللفظ يقتضي

стр. 1877

[إطلاق الجنس] (١) فلم يكن صريحًا في الطلاق. وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: كوني طالقًا أو اطلُقي، قال: أراه واقعًا، وكذلك إذا قال لأمته: كوني حرة أو اعتقي؛ وذلك لأنه وصفها بصريح الطلاق في قوله: كوني طالقًا، وأمرها بالطلاق بقوله: اطلقي، وهذا معناه الخبر فيقع الطلاق، قال: ولا يقع به إلا واحدة وإن نوى أكثر من ذلك. وقال الشافعي: إن نوى ثلاثًا كان ثلاثًا (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأثبت الرجعة عقيب التطليقتين، وهذا عام فيمن نوى بكل واحدة منهما العدد أو لم ينو، ولأن ما يقتضيه صريح الطلاق لا ينصرف عنه بالنية، أصله: وقوع الطلاق، ومن حكم صريح الطلاق الرجعة ما لم يستوف العدد؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فأثبت الرجعة عقيب التطليقتين، ولا يقع به البائن وإن نوى، لأن صريح الطلاق لا ينصرف بالنية من وجه إلى وجه، فأما إذا قال: أنت طالق الطلاق، فإن نوى به الطلاق ثلاثًا كان ثلاثًا؛ لأن الطلاق اسم للجنس، والألف واللام للاستغراق، فيقتضي ذلك استغراق جنس ما يملكه من الطلاق وهو الثلاث، فإن قال: أردت [به] اثنتين لم يصدق؛ لأنا لم نوقع الثلاث من حيث العدد، وإنما أوقعناها لأنها من جنس ما يملكه، فأما الاثنتان فإنما يقع من حيث العدد، واللفظ لا يقتضي العدد. فإن قال: أردت بقولي "أنتِ طالقٌ" واحدةً، وبقولي "الطلاق" أخرى

стр. 1878

صُدِّق؛ لأن لفظ الطلاق يقع به الطلاق، فإذا قال لامرأته: أنت طالق (١) الطلاق، فقد أتى بلفظين (يقع بكل واحدٍ منهما تطليقة) (٢)، فكأنه قال: أنت طالق وطالق، وإن قال: أنت الطلاق؛ وقع [به] الطلاق؛ لأن المفعول يوصف بالمصدر، يقال: إنما هي إقبال وإدبار، فإذا صح وصفها بذلك وقع به الطلاق كقوله: يا مطلقة، وإن نوى [به] ثلاثًا كان ثلاثًا لما بيّنّا في الفصل الأول. فإن قال لها: أنت طالق طلاقًا ولا نية له، وقعت واحدة؛ لأن المصدر إنما يفيد التأكيد، كقوله: قمت قيامًا وأكلت أكلًا، والتأكيد لا يفيد إلا ما يفيده المؤكد، فإن قال: أردت ثلاثًا كان ثلاثًا في رواية الأصل والجامع الصغير؛ لأن المصدر يفيد معنى الكثرة، قال تعالى: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] وإذا كان فيه معنى الكثرة؛ جاز أن ينوي به العدد. وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يكون إلا واحدة، ووجهه ما قدمنا أن المصدر للتأكيد والتأكيد لا يفيد إلا ما أفاده المؤكد (٣). ١٦١٧ - [فَصْل: قول الرجل: يا مطلقة] وقد قال أصحابنا فيمن قال: يا مطلقة: وقع عليها الطلاق؛ لأنه وصفها بذلك، فإن قال: أردت الشتم؛ صدق فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يصدق في القضاء؛ لأنه وصفها ثم نوى ما ليس بصفة، (فيكون قد ادعى غير الظاهر) (٤)، فإن كان لها

