قال الشيخ ﵀: والأصل في وقوع الطلاق [بالكتاب] (١) أن الكتابة حروفٌ منظومة تدل على (معنى مفهوم فصار كالكلام) (٢)، ولأن كتب رسول الله ﷺ إلى الآفاق قامت مقام قوله في الدعاء إلى الإسلام، فدل على أن الكتاب يقوم مقام قول الكاتب، وإذا ثبت هذا قلنا: إذا كتب كتابًا لا يستبين، [فلا يقع به الطلاق، وكذلك لو] كتب في الهواء فليس بشيء؛ لأن الكتابة التي لا تستبين كالكلام الذي لا يستبين فلا يقع به الطلاق، وأما إذا كتب [كتابًا يستبين] (٣) فهو على وجهين: إن كتبه لا على طريق المخاطبة مثل أن يكتب امرأته طالق، وقف على النية، فإن قال: نويت به الطلاق وقع، وإن قال: لم أنوِ به الطلاق صدق؛ لأن الكتابة تقوم مقام الكلام كالكناية التي تقوم مقام الصريح، فلا يقع الطلاق بها إلا بنية أو ظاهر، ولأن الإنسان قد يكتب ويريد [به] الإيقاع، ويكتب [لتجويد] (٤) الخط فلم يحمل على الإيقاع إلا بدليل، وأما إذا كانت (٥) على طريق الخطاب والرسالة مثل أن يكتب أما بعد: يا فلانة أنت طالق، أو إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، فإن الطلاق يقع بذلك، ولا يصدق أنه لم يقصد به الطلاق إلا أن يقول: نويت طلاقًا من وثاق، فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأن الكتابة إذا كانت على طريق الخطاب ولها ظاهر، فهي كالكلام الذي له ظاهر فلا يصدق في صرفه عن ظاهره، ثم ذلك على وجهين: إن كتبه على طريق الخطاب فلم يعلقه بشرط وقع عقيب الكتابة؛ لأن قوله: (أنت طالق) في
стр. 1892
الكتاب كتلفظه به فيقع [عقيب الكتابة] (١).
فأما إذا قال: إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، فإن الطلاق لا يقع حتى يصل لأنه علق الوقوع بشرط فلا يقع قبله كما لو علقه بدخول الدار، وقد قالوا فيمن كتب كتابًا على وجه الرسالة، وقال [فيه]: إذا وصل كتابي إليك فأنت طالق، ثم محا ذكر الطلاق منه وأنفذ الكتاب وسطره باقي وقع الطلاق؛ لأن الشرط [فيه] قد وُجد وهو وصول الكتاب، فإن محا ما في الكتاب حتى لم يبق منه كلامٌ، يكون رسالةً، لم يقع الطلاق وإن وصل؛ لأن [ما] بقي منه لا يسمى كتابًا، فلم يوجد الشرط فلا يقع الطلاق (٢). اهـ
стр. 1893
[٤٠] بَابْ: الرجعة
قال أبو الحسن: إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا يملك الرجعة (١) على ما بَيَّنْتُ لك واحدة أو اثنتين، فله أن يراجعها ما دامت في العدة (إلى) (٢) أن تغتسل من الحيضة التي هي آخر العدة.
قال الشيخ ﵀: والأصل في جواز الرجعة قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقال ﵊ لابن عمر "راجعها"، (وطلق سودة وراجعها) (٣)، فدل ذلك على جواز الرجعة؛ وإنما قلنا: أنّ الرجعة تكون مع بقاء العدة؛ لأن العدة إذا انقضت زال الملك بحقوقه، والرجعة لا (تصح) (٤) مع زوال حقوق الملك.
وأما قوله: ما لم تغتسل، فهذا على وجهين:
إذا كان حيضها أكثر الحيض؛ انقطعت الرجعة بمضي المدة؛ لأنا تيقنّا
стр. 1894
زوال الحيض وانقضاء العدة بانقضائه.
وأما إذا كان حيضها أقل من أكثر الحيض، فإن الرجعة لا تنقطع ما لم تغتسل، أو يمضي وقت صلاة، أو تتمّم وتصلي.
وقال الشافعي: لا أعرف بعد الأقراء معنى معتبرًا في انقضاء العدة (١)، وهذا الذي قاله خلاف الإجماع؛ وروى علقمة عن ابن مسعود قال: كنت عند عمر بن الخطاب ﵁، فجاءه رجل وامرأة فقال: زوجتي طلقتها وراجعتها، فقالت: ما يمنعني ما صنع أن أقول ما كان أنه طلقني وتركني حتى حضت الحيضة [الثالثة] وانقطع الدم، وغلقت بابي، ووضعت غسلي وخلعت ثيابي، فطرق الباب فقال: قد راجعتك، فقال عمر: [قل] (٢) فيها يا ابن أم عبد! فقال: أرى الرجعة قد صحت ما لم تحل لها الصلاة، فقال عمر: لو قلت غير ذلك، لم أره صوابًا (٣).
وروى مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري (﵃) كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، ترثه ويرثها ما دامت في العدة.
وإذا اتفقت الصحابة على اعتبار الغسل لم يعتد بخلاف من خالف؛ ولأن أيامها إذا كانت أقل من أكثر الحيض لم نتيقن انقطاع الدم لجواز أن يعود، فبقيت العدة حتى يوجد الغسل المنافي للحيض في الظاهر.
стр. 1895
والشافعي بنى هذا على أن العدة تنقضي بالأطهار، فإذا طعنت في أول الحيضة الثالثة انقضت العدة فلا تحتاج إلى الغسل، فأما إذا انقطع دمها ومضى وقت صلاة وقد أمكنها الغسل قبل مضيه فقد انقضت العدة؛ لأن تلك الصلاة وجبت عليها، ووجوب الصلاة ينافي حكم الحيض، وأما إذا كانت مسافرة فتيممت لم تنقطع الرجعة عند أبي حنيفة وأبي يوسف حتى تصلي، وقال محمد: تنقطع [الرجعة].
لهما: أن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنها لو رأت الماء بطل وصار كأن لم يكن، فلم تنقطع الرجعة كما لو غسلت بعض بدنها وليس كذلك إذا صلت؛ لأنه تعلق بالتيمم حكم لا يلحقه الفسخ، ألا ترى أنها لو رأت الماء لم تبطل تلك الصلاة فصار كالغسل.
وجه قول محمد: أنها إذا تيممت استباحت ما تستبيحه بالغسل فصارت كما لو اغتسلت (١)، وأما الكتابية فقد قالوا أن الرجعة تنقطع عنها إذا انقطع الدم؛ لأن فرض الغسل لا يلزمها، فصارت كالمسلمة إذا اغتسلت.
١٦٢٥ - [فَصْل: العدة في حال بقاء عضو في الاغتسال]
وإذا اغتسلت المعتدة وبقي من بدنها عضو أو أقل كانت له الرجعة في العضو إذا بقي وليست له الرجعة في الأقل.
وقال أبو يوسف: الاستحسان فيما دون العضو، وقال محمد: الاستحسان في العضو، فأبو يوسف يقول: كان القياس إذا بقي أقل من عضو أن تبقى الرجعة؛
стр. 1896
لأن الحدث باقٍ فصار كالعضو وإنما [استحسنوا] (١)؛ لأن هذا القدر يستغفل في العادة، فلو بقيت به الرجعة لم تنقطع في الغالب، وهذا لا يصح.
وأما محمد فقال: القياس أن تنقطع الرجعة إذا بقي عضو قياسًا على المضمضة، وإنما استحسنوا فقالوا: لا تنقطع لأن العضو مجمع على وجوب غسله وهو مما لا يُستغفل، فصار كما لو زاد عليه، وأما إذا بقي المضمضة والاستنشاق، فقال محمد: أبنتها من الزوج ولا تحل للأزواج، واختلفت الرواية عن أبي يوسف، فروى الفضل بن غانم عنه: أنه لا رجعة لزوجها، وروى هشام عنه: أن له الرجعة.
