← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

خالعها ثم تزوجها عادت إليه بتطليقتين عندنا (وعنده بثلاث) (١). لنا: أنه فرقة بعوض كالطلاق على مال، ولا حجة (له) (٢) في قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ فلو كان الخلع طلاقًا كان في الآية أربع تطليقات؛ [وذلك] لأن الله تعالى ذكر تطليقتين بغير عوض، [ثم ذكرهما بعوض] ثم ذكر الثالثة فلا يكون في الآية أكثر من ثلاث، ولهذا [المعنى] قال أصحابنا: إذا قال لها: خالعتك، [ينوي الطلاق ولم يذكر عوضًا، كان طالقًا؛ لأنه من كنايات الطلاق، ولو نوى] به ثلاثًا كان ثلاثًا، كقوله: أنت طالق بائن. ١٦٧٧ - [فَصْل: حقيقة الخلع] والخلع عندنا عبارة عن عقد على الطلاق بعوض، والدليل عليه ما قالوا في رجلٍ قال لرجل [آخر]: اخلع امرأتي، فخلعها بغير عوض لم يصحّ، وقالوا: لو قال لامرأته: اخلعي نفسك، فقالت: خلعت نفسي بألف [درهم]، وقف على إجازة الزوج، فدل على أن الخلع عبارة عما كان فيه عوض، فإذا قال الزوج: خالعتك، ونوى به الطلاق لم يكن خلعًا في الحقيقة، وإنما هو كناية في الطلاق. ١٦٧٨ - [فَصْل: نية الطلاق في الخلع] وقد قال أصحابنا: إن الرجل إذا قال لامرأته: خالعتك على ألفٍ فقبلت، وقال: لم أنو بذلك الطلاق لم يُصَدِّق؛ لأن ذكر العوض يصير كدلالة الحال،

стр. 1997

ولأن الخلع لا يكون إلا هكذا. ١٦٧٩ - [فَصْل: افتقار الخلع إلى الإيجاب والقبول] والخلع عقد يفتقر إلى الإيجاب والقبول؛ ليقع به الفرقة من جهة الزوج، ويستحق العوض من جهة المرأة. ويختلف حكم الإيجاب والقبول فيه، فإن ابتدأ الزوج فقال: خالعتك على ألف [درهم]، لم يصحَّ رجوعه عن ذلك، ولم يبطل لقيامه من المجلس قبل قبولها، ولم يقف على حضورها في المجلس بل يجوز إذا كانت غائبة، فإذا بلغها فلها القبول في مجلسها. ويجوز أن يعلق ذلك بشرط وبوقت فيقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف [درهم]، وإذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف [درهم]، والقبول إليها بعد مجيء الوقت وقدوم زيد، فإن [قبلت] قبل ذلك لم يجز، وإنما كان كذلك؛ لأن الزوج من جهته الطلاق، وإيجاب الطلاق لا يصح الرجوع عنه، ويجوز تعليقه بالشرط. فأما إذا ابتدأت المرأة وقالت: خلعت نفسي منك بألف [درهم]، فذلك كإيجاب البيع، يجوز أن ترجع عنه قبل قبوله، ويبطل بقيامها من المجلس وبقيامه، ولا تقف على غائب، ولا يجوز أن يتعلق بشرط ولا وقت؛ لأن الذي من جهتها المال، والإيجاب في المال في حال الخلوة يبطل بالافتراق، ولا يتعلق بالشروط كالبيع، وعلى هذا الأصل قال أبو حنيفة: إذا خالعها وشرطت لنفسها الخيار جاز، وقالا: لا يجوز.

стр. 1998

وجه قول أبي حنيفة: أن الذي من جهتها تمليك المال، وشرط الخيار يجوز في تمليك المال بعوض كالبيع. وجه قولهما: أنه عقد لا يحتمل الفسخ، وخيار الشرط مشروط للفسخ. ١٦٨٠ - [فَصْل: متى يحل للزوج أخذ العوض في الخلع] وقد قال أصحابنا: إن النشوز [والكراهة] إذا كان من الرجل لم يحل له أخذ العوض، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] وأما إذا كان النشوز من قِبلها حل له أخذ العوض، ويكره [له] أخذ ما زاد على ما أعطاها لما روي أن النبي ﷺ قال لثابت بن قيس: "خذ ما سُقْت إليها ولا تَزِد" (١)، ولأنه إذا أخذ أكثر مما أعطاها فقد أضر بها وهو ممنوع عن الإضرار. ١٦٨١ - [فَصْل: أخذ أكثر مما أعطاها في الخلع] وإذا كان النشوز من قبله فأخذ عوضًا أو كان من قبلها فأخذ أكثر مما أعطاها، جاز ذلك في الحكم ولزم، وهو مكروه في الدين، وقال: نفاة القياس لا يجوز. لنا: [ما روي] أن امرأة ناشزة رفعت إلى عمر، فأباتها في بيت الرجل ثلاث ليال، ثم دعاها فقال: كيف وجدتِ مبيتكِ؟ فقالت: ما بت ليال منذ كنت

стр. 1999

عنده أقر لعيني منهن، فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها) (١). قال قتادة: يعني بمالها كله. وروي أن مولاة لصفية بنت أبي عبيد زوجة ابن عمر اختلعت بجميع مالها، فلم ينكر ذلك ابن عمر؛ ولأن كل عقد جاز فيه العوض القليل جاز فيه العوض الكثير، كسائر العقود. ١٦٨٢ - [فَصْل: كل ما كان مهرًا في عقد النكاح كان عوضًا في الخلع] قال أبو الحسن: وكل ما خالعها عليه مما يكون مهرًا في عقد النكاح، فالخلع عليه جائز وهو لازم [للمرأة] في الحكم؛ وذلك لأن الخلع عقد على البضع كالنكاح، لمّا جاز أن يثبت بدلًا في أحد العقدين جاز أن يثبت في الآخر. قال: فإن كان [مما بيّنت] لك أن الزوج بالخيار: بين أن يعطيها [المهر] أو قيمته، فكذلك المرأة تكون بالخيار، وهذا مثل الحيوان المطلق، وذلك لما بينا أن أحد العقدين معتبر بالآخر، فإذا كان الحيوان إذا سُمّي في أحدهما ثبت الخيار بينه وبين قيمته، فكذلك الآخر. قال: وإن كان مُحَرَّمًا لا يجوز عليه عقد النكاح، مثل الخمر والخنزير والميتة والدم والحُرّ، فإن قبل الزوج [ذلك] منها وقعت الفرقة بينهما، ولا شيء على المرأة من الجعل، ولا ترد من مهرها شيئًا؛ وذلك لأن هذه الأشياء لا يجوز أن تكون عوضًا في حق المسلمين ولا يملكونها بعقودهم فلم تصح تسميتها، ولا يجب للزوج شيء؛ لأنه رضي بما لا قيمة له.

стр. 2000

وخروج البضع من ملكه ليس له قيمة فلا يرجع بشيء، وليس كذلك النكاح؛ لأن العوض فيه لا يسقط برضاها، فإذا سَمَّت ما لا قيمة له، صار ككسوتها عن العوض، ودخول البضع في ملك الزوج متقوّم، [فلذلك] (١) وجب مهر مثلها. ١٦٨٣ - [فَصْل: حصول الخلع بشيء مجهول] فإن خالعها على شيء أشارت إليه مجهول، فقالت: على ما في بطون غنمي أو نعمي، أو جاريتي من ولد، أو على ما في ضروعها من لبن، أو في نخلي أو في شجري من ثمر، فإن كان هناك شيء فهو له، وإن لم يكن هناك شيء ردت عليه ما استحقت عليه بعقد النكاح، والأصل في جواز تسمية الحمل واللبن والثمر في الخلع -خلاف ما قال الشافعي- أنها عينٌ يجوز استحقاقها بالوصية، فجاز تسميتها في الخلع كسائر الأعيان. وإنما فرَّقُوا بين النكاح والخلع في باب تسمية هذه الأشياء؛ لأن الخلع رفع للعقد، ورفع العقد قد سومح فيه في [باب] التسمية ما لم يسامح في العقد، ألا ترى أن الإقالة تصح بغير ذكر العوض، وإن كان البيع لا يصح إلا بعوض مذكور، وأما إذا لم يكن هناك شيء فقد [غرَّته] (٢) بتسمية ما له قيمة، فلا يجوز أن يزول ملكه بغير عوض، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة هذه الأشياء؛ لأنها مجهولة في نفسها، ولا إلى قيمة البضع لأنه لا يتقوم في خروجه من ملك الزوج، فوجب الرجوع إلى ما يقوم به على الزوج، وهو ما استحقته من المسمى