стр. 1879

زوج قبله، فقال: عنيت ذلك الطلاق دُيِّن في القضاء؛ لأنه وصفها بطلاق واقع لا يلزمه حكمه، والصفة لا تختص بإيقاع زوج دون زوج (فدُيِّن في ذلك) (١). ١٦١٨ - [فَصْل: في قول الرجل: عنيت الأول في قوله: أنت طالق طالق] وإذا قال: أنت طالق طالق، أو أنت طالق أنت طالق، وقال: عنيت الأولى؛ صدق فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال: قد طلقتك قد طلقتك، وكذلك إذا قال: أنت طالق قد طلقتك، وكذلك أنت طالق وأنت طالق؛ وذلك لأن الطلاق وإن كان لفظه لفظ الخبر فهو إيقاع في الشرع، فإذا قال: نويت بالثانية الأولى، فيريد أن يجعلها خبرًا فلا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى باللفظ الخبر، ولذلك وضع في اللغة، فإن قال: أنت طالق، فقال له رجل: ما قلت؟ فقال: طلقتها، أو قال: قلت هي طالق، فهي واحدة في القضاء؛ لأن الاستخبار دليل على أنه أراد بالثاني الخبر فيحمل عليه. وأما ما هو في معنى الصريح، فقوله: اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة، فهذه الألفاظ الثلاثة في حكم الصريح، بمعنى أن الواقع بها طلاق رجعي وهي في (معنى) (٢) الكنايات في افتقارها إلى نية أو دلالة حال. فقال أبو حنيفة: القياس في قوله: اعتدي، أن يكون بائنًا وإنما اتبعنا الأثر، وقال أبو يوسف: القياس أن يكون [ثلاثًا] (٣)، وإنما تركنا القياس لحديث جابر

стр. 1880

(أن النبي ﵊ قال لسودة: "اعتدي"، فناشدته أن يراجعها لتجعل يومها لعائشة حتى تحشر في جملة أزواجه، فراجعها وردّ عليها يومها) (١)؛ وأما قوله: استبرئي رحمك، فهو تفسير لقوله: اعتدي، فيفيد ما يفيده؛ وقوله: أنت واحدة، صفة لقوله: أنت طالق، ألا ترى أنه يقال: أنت طالق واحدة، ولا يقال: أنت بائن واحدة، فإذا كان صفة لصريح الطلاق وقع به ما يقع بالصريح، وإنما قلنا: إنه يفتقر إلى نية لأنه يحتمل الطلاق وغيره، ألا ترى أنه يقول: اعتدي بنعمتي عليك، واستبرئي رحمك لأطلقك، وأنت واحدة قومك، أو واحدة في الشرف، وما احتمل الطلاق وغيره، لم يحمل على الطلاق إلا بدليل، وإن نوى بهذه الألفاظ الثلاث لم يقع؛ لأنها في حكم الصريح، فصار كقوله: أنت طالق، ولأنه لما وقع بها طلاق رجعي صار كقوله: أنت طالق واحدة، ولا شبهة في ذلك لاستحالة أن يفسر قوله: طالق واحدة بالثلاث، فلا يجوز أن ينويه. ١٦١٩ - [فَصْل: السراح والفراق من الكناية] وقد قال أصحابنا في السراح والفراق: أنه كناية، وقال الشافعي: صريح (٢). لنا: أنه يستعمل في الطلاق وغيره على وجه واحد، يقال: سَرَّحْت إبلي وفارقت صديقي، والصريح ما اختص في الاستعمال، ولأن ما جاز أن يقع به الثلاث لم يكن صريحًا كالبائن، وأما الطلاق البائن فهو على ضروب: أحدها: أن يصف صريح الطلاق بالبينونة. والثاني: أن يوقع بلفظ يقتضي البينونة أو يجعل إليها الطلاق بلفظ يقتضي

стр. 1881

البينونة فتختار. والثالث: أن تقع (١) الفرقة من طريق الحكم. فأما القسم الأول فكمن قال: أنت طالق بائن، أو [أنت طالق] (٢) حرام، وذلك لأنه وصف الطلاق بالبينونة وهي في ملكه، فصار كما لو وصفه بالعدد فيقع. وقد قال أبو يوسف: إذا قال لها: أنت طالق للبدعة، ونوى واحدة بائنة كانت بائنة؛ لأن السنة إيقاع الرجعي، والبدعة إيقاع البائن والثلاث، فإذا نوى ذلك وقع. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق أقبح الطلاق أنه رجعي، وقال محمد: [إنه] بائن. ولأبي يوسف: أن أقبح يحتمل وقوع الفرقة في وقت تكره المرأة الفرقة فيه، فيكون [أقبح] (٣) من هذا الوجه، ويحتمل [أقبح] من حيث الشرع، فلا تقع البينونة بالشك. وجه قول محمد: أن [أقبح] جعله صفة للطلاق، وذلك لا يكون إلا في الطلاق المنهي عنه، فأما غيره فهو صفة للمطلقة. وقد روى هشام عن محمد فيمن قال: أنت طالق للبدعة؛ كانت واحدة رجعية؛ لأن البدعة قد تكون في البائن، وقد تكون في الطلاق في الحيض، فلا تقع البينونة بالشك.