وجه قول محمد: أن المضمضة مختلف في وجوبها، والرجعة يعتبر فيها الاحتياط فلم يجز إثباتها بالشك، (ولا يبيحها للأزواج) (٢) بالشك، وأما أبو يوسف فقال: الحدث باقٍ في عضو كامل كسائر الأعضاء، وأما إذا اغتسلت بسؤر حمار وتيممت فلا رجعة عليها ولا تحل للأزواج؛ لأن سور الحمار مشكوك فيه، فإن كان طاهرًا انقطعت الرجعة وحلت [للأزواج]، وإن كان نجسًا بقيت الرجعة ولم تحل [للأزواج]، فاعتبر الاحتياط في الجنسين فقالوا: تنقطع الرجعة ولا تحل [للأزواج].
١٦٢٦ - [فَصْل: المراجعة بالشهود]
وإذا أراد أن يراجعها أشهدَ على رجعتها شاهدين، ويقول [لهما: اشهدا] أني قد راجعت زوجتي فلانة، أو ما يؤدي هذا المعنى من القول، وذلك لقوله
стр. 1897
تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولأنه لا يأمن أن تنقضي العدة، فلا تصدقه في الرجعة، فكان الاحتياط (في الإشهاد) (١) على ذلك.
وقد قال أصحابنا: إن الشهادة ليست بشرط في الرجعة، وقال الشافعي: لا تصح إلا بالإشهاد (٢).
لنا: أن الرجعة تصرف [يملكه الزوج] (٣) بحكم العقد، فلم يقف على الإشهاد كالظهار والإيلاء، وأما الآية فهي محمولة على الاستحباب بدلالة أن الله تعالى جمع بين الفرقة والرجعة وأمر بالإشهاد، وقد ثبت أن الإشهاد في الفرقة مستحب فكذلك الرجعة؛ لأن اللفظ الواحد لا يحمل في حالة واحدة على الوجوب والندب، قال: ولا [مهر] (٤) في الرجعة ولا عوض؛ لأن الطلاق الرجعي لا يزيل الملك، والعوض لا يجب على الإنسان في مقابلة ملكه، ولأن الرجعة استدراك للحق كالفيء في الإيلاء وإسقاط الخيار في البيع، فلا يكون في مقابلته عوض، قال: وأحسن ذلك أن يعلمها بالرجعة، (وإن لم يعلمها جازت الرجعة؛ وذلك لأنه إذا لم يعلمها جاز أن تتزوج عند مضي الحيض فيعرضها لعقد محرم، [فلذلك] (٥) استحب أن يعلمها) (٦)، فإن لم يعلمها جاز؛ لأنه حق ينفرد به لا يسقط به حقًا لها، فصار كالإجازة في الخيار.
стр. 1898
قال: وإن لم يراجعها حتى جامعها فهو مراجع، وقال الشافعي: لا (تكون) (١) الرجعة بالفعل (٢).
لنا: قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ والإمساك في الحقيقة يتناول الفعل؛ ولأن الطلاق أثبت له استدراك حق في مُدَّة، فجاز أن يستدركه بالفعل، كالخيار في البيع، ولا يلزم إذا أعتق إحدى أمتيه؛ لأن الاستدراك هناك لا يتقدر بمدة، ولأن العدة مدة تفضي إلى البينونة، جعل له إبطالها فصح إبطالها بالوطء كمدة الإيلاء، وكذلك إن جامعته وهو نائم أو مجنون؛ لأن جماعها له على هذا الوجه يتعلق به من الحكم ما يتعلق بجماعه لها، فَجَرَيَا مجرىً واحدًا، وإن لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهو مراجع؛ لأن هذا الاستمتاع في الحرة يختص بالنكاح فهو كالوطء، وأما إن لمس أو نظر لغير شهوة لم تكن رجعة؛ لأن ما كان لغير شهوة لا يقف على النكاح، ألا ترى أن القابلة والطبيب ينظر إلى الفرج.
قال: ولا يكون النظر إلى غير الفرج لشهوة رجعة؛ لأن ذلك ليس باستمتاع مقصود، ولو مسته لشهوة مختلسة، أو كان نائمًا فاعترفت أنه كان لشهوة فهو رجعة عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: ليس برجعة.
لأبي حنيفة [ومحمد]: أن لمسها له يتعلق به من الحكم ما يتعلق بلمسه لها، فجرى أحدهما مجرى الآخر، وهذا صحيح على أصله في الجارية المشتراة إذا لمست المشتري بشهوة.
стр. 1899
وأما أبو يوسف فقال في مسألة الخيار: إذا لمسته يبطل خياره، وقال: هاهنا لا تكون رجعة، قال: لأن الخيار يجوز أن يبطل بغير فعل المشتري إذا دخل المبيع نقص، والرجعة لا يجوز أن تثبت بغير اختيار الزوج، وعلى أن بِشْرًا روى عنه: أن فعلها لا يكون رجعة ولا فعل الأمَة يكون إجازة للبيع، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق.
وأما محمد فقال: إسقاط الخيار إدخال الشيء في ملك المشتري، والأمَة لا تملك ذلك، وأما الرجعة فالمرأة على ملكه، فإذا جعلناه مراجعًا (بفعلها) (١) لم تملكه ما لم يكن مالكًا له، فكذلك صحت الرجعة. وقد قال أبو يوسف: إذا لمسته فتركها وهو يقدر على منعها كان ذلك رجعة؛ لأنها لما بقيت على اللمس باختياره؛ صار كأنه لمسها، وكذلك قال: إذا ابتدأت اللمس وهو مطاوع لها.
قال محمد: ولو صَدَّقها الورثة بعد موته أنها لمسته بشهوة كان ذلك رجعة؛ لأن الورثة قاموا مقامه، فكأنه صدَّقها قبل موته.
قال: ولو شهد الشهود أنها قَبَّلته بشهوة لم تقبل الشهادة؛ لأن الشهوة معنى في القلب لا يشاهدونه فلا تقبل شهادتهم فيه، وإن شهدوا على الجماع جاز؛ لأن الجماع معنى يشاهدونه ولا يحتاج فيه إلى شرط [الشهوة] (٢)
قال: ولو نظرت إلى فرجه بشهوة فإن أبا يوسف قال: قياس قول أبي حنيفة؛ أن يكون رجعة، وقال أبو يوسف: هذا فسخ ولا يكون رجعة، وهذا على ما بيّنا أن نظرها إلى فرجه كنظره إلى فرجها في باب التحريم فكذلك في الرجعة.
стр. 1900
قال محمد في الزيادات: وإذا نظر إلى دبرها موضع الجماع منه بشهوة لم يكن ذلك رجعة؛ وهو قول محمد الآخر (١) وقياس قول أبي حنيفة، لأن هذا السبيل لا يجري مجري الفرج، ألا ترى أن الوطء فيه لا يوجب [الحد] (٢)، فصار النظر إليه كالنظر إلى سائر البدن.
وقال أبو يوسف: ويكره له القُبْلة بغير شهوة، واللمس إذا لم يرد الرجعة، ويكره أن يراها [متجردة] (٣) بغير شهوة؛ وذلك لا يأمن أن يشتهي فيصير مراجعًا من غير إشهاد، وهو لا يريد إمساكها، فيطلقها وتطول العدة عليها، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] قال أبو يوسف: والأحسن إذا دخل عليها أن يتنحنح ويسمعها خفق نعليه ليس من أجل أنها حرام ولكن لا يأمن أن يرى الفرج بشهوة فيكون رجعة من غير إشهاد.
وقد قال أصحابنا: إن الطلاق الرجعي لا يوجب تحريم الوطء (٤)، وكان أبو عبد الله البصري يختار أن يوجب التحريم، وهو قول الشافعي، وزاد الشافعي فقال: إن وطئها قبل الرجعة فعليه المهر (٥). وهذه المسألة التي ذكرها أبو يوسف نص في نفي التحريم.
لنا: أنه يصح ظهاره منها وإيلاؤه، ويثبت بينها وبينه اللعان، فلم يجب عليه بوطئها عوض كسائر الزوجات، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ
стр. 1901
بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فسماه بعلًا، والتحريم والطلاق (١) ينفي هذا الاسم؛ ولأنه لفظ طلاق لا يزيل الملك فلا يوجب التحريم، كطلاق المُكْرَهِ والطلاق المُعَلَّق بالشرط، وقول أصحابنا: أنه لا يسافر بها ليس من قِبَلِ التحريم؛ لكن لأن خروجها من منزلها في العدة لا يجوز.
