← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

١٦٣٢ - [فَصْل: قول الزوج: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت] ولو قال: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فشاءت اثنتين أو واحدة لم يقع شيء؛ لأنه جعل مشيئتها للثلاث شرطًا في وقوع الطلاق، فإذا وجد بعض الشرط لم يقع به شيء، فإن قال: طلقي نفسك واحدة إن شئت أو اثنتين، فشاءت أكثر من ذلك لم يقع في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع ما جعل إليها، وعلى هذا الخلاف إذا قال لها: طلقي نفسك واحدة، ولم يقل (اهـ ١٢٧) - (ب ١٢٨) إن شئت، وكذلك قال أبو حنيفة: إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا إن شئت، فقالت: (قد شئت ثلاثة إن شئت، قال) (١): شئت عشرًا لم يقع شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: يقع [ثلاثًا]. لأبي حنيفة: أن الطلاق يقف على العدد كما يقف على الشرط بدلالة أن من قال لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثًا، وقف قوله (أنت طالق) على العدد، كما يقف لو قال: إن دخلت الدار، ولهذا قالوا فيمن قال: أنت طالق ثلاثًا، فماتت قبل أن يقول ثلاثًا لم يقع، فلهذا (٢) وقف الطلاق على العدد كما يقف على الشرط. ولو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فعلقته بالدخول وكلام زيد، لم يتعلق، وكذلك إذا جعل إليها العدد فأوقعته مع غيره، وليس كذلك إذا قالت: طلقت نفسي واحدة، وواحدة، وواحدة؛ لأنها فرغت مما جعل إليها واشتغلت بغيره، فصار كما لو قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار، فقالت: أنا طالق إن

стр. 1927

دخلت الدار وسكتت، ثم قالت: وكلمت زيدًا، ولا يلزم إذا وكله ببيع عبده فباعه مع عبد آخر؛ لأنا قيدنا العلة بالطلاق، وعلى أن البيع لا يقف على الشرط، ألا ترى أنه لو قال: بع هذين العبدين، فباع أحدهما جاز. و [قد] قال أبو يوسف: إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أَبَنْتُ نفسي؛ لم يقع على قياس قول أبي حنيفة، ووقع عندهما تطليقة رجعية، وصار كأنها قالت: أبنت نفسي بتطليقة. وجه قولهما: أنه علق الطلاق بمشيئته الواحدة، فإذا شاءت الثلاث فقد شاءت الواحدة وزيادة (وهذا يبطل به إذا) (١) قال لها: علقي طلاقك بدخول الدار [فعلقت بالدخول وغيره]، فيقولان: إنها أوقعت ما جعل إليها وزيادة، فبطلت الزيادة، كما لو قالت: طلقت نفسي واحدة وواحدة. ١٦٣٣ - [فَصْل: قول الزوج: طلقي نفسك] فإن قال لها: طلقي نفسك إن شئت، أو لم يقل: إن شئت، فقالت اخترت نفسي لم يقع، ولو قال لها: اختاري، فقالت: طلقت نفسي وقع ذلك؛ لأن لفظ الاختيار أضعف من لفظ الطلاق، فلهذا لا يملك الزوج الإيقاع به، وقد كان في القياس: أن لا يقع به شيء، فإذا جعل إليها الطلاق القوي فعدلت إلى اللفظ الضعيف لم يقع [به] شيء، وإذا قال لها: اختاري، فقد فوض إليها بلفظ ضعيف، فإذا أتت بالطلاق فقد أوقعت بلفظ قوي فيقع، ولأن الاختيار لا يجوز أن يكون إلا جوابًا لقوله: اختاري.

стр. 1928

ألا أترى أن امرأة لو قالت: اخترت نفسي، فأجاز الزوج لم يقع شيء، والطلاق يجوز أن يكون طلاقًا لا على وجه الجواب. ألا ترى أنها لو طلقت نفسها فأجاز الزوج وقع، فكذلك جاز أن يكون جوابًا للاختيار. قال: ولو قال: أمركِ بيدكِ في تطليقة، أو اختاري تطليقة، فهي تطليقة رجعية؛ لأنه جعل إليها صريح الطلاق، (وصريح الطلاق رجعي) (١) (٢).

стр. 1929

بَابْ: الرجل يجعل أمر امرأته بيدها مؤقتًا وإذا قال الرجل لامرأته: أمركِ بيدكِ يومًا أو اليومَ، أو قال: شهرًا أو [هذا] الشهر، أو قال: سنة أو [هذه] السنة، فلها الأمر في الوقت كله تختار نفسها (فيما شاءت منه) (١)، ولا يكون تركها للجواب في شيء (منه) (٢) أو تشاغلها بغير الجواب إبطالًا للخيار ما يبقي من الوقت شيء؛ وذلك لأن الطلاق بيده فيملك أن يفوضه إليها في زمان دون زمان كالتوكيل بالتصرف، فإذا ثبت لها الخيار في المدة لم يكن تشاغلها مسقطًا للخيار؛ لأنه لو سقط بإعراضها لم يكن للتوقيت فائدة، ولصار المؤقت وغير المؤقت سواء، وهذا لا يصح؛ لأن التوقيت على وجهين: إذا [نكّر] (٣) الوقت، فقال: يومًا أو شهرًا أو سنة فلها من ساعتها إلى مثلها من الغد، ولها من وقتها إلى (شهر وإلى سنة) (٤)؛ لأن استيفاء المدة لا يمكن إلا بذلك، ويكون الشهر هاهنا بالأيام؛ لأن الشهر بالإطلاق يقتضي الأهلَّة، فإذا ملكها في بعض الشهر شهرًا لم يمكن (اعتبار الأهلة فاعتبر الأيام) (٥). وأما إذا عرّف فقال: هذا اليوم، أو هذا الشهر أو هذه السنة، فلها الخيار في

стр. 1930

بقية اليوم، وفي بقية الشهر، وفي بقية السنة؛ لأنه علقه بزمان معين، ولا يمكن إثبات الخيار في غيره، ويكون الشهر هاهنا على الهلال؛ لأنه هو الأصل، وإنما يعدل عنه للضرورة ولا ضرورة في هذا الموضع. ١٦٣٤ - [فَصْل: الخيار متعلق بالوقت، سواء علمت أو لم تعلم] وسواء علمت في أول الوقت أو لم تعلم أن الخيار متعلق بالوقت؛ وذلك لأنه جعل الخيار في زمان مخصوص، فلو اعتبر العلم [لثبت] (١) لها الخيار في أكثر من ذلك الزمان، وهذا لم يرض به. ١٦٣٥ - [فَصْل: قول الرجل: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يومًا] وإذا قال: إذا قدم فلان فأمرك بيدك يومًا، أو قال: اليوم الذي يقدم فيه فلان، فإذا قدم فلان فلها الخيار في ذلك الوقت، فإذا مضى بطل خيارها سواء علمت أو لم تعلم؛ وذلك لأن التمليك المعلق بالشرط كالموقع عقيب الشرط، فصار عند القدوم كأنه قال لها: أنت بالخيار اليوم، فلا يثبت لها بعد ذلك. ١٦٣٦ - [فَصْل: الخيار متعلق بالشرط كالموقع عقيبه] ولو قال لها: إذا قدم فلان فأمرك بيدك ولم يؤقته، فقدم فلان فالخيار بيدها إذا علمت في مجلسها الذي [تعلم] (٢) فيه، لما بينا أن الخيار المتعلق بالشرط كالموقع عقيبه، فصار عند القدوم كأنه قال: أمرك بيدك، فإذا علمت كان لها [الخيار] في المجلس الذي تعلم فيه.

