البنج قصد المعصية [فلذلك] (١) لم يبق التكليف.
وقد قالوا في المُكْرَهِ على الشرب: ومن شرب الخمر عند الضرورة فسكر أن طلاقه يقع؛ لأن زوال العقل حصل بلذة، فهو كمن شرب طائعًا.
وقال محمد: فيمن شرب النبيذ فلم يزل عقله [منه] ولكن صدع فزال عقله بالصداع: إن طلاقه لا يقع؛ لأن ذلك لم يحصل بسبب هو لذة.
قال: وكذلك اللاعب بالطلاق والهازل به، وذلك لما ذكر الحسن بن زياد في كتاب الطلاق قال: وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من طلق لاعبًا جاز منه ذلك" (٢).
واحتج أبو يوسف في هذا فقال: حدثنا محمد بن إسحاق عن يزيد ابن عبد الله عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: إنها أمور [مقفلات] (٣)؛ الجدّ والهزل فيهن سواء: الطلاق، والعتاق، والنكاح.
وقال أبو يوسف عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي الدرداء أنه قال: من لعب بطلاق أو عتاق لزمه.
قال: وإن هذه الآية نزلت فى ذلك: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٣١] قال: وكذلك الرجل يريد غير الطلاق فيسبقه لسانه بالطلاق، فالطلاق
стр. 1962
له لازم، وكذلك العتاق؛ وذلك لأن القصد إذا لم يعتبر فيه فيسبق اللسان، إنما عدم فيه القصد فيقع.
قال أبو الحسن: وفي سبق اللسان اختلاف رواية في العتاق والذي هاهنا أحبُّ إليّ، وإنما عنى بذلك أن هشامًا روى عن محمد عن أبي حنيفة: أن من أراد أن يقول لامرأته: اسقِنِي ماء! فقال: أنت طالق، وقع، ولو أراد ذلك في العبد فقال: أنت حرٌ، لم يقع، وروى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنهما يتساويان، وهو الصحيح.
وجه رواية هشام: أن المرأة تملك بضعها لسبب يستوي فيه القصد وعدم القصد، فزوال الملك عنه لا يختلف فيه القصد وعدمه، فأما العبد فالسبب الذي يملك به يختلف فيه القصد وعدمه، فجاز أن يختلف في زوال الملك عنه القصد وعدمه (١).
стр. 1963
بَابْ: الرجل يطلق إحدى امرأتيه بغير عينها
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا قال الرجل لنسوة [له]: إحداكن طالق، طَلُقَت واحدةً منهن بغير عينها إذا لم يكن له نية في واحدة بعينها.
والأصل في جواز الطلاق في المجهولة خلاف ما قاله ما في القياس: قوله ﵇: "كل طلاق جائز" (١)، ولأن الطلاق يتعلق بالأخطار، والخطر والجهالة أُجريا مجرىً واحدًا في العقود بدلالة أنهما ينفيان البيع، فإذا لم يمنع أحدهما الطلاق، كذلك الآخر، ولأن البيع مع ضعفه يصح مع هذا الضرب من الجهالة، ألا ترى أن من باع قفيزًا من صُبرة غير معين انعقد البيع، فلأن يصح ذلك في الطلاق أولى، ثم اختلف أبو يوسف ومحمد، فقال أبو يوسف: يقال [له]: أوقع، وقال محمد في بعض المواضع: يقال له: بَيِّن، فكان عند أبي يوسف الطلاق والعتاق تعلّقا بالذمة، ولزمه إيقاعه في إحداهن، وعند محمد: أن الطلاق تعلق بإحداهن لا بعينها ويلزمه البيان.
لأبي يوسف: أن الأحكام الموقعة إما أن تتعلق بعين أو ذمة، ولم يتعلق الموقع بالعين فلم يبق إلا أن يتعلق بالذمة، ولأنه إذا [عَيَّن] (٢) يلزم التي عين
стр. 1964
فيها الطلاق العدة من يوم البيان، ولا يعتد بما تقدم [من] (١) الحيض، ولو كان الطلاق وقع عليها عند الإيقاع لاعتدّ بما [تقدم] (٢) ذلك من الحيض.
وجه قول محمد: أنه أوقع الطلاق على واحدة من الجملة فلا يتعلق بذمته، كمن باع قفيزًا من صبرة؛ ولأن الطلاق لا يجب عليه بالنذر، ولو صح تعليقه بالذمة (لوجب) (٣) بالنذر، ولأنه لو طلق واحدة من أربع لم يدخل بهن، ثم تزوج بخامسة قبل البيان صَحَّ النكاح، ولو كان الطلاق تعلق بالذمة لكانت الأربع في ملكه فلا يجوز (أن يتزوج بخامسة) (٤).
فأما ما احتج به أبو يوسف من العدة فلا حجة [له] فيه؛ لأن الزوج متهم فيجوز أن يكون عنى بالطلاق غير التي عين، فيصير التعيين إيقاعًا مبتدأً، [فلذلك] (٥) لزمت العدة من حال البيان.
قال: وللنساء أن يخاصمنه في ذلك ويستعدين عليه [إلى] القاضي حتى يبيِّن ذلك؛ لأن الطلاق إذا كان بائنًا أو ثلاثًا فلكل واحدة منهن حق في استيفاء أحكام النكاح أو التوصل إلى زوج آخر، فكان على الزوج البيان.
وإنما قلنا: إنه يقبل قوله في البيان؛ لأن الطلاق صحَّ منه في مجهوله، فالبيان إليه كمن باع قفيزًا من صبرة، وكمن أقر بشيء غير معين.
قال: ويجبره (٦) الحاكم على أن يوقع الطلاق على إحداهن بعينها؛ وذلك
стр. 1965
لما بينا أن البيان حق لهن، فكان للقاضي استيفاء ذلك.
قال: وعليها العدة حتى تُبَيَّنَ، فإن كن أربعًا فتزوج أخرى قبل البيان ولم يكن دخل بهن جاز، وقد بينا وجه ذلك.
أما على أصل أبي يوسف: فالطلاق يقع بالبيان فالعدة عقيب الوقوع.
وعلى أصل محمد: إنما يجب عقيب البيان للتهمة.
وأما تزوج الخامسة فظاهر على قول محمد؛ لأن إحداهن بانت فلم يكن جامعًا بين أكثر من أربع [نسوة]، وأما أبو يوسف فجعل استحقاق الطلاق عليه (في وقوعه) (١) فلم يمنع من الجمع، فإن كان قد دخل بهن لم يجز نكاح الخامسة حتى تنقضي عدة التي وقع عليها الطلاق؛ وذلك لأن العدة تحرم الجمع كما يحرم النكاح.
فإن لم يبيّن حتى ماتت إحداهن، والقول كان لامرأتين طلقت الباقية؛ وذلك لأنه لم يبق من يستحق الطلاق غيرها، ومن خيّر بين أمرين ففات أحدهما تعين الآخر، وليس هذا كمن باع أحد عبديه على أن المشتري بالخيار فمات أحدهما، أن البيع تعين في الميت؛ لأنه صار معيبًا (٢) قبل الموت فبطل الخيار فيه، ودخل في ملك المشتري، وليس كذلك الطلاق لأن العيب لا يوجب تعيين الطلاق، فبقي خياره حتى فات في الميتة بالموت فتعين في الباقية.