стр. 1882

وروى هشام عن محمد: في طلاق الشيطان أنه رجعي؛ لأن ذلك يفيد ما تفيده البدعة، فأما الكنايات فهي كلها بوائن، إلا ثلاث كنايات وهي: اعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة؛ وقال الشافعي: كلها رجعية (١). لنا: أنه أوقع ما يملكه فوجب أن يقع بإيقاعه كالثلاث، ولأنه أحد نوعي البينونة، فجاز أن يقع بقوله: أنت بائن كالثلاث. ١٦٢٠ - [فَصْل: وقوع الطلاق بالكنايات] ومن حكم الكنايات أن لا يقع الطلاق بمجردها؛ وذلك لأنها ألفاظ محتملة للطلاق ولغيره، فلا تنصرف إلى أحد المحتملين إلا بدليل، فإن نوى الطلاق وقع في جميعها؛ لأن النية تصرف الكلام من وجه إلى وجه إذا كان محتملًا للوجهين، الدليل عليه: ما روي أن ركانة [بن عبد يزيد] (٢) طلق امرأته البتة، فاستحلفه رسول الله ﷺ (ما أردتَ إلا واحدة)!، ورجع إلى نيته؛ لأن البتة يحتمل الثلاث والواحدة. ١٦٢١ - [فَصْل: تأثير دلالة الحال في وقوع الطلاق بالكنايات] ودلالة الحال تؤثر في الكنايات عندنا، وقال الشافعي: لا تؤثر. لنا: أنّ الكلام الواحد يستعمل في المدح والذم ولا يفصل بينهما

стр. 1883

إلا بدلالة الحال، فدل على تأثيرها في الكلام؛ ولأن ما خرج على وجه الجواب فالظاهر أنه جواب، فلا يحتمل على غيره، أصله السراح والفراق، وإن نوى بلفظ الكناية الثلاث كان ثلاثًا؛ لأن البينونة والتحريم تارة يكون بالواحدة وتارة يكون بالثلاث، فإذا نوى أحد محتمل اللفظ وقع، (ولأن النبي ﵊ استحلف ركانة أنه ما أراد إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد الثلاث لوقع، وإلا لم يكن للاستحلاف معنى) (١)، وإن نوى اثنتين كانت واحدة، وقال زفر: يقع ما نوى، وبه قال الشافعي (٢). لنا: أن البينونة لا تتضمن العدد، ألا ترى أنه لا يصح أن ينطق بها بعدد فيقول: أنت [بائن ثنتان، أو أنتِ بائنتان]، وإذا لم يتضمن ذلك لم يصح أن يقع بالنية ما لا يتضمنه الكلام، وليس كذلك إذا أراد الثلاث؛ لأنها لا تقع من حيث العدد ولكنها نوع بينونة، فتقع من حيث البينونة. وعلى هذا قال أصحابنا: إذا قال لزوجته الأمَة: أنت بائن، ينوي اثنتين وقع؛ لأنها البينونة العليا فيها فصارت كالثلاث في الحرة، وقالوا: لو طلق الحرة واحدة ثم قال لها: أنت بائنٌ، ينوي اثنتين كانت واحدة؛ لأنها لا تبين بالثنتين لولا ما تقدم، فلم يكن ذلك نوع بينونة فيها فلم يقع. وجه قول زفر: أن كل لفظ جاز أن يقع به الثلاث، جاز أن يقع [به] ما دونها كالواحدة.