стр. 2001

أو مهر المثل. ١٦٨٤ - [فَصْل: الخلع على ما في بيتها] قال: وكذلك إن قالت: على ما في بيتي أو [يدي] (١) من متاع؛ وذلك لأنها أشارت إلى عين مقومة مجهولة فهو كاللبن والحمل، وإن كان هناك متاع استحقه، وإن لم يكن فقد غرته بتسمية ما له قيمة، فيرجع عليها بالمهر. ١٦٨٥ - [فَصْل: الخلع على في بطون الغنم والفروع] فإن قالت: على ما في بطون غنمي أو ضروعها، أو على ما في نخلي أو شجري أو بيتي أو يدي، ولم تزد على ذلك، فإن كان هناك شيء أخذه، وإن لم يكن فلا شيء له؛ وذلك لأنها لم تسم ما هو مقوم، ألا ترى أنه قد يكون في البطن ما له قيمة وما لا قيمة له، وكذلك في اليد والبيت، فإذا لم تغره -والرجوع إنما يكون بحكم الغرور لم يرجع عليها [بشيء]. ١٦٨٦ - [فَصْل]: وإن قالت: قد اختلعت منك على [ما تلد غنمي أو تحلب، أو تثمر شجري، أو نخلي، أو ما أرث العام] (٢) [أو] ما استغل من عَقاري، فقد وقعت الفرقة، وعليها أن ترد ما استحقت من المهر أثمر النخل والشجر أو لم يثمر؛ وذلك لأنها سمت مجهولًا وخطرًا يجوز أن يكون ويجوز ألا يكون، وكل واحد من الأمرين يؤثر في العقود، فإذا سُومح بأحدهما لم يسامح بهما، وإذا لم تصح

стр. 2002

التسمية فلا معتبر بالعين إلا أنها قد سمت ما له قيمة، فوجب الرجوع بالمهر. ١٦٨٧ - [فَصْل: الخلع على ما في يدها] فإن قالت له: اخلعني على ما في يدي من دراهم أو دنانير أو فلوس، [فإن كان] (١) في يدها شيء فهو له، وإن لم يكن [في يدها ذلك] فعليها من كل صنف سمت ثلاثة وزنًا من الدراهم والدنانير وعددًا من الفلوس؛ وذلك لأنها لما سمت الدراهم باسم الجمع تعلق العقد بالتسمية، فإن كان في يدها ثلاثة فصاعدًا استحقها؛ لأن العقد وقع عليها والجهالة لا تؤثر، وإن لم يكن في يدها شيء أو كان في يدها أقل من ثلاثة، فله ثلاثة؛ لأنها أقل الجمع، فالمستحق أقل ما يتناوله الاسم لأنه متيقن. ١٦٨٨ - [فَصْل: اشتراط السلطان في الخلع] والخلع عندنا جائز عند [السلطان و] غير السلطان؛ وذلك لأنها فرقة لا يقف سببها على الحاكم فلا يقف على السلطان كسائر الفرق. ١٦٨٩ - [فَصْل: العدة من الخلع] وعلى المرأة من العدة ما عليها في الطلاق، وذلك لما بينا أن الخلع طلاق؛ ولأن العدة تجب في الفرق طلاقًا كانت أو غير طلاق. ١٦٩٠ - [فَصْل: الطلاق على مال] وأما الطلاق على [مال] فهو في أحكامه كالخلع؛ وذلك لأنها فرقة

стр. 2003

بعوض، فما يعتبر في أحدهما يعتبر في الآخر، إلا أنهما يختلفان من وجه: وهو أن الخلع إذا وقع على عوض لا قيمة له بطل العوض وبقي الطلاق بائنًا لأنه لفظ كناية، والفرقة الواقعة بالكنايات التي لم تجر مجرى الصريح بائنة. وأما الطلاق (على عوض) (١) إذا سمَّيا فيه ما لا قيمة له فتبطل، فالطلاق رجعي؛ لأن صريح الطلاق يقتضي الرجعة، وإنما تثبت البينونة لاستحقاق العوض، فإذا بطل العوض بقي مجرد الطلاق الصريح فتثبت الرجعة. وإنما قلنا إن الطلاق على مال يكون بائنًا؛ لأن الزوج ملك عليها العوض، فوجب أن تملك ما في مقابلته كسائر الأعواض، ولأن غرضها في بذل العوض التخلص من الزوج، فلو كان رجعيًا لراجعها فذهب مالها بغير شيء، وهذا لا يجوز. ١٦٩١ - [فَصْل: الخلع على حكم الزوج أو الزوجة] قال: فإن خالعها على حُكْمه أو حُكمها أو حُكْم أجنبي إلى آخر ما ذكر منه، فجملة هذا: أن الخلع على الحكم خلع على تسمية فاسدة، لأنها جهالة كثيرة وخطر، فالواجب في التسمية إذا دخلتها الجهالة والخطر [أن يردَّ] المهر الذي استحقته كما بيّنا، وإنما وجب المهر؛ لأن التسمية لما جعلت ما يقع به الحكم، فالحكم لا يقع إلا بمقوم، فقد غرته حين سمَّت ما يتقوم، إلا أنه لا ينحصر فيسلم فوجب الرجوع إلى مهرها. ثم لا يخلو إما أن يكون الحكم للزوج، فإن حكم بمقدار المهر أو أقل

стр. 2004

أجبرت على تسليم ذلك؛ لأنه حكم بالمستحق أو حط بعضه وهو يملك حط بعضه، فإن حكم بأكثر من المهر لم تلزمها الزيادة؛ لأنه أوجب لنفسه أكثر من المستحق بالعقد، فلا يصح إلا برضاها. وأما إن كان الحكم إليها، فإن حكمت (بمهر المثل) (١) أو أكثر جاز ذلك، وأجبر الزوج على القبول؛ لأنها قضت بالمستحق أو زادت عليه، وهي تملك بذل الزيادة، فإن حكمت بأقل من المهر لم يجز إلا برضا الزوج؛ وذلك لأنها حطت بعض ما عليها وهي لا تملك الحط. وأما إن كان الحكم إلى أجنبي فإن حكم بمهر المثل جاز، وإن حكم بزيادة أو نقصان لم تجز الزيادة إلا برضا المرأة، والنقصان إلا برضا الزوج؛ لأن الأجنبي لا يملك إسقاط حق [كُلِّ] واحدٍ منهما. . ١٦٩٢ - [مَسْألة: سقوط حقوق النكاح بالخلع] قال أبو حنيفة: إذا خالعها أو تبارآ، سقط كل حق تعلق بعقد النكاح عنهما، فإن كان ذلك قبل الدخول ولم [يدفع] (٢) المهر إليها، لم يكن لها المطالبة بنصفه، وإن لم يذكر ذلك في الخلع، وإن كانت قبضت المهر فلا رجوع للزوج عليها بشيء، وقال أبو يوسف في المبارأة مثل قول أبي حنيفة، وقال في الخلع: لا يسقط إلا ما سَمَّيا، وقال محمد: لا يسقط فيهما إلا ما سَمَّيا. وجه قول أبي حنيفة: أن المبارأة مفاعلة من البراءة، فيقتضي إسقاط كل