وكذلك لو لم تمت ولكن جامعها؛ لأن الجماع يستدل به على تعيين
стр. 1966
الطلاق في الأخرى؛ لاستحالة أن يطأ المطلقة، وكذلك لو قَبَّلها أو حلف بطلاقها أو ظاهَرَ منها، أو طلقها، تعين الطلاق في الأخرى؛ لأن هذه الأحكام تصرف في المرأة [بنفيه] (١) الطلاق فصار كالجماع.
فإن قال: أردت بالطلاق فلانة، فالقول قوله؛ لأن البيان إليه، فإذا قال: عنيتها، فكأنه بيّن فيها، فإن ماتت إحداهما قبل أن يُبيّن فقال: أردت إياها بالطلاق، لم يرثها وطلقت الباقية؛ لما بينا أن موت إحداهما يوجب تعيّن الطلاق في الأخرى من طريق الحاكم، فإن قال: عنيت الميتة، صُدِّق على نفسه في إسقاط حقه من ميراثها ولم يصدق صرف الطلاق عن الباقية، وكذلك إن ماتتا جميعًا إحداهما بعد الأخرى، فقال: أردت الأولى، لم يرث منهما؛ لأن ميراثه سقط عن (الثانية) (٢) من طريق الحكم وعن الأولى باعترافه.
فإن ماتتا جميعًا معًا بأن سقط عليهما حائط أو غرقتا، ورث من كل واحدة نصف ميراثها؛ وذلك لأنه يستحق ميراث كل واحدة في حال ولا يستحقه في حال، فيثبت نصفه على أصلنا في اعتبار الأحوال، فإن قال: أردت إحداهما [يُعينها]، فقد أسقط حقه عن ميراثها ويرث من الأخرى نصف ميراث زوج؛ لأنه لا يصدق في زيادة الاستحقاق.
وقد قالوا: لو مات الزوج قبل البيان ورثتا منه ميراث امرأة بينهما؛ لأن ما تستحقه الواحدة والثنتان سواء، وإحداهما زوجة لا [محالة] (٣) وليس إحداهما بذلك أولى من الأخرى فيكون بينهما، فإن كان له زوجة لم يدخل بها في الطلاق
стр. 1967
كان لها نصف الميراث وللأخريين النصف؛ وذلك لأنه لا يزاحم هذه إلا واحدة فاستحقت النصف، ثم النصف الباقي [بين الباقيتين؛ إذ] ليس إحدى الباقيتين أولى به من الأخرى.
فإن أوقع على إحداهما طلاقًا بعد قوله: إحداكما طالق، وقال: أردت بهذا الطلاق إيقاع ما لزمني ولم أُرد طلاقًا مستقبلًا، كان القول قوله؛ لأن الطلاق مستحق عليه، فإذا فعل ما هو مستحق [عليه] فالقول قوله [فيه]، فإن ارتدتا جميعًا فانقضت عدتهما أو كانتا رضيعتين فأرضعتهما امرأة، بانتا ولم يكن له أن يبين الطلاق الثابت في إحداهما؛ وذلك لأنه لا يملك [البيان] (١) إلا في حالة تملك الطلاق، وهو لا يملك ذلك بعد زوال ملكه فيبقى الطلاق على ما كان عليه.
وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن العدة من يوم أوقع، فإن راجع بعد ذلك صحت الرجعة.
وروى عمرو بن أبي عمرو عن محمد: أن الرجعة لا تصح إذا كانت قد حاضت قبل البيان ثلاث حيض، وهذا صحيح على أصلهما، وفيه تبين الخلاف؛ لأن عند أبي يوسف: الطلاق يقع بالبيان، والعدة تجب عقيب وقوع الطلاق فتصح الرجعة، وعند محمد: الطلاق قد وقع بالإيقاع والعدة عقيبه وإنما توجب العدة بعد البيان على طريق الاحتياط، فوجب أن لا يثبت الرجعة بالشك.
وقد قالوا فيمن قال لامرأتين [له]: إحداكما طالق واحدة والأخرى ثلاثًا، فحاضت إحداهما ثلاث حيض، بانت بواحدة والأخرى طالق ثلاثًا؛ وذلك لأن
стр. 1968
كل واحدة منهما مطلقة لا محالة، فإذا حاضت إحداهما فقد زال ملكه عنها، وقد كان مخيرًا في إيقاع الثلاث (١) فلم يبق من يستحقها إلا الأخرى.
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا [ضَمَّ] (٢) إلى امرأته ما لا يقع عليه الطلاق مثل الحجر والبهيمة، فقال: إحداكما طالق؛ طلقت امرأته، وقال محمد: لا تطلق.
لهما: أن البهيمة لما لم توصف بالطلاق لم يبق من يستحقه إلا الزوجة فتعيّن فيها.
وجه قول محمد: أن من خير نفسه بين الطلاق وبين غيره لم يقع الطلاق، كما لو قال: أنت طالق أولًا، وأما إذا [ضَمَّ] (٣) إلى امرأته من يوصف بالطلاق، إلا أن الزوج لا يملك طلاقها كالأجنبية إذا [ضمَّها] (٤) إلى زوجته، فقال: إحداكما طالق، لم يقع [الطلاق] على زوجته؛ لأن الأجنبية توصف بالطلاق من زوجها، فلم يكن صرف الطلاق إلى زوجته أولى منها.
وقال أبو حنيفة: فإن [ضَمَّ] (٥) إلى زوجته رجلًا فقال: أحدكما طالق، لم يقع الطلاق على زوجته، وقال أبو يوسف: يقع.
لأبي حنيفة: أن الرجل يوصف بالطلاق إذا كان الطلاق بائنًا والبينونة
стр. 1969
تسمى طلاقًا، فإذا جمع [بينها] (١) وبين من يوصف بالطلاق بحال صار كمن جمع بينها وبين أجنبية.
وقالا جميعًا: لو جمع بينها وبين ميتة فقال: أنت طالق أو هذه، لم يقع على زوجته؛ لأن الميتة توصف بالطلاق قبل موتها.
وجه قول أبي يوسف: أن الرجل لا يصح وقوع الطلاق [عليه] بحال، فصار كالبهيمة (٢).
стр. 1970
بَابْ: الرجل يطلق امرأة من نسائه بعينها ثلاثًا ثم يجهلها
قال أبو الحسن: وإذا طلق الرجل امرأة من نسائه بعينها ثلاثًا ثم نسيها لم يحل له أن يطأ واحدة منهن حتى يعلم التي طلق فيتجَنَّبها (١)؛ وذلك لأن [إحداهن] (٢) حرمت عليه، وكل واحدة منهن يجوز أن تكون محرمة، فلا يحل [له] وطئها.
وقد قال أصحابنا: [كُلّ ما] (٣) لا يباح عند الضرورة لا يجوز التحري فيه، والفروج لا تستباح بالضرورة فلا يُتحرى فيها، ولهذا قالوا في الشاة الميتة إذا اختلطت بالمذبوحة أنه يُتحرى؛ لأن الضرورة تبيح الميتة.
قال: فإن جحدت كل واحدة منهن أن تكون [هي] المطلقة فاستعدين عليه الحاكم في النفقة والجماع، أعدي وحبسه حتى يبين التي طلق منهن وألزمه نفقتهن (٤)؛ وذلك لأن لكل واحدة منهن حق المطالبة بأحكام النكاح فكان على الحاكم إلزامه على إيفاء الحق (٥)، فإن لم يفعل فقد امتنع من حق عليه يقدر على أدائه فيحبسه، كالممتنع من الدين، ويقضي عليه بنفقتهن؛ لأن النفقة تجب للمعتدة والزوجة، وكل واحدة منهن إما أن تكون معتدة أو زوجة.