стр. 1884

١٦٢٢ - [فَصْل: أقسام الكنايات في الطلاق] وقد قالوا إن الكنايات تنقسم ثلاثة أقسام: فقسم: لا يديَّن في القضاء في الغضب، ولا في ذكر الطلاق. والقسم الثاني: يُديَّن في الغضب ولا يدين في ذكر الطلاق في القضاء. والثالث: يدين في القضاء في الغضب وفي ذكر الطلاق. فأما ما لا يدين به في غضب ولا [في] ذكر الطلاق: فقوله: أمرك بيدك، واختاري، واعتدي؛ وذلك لأن هذه الألفاظ لا تصلح [للسبّ] (١) ولا للإبعاد، فالظاهر منها الطلاق، ومن تكلم بكلامٍ الظاهرُ منه الطلاق لم يصدق في صرفه عن ظاهره، كما لو قال: أنت طالق، ثم قال: نويت به طلاقًا من وثاق. وأما القسم الثاني الذي يُدَيَّنُ في الغضب ولا يدين في ذكر الطلاق [في القضاء]، وذلك في كل لفظ يصلح للسبّ وهي خمسة ألفاظ: أنت خلية، وبريّة، وبائنٌ، وبتة، وحرام، وذلك لأن هذه الألفاظ تصلح للسبّ، ألا ترى أنه يقول: أنتِ خلية من الخير، وبرية من الإسلام، وبائن من الدين، وبتة من المروءة، وحرام الاجتماع معك وعشرتك، وحال الغضب تصلح للسبّ وتصلح للطلاق، وما احتمل أمرين لم يحمل على أحدهما إلا بالنيّة، فأما في حال ذكر الطلاق فالحال لا تصلح إلا للطلاق، فوجب حمل هذه الألفاظ على الطلاق دون السبّ. وقد روى بشر عن أبي يوسف: أنه زاد فيها أربعة ألفاظ: [تحتمل السبّ،

стр. 1885

فتقول]: لا سبيل لي عليك، وفارقتك، وخليت سبيلك، ولا ملك لي عليك؛ [وذلك] لأن هذه الألفاظ تحتمل السبّ، فتقول: لا سبيل لي عليك لشركِ، وفارقتك في المكان لكراهة اجتماعي معك، وخلّيت سبيلك وما أنت عليه، ولا ملك لي عليك؛ لأنك أقل من أن أتملكك. وقد قالوا في بِنْتِ مِنِّي أنه كذلك، وهذا ليس بزيادة؛ لأنه [يقرب] (١) من بائن. فأما ما يدَيَّن في الغضب (٢) وذكر الطلاق: فقد قال أبو حنيفة: لا سبيل لي عليك، ولا ملك لي عليك، واعتزلي (٣)، وتقنعي، واستتري، واخرجي، واذهبي، وقومي، وتزوجي، ولا نكاح لي عليك؛ وذلك لأن هذه الألفاظ تُذكر ويراد بها الإبعاد، وحال الغضب يُبعد الإنسان الزوجة فيها وإن لم يطلقها، وكذلك في حال ذكر الطلاق؛ لأنها إذا قالت: طلقني، فقال: لا سبيل لي عليك، احتمل لا سبيل لي على طلاقك، ولا ملك لي على طلاقك، وهذا يذكر ويراد به الامتناع من الطلاق. وقد ذكر أبو الحسن: أن ما سوى القسمين الأولين من الكنايات لا يقع به الطلاق إلا بالنية، ولم يذكر الكنايات ونحن نذكرها، فمنها قوله: حبلك على غاربك؛ لأن هذا اللفظ في معنى التسريح، وكذلك قوله: اذهبي؛ لأن المرأة لا تذهب عن زوجها (إذا طلقها) (٤)، وكذلك: خليت سبيلك، والحقي بأهلك؛