١٦٢٧ - [فَصْل: في تعليق الرجعة]
وإذا قال الزوج بعد الطلاق: إذا جاء غدٌ فقد راجعتك، وإذا دخلت الدار أو إذا فعلت كذا، فليس ذلك برجعة عندهم جميعًا؛ لأن الرجعة استدراك حقٍ فلا يتعلق بالشرط كإسقاط الخيار، ولأنه تبقية للملك، فهو كابتداء الملك فلا يتعلق بالشرط.
قال: وإذا قال في العدة: كنت راجعتك أمس وكذبته، فالقول قوله لأنه أخبر عما يملكه في الحال، فصار كالوكيل قبل العزل إذا قال: قد بعته أمس، ولأن الزوج يملك الرجعة في الحال، فإذا لم تصدقه في تقدمها صار كأنه راجعها في الحال، وإن قال بعد انقضاء العدة: [قد] كنت راجعتكِ وكذبته، فالقول قولها؛ لأنه أخبر عن الرجعة في حال لا يملكها كالوكيل بعد العزل إذا قال: قد كنت بعته، ولا يمين عليها عند أبي حنيفة، وهي [إحدى المسائل المعدودة التي] (٢) لا يستحلف فيها، وقد قدمناها في [كتاب] النكاح، فإن أقام بيّنة على ذلك صحت الرجعة؛ لأن الشهود ينقلون رجعته في العدة، فكأنَّ القاضي سمع ذلك.
стр. 1902
وإن قال لها: راجعتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي؛ فالقول قولها مع يمينها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: القول قول الزوج.
لأبي حنيفة: أن المرأة في العادة لا تخبر بانقضاء عدتها مع انقطاع الدم لجواز أن يعاودها [الدم]، فإذا أخبرت بذلك مجيبة له، فالظاهر أن الانقطاع تقدم على قوله، فصار كأنها قالت: انقضت عدتي، فقال [الزوج]: قد راجعتك؛ ولأنها أمينة فيما تخبر، فما أمكن حمل قولها على الصحة كان أولى، ويُمكن حمل ذلك على الصحة؛ لأن الانقطاع يجوز أن يكون مع [قوله]، وليس كذلك الموكِّل إذا قال للوكيل: قد عزلتك، فقال مجيبًا له: قد كنت بعت؛ لأن [البيع] لا يجوز أن يوجد مع قوله، ولو تقدم على الحال لأظهره.
وجه قولهما: أن رجعة الزوج لا تقف على [قولها] (١)، فلما قال: قد راجعتك، صحت الرجعة، فقولها انقضت عدتي ولا عدة، لا يلتفت إليه كما لو سكتت ساعة ثم قالت ذلك، والقول قولها عند أبي حنيفة مع يمينها؛ لأنها بنكولها تبذل الامتناع من الأزواج والكون في منزل الزوج، وهذا المعنى يصح بذله، فإن قيل: إذا نكلت صَحَّت رجعة الزوج، والرجعة لا يَصِحُّ بذلها، قلنا: إنما يثبت بنكولها العدة والرجعة يملكها الزوج من طريق الحكم لا بقولها، فصار كالنسب الذي يثبت بالفراش عند شهادة المرأة بالولادة، وإن لم يثبت بشهادتها (٢).
стр. 1903
بَابْ: تشبيه الطلاق بماله عددٌ أو لا عدد له
قال أبو الحسن: إذا قال [الرجل] لامرأته: أنت طالق كألف، فإن نوى ثلاثًا فهو ثلاث، وإن نوى واحدة [بائنة] فهي واحدة بائنة، وإن لم يكن له نية فواحدة بائنة في قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف الآخر.
وقال محمد: هي ثلاث، فإن نوى واحدة دينته فيما بينه وبين الله تعالى، ولم أدينه في القضاء لما أن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي اجتماعهما في صفة واحدة، ولا يوجب اشتراكهما في كل وجه، فإذا شبه التطليقة بالألف احتمل أن يكون التشبيه في العدد واحتمل في الشدة، فإن نوى ثلاثًا فقد نوى ما يحتمله لفظه، وإن نوى واحدة فقد نوى التشبيه في الشدة، وذلك يحتمله كلامه، وإن لم يكن له نية وجب حمل الأمر على المتيقن وهو الأدون.
لمحمد أن قوله: كألف، تشبيه من حيث العدد فصار كقوله: كعدد ألف، ولو قال أنت طالق واحدة كألف، فهي واحدة بائنة في قولهم؛ لأنه لما صرح بالواحدة علم أنه أراد [بالتشبيه] الشدة دون العدد فيحمل على ذلك.
قال: ولا يكون ثلاثًا وإن نوى؛ لأن الواحدة لا تحتمل الثلاث، ومن نوى ما لا يحتمله كلامه لم يقع.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف قال أبو حنيفة: إذا قال: أنت طالق كعدد ألف، أو كعدد ثلاثٍ، أو مثل عدد الثلاث، [أو مثل عدد ألف] فهي ثلاث في
стр. 1904
القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن نوى غير ذلك فنيته باطلة؛ وذلك لأنه شبّه الطلاق بالألف من حيث العدد، فصار كمن قال: أنت طالق ثلاثًا ينوي واحدة، ولو قال: أنت طالق مثل عدد كذا، وأشار (١) إلى شيء ليس له عدد فهو في قول أبي يوسف واحدة يملك الرجعة، وفي قياس قول أبي حنيفة بائن.
لأبي حنيفة: أنه وصف الطلاق بضرب من الزيادة، فإذا لم [يرد] (٢) العدد لم يبق إلا البينونة.
لأبي يوسف: أنه لما شبهها بما (٣) لا عدد له، لغا ذكر العدد، فكأنه قال: أنت طالق، قالوا: فيمن قال لامرأته: أنت طالق عدد شعر راحتي، أو عدد ما على ظهر كفي من الشعر، وقد حلق ظهر كفه طلقت واحدة؛ لأنه شبهها بما لا عدد له، ولو قال: عدد شعر كفي، أو عدد شعر رأسي وقد حلقه طلقت ثلاثًا؛ لأن شعر رأسه ذو عدد وإن لم يكن موجودًا في الحال فقد شبهها بما له عدد فوقع. وقال أبو حنيفة: إذا قال: أنت طالق مثل الجبل، أو مثل حبة الخردل، فإنها طالق واحدة بائنة. وقال أبو يوسف: يملك الرجعة.
لأبي حنيفة: أنه وصف الطلاق بضرب من الزيادة، والزيادة إما أن تكون في عدده أو صفته، فوجب إيقاع المتيقن وهو زيادة الصفة.
لأبي يوسف: أن الجبل لا عدد له، فاحتمل أن يكون التشبيه في توحد الجبل فلا يقتضي البينونة، ولو قال مثل عظم الجبل أو مثل عظم كذا، فأضاف
стр. 1905
ذلك إلى صغير أو كبير، فإن أبا حنيفة قال: [هذا] واحدة بائنة وإن لم يسم واحدة، فإن نوى ثلاثًا فهي ثلاث، وهو قول أبي يوسف؛ وذلك لأنه شبهها بالجبل في عظمه، فاقتضى [هذا] زيادة على ما يقتضيه الطلاق، فإن كان سمى واحدة فالزيادة فيها لا تكون إلا بالبينونة، (وإن لم يسمِّ واحدة) (١) احتملت الزيادة الثلاث والبينونة، فيحمل على ما نوى.
وقال أبو حنيفة: إذا قال: أنتِ طالق هكذا وأشار بأصبع واحدة فهي واحدة يملك الرجعة، وإن أشار بثلاث فهي ثلاث، وإن أشار باثنتين فهي اثنتان؛ وذلك لأن الإشارة تفيد العدد بدلالة قوله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وأشار بأصابعه"، وإذا اقتضت الإشارة العدد، صار كقوله أنت طالق ثلاثًا.