стр. 1971
قال: فإن ادعت كل واحدة منهن أنها هي المطلقة ولا بينة لها، وجحد الزوج، فعليه اليمين لكل واحدة منهن؛ وذلك لأن الطلاق يصح بذله ويصح الإقرار به فيستحلف فيه، فإن أبى أن يحلف فرّق بينه وبينهن؛ لأنه بذل الطلاق لكل واحدة منهن، وإن حلف لهن فلا بد أن يبين؛ لأن الطلاق لا يرتفع باليمين فيبقى على ما كان عليه.
قال ابن سماعة: سمعت محمدًا قال في رجل له امرأتان طلق واحدة منهما بعينها وقال: لا أدري أيتهما هي، فادعت كل واحدة [منهما] أنها هي المطلقة فإني أحلفه لكل واحدة منهما، فإن حلف للأولى طلقت التي لم يحلف لها؛ لأنه لما حلف للأولى سقطت [خصومتها] (١) في الطلاق فتعين في الأخرى من طريق الحكم، وإن لم يحلف للأولى طلقت؛ لأنه بذل الطلاق لها وهو مما يصح بذله.
فإن تشاحتا على اليمين حلّفتُه لهما جميعًا بالله ما طلق واحدة منهما؛ لأن لهما المشاحة في الابتداء لجواز أن ينكل للأولى وقد تساويا في الدعوى، ويمكن إيفاء حقهما معًا (٢)، فإن حلف لهما حجبتهُ عنهما حتى يُبيّن؛ وذلك لأن الطلاق لا يرتفع باليمين فإحداهما محرمة، ولا يمكن منهما إلا أن يبين، فإن وطئ إحداهما فالتي لم يطأها مطلقة؛ وذلك لأن فعله محمول على الصحة، وأنه لم يطأها، وطأً حرامًا.
قال: وينبغي له فيما بينه وبين الله تعالى أن يطلق كل واحدة منهن ويتركهن حتى يبين؛ لأن الوطء لا يجوز فيه التحري على ما بيناه، ولا يجوز له إمساكهن
стр. 1972
[فيضرّ بهنّ] (١)، ولو تركهن بغير طلاق لم يحل لهن التزوج؛ لأن كل واحدة منهن يجوز أن تكون غير مطلقة، فوجب أن يوقع على (كل واحدة منهن فيوفيها حقها) (٢).
قال: والأحسن أن لا يتزوج واحدة منهن إلّا أن يتزوجْن؛ لأن [كل] واحدة منهن يجوز أن تكون مطلقة ثلاثًا فلا تحل له قبل التزويج، فإذا تزوجن فقد حصلت الإباحة بيقين.
قال: فإن تزوج واحدة منهن قبل أن يتزوجن جاز نكاحها، وكانت الأخرى في الحكم المطلقةَ ثلاثًا؛ لأن عقده محمول على الصحة، ولا يمكن ذلك إلا أن يكون الطلاق الثلاث وقع على الأخرى، فيتعين فيها من طريق الحكم وإن كان لا يتعين بالتعيين.
стр. 1973
بَابْ: ما يجب للمطلقة قبل الدخول
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا طلق الرجل امرأته قبل الدخول وقد سمى لها مهرًا مالًا عينًا أو دينًا، فلها نصف ما سمى لها إذا كان ذلك عشرة دراهم فصاعدًا أو قيمتها.
قالوا: الأصل في هذا أن البدل في النكاح على ضربين:
أحدهما: ما [يثبت] (١) بالتسمية، فيجب بالعقد ويستقر بالدخول أو الخلوة أو موت أحد الزوجين، والثاني: ما يجب من طريق الحكم وهو مهر المثل فيجب بالعقد ويستقر بما ذكرنا.
ويجوز أن يقال: إن المسمى يجب بالعقد، والدخول يمنع من سقوط بعضه، ومهر المثل يجب بالعقد ويستقر بالدخول، والدليل على وجوب المهر بالعقد: أن ثبوته لحق الله تعالى فلا يجوز أن يخلو العقد منه (٢)، ولأنه ملك عليها المبدل بالعقد، فوجب أن تملك ما في [مقابلته] (٣) كالبيع، وهذه الجملة لا خلاف فيها إلا في فصل واحد وهو المفوضة، فإن الشافعي قال: إنّ مهرها لا يثبت بالعقد، وإنما يثبت بالدخول (٤).
стр. 1974
وهذا فاسد؛ لأنه بدل في النكاح فيجب بالعقد كالمسمى، ولأن الدخول (١) تصرف في المعقود عليه والدخول لا يجب في العقود بالتصرف، وإنما يسقط نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول والخلوة، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وأما مهر المثل فيستقر بالدخول، ولا (يتبعض) (٢) قبل الدخول، إنما تجب المتعة. وقال الشافعي: يجب نصف مهر المثل.
لنا: أنه بدل يثبت في النكاح من طريق الحكم فلا يتبعض كالمتعة، وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في نصف المسمى، فمنهم من قال: إن الطلاق يسقط نصف المهر ويبقي نصفه لقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فدل على أن الواجب هو نصف الفريضة، ومنهم [مَنْ] قال: إن الطلاق يسقط جميع المسمى، وإنما يجب نصفه على طريق المتعة، واحتج في ذلك بأن الطلاق [رفع] للعقد، فيكون قبل القبض، فوجب أن يسقط كل البدل كالإقالة في البيع.
وأُلْزِم هذا القائل، فقيل له: قال أصحابنا: إذا تزوج على خمس من الإبل السائمة وسلَّمها إلى المرأة فحال الحول عليها ثم طلقها قبل الدخول سقط عنها نصف الزكاة؛ لأن الملك استحق [عليها] بغير فعلها، ولو كان المسمى سقط ووجب نصفه بسبب آخر سقطت الزكاة كلها.
فأجاب: بأن السبب للسقوط لا يستقر؛ لأن الوجوب يعود في الحال فصار السقوط كأن لم يكن أصلًا. ألا ترى أنهم قالوا في الوكيل إذا اشترى ذا
стр. 1975
رحم مَحْرم منه لم يعتق عليه وإن ملكه بالعقد؛ لأن ملكه غير مستقر فيه، فيصير كأنه لم يوجد.
وكذلك قالوا فيمن تحته أمَةٌ فتزوّج حرّة على رقبتها، فأجاز مولاها لم ينفسخ النكاح بينه وبينها، وإن كان بالإجازة (ينتقل إليه ثم) (١) ينتقل منه إلى الحرّة، إلا أن الانتقال إليه لما لم يكن مستقرًا، صار كأنها لم تنتقل في باب الملك، وكذلك في مسألتنا.
قال: وإن شرط مع المسمى ما ليس بمال، مثل أن يتزوجها على ألف وأن يطلق امرأته، أو على أن لا يخرجها من دارها ثم طلقها فلها نصف المسمى ويسقط الشرط؛ وذلك لأن هذا الشرط إذا لم يقع الوفاء به وجب تمام مهر المثل، ومهر المثل لا يثبت مع الطلاق قبل الدخول، فسقط اعتباره فلم يبق إلا المسمى.