стр. 1886

لأن المرأة لا تلحق بأهلها إذا طلقها، وكذلك: استتري، وتقنعي؛ لأن المرأة يلزمها أن تستتر عن زوجها إذا طلقها، وكذلك تزوجي؛ لأنها لا يجوز لها أن تتزوج إلا بعد الطلاق، وكذلك: انطلقي وانتقلي؛ لما قدمنا، وكذلك إذا قال: وهبتك لأهلك قبلوها أو لم يقبلوها؛ لأن الهبة تقتضي زوال الملك، والقبول يحتاج إليه لدخول الشيء في ملك الموهوب له، فطلاقها (١) لا يملكه أهلها فلم يحتج إلى القبول. وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه إذا قال: وهبتك لأهلك، أو لأبيك، أو لأمك، أو للأزواج فهو طلاق؛ لأن المرأة ترد بالطلاق على هؤلاء، ويملكها الأزواج بعد الطلاق، فصار هذا من مدلول الطلاق. قال: فإن قال: وهبتك لأختك، أو لخالتك، أو لعمتك، أو لفلان الأجنبي؛ لم يكن طلاقًا لأن المرأة بالطلاق لا ترد على هؤلاء. وقد قال أبو حنيفة: إذا قال لامرأته: لستِ لي بامرأة، ينوي الطلاق كان طلاقًا، وكذلك إذا قال: ما أنا بزوجك، أو سُئل فقيل: هل لكَ امرأة؟ فقال: لا، دُيّن في الرضا والغضب، وإن نوى به الطلاق كان طلاقًا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع به الطلاق. لأبي حنيفة: أن هذا اللفظ يحتمل الطلاق، ألا ترى أنه يقول: لست لي بامرأة لأني طلقتك، وما احتمل الطلاق إذا نوى به الطلاق كان طلاقًا، (كقوله: أنت بائن) (٢)، وليس كذلك إذا قال: والله ما أنتِ لي بامرأة، أو عليّ

стр. 1887

حِجة ما أنت لي بامرأة (١)، أنه لا يقع الطلاق وإن نوى؛ لأن اليمين على النفي يتناول الماضي وهو كاذب في ذلك، فلا يقع به شيء، وأما في مسألتنا فإنما أخبر عن الحال، ويجوز أن يكون الأمر كما قال، ولا يلزم إذا قال: لم أتزوجك؛ لأن الطلاق حل للنكاح بعد وقوعه، وهذا نفي لأصل النكاح، فلا يجوز أن يقع به الطلاق. وجه قولهما: أن نفي الزوجية كذب، فلا يقع به الطلاق، كقوله: لم أتزوجك؛ وقال أبو حنيفة: إذا قال: لا حاجة لي فيكِ، ينوي الطلاق فليس بطلاق؛ لأن نفي الحاجة يجتمع مع الزوجية، ألا ترى أن الإنسان قد يتزوج بمن لا حاجة له فيها فلم ينف ذلك النكاح. وقال محمد (٢): إذا قال: افلحي، يريد به الطلاق كان طلاقًا، قال: لأن العرب تقول: افلح بخير، أي: اذهب بخير، ولو قال: اذهبي كان طلاقًا، وقالوا: إذا قال: فسخت النكاح بيني وبينك، ينوي الطلاق فهو طلاق، لأنه أتى بمعنى الفُرقة، ولو قال: وهبت لك طلاقك، وقال: أردت أن يكون في يدك لم يُصَدَّق في القضاء؛ لأن الهبة تفيد زوال ملك الواهب، وجعل الطلاق إليها ليس بإزالة الملك، وإنما هو تفويض فلا يصدق فيه. قد روي عن أبي حنيفة في قوله: وهبت لك طلاقك، رواية أخرى: أنه لا يقع به شيء لأنه يحتمل: وهبت لك، بمعنى أعرضت عن إيقاعه، (ولأن الهبة تفيد التمليك، وتمليك المرأة للطلاق هو أن يجعل إليها إيقاعه) (٣).