وأصلٌ آخر أن الإشارة يعتبر فيها عدد ما أرسله من أصابعه دون ما قبضه، ألا ترى أنه ﵊ قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا"، وقبض (إبهامه) (٢) في الثالثة (٣)، فلو اعتبر المقبوض كان الشهر أحدًا وعشرين يومًا، فدل على أن الإشارة يعتبر فيها ما أرسله، وإن قال: أنت طالق مثل هذا أو (هذا) (٤)، وأشار بثلاث أصابع، فإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة؛ لأنه شبهها بما له عدد فصار كأنه قال: أنت طالق كألف، فإذا نوى به الواحدة كان التشبيه من حيث الشدة.
стр. 1906
بَابْ: المطلقة تطلق في العدة
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الطلاق الصريح يقع على المطلقة ما دامت في العدة، سواء كانت العدة من طلاق رجعي أو بائن، أما المطلقة الرجعية فهي زوجته بدلالة أنه يصح منها ظهاره وإيلاؤه، ويثبت اللعان بينهما فصارت كغير المطلقة؛ وأما المبتوتة فيلحقها صريح الطلاق عندنا.
وقال الشافعي: لا يلحقها (١).
لنا: أنها معتدة من طلاق، فمن كان أحق بنكاحها وقع طلاقه عليها كالرجعية، ولا يلزم المعتدة من وطء بشبهة؛ لأنها غير معتدة من طلاق، ولا يلزم إذا اشترى زوجته لأنه ليس أحق بنكاحها، ولأنها ليست بمطلقة.
وقد قالوا: إن المبتوتة يلحقها صريح الطلاق وما هو في حكم الصريح، وقال أبو يوسف: إذا قال لها: اعتدي، لم يقع عليها شيء، أما الصريح فلأنه موضوع لنقصان العدد، والعدد في ملكه، فكذلك ملك إيقاعه، وأما ما هو في حكم الصريح فلأن مقتضاه الطلاق الرجعي فصار كالصريح.
لأبي يوسف أن قوله: اعتدي، كناية، فصار كقوله: أنت حرام.
وأما ألفاظ الكنايات التي تقتضي البينونة فإنها لا تقع على المبتوتة؛ وذلك
стр. 1907
لأن الطلاق لا يقع بها إلا [بالنية] (١)، وهو إذا نوى إبانتها أو تحريمها، فقد نوى أن يفعل ما هو مفعول، فتلغو نيته، ويبقى بمجرد الكناية من غير نيةٍ فلا يقع به شيء.
وقد قال أصحابنا: إذا قال الرجل لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق (٢) أو حرام، ثم أبانها ثم دخلت الدار وقعت عليها تطليقة بالشرط إن كانت في عدتها، وقال زفر: لا يقع عليها.
لنا: أنه لما عقد اليمين وهي زوجته فقد نوى الإبانة وليست بموجودة، فعملت نيته وصحت يمينه، فإذا أبانها ثم وجد الشرط وقع الطلاق بلفظ قد صح وصفه للطلاق (فيقع) (٣)، وليس كذلك إذا ابتدأ الإبانة لأن نيته لا تصح، ألا ترى أنه نوى إبانة البائن فيلغو نيته وتبقى كناية بغير نية فلا يقع.
فإن قيل أليس لو ابتدأ الظهار في حال العدة لم يصح، ولو علقه بشرط قبل الطلاق ثم أبانها ووجد الشرط لم يصح، فهلا قلتم في الكناية مثله.
فالجواب: أن الظهار إنما لا يصح في المبتوتة؛ لأنه يقتضي تحريمًا مؤقتًا يرتفع بالكفارة، والبينونة أوجبت تحريمًا لا يرتفع إلا بنكاح، فلم يدخل أضعف التحريمين على أقواهما، وهذا المعنى موجود في الظهار المبتدأ والمعلق.
فإن قيل: أليس لو قال لها بعد البينونة اختاري، فاختارت في العدة لم يقع شيء، ولو قال لها قبل البينونة: إذا جاء غد فاختاري ثم أبانها، فاختارت في الغد لم يقع شيء، فاستوى الاختيار المبتدأ والمعلق بشرط.
стр. 1908
فالجواب: أن الاختيار يعتبر فيه اختيارها [دون] تخييره، والطلاق المعلق بالشرط يعتبر فيه اليمين دون الشرط، ولهذا قالوا: إذا شهد شاهدان باليمين، وشاهدان بالدخول، ثم رجعوا ضمن شاهدا اليمين دون شاهدي الدخول، ولو شهد شاهدان بالتخيير، وشاهدان بالاختيار ثم رجعوا، ضمن شاهدا الاختيار دون شاهدي التخيير، فإذا كان المعتبر الاختيار، والاختيار قد حصل بعد البينونة في الوجهين لم يقع.
وجه قول زفر: أن ما لا يصح أن يبتدئه في العدة لا يقع وإن تعلق بالشرط كالظهار.
قال: ولا يقع على بائن ظِهار ولا إِيلاء ولا لِعان، أما الظهار فقد بيّنا أن تحريمه أدون من تحريم الطلاق، (ولا يدخل أضعف التحريمين على أعظمهما) (١)، فأما الإيلاء فلأنه: ثبت عقوبة للزوج حين قصد إلى منع حقها من الوطء، ولا حق للمبتوتة في الوطء.
وأما اللعان: فإنه موضوع لقطع الفراش، وقد انقطع الفراش بالبينونة، وكذلك إن علق الظهار أو الإيلاء بشرط، ثم أبانها فوجد الشرط لما قدمنا، فإن آلى منها ثم أبانها وانقضت مدة الإيلاء [وهي] في العدة وقع عليها الطلاق، لأن تقدير المولى عندنا كمن قال: أنت [طالق] بمضي أربعة أشهر لا أفي فيها، ومن علق الطلاق بمضي المدة فمضت في العدة من طلاق بائن وقع الطلاق، وكل فرقة توجب تحريمًا مؤبدًا، [فإنَّ] (٢) الطلاق لا يلحق المرأة بعدها؛ لأن الطلاق
стр. 1909
يوجب تحريمًا مؤقتًا، والمؤقت أضعف من المؤبد، فلا يدخل أضعف التحريمين على آكدهما، وكذلك إذا اشترى امرأته، وذلك لأنها صارت بحيث لا يلحقها [طلاق بحال] (١) مادامت على هذه الصفة، فهي كالمحرمة تحريمًا مؤبدًا.
فأما إذا قال لامرأته وهي أَمَةٌ: أنت طالق للسُّنَّة، ثم اشتراها وجاء وقت السُّنَّة لم يقع [عليها] شيء؛ لأنها غير معتدة، والطلاق المعلق بالشرط إنما يقع مع بقاء العدة، فإن قال العبد لامرأته وهي حرة: أنت طالق للسُّنَّة ثم أبانها، ثم جاء وقت السُّنَّة وقع عليها الطلاق، لأنها معتدة منه؛ فوزانها من الفصل الأول: إذا اشترى امرأته فأعتقها ثم جاء وقت السُّنَّة وقع عليها الطلاق، لأنها معتدة منه.
قال: وإذا ارتد الرجل ولحق بدار الحرب لم يقع على المرأة طلاقه؛ وذلك لأن العصمة قد انقطعت بلحاقه فلا يقع طلاقه، كما لا يقع بعد العدة، فإن عاد إلى دار الإسلام وهي في العدة وقع طلاقه عليها؛ وذلك لأن المانع من الطلاق اختلاف الدارين وقد زال، فإن ارتدت المرأة ولحقت بدار الحرب لم يقع طلاق الزوج عليها؛ لأن العصمة قد انقطعت بلحاقها، فصارت كالمنقضية العدة، فإن عادت قبل الحيض لم يقع طلاق الزوج عليها عند أبي حنيفة؛ لأن العدة سقطت عنها باختلاف الدارين، فلا تعود إلا بعود سببها، وعلى قول أبي يوسف: أن العدة باقية، وإنما كان لا يقع الطلاق لاختلاف الدارين، فإذا رجعت (فقد عدم ذلك المعنى) (٢) فوقع الطلاق عليها (٣).