قال: وكذلك إن شرط مع المسمى شيئًا مجهولًا مثل أن يتزوج على ألف [درهم] وكرامتها؛ لأنه [إذا] لم يف بالكرامة، وجب تمام مهر المثل، وقد بينا أن مهر المثل لا يثبت حكمه قبل الدخول، وإن تزوجها على أقل من عشرة ثم طلقها قبل الدخول، فلها نصف ما سمى وتمام خمسة دراهم؛ وذلك لأن تسمية ما دون العشرة تسمية لها عندنا، فكأنه تزوجها على ذلك وتمام عشرة، وإذا ثبت أن الطلاق قبل الدخول يوجب انقسام المهر، قلنا: لا يخلو [إمَّا] أن يكون المهر مقبوضًا أو غير مقبوض، فإن كان في يد الزوج أودينًا عليه فطلقها انفسخ ملكها في نصفه بنفس الطلاق حتى لو كانت أمة فأعتقها الزوج نفذ عتقه في نصفها؛ وذلك لأن المهر مملوك بالنكاح وقد زال العقد بالطلاق فزال الملك فيما ملك
стр. 1976
به، وأما إن كان مقبوضًا وهو مما سمي في العقد وتعين به، لم ينفسخ ملكها بالطلاق حتى يفسخه الحاكم أو تسلمه المرأة، أو يقول الزوج: قد فسخت -ذكر هذا الفصل الثالث في الزيادات-.
فإن كان المهر أمَة جاز عتقها في جميعها بعد الطلاق، ولم يجز عتق الزوج فيما روى ابن سماعة عن أبي يوسف قال: ينفسخ ملكها في النصف بنفس الطلاق وينفذ عتقها فيه.
قال: وهذا أحسن عندنا من قول أبي حنيفة وهو قول زفر.
وجه قولهما: أن العقد وإن انفسخ بالطلاق فقد بقي التسليط وهو مما يُملك به عندنا، فإذا بقي سبب التمليك لم يرتفع الملك إلا بفسخ الحاكم أو رضاها؛ ولأن المهر بدل ملك بالعقد فلا ينفسخ [العقد] (١) فيه بفعل أحد المتعاقدين كالثمن.
وجه قول أبي يوسف وزفر: أن المهر ملك بالعقد والطلاق قد رفع العقد وأحكامه، فزال ملكها عن العوض كالفسخ في البيع، وأما إن كان المهر مما لا يتعين بالتعيين [كالأثمان] (٢) فعيّنها أو لم يعيّنها، أو كان مكيلًا أو موزونًا في الذمة فقبضته وهو قائم في يدها، فعلى المرأة مثل نصف كيله أو وزنه: إن شاءت أعطته من ذلك، وإن شاءت أعطته من غيره؛ وذلك لأن حقه معها عند الفسخ كحقها معه عند العقد، ومعلوم أنه لا يتعين عليه بالعقد ما عيَّنه من [الأثمان] (٣) فكذلك لا يتعين عليها بالفسخ، وأما [المكيل] (٤) في الذمة
стр. 1977
فالمقبوض ليس هو ما وقع عليه العقد، وإنما هو عوض عنه، فإذا فارقها كان له نصف ما يتناوله العقد، وذلك مكيل غير معين.
وأما زفر فمن أصله أن الدراهم والدنانير تتعين بالعقد فكذلك بالفسخ، فإذا طلقها (قبل الدخول) (١) وقد كان المهر دراهم معينة وجب عليها نصف المعين، وأما إذا المهر [كان] عبدًا وسطًا أو ثوبًا وسطًا فسلمه إليها وجب له نصفه، ولا يملكه حتى يقضي القاضي له به (أو) (٢) يسلمه؛ وذلك لأن العبد لا مثل له، فإيجاب نصف العين أعدل من إيجاب المثل أو القيمة، فكذلك وجب تسليم نصف العين.
قال: وإن سمى ألف درهم ثم زادها بعد العقد مائة ثم طلقها قبل الدخول، فلها نصف الألف وبطلت الزيادة، وروي عن أبي يوسف: أن لها نصف الألف ونصف الزيادة.
وجه قولهم المشهور: أن الزيادة لم تسم في العقد، فلا تتبعض في الطلاق كمهر المثل.
وجه قول أبي يوسف: أن الزيادة تلحق بالعقد وتصير كالموجود فيه فتتبعض بالطلاق (٣).
١٦٥٦ - [فَصْل: إذا لم يُسم المهر في العقد وطلّقها قبل الدخول]
وأما إذا لم يسم في العقد شيئًا وفرض لها بعد العقد شيئًا مسمىً، أو فرضه
стр. 1978
الحاكم، ثم طلقها قبل الدخول فلها المتعة، وقال أبو يوسف: نصف الفريضة.
لنا: أنه بدل لم يسم في العقد فلا يتبعض بالطلاق كمهر المثل.
وجه قول أبي يوسف: قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ ولم يفصل.
والدليل على أن الزيادة في المهر تلحق بالعقد وتستقر بالدخول، خلاف زفر والشافعي (١): قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء: ٢٤] ولا يجوز أن يكون (ذلك) (٢) في الهبة؛ لأنه لا تعلق لها بالفريضة، ولا يجوز أن يكون المراد به الحط؛ لأن ذلك لا يختص بما بعد الفريضة بل يجوز قبلها، فلم يبق إلا الزيادة، ولأنه تغيّر نصف المهر فتعلق به الاستحقاق كالحط، وعلى الشافعي أن حال المجلس حال تلحق الزيادة فيها بالثمن، ويتعلق بها الاستحقاق، فكذلك في المهر كحال العقد.
وجه قول زفر: أن الاستباحة في ملك الزوج، فلا يصح أن يبذل عوضًا عن ملكه.
١٦٥٧ - [فَصْل: استحقاق الزوجة للمتعة]
وأما إذا طلقها قبل الدخول وقد سمى لها عوضًا فاسدًا أو لم يسم لها شيئًا فلها المتعة؛ والكلام في المتعة يقع في مواضع:
منها: أنها واجبة عندنا للمطلقة قبل الدخول والتسمية، وقال مالك: مستحبة.
стр. 1979
والدليل على ما قلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وهذا أمر، والأمر على الوجوب، ثم قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ والحق يقتضي الوجوب، و"على" من ألفاظ الوجوب؛ ولأنه نكاح بين مسلمين فلا يخلو من عوض كالتي سمى لها مهرًا.
١٦٥٨ - [فَصْل: في تحديد المستحقة للمتعة]
ولا تجب المتعة (١) عندنا إلا لمطلقة واحدة: وهي التي طلقها قبل الدخول والتسمية في العقد، وقال الشافعي: لكل مطلقة المتعة إلا التي طلقها قبل الدخول وقد سمى لها مهرًا (٢).
ويتعين الخلاف في المدخول بها، والدليل على أنه لا تجب المتعة لها: أنها استحقت كمال مهرها كالمتوفى عنها زوجها، ولأن المطلقة قبل الدخول تستحق نصف المسمى ولا تجب لها متعة، فالمطلقة التي استحقت جميع المسمى أولى أن لا تجب لها المتعة. وإنما قلنا: إن المطلقة قبل الدخول إذا سمى لها مهرًا فلا متعة لها، وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وشريح، وإبراهيم، ومحمد بن علي، ولا مخالف لهم (٣)؛ ولأن المتعة إنما تجب من طريق الحكم كالقيمة التي تجب في البيع الفاسد، ومعلوم أن القيمة لا تجتمع مع المسمى ولا مع جزء منه فكذلك المتعة.
стр. 1980
١٦٥٩ - [فَصْل: أوجه المتعة]
والمتعة عندنا على وجهين: متعة واجبة و [متعة] مستحبة؛ فالواجبة لمطلقة واحدة: وهي التي طلقها قبل الدخول والتسمية.