стр. 1931

١٦٣٧ - [فَصْل: قول الرجل: أمركِ بيدك هذا اليوم] قال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال: أمرك بيدك هذا اليوم، فهو على اليوم كله، ولو قال: أمرك بيدك في هذا اليوم كان [على] (١) مجلسها، وهذا الفرق ليس بظاهر؛ لأنه جعل اليوم ظرفًا للطلاق في الوجهين، وإنما صرح بالظرف في أحد الفصلين دون الآخر، والتصريح بالظرف لا يغير معنى الكلام، فكان يجب أن يكونا سواء، إلا أنه قال على الخيار بجميع اليوم في أحد الفصلين وبجزء منه في الفصل الآخر، وهو القدر الذي جعله ظرفًا للطلاق، وإذا علق الطلاق بجزء وليس جزءٌ أولى من جزء [آخر] اختص بالمجلس. ١٦٣٨ - [فَصْل: قول الرجل: أمركِ بيدك إلى رأس الشهر] قال بشر عن أبي يوسف في مسألة تاريخها سنة ثمان وسبعين ومائة: إذا قال: أمرك بيدك إلى رأس الشهر، فاختارت نفسها قبل رأس الشهر فإنها طالق، وليس لها أن تطلق نفسها أخرى في هذا الشهر؛ لأنه جعل الشهر زمانًا للطلاق، فإذا طلقت فقد استوفت ما جعل إليها فلا تملك إيقاع العدد. قال: ولا يخرج الأمر من يدها بقيام ولا أكل ولا شرب ولا نوم، وكذلك إن واقعها وهي مطاوعة؛ لأنه (لما جعل لها الخيار) (٢) في جميع المدة، فإعراضها يبطل خيارها في تلك الحال خاصة، ويبقى ما لها من الخيار بعده على ما كان عليه. ١٦٣٩ - [فَصْل: قول المرأة: اخترت زوجي] وقال أبو حنيفة: إن قالت اخترت زوجي، فلها من الغد أن تختار نفسها،

стр. 1932

وليس لها أن تختار نفسها في يومها ذلك، وقال أبو يوسف: قد خرج الأمر عن يدها في الشهر كله. لأبي حنيفة: أنه لما جعل إليها الخيار في جميع المدة فاختيارها لزوجها (في يوم) (١) كإبطال الخيار فيه بالإعراض والتشاغل فلا يبطل ذلك الخيار فيما بعد، إلا أنه لم يجعل إليها أن تختار [في] ذلك اليوم؛ لأن الشهر مدة تشتمل على أيام، فإذا جعل لها الخيار في جميعه فقد جعل لها الخيار في كل يوم، فإذا اختارت زوجها بطل خيارها في ذلك اليوم وبقي فيما بعده. ولأبي يوسف: أن اختيارها للزوج ردٌ لما جعل إليها، (والتمليك يبطل بالرد، ولأنها تصرفت في إحدى جهتي الخيار) (٢) فأبطل ذلك خيارها في جميع المدة كما لو اختارت نفسها. قال: وكذلك قال أبو حنيفة: إذا قال أمرك بيدك اليوم وغدًا أو هذين اليومين وهذا لما بينا، ولو قال لها: أمرك بيدك اليوم وبعد (غدٍ) (٣)، فاختارت زوجها اليوم، فلها أن تختار نفسها بعد (غدٍ) (٤)، وكذلك إن ردت الأمر اليوم، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ذكره في الجامع الصغير (٥)؛ وذلك لأنه لما فصل بين زمانين وجعل بينهما زمانًا لا خيار فيه، فصار كل واحد من التمليكين غير الآخر، فالرد في أحدهما لا يكون ردًا للآخر، وليس كذلك المسألة الأولى على

стр. 1933

قول أبي يوسف؛ لأن الزمان زمان واحد لا يتخلله ما لا خيار فيه، فصار خيارًا واحدًا فالرد فيه يبطله (١). ١٦٤٠ - [فَصْل: قول الرجل: أمركِ بيدك اليوم، وأمرك بيدك غدًا] قال أبو يوسف: وإذا قال: أمرك بيدك اليوم، وأمرك بيدك غدًا، فهذان أمران، فإن اختارت زوجها اليوم فهي على خيارها غدًا ولا خيار لها في هذا اليوم، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأنه لما كرّر لفظ الخيار صار كل واحد من الخيارين غير الآخر، فرد أحدهما لا يكون ردًا للآخر، ولو اختارت نفسها في اليوم الأول فتزوجها قبل مجيء الغد فاختارت نفسها، فلها ذلك، وتطلق أخرى لأن كل واحد من الخيارين لما كان غير الآخر [ملكت] (٢) لكل واحد منهما طلاقًا، فإيقاع الطلاق بأحدهما لا يمنع (من الإيقاع بالآخر) (٣). ١٦٤١ - [فَصْل: قول الرجل: أمرك بيدك هذه السنة] وقال أبو يوسف: لو قال لها: أمرك بيدك هذه السنة، فاختارت نفسها ثم تزوجها لم يكن لها أن تختار في بقية السنة في قول أبي يوسف، فأما في قياس قول أبي حنيفة: فيلزمها الطلاق في الخيار الثاني، ولست أروي هذا عنه، (ولكن هذا قياس قوله، ولو كان ترك القياس) (٤) واستحسن، كان ذلك مستقيمًا.

стр. 1934

وجه القياس: أنه لما ملّكها الطلاق في جميع المدة صار لها في كل يوم خيار، فإذا أوقعت في أحد اليومين جاز أن توقع في اليوم الآخر كما لو ردت في أحد اليومين وأوقعت في الآخر. وجه الاستحسان أنه خيار ممتدٌ فلا يملك به أكثر من طلاق واحد، وقد استوفت ذلك فلا تملك غيره، وأما أبو يوسف فمن أصله: أن الرد في أحد الأيام ردٌ في بقيتها، وكذلك الاختيار في أحد الأيام يمنع [من] الاختيار في بقيتها. ١٦٤٢ - [فَصْل: عدم اختيار المرأة نفسها ولكنها طُلقت طلقة] قال: ولو لم تختر نفسها ولا زوجها ولكنه طلقها واحدة ولم يكن دخل بها ثم تزوجها في تلك السنة، فلا خيار لها في بقية السنة في قول أبي يوسف. وأما في قول أبي حنيفة: فلها الخيار. لأبي حنيفة: أن التخيير طلاق معلق بالشرط، فزوال الملك لا يبطله [ما دام طلاق ذلك الملك باقيًا] (١) كدخول الدار. لأبي يوسف: أنه تصرف في الطلاق الذي جعله إليها، فخرج الأمر من يدها كالموكل إذا باع ما وكل ببيعه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الزوج يملك ثلاث تطليقات ملّكها واحدة منها، فإذا أوقع واحدة فلم يتصرف في غير ما جعل إليها، وصار كمن وكَّل رجلًا ببيع ثوبٍ من (ثوبين)، ثم باع الموكل واحدًا (منهما) (٢) لم تبطل الوكالة (٣).