стр. 1888

قالوا: ولو أراد أن يطلقها فقالت له: هب لي طلاقي، تريد أعرض عنه، فقال: قد وهبت لك طلاقك؛ صُدِّق في القضاء؛ لأن الظاهر يقتضي أنه أراد بالهبة ترك الإيقاع. قالوا: ولو قال: قد أعرضت عن طلاقك، أو صفحت عن طلاقك، ينوي الطلاق لم تطلق؛ لأن الإعراض عن الشيء يقتضي ترك التصرف فيه، وإن قال: [قد] تركت طلاقك، أو خليت سبيل طلاقك، وهو يريد الطلاق وقع؛ لأن تخلية الطلاق وتركه قد يكون بإخراجه عن ملكه؛ وذلك إيقاع الطلاق. فأما الفرقة التي تقع بالتخيير إذا اختارت المرأة فهي طلاق بائن؛ لأنه يخيرها بين البقاء على النكاح وبين (١) تركه، ولأن الفرقة إنما وقعت (بالخيار) (٢)، تشبهًا بالخيار الطارئ على النكاح، وذلك الخيار بائن، وكذلك هذا، وأما [الفرقة] (٣) الواقعة من طريق الحكم فجميعها [بوائن] (٤)، وهي منقسمة: فمنها ما هو طلاق، ومنها ما ليس بطلاق، وكل فرقة أوجبت تحريمًا مؤبدًا فليست بطلاق، وهي فرقة بائنة؛ لأنها أوجبت التحريم وزيادة: وهو التأبيد، وهذا مثل الرضاع، وإذا وطئ المرأةَ ابنُ زوجها، أو أبوه، أو وطئ زوجها أمها، أو ابنتها. وأما فرقة اللِّعان: فهي طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف فرقة بائنة وليست بطلاق، وإنما كانت بائنة؛ لأن القاضي يفرق بينهما حتى يخلصها من زوج يقذفها، فلو كانت الفرقة رجعية لم يوجد المقصود منها.

стр. 1889

وأما الأمَة إذا أعتقت فاختارت نفسها فهي فرقة بائنة بغير طلاق؛ لأن الفرقة إنما تقع لأن بدل بُضْعها لم يَسلم لها، فيتوصل بالفرقة إلى نكاح (يحصل) لها فيه العوض، فلو كانت رجعية لم يوجد هذا المعنى. وأما فرقة العِنِّين فهي طلاق بائن في قولهم؛ لأن الفرقة يوقعها الحاكم ليخلصها من نكاح لا يستقر فيه مهرها، فلو أوقع الطلاق رجعيًا لراجعها الزوج فيحتاج أن يفرق بينهما ثانيًا، وهذا لا يجوز. ١٦٢٣ - [فَصْل: اختيار الصغير أو الصغيرة بعد البلوغ] فإذا بلغ الصغير واختار، أو الصغيرة واختارت، فهي فرقة بائنة بغير طلاق؛ لأن الفرقة إنما تقع لأن البضع استحق عليها بتصرف من لم تكمل ولايته، فلو كانت رجعية لراجعها فلم يحصل (١) الغرض. فأما إباء الزوج إذا أسلمت امرأته فهي طلاق بائن عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف فرقة بائنة بغير طلاق؛ وإنما كان بائنًا لأن الفرقة إنما تقع لأنه لا يصح البقاء على النكاح مع كفر أحد الزوجين، فلو لم تكن الفرقة بائنة كان النكاح باقيًا، وأما إباء المرأة فهي فرقة بائنة بغير طلاق في قولهم؛ لأن المرأة لا تملك الطلاق، وإنما كانت بائنة لما ذكرنا. وأمّا رِدَّة الزوج فليست بطلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف: وهي فرقة بائنة، وقال محمد: هي طلاق بائن، وإنما وقعت البينونة لأن النكاح لا يبقى مع الردة لأنها تنافي الملك، فلذلك وقعت البينونة، ورِدَّة المرأة فرقة بائنة بغير