والمستحبة: تستحب [لكل] (١) مطلقة إلا التي طلقها قبل الدخول وقد سمى لها مهرًا، والدليل على استحباب المتعة للمدخول بها قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقد كن مدخولات، وقد روي عن شُرَيح: أن رجلًا طلق امرأته بعد الدخول، فقال له: متعها، فامتنع، فقال له شريح: إن كنت من المتقين والمحسنين فمتعها، ولم يجبره على ذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٤١] وهذا عام (٣).
١٦٦٠ - [فَصْل: المتعة على قدر حال الرجل أو المرأة]
قال أبو الحسن: والمتعة الواجبة على قدر [حال] المرأة، والمستحبة على قدر [حال] الرجل، وكان أبو بكر الرازي يقول: المتعة على قدر [حال] الرجل، ومهر المثل على قدر [حال] المرأة، والنفقة على حالها.
وقال أبو يوسف مثل قول أبي بكر في المتعة: إنها على قدر حال الزوج، والصحيح ما قاله أبو بكر لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦].
стр. 1981
وجه قول أبي الحسن: (أن المتعة بدل عن البُضْع من طريق الحكم كمهر المثل، فأما قول أبي الحسن) (١): أن المتعة المستحبة على قدر حال الرجل، فلا معنى له؛ لأن ما لا يجب لا يتقدر، وإنما يرجع فيه إلى اختياره.
١٦٦١ - [فَصْل: تقدير المتعة]
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن المتعة لا تزاد على نصف مهر المثل، ولا تنقص من خمسة دراهم؛ وذلك لأن مهر المثل عوض في العقد فكان يجب أن يتبعض بالطلاق كالمسمى، وإنما أوجبوا المتعة تخفيفًا عن الزوج، فلا يجوز أن تزاد على ما أسقط على وجه التخفيف، ولا تنقص من خمسة لأنها تجب على طريق العوض، وأقل عوض يثبت في النكاح هو نصف العشرة.
١٦٦٢ - [فَصْل: الخلاف في تقدير المتعة] (٢)
وقد قال أصحابنا: إنّ المتعة ثلاثة أثواب: درع، وخمار، وملحفة، وقال الشافعي: ثلاثون درهمًا (٣)، وقد روي ثلاثة أثواب عن سعيد بن المسيب وعطاء، والحسن، والشعبي، وقال ابن عباس: أرفعُ المتعةِ الخادمُ، ثم دون ذلك الكسوةُ، ثم دون ذلك النفقةُ (٤).
والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا اسم للمعروف،
стр. 1982
[ولأن] (١) لإيجابه نظيرًا في النكاح وهو الكسوة التي تجب لها وليس لإيجاب الثلاثين نظير، فكان إيجاب ما له نظير في النكاح.
١٦٦٣ - [فَصْل: الضابط في دفع المتعة]
قال أبو الحسن: وكل فُرْقَةٍ جاءت من قبل المرأة فلا متعة لها، وإن كانت من قبل الزوج فلها المتعة، والأصل في ذلك: أن كل فرقة [جاءت] من [قِبَلِ] الزوج قبل الدخول والتسمية بطلاق أو لعان أو إيلاء أو فرقة غير ذلك، فلها المتعة؛ لأن هذه الفرقة يجب معها نصف المسمى، والمتعة عوض عن ذلك عند عدم التسمية.
وكل فرقة جاءت من قبل المرأة قبل الدخول فلا مهر لها ولا متعة؛ لأن هذه الفرقة تمنع من وجوب شيء من المسمى، فكذلك المتعة التي هي في مقابلته، وأما إذا خيّر الزوج المرأة فاختارت فهذه فرقة من جهة الزوج قامت المرأة فيها مقامه، فتجب لها المتعة.
قال: وكل فرقة من جهة الزوج بعد الدخول تستحب فيها المتعة إلا أن ترتد أو تأبى الإسلام؛ لأن الاستحباب يثبت لطلب الفضيلة، والكافر لا يثبت له فضيلة (٢).
стр. 1983
بَابْ: ما تستحق به جميع المهر
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا دخل الرجل بامرأته، أو خلا بها خلوةً يمكنه معها الجماع فقد وجب لها جميع الصداق، والأصل في هذا ما قدمنا أن المهر يجب بالعقد، ويستقر [بمعاني تنضمّ إلى العقد] (١)، فمنها: الدخول؛ لأنه استيفاء للمعقود عليه فيستقر به البدل كالقبض في البيع، ومنها: الخلوة الصحيحة: وهو أن يخلو بها وليس هناك مانع من الوطء، وقال الشافعي: لا يستقر المهر بالخلوة (٢).
لنا: ما روى محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من كشف خمار امرأة ونظر إليها فقد وجب الصداق، دخل بها أو لم يدخل بها" (٣).
وروى زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون: أنه إذا أرخي الستر وأغلق الباب فلها الصداق كاملًا، وعليها العدة.
وروي عن عمر أنه قال: ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم.
وعن علي أنه قال: إذا أغلق الباب وأرخي الستر، فقد وجب الصداق (٤).
стр. 1984
وعن معاذ وزيد بن ثابت مثل ذلك؛ ولأنه عقد على المنافع فإذا وجدت التخلية جاز أن يستقر البدل كالإجارة.
١٦٦٤ - [فَصْل: الخلوة التي يستقر بها المهر]
وأما الخلوة الصحيحة التي يستقر بها المهر فهو أن تسلم نفسها وليس هناك مانع، والمانع على ضربين:
مانع من طريق المشاهدة: مثل أن يكون هناك ثالث، أو يكون أحدهما مريضًا مرضًا يمنع من الجماع.
والضرب الثاني من طريق الحكم: وهو أن يكون أحدهما صائمًا في رمضان، أو محرمًا بحجة فريضة أو غير فريضة، أو تكون حائضًا.
أما المانع من طريق المشاهدة؛ فلأن التسليم المستحق بالعقد لم يوجد، ألا ترى أنه يرجى في هذا العقد تسليم على غير (هذه الصفة) (١)، وإذا لم يوجد التسليم المستحق صار كالبائع إذا خلَّى بين المشتري وبين السلعة وهناك مانع يمنع المشتري منها، وعلى (هذا المرض؛ لأنه يرجى زواله) (٢) فيوجد التسليم الذي يمكن معه الوطء.
وأما الحيض والإحرام والصوم فهو مانع من جهة الدين، والمنع من جهة الدين أقوى من المنع من جهة الآدمي، فهو أولى بأن يمنع استقرار البدل، واختلفت الروايات في صوم غير رمضان، فقال في الرواية الصحيحة: أن صوم
стр. 1985
التطوع وقضاء رمضان والكفارات والنذر لا يمنع الخلوة، روى ذلك بشر عن أبي يوسف، لأن الضرر بالفطر فيه يسير، ألا ترى أنه يلزمه القضاء، وليس كذلك صوم رمضان؛ لأنه يوجب القضاء والكفارة، ولهذا سَوَّوْا بين حجة الفرض والنفل؛ لأن الكفارة تجب فيهما والقضاء، وهو ضرر كبير.
وأما الرواية الأخرى: وهي رواية المختصر فقال في (نفل الصوم) (١) إنه كفرضه؛ لأنه منهي عن الفطر [فيه] بغير عذر فصار كحجة النفل، وقد قالوا فيمن خلا بامرأته في مسجدٍ أو طريق أو صحراء: فليس ذلك بخلوة؛ لأنه يجوز أن يحصل هناك ثالث.
وقالوا: إذا خلا بها في حَجَلَةٍ أو قُبَّةٍ، وأرخى الستر فهي خلوة؛ لأنه في حكم البيت.