стр. 1935

بَابْ: الطلاق الذي يوقع أو يعقد عليه في ملك أو في غير ملك قال أصحابنا جميعًا: إذا أوقع الطلاق على امرأة قبل أن يتزوجها فالطلاق باطل، وذلك لقوله ﵊: "لا طلاق قبل النكاح" (١)، ولأن الطلاق موضوع لرفع الاستباحة، والاستباحة [لم توجد] (٢) فلا يصحّ الرفع. ١٦٤٣ - [فَصْل: إيقاع الطلاق قبل الزواج] وإن عقد عليها الطلاق قبل أن يتزوجها ولم يضف وقوعه إلى ملك فهو باطل، وهذا مثل من قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق، فتزوجها فدخلت الدار لم يقع عليها شيء عندنا. وقال ابن أبي ليلى: يقع. لنا: أنه عقد الطلاق في غير ملك ولم يضفه إلى ملك، فصار كمن لو قال [لأجنبية] (٣): أنت طالق، فلا يقع عليها شيء؛ ولأن الطلاق المعلق بالشرط

стр. 1936

موقوف على وجود الشرط، وكل أمرٍ موقوف يعتبر فيه الطرفان، فإذا عدم الملك عند العقد ولا يعلم وجوده عند الشرط، لم يتعلق بالعقد حكمٌ لخلوِّه من الملك في الطرفين. وابن أبي ليلى يقول: ما علقه بالشرط كالموقع عقيب الشرط، فصار كأنه قال حين دخلت الدار: أنت طالق، وهذا لا يصحُّ؛ لأن المعلق بالشرط [إنما يكون] كالموقع عقيبه إذا صحَّ التعليق، والخلاف بيننا في صحة تعليق الانعقاد (١). ١٦٤٤ - [فَصْل: إضافة وقوع الطلاق إلى الملك] وإذا أضاف وقوعه إلى ملك فهو صحيح، وهذا كمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، وقال الشافعي: لا يصح إضافة الطلاق إلى الملك إذا لم يكن الملك موجودًا عقيب العقد (٢). لنا: أنه أضاف الطلاق إلى حال يملك إيقاعه فيها، فصحت الإضافة وإن لم يملكها في الحال، كمن قال لامرأته الحائض: أنت طالق للسنة، ولأن ما جاز أن يتعلق بالأخطار جاز أن يضاف إلى الملك كالنذر، ولا حجة لهم في قوله: ﵊: "لا طلاق قبل النكاح" (٣)؛ لأن الزهري ومكحولًا تأولاه على رجل أراد أن يتزوج امرأة فقال [لها]: أنت طالق ثم تزوجها، وهذا تأويل صحيح؛ لأن الطلاق هو الإيقاع، فأما المعلق بالشرط فلا يتناوله حقيقة الاسم، ولا يجوز صرف الاسم

стр. 1937

إلى المجاز إلا بدليل، ولهذا المعنى قال ﷺ : "لا طلاق إلا بعد النكاح" (١). فإن قيل: وقوع الطلاق قبل التزويج لا يشكل، فلا يحمل الخبر على بيان ما لا يشكل. قيل له: [إنما] لا يشكل عند استقرار الشرع، وقد كان مشكلًا قبل ذلك، ألا ترى أنه لا يشكل الآن أن الصلاة لا تجوز بغير طهارة، فإنه بين ذلك النبي ﵊ بقوله: "لا صلاة إلا بطهور" (٢)، (ولأن ذلك كان يشكل إذ ذاك) (٣). ١٦٤٥ - [فَصْل: وقوع الطلاق على الإرسال] وإن عقد طلاقًا على امرأته، فالعقد صحيح وإن لم يُضفه إلى الملك لأن الملك موجود عقيب (٤) العقد والظاهر بقاؤه، فصحّ الإرسال ولم يحتج إلى الإضافة، فإن عقد في الملك وأضافه إلى غير الملك لم يصح؛ وذلك لأن المعقود عليه يعتبر فيه حال الإضافة، فإذا أضافه إلى غير ملكه صار كأنه أرسله في غير ملك [فلا يتعلق به حكم]. ١٦٤٦ - [فَصْل: اعتبار حال الوقوع إذا عقد في الملك] وإذا عقد في الملك اعتبر حال الوقوع، فإن كانت المرأة في حال لو ابتدأ

стр. 1938

الطلاق عليها وقع طلاقه، لزمه طلاق الحنث بذلك العقد، وإن كانت المرأة في حال لا يجوز طلاقه عليها لو ابتدأه لم يلزمه [طلاق] الحنث، وهذا كمن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم أبانها وانقضت عدتها ودخلت الدار؛ انحلت يمينه بوجود الشرط ولم يقع عليها طلاق؛ لأن المعلق بالشرط كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت من طريق الحكم. فإن قيل: أليس لو قال الصحيح لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم جُن فدخلت الدار وقع طلاقه، وإن كان لو ابتدأ لم يقع. قلنا: إنما اعتبرنا بالوقوع حكمًا، والمجنون يقع الطلاق على امرأته من طريق الحكم، ألا ترى أن العِنِّين إذا أجل فمضت المدة وقد جُن فَرَّق القاضي بينهما وكان ذلك طلاقًا. ١٦٤٧ - [فَصْل: تعليق الطلاق بشرطين] وإن علق الطلاق بشرطين، وقال بعد النكاح: إن كلمت زيدًا وعمرًا فأنت طالق، فاعتبر كلام [آخرهما] (١)، فإن كان في ملك وقع الطلاق ولا يضرك أن يكون كلام الأول في غير الملك، وإن كان كلام الأول في الملك، والثاني في غير الملك لم يقع الطلاق وانحلت اليمين، وهذه المسألة في الجامع الصغير إذا قال: إن كلمت أبا عمرو وأبا يوسف فأنت طالق (٢)، وهي مبنيّة على أصول: منها: أن الطلاق إذا تعلق بالشرط اعتبر وجود الملك عند الشرط؛ لأنها حالة الوقوع، والطلاق لا يقع إلا في الملك، وإن علق بشرطين اعتبر وجود

стр. 1939

الملك عند [آخرهما] (١) لأن الوقوع يكون عند تمام الشرط، فإن وجد الشرط الأول في غير الملك لم يضر؛ لأنه لا يخرج من أن يكون شرطًا، والملك إنما يحتاج إليه للوقوع، وتلك الحال ليست حال الوقوع، فإذا ثبت هذا قلنا: إذا كلمت الأول في غير الملك، ثم كلمت الثاني في الملك، فقد وجد تمام الشرط (لوقوع الطلاق وهي في ملكه) (٢) فوقع الطلاق، فإن كلمت الأول في الملك والثاني في غير ملك فقد وجد تمام الشرط وهي أجنبية، والأجنبية لا يقع عليها الطلاق، إلا أن اليمين تنحل لأنه علق الحنث بوجود الشرط وقد وجد، ولو تعلق بتكرار الشرط حيث يعلق به على وجه لم يتضمنه اليمين، وهذا لا يصح، فلذلك انحلت اليمين. ١٦٤٨ - [فَصْل: الحلف بالظهار والإيلاء] قال: وكذلك ما حلف به من ظهار أو إيلاء [فهو] (٣) مثل الطلاق فيما يلزمه فيه وفيما لا يلزم؛ وذلك لأن الظهار والإيلاء من أحكام النكاح ويتعلق بالشروط، فلا يصح إلا في الملك أو مضافًا إلى الملك كالطلاق. ١٦٤٩ - [فَصْل: قول الرجل: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت عمرًا] فإن حلف عليها بعد النكاح وجعل جواب شرطها يمينًا اعتبر الشرط الأول، فإن وجد في حال يجوز عقد اليمين المبتدأة صَحّ لزوم اليمين التي هي الجواب، وإن كانت في حال لا يجوز اليمين لو ابتدأها لم يلزمه اليمين بالحنث، وذلك