стр. 1890

طلاق في قولهم لما بينا. وذكر محمد في السِّيَر: في امرأة الحربي إذا أسلمت ثم حاضت ثلاث حِيَض فهي تطليقة بائنة؛ لأن الحيض أُقيم مقام إباء الزوج، وإن كان الزوج هو المسلم، فهي فُرقة بائنة بغير طلاق كإباء المرأة، والفرقة الواقعة باختلاف الدارين لا تكون طلاقًا، وهي فرقة بائنة؛ لأن اختلاف الدارين يمنع بقاء حق الزوج في بضعها. قال محمد: وإذا أسلم الحربي وتحته ثمان نسوة فاختار منهن أربعًا، [وفارق أربعًا] فهي فرقة بائنة بغير طلاق، وإنما لم يكن طلاقًا؛ لأن التحريم عنده يسبق الاختيار عقيب الإسلام، وإنما يميز بالخيار من حرمت عليه ممن لم تحرم، فالفرقة وقعت من طريق الحكم، وإنما كانت بائنة؛ لأنه لا يجوز البقاء على نكاح أكثر من أربع [نسوة]، وفي الفرقة الرجعية بقاء على النكاح، فإذا ملك أحد الزوجين الآخر: فهي فرقة بائنة بغير طلاق؛ لأنها تقع من طريق الحكم، ولا يجوز مع سببها البقاء على النكاح، فإذا مضت مدة الإيلاء بانت المرأة بتطليقة بائنة، لأنا إنما نوقع الفرقة لتتخلص من زوج يمنعها حقها، وهذا لا يكون إلا في البائن. ١٦٢٤ - [فَصْل: كتاب طلاق الزوجة في كتاب على وجه الاستبانة] قال أبو الحسن: وإذا كتب الرجل طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض وكان مستبينًا (١) فهو بمنزلة الكلام المكني، لا يقع به الطلاق حتى ينوي.

стр. 1891

قال الشيخ ﵀: والأصل في وقوع الطلاق [بالكتاب] (١) أن الكتابة حروفٌ منظومة تدل على (معنى مفهوم فصار كالكلام) (٢)، ولأن كتب رسول الله ﷺ إلى الآفاق قامت مقام قوله في الدعاء إلى الإسلام، فدل على أن الكتاب يقوم مقام قول الكاتب، وإذا ثبت هذا قلنا: إذا كتب كتابًا لا يستبين، [فلا يقع به الطلاق، وكذلك لو] كتب في الهواء فليس بشيء؛ لأن الكتابة التي لا تستبين كالكلام الذي لا يستبين فلا يقع به الطلاق، وأما إذا كتب [كتابًا يستبين] (٣) فهو على وجهين: إن كتبه لا على طريق المخاطبة مثل أن يكتب امرأته طالق، وقف على النية، فإن قال: نويت به الطلاق وقع، وإن قال: لم أنوِ به الطلاق صدق؛ لأن الكتابة تقوم مقام الكلام كالكناية التي تقوم مقام الصريح، فلا يقع الطلاق بها إلا بنية أو ظاهر، ولأن الإنسان قد يكتب ويريد [به] الإيقاع، ويكتب [لتجويد] (٤) الخط فلم يحمل على الإيقاع إلا بدليل، وأما إذا كانت (٥) على طريق الخطاب والرسالة مثل أن يكتب أما بعد: يا فلانة أنت طالق، أو إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، فإن الطلاق يقع بذلك، ولا يصدق أنه لم يقصد به الطلاق إلا أن يقول: نويت طلاقًا من وثاق، فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأن الكتابة إذا كانت على طريق الخطاب ولها ظاهر، فهي كالكلام الذي له ظاهر فلا يصدق في صرفه عن ظاهره، ثم ذلك على وجهين: إن كتبه على طريق الخطاب فلم يعلقه بشرط وقع عقيب الكتابة؛ لأن قوله: (أنت طالق) في

стр. 1892

الكتاب كتلفظه به فيقع [عقيب الكتابة] (١). فأما إذا قال: إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، فإن الطلاق لا يقع حتى يصل لأنه علق الوقوع بشرط فلا يقع قبله كما لو علقه بدخول الدار، وقد قالوا فيمن كتب كتابًا على وجه الرسالة، وقال [فيه]: إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، ثم محا ذكر الطلاق منه وأنفذ الكتاب وسطره باقي وقع الطلاق؛ لأن الشرط [فيه] قد وُجد وهو وصول الكتاب، فإن محا ما في الكتاب حتى لم يبق منه كلامٌ، يكون رسالةً، لم يقع الطلاق وإن وصل؛ لأن [ما] بقي منه لا يسمى كتابًا، فلم يوجد الشرط فلا يقع الطلاق (٢). اهـ