وقالوا: ولو خلا بها على سطح لا حجب عليه فليس بخلوة؛ لأنه لا يأمن أن يطلع عليه مطلع فصار كالصحراء.
وقالوا: إذا كان معها في البيت أعمى أو نائم فليست بخلوة؛ لأن الأعمى يحس، والنائم يجوز أن يستيقظ، ولو خلا بها ومعه امرأة أجنبية فليست بخلوة؛ لأنه لا يحل له النظر إليها، فإن تزوج باثنتين فخلا بهما فليس بخلوة، قالوا: لأنه لا يحل [للرجل] أن يجامع امرأته بمشهدٍ من امرأة له أخرى، وكان قول محمد الأول: أنه لو خلا بها وهناك جارية [له] كانت خلوة، ثم رجع فقال: لا تكون خلوة.
وجه [قوله الأول] (٢): أن الأمة يجوز لها النظر إليه فليس لها حرمة
стр. 1986
كحرمة الحرّة.
وجه قوله الآخر: أن الأمة لا يجوز لها النظر إليها فلا يجوز الوطء بمشهدٍ منها، ووطؤها له حلال كالزوجة.
١٦٦٥ - [فَصْل: أثر وجود الصبي في الخلوة]
والصبي الذي يعقل كالرجل؛ لأن الإنسان [يمتنع] (١) عن الوطء بمشهدٍ منه، [وإن كان لا يعقل فهي خلوة صحيحة؛ لأنه لا يمتنع عن الوطء بمحضر منه] (٢)، والمجنون لو كان لا يعقل فهي خلوة صحيحة؛ لأنه لا يمتنع عن الوطء بمشهدٍ منه، [والمجنون] والمعتوه كالصبي وإن كانا يعقلان [فهي خلوة] (٣)، وإن كانا لا يعقلان [فليست بخلوة] (٤).
وقال أبو يوسف: سألت ابن أبي ليلى عمن خلا بامرأته الحائض والمريضة والمحرمة، فقال: عليه المهر كاملًا، وليس بصحيح؛ لأن الزوج ممنوع من الوطء لحق الله تعالى، فهو كالممنوع من جهة الآدمي.
١٦٦٦ - [فَصْل: أثر موت الزوج في استقرار المهر]
وأما إذا ماتت المرأة أو مات الزوج استقر المهر، والدليل على ذلك: الإجماع؛ ولأن العدة واجبة عليها لا على وجه الاحتياط، فاستقر المهر كالمدخول بها، وقد دل على ذلك [أيضًا] ما روي أن النبي ﵇ قضى لبروع بنت واشق وقد
стр. 1987
مات زوجها قبل أن يدخل بها بمهر المثل (١)؛ فدل على أن الموت كالدخول في استقرار المهر.
١٦٦٧ - [فَصْل: أثر قتل الزوجة نفسها في المهر]
وإن قتلت الحرّة نفسها فلها المهر، وقال الشافعي: لا مهر لها (٢).
لنا: أن المهر دين لها فلا يسقط بقتلها نفسها كسائر الديون؛ ولأن قتل الآدمي نفسه لا يتعلق به حكم من أحكام الدنيا فصار كموته، ولا يلزم قتل المولى أمته؛ لأنه يتعلق به الكفارة.
١٦٦٨ - [فَصْل: في قتل المولى الأمة]
وإن كانت أمة فقتلها مولاها فلا مهر لها عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لها المهر.
لأبي حنيفة: أن المستحق للبدل منع المبدل قبل التسليم، فقام ذلك مقام البراءة من البدل كالبائع إذا أتلف المبيع؛ ولأنه عقد على منافعها، فإذا قتلها قبل التسليم سقط البدل كالإجارة.
وجه قولهما: أن هذه الفرقة يتعلق بها الإرث، ألا ترى أن المولى لو جرحها ثم أعتقها، واكتسبت كسبًا ثم ماتت ورثها الزوج، وكل فرقة يتعلق بها الإرث يستقر بها البدل، كالموت.
стр. 1988
١٦٦٩ - [فَصْل: في قتل الأمة نفسها]
وأما إذا قتلت الأمة نفسها فقد روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة: أنه لا مهر لها، وقال بشر عن أبي يوسف قياس قول أبي حنيفة: أن لا مهر لها، وروي عن أبي حنيفة: أن لها المهر، وهو قول أبي يوسف ومحمد.
أما وجه الرواية التي قال لا مهر لها: أن قتلها نفسها كقتل المولى، بدلالة أن جنايتها كجنايته بأن لا ضمان.
وجه الرواية الأخرى: أن جنايتها على نفسها [هدر] (١) فصارت كالموت. وجه قولهما: أنها فرقة تعلق بها الإرث كالموت.
١٦٧٠ - [فَصْل: سقوط المهر بعد الوجوب]
فإذا أوجب المهر بما ذكرنا لم يسقط وإن جاءت الفرقة من قبلها؛ لأن استقرار البدل يمنع من سقوطه بعد ذلك كاستقرار الثمن بالقبض (٢).
وقال: وفي الخلوة الفاسدة [أن] عليها العدة؛ لأنهما يُتهمان في الوطء، والعدة تجب بالاحتياط.
١٦٧١ - [فَصْل: أثر الخلوة بالرتقاء في المهر]
قال: ولو خلا بالرتقاء (٣) فلها نصف المهر ولا عدة عليها؛ وذلك لأن الرتق
стр. 1989
معنى يرجى زواله؛ لأن الطبيب يشقه، فلم يوجد التسليم المستحق بالعقد، فلم يستقر البدل ولا تجب العدة؛ لأن الوطء متعذر والعدة إنما تجب على وجه الاحتياط، وكذلك قالوا في خلوة المريض لهذا المعنى فإن خلا بها وهو مجبوب (١) أو خصي أو عِنِّين (٢) ثم [طلقها] فلها المهر كاملًا وعليها العدة، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمد إلا في المجبوب فإن لها نصف الصداق.
أما العِنِّين والخَصيّ فيوجد منهما الوطء فخلوتهما كخلوة غيرهما.
وأما المجبوب فوجه قول أبي حنيفة: أن عقد النكاح يوجب التسليم، وليس في هذا العقد تسليم يرجى إلا على هذا الوجه، فكان هو المستحق بالعقد فاستقر به البدل.
فإن قيل: فما تقولون في الصحيح إذا تزوج ثم جُبَّ فخلا [بها].
قلنا: العقد إنما أوجب التسليم الذي لا يمكن أن يوجد ما هو أكثر منه، فإذا طرأ الجب (فقد وجد من الخلوة ما يوجب العقد.
وجه قولهما: أن الجب) (٣) يتيقن معه عدم الوطء (أكثر مما يتيقن في المرض) (٤)، فإذا منع المرض الخلوة فالجب أولى، وأما العدة فقد ذكر أبو الحسن من قولهما: أن عليها العدة، وقال أبو يوسف في المجبوب: إن كان ينزل فعليها العدة؛ وإنما وجبت العدة لأن المجبوب قد يقذف بالماء ويثبت
стр. 1990
نسب ولده، وقد بينا أن العدة تجب على وجه الاحتياط.
قال أبو الحسن: فإن جاءت بولدٍ ما بينها وبين سنتين لزمه، ووجب لها جميع الصداق؛ لأنا لما حكمنا بثبوت النسب قام ذلك مقام الدخول في استقرار المهر، وقد قال أبو يوسف في المجبوب الذي لا ينزل: إنه لا عدة عليها، فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا لم يثبت، كما يقول في المطلقة قبل الدخول، أو المعتدة إذا أقرت بانقضاء العدة ثم أتت بولد (١).