стр. 1940

مثل أن يقول لها: إذا دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت عمرًا؛ (وذلك لأنه جعل دخول الدار شرطًا لانعقاد اليمين، فصار عند الدخول كأنه قال لها: أنت طالق إن كلمت عمرًا) (١)، فإن كانت في ملكه صحت اليمين المعلقة بالشرط، وإن لم يكن في ملكه عند دخول الدار لم يصح التعليق، ولو كان طلقها [قبل] (٢) الدخول ثم دخلت الدار وهي في العدة، ثم كلمت عَمرًا في العدة طَلُقت؛ لأن [المعتدة] (٣) يلحقها الطلاق فيها، فتنعقد عليها اليمين بالطلاق، كالزوج إذا علق الطلاق ووجد شرطه في العدة أو في الملك، وقع [به] (٤).

стр. 1941

بَابْ: الرجل يطلق امرأته بعض تطليقة أو يوقع الطلاق على بعضها قال [أصحابنا]: إذا أضاف الطلاق إلى بعض [أعضاء] المرأة فهو على ثلاثة أوجه. منها: أن يضيفه إلى ما يعبر به عن جميع البدن فيقع الطلاق، وهذا مثل قوله: نفسك طالق، أو روحك، أو بدنك، أو رقبتك، أو عنقك، أو وجهك، أو رأسك، أو فرجك، روى ذلك هشام عن محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف؛ وذلك لأن هذه الأشياء يعبر بها عن [جميع] الجملة، يقال: عند فلان كذا كذا رأسًا من الرقيق، ويقال: كذا كذا فرجًا، وفي الدار كذا كذا نفسًا، وقال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] (وأراد به الجملة) (١)، وإذا كان ذكر هذه الأشياء كذكر الجملة صار كأنه قال: أنت طالق. - والنوع الثاني: إذا أضاف [الطلاق] إلى جزء شائع مثل الثلث [أو الربع] أو النصف أو الجزء، فإنه يقع على جميعها؛ لأن التحريم [يقع] (٢) بجزء شائع ويسري إلى الجميع كمن باع بعض جاريته. - وأما النوع الثالث: فأن يضيف الطلاق إلى جزء معين لا يعبر به عن الجملة مثل اليد والرجل والإصبع فلا يقع الطلاق عندنا، وقال زفر: يقع، وبه

стр. 1942

قال الشافعي (١). لنا: أن النكاح لا ينعقد إذا أضيف إلى عضو معين، فلا ينحل إذا أضيف الحل إليه كالبيع، لما لم ينعقد بالإضافة إلى جزء معين لم ينفسخ بإضافة الإقالة [إلى ذلك الجزء] (٢)، ولأن ما لا ينعقد البيع إذا أضيف إليه لا يقع الطلاق إذا أضيف إليه كالحمل وعكسه ما يعبر به عن الجملة (٣). وأمّا وجه قول زفر: فإنه أوقع الطلاق على جزء منها متصل فصار كالجزء الشائع. ١٦٥٠ - [فَصْل: تبعيض الطلاق] وأما إذا أوقع بعض التطليقة، وقع تطليقة كاملة وقد بيّنّاها فيما مضى، وذكرنا أن الطلاق لا يتبعض فذكر بعضه كذكر جميعه كالعفو عن بعض القَوَد، وإن قال: أنت طالق واحدة ورُبْعًا، أو واحدة وثلثًا طلقت اثنتين؛ لأن الجزء من التطليقة تطليقة، وليس كذلك إذا قال لها: أنت طالق واحدة ونصفها، أو وثلثها أنه لا يقع إلا واحدة؛ لأنه أضاف النصف إلى الواحدة الموقعة، وقد وقع ذلك في جملتها، وفي مسألتنا ذكر نصفًا منكرًا، فاقتضى تطليقة ثانية. ١٦٥١ - [فَصْل: في تقسيم الطلاق بين نسائه] وأما إذا قسم الطلاق بين نسائه فقال لأربع نسوة: بينكن تطليقة، طلقت

стр. 1943

كل واحدةٍ واحدةً؛ لأن الواحدة إذا انقسمت أصاب كل واحدة ربعها، وربع تطليقة تطليقة، وكذلك إذا قال: بينكن تطليقتين أو ثلاثًا، أو أربعًا، لأن التطليقتين إذا انقسمت بين الأربع أصاب كل واحدة نصف تطليقة، ولا يجوز أن يقسم كل تطليقة على حيالها؛ وذلك لأن القسمة في الجنس الواحد الذي لا يتفاوت يقع على جملته، وإنما يقسم الآحاد إذا كان متفاوتًا، فإن قال الزوج: أردت قسمة كل واحدة على حيالها فقد شدد على نفسه فيقع على ما نوى، [فإن] قال: بينكن خمس تطليقات، فكل واحدة طالق اثنتين؛ لأن الخمس إذا قسمت على الأربع، أصاب كل واحدة تطليقة وربع، [وربع تطليقة تطليقة]، فيكون تطليقتين، وعلى هذا ما زاد على خمس إلى الثماني، فإذا قال: بينكن تسع تطليقات، أصاب كل واحدة تطليقتان وربع، فيقع عليها ثلاث [تطليقات]. وعلى هذا، لو قال: أشركت بينكما في تطليقتين؛ لأنه لا فرق في المعنى بين أن يأتي بلفظ الشركة أو يأتي بلفظ بين، وليس كذلك إذا طلق امرأته تطليقتين، ثم قال لأخرى: قد أشركتك في طلاقها لأن الشركة في الموقع لا بد أن تكون شركة في كل واحدة، ألا ترى أنه لا يمكن رفع تطليقة عنها، [وإيقاعها] على الأخرى، فلم يبق إلا الشركة في كل واحدة من التطليقتين على الانفراد، فيقع عليها تطليقتان (١).