стр. 2005

واحد منهما للحقوق المتعلقة بالعقد المتنازع فيه، أصله: المتخاصمان في الديون إذا اصطلحا على مال سقط بالصلح كل ما تنازعا فيه، وأما الخلع فهو مأخوذ من انخلاع الشيء من الشيء، وذلك يقتضي سقوط الحقوق، فحَلَّ محل البراءة. وجه قول أبي يوسف: أن المبارأة صريحة في البراءة، والخلع ليس في لفظه ما يقتضي البراءة فيسقط به ما سَمَّيا دون غيره. وجه قول محمد: أنه طلاق بعوض، فلا يسقط فيه ما لم يشترطا إسقاطه كالطلاق على مال، قال: ولأنه لا تسقط الديون التي لا تتعلق بالنكاح لأنهما لم يسمياها، وكذلك ما يتعلق بالنكاح، ولأنه لا تسقط النفقة وهي من أحكام النكاح فكذلك المهر. والجواب: أما الديون التي لا تتعلق بالعقد فلم تقع المنازعة فيها ولا في سببها، فلا تسقط بالعقد. وأما في مسألتنا فالمنازعة إنما تقع في حقوق هذا العقد، وهما يقصدان بالخلع إزالة [العقد] (١) بينهما، (وذلك يكون بإسقاط حقوقه) (٢)، فأما النفقة فلأنها حق لم تجب، [والبراءة] (٣) إنما تسقط ما وجب من الحقوق قبلها، وما وجب بعدها لا تؤثر فيه. ١٦٩٣ - [مَسْألة: طَلَب الطلاق ثلاثًا بألف فطلقها واحدة] قال أبو حنيفة: إذا قالت لزوجها: طلقني ثلاثًا على ألف [درهم]، فطلقها

стр. 2006

واحدةً وقعت بغير عوض، وقالا: تقع بثلاث آلاف (١). وجه قول أبي حنيفة: أن (على) فيها معنى الشرط، فصار إيقاع الثلاث شرطًا في استحقاق العوض، فلا يستحق ببعض الشرط شيء، (وليس كذلك إذا قالت: طلقني ثلاثًا بألف؛ لأن الباء ليس فيها معنى الشرط)، وإنما فيها معنى العوض، فانقسمت الألف على التطليقات، فكانت في مقابلة كل واحدة [من الثلاث]، وليس كذلك إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا بألف، فطلقت واحدة؛ لأنه لم يرض بالبينونة إلا بكل الألف، فلم يجز وقوع البينونة ببعضه. فإذا أمرته بالطلاق فقد طلبت البينونة بألف، فإذا أوقع واحدة، فقد أبانها بثلاثة، وذلك فعل لما طلبت وزيادة فلذلك جاز، ولا يلزم إذا قالت امرأتان له: طلقنا على ألف، فطلق إحداهما؛ لأنه لا عوض لكل واحدة منهما في طلاق الأخرى، فلم يعتبر معنى الشرط، وللمرأة غرض في اجتماع تطليقاتها؛ لأن ذلك أقوى للتحريم وأبعد من الرجوع، فلذلك اعتبر معنى الشرط. وجه قولهما: (أنها جعلت الألف) (٢) في مقابلة التطليقات فانقسم عليها كما لو قالت: طلقني ثلاثًا بألف. ١٦٩٤ - [فَصْل: صورة من الطلاق على مال] وأما إذا قالت له: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق ثلاثًا وقعن عند أبي حنيفة بغير شيء؛ لأنه عدل عما سألته؛ لأن الثلاث لا يُعبَّر بها عن الواحدة،

стр. 2007

فصار كالمبتدئ للطلاق [فتقع الثلاث بغير شيء]. وقالا: يقع الثلاث واحدة منها بألف؛ لأن الواحدة في مضمون الثلاث، فقد أوقع ما سألته وزيادة، فكأنه قال: أنت طالق واحدة وواحدة، وواحدة. ١٦٩٥ - [فَصْل: صورة من الطلاق على مال] وأما إذا قالت له: طلقني واحدة بألف، فقال: أنت طالق ثلاثًا بألف، وقف ذلك عند أبي حنيفة، فإن قبلت جاز وإلا بطل؛ لأنه عدل عما سألته وابتدأ طلاقًا بعوض، فيقف على قبولها. وعلى قولهما: يقع الثلاث واحدة منها بألف كما سألت، واثنتان بغير شيء. وحكى أبو بكر عن [أبي] الحسن أنه قال: رجع أبو يوسف في هذه المسألة إلى قول أبي حنيفة؛ وذلك لأن الزوج جعل الألف في مقابلة ثلاث تطليقات، وهذا غير ما سألت، فصار ذلك كابتداء كلام، فيقف على قبولها. وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي: أن الثلاث تقع واحدة منها بثلث الألف، واثنتان تقف على قبول المرأة، وهذا صحيح (على أصلهما) (١) لأنها جعلت في مقابلة الواحدة ألفًا، فإذا أوقعها بثلثها فقد زادها خيرًا، فابتدأ بتطليقتين بثلثي الألف، فوقف ذلك على قبولها. ١٦٩٦ - [فَصْل: صورة من الطلاق على مال] قال أبو حنيفة: إذا قالت له: طلقني ثلاثًا ولك ألف، فطلقها فلا شيء له،

стр. 2008

وقالا: له الألف. وجه قول أبي حنيفة: أنها ذكرت الألف غير متعلقة بالطلاق، ألا ترى أن من قال لامرأته: أنت طالق وزيد في الدار، لم يقف الطلاق على الشرط، فإذا لم تتعلق التطليقات بالعوض لم يستحق شيئًا. وجه قولهما: أنه لا فرق في الأعواض بين الباء والواو، ألا ترى أن من قال: احمل هذا بدرهم، أو احمله ولك درهم، استحق العوض في الوجهين فكذلك في مسألتنا. والجواب: أن الطلاق لا يقف وقوعه على عوض، فإذا لم يذكر لفظ العوض وقع بغير شيء، والإجارة لا تصح إلا بعوض، فحمل اللفظ على العوض تصحيحًا للعقد؛ ولأن في الإجارة قد جرت عادة الناس باستعمال هذا اللفظ، ولم يجر مثلها في الطلاق (١).

стр. 2009

[٤٣] بَابْ: الإيلاء قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، والإيلاء في اللغة: اليمين. قال الشاعر: قليلُ الأَلايَا حافظ ليمينه … إذا نذرت منه الألِيَّةُ بَرَّتِ (١) وقد صار في الشريعة: عبارة عن اليمين على ترك الوطء في الزوجة مدة مخصوصة، وهذا التخصيص لا يعرفه العرب، فالاسم شرعي فيه معنى اللغة. وقد كان الإيلاء طلاقًا في الجاهلية، فجعلته الشريعة طلاقًا مؤجلًا يتعلق بمضي المدة إذا عدم الفيء فيها، والأصل في انعقاده الآية. وقد قال أصحابنا: إن الإيلاء لا يكون إلا بالحلف على ترك الوطء في الفرج أربعة أشهر فصاعدًا في الحرة (٢). وقال نفاة القياس: يصح، وإن حلف على ترك الوطء ساعة. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَة

стр. 2010

أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، فخَصَّ التَّرَبُّصَ بهذه المدة، فلو صحت اليمين على ما دونها لم يكن لمدة التخصيص معنى، ولأنه إذا عقد على ما دونها، فمضت المدة وهو ممتنع من وطئها بغير يمين، فلا يقع عليها طلاق: كمن ترك وطء امرأته. ١٦٩٧ - [فَصْل: حلف الزوج على أربعة أشهر] وقد قال أصحابنا: إنه إذا حلف على أربعة أشهر كان موليًا، وقال الشافعي: لا يكون موليًا حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر (١). لنا: قوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ والمدة المذكورة في القرآن للتربص لا يجوز الزيادة عليها كمدة العدة، والفيء المذكور: هو الوطء في المدة مع القدرة، وقال الشافعي: الوطء بعد المدة. لنا: ما روي في قراءة ابن مسعود: فإن فاؤوا فيهن، ولأن الله تعالى قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] فهذه الفاء [للتقسيم] (٢)، فأحد القسمين يكون في المدة، والآخر بعدها كقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] لما ذكر المدة وجاء بالفاء للتقسيم، كانت الرجعة في المدة والبينونة بعدها. ١٦٩٨ - : [فَصْل: عزيمة الطلاق] قال: وعزيمة الطلاق عندنا ترك جِمَاعِهَا باليمين أربعة أشهر، فإن مضت

стр. 2011

قبل أن يجامعها بانت. وقال الشافعي: إذا مضت المدة وقفه الحاكم وقال له: إما أن تطأ أو تطلق، فقد ذكر أبو الحسن مثل قولنا عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد، وعثمان، وابن عمر، ومسروق، وشريح، والحسن، وابن سيرين، وابن الحنفية، وابن المسيب، وأبي بكر ابن عبد الرحمن، ومكحول، ومجاهد. والدليل على ما قلناه: إنّ الإيلاء كان طلاقًا معجلًا في الجاهلية فأجَّله الشرع، والطلاق المؤجل يقع بمضي المدة من غير إيقاع، أصله إذا أجَّله الزوج فقال لها: أنت طالق رأس الشهر. ١٦٩٩ - [فَصْل: اليمين المانعة من المواقعة] قال أبو الحسن: وكل يمين منعت جماع حرة أربعة أشهر فصاعدًا إلا بحنث يوجب الكفارة فهو مُولٍ، وهذا الذي ذكره ليس بحد الإيلاء؛ لأنه لا يشتمل على جميعه، وإنما ذكر جملة لا توجد إلا في الإيلاء. فأما الحد [فقد] (١) قال أصحابنا: إنه كل يمين في زوجة منعت جماع المدة المشروطة إلا بمعنى يلزمه يتعلق بالأيمان، أو يتعين إيلاء، وإنما كان ما ذكره أبو الحسن إيلاءً؛ لوجود هذا الحد فيه، وإن كان ما ذكره غير [عام]. ١٧٠٠ - [فَصْل: مدة إيلاء الأَمة] قال أبو الحسن: وكذلك الأمَة إذا كانت اليمين تمنع جماعها شهرين فصاعدًا، وقال الشافعي: مدة إيلاء الأمَة كمدة إيلاء الحرة.

стр. 2012

لنا: أنها مدة ورد بها القرآن بلفظ التربص، فكان للرق تأثير في نقصانها كمدة العدة. ١٧٠١ - [فَصْل: في الفيء في الأمة] قال أبو الحسن: وسبيل الأمَة في الفيء وعزيمة الطلاق في مدة إيلائها كالحرة؛ وذلك لأن حكم الإيلاء إنما يثبت في الحرة؛ لأنه قصد الإضرار بها، فعوقب بضرب من المدة، وهذا المعنى موجود في الزوجة الأمَة. ١٧٠٢ - [فَصْل: اليمين التي تكون إيلاءً] قال: ولا يكون اليمين إيلاءً إلا أن يحلف على الجماع في الفرج خاصة؛ وذلك لأن الإيلاء ثبت حكمه لأنه قصد منع حقها، وحق المرأة في الجماع دون غيره. ١٧٠٣ - [فَصْل: ما يكون موليًا من الأيمان] قال: وكل يمين يلزم بها معنى غير الكفارة، فهي على ضربين: منها ما يكون مُوليًا، ومنها ما لا يكون به موليًا، وفي ذلك خلاف سنبيّنه بعد هذا. وكأنَّ أبا الحسن لما لم يستمر له الحد الذي يَطَّرد وينعكس ذكر الطرد (١) ثم قسم العكس ليبين أن الكلام الأول لا يستغرق استغراق الحدود.

стр. 2013

١٧٠٤ - [فَصْل: الإيلاء بعدم مماسة الجلد الجلد] قال محمد في رجل حلف فقال: والله لا يمس جلدي جلدكِ، إنه ليس بمُولٍ؛ وذلك لأنه يحنث بغير الجماع، والإيلاء وقف الحنث [فيه] على الجماع؛ ولأنه يقدر على جماعها بغير مماسة الجلد إذا لف ذكره بحريرة. ١٧٠٥ - [فَصْل: في فرقة الإيلاء] قال أبو الحسن: وإذا وقعت تطليقة بمضي أربعة أشهر ثم مضت أربعة أخرى وهي في العدة، لم يقع طلاق آخر. والأصل في هذا: أن الفرقة التي تقع بمضي المدة طلاق بائن؛ وذلك يقع من طريق الحكم، والفرقة الحكمية بائنة، ولأنا نوقع الفرقة لتخليصها من زوج يمنعها حقها لتتوصل إلى زوج لا يمنعها [حقها]، (فلو جعل أنها رجعية) (١) لراجعها، فلم يحصل الغرض، فإذا ثبت أن الفرقة بائنة وابتدأ المدة الثانية عقيب الأولى، فيحصل ابتداؤها وهي بائنة لا حق لها في الوطء، فلا تتعلق بالإيلاء فرقة (٢). ١٧٠٦ - [فَصْل: عود الإيلاء باليمين] [قال]: فإن تزوجها بعد مضي الأربعة أشهر ثم مضت أربعة أشهر منذ تزوج بانت بأخرى، وكذلك إن تزوجها ثالثة؛ وذلك لأن المولي إذا أطلق الإيلاء فكأنه قال: أنت طالق بمضي كل أربعة أشهر لا أطؤك فيها، فإذا بانت سقط حقها من

стр. 2014

الوطء فسقط حكم الإيلاء، فإذا تزوجها عاد حقها في الوطء، واليمين بحالها لم تنحل فيعود الإيلاء. وهذا فرع على أصلنا: أن زوال الملك لا يوجب بطلان اليمين، وبيان ذلك في كتاب الأيمان. ١٧٠٧ - [فَصْل: وقوع الإيلاء بعد وقوع الطلاق] فإن تزوجها بعد وقوع الثلاث تطليقات، فمضت أربعة أشهر لم يقع عليها شيء عندنا؛ لأنه استوفى طلاق الملك الذي حلف فيه، واستفاد طلاقًا لم يكن في ملكه يوم اليمين، ولا أضاف يمينه إليه، ولا هو تابع لما كان في ملكه، فلم يقع. وقال زفر: يقع عليها أبدًا [وبنى] على أصله أن استيفاء طلاق الملك لا يمنع وقوع الطلاق باليمين. ١٧٠٨ - [فَصْل: الإبانة بعد الإيلاء] وإذا آلى منها ثم أبانها، فمضت أربعة أشهر وهي في العدة، وقعت أخرى بالإيلاء؛ وذلك لأن ابتداء الإيلاء كانت وهي زوجة، فصحَّ الإيلاء، فإذا أبانها [صارت مبتوتة (١)]، فالمبتوتة تلحقها البينونة بعقد سابق، وإن كان لا تلحقها ابتداءً على ما بيناه في الطلاق (٢).

стр. 2015

بَابْ: اليمين التي يكون الحالف بها موليًا قال الشيخ ﵀: جملة هذا الباب أن اليمين على ضربين (١): يمين هي قَسَم: وهي ما اقتضى تعظيم المقسم به، ويمين: هي شرط وجزاء (٢). فالنوع الأول: ما كان حالفًا باسم من أسماء الله تعالى، [أو بصفة من صفاته سبحانه] (٣)، كقوله: والله، والرحمن، والرحيم، والكبير، والجليل، والطاهر، والقادر، واللطيف، والخبير. والصفة على ضربين: ما كان من صفات الذات فهو يمين، كقوله: وعزة الله، وعظمته، وجلاله، وكبريائه، وقدرته، وكذلك إذا قال: واللهِ، وتاللهِ، وباللهِ. فأما قوله: وعِلْمُ الله، فالقياس أن يكون يمينًا، والاستحسان: لا يكون يمينًا. وصفات الفعل لا يكون بها موليًا، كقوله: وغضب الله، وسخطه، ورحمته، وثوابه؛ وذلك لأن اليمين بالاسم منعقدة [فيه]، لأن الواجب تعظيم المسمى ومراعاة حرمته. فأما صفات الذات فذكرها كذكر الموصوف؛ لأنها لا تنفرد عنه وأما صفات الفعل: فهي غير الله تعالى، والحلف بغير الله تعالى لا يكون

стр. 2016

يمينًا، وقد كان القياس في: (علم الله) أن يكون يمينًا؛ لأن العلم من صفات الذات، ولكنهم استحسنوا وقالوا: العلم يذكر ويراد به المعلوم، فيقول القائل: اللهم اغفر لنا علمك فينا، يريد: معلومك، والحلف بمعلوم الله تعالى ليس بيمين. فأما ألفاظ القَسَم فهي: الباء، والواو، والتاء، وأصلها الباء؛ (لأنها من أعم) (١) الحروف، ألا ترى أنها تدخل على القسم بالله وبغيره وبالمضمر والمظهر. والواو: أخص منها؛ لأنها تدخل على المظهر دون المضمر. والتاء: أخص منها؛ (لأنها لا تدخل إلا على اسم الله تعالى، وعلى هذا: وايم الله وايمن الله) (٢)؛ لأن العادة جرت من العرب بالحلف بذلك، فصار قَسَمًا، وكذلك قوله: لعمر الله؛ لأن العمر هو البقاء، والبقاء من صفات الذات، فكأنه قال: والله الباقي، وكذلك أُقْسِم، أو أقسم بالله. وقال زفر: إذا قال: أقسم لا يكون يمينًا. (لنا: قول) (٣) الله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨] والاستثناء يدخل على الأيمان، ولم يقل: "إذ أقسموا بالله"، فأما إذا قال: أقسم بالله، فقد صرَّح بالمقسم به فأولى أن يكون يمينًا. فأما إذا قال: أحلف، أو أحلف بالله؛ فهو يمين، وقال زفر في أحلف: لا

стр. 2017

يكون يمينًا. لنا: قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] ولم يقل: "يحلفون بالله"، فأما أحلف بالله، فلقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. وأما إذا قال: أشهد، أو أشهد بالله، فهو يمين لقوله تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]. وأما زفر فقال في جميع ذلك: إذا لم يذكر اسم الله فليس بيمين؛ لأنه يحتمل أن يكون القسم به أو بغيره، وأما إذا قال: عَلَيَّ عهد الله أو ميثاقه، أو ذمته، فهو يمين لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فدل على أن العهد يمين، والميثاق في معنى العهد، فأما الذمة فلقوله ﷺ : "فإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تفعلوا، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير من أن تخفروا ذمة الله" (١). وأما إذا قال: أنا بريء من الإسلام، أو يهودي، أو مجوسي، أو نصراني (إن قربتك) (٢)، فهذا كله يمين، وذلك لقوله ﷺ : "من حلف بملة غير ملة الإسلام فهو كما قال" (٣)، فسمى ذلك حلفًا، ولأن الكفر محرمٌ على التأبيد لحق

стр. 2018

الله تعالى فهو كحرمة اسمه الذي حَرَّم هتكه على التأبيد. وكذلك إن قال: إن قربتك فعَلَيَّ يمين، أو كفارة اليمين؛ (لأنه صرح بإيجاب اليمين، فلا فرق بين ذلك وبين قوله: واللهِ، وأما إيجاب كفارة اليمين)، فلأن اليمين إنما يصير بها مُوْليًا؛ لأنه لا يتوصل إلى الوطء إلا بالكفارة، فإذا التزم الكفارة فهو مثله. وقد قالوا فيمن قال: إن قربتك فعَلَيَّ نحر ولدي فهو مولٍ، وقال زفر: لا يكون موليًا، وهذا فرع على (أن هذا النذر) (١) يوجب ذبح شاة، وذلك من جملة الكفارات. فإن قال: إن قربتك فعَلَيَّ حِجَّة أو عُمْرة، فهو مولٍ؛ لأن الحِجَّة والعمرة من أحكام الأيمان، ألا ترى أنها توجب الكفارات بمقتضاها، ولا يتوصل إليها إلا بالمال في الغالب، فإن قال: فَعَلَيَّ هَدْيٌ فهو مثله؛ لأن الهَدْيَ من جملة الكفارات، فإن قال: فعَلَيَّ صدقة فمثله؛ لأن الصدقة من أحكام الكفارة: وهي الإطعام، فإن قال: فعَلَيَّ صيام فهو مولٍ؛ لأن الصيام من أحكام الكفارة، وكذلك الاعتكاف؛ لأنه لا يصح يصح إلا بصوم. وأما القِسْم الثاني من الأيمان: وهو الشرط والجزاء فيمينٌ لا يعرفها أهل اللغة، وإنما يعرفون القسم، والشرط والجزاء صار يمينًا بعرف أهل الشريعة إذا كان للامتناع، ولم تجر عادة بخلاف ذلك، فإذا كان هذا من أيمان الشرع صار كالقَسَم، فإذا قال: إن وطئتك فعبدي حرٌ، أو فلانة طالق، أو هي كظهر أمي فهو

стр. 2019

مولٍ؛ لأنه لا يتوصل إلى الوطء إلا بمعنى يلزمه من أحكام اليمين (١). ١٧٠٩ - [فَصْل: المختلف من العبارات في الإيلاء] فإن قال: إن قربتك فعَلَيَّ أن أصلي ركعتين أو أغزو، لم يكن موليًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان موليًا عند محمد وزفر والحسن بن زياد. وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الصلاة ليست من أحكام الأيمان، فصار إيجابها كإيجاب صلاة الجنازة وسجدة التلاوة. وجه قول محمد: أن الصلاة يَصِحُّ إيجابها بالنذر كالصوم والحج، قال محمد: واختلافهما في أن الحجَّ فيه معنى المال، والصلاة ليس فيها معنى المال، لا يقتضي التفريق [بينهما]. ألا ترى أنه إذا قال: الله علي أن أصلى ركعتين في بيت المقدس، لم يكن موليًا، وإن كان لا يتوصل إلى ذلك إلا بمال، فأما صلاة الجنازة فلأنه لا يصح إيجابها؛ لأن من فعلها وقعت واجبة بالشرع لا بإيجابه، وسجدة التلاوة لا تجب إلا بالتلاوة. وقد قالوا فيمن قال: إن قربتك فلله عَلَيَّ صوم شهر كذا، فإن كان ذلك الشهر يمضي قبل الأربعة أشهر فليس بمولٍ؛ لأنه إذا مضى أمكنه الوطء في المدة من غير شيء يلزمه، وإن كان لا يمضي إلا بعد الأربعة فهو مولٍ؛ لأنه لا يتوصل إلى وطئها في المدة إلا بصيام يلزمه.

стр. 2020

وقالوا فيمن قال: أنا منك مولٍ، فإن [عنى] (١) الخبر بالكذب فليس بمولٍ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن لفظه لفظ الخبر فلا يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر من كلامه الصفة، وإن عنى الإيجاب فهو مولٍ في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يوقع الإيلاء بهذا اللفظ وهو يملك إيقاعه (٢). ١٧١٠ - [فَصْل: الإيلاء بلفظ (حرام)] وإن قال: إن قربتك فأنت عَلَيَّ حرام [ينوي الطلاق، فهو مولٍ عندهم جميعًا؛ لأنه لا يتوصل إلى وطئها إلا بحنث يلزمه، فإن] نوى اليمين فهو مولٍ عند أبي حنيفة؛ لأنه [لا] (٣) يتوصل إلى وطئها إلا بمعنى يلزمه وهو التحريم، فصار كقوله: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكون موليًا؛ لأن الحرام إذا نوى به اليمين، [فهو إيلاء] (٤)، فصار كمن قال: إن قربتك فوالله لا أقربك. ١٧١١ - [فَصْل: التشبيه في الإيلاء] فإن قال: فأنتِ عليّ مثل امرأة فلان، وقد كان فلان آلى من امرأته، فإن نوى الإيلاء كان موليًا؛ لأنه شبهها بها في باب اليمين فتساويا، وإن لم ينو اليمين ولا التحريم لم يكن موليًا؛ لأن التشبيه لا يقتضي الاشتراك في كل الصفات. ولو آلى من امرأة وقال للأخرى: قد أشركتك في إيلائها، كان باطلًا؛ لأن

стр. 2021

الشركة تقتضي أن لا يحنث إلا بوطئها، وذلك تغيير لموجب اليمين؛ [لأن الشركة تقتضي أن تكون المدة بينهما، فيصيب كل واحدة منهما أقل من أربعة أشهر، وهذا يمنع الإيلاء. قال محمد محتجًا في ذلك في إملاء الكيساني: لو صحّ الاشتراك لأشرك معها في اليمين أجنبية، فلم يجب بوطء زوجته شيء، ولم يتعين في الأجنبية إيلاء، وهذا إبطال لحكم الإيلاء] (١). قال محمد: ولو قال لامرأته: أنت عَلَيَّ حرام، ثم قال لامرأة أخرى له: قد أشركتك معها، كان موليًا منهما؛ وذلك لما قدمنا أن التحريم إذا تعلق بجملة حَنِثَ بفعل بعضها، والشركة لا تغير موجب اليمين. ١٧١٢ - : [فَصْل: الإيلاء بشرط المستقبل] وإن قال: فكل مملوك أملكه فيما أستقبل حر، أو فكل امرأة أتزوجها [فهي] طالق، فهو مولٍ عند أبي حنيفة ومحمد؛ وذلك لأنه لا يتوصل إلى الوطء إلا بحنث يلزمه، ألا ترى أنه إذا وطئ حنث في كل امرأة يتزوجها عند التزويج، فصار كقوله: فكل امرأة لي طالق. وقال أبو يوسف: لا يكون موليًا؛ لأنه يقدر أن يمتنع من التزوج والملك، فيتوصل إلى (القربان) (٢) بغير شيء يلزمه. وقال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال: إن قربتك فعبدي حر فهو مولٍ؛ لأنه لا

стр. 2022

يتوصل إلى الوطء، والحالة هذه، إلا بحنث يلزمه، وقال أبو يوسف: ليس بمولٍ؛ لأنه يقدر على بيع العبد، فيطؤها في المدة من غير شيء يلزمه. ١٧١٣ - [فَصْل: الإيلاء بالحلف بشيء غير الله تعالى] قال أبو الحسن: ومن حلف بشيء غير الله تعالى لم يكن موليًا، ولم يكن عليه كفارة؛ وذلك لقوله ﷺ : "لا تحلفوا بآبائكم ولا بالطواغيت، من كان منكم حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" (١)، وقال لعمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٢). وأما ما يقع الحلف عليه حتى يصير موليًا: بأن يحلف أن لا يجامعها؛ لأنه منعها حقها من الوطء، وكذلك إذا حلف لا يقربها؛ لأن القرب المضاف إلى الزوجة المراد به الوطء، وكذلك لا يباضعها؛ لأن المباضعة مفاعلة من [ملاقاة البُضْعِ] البُضْعَ، وكذلك لا يغتسل منها؛ لأن الاغتسال منها لا يكون إلا عند الوطء في الفرج، فأما بالوطء في غير الفرج فالاغتسال ليس منها، وإنما هو من الإنزال، وكذلك إذا قال: إن أتيتك أو أصبت منك، يريد الجماع؛ لأن هذا من كنايات الجماع، وكذلك إن وطئتك؛ لأن الوطء إذا أضيف إلى الزوجات أفاد الجماع. وكذلك إذا قال: افتضضتك وهي بِكْرٌ؛ لأن الافتضاض لا يكون إلا بالمخالطة، فإن قال لا يمس جلدي جلدكِ فليس بمولٍ؛ لأنه يحنث بغير الجماع،

стр. 2023

وكذلك إذا حلف لا يمسها، وكذلك لا يضاجعها، ولا يقرب فراشها، وقال: لم أعنِ الجماع فهو مصدق في القضاء؛ وذلك لأنه يقدر على جماعها من غير مضاجعة ولا قرب فراش. وروى ابن رستم عن محمد فيمن قال: إن اجتمع رأسي ورأسك فعبدي حرٌّ، إن عنى الجماع فهو مولٍ، وإن لم يَعْنِ الجماع فلا يجتمعان على فراش ولا مرفقة، وله جماعها من غير اجتماع على الفراش، ولا شيء يجتمع رؤوسهما عليه، فإن قال: والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة، أو لا يأويني وإياك بيت، أو لا أبيت معك في فراش، فإن عنى الجماع فهو مولٍ، وإن لم يكن له نية فهو على أن لا يأوي ولا يبيت على فراش ولا يجتمعان على وسادة، ويطؤها على الأرض والبراري، فإن عنى الجماع دون الفراش، فكيف جامعها فهو حانث؛ لأن هذا كلام محتمل، فوقف على النية (١). ١٧١٤ - [فَصْل: قول الزوج: لا أقربك سنة إلا يومًا] ولو قال: والله لا أقربك سَنَةً إلا يومًا، لم يكن موليًا عند أصحابنا، وقال زفر: هو مولٍ. وجه قولهم: إنه استثنى يومًا منكرًا، فكل يوم من السنة يجوز أن يكون هو المستثنى، فيتوصل إلى وطئها في كل أربعة أشهر من غير شيء يلزمه، فصار كقوله: لا أقربك أربعة أشهر إلا يومًا (٢).

стр. 2024

وجه قول زفر: أن الاستثناء يكون من آخر المدة، بدلالة من أَجَّرَ داره سنة إلا يومًا، وبدلالة من قال: لا أقربك سنة نقصان يوم. وهذا ليس بصحيح؛ لأن في الإجارة لو حملنا على يوم منكرٍ لبطلت، فحملناه على يوم من آخرها ليصحَّ، وهذا المعنى لا يوجد في الإيلاء، وأما النقصان فيختص بآخر الشيء؛ فلذلك لم يمنع الإيلاء. ١٧١٥ - [فَصْل: المعتبر في الإِيلَاءِ المُدَدُ] والمعتبر في الإيلاء [المُدَدُ] (١) دون الأيمان، وإذا اختلفت [مُدَدُ] الإيلاء وقعت بكل مدة تطليقة وإن كانت يمينًا واحدةً، وإذا كانت المدة واحدة وقعت بمضي أربعة أشهر تطليقة واحدة وكانت اليمين واحدة أو أكثر. مثال الفصل الأول: إذا قال لامرأته: والله لا أقربك، ثم مكث يومًا ثم قال: والله لا أقربك، ثم مكث يومًا ثم قال: والله لا أقربك؛ لم يكن دخل بها، فمضت أربعة أشهر من الإيلاء الأول فبانت، ثم تزوجها عادت الإيلاء عقيب الزواج، فإذا مضت أربعة أشهر وقعت تطليقة واحدة، وإن كان [عنى] [بها] ثلاث أيمان، ولو وطئها وجبت عليه ثلاث كفارات؛ وذلك لأن الطلاق إنما يتبع المدة ولا يتبع اليمين. ألا ترى أن [في] اليمين التي لا توجب التربص لا يقع بحكمها طلاق، فإذا كانت مدة الأيمان واحدة، لم يقع أكثر من تطليقة واحدة.

стр. 2025

ومثال القسم الثاني: إذا قال: كلما دخلت الدار فوالله لا أقربك، فدخلت دخولًا بعد دخول، تعلق بكل دخول إيلاء، فإذا مضت أربعة أشهر من الدخول الأول وقعت واحدة، فإذا مضت أربعة أشهر من الدخول الثاني وقعت أخرى، ولو كان وطئها في المدة الأولى لم تجب إلا كفارة واحدة؛ لأن مدة الإيلاء اختلفت فوقع بكل مدة طلاق، والمعتبر في لزوم الكفارة لفظ اليمين، فإن تكرر اللفظ تكررت الكفارة، اختلفت المدة أو اتفقت، وإن لم يتكرر لفظ اليمين فالكفارة واحدة؛ لأنها تجب لحرمة الاسم، فاعتبر في تكرارها تكرار الاسم (١).