стр. 1991
بَابْ: الرجل يطلق امرأته قبل الدخول وقد وهبت له الصداقَ قبل قبضه أو بعده
قال: وجملة هذا الباب، أن المرأة إذا وهبت لزوجها مهرها قبل قبضه وهو دين أو عين، ثم طلقها قبل الدخول، فلا شيء له عليها، وقال زفر: يرجع عليها بنصف المهر، وهو قول الشافعي.
لنا: أن الذي يستحقه الزوج بالطلاق قبل الدخول عاد إليه من جهتها بسبب لا يقتضي الضمان، فلو ضمَّناها لضمّناها لأجل الهبة، والهبة لا توجب على واهبها ضمانًا لأجلها، [ولأن نصف الصداق الذي يستحقه عاد إليه من جهتها بسبب لا يوجب الضمان] (١)، فلم يكن له الرجوع عليها كالنصف الآخر.
وجه قول زفر: أنها لما وهبت فقد تصرفت في البدل، فصار كما لو وهبته لأجنبي، وأما إذا وهبت لأجنبي فقبضه رجع عليها الزوج؛ لأن قبض الأجنبي قام مقام قبضها، فكأنها قبضت ووهبت.
١٦٧٢ - [فَصْل: هبة المهر للزوج بعد قبضها]
وأما إذا قبضت المهر ثم وهبته للزوج فهو على وجهين: كل ما تعين (بالعقد) (٢) إذا قبضته ووهبته لم يرجع عليها؛ لأن الذي يستحقه بالطلاق هو
стр. 1992
نصف الموهوب بعينه، وقد رجع [ذلك] إليه بسبب لا يقتضي الضمان، وكذلك إذا تزوجها على حيوان في الذمة أو عرض في الذمة؛ لأن الذي يستحقه بالطلاق نصف ذلك الشيء بعينه، فصار كأنه تعين بالعقد.
وأما إذا كان المهر دراهم أو دنانير معينة، أو غير معينة أو موزونًا أو مكيلًا في الذمة، فقبضته ووهبته ثم طلقها [قبل الدخول] رجع عليها [بمثل] (١) نصفه؛ لأن المستحق بالطلاق ليس هو الذي وهبته، ألا ترى أنها كانت مخيرة إن شاءت دفعت ذلك، وإن شاءت دفعت غيره، فلم يعد إليه ما تستحقه بالطلاق، فكأنها وهبت مالًا آخر.
وقال زفر في الدراهم والدنانير إذا تزوجت عليها بعينها ثم قبضتها ووهبتها: إنه لا رجوع للزوج [عليها]؛ لأنها تتعين عنده بالعقد، فتتعين بالفسخ كالعروض، وهذه الرواية عن زفر مخالفة قوله في المسألة الأولى من الباب الذي ذكرناه، فإن صَحَّت هذه الرواية عنه، فلا بد أن يكون عنه روايتان في تلك المسألة.
١٦٧٣ - [فَصْل: هبة نصف مهرها الذي لم تقبض]
وأما إذا قبضت نصف مهرها ثم وهبت النصف [الباقي] ثم طلقها قبل الدخول قال أبو حنيفة: لا يرجع عليها بشيء؛ وذلك لأن الذي تستحقه بالطلاق نصف ما في ذمته، ألا ترى أنها لو لم تكن وهبت له، لم يكن له أن يرجع عليها بشيء، وقد عاد إليه ما كان في ذمته [منه] بسبب لا يوجب الضمان.
وقال أبو يوسف ومحمد: يرجع عليها بربع المهر؛ لأن الذي يستحقه نصف
стр. 1993
المهر مشاعًا فيما في ذمته وفيما قبضت، إلا أنها إذا لم تكن وهبته، صار ما في ذمته قصاصًا بما له عليها، فإذا وهبت بقي حقه في نصف ما في يدها فيرجع به عليها.
١٦٧٤ - [فَصْل: الأرش بوجود العيب في المهر]
وقد قالوا في المرأة إذا قبضت المهر وهي جارية فولدت أو جُني عليها فوجب الأرش، أو كان نخلًا أو شجرًا فأثمر أو دخله عيب ثم وهبته وطلقها، رجع عليها بمثل نصفه إن كان له مثل، (أو نصف قيمته إن لم يكن له مثل) (١)؛ وذلك لأن حق الزوج لم يكن متعلقًا به، ألا ترى أنه لا يجوز أخذه مع الزيادة ويجوز له تركه مع العيب، فإذا لم يتعلق حقه به فلم يرجع إليه بالهبة ما يستحقه بالطلاق فكان له تضمينها، وأما إذا زاد المهر في [بدنه] (٢) فوهبته له ثم طلقها، ضَمَّنَها عند أبي حنيفة وأبي يوسف على أصلهما: أن الزيادة المتصلة تمنع الفسخ، ولم يُضَمّنها عند محمد على أصله: أن هذه الزيادة لا تمنع الفسخ.
١٦٧٥ - [فَصْل: رجوع الزوجة فيما وهبته له من المهر]
قال أبو الحسن: فإن باعته المهر أو وهبته على عوض أو تصدقت به على عوض ثم طلقها، رجع عليها بمثل نصفه (فيما له مثل) (٣)، وبنصف القيمة فيما لا مثل له؛ وذلك لأن المهر عاد إلى الزوج بسبب يتعلق به الضمان، فإذا وجب له الرجوع؛ ضمنها كما لو باعت من أجنبي ثم اشتراه الزوج من الأجنبي.
قال: فإن كانت باعت قبل القبض، فعليها نصف القيمة يوم البيع؛ لأنه
стр. 1994
دخل في ضمانها بالبيع، وإن كانت قبضت ثم باعت، فعليها نصف القيمة يوم القبض؛ لأنه دخل في ضمانها بالقبض (١). اهـ
стр. 1995
[٤٢] بَابْ: الخلع
قال أبو الحسن: الأصل في جواز الخُلْع (١) قول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وروى عكرمة عن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ فقالت: والله ما عبت على ثابت في دِين ولا خُلُق، وإني لأكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال ﵇: "أتردين عليه حديقته" (٢)، قالت: نعم، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ منها ما ساق إليها ولا يزداد.
قال ابن جريج: وفيهما نزلت ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يقول: لا تأخذ منها أكثر مما أعطيتها (٣).
١٦٧٦ - [فَصْل: الخلاف في الخلع]
والخلع عندنا طلاق، وقال الشافعي: فسخ (٤)، وفائدة الخلاف: أنه إذا
стр. 1996
خالعها ثم تزوجها عادت إليه بتطليقتين عندنا (وعنده بثلاث) (١).
لنا: أنه فرقة بعوض كالطلاق على مال، ولا حجة (له) (٢) في قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فلو كان الخلع طلاقًا كان في الآية أربع تطليقات؛ [وذلك] لأن الله تعالى ذكر تطليقتين بغير عوض، [ثم ذكرهما بعوض] ثم ذكر الثالثة فلا يكون في الآية أكثر من ثلاث، ولهذا [المعنى] قال أصحابنا: إذا قال لها: خالعتك، [ينوي الطلاق ولم يذكر عوضًا، كان طالقًا؛ لأنه من كنايات الطلاق، ولو نوى] به ثلاثًا كان ثلاثًا، كقوله: أنت طالق بائن.