стр. 1893

[٤٠] بَابْ: الرجعة قال أبو الحسن: إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك الرجعة (١) على ما بَيَّنْتُ لك واحدة أو اثنتين، فله أن يراجعها ما دامت في العدة (إلى) (٢) أن تغتسل من الحيضة التي هي آخر العدة. قال الشيخ ﵀: والأصل في جواز الرجعة قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال ﵊ لابن عمر "راجعها"، (وطلق سودة وراجعها) (٣)، فدل ذلك على جواز الرجعة؛ وإنما قلنا: أنّ الرجعة تكون مع بقاء العدة؛ لأن العدة إذا انقضت زال الملك بحقوقه، والرجعة لا (تصح) (٤) مع زوال حقوق الملك. وأما قوله: ما لم تغتسل، فهذا على وجهين: إذا كان حيضها أكثر الحيض؛ انقطعت الرجعة بمضي المدة؛ لأنا تيقنّا

стр. 1894

زوال الحيض وانقضاء العدة بانقضائه. وأما إذا كان حيضها أقل من أكثر الحيض، فإن الرجعة لا تنقطع ما لم تغتسل، أو يمضي وقت صلاة، أو تتمّم وتصلي. وقال الشافعي: لا أعرف بعد الأقراء معنى معتبرًا في انقضاء العدة (١)، وهذا الذي قاله خلاف الإجماع؛ وروى علقمة عن ابن مسعود قال: كنت عند عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه رجل وامرأة فقال: زوجتي طلقتها وراجعتها، فقالت: ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان أنه طلقني وتركني حتى حضت الحيضة [الثالثة] وانقطع الدم، وغلقت بابي، ووضعت غسلي وخلعت ثيابي، فطرق الباب فقال: قد راجعتك، فقال عمر: [قل] (٢) فيها يا ابن أم عبد! فقال: أرى الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة، فقال عمر: لو قلت غير ذلك، لم أره صوابًا (٣). وروى مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري (﵃) كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، ترثه ويرثها ما دامت في العدة. وإذا اتفقت الصحابة على اعتبار الغسل لم يعتد بخلاف من خالف؛ ولأن أيامها إذا كانت أقل من أكثر الحيض لم نتيقن انقطاع الدم لجواز أن يعود، فبقيت العدة حتى يوجد الغسل المنافي للحيض في الظاهر.

стр. 1895

والشافعي بنى هذا على أن العدة تنقضي بالأطهار، فإذا طعنت في أول الحيضة الثالثة انقضت العدة فلا تحتاج إلى الغسل، فأما إذا انقطع دمها ومضى وقت صلاة وقد أمكنها الغسل قبل مضيه فقد انقضت العدة؛ لأن تلك الصلاة وجبت عليها، ووجوب الصلاة ينافي حكم الحيض، وأما إذا كانت مسافرة فتيممت لم تنقطع الرجعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف حتى تصلي، وقال محمد: تنقطع [الرجعة]. لهما: أن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنها لو رأت الماء بطل وصار كأن لم يكن، فلم تنقطع الرجعة كما لو غسلت بعض بدنها وليس كذلك إذا صلت؛ لأنه تعلق بالتيمم حكم لا يلحقه الفسخ، ألا ترى أنها لو رأت الماء لم تبطل تلك الصلاة فصار كالغسل. وجه قول محمد: أنها إذا تيممت استباحت ما تستبيحه بالغسل فصارت كما لو اغتسلت (١)، وأما الكتابية فقد قالوا أن الرجعة تنقطع عنها إذا انقطع الدم؛ لأن فرض الغسل لا يلزمها، فصارت كالمسلمة إذا اغتسلت. ١٦٢٥ - [فَصْل: العدة في حال بقاء عضو في الاغتسال] وإذا اغتسلت المعتدة وبقي من بدنها عضو أو أقل كانت له الرجعة في العضو إذا بقي وليست له الرجعة في الأقل. وقال أبو يوسف: الاستحسان فيما دون العضو، وقال محمد: الاستحسان في العضو، فأبو يوسف يقول: كان القياس إذا بقي أقل من عضو أن تبقى الرجعة؛
следующие страницы →