стр. 2026

[٤٤] بَابْ: الفيء قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا الباب، أن الفيء (١) عبارة عن الرجوع يقال: فاء الظل إذا رجع، فلما كان المُولِي قصد إلى منع حقها من الوطء صار وطؤه رجوعًا عما قصده فسُمِّي فَيْئًا، وقد بَيَّنّا أن الفيء المذكور في الإيلاء (٢) يختص بالمدة. والفيء على ضربين: أحدهما: بالوطء مع القدرة، والآخر: بالقول مع العجز عن الوطء (٣)، فأما القادر على الوطء فلا يكون فيئه إلا بالجماع، وروي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، والشعبي، وإبراهيم، وسعيد بن جبير، والحَكَم [﵃]؛ لأنه عوقب بإيقاع الطلاق على منعه من حقها، فما لم يوفها حقها بالوطء لم يسقط حكم الإيلاء، وأما العجز فهو على وجهين: عجز من طريق المشاهدة، وعجز من طريق الحكم، فالعجز من طريق المشاهدة: كالمرض الذي لا يقدر معه على الجماع، أو تكون مريضة لا يقدر أن يجامعها، أو صغيرة (٤) لا تجامع مثلها، أو رتقاء، أو يكون مجبوبًا، أو يكون بينهما مسافة لا يقدر على قطعها في مدة الإيلاء، أو تكون ناشزة محتجبة في

стр. 2027

مكان لا يعرفه، أو يكون محبوسًا لا يقدر أن يدخلها عليه، فهذا كله فيه القول. وقد روي أن الفيء بالقول عند العجز عن ابن مسعود؛ وذلك لأنه لا يقدر على إيفاء حقها بالوطء، فلزمه غاية ما يقدر عليه، وهو أن يرجع عما عزم عليه بقوله، فإذا قال ذلك فقد حصل الفيء، ومن شَرْط الفيء بالقول أن يستمر (١). العجز حتى تمضي المدة، فإن صَحَّ مع بقاء المدة بطل الفيء بالقول، وانتقل فيه إلى الجماع؛ وذلك لأن الفيء بالقول جعل بدلًا (عند العجز) (٢)، فإذا زال العجز مع بقاء المدة انتقل الحكم إلى الأصل، كوجود الماء في الصلاة (٣). وأما العجز من طريق الحكم: مثل أن يكون مُحْرِمًا أو صَائمًا في رمضان، فلا يكون فيئه عندنا إلا بالوطء، وقال زفر: فيئه بالقول. لنا: أنه قادر على الوطء، فصار كغير المُحْرِم. وجه قول زفر: أن المنع لحق الله تعالى كالمنع من طريق المشاهدة؛ بدلالة أن الخلوة لا تصحُّ مع الإحرام كما لا تصحُّ مع المرض. ١٧١٦ - [فَصْل: صفة الفيء من الإيلاء] وأما صفة الفيء بالقول بأن يقول: قد فئت إليك، أو راجعتكِ، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا القول يدل على رجوعه عما عزم عليه، وقد ذكر أبو الحسن عن أبي حنيفة أنه [قال: يقول الزوج] (٤): اشهدوا أني [قد] فئت إلى امرأتي، أو

стр. 2028

أبطلت إيلاءها، وهذه الشهادة ليست بشرط في الفيء، وإنما ذكرها احتياطًا للزوج حتى إذا ادَّعَى الفيء بعد مضي المدة فكذبته، أقام [عليها] (١) البينة. وقد قال أصحابنا: إذا اختلف الزوج والمرأة في الفيء مع بقاء المدة فالقول قول الزوج؛ لأنه يملك الفيء، وإن اختلفا بعد مضي المدة، فالقول قول المرأة؛ لأنه ادعى الفيء في حالة لا يملك الفيء فيها. ١٧١٧ - [فَصْل: في زوال المانع قبل مضي المدة] قال أبو الحسن: فإن زال المانع قبل مضي أربعة أشهر بطل الفيء وقد بينا ذلك، ومعنى قولنا أن الفيء قد يصح بالقول: أن الطلاق لا يقع بمضي المدة، وأما اليمين فهي على حالها؛ لأنها لا تنحل إلا بالحنث، وذلك يقع بفعل المحلوف عليه، فأما القول فليس بمحلوف عليه، فلا ينحل [به] اليمين. ١٧١٨ - [فَصْل: الفيء فيما إذا كان آلى الزوج في حال الصحة ثم مرض] قال: وكذلك إن آلى وهو صحيح ثم مرض، فإن كان قَدْرُ صحته ما يمكنه فيه الجماع ففيئه الجماع؛ وذلك لأنه كان يقدر أن يجامعها في مدة الصحة، فلما لم يفعل فَرَّط في إيفاء حقها، فلم يعذر بالمرض الحادث، فأما إذا كانت الصحة لا يمكن الجماع فيها لقِصَرِها فهو معذور؛ لأنه لم يفرط في ترك الجماع. ١٧١٩ - [فَصْل: الفيء باللسان] قال: ولا يصح الفيء باللسان إلا أن تكون -في حال ما يفيء إليها- زوجته غير بائن منه، فإن كانت بائنًا لم يكن ذلك فيئًا؛ وذلك لأن الفيء بالقول قائم

стр. 2029

مقام الفيء بالوطء لأجل الضرورة حتى لا تبين منه بمضي المدة، وهذا المعنى لا يوجد بعد زوال النكاح، فلا معنى لإثبات حكم الفيء بالقول، وليس كذلك الوطء إذا وجد بعد زوال الملك؛ لأن ذلك يحل اليمين، فيبطل حكمها بانحلالها، (لا أنه فيءٌ) (١). ١٧٢٠ - [فَصْل: إيلاء المريض وفيئه] فإن آلى وهو مريض، ولم يفئ حتى مضت المدة فبانت ثم صَحَّ ثم تزوجها وهو مريض، ففاء إليها بلسانه، فذلك فَيءٌ عند أبي يوسف، وليس بفَيْءٍ عند محمد. وجه قول أبي يوسف: أن الإيلاء حصل وهو مريض، وعاد حكمه وهو مريض، والصحة بين المدتين كوجود الماء في غير الصلاة، فلا يؤثر فيها. وجه قول محمد: أن المدة كلها (في حقه يمين واحدة) (٢)، فصارت كالركعات الموجبة بالتحريمة، فالقدرة على الأصل في خلالها يسقط حكم البدل (٣).

стр. 2030

بَابْ: إيلاء الذَّمِّيِّ والمسلم يرتد بعد إيلائه قال الشيخ ﵀: جملة هذا الباب: أن الذمي إذا آلى باسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفات ذاته، فهو مولٍ عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بمولٍ. وجه قول أبي حنيفة: أن اسم الله تعالى يتعلق به حكم في حق الكافر بدلالة أنه إذا سَمَّى على الذبيحة أكلت، وإذا جحد الدعوى استحلف عليها، وإذا ثبت حكمه في حقه صار كالمسلم؛ ولأن من صَحَّ إيلاؤه بالطلاق والعتاق، صَحَّ باسم الله تعالى كالمسلم. وجه قولهما: أن اليمين بالله تعالى لا ينعقد من الذمي كاليمين في غير الإيلاء؛ ولأنه يتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه، فلا يكون مُوليًا. وهذا ليس بصحيح، أما انعقاد يمينه فلأنه لا حكم لها إلا الكفارة، وهي لا تصح منه، والإيلاء حكم يصح حكمه منه وهو الطلاق. وأما توصله إلى الوطء من غير شيء يلزمه. فليس بصحيح؛ لأنه يحنث عند أبي حنيفة في اليمين، والحنث معنى يلزمه (١). ١٧٢١ - [فَصْل: الحلف بالطلاق أو العتاق] وأما إذا حلف بطلاق أو عِتَاق فهو مُوْلٍ في قولهم جميعًا؛ لأنه في الحلف

стр. 2031

بالطلاق والعتاق كالمسلم فَصَحَّ إيلاؤه، وأما إن حلف بحج أو قربة تلزم مثل العمرة والصدقة والصيام (١) أو غير ذلك من القُرب، فليس بمولٍ في قولهم؛ لأن هذه الأفعال لا تصح منه، ولا يثبت حكمها في حقه، فيتوصل إلى الوطء من غير شيء يلزمه (٢). وكذلك إن قال: إن قربتكِ فأنتِ علي كظهر أمي، أو فلانة عليَّ كظهر أمي، لم يكن موليًا؛ لأن الظهار لا يصح مع الكفر، فيتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه. ١٧٢٢ - [فَصْل: حكم إيلاء الذمي] وإذا صَحَّ إيلاء الذمي فهو في أحكامه كالمسلم، إلا أَنَّه إذا وطئ واليمين بالله لم يلزمه كفارة؛ وذلك لأن أحكام الإيلاء إنما تثبت لمنع حق الزوجة من الوطء، (وحق امرأة الكافر كحق امرأة المسلم)، فأما الكفارة: فهي عبادة من شرطها النية، فلا تصح من الكافر (٣). قال أبو الحسن: وحكى الحسن عن أبي حنيفة: التسوية بين المسلم والذمي في الإيلاء، واجتمع الرواة على خلافه، يعني: في صحة إيلائه بإيجاب القُرَب كالحج والعمرة والصوم، وهذا بعيد من رواية الحسن؛ لأنه ليس من أهل القرب، ووجهها: أنه مخاطب بالأحكام ويصح منه القُرْبُ إن قدم الأيمان، كما تصح الصلاة من الجنب إذا قدم الطهارة.

стр. 2032

١٧٢٣ - [فَصْل: إيلاء الرجل ثم ارتداده] قال عَلِيّ بن الجعد عن أبي يوسف: في رجل ظَاهَرَ أو آلى من امرأته ثم رجع عن الإسلام ولحق بدار الحرب، ثم رجع مسلمًا فتزوجها [ثانيًا]: فإنه مظاهرٌ عند أبي حنيفة في رواية محمد ومولٍ. وقال أبو يوسف: يسقط عنه الظَّهَار والإيلاء؛ وجه قول أبي حنيفة: أن الظهار مقتضاه التحريم، وقد صَحَّ في حال الإسلام، والردة تؤكد حكم التحريم ولا تضعفه، فبقي حكم الظهار بحاله، فأما الإيلاء فقد انعقد والردة تزيل الملك، وزوال الملك لا يؤثر في اليمين. وجه قول أبي يوسف: أن الظهار لا يصح مع الكفر، فإذا طرأ الكفر عليه صار كالموجود في الابتداء، فكذلك الإيلاء إذا طرأ عليه الكفر تعذرت الكفارة فيتوصل إلى الوطء من غير شيء يلزمه، فيبطل الإيلاء (١).

стр. 2033

بَابْ: الرجل يولي من جماعة نسائه قال أبو الحسن: إذا كان للرجل امرأتان أو أكثر فقال: والله لا أقربكما، أو [قال: والله] لا أقربكن، فهو مولٍ منهن استحسانًا، والقياس أن لا يكون موليًا في الاثنين حتى يطأ واحدة، فيكون موليًا من الأخرى، وكذلك الثلاث لا يكون موليًا حتى يطأهن إلا واحدة، فيكون موليًا من الباقية (١). وجه القياس وهو قول زفر: أنه يتوصل إلى كل واحدة منهن على الانفراد من غير شيء يلزمه، ألا ترى أنه لا يحنث إلا بوطء جماعتهن، ومن توصل إلى وطء امرأته من غير شيء يلزمه لم يكن موليًا، فإذا وطئهن إلا واحدة لم يتوصل إلى وطئها إلا بحنث [يلزمه]، فكان موليًا منها. وجه الاستحسان: أنه لا يتوصل إلى وطء واحدة منهن إلا بحنث أو تعيين إيلاء في غيرها، وتعيين الإيلاء من أحكام اليمين، ومن لا يتوصل إلى وطء امرأته إلا بلزوم حكم من أحكام اليمين كان موليًا. ١٧٢٤ - [فَصْل: الإيلاء من امرأتين] قال: وكذلك إذا قال لامرأتين له: والله لا أقرب واحدة منكما، فهو مولٍ منهما، فإن لم يقربهما بانتا، وإن قرب إحداهما حنث، وقال محمد: هو مولٍ من إحداهما وهو القياس (٢).

стр. 2034

ووجهه: أن الواحدة لا يعبّر بها عنهما، فصار كقوله: لا أقرب إحداكما، ولا يحنث بوطء إحداهما (١)، فدَلَّ على أن اليمين لم تتناولهما. وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو استحسان: أن واحدة منكما تصلح لهما، ألا ترى أنه يحسن أن يدخل عليه "كل"، فيقول: [لا أقرب] كل واحدة منكما، فإذا صلح اللفظ لهما حمل عليهما، وليس كذلك إذا قال: لا أقرب إحداكما، أنه يكون موليًا من إحداهما بغير عينها؛ لأنه لا يصلح اللفظ لهما، ألا ترى أنه لا يحسن إدخال "كل" عليه، فيقول: لا أقرب كل إحداكما، فلم يتناول إلا واحدة بغير عينها؛ لأنه ليس إحداهما بأولى من الأخرى، ولا يملك تعيين الإيلاء في إحداهما؛ لأن اليمين تعلقت بغير معين فلم يجز أن [يغيّر موجبها] (٢) بعد انعقادها، فإذا مضت المدة بانت إحداهما، وكان له الخيار في تعيين الطلاق؛ لأن الزوج مُخَيَّرٌ في تعيين الطلاق المجهول في أي الزوجات شاء. ١٧٢٥ - [فَصْل: الإيلاء بالغاية] قال: ولم يذكر أبو الحسن في أبواب الإيلاء، الإيلاء بالغاية ونحن [نذكره]؛ لأنه لا يستغنى عن ذكره، وجملته: أن كل شيء جعله غاية في يمينه مما لو حلف به كان موليًا بجعله إياه في يمينه غاية، فيكون موليًا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إذا كان يصل إلى ذلك ويقدر عليه قبل مضي أربعة أشهر فليس بمولٍ، مثال ذلك من قال: والله لا أقربك حتى أعتق عبدي، أو أطلق فلانة، أو حتى أحج، أو حتى أطعم عشرة مساكين.

стр. 2035

وجه قولهما: أنه لا يتوصل إلى الوطء إلا بمعنى يلزمه من أحكام الأيمان، فصار كقوله: إن قربتك فلله عليَّ الحج، ولأنه إذا جعل ذلك غاية لم يتوصل إلى الوطء إلا بتقديم فعله، وإذا حلف لم يتوصل إلى الوطء إلا بإيجابه، والفعل آكد من الإيجاب، فلأن يكون به موليًا أولى. وجه قول أبي يوسف: أنه يقدر على فعل ما جعله غاية في المدة، فيتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه، فلم يكن موليًا. ١٧٢٦ - [فَصْل: ما يكون به موليًا] وأما إذا كان ما يكون بالحلف به موليًا لا يصل إليه إلا بعد مضي المدة، فهو مولٍ عندهم جميعًا، كقوله: لا أقربك حتى أحج، وبينه وبين الحج أربعة أشهر أو أكثر؛ وذلك لأنه لا يتوصل إلى وطئها في المدة إلا بمعنى [يلزمه، فصار كالحلف بذلك، وكذلك إن كانت الغاية مما لا يكون الحلف بها يمينًا، إلا أنه لا يصل إلى فعل ذلك إلا بعد مضي أربعة أشهر، كان موليًا، مثل أن يقول: والله لا أقربك حتى آتي خراسان؛ لأنه لا يتوصل إلى الوطء في المدة إلا بحنث يلزمه] (١). وأما إن كانت الغاية التي لا يصح أن يحلف بها، لا تقع إلا مع ارتفاع النكاح فهو مولٍ في قولهم، مثل أن يقول: حتى تموتي أو أموت، أو أطلقك ثلاثًا، أو تكون أمة فيقول: حتى أملكك؛ وذلك لأن النكاح مُتَأَبِّدٌ، فإذا جعل الغاية زواله صار كأنه قال: لا أقربك ما دمت زوجة، فإن قال: [حتى] تخرج الدابة، أو تطلع الشمس من مغربها، فالقياس أن لا يكون موليًا؛ (لأن ذلك لا
следующие страницы →