١٦٧٧ - [فَصْل: حقيقة الخلع]
والخلع عندنا عبارة عن عقد على الطلاق بعوض، والدليل عليه ما قالوا في رجلٍ قال لرجل [آخر]: اخلع امرأتي، فخلعها بغير عوض لم يصحّ، وقالوا: لو قال لامرأته: اخلعي نفسك، فقالت: خلعت نفسي بألف [درهم]، وقف على إجازة الزوج، فدل على أن الخلع عبارة عما كان فيه عوض، فإذا قال الزوج: خالعتك، ونوى به الطلاق لم يكن خلعًا في الحقيقة، وإنما هو كناية في الطلاق.
١٦٧٨ - [فَصْل: نية الطلاق في الخلع]
وقد قال أصحابنا: إن الرجل إذا قال لامرأته: خالعتك على ألفٍ فقبلت، وقال: لم أنو بذلك الطلاق لم يُصَدِّق؛ لأن ذكر العوض يصير كدلالة الحال،
стр. 1997
ولأن الخلع لا يكون إلا هكذا.
١٦٧٩ - [فَصْل: افتقار الخلع إلى الإيجاب والقبول]
والخلع عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول؛ ليقع به الفرقة من جهة الزوج، ويستحق العوض من جهة المرأة.
ويختلف حكم الإيجاب والقبول فيه، فإن ابتدأ الزوج فقال: خالعتك على ألف [درهم]، لم يصحَّ رجوعه عن ذلك، ولم يبطل لقيامه من المجلس قبل قبولها، ولم يقف على حضورها في المجلس بل يجوز إذا كانت غائبة، فإذا بلغها فلها القبول في مجلسها.
ويجوز أن يعلق ذلك بشرط وبوقت فيقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف [درهم]، وإذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف [درهم]، والقبول إليها بعد مجيء الوقت وقدوم زيد، فإن [قبلت] قبل ذلك لم يجز، وإنما كان كذلك؛ لأن الزوج من جهته الطلاق، وإيجاب الطلاق لا يصح الرجوع عنه، ويجوز تعليقه بالشرط.
فأما إذا ابتدأت المرأة وقالت: خلعت نفسي منك بألف [درهم]، فذلك كإيجاب البيع، يجوز أن ترجع عنه قبل قبوله، ويبطل بقيامها من المجلس وبقيامه، ولا تقف على غائب، ولا يجوز أن يتعلق بشرط ولا وقت؛ لأن الذي من جهتها المال، والإيجاب في المال في حال الخلوة يبطل بالافتراق، ولا يتعلق بالشروط كالبيع، وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة: إذا خالعها وشرطت لنفسها الخيار جاز، وقالا: لا يجوز.
стр. 1998
وجه قول أبي حنيفة: أن الذي من جهتها تمليك المال، وشرط الخيار يجوز في تمليك المال بعوض كالبيع.
وجه قولهما: أنه عقد لا يحتمل الفسخ، وخيار الشرط مشروط للفسخ.
١٦٨٠ - [فَصْل: متى يحل للزوج أخذ العوض في الخلع]
وقد قال أصحابنا: إن النشوز [والكراهة] إذا كان من الرجل لم يحل له أخذ العوض، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وأما إذا كان النشوز من قِبلها حل له أخذ العوض، ويكره [له] أخذ ما زاد على ما أعطاها لما روي أن النبي ﷺ قال لثابت بن قيس: "خذ ما سُقْت إليها ولا تَزِد" (١)، ولأنه إذا أخذ أكثر مما أعطاها فقد أضر بها وهو ممنوع عن الإضرار.
١٦٨١ - [فَصْل: أخذ أكثر مما أعطاها في الخلع]
وإذا كان النشوز من قبله فأخذ عوضًا أو كان من قبلها فأخذ أكثر مما أعطاها، جاز ذلك في الحكم ولزم، وهو مكروه في الدين، وقال: نفاة القياس لا يجوز.
لنا: [ما روي] أن امرأة ناشزة رفعت إلى عمر، فأباتها في بيت الرجل ثلاث ليال، ثم دعاها فقال: كيف وجدتِ مبيتكِ؟ فقالت: ما بت ليال منذ كنت
стр. 1999
عنده أقر لعيني منهن، فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها) (١). قال قتادة: يعني بمالها كله.
وروي أن مولاة لصفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر اختلعت بجميع مالها، فلم ينكر ذلك ابن عمر؛ ولأن كل عقد جاز فيه العوض القليل جاز فيه العوض الكثير، كسائر العقود.
١٦٨٢ - [فَصْل: كل ما كان مهرًا في عقد النكاح كان عوضًا في الخلع]
قال أبو الحسن: وكل ما خالعها عليه مما يكون مهرًا في عقد النكاح، فالخلع عليه جائز وهو لازم [للمرأة] في الحكم؛ وذلك لأن الخلع عقد على البضع كالنكاح، لمّا جاز أن يثبت بدلًا في أحد العقدين جاز أن يثبت في الآخر.
قال: فإن كان [مما بيّنت] لك أن الزوج بالخيار: بين أن يعطيها [المهر] أو قيمته، فكذلك المرأة تكون بالخيار، وهذا مثل الحيوان المطلق، وذلك لما بينا أن أحد العقدين معتبر بالآخر، فإذا كان الحيوان إذا سُمّي في أحدهما ثبت الخيار بينه وبين قيمته، فكذلك الآخر.
قال: وإن كان مُحَرَّمًا لا يجوز عليه عقد النكاح، مثل الخمر والخنزير والميتة والدم والحُرّ، فإن قبل الزوج [ذلك] منها وقعت الفرقة بينهما، ولا شيء على المرأة من الجعل، ولا ترد من مهرها شيئًا؛ وذلك لأن هذه الأشياء لا يجوز أن تكون عوضًا في حق المسلمين ولا يملكونها بعقودهم فلم تصح تسميتها، ولا يجب للزوج شيء؛ لأنه رضي بما لا قيمة له.
стр. 2000
وخروج البضع من ملكه ليس له قيمة فلا يرجع بشيء، وليس كذلك النكاح؛ لأن العوض فيه لا يسقط برضاها، فإذا سَمَّت ما لا قيمة له، صار ككسوتها عن العوض، ودخول البضع في ملك الزوج متقوّم، [فلذلك] (١) وجب مهر مثلها.
١٦٨٣ - [فَصْل: حصول الخلع بشيء مجهول]
فإن خالعها على شيء أشارت إليه مجهول، فقالت: على ما في بطون غنمي أو نعمي، أو جاريتي من ولد، أو على ما في ضروعها من لبن، أو في نخلي أو في شجري من ثمر، فإن كان هناك شيء فهو له، وإن لم يكن هناك شيء ردت عليه ما استحقت عليه بعقد النكاح، والأصل في جواز تسمية الحمل واللبن والثمر في الخلع -خلاف ما قال الشافعي- أنها عينٌ يجوز استحقاقها بالوصية، فجاز تسميتها في الخلع كسائر الأعيان.
وإنما فرَّقُوا بين النكاح والخلع في باب تسمية هذه الأشياء؛ لأن الخلع رفع للعقد، ورفع العقد قد سومح فيه في [باب] التسمية ما لم يسامح في العقد، ألا ترى أن الإقالة تصح بغير ذكر العوض، وإن كان البيع لا يصح إلا بعوض مذكور، وأما إذا لم يكن هناك شيء فقد [غرَّته] (٢) بتسمية ما له قيمة، فلا يجوز أن يزول ملكه بغير عوض، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة هذه الأشياء؛ لأنها مجهولة في نفسها، ولا إلى قيمة البضع لأنه لا يتقوم في خروجه من ملك الزوج، فوجب الرجوع إلى ما يقوم به على الزوج، وهو ما استحقته من المسمى