بالطلاق والعتاق كالمسلم فَصَحَّ إيلاؤه، وأما إن حلف بحج أو قربة تلزم مثل العمرة والصدقة والصيام (١) أو غير ذلك من القُرب، فليس بمولٍ في قولهم؛ لأن هذه الأفعال لا تصح منه، ولا يثبت حكمها في حقه، فيتوصل إلى الوطء من غير شيء يلزمه (٢).
وكذلك إن قال: إن قربتكِ فأنتِ علي كظهر أمي، أو فلانة عليَّ كظهر أمي، لم يكن موليًا؛ لأن الظهار لا يصح مع الكفر، فيتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه.
١٧٢٢ - [فَصْل: حكم إيلاء الذمي]
وإذا صَحَّ إيلاء الذمي فهو في أحكامه كالمسلم، إلا أَنَّه إذا وطئ واليمين بالله لم يلزمه كفارة؛ وذلك لأن أحكام الإيلاء إنما تثبت لمنع حق الزوجة من الوطء، (وحق امرأة الكافر كحق امرأة المسلم)، فأما الكفارة: فهي عبادة من شرطها النية، فلا تصح من الكافر (٣).
قال أبو الحسن: وحكى الحسن عن أبي حنيفة: التسوية بين المسلم والذمي في الإيلاء، واجتمع الرواة على خلافه، يعني: في صحة إيلائه بإيجاب القُرَب كالحج والعمرة والصوم، وهذا بعيد من رواية الحسن؛ لأنه ليس من أهل القرب، ووجهها: أنه مخاطب بالأحكام ويصح منه القُرْبُ إن قدم الأيمان، كما تصح الصلاة من الجنب إذا قدم الطهارة.
стр. 2032
١٧٢٣ - [فَصْل: إيلاء الرجل ثم ارتداده]
قال عَلِيّ بن الجعد عن أبي يوسف: في رجل ظَاهَرَ أو آلى من امرأته ثم رجع عن الإسلام ولحق بدار الحرب، ثم رجع مسلمًا فتزوجها [ثانيًا]: فإنه مظاهرٌ عند أبي حنيفة في رواية محمد ومولٍ.
وقال أبو يوسف: يسقط عنه الظَّهَار والإيلاء؛ وجه قول أبي حنيفة: أن الظهار مقتضاه التحريم، وقد صَحَّ في حال الإسلام، والردة تؤكد حكم التحريم ولا تضعفه، فبقي حكم الظهار بحاله، فأما الإيلاء فقد انعقد والردة تزيل الملك، وزوال الملك لا يؤثر في اليمين.
وجه قول أبي يوسف: أن الظهار لا يصح مع الكفر، فإذا طرأ الكفر عليه صار كالموجود في الابتداء، فكذلك الإيلاء إذا طرأ عليه الكفر تعذرت الكفارة فيتوصل إلى الوطء من غير شيء يلزمه، فيبطل الإيلاء (١).
стр. 2033
بَابْ: الرجل يولي من جماعة نسائه
قال أبو الحسن: إذا كان للرجل امرأتان أو أكثر فقال: والله لا أقربكما، أو [قال: والله] لا أقربكن، فهو مولٍ منهن استحسانًا، والقياس أن لا يكون موليًا في الاثنين حتى يطأ واحدة، فيكون موليًا من الأخرى، وكذلك الثلاث لا يكون موليًا حتى يطأهن إلا واحدة، فيكون موليًا من الباقية (١).
وجه القياس وهو قول زفر: أنه يتوصل إلى كل واحدة منهن على الانفراد من غير شيء يلزمه، ألا ترى أنه لا يحنث إلا بوطء جماعتهن، ومن توصل إلى وطء امرأته من غير شيء يلزمه لم يكن موليًا، فإذا وطئهن إلا واحدة لم يتوصل إلى وطئها إلا بحنث [يلزمه]، فكان موليًا منها.
وجه الاستحسان: أنه لا يتوصل إلى وطء واحدة منهن إلا بحنث أو تعيين إيلاء في غيرها، وتعيين الإيلاء من أحكام اليمين، ومن لا يتوصل إلى وطء امرأته إلا بلزوم حكم من أحكام اليمين كان موليًا.
١٧٢٤ - [فَصْل: الإيلاء من امرأتين]
قال: وكذلك إذا قال لامرأتين له: والله لا أقرب واحدة منكما، فهو مولٍ منهما، فإن لم يقربهما بانتا، وإن قرب إحداهما حنث، وقال محمد: هو مولٍ من إحداهما وهو القياس (٢).
стр. 2034
ووجهه: أن الواحدة لا يعبّر بها عنهما، فصار كقوله: لا أقرب إحداكما، ولا يحنث بوطء إحداهما (١)، فدَلَّ على أن اليمين لم تتناولهما.
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف وهو استحسان: أن واحدة منكما تصلح لهما، ألا ترى أنه يحسن أن يدخل عليه "كل"، فيقول: [لا أقرب] كل واحدة منكما، فإذا صلح اللفظ لهما حمل عليهما، وليس كذلك إذا قال: لا أقرب إحداكما، أنه يكون موليًا من إحداهما بغير عينها؛ لأنه لا يصلح اللفظ لهما، ألا ترى أنه لا يحسن إدخال "كل" عليه، فيقول: لا أقرب كل إحداكما، فلم يتناول إلا واحدة بغير عينها؛ لأنه ليس إحداهما بأولى من الأخرى، ولا يملك تعيين الإيلاء في إحداهما؛ لأن اليمين تعلقت بغير معين فلم يجز أن [يغيّر موجبها] (٢) بعد انعقادها، فإذا مضت المدة بانت إحداهما، وكان له الخيار في تعيين الطلاق؛ لأن الزوج مُخَيَّرٌ في تعيين الطلاق المجهول في أي الزوجات شاء.