стр. 1910
بَابْ: الطلاق بالفارسية
قال الشيخ ﵀: الأصل الذي يعتبر في هذا الباب أن الفارسية إذا كان فيها لفظ مستعمل في الطلاق لا يستعمل في غيره، فذلك اللفظ صريح يقع به الطلاق بغير نية؛ لأن هذه العلة هي الموجبة للوقوع بصريح الطلاق من غير نية، والصريح لا يختلف باللغات وإن لم يكن فيها لفظ [صريح، وإنما فيها لفظ] يستعمل في الطلاق وغيره فهي ككنايات العربية لا يقع به الطلاق إلا بمعنى [ينضمّ] (١) إليه، وهذه الجملة هي [المعتبرة] (٢)، وما أجاب به أصحابنا (صريح، قلنا: فيها لفظه) (٣) فإنما سألوا عن معنى الصريح بالفارسية فوجدوها: خلية، فحملوها على لفظ العربية، وليس يمتنع أن تكون التخلية كناية في العربية وصريحًا في غيرها، ونحن نتكلم على ما ذكروه.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في فارسي قال لامرأته (بهشتم [أو تهشتم] أزْ زني، أو قال أزْ زني بهشتم)، فإن أبا حنيفة قال: لا يكون طلاقًا إلا أن ينوي الطلاق، لأن تفسير هذه الكلمة بالعربية (التخلية) والتخلية لا يقع بها الطلاق إلا بالنية.
قال: وإن كان ذلك في غضب أو جواب، فهو باطل إلا أن ينوي الطلاق؛
стр. 1911
وذلك لأن هذه اللفظة أقيمت مقام لفظة التخلية، فهي أضعف منها فلا تؤثر فيها دلالة الحال.
قال: فإن نوى الطلاق بغير نية بائن ولا عدد، فهي طالق واحدة يملك الرجعة، وإن نوى بائنًا فبائن، وإن نوى ثلاثًا فثلاث؛ وذلك لأنه لمّا لم ينوِ إلا الطلاق احتمل أن تكون هذه اللفظة صريحًا فتقتضي الرجعة، واحتمل أن تكون كناية فلم تقع بها البينونة بالشك، فإن نوى البائن كان بائنًا؛ لأن لفظة التخلية تحتمل ذلك، وكذلك إذا نوى الثلاث كالعربي إذا قال: (خليت) ينوي ثلاثًا، وإن نوى اثنتين فهي واحدة يملك الرجعة؛ وذلك لأن لفظة التخلية لا تفيد العدد، فإذا نواه لغا.
قال: وقال أبو يوسف خلاف ذلك، فقال: إذا قال: (بهشتم أزْ زني)، أو قال: (أزْ زني بهشتم) فهو طلاق، نوى الطلاق أو لم ينوِ إذا كان جوابًا (١)، أو كان حال الغضب أو الرضا، فهو طلقة رجعية؛ وذلك لأن أبا يوسف خالط العجم ودخل (٢) جرجان فعرف أن هذه اللفظة صريح في لغتهم، فأوقع بها ما يقع بالصريح.
قال: فإن قال: (بهشتم)، ولم يقل: (أزْ زني)، فإن كانت سألته الطلاق فأجابها بذلك، أو كان في غضب فهي واحدة، يملك الرجعة ولا يدين في القضاء، وإن قال عنيت به الترك لها في الخروج أو في النفقة، دُيِّنَ بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء؛ وذلك لأن (بهشتم) معناها: خليت، وليس هذا يختص بالنكاح ولا بالزوجة، فلا يحمل عليه إلا بدليل حال أو نيّة، فإن
стр. 1912
وجد الدليل صار صريحًا فلم يصدق في صرفه عن ظاهره في القضاء، وإن نوى به بائنًا فبائن، وإن [نوى] ثلاثًا فثلاث؛ وذلك لأن هذا الصريح إذا كان معناه التخلية وهي تفيد البينونة والعدد؛ جاز أن يحمل عليه بالنية، وليس يمتنع أن يختلف صريح العربية والفارسية فيما يتضمن من المعاني.
قال: وإن قال: (بهشتم) (في غير الجواب والغضب) (١) ولم ينوِ طلاقًا، فالقول قوله في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وهذا لما قدمنا.
وقال ابن رستم عن محمد: هذا كلام ضيق يأتي على هذا كله [إذا قال: (بهشتم)] في حال غضب ومذاكرة طلاق (ثم قال: لم أنوِ بذلك طلاقًا، دُيِّن في ذلك إذا لم يكن ذلك في ذكر طلاق) (٢) ولم يكن جوابًا؛ لأنه في تفسير العربية بمنزلة قوله: (أنت مخلاة وقد خليتك)، وأما الطلاق بالفارسي الذي لا ندينه فمثل الرجل يقول لامرأته (أزْ زني بهشتم)، وهو ينوي الطلاق فهذا عندنا طلاق، وقد بينا وجه ذلك.
وقال الحسن عن زفر: إن قال: بهشتم، وهو ينوي الطلاق لا ينوي بائنًا أو غيره فقد بانت، وإن نوى اثنتين فهي اثنتان (بائنتان) (٣)، وإن نوى ثلاثًا فثلاث؛ وذلك لأنه حمله على معنى التخلية فيقع به الطلاق البائن بغير نية في البينونة، وإن نوى اثنتين أو ثلاثًا وقع على أصله في الكنايات العربية.
стр. 1913
بَابْ: الرجل يجعل أمر امرأته بيدها
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته: أمرك بيدك، وهو يريد الطلاق وهي تسمع، فأمْرُها بيدها، فإن لم تسمع أو كانت غائبة فأمرها بيدها إذا علمت أو بلغها ذلك في المجلس الذي علمت فيه بالخيار.
قال الشيخ ﵀: الأصل في ذلك أن الزوج يملك إيقاع الطلاق فملك أن يفوضه إلى غيره كالبيع والشراء وسائر التصرفات، وإنما قلنا إنه يقف على علمها؛ لأن ما [طريقه] (١) الأقوال يقف على العلم (كأقوال) (٢) صاحب الشريعة، فإن كانت تسمع فالأمر إليها في مجلسها لأنه (ملّكها) (٣) الطلاق، والتمليك مؤقت بالمجلس كخيار القبول، وإن كانت غائبة فهو على وجهين:
إن أطلق الكلام فلها الخيار في المجلس الذي بلغها؛ لأنه لم يخصص التفويض بوقت، فإذا علمت صار كأنه فوض إليها الآن فيقف على المجلس.
وأما إن جعل إليها الأمر مؤقتًا بوقت فإن بلغها مع بقاء شيء من الوقت فلها الخيار في بقية الوقت، وإن مضى الوقت قبل أن تعلم ثم علمت به فلا خيار لها؛ لأنه خص التفويض بزمان، فإذا مضى بطل علمت أو لم تعلم.
стр. 1914
قال: وإذا علمت فقالت: قد اخترت نفسي؛ بانت بواحدة ولا تحل له إلا بنكاح مستقبل؛ وذلك لأن الاختيار [يفيد] (١) البينونة قياسًا على الخيار الطارئ على النكاح وهو خيار المعتقة، فإذا كان الزوج أراد [ثلاثًا] (٢) بقوله: أمركِ بيدكِ، فقالت: قد اخترت نفسي فهي ثلاث؛ وذلك لأن تفويض الأمر عام في الواحدة والثلاث، فإذا نوى به ثلاثًا حمل اختيارها على ما نوى.
قال: فإن أراد اثنتين أو واحدة أو لم تكن له نية في عدد فهي واحدة؛ وذلك لأن قوله: جعلت أمرك [بيدك] (٣) في معنى كنايات الطلاق؛ بدلالة وقوفه على النية والكناية فحمل على الواحدة إلا أن ينوي ثلاثًا، ولا يحمل على الاثنتين [وإن نوى] (٤).
قال: وليس للزوج بعد قوله: (أمرك بيدك) أن يرجع عن ذلك، ولا ينهى المرأة عما جعل إليها ولا يفسخ ذلك؛ لأن الطلاق إذا [تمَّ] لم يلحقه الفسخ، فإيجابه يتأكد بحسب تأكد جملته فلا يصح الرجوع عنه، ولما كان البيع يلحقه الفسخ بعد تمامه ضعف إيجابه فجاز الرجوع عنه؛ ولأنه لما علق الطلاق باختيارها صار كمن علق بشرط ثم رجع عنه.