стр. 1944

بَابْ: الاستثناء في الطلاق وغيره قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الاستثناء (١) في الطلاق والعتاق والأيمان والنذور كلها جائز إذا كان موصولًا بالكلام، ولم يقطع المتكلم بين الاستثناء وما قبله بسكوت؛ وذلك لأن الاستثناء [من] (٢) الجملة عبارة عن الباقي، قال الله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، ففهم من ذلك تسع مائة وخمسون، وإذا ثبت هذا فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، فكأنه قال: أنت طالق اثنتين ولا فرق عندنا بين استثناء الأقل والأكثر. وقال الفراء: لا يصح استثناء الأكثر. لنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ١ - ٤] وقال الشاعر: أدوا التي نقصت تسعين من مائة … ثم ابعثوا حكمًا بالعدل حكاما (٣) ومن للتمييز كالاستثناء الذي هو للتمييز، فإذا جاز أن يميز الأكثر [بمن، جاز أن يميز الأكثر] (٤) بالاستثناء؛ ولأن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه

стр. 1945

لدخل فيه، فصار كدليل التخصيص، فيجوز أن يخرج الأكثر. فأما الفراء فإنه قال: إن العرب لم تتكلم بذلك، وهذا لا دليل فيه؛ لأن ما كان على طريقة كلامهم صَحَّ وإن لم يتكلموا به، ألا ترى أنهم لم يتكلموا باستثناء الكسور، ومع هذا فيصح استثناؤها بالإجماع. وأما استثناء المنقطع فلا يؤثر في الكلام، وحكي عن ابن عباس: أنه يؤثر. لنا: أن السكوت إذا فصل بين الاستثناء والجملة لم تقف الجملة عليه كما لا تقف على الشرط المنقطع، وليس كذلك المتصل؛ لأن حكم الكلام موقوف على آخره، فما لم ينقطع لا يستقر حكمه. وأما ابن عباس فاحتج بما روي أن النبي ﵊: "لأغزون قريشًا، ثم قال: بعد سنة إن شاء الله" (١)، [وهذا لا دلالة فيه] (٢)؛ لأنه لم يقصد إلى تصحيح الاستثناء، وإنما استدرك المأمور به في الوعد، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وأما قوله: إذا حرك لسانه بالاستثناء؛ [فلأن] (٣) ما لا يتحرك لسانه به ليس بكلام، وإنما هو اعتقاد وذلك لا يؤثر في الطلاق، وسواء سمع الاستثناء أو لم يسمع إذا تكلم به؛ لأن الحكم يقف على الكلام دون السماع، ألا ترى أن الأطروش (٤) يصح استثناؤه وإن لم يسمع.

стр. 1946

وروى هشام عن أبي يوسف: [في المتنفس إذا فصل] (١) بين الطلاق والاستثناء لم يمنع الاستثناء إلا أن يكون بسكتة؛ لأن [التنفس] (٢) لا يحترز منه، فلا يقطع اتصال الكلام. ١٦٥٢ - [فَصْل: رفع الاستثناء الحكم في الطلاق والعتاق] ومن هذا الباب إن شاء الله إذا وصله بالكلام رفع حكمه، وقال مالك: لا يرفع (٣). ومن الناس مَنْ فَرَّقَ بين الطلاق والعتاق، فقال: يرفع الطلاق ولا يرفع العتاق. لنا: قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ [الكهف: ٦٩]، ولم يصبر ولم يخلف الوعد، فدل على أن الاستثناء يرفع حكم الكلام، ولأنه عَلَّق الإيقاع بشرط لا يُعلم وجوده، فصار كقوله: إن شاء [الجن] (٤). وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من استثنى فله ثنياه" (٥)، وقال: "من حلف بطلاق أو عتاق وقال إن شاء الله، فلا حنث عليه" (٦).

стр. 1947

وأما من فصل بين الطلاق والعتاق، فقال: إن العتاق مأمورٌ به فقد علمنا المشيئة فيه، وهذا ليس بصحيح؛ لأن لفظ المشيئة يقتضي مشيئة مستقبلة مستقرة، ونحن نعلم أن الله تعالى شاء العتاق في الأصل، ولا نعلم تجديد (١) المشيئة بعد اليمين. ١٦٥٣ - [فَصْل: تقديم الاستثناء على الطلاق] قال: فإن قدم الاستثناء فقال: إن شاء الله فأنت طالق؛ فقد روى محمد عن أبي حنيفة: أن الاستثناء إذا كان موصولًا بكلامه قبل كلامه أو بعده فهو استثناء. وقال أبو يوسف: إذا قال: إن شاء الله أنت طالق، أو فأنت طالق، أو وأنت طالق، فهذا كله استثناء. وقال محمد: إذا قال: إن شاء الله أنت طالق فهو منقطع، والطلاق واقع في القضاء، وهو مدين فيما بينه وبين الله تعالى إن كان أراد الاستثناء، أما إذا قال: إن شاء الله فأنت طالق، فهو استثناء في قولهم؛ لأن الفاء تعلق [ما بعدها بما قبلها] (٢)، فإذا تعلق الطلاق بالاستثناء لم يقع وكذلك الواو؛ لأنها للجمع فتجعل الجملة كلامًا واحدًا. وأما إذا لم يذكر حرف عطف فوجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الفاء مقدرة في الكلام فكأنه نطق بها.

стр. 1948

وجه قول محمد: أنه ليس بين الطلاق والاستثناء تعلق بالحرف فسقط حكمه، وصار (كأنه لم يكن) (١)، فوقع الطلاق. ١٦٥٤ - [فَصْل: تقديم الطلاق على الاستثناء] وأما إذا قدّم الطلاق فقال: أنت طالق فإن شاء الله، أو أنت طالق وإن شاء الله؛ لم يكن (استثناء) (٢) عند أبي يوسف، حتى يقول: أنت طالق إن شاء الله؛ وذلك لأن (إن شاء الله) حرف شرط فإذا وصله بالكلام تعلق به، وإن أدخل بينهما حرفًا فصل بينه وبين الكلام بما لا تأثير له، لم يتعلق به حكم فوقع الطلاق. وقال أبو يوسف: إن شاء الله شرط، وقال محمد: رفع للكلام، ويظهر الخلاف بينهما إذا أدخل إن شاء الله على جملتين، فقال: أنت طالق إذا دخلت الدار، وعبدي حرٌ إن كلمت زيدًا إن شاء الله، قال أبو يوسف: يعود إلى الجملة الثانية، وقال محمد: إليهما جميعًا. لأبي يوسف أن (إن) شرط محض، والشرط يعود إلى الجملة الثانية دون الأولى. لمحمد: أن (إن شاء الله) يدخل على ما يصح أن يتعلق بالشرط، وعلى ما لا يصح أن يتعلق بالشرط، فلو كان شرطًا لم يدخل على ما لا يتعلق بالشرط، فثبت أنه رَفعٌ للكلام، والكلام معطوف بعضه على بعض فيرفع جميعه، ولا

стр. 1949

يختلفون أنه إذا دخل على إيقاعين عاد إليهما مثل قوله: أنت طالق وعبدي حرٌ إن شاء الله؛ لأن عند أبي يوسف: أنه شرط، فتعلق الإيقاعان به، وعند محمد: أنه رفع فيرفعهما جميعًا. وقال أبو يوسف (ومحمد) (١): إذا قال: أنت طالق ما شاء الله فهو استثناء؛ لأن (ما) عبارة عن العدد فكأنه قال: أنت طالق الذي يشاء الله، وكذلك إذا قال: إلا أن يشاء الله، [لأن] معناه: إلا أن يشاء الله أن لا يقع، ولا تعلم هذه المشيئة، فهو كقوله: إلا أن يشاء زيد ولا تعلم مشيئته. قال أبو الحسن: وكذلك لو [ضمَّ] (٢) مع مشيئة الله مشيئة غيره، فقال: أنت طالق إن شاء الله وشاء زيد، فشاء زيد لم يقع الطلاق؛ لأنه علقه بشرطين لا يعلم وجود أحدهما، فهو كقوله: إن شاء زيد وعمرو، فإن قال: أنت طالق إن شاء زيدٌ، فالطلاق موقوف على مشيئته في المجلس الذي يعلم فيه بالمشيئة، وهذا قد بيناه لأنه تمليك للطلاق فيقف على المجلس، وإن شرط مشيئة من لا يجوز أن تعرف مشيئته بطل الكلام، وصار بمنزلة قوله: إن شاء الله، وذلك مثل أن يقول: إن شاء جبريل والملائكة، أو الجن، أو الشياطين، (أو الجدار) (٣) فإن الكلام باطل؛ لأنه علقه بمشيئة لا يتوصل إلى العلم بها فصار كقوله: إن شاء الله. قال: وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله؛ وقع عليها