١٧٢٥ - [فَصْل: الإيلاء بالغاية]
قال: ولم يذكر أبو الحسن في أبواب الإيلاء، الإيلاء بالغاية ونحن [نذكره]؛ لأنه لا يستغنى عن ذكره، وجملته: أن كل شيء جعله غاية في يمينه مما لو حلف به كان موليًا بجعله إياه في يمينه غاية، فيكون موليًا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إذا كان يصل إلى ذلك ويقدر عليه قبل مضي أربعة أشهر فليس بمولٍ، مثال ذلك من قال: والله لا أقربك حتى أعتق عبدي، أو أطلق فلانة، أو حتى أحج، أو حتى أطعم عشرة مساكين.
стр. 2035
وجه قولهما: أنه لا يتوصل إلى الوطء إلا بمعنى يلزمه من أحكام الأيمان، فصار كقوله: إن قربتك فلله عليَّ الحج، ولأنه إذا جعل ذلك غاية لم يتوصل إلى الوطء إلا بتقديم فعله، وإذا حلف لم يتوصل إلى الوطء إلا بإيجابه، والفعل آكد من الإيجاب، فلأن يكون به موليًا أولى.
وجه قول أبي يوسف: أنه يقدر على فعل ما جعله غاية في المدة، فيتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه، فلم يكن موليًا.
١٧٢٦ - [فَصْل: ما يكون به موليًا]
وأما إذا كان ما يكون بالحلف به موليًا لا يصل إليه إلا بعد مضي المدة، فهو مولٍ عندهم جميعًا، كقوله: لا أقربك حتى أحج، وبينه وبين الحج أربعة أشهر أو أكثر؛ وذلك لأنه لا يتوصل إلى وطئها في المدة إلا بمعنى [يلزمه، فصار كالحلف بذلك، وكذلك إن كانت الغاية مما لا يكون الحلف بها يمينًا، إلا أنه لا يصل إلى فعل ذلك إلا بعد مضي أربعة أشهر، كان موليًا، مثل أن يقول: والله لا أقربك حتى آتي خراسان؛ لأنه لا يتوصل إلى الوطء في المدة إلا بحنث يلزمه] (١).
وأما إن كانت الغاية التي لا يصح أن يحلف بها، لا تقع إلا مع ارتفاع النكاح فهو مولٍ في قولهم، مثل أن يقول: حتى تموتي أو أموت، أو أطلقك ثلاثًا، أو تكون أمة فيقول: حتى أملكك؛ وذلك لأن النكاح مُتَأَبِّدٌ، فإذا جعل الغاية زواله صار كأنه قال: لا أقربك ما دمت زوجة، فإن قال: [حتى] تخرج الدابة، أو تطلع الشمس من مغربها، فالقياس أن لا يكون موليًا؛ (لأن ذلك لا
стр. 2036
يجوز أن يوجد في المدة، فيتوصل إلى وطئها من غير شيء يلزمه)، والاستحسان: أن يكون موليًا؛ لأن هذا يذكر في العادة ويراد به التأبيد، فكأنه قال: لا أقربك أبدًا (١).
стр. 2037
بَابْ: الرجل يُحَرِّم امرأته على نفسه أو غير امرأته أو هما
قال أبو الحسن: إذا حَرَّم الرجل امرأته على نفسه، أو طعامًا أو شرابًا أو لباسًا، أو كلام إنسان، أو شيئًا من الأشياء، وقال: هذا عَليَّ حَرَامٌ، فقد حرم عليه ذلك الشيء، فمتى استحله (١) أو شيئًا منه، لزمته كفارة يمين، والأصل في هذا: إذا قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام، أو قد حرمتك عَلَيَّ، أو أنا عليك حرام، أو قد حرمت نفسي عليك، أو أنت محرمة عَلَيَّ، فهو باب واحد يرجع في ذلك إلى نيته، فإن أراد طلاقًا فهو طلاق، فإن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة بائنة فواحدة بائنة، فإن نوى اثنتين فواحدة بائنة، وإن نوى التحريم ولم ينوِ الطلاق أو لم تكن له نية فهو يمين، وهو مولٍ إن تركها أربعة أشهر بانت بتطليقة (٢)، وإن قال: أردت به الكذب، فليس بشيء [ودُيِّنَ] فيما بينه وبين الله تعالى، (ولا يصدق في رفع اليمين في القضاء) (٣).
وقد اختلف السلف في هذه المسألة: فروى الضحاك: أن أبا بكر، وعمر، وابن عباس، وابن مسعود، وعائشة ﵃ قالوا: في الحرام يمين، وعن ابن عمر: إن نوى طلاقًا فطلاق، وإن لم ينوِ طلاقًا فيمين يكفرها، وعن زيد بن ثابت فيه كفارة يمين، ومنهم من جعله طلاقًا (بائنًا) (٤)، ومنهم من جعله طلاقًا رجعيًا (٥).
стр. 2038
وعن مسروق أنه قال: ليس ذلك بشيء، وقال: ما أبالي حرمتها أو قصعة من ثريد، وقال الشافعي في الحرام: فيه كفارة يمين بنفس اللفظ وليس بيمين (١).
لنا: قوله (أنتِ حرام)، يحتمل الطلاق، فهو كسائر كنايات الطلاق، فإن نوي به ثلاثًا فثلاث، وإن نوى به واحدة فواحدة (بائنة) (٢)، وإن نوى اثنتين فواحدة، وقد بينا ذلك في الكنايات.