قال: وكذلك إن قام هو عن المجلس فالأمر بيدها [ما دامت] (٥) في مجلسها؛ لأن قيامه إعراض عما هو فيه، فإذا كان لا يبطل بإبطاله لم يبطل بإعراضه، وليس
стр. 1915
كذلك الموجب للبيع إذا قام؛ لأن الإيجاب يبطل بإبطاله فيبطل بإعراضه.
قال: والأمر إليها ما دامت في مجلسها وإن تطاول؛ لأن الحكم المتعلق بالمجلس يبقى ببقاء المجلس، وإن طال ما لم يحصل (الإعراض) (١) عنه كقبول البيع، فإن قامت بطل؛ لأن القيام يدل على الإعراض.
وكذلك إن كان منها كلام أو فعل يكون تركًا للجواب وإعراضًا عنه، مثل أن تدعو بطعام أو تأمر وكيلها بشيء، أو تقبل على رجل تخاطبه ببيع أو شراء؛ وذلك لأن هذه الأفعال تدل على الإعراض عما جعل إليها [فكانت] (٢) كقيامها، وكذلك إن كانت قاعدة فقامت؛ لأن القاعد يجتمع رأيه، فإذا أرادت الفكر لم تقم، فلهذا قالوا: لو كانت قائمة فقعدت لم يبطل خيارها؛ لأن القعود (عند العزم على الفكر أجمع للارتياء) (٣) فلا يدل ذلك على الإعراض، (فإن كانت قائمة فركبت بطل خيارها؛ لأن التشاغل بالركوب إعراض) (٤)، وكذلك إن كانت على دابة فانتقلت إلى دابة أخرى، وإن كانت سائرة أو كانا في مَحْمِل واحد، فإن اختارت على الفور وإلا بطل خيارها؛ لأن السير عمل فهو في حكم المجلسين.
قال: وإن ابتدأت الصلاة بطل خيارها؛ لأنها تشاغلت بغير الخيار، فإن كانت في [صلاة] فريضة فخيَّرها، لم يبطل خيارها حتى تخرج من الصلاة؛ لأنها ممنوعة من قطع الفريضة، فلا يُستدل بإتمامها على الإعراض، وإن كانت في تطوع لم يبطل خيارها حتى تتم ركعتين من النفل لأنها ممنوعة من قطعها، فإن
стр. 1916
زادت على الركعتين بطل خيارها؛ لأن التشاغل بما زاد على الركعتين في النفل كالدخول في صلاة أخرى، وكذلك إن امتشطت أو اغتسلت؛ لأنه عمل يدل على الإعراض، وكذلك إن أخذ الزوج بيدها فأقامها؛ لأنها تقدر أن تمتنع منه، ولو لم تقدر لأمكنها أن تقول: اخترت نفسي، وكذلك إن وطئها الزوج؛ لأن تمكينها له من الوطء دلالة على أنها لم تختر الفرقة.
فإن لبست ثوبًا أو أكلت شيئًا يسيرًا من غير أن تدعو بطعام لم يبطل خيارها؛ [وذلك] لأن اللبس يحتاج إليه لتستتر به عمن يحضرها من الشهود، والأكل اليسير لا يدل على الإعراض فإن كانت متَّكِئة فقعدت لم يبطل خيارها؛ لأن المتكئ إنما يجلس ليجتمع فكره، ولو كانت جالسة فاتكأت، بطل خيارها في إحدى الروايتين؛ لأن المرء إذا كان متكئًا جلس فأما إن يتكئ فلا، وعلى الرواية الأخرى يقول: [لا يبطل خيارها]؛ لأن (المفكر) (١) تارة ينتقل من الاتكاء إلى القعود، وتارة من القعود إلى الاتكاء، فجريا مجرى واحدًا، فإن سبّحت أو قرأت شيئًا قليلًا لم يبطل خيارها وإن طال بطل؛ لأن التسبيح اليسير والقراءة القليلة لا يخلو الإنسان عنها، وقد يفعلها عند الاستخارة فلا يدل على الإعراض، فإذا طال ذلك دل على الإعراض، فيبطل خيارها.
ولو قالت: ادعو لي شهودًا أشهدهم، لم يبطل خيارها؛ لأن هذا من عمل الخيار، ألا ترى أنها تحتاج إلى الشهود حتى لا يجحد الزوج اختيارها، (والعمل) (٢) في الخيار ليس بإعراض، وعلى هذا قالوا: إذا قالت: ادعو لي أبي أستشيره؛ لأن المشورة من عمل الخيار.
стр. 1917
وقد روي أن رسول الله ﷺ لما خير نساءه قال لعائشة قبل ذلك: "إني أعرض عليك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك" (١)، فدل على أن المشورة لا تبطل الخيار.
قال: فإن قامت من مجلسها، أو قطعت المجلس بكلام، لم يعد الأمر في يدها بذلك الجعل أبدًا؛ وذلك لأنه ملكها الطلاق، فإذا أعرضت عنه فقد ردت التمليك، فيصير كإيجاب البيع إذا رد.
قال: وليس لها أن تختار إلا مرة واحدة؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، فإن قال لها: أمرك بيدك كلما شئت، فأمرها بيدها في ذلك المجلس (وغيره) (٢)، ولها أن تطلق نفسها في كل مجلس واحدة حتى تبين بثلاث؛ وذلك لأن كلما تقتضي تكرار الأفعال فيتكرر التمليك بتكرر المشيئة، إلا أنها لا تطلق نفسها في مجلس واحد أكثر من تطليقة واحدة؛ لأنه في كل مجلس كأنه قال لها: أمرك بيدك، فإذا اختارت فقد استوفت موجب ذلك الأمر.
فإنما يتجدد لها الملك في مجلس ثانٍ بمشيئة مستقبلة، فإذا استوفت ثلاث تطليقات ثم تزوجها بعد زوج، فلا خيار لها، لأنها استوفت طلاق ذلك الملك، والزوج إنما مَلَّكَها ما كان يملك، فما لا يملك لا يجوز أن يتملكه بتمليكه.
١٦٢٨ - [فَصْل: قول الرجل: أمرك بيدك متى شئتِ]
فإن قال لها: أمرك بيدك إذا شئت، أو متى شئت، أو إذا ما شئت، أو متى ما شئت؛ فلها الخيار في المجلس وغير المجلس أن تختار مرة واحدة ولا يتكرر
стр. 1918
[لها] في هذا الخيار؛ وذلك لأن: "إذا" و"متى" يفيد الوقت، فكأنه قال: اختاري أي وقت شئت، فلا يختص بزمان دون زمان إلا أنه لا يفيد التكرار، وإذا استوفت ما جعل لها لم يكن لها بعد ذلك خيار.
١٦٢٩ - [فَصْل: اختيار المرأة الزوج في المجلس]
فإن اختارت في المجلس زوجها، خرج الأمر من يدها في (كلما) وفي غيره؛ وذلك لأن اختيارها للزوج رد للتمليك (١)، فيبطل ما جعل إليها في جميع الأوقات.
وقد قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال لامرأته: أمرك (إليك) (٢) هذا الشهر، فقالت: قد اخترتكَ، أو لا أختار الطلاقَ؛ خرج الأمر من يدها في جميع الشهر؛ لأنه [تمليك] (٣) واحد فيبطل بردٍّ واحد كتمليك البيع، وقال أبو يوسف: يبطل (اختيارها) (٤) في ذلك المجلس ولا يبطل في مجلس آخر؛ لأن ردها كقيامها، فإذا لم يبطل قيامها اختيارها في ذلك المجلس، فلا يبطل في المجلس الثاني، كذلك الرد.
١٦٣٠ - [فَصْل: قول المرأة: أنتَ عليّ حرام في جواب قول الزوج أمرك بيدك]
وإذا قال لها: أمرك بيدك، فقالت: أنتَ علي حرام، أو أنت مني بائن، أو أنا عليك حرام، أو أنَا منك بائن، فهو جواب (وهي طالق) (٥)، وهذه رواية عن
стр. 1919
أبي حنيفة وأبي يوسف في [الإملاء] (١)؛ لأن هذه الألفاظ كلها تفيد الطلاق، فكأنها قالت: طلقت نفسي، وكذلك لو قالت: أنا حرام أو أنا بائن؛ لأن لفظ الطلاق المضاف إليها جواب عمّا جعل إليها، [فيقع الطلاق] (٢)، فإن (قالت) (٣): أنت بائن أو حرام، ولم تقل: مني، فهو باطل؛ لأن الزوج قد يتصف بهذه الصفة غيرها فلا يتخصص ذلك بطلاقها.
قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: فإن قالت: أنت مني طالق؛ لم يقع شيء لأن الزوج لا يوصف بهذه الصفة، فإضافة الطلاق إلى ما لا يوصف [بها] (٤)، لا يتعلق به حكم كإضافته إلى الأجنبي، ولو قالت: أنا طالق، ولم تقل: منك، أو قالت: منك، فهي طالق؛ لأن المرأة توصف بالطلاق فيتعلق بوصفها به حكم.
وإن لم يرد الزوج (بأمرك بيدك) طلاقًا فليس بشيء، إلا أن يكون في ذكر طلاق أو غضب، فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولا يدين في القضاء؛ لأنه لفظ محتمل، ألا ترى أنه يقول: أمرك بيدك في الخروج والانتقال، والمحتمل لا يقع به الطلاق إلا بالنية، ودلالة الحال تقوم مقام النية، فلا يصدق معها في القضاء، فإن ادعت المرأة أنه أراد الطلاق، أو أن ذلك كان في غضب أو في ذكر طلاق، فالقول قوله مع يمينه؛ لأنها تدّعي عليه الطلاق وهو يجحد، فإن أقامت البينة أن ذلك كان في ذكر طلاق أو غضب قبلت بينتها؛ [لأنها أقامت البينة على
стр. 1920
معنى يشاهده الشهود] (١)، فإن أقامت البينة أنه نوى لم تقبل؛ لأن [النية] (٢) معنى لا يشاهده الشهود فلا يصح أن يرجع إليهم فيه (٣). اهـ
стр. 1921
[٤١] بَابْ: الخِيَار (١)
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته: اختاري! فهو مثل: (أمركِ بيدكِ)، في جميع ما ذكرنا إلا وجهًا واحدًا: لا يقع به الثلاث وإن أرادها الزوج.
والأصل في هذا: أن القياس عندهم ألا يقع بقوله (اختاري) شيء وإن اختارت؛ لأن الزوج لا يملك إيقاع الطلاق بهذا اللفظ، فلا يجوز أن يفوض إليها به، وإنما تركوا القياس لأن رسول الله ﷺ خيّر نساءه (٢)، (فلو كان التخيير لا يقع به) (٣) الفرقة لم يكن لتخييره معنى، ولأن الصحابة أجمعت على أن المخيرة إذا اختارت في مجلسها وقع الطلاق، ولأنهم شبهوا التخيير بالخيارات الطارئة على النكاح، وهو خيار امرأة العِنِّين والمعتقة، وإذا ثبت هذا فاختيارها على المجلس، روي ذلك عن علي، وعمر، وعثمان، وابن مسعود، وجابر، وعبد الله بن عمر، وعائشة ﵃، فإن اختارت زوجها فليس بشيء، روي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وآخرين، وكان أبو الدرداء يقضي بذلك بالشام، وعن علي: أنها تطليقة رجعية (٤).
стр. 1922
لنا: ما روي عن عائشة أنها قالت: (خيّرنا رسول الله فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقًا) (١)؛ ولأن التخيير إنما هو في مفارقة الزوج أو البقاء على النكاح، واختياره يدل (على الإعراض عن ترك النكاح) (٢)، وأما إذا اختارت نفسها فهي تطليقة بائنة (٣).
وقال الشافعي: رجعية (٤).
وقال زيد بن ثابت: ثلاث تطليقات.
لنا: أنه خيار طارئ على النكاح، فصار كخيار المعتقة فلا يتضمن العدد، [ويفيد البينونة] ولأن القياس أن لا يقع به شيء، وإنما (تركنا) (٥) القياس للإجماع على وقوع الواحدة، فما زاد عليها على أصل القياس.
١٦٣١ - [فَصْل: الطلاق في حال اختيار نفسها إذا خيّرها الزوج]
وإذا قال الزوج: اختاري نفسك، فقالت: قد اخترت، أو قال لها: اختاري، فقالت: قد اخترت نفسي وقع الطلاق (٦)، لا بد أن تكون النفس مذكورة في كلام الزوج أو جواب المرأة، [أو يكون في كلام] (٧) الزوج كناية عن تطليقة أو عن
стр. 1923
اختياره، أو يكون ذلك في كلامها، فإن قال: اختاري، فقالت: قد اخترت لم يكن شيئًا، وذلك لأنه إذا قال: اختاري، فقالت: اخترت، فليس للتخيير [ولا] للاختيار، فخصص بها فلا يقع به الطلاق، مثل ما إذا كانت النفس مذكورة في لفظ الزوج أو لفظها يخصص الاختيار بها وكذلك لفظ الطلاق، مثل أن يقول: اختاري الطلاق أو اختاري اختياره، وتقول هي: اخترت الطلاق؛ لأن ذلك يتخصص بها.
وقد قالوا: إذا قالت: اخترت أبي أو أمي أو أهلي أو الأزواج، إن القياس أن لا يقع بذلك شيء؛ لأنه ليس في لفظه ولا في لفظها ما يخصص الاختيار بها، وإنما استحسنوا فقالوا: إن المرأة عند الطلاق تلحق بأبويها وأهلها وتختار الأزواج، فصار اختيارها لذلك دلالة على الطلاق، فكأنها قالت: اخترت الطلاق (١).
стр. 1924
بَابْ: الطلاق بالمشيئة
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الزوج لامرأته: أنت طالق إن شئت، فهو مثل الخيار في جميع ما ذكرت لك إلا أن الطلاق واحدة رجعية.
والأصل في هذا: أن الطلاق إذا عَلَّقَه (١) بفعل من أفعال القلب مثل قوله: أنت طالق إن شئت، أو إن أحببت، أو إن هويتِ، أو أردت، أو رضيتِ، فهذا كله على المجلس؛ لأنه علقه بفعل من أفعال القلب فهو مثل الخيار.
وقد قالوا: إذا قال لها: إن كنت تحبيني أو إن كنت تبغضيني فأنت طالق، فقالت: أنا أحبك، وقع الطلاق استحسانًا، وكان القياس أن لا يقع؛ لأنه علّقه بشرط لا يُعلم وجوده.
والاستحسان: أن المحبة لما لم تعلم إلا من جهتها صار كأنه قال: إن قلت (إني أحبك) (٢) فأنت طالق، وعلى هذا الأصل قالوا: إذا قال لها: إن كنت تحبين أن يعذبك الله بالنار أو تكرهين دخول الجنة فأنت طالق، فقالت: إني أحب العذاب وأكره الجنة وقع الطلاق [عند أبي حنيفة وأبي يوسف]؛ لأن المحبة لما لم تُعلم إلا [من جهتها] بقولها، صار الشرط ما [تظهره] دون ما في قلبها، وكذلك لو قال لها: إن كنت تحبيني بقلبك فأنتِ طالق، فقالت: أنا أحبك، وفي
стр. 1925
قلبها غير ذلك وقع الطلاق عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن ما في قلبها لمّا لم يتوصل إلى معرفته إلا بإظهارها صار كأنه قال: إن قلت إني أحبك بقلبي.
وقال محمد: لا يقع، لأنه جعل الشرط ما في قلبها، وفي قلبها خلاف ما أظهرت، وكذلك جعل [شرط الطلاق] محبتها [للنار]، ونحن نعلم أنها كاذبة في قولها: (أنا أحب النار)، وأما قوله: (أنه يقع رجعيًا) فلأنه صريح الطلاق، وصريح الطلاق رجعي وليس كذلك الخيار؛ لأنه ليس بصريح ولا في معناه، [فلذلك] (١) كان بائنًا، وإن قال لها: طلقي نفسك إن شئت، فقالت: قد شئت، لم يقع عليها شيء؛ لأنه أمرها أن توقع الطلاق فلم توقع.
وفي الفصل الأول علق الطلاق بمشيئتها، فإذا وُجد الشرط وقع، قال: فإن قال: طلقي نفسك، فهو على المجلس؛ لأن المرأة لا تكون وكيلة في حق نفسها، فكانت مملكة والتمليك على المجلس، وليس كذلك إذا قال لأجنبي: طلقها؛ لأنه يجوز أن يكون وكيلًا في طلاقها، [والتوكيل] (٢) لا يقف على المجلس.
قال: فإن أراد بقوله: طلقي نفسك ثلاثًا، فقد صار في يدها الثلاث لأن هذا أمر، والأمر وإن لم يتضمن العدد بإطلاقه فهو يحتمله، ألا ترى أن في أوامر الله تعالى ما يتضمن العدد.
قال: فإن طلقت نفسها ثلاثًا أو اثنتين أو واحدة وقع؛ لأنه ملّكها ثلاث تطليقات، فصارت كالزوج المالك لها، فيجوز أن توقعها ويجوز أن توقع بعضها.
стр. 1926
١٦٣٢ - [فَصْل: قول الزوج: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت]
ولو قال: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فشاءت اثنتين أو واحدة لم يقع شيء؛ لأنه جعل مشيئتها للثلاث شرطًا في وقوع الطلاق، فإذا وجد بعض الشرط لم يقع به شيء، فإن قال: طلقي نفسك واحدة إن شئت أو اثنتين، فشاءت أكثر من ذلك لم يقع في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يقع ما جعل إليها، وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة، ولم يقل (اهـ ١٢٧) - (ب ١٢٨) إن شئت، وكذلك قال أبو حنيفة: إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فقالت: (قد شئت ثلاثة إن شئت، قال) (١): شئت عشرًا لم يقع شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: يقع [ثلاثًا].
لأبي حنيفة: أن الطلاق يقف على العدد كما يقف على الشرط بدلالة أن من قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، وقف قوله (أنت طالق) على العدد، كما يقف لو قال: إن دخلت الدار، ولهذا قالوا فيمن قال: أنت طالق ثلاثًا، فماتت قبل أن يقول ثلاثًا لم يقع، فلهذا (٢) وقف الطلاق على العدد كما يقف على الشرط.
ولو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فعلقته بالدخول وكلام زيد، لم يتعلق، وكذلك إذا جعل إليها العدد فأوقعته مع غيره، وليس كذلك إذا قالت: طلقت نفسي واحدة، وواحدة، وواحدة؛ لأنها فرغت مما جعل إليها واشتغلت بغيره، فصار كما لو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فقالت: أنا طالق إن
стр. 1927
دخلت الدار وسكتت، ثم قالت: وكلمت زيدًا، ولا يلزم إذا وكله ببيع عبده فباعه مع عبد آخر؛ لأنا قيدنا العلة بالطلاق، وعلى أن البيع لا يقف على الشرط، ألا ترى أنه لو قال: بع هذين العبدين، فباع أحدهما جاز.
و [قد] قال أبو يوسف: إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أَبَنْتُ نفسي؛ لم يقع على قياس قول أبي حنيفة، ووقع عندهما تطليقة رجعية، وصار كأنها قالت: أبنت نفسي بتطليقة.
وجه قولهما: أنه علق الطلاق بمشيئته الواحدة، فإذا شاءت الثلاث فقد شاءت الواحدة وزيادة (وهذا يبطل به إذا) (١) قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار [فعلقت بالدخول وغيره]، فيقولان: إنها أوقعت ما جعل إليها وزيادة، فبطلت الزيادة، كما لو قالت: طلقت نفسي واحدة وواحدة.
١٦٣٣ - [فَصْل: قول الزوج: طلقي نفسك]
فإن قال لها: طلقي نفسك إن شئت، أو لم يقل: إن شئت، فقالت اخترت نفسي لم يقع، ولو قال لها: اختاري، فقالت: طلقت نفسي وقع ذلك؛ لأن لفظ الاختيار أضعف من لفظ الطلاق، فلهذا لا يملك الزوج الإيقاع به، وقد كان في القياس: أن لا يقع به شيء، فإذا جعل إليها الطلاق القوي فعدلت إلى اللفظ الضعيف لم يقع [به] شيء، وإذا قال لها: اختاري، فقد فوض إليها بلفظ ضعيف، فإذا أتت بالطلاق فقد أوقعت بلفظ قوي فيقع، ولأن الاختيار لا يجوز أن يكون إلا جوابًا لقوله: اختاري.
стр. 1928
ألا أترى أن امرأة لو قالت: اخترت نفسي، فأجاز الزوج لم يقع شيء، والطلاق يجوز أن يكون طلاقًا لا على وجه الجواب.
ألا ترى أنها لو طلقت نفسها فأجاز الزوج وقع، فكذلك جاز أن يكون جوابًا للاختيار.
قال: ولو قال: أمركِ بيدكِ في تطليقة، أو اختاري تطليقة، فهي تطليقة رجعية؛ لأنه جعل إليها صريح الطلاق، (وصريح الطلاق رجعي) (١)(٢).
стр. 1929
بَابْ: الرجل يجعل أمر امرأته بيدها مؤقتًا
وإذا قال الرجل لامرأته: أمركِ بيدكِ يومًا أو اليومَ، أو قال: شهرًا أو [هذا] الشهر، أو قال: سنة أو [هذه] السنة، فلها الأمر في الوقت كله تختار نفسها (فيما شاءت منه) (١)، ولا يكون تركها للجواب في شيء (منه) (٢) أو تشاغلها بغير الجواب إبطالًا للخيار ما يبقي من الوقت شيء؛ وذلك لأن الطلاق بيده فيملك أن يفوضه إليها في زمان دون زمان كالتوكيل بالتصرف، فإذا ثبت لها الخيار في المدة لم يكن تشاغلها مسقطًا للخيار؛ لأنه لو سقط بإعراضها لم يكن للتوقيت فائدة، ولصار المؤقت وغير المؤقت سواء، وهذا لا يصح؛ لأن التوقيت على وجهين: إذا [نكّر] (٣) الوقت، فقال: يومًا أو شهرًا أو سنة فلها من ساعتها إلى مثلها من الغد، ولها من وقتها إلى (شهر وإلى سنة) (٤)؛ لأن استيفاء المدة لا يمكن إلا بذلك، ويكون الشهر هاهنا بالأيام؛ لأن الشهر بالإطلاق يقتضي الأهلَّة، فإذا ملكها في بعض الشهر شهرًا لم يمكن (اعتبار الأهلة فاعتبر الأيام) (٥).
وأما إذا عرّف فقال: هذا اليوم، أو هذا الشهر أو هذه السنة، فلها الخيار في
стр. 1930
بقية اليوم، وفي بقية الشهر، وفي بقية السنة؛ لأنه علقه بزمان معين، ولا يمكن إثبات الخيار في غيره، ويكون الشهر هاهنا على الهلال؛ لأنه هو الأصل، وإنما يعدل عنه للضرورة ولا ضرورة في هذا الموضع.
١٦٣٤ - [فَصْل: الخيار متعلق بالوقت، سواء علمت أو لم تعلم]
وسواء علمت في أول الوقت أو لم تعلم أن الخيار متعلق بالوقت؛ وذلك لأنه جعل الخيار في زمان مخصوص، فلو اعتبر العلم [لثبت] (١) لها الخيار في أكثر من ذلك الزمان، وهذا لم يرض به.
١٦٣٥ - [فَصْل: قول الرجل: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يومًا]
وإذا قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يومًا، أو قال: اليوم الذي يقدم فيه فلان، فإذا قدم فلان فلها الخيار في ذلك الوقت، فإذا مضى بطل خيارها سواء علمت أو لم تعلم؛ وذلك لأن التمليك المعلق بالشرط كالموقع عقيب الشرط، فصار عند القدوم كأنه قال لها: أنت بالخيار اليوم، فلا يثبت لها بعد ذلك.
١٦٣٦ - [فَصْل: الخيار متعلق بالشرط كالموقع عقيبه]
ولو قال لها: إذا قدم فلان فأمرك بيدك ولم يؤقته، فقدم فلان فالخيار بيدها إذا علمت في مجلسها الذي [تعلم] (٢) فيه، لما بينا أن الخيار المتعلق بالشرط كالموقع عقيبه، فصار عند القدوم كأنه قال: أمرك بيدك، فإذا علمت كان لها [الخيار] في المجلس الذي تعلم فيه.