стр. 1950

ثلاث، وقال أبو يوسف ومحمد: الاستثناء جائز، وعلى هذا الخلاف، إذا قال: أنت طالق ثلاثًا وواحدة إن شاء الله. لأبي حنيفة: أن العدد الثاني لغو فلا يتعلق به حكم، ألا ترى أن الزوج لا يملك أكثر من ثلاث تطليقات، واللغو حشو فيفصل (١) بين الإيقاع والاستثناء كالسكوت. وجه قولهما: أنه كلام واحد دخل عليه الاستثناء فيعمل فيه، ولأن الواو للجمع، فكأنه قال: أنت طالق ستًّا إن شاء الله، فإن قال: أنت طالق واحدة وثلاثًا إن شاء الله؛ فالاستثناء جائز لأن الكلام الثاني ليس بلغو، ألا ترى أنها جملة يتعلق الحكم بها فلم يفصل بين (الشرط) (٢) والطلاق المتقدم عليها وبين الاستثناء (٣).

стр. 1951

بَابْ: الرجل يوقع من الطلاق عددًا ثم يستثني بعضه قال أبو الحسن: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وإلا اثنتين فالاستثناء صحيح، وهذا على ما قدمنا في جواز الاستثناء الأقل [من] الأكثر، فإن قال: إلا ثلاثًا بطل الاستثناء لأنه يجري [مجرى] التخصيص، ودليل التخصيص لا يرد على كل الكلام، فكذلك الاستثناء لأنه للتمييز، والتمييز لا يكون بالجملة. ومن أصحابنا من يقول: إن استثناء [الجميع] (١) رجوع؛ لأنه يبطل كل الكلام، والصحيح أنه استثناء فاسد وليس برجوع؛ لأنهم قالوا في الموصي: إذا استثنى جميع الموصى به بطل الاستثناء، (ولو كان رجوعًا لبطلت الوصية؛ لأن الرجوع فيها جائز، فإن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة وواحدة وواحدة، وقعت الثلاث وبطل الاستثناء) (٢)، وقال أبو يوسف: استثناء الأولى والثانية جائز، ويبطل استثناء الثالثة ويلزمها واحدة. لأبي حنيفة: أن حكم الكلام موقوف على آخره فإذا تم الاستثناء بإسقاط الجملة لم يصح فكأنه قال: إلا ثلاثًا، ولأن الواو للجمع، فإذا قال: إلا واحدة وواحدة وواحدة، فكأنه قال: إلا ثلاثًا. لأبي يوسف: أن استثناء الواحدة والثانية قد صح، ألا ترى أنه لو سكت

стр. 1952

عليه جاز، فإذا ذكر الثالثة فقد استثنى ما لا يصح، فبطل وصحَّ [استثناء] ما سواه، فإن قال: أنت طالق واحدة وواحدة، وواحدة إلا ثلاثًا؛ بطل الاستثناء في قولهم؛ لأنه استثنى الجملة الموقعة فلم يصح، وكذلك إن قال: أنت طالق واحدةً وواحدة، وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة؛ لأن كل واحدة جملة على حيالها، وقد استثناها فلا يصحُّ. قال أبو يوسف ومحمد: إذا قال: أنت طالق اثنتين (١) واثنتين إلا اثنتين؛ وقعت اثنتان، وجعل الاستثناء من كل اثنتين واحدة، وقال زفر: يقع ثلاثًا. لنا: أن الاستثناء [ما] (٢) أمكن حمله على الصحة، كان أولى من حمله على الفساد، ومتى جعلناه مما يليه بطل، فوجب أن يرد (٣) إلى الجملتين ليصح. وأما زفر فقال: إن الاستثناء يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى غيره إلا بدليل، ومتى رجع إلى (ما يليه) (٤) كان استثناء إحدى الجملتين فلا يصح. وروى هشام عن محمد فيمن قال [لامرأته]: أنت طالق اثنتين فاثنتين إلا ثلاثًا، قال: هي ثلاث؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يجعل الاستثناء من الجملتين (لأنه يكون كل واحدة تطليقة ونصف، وهذا استثناء جميع الجملة، ولا يمكن أن يجعل من إحدى الجملتين)؛ لأنه يرفعها، ولا يجوز أن يستثني بعض الاستثناء؛ لأن الاستثناء إما أن يصح (جميعه) (٥) أو يبطل.

стр. 1953

وقال بشر عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: أنت طالق واحدة واثنتين إلا اثنتين، قال: هي ثلاث، وهو قول محمد؛ لأنا إن رددنا الاثنتين إلى كل واحدة من الجملتين [أبطلناها]، وإن رددنا بعضه إلى [هذه] وبعضه [إلى هذه] [أبطلناها]، فلا يصح تصحيح بعضه دون بعض، فلم يبق إلا بطلان الاستثناء. وروى هشام عن محمد فيمن قال لامرأته: أنت طالق اثنتين وأربعًا إلا خمسًا فهي طالق ثلاثًا؛ لأن الاستثناء لا يصح أن يرجع إلى كل واحدة من الجملتين، فلا يجوز إثبات بعض الاستثناء دون بعض فبطل (١). اهـ.

стр. 1954

بَابْ: الرجل يطلق أكثر من ثلاث ثم يستثني منه وإذا أوقع الرجل أكثر من ثلاث ثم [يستثني، يجعل الاستثناء مما زاد على الثلاث]، فالكلام كله صحيح، والاستثناء عامل في جملة الكلام، ولا يكون مستثنى من جملة الثلاث التي يصح وقوعها فيرفع المستثنى من جملة الكلام [ويوقع] ما بقي إن كان ثلاثًا أو أقل؛ وذلك مثل أن يقول: أنت طالق عشرًا إلا تسعًا فيقع واحدة، أو إلا ثمانيًا فيقع اثنتان، [أو] إلا سبعًا فيقع ثلاثًا؛ وذلك لأن الاستثناء يتبع اللفظ ولا يتبع الحكم، والجملة قد تلفظ بها على وجه واحد، ويدخل الاستثناء عليها ويسقط ما تضمنه الاستثناء، وتقع بقية الجملة إن كان مما يصح وقوعه.

стр. 1955

بَابْ: الاستثناء من الاستثناء قال أبو الحسن: وإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا واحدةً؛ وقعت واحدة؛ وذلك لأنه يجعل كل استثناء مما يليه، فإذا استثنى الواحدة من الثلاث بقيت اثنتان مستثناة (١) من الثلاث فبقي واحدة، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين، (فإن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة، فالواحدة مستثناة من ثنتين) (٢)، فتبقى واحدة مستثناة من الثلاث، فتبقى اثنتان مستثناة من الثلاث فتبقى واحدة. وكذلك إن قال: أنت طالق عشرًا إلا تسعًا إلا ثمانيًا فاستثنى ثماني من تسع فتبقى واحدة واستثناها من العشرة، فكأنه قال: أنت طالق تسعًا فتطلق ثلاثًا، فإن قال: أنت طالق عشرًا إلا تسعًا إلا واحدة فاستثنى الواحدة من تسع فتبقى ثمان يستثنيها من العشر فتبقى اثنتان. وعلى هذا جميع هذا الوجه [يستثنى] كل عدد مما يليه، فإن شئت اعتبرته بضرب من [التقريب] (٣)، فعقدت العدد الأول بيمينك، والثاني بيسارك، والثالث بيمينك، والرابع بيسارك، ثم أسقط مما اجتمع في يسارك بما في يمينك، فما بقي فهو الموقع.

стр. 1956

بَابْ: طلاق الغاية والضرب قال أبو الحسن: وإذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ما بين واحدة إلى ثلاث، أو من واحدة إلى ثلاث، فهي طالق اثنتين عند أبي حنيفة، يدخل الابتداء ولا تدخل الغاية، وقال زفر: لا يدخلان جميعًا، وهو القياس، وقال أبو يوسف ومحمد: يدخلان جميعًا (١). لأبي حنيفة: أن الابتداء أصل الكلام، ألا ترى أنه لو سقط بقي الكلام بلا ابتداء، أو صار ما بعده ابتداء، فوجب إسقاطه فلا يبقى شيء فلم يبق إلا دخول الابتداء، وأما الغاية فتارة تدخل في الكلام، وتارة لا تدخل فلا يجوز دخولها بالشك. وجه قول زفر: أن الابتداء إحدى الغايتين فلا يدخل كالانتهاء؛ فلأنه لو قال: بعتك ما بين هذا الحائط إلى هذا الحائط لم يدخل الحائطان، فدل على أن الابتداء والغاية يتساويان. وجه قولهما: أن الغاية إحدى الطرفين كالابتداء؛ ولأن ما وُجد معه لفظ الإيقاع يقع إلا أن يخرجه باستثناء، ولأن الغاية تدخل فيما جعلت غاية له كالمرافق. وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال أنت طالق ما بين واحدة وثلاث

стр. 1957

فهي واحدة؛ لأنه لم يجعل الثلاث غاية، وإنما أوقع ما بين العددين فتقع واحدة. وقال أبو حنيفة: إن نوى واحدة دُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى، يعني: في قوله: (من واحدة إلى ثلاث؛ لأنه أخرج الغاية والابتداء، وهذا يحتمله الكلام إلا أنه غير الظاهر. وإن قال: أنتِ طالق من واحدة إلى أخرى، أو من) (١) واحدة إلى واحدة فهي واحدة. أما على أصل أبي حنيفة: فالابتداء يدخل والغاية تسقط فتقع واحدة. وأما على قولهما: فيدخلان جميعًا إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: من واحدة إلى واحدة، يعني منها وإليها، فلا يقع أكثر من واحدة. وقال زفر: لا يقع شيء؛ لأن من أصله إسقاط الابتداء والغاية، وإذا سقطا لم يبق بينهما شيء. وأما إذا قال: من واحدة إلى ثنتين، وقعت واحدة عند أبي حنيفة؛ لأنه يسقط الغاية. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع اثنتان لأنه يحتمل أن تكون الواحدة داخلة في الثنتين ويحتمل أن يكون غيرها، فلا يقع ما زاد على الثنتين بالشك. وقال بشر: سمعت أبا يوسف يقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق من ثنتين إلى ثنتين، قال: هما ثنتان؛ لأنه يحتمل أن يكون جعل الابتداء هو الغاية،

стр. 1958

فكأنه قال: من اثنتين إليهما. وقال أصحابنا: إذا قال لامرأته: أنت طالق واحدة في ثلاث أو في اثنتين وقع المضروب ولم يقع المضروب فيه، وقال زفر: يقع ما يقتضيه الضرب من العدد. لنا: أن العدد لا يصح فيه الضرب حقيقة، وإنما يصح ذلك فيما له مساحة، وإنما تقدير الضرب كأنه قال: اثنتين ثلاث مرات ستة، وهذا يكون [بضم] (١) عدد لم يذكر فلا يجوز إيقاع الطلاق به؛ ولأن ما دخل عليه حرف [الظرف] (٢) في الطلاق إما أن يكون شرطًا أو لغوًا. أصله: قوله: أنت طالق في الدار، يلغو ذكر الدار، أو أنت طالق في دخولك الدار، [فيقع] (٣) الطلاق بالدخول، وقد بطل أن يكون المضروب فيه شرطًا فبقي أن يكون لغوًا. وجه قول زفر: أن الأربع لها عبارتان: إحداهما: اثنتين في اثنتين، والأخرى: أربع، فذكر إحداهما كذكر الأخرى، [فأما إذا أراد بـ"في": مع وقع] (٤) العددان جميعًا إن كان ثلاثًا فما دونها وكانت مدخولًا بها؛ لأن أحد الحرفين يقوم مقام الآخر، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: مع عبادي، فكأنه قال: أنت طالق: [ثنتين مع ثنتين] (٥) (٦).

стр. 1959

بَابْ: طلاق المُكْرَه وما في معناه قال أصحابنا: طلاق المكره واقع (١)، وقال الشافعي: لا يقع (٢). لنا: ما ذكره محمد بإسناده: أن امرأة اغتفلت زوجها وجلست على [صدره] (٣) ومعها شفرة، وقالت: لَتطلقَنّي ثلاثًا [أو لأنفذنَّه] (٤)، فناشدها الله ألا تفعلي، فأبت، فطلقها ثلاثًا، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "لا قيلولة في الطلاق" (٥)، ولأنه قصد الطلاق ولم يرض بالوقوع فصار كالهازل ومن شرط [له] الخيار، ولأنه معنى يقع به الفرقة فاستوى فيه الإكراه والطوع كالرضاع. فإذا ثبت هذا، قال أصحابنا: كل ما يصح فيه شرط الخيار فالإكراه يؤثر فيه كالبيع والإجارة، (وما لا يصح) (٦) شرط الخيار فيه فلا يؤثر فيه الإكراه

стр. 1960

كالنكاح والعتاق. ١٦٥٥ - [فَصْل: طلاق السكران] قال أصحابنا: طلاق السكران من الخمر والنبيذ واقع، وكان أبو الحسن يختار أنه لا يقع، وهو قول الطحاوي، وأحد قولي الشافعي (١). لنا: أن السكران مكلف؛ بدلالة أنه يلزمه الحد بالقذف والقود [بالقتل] (٢)، وطلاق المكلف يقع كغير السكران. وأما أبو الحسن فقال: إنّ زوال العقل بالنبيذ كزواله بالبنج والدواء، وقد قالوا: إِن ذلك يمنع من وقوع الطلاق. وفَرَّق أصحابنا بينهما: [بأن المبنَّج] (٣) ليس له حكم التكليف، والسكران له حكم التكليف، ولأن (الغالب أن الإنسان لا يشرب البنج ويظهر زوال العقل مع بقائه) (٤)، والغالب أن الإنسان يشرب الشراب [ويظهر أنه سكران] (٥) وليس بسكران؛ [فلذلك] (٦) أوقعوا في أحدهما دون الآخر؛ ولأن السكر يحصل [في الغالب بسبب معصية] (٧) فعوقب بجريان الأحكام عليه، وليس الغالب من شرب

стр. 1961

البنج قصد المعصية [فلذلك] (١) لم يبق التكليف. وقد قالوا في المُكْرَهِ على الشرب: ومن شرب الخمر عند الضرورة فسكر أن طلاقه يقع؛ لأن زوال العقل حصل بلذة، فهو كمن شرب طائعًا. وقال محمد: فيمن شرب النبيذ فلم يزل عقله [منه] ولكن صدع فزال عقله بالصداع: إن طلاقه لا يقع؛ لأن ذلك لم يحصل بسبب هو لذة. قال: وكذلك اللاعب بالطلاق والهازل به، وذلك لما ذكر الحسن بن زياد في كتاب الطلاق قال: وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من طلق لاعبًا جاز منه ذلك" (٢). واحتج أبو يوسف في هذا فقال: حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد ابن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: إنها أمور [مقفلات] (٣)؛ الجدّ والهزل فيهن سواء: الطلاق، والعتاق، والنكاح. وقال أبو يوسف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي الدرداء أنه قال: من لعب بطلاق أو عتاق لزمه. قال: وإن هذه الآية نزلت فى ذلك: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٣١] قال: وكذلك الرجل يريد غير الطلاق فيسبقه لسانه بالطلاق، فالطلاق

стр. 1962

له لازم، وكذلك العتاق؛ وذلك لأن القصد إذا لم يعتبر فيه فيسبق اللسان، إنما عدم فيه القصد فيقع. قال أبو الحسن: وفي سبق اللسان اختلاف رواية في العتاق والذي هاهنا أحبُّ إليّ، وإنما عنى بذلك أن هشامًا روى عن محمد عن أبي حنيفة: أن من أراد أن يقول لامرأته: اسقِنِي ماء! فقال: أنت طالق، وقع، ولو أراد ذلك في العبد فقال: أنت حرٌ، لم يقع، وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنهما يتساويان، وهو الصحيح. وجه رواية هشام: أن المرأة تملك بضعها لسبب يستوي فيه القصد وعدم القصد، فزوال الملك عنه لا يختلف فيه القصد وعدمه، فأما العبد فالسبب الذي يملك به يختلف فيه القصد وعدمه، فجاز أن يختلف في زوال الملك عنه القصد وعدمه (١).

стр. 1963

بَابْ: الرجل يطلق إحدى امرأتيه بغير عينها قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل لنسوة [له]: إحداكن طالق، طَلُقَت واحدةً منهن بغير عينها إذا لم يكن له نية في واحدة بعينها. والأصل في جواز الطلاق في المجهولة خلاف ما قاله ما في القياس: قوله ﵇: "كل طلاق جائز" (١)، ولأن الطلاق يتعلق بالأخطار، والخطر والجهالة أُجريا مجرىً واحدًا في العقود بدلالة أنهما ينفيان البيع، فإذا لم يمنع أحدهما الطلاق، كذلك الآخر، ولأن البيع مع ضعفه يصح مع هذا الضرب من الجهالة، ألا ترى أن من باع قفيزًا من صُبرة غير معين انعقد البيع، فلأن يصح ذلك في الطلاق أولى، ثم اختلف أبو يوسف ومحمد، فقال أبو يوسف: يقال [له]: أوقع، وقال محمد في بعض المواضع: يقال له: بَيِّن، فكان عند أبي يوسف الطلاق والعتاق تعلّقا بالذمة، ولزمه إيقاعه في إحداهن، وعند محمد: أن الطلاق تعلق بإحداهن لا بعينها ويلزمه البيان. لأبي يوسف: أن الأحكام الموقعة إما أن تتعلق بعين أو ذمة، ولم يتعلق الموقع بالعين فلم يبق إلا أن يتعلق بالذمة، ولأنه إذا [عَيَّن] (٢) يلزم التي عين

стр. 1964

فيها الطلاق العدة من يوم البيان، ولا يعتد بما تقدم [من] (١) الحيض، ولو كان الطلاق وقع عليها عند الإيقاع لاعتدّ بما [تقدم] (٢) ذلك من الحيض. وجه قول محمد: أنه أوقع الطلاق على واحدة من الجملة فلا يتعلق بذمته، كمن باع قفيزًا من صبرة؛ ولأن الطلاق لا يجب عليه بالنذر، ولو صح تعليقه بالذمة (لوجب) (٣) بالنذر، ولأنه لو طلق واحدة من أربع لم يدخل بهن، ثم تزوج بخامسة قبل البيان صَحَّ النكاح، ولو كان الطلاق تعلق بالذمة لكانت الأربع في ملكه فلا يجوز (أن يتزوج بخامسة) (٤). فأما ما احتج به أبو يوسف من العدة فلا حجة [له] فيه؛ لأن الزوج متهم فيجوز أن يكون عنى بالطلاق غير التي عين، فيصير التعيين إيقاعًا مبتدأً، [فلذلك] (٥) لزمت العدة من حال البيان. قال: وللنساء أن يخاصمنه في ذلك ويستعدين عليه [إلى] القاضي حتى يبيِّن ذلك؛ لأن الطلاق إذا كان بائنًا أو ثلاثًا فلكل واحدة منهن حق في استيفاء أحكام النكاح أو التوصل إلى زوج آخر، فكان على الزوج البيان. وإنما قلنا: إنه يقبل قوله في البيان؛ لأن الطلاق صحَّ منه في مجهوله، فالبيان إليه كمن باع قفيزًا من صبرة، وكمن أقر بشيء غير معين. قال: ويجبره (٦) الحاكم على أن يوقع الطلاق على إحداهن بعينها؛ وذلك

стр. 1965

لما بينا أن البيان حق لهن، فكان للقاضي استيفاء ذلك. قال: وعليها العدة حتى تُبَيَّنَ، فإن كن أربعًا فتزوج أخرى قبل البيان ولم يكن دخل بهن جاز، وقد بينا وجه ذلك. أما على أصل أبي يوسف: فالطلاق يقع بالبيان فالعدة عقيب الوقوع. وعلى أصل محمد: إنما يجب عقيب البيان للتهمة. وأما تزوج الخامسة فظاهر على قول محمد؛ لأن إحداهن بانت فلم يكن جامعًا بين أكثر من أربع [نسوة]، وأما أبو يوسف فجعل استحقاق الطلاق عليه (في وقوعه) (١) فلم يمنع من الجمع، فإن كان قد دخل بهن لم يجز نكاح الخامسة حتى تنقضي عدة التي وقع عليها الطلاق؛ وذلك لأن العدة تحرم الجمع كما يحرم النكاح. فإن لم يبيّن حتى ماتت إحداهن، والقول كان لامرأتين طلقت الباقية؛ وذلك لأنه لم يبق من يستحق الطلاق غيرها، ومن خيّر بين أمرين ففات أحدهما تعين الآخر، وليس هذا كمن باع أحد عبديه على أن المشتري بالخيار فمات أحدهما، أن البيع تعين في الميت؛ لأنه صار معيبًا (٢) قبل الموت فبطل الخيار فيه، ودخل في ملك المشتري، وليس كذلك الطلاق لأن العيب لا يوجب تعيين الطلاق، فبقي خياره حتى فات في الميتة بالموت فتعين في الباقية. وكذلك لو لم تمت ولكن جامعها؛ لأن الجماع يستدل به على تعيين
следующие страницы →