وأما إذا نوى بالحرام الظهار، فهو ظهار عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: ليس بظهار.
وجه قولهما: أنه وصفها بالتحريم، والمرأة تارة تكون محرمة بالطلاق، وتارة بالظهار، فأي ذلك نوى فهو مما يحتمله كلامه فيصدق فيه.
وجه قول محمد: أن الظهار يختص بحرف التشبيه ولم يوجد ذلك [في] قوله: أنت علىَّ حرام، فلم يكن ظهارًا، وأما إذا نوى التحريم، أو لم تكن له نيَّة، فهو يمين، والأصل في ذلك ما روى ابن عباس عن عمر بن الخطاب، [عن النبي ﷺ قال]: "إنه جعل الحرام يمينًا" (٣)، وروى أن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] نزلت في تحريم مارية، وقد روي أنها نزلت في تحريم العسل، وقد قال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] (٤)؛ ولأن كل لفظ تعلق به كفارة اليمين فهو يمين كسائر الأيمان، وإنما قلنا إنه إذا نوى
стр. 2039
الكذب، لم يصدق في إبطال اليمين في القضاء؛ لأن هذا اللفظ صريح في اليمين بالشرع، فلا يصدق في صرفه (١) عن ظاهره بالنية.
١٧٢٧ - [فَصْل: تحريم غير المرأة]
وأما إذا قال ذلك في غير المرأة فهو يمين، وقال الشافعي: إذا كان ذلك في غير (الزوجة والجارية) (٢) لم يجب [به] شيء (٣).
لنا: ما روي أن الآية نزلت في تحريم العسل، فدل على أن تحريم غير الفروج يتعلق به الكفارة، ولا يجوز أن يجعل ما روي أنها نزلت في شأن مارية تعارض؛ لأنه لا يمتنع أن تكون الآية نزلت فيهما، ولأن ما تعلق به كفارة اليمين في الزوجة تعلق به في غيرها، كلفظ القسم.
١٧٢٨ - [فَصْل: فعل القليل مما حلف]
فإن فعل مما حَرَّمه قليلًا أو كثيرًا حنث وانحلت اليمين؛ وذلك لأن التحريم إذا تعلق بالعين أفاد تحريمها وتحريم كل جزء منها، بدلالة تحريم الخمر والميتة، فإذا استباح جزءًا مما حَرَّمه فقد فعل المحلوف عليه، فيحنث وتنحل اليمين، وليس هذا كمن حلف لا يأكل طعامًا فأكل بعضه؛ لأن الحنث هناك من حيث الشرط، وما يتعلق بشرطين أو بشرط لا يقع عند بعضه.
١٧٢٩ - [فَصْل: تحريم الشيء على نفسه]
فأما قول أبي الحسن: فيمن حرم شيئًا على نفسه، أن ذلك قد حرم عليه،
стр. 2040
فهذا [يحرم في] (١) القول وإلا فالعين مباحة، بدلالة أنه مندوب إلى الحنث في الزوجة، ولو كانت محرمة لم يندب إلى فعل المحرم، وإنما أراد أبو الحسن: أن الاستباحة لما تعلقت بها الكفارة، صار في حكم المحرم من هذا الوجه.
١٧٣٠ - [فَصْل: قول الزوج: نسائي عليّ حرام ولم ينو الطلاق]
ولو قال: نسائيّ عليّ، حرام، ولم ينوِ الطلاق، فقرب إحداهن كَفَّر وسقطت اليمين فيهن جميعًا؛ وذلك لما ذكرنا: أن التحريم إذا تعلق بجملة تعلق بأجزائها، فصارت كل واحدة محرمة على الانفراد، فإذا فعل ما حرم عليه باللفظ انحلت اليمين.
قال: فإن لم يقرب واحدة منهن حتى مضت أربعة أشهر [بِنَّ جميعًا]؛ وذلك لأن اليمين في الزوجة إيلاء، والإيلاء توجب البينونة بمضي المدة.
١٧٣١ - [فَصْل: قول الرجل: كلُّ حِلٍّ علىّ حرام ولا نية له]
وإذا قال الرجل: كل حِلٍّ عليَّ حرام ولا نية له، فهذا على الطعام والشراب خاصة؛ وذلك لأن اللفظ لا يمكن حمله على عمومه، ألا ترى أنه لو حمل على العموم يحنث عقيب قوله بفتح عينه أو طبق جفنه، أو تنفسه في الهواء أو حركته؛ لأن هذا كله مباح، والإنسان لا يقصد بيمينه الامتناع منه، فعلم أنه لم يرد تحريم كل مباح، فلم يبق إلا حمله على بعض المباحات، [وأما إذا] لم تكن له نية حمل على المقصود منها، وذلك هو الطعام والشراب؛ لأن بهما قِوام الحياة، فأي ذلك فعل حنث.
стр. 2041
وقال زفر: يحنث عقيب كلامه وهو القياس، لأنه فعل عقيب يمينه ما هو حلال (١).
قال: وإن نوى مع ذلك اللباس أو [تحريم] امرأته فالتحريم واقع على ذلك أجمع، فأي شيء فعل من ذلك وحده لزمته الكفارة؛ لأن اللفظ يصلح لكل المباحات، وإنما حملناه على الأكل والشرب بدلالة، فإذا ضم إلى ذلك غيره، فقد شدد على نفسه بنيته، فيقبل قوله.
قال: فإن نوى شيئًا بعينه دون غيره، أو نوى الطعام خاصة أو الشراب خاصة أو اللباس خاصة، أو امرأته خاصة، فهو على ما نوى من ذلك فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء؛ وذلك لأن هذا اللفظ (لا يصح) (٢) حمله على العموم، وإنما يحمل على الخصوص، فإذا قال: أردت شيئًا بعينه، فقد ترك ظاهر العموم، وقد بينا أنه متروك فلم يعدل عن ظاهر كلامه فيصدق.
١٧٣٢ - [فَصْل: قول الرجل: كلُّ حِلٍّ عَليّ حرام ونوى امرأته]
وإن قال: كل حِلٍّ عليَّ حرامٌ، ونوى امرأته، كان عليها وعلى الطعام والشراب؛ وذلك لأن الطعام والشراب يلزمه بظاهر اللفظ، وتحريم المرأة تلزمه بنيّته، وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنه لم ينوِ امرأته خاصة، فبقي الطعام والشراب بنيته ولم تدخل في يمينه.
قال: فإن نوى في امرأته الطلاق لزمه الطلاق في امرأته، فإن أكل أو شرب
стр. 2042
لم تلزمه الكفارة؛ وذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله على الطلاق واليمين جميعًا لاختلاف موضوعهما، فإذا أراد به فى الزوجة الطلاق الذي هو أشد الأمرين، بطل أن يحمل على التحريم في الطعام والشراب فسقط حكمه (١).
قال عيسى بن أبان عن أبي يوسف ومحمد: في رجل قال لامرأتين له: أنتما عليّ حرام، يعني: في إحداهما الطلاق، وفي الأخرى الإيلاء، قالا: هما طالقان جميعًا؛ وذلك لأن اللفظ لا يحمل على الأمرين، فإذا أرادهما حمل على أغلظهما فوقع الطلاق عليهما، ولو كان (قال) (٢): هذه علي حرام، ينوي الطلاق، وهذه علي حرام ينوي اليمين كان كما نوى؛ لأنهما لفظان، [فيجوز أن] يراد بأحدهما خلاف ما يراد بالآخر.
وعن أبي يوسف فيمن قال: أنتما علي حرام، ينوي في إحداهما ثلاثًا وفي الأخرى واحدة، أنهما جميعًا طالقان ثلاثًا؛ لما بينا أن اللفظ لا يحمل على معنيين مختلفين، فإذا نواهما حمل على أشدِّهما.
قال ابن سماعة في نوادره: [سمعت] أبا يوسف قال في رجل قال: ما أحلَّ الله عليَّ حرام مِن [مالٍ] وأهلٍ، ونوى الطلاق في أهله، [قال]: ولا نية له في الطعام، فإن أكل لم يحنث، وهذا على ما قدمنا، قال: وكذلك لو قال: هذا الطعام عَلَيَّ حرام، وهذه ينوي الطلاق؛ لأن اللفظ واحد، وقد تناول الطلاق فلا يتناول تحريم الطعام (٣).
стр. 2043
١٧٣٣ - [فَصْل: قول الرجل أنت عليّ كالدم والميتة]
وقد قالوا: فيمن قال لامرأته: أنتِ عليَّ كالدم أو الميتة، أو كلحم الخنزير أو كالخمر، فإنه يُسأل عن نيته، فإن نوى كذبًا فهو كذب، [لأن هذه اللفظة لم تجعل صريحًا في اليمين؛ فلذلك صُدِّق أنه أراد الكذب] (١) وإن أراد التحريم فهو إيلاء؛ لأنه شبهها بما هو محرم، فكأنه قال: أنت حرام، فإن نوى الطلاق فالقول فيه كالقول فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام، ينوي الطلاق.
وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لامرأته: إن فعلت كذا فأنت أمي، يريد [به] التحريم، قال: هو باطل، [وهذا صحيح] (٢)؛ لأن التحريم إنما يكون إذا جعلها مثل أمه، فأما إذا قال: أنت أمي فهو كذب، وقال محمد: لو ثبت التحريم بهذا لَثَبَتَ إذا قال: أنت حرام، وهذا لا يصح.
وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال: أنت معي حرام، فهو مثل قوله: أنت عليّ [حرام]؛ لأن هذه الحروف يقام بعضها مقام بعض، فحكمها حكم واحد (٣).
стр. 2044
[٤٥] بَابْ: الظهار
قال الشيخ ﵀ (١): الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فنقل بالشرع إلى تحريم يرتفع بالكفارة، وحقيقته في الشرع: أن يُشَبِّه زوجته أو عضوًا منها يعبر به عن جميعها أو جزءًا شائعًا منها مما لا يحل النظر إليه من امرأة يحرم عليه نكاحها على التأبيد، وهذه الشروط لا يعرفها أهل اللغة، فالاسم شرعي فيه معنى اللغة (٢).
والأصل في ثبوت حكم الظهار وارتفاع التحريم فيه بالكفارة: ما ذكره الله تعالى في أول سورة المجادلة (٣)، نزلت في قصة خولة بنت ثعلبة قالت: كنت تحت أوس بن الصامت، وكان شيخًا كبيرًا قد أسن وضاق خلقه، فراجعته في بعض ما أمرني به، فقال لي: أنت عليّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ثم عاد، فأرادني عن نفسي، فقلت: والذي نفس خولة بيده لا تصل إليّ وقد قلت
стр. 2045
ما قلت حتى يقضي الله ورسوله بيننا، فوقع عليّ فدفعته عني بما تدفع به المرأة الشيخ الكبير، ثم خرجت إلى جيرتي فأخذت منهم ثيابًا ولبستها، وأتيت رسول الله ﷺ ، فجلست بين يديه وذكرت له ما صنع، فقال لي: "زوجك وابن عمك، وهو شيخ كبير"، فراجعته وجعلت أشكو إلى الله تعالى ما ألقاه من سوء خلق أوس، فتغشى رسول الله ﷺ الوحي كما كان يتغشاه، فلما سُرّي عنه قال لي: "يا خولة قد أنزل الله فيك وفي أوس القرآن"، وتلا أول السورة ثم قال لي: "مُرِيه فليعتق رقبة! "، قلت: يا رسول الله، والله ما عنده ذاك، فقال: "فليصم شهرين متتابعين"، فقلت: إنه شيخ كبير ما به من صوم، فقال: "مريه فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر! "، فقلت: والله ما يجد ذلك، فقال: "فإنا سنُعِيْنُه بعَرَقٍ من، تمرٍ"، فقلت: يا رسول الله وأنا أعينه بعَرَق، فقال: "افعلي واستوصي به خيرًا"، ففعلت ما أمرني به رسول الله ﷺ (١).
قال أبو الحسن: والظهار عندنا جائز من كل من جاز طلاقه إذا ظَاهَرَ منها وهي زوجته، لا يجوز أن يعقد عليها نكاحًا مستقبلًا، وإنما اعتبر الظهار بالطلاق؛ لأن كل واحد منها يوجب تحريمًا لزوجته (٢)، وإنما اعتبر أن يكون ممن لا يجوز أن يعقد عليها نكاحًا مستقبلًا احترازًا من المبتوتة؛ لأن الطلاق يقع عليها في عدتها، ولا يصح الظهار منها إلا أنه يصح العقد عليها، والاحتراز من هذه المسألة يكفي فيه قوله زوجته، وهذا الكلام يدخل عليه الكافر فلا بد من أن يضم إليه إذا كان من أهل الكفارة.
стр. 2046
وإنما قلنا: إنه إذا ظَاهَرَ من المبتوتة لا يصح؛ لأنها من محرمة بالطلاق، وتحريم الطلاق آكد من تحريم الظهار، ألا ترى أن ذلك يزيل الملك ولا يرتفع بالكفارة، والظهار لا يزيل الملك ويرتفع بالكفارة، فلا معنى لإدخال أخف التحريمين على أغلظهما، ولا يقال إن المبتوتة يلحقها عندكم صريح الطلاق وإن كانت محرمة؛ لأن الطلاق فيه فائدة غير التحريم، وهي: نقصان العدد، فلذلك جاز أن يلحقها.
قال: ولا يلحق المبتوتة ظهار بيمين كانت قبل الطلاق؛ لأن الظهار يفيد التحريم، وقد بينا أنه لا فائدة في تحريم المبتوتة، فاستوى في ذلك الظهار المبتدأ والمعلق بالشرط، وليس كذلك إذا علق البينونة بشرط فوجد بعد البينونة؛ لأن في الطلاق البائن زيادة (فائدة على المبتوتة) (١)، وهي: نقصان العدد، فوقع لما فيه من الفائدة (٢).
١٧٣٤ - [فَصْل: ظهار الكافر]
ولا يَصِحُّ ظهار الكافر (٣) عندنا، وقال الشافعي: يَصِحُّ (٤).
لنا: أنه لا يصح منه الصوم فلا يصح ظهاره كالصبي والمجنون، ولأنه ليس من أهل الكفارة، ألا ترى أنها عبادة تقف على النية، وذلك لا يصح من الكافر، وإذا لم تلزمه الكفارة لم يثبت حكم الظهار، كالمُظاهر إذا كَفَّر.
стр. 2047
١٧٣٥ - [فَصْل: ظهار الصبيّ والمجنون]
ولا يصح ظهار الصبي والمجنون؛ لأن الظهار يتعلق بالقول، وقول الصبي والمجنون لا يتعلق به حكم؛ ولأن الظهار يوجب التحريم كالطلاق.
١٧٣٦ - [فَصْل: أثر صحة الظهار على الزوج]
قال أبو الحسن: فإذا صَحَّ الظهار حرمت المرأة عليه، فلا يحل له وطؤها أبدًا بنكاح ولا ملك يمين، ولا بعد زوج تَزَوَّجَها بعد طلاق ثلاث ثم رجعت إليه حتى يُكَفِّرَ، وكذلك لو كانت زوجته أمَةً فظاهر منها ثم اشتراها لم يحل له أن يطأها حتى يكفر) (١)، وكذلك لو كانت حرة فارتدت ثم لحقت بدار الحرب فسُبِيت واشتراها؛ وذلك لأن الظهار يوجب تحريمًا لا يرتفع إلا بالكفارة، فما لا يوجد لا يحل له الوطء، وهذا كالطلاق الثلاث الموجب للتحريم الذي لا يرتفع إلا بوطء زوج، فلا يزول بملك اليمين ولا بغيره حتى يوجد سبب الإباحة.
قال: فإن كَفَّر بعدما بانت منه بالطلاق أو تزوجت جاز له؛ لأن الكفارة معنى يرتفع به التحريم، فجازت مع زوال الملك، كوطء الزوج الثاني.
١٧٣٧ - [فَصْل: في صريح الظهار]
قال أبو الحسن: وصريح الظهار أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، فيقع به الظهار نوى أو لم ينوِ، وإن أراد به الطلاق لم يكن إلا ظهارًا؛ لأن الصريح ما استعمله أهل اللغة في شيء دون غيره، وهذا المعنى موجود في الظهار فلا ينصرف بالنية عما وضع له، كما لا ينصرف صريح الطلاق، وإنما قلنا: إنه إذا
стр. 2048
علق التشبيه بامرأته أو بعضو منها يعبر به عن جميعها يكون مظاهرًا؛ لأن ذكر هذا العضو كذكرها، فجريا مجرى واحدًا، وقد بينا ذلك في الطلاق.
وكذلك إن شَبَّه جزءًا منها مشاعًا؛ لأن التحريم يتعلق بجزء مشاع ويسري إلى بقية البدن، فأما إذا علق التشبيه بجزء لا يعبر به عن [جميع] البدن كاليد والرجل لم يكن مظاهرًا على ما بيناه في الطلاق، فإن شَبَّه امرأته بعضو من أُمِّه غير الظَّهر، فإن كان لا يجوز له النظر إليه فهو كتشبيهها بظَهْرها، وذلك مثل البطن والفخذ والفرج؛ لأن هذه الأعضاء يحرم عليه النظر إليها فهو كالظهر (١).
وإنما قلنا: إن التشبيه إذا وقع بذوات المحارم كالأخت والعمة والخالة كان ظِهارًا (٢)؛ لأنه لا يحل له نكاحهن على التأبيد فهي كالأم، وعلى هذا إذا شبهها بمن حرمت عليه بالرضاع أو بالصهر، كأم امرأته وامرأة أبيه؛ لأنهن يحرمن عليه على التأبيد فصرن كذات المحارم.
١٧٣٨ - [فَصْل: تشبيه امرأته بما يحرم عليه]
وقد قال أبو يوسف: إذا قال لها أنت عليّ كظهر فلانة، وشبهها بامرأة زني بها أبوه أو ابنه فهو مظاهر؛ لأنه لا يحل له نكاحها على التأبيد.
قال أبو يوسف: وليس كذلك إذا شبهها بامرأة قد فرق بينه وبينها باللعان، فإنه لا يكون مظاهرًا؛ لأن هذه وإن حرمت عندي على التأبيد، فلو حكم حاكم بجواز نكاحها جاز، فأبطل ذلك معنى التأبيد.
стр. 2049
قال: ولو حكم حاكم بجواز نكاح المرأة التي زنى بها أبوه ثم رفع إليّ أبطلت حكمه، فبقي التحريم على التأبيد.
وقال محمد في الكيسانيات: إذا شبهها بامرأة قد زنى بأمها فليس بمظاهر؛ لأنه مختلف فيه، وإن حكم به حاكم ثم رفع إليّ لم أبطله، فكان الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في نفوذ حكم الحاكم، فعند أبي يوسف: لا ينفذ؛ لأن النكاح في اللغة الوطء، وقد جاء القرآن بتحريم (منكوحة الأب) (١) فلا ينفذ حكم الحاكم في مخالفة القرآن، وعند محمد: أن هذا ظاهر متأول، فيسوغ فيه الاجتهاد، وينفذ حكم الحاكم.
١٧٣٩ - [فَصْل: تشبيه امرأته ببنت أجنبية قَبَّلها بشهوة]
قال أبو يوسف: ولو قَبَّل أجنبية لشهوة، أو نظر إلى فرجها لشهوة ثم شَبَّهَ زوجته (ببنتها) (٢)، لم يكن مظاهرًا عند أبي حنيفة، قال: ولا يشبه هذا الوطء؛ لأن الوطء أَبْيَن وأظهر، وقال أبو يوسف: يكون مظاهرًا.
وجه قول أبي حنيفة: أن التحريم بالنظر واللمس ليس بمنصوص عليه، وقد اختلف فيه [وساغ] (٣) فيه الاجتهاد فلم (يتأكد) (٤) التحريم، وأبو يوسف قال: التحريم بالنظر منصوص عليه بدلالة قوله ﷺ : "من كشف خمار امرأة ونظر، حرمت عليه أمها وابنتها" (٥)، وحكم الحاكم بخلاف النص لا ينفذ.
стр. 2050
١٧٤٠ - [فَصْل: تشبيه امرأته بامرأة محرّمة عليه]
وإن شَبَّهَها بامرأة مُحَرَّمة عليه في الحال، وهي ممن تحل له في حالة أخرى مثل أخت امرأته، وامرأة لها زوج، أو مجوسية، أو مرتدة لم يكن مظاهرًا؛ لأنهن لا يحرمن على التأبيد، فلا يتأكد التحريم فيهن.
ولو شبهها برجل لم يكن مظاهرًا؛ لأن الرجل لا يصح عقد النكاح عليه، فلا يحرم التحريم الذي يقتضيه الظهار.
١٧٤١ - [فَصْل: قول الرجل: أنا منك مظاهر]
وإذا قال لها: أنا منك مظاهر، أو قد ظاهرت منكِ، فهو مظاهر؛ لأن الظهار تارة يكون بالإيقاع، وتارة يكون بالإخبار، فهو كالطلاق إذا قال: قد طلقتك.
فإن قال: أنتِ مني كظَهْر أمِّي، أو عندي أو معي، فهو مظاهر؛ لأن هذه الحروف أدوات يقوم بعضها مقام بعض، فجميعها باب واحد.
١٧٤٢ - [فَصْل: ما يترتب بالظهار من أحكام]
قال: ولا ينبغي للمرأة إذا ظاهر منها [زوجها] أن تدعه يقربها حتى يُكَفِّر؛ لأنها مُحَرَّمَة عليه، فلزمها الامتناع من الوطء (الحرام) (١) كما لزم الرجل الامتناع منه (٢).
١٧٤٣ - [فَصْل: مطالبة المرأة بالتكفير عن الظهار]
وللمرأة أن تطالبه عند الحاكم بالوطء وعلى الحاكم أن يجبره حتى يُكَفِّر
стр. 2051
ويطأ؛ وذلك لأنه يضرُّ بها في ترك التكفير، فكان لها إلزامه إيفاء حقها ودفع الضرر عنها، وكان على الحاكم إلزامه كذلك.
١٧٤٤ - [فَصْل: ما يمنع للمظاهر من امرأته]
ولا ينبغي للمظاهر أن يباشر ولا يُقَبِّلَ ولا ينظر إلى فرجها لشهوة حتى يُكَفِّر، وذلك لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] والمَسُّ عام، ولأنه قول أوجب تحريم الوطء، فحرم ما دونه من الاستمتاع كالطلاق الثلاث.
١٧٤٥ - [فَصْل: المظاهر لم يكن ناويًا بالظهار]
قال بشر: عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ولم تكن له نية فهو ظهار في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن أراد التحريم فهو ظهار، وليس بتحريم اليمين ولا بتحريم الطلاق؛ وهذا لِمَا قدمنا أن اللفظ صريح في موضوعه فلا ينصرف بالنية عما وضع له إلى غيره.
١٧٤٦ - [فَصْل: دعوى الرجل الإخبار بالماضي كذبًا]
وإذا قال: أردت أن أخبر عما مضى بكذب، فإنه لا يصدق في القضاء، ويسعه فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يسع المرأة أن تَقْبَل منه؛ وذلك لأن لفظ الظهار وإن كان خبرًا فقد جعل إيقاعًا في الشرع، فلا يصدق في إرادته الخبر، وكل ما لا يصدقه الحاكم فيه، فإن المرأة لا يسعها أن تصدقه؛ لأن الحاكم إنما لا يصدقه لأنه لا يعلم الباطن، وهذا المعنى موجود في المرأة، فأما فيما بينه وبين الله تعالى فهو مصدق؛ لأنه أراد بلفظ الخبر الإخبار والعدول عن الإيقاع.
стр. 2052
١٧٤٧ - [فَصْل: الكفارة فيما ظاهر من أربع نسوة]
فإذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له فعليه لكل واحدة كفارة، في مجلس كان أو في مجالس (١)، وقال الشافعي: إن ظاهر بكلمة واحدة فعليه كفارة واحدة (٢).
لنا: أنه قول يوجب التحريم، فإذا جمع فيه بين النسوة فكأنه أفرد كل واحدة به، أصله الطلاق، وليس كذلك الإيلاء؛ لأن الكفارة فيه إنما تجب لحرمة الاسم، والاسم اسم واحد، والكفارة في مسألتنا إنما تجب لرفع التحريم، والتحريم في كل واحدة منهن غير التحريم في الأخرى.
١٧٤٨ - [فَصْل: الظهار مرارًا من امرأته في مجلس]
[وكذلك] إن ظاهر من امرأته مِرارًا في مجلس أو مجالس، فعليه لكل قول كفارة إلا أن يكون يعني الظهار الأول، فيكون عليه كفارة واحدة؛ وذلك لأن كل قول (يوجب التحريم) (٣)، يوجب تحريمًا لا يرتفع إلا بالكفارة، وقد بينا أن [الظهار في] (٤) اللفظ الإيقاع دون الإخبار.
فإن قيل: إذا صارت محرمة بالظهار الأول لم تصر محرمة [بالظهار] الثاني.
стр. 2053
قلنا: الظهار الثاني وإن لم يزد في التحريم فإنه يؤكده، ويثبت فيه فائدة وهي الكفارة، فلذلك [ثبت.
فإن أراد بالظهار الثاني الأول، صُدِّقَ؛ لأن لفظه لفظ الخبر، وقد] يكرر الإنسان اللفظ ويريد [به] التشديد والتغليظ (١).
١٧٤٩ - [فَصْل: وطء المظاهر قبل أن يكفر]
وإذا وطئ المظاهرُ قبل أن يكَفِّرَ فينبغي أن يستغفر الله تعالى ولا يعود حتى يكفِّر، لما روى ابن عباس: أن رجلًا ظاهر من امرأته فرأى خلخالها في القمر فوقع عليها، ثم جاء إلى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال: "استغفر الله ولا تعد حتى تكفِّر" (٢)، ولأنه وطءٌ محرمٌ، والأفعال المحرمة تقتضي الاستغفار.
١٧٥٠ - [فَصْل: ارتداد المُظاهر عن الإسلام]
فإذا ظاهر الرجل من امرأته ثم ارتد [عن الإسلام] لم يسقط الظهار عنه في قول أبي حنيفة، واختلفت الرواية عن أبي يوسف فيما روى عن أبي حنيفة، والصحيح عندي ما حكيته، وقد بينا هذه المسألة في باب الإيلاء.
وإذا ظاهر الرجل من أمته، أو أم ولده، أو مدبرته لم يكن مظاهرًا؛ وذلك لأنه تحريم يختص بالقول فصار كالطلاق، وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وإطلاق النساء يقتضي [الحرائر] (٣)(٤).
стр. 2054
١٧٥١ - [فَصْل: مظاهرة المرأة من الزوج]
ولا تكون المرأة مظاهرة من زوجها، وقد روي أن محمدًا سئل عن هذه المسألة، وهي المرأة تقول لزوجها: أنتَ عَلَيّ كظهر أمي، فقال: ليس بشيء، وسئل أبو يوسف فقال: عليها كفارة الظهار، فقيل ذلك للحسن بن زياد فقال: إنهما شيخا الفقه أخطآ، عليها كفارة اليمين.
وجه قول محمد: أن المرأة لا تملك التحريم بدلالة الطلاق.
وجه قول أبي يوسف: أن الظهار تحريم يرتفع بالكفارة، وهي من أهل الكفارة، فصَحَّ أن توجب على نفسها ذلك.
وجه قول الحسن: أن الظهار يقتضي التحريم، فصارت كأنها قالت لزوجها: أنت علَيَّ حرام، فتجب عليها كفارة اليمين إذا وطئها.
١٧٥٢ - [فَصْل: قول الرجل: أنت عليّ كالدم أو الميتة]
وإذا قال الرجل لامرأته: أنت علي كالدم أو الميتة، أو كلحم الخنزير أو كالخمر، فإنه يُسأل عن نيته، فإن نوى كذبًا فهو كاذب لا يقع عليها شيء؛ لأن هذه من كنايات التحريم، ألا ترى أن التشبيه يقع بالشيء في بعض أوصافه دون بعض، والكنايات يرجع فيها إلى النية.
قال: فإن نوى التحريم بغير طلاق فهو إيلاء؛ لأن هذه الأشياء محرمة، فإذا أشبهها بها في باب التحريم فكأنه قال: أنت عَلَيَّ حرام، قال: وإن نوى الطلاق فالقول في هذا كالقول في الحرام؛ وذلك لأن التشبيه إذا وقع في التحريم، صار كقوله: أنت حرام، ينوي الطلاق.
стр. 2055
١٧٥٣ - [فَصْل: الظهار لمدة معلومة]
وإن ظاهر منها مدة معلومة، يومًا أو شهرًا أو سنة، ثم مضى الوقت سقط الظهار، وقال الشافعي: الظهار لا يتوقت (١).
لنا: ما روي عن سلمة بن صخر البياضي أنه قال: كنت قد أوتيت من الجماع ما لم يؤته أحد، فكنت لا أصبر عنه، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أطأ امرأتي ليلًا، فلا أقدر أن أنزع عنها حتى يطلع الفجر، فظاهرت منها حتى يمضي شهر رمضان، فبينما هي تخدمني حتى انكشف منها شيء فوقعت عليها ثم أسقطت في يدي، فأتيت قومي فذكرت لهم ذلك فشدَّدوا عليَّ، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، (فقال: "أنت بذاك" فقلت: أنا بذاك يا رسول الله، وها أنا بين يديك فأمض فيّ حكم الله)، فقال لي: "أعتق رقبة"، فضربت يدي على صفحة رقبتي، فقلت: ما أملك رقبة إلا هذه، فقال: "صم شهرين متتابعين"، فقلت: وهل أصابني هذا البلاء إلا من هذا الصوم، فقال لي: "أطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر"، فقلت يا رسول الله: والله لقد بتنا وحشا ما لنا عَشَاء، فقال: "انطلق إلى صدقات بني زريق فخذ من مصدقهم ما اجتمع، فأطعم منه ستين مسكينًا وسقًا من تمر، واستنفق ما بقي وأطعمه أهلك" (٢)، فأتيت قومي فقلت لهم: وجدت عندكم الشدة والضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله ﷺ السعة والبركة، فأعطوني ما اجتمع عندهم، ففعلت ما قال).
وهذا يدل على صحة الظهار المؤقت، ولأنه معنى يؤثر فيه الكفارة، فجاز
стр. 2056
أن يتوقت كالإيلاء، ولأنه تحريم يختص بالنكاح فلا يبطله التوقيت كالطلاق.
١٧٥٤ - [فَصْل: فيمن قال لامرأته أنتِ عليّ كأمي]
وقد قالوا فيمن قال لامرأته: أنت عَلَيَّ كأمي، فإنه يرجع إلى نيته عند أبي حنيفة، فإن أراد الإكرام فليس بشيء، وإن أراد الطلاق أو الظهار فهو كما نوى، وإن أراد التحريم فهو إيلاء، وقال أبو يوسف: هو تحريم، وقال محمد: هو ظهار (١).
وجه قول أبي حنيفة: أن التشبيه بالأم قد يكون في باب الكرامة والتعظيم، وقد يكون في باب التحريم، والتحريم منقسم، فوجب أن يرجع إلى نيته، وليس كذلك إذا قال: أنت علي كفرج أمي؛ لأن التشبيه في الكرامة لا يكون بالفرج، فلم يبق إلا التحريم.
وجه قول أبي يوسف: أن الظاهر من التشبيه التحريم، والتحريم منقسم، فحمل على أدناه وهو الإيلاء.
وجه قول محمد: أن حرف التشبيه يختص بالظهار، فكان الظاهر أنه ظهار.
١٧٥٥ - [فَصْل: في قول الرجل: أنتِ عَليَّ حرام كأمّي]
وأما إذا قال: أنت عَليّ حرام كأمي، حمل على نيته، فإن لم يكن نية كان ظهارًا؛ وذلك لأن التشبيه إذا وقع مع التحريم لم يقتض الكرامة، فلم يبق إلا التحريم وهو منقسم، فيرجع فيه إلى نيته، فإن لم يكن له نية كان ظهارًا؛ لأن حرف التشبيه يختص بالظهار (٢).
стр. 2057
١٧٥٦ - [فَصْل: قول الرجل: أنت عليّ حرام كظهر أمي]
وأما إذا قال: أنت عَلَيَّ حرام كظهر أمي، فإن قال: نويت الطلاق لم يكن إلا ظهارًا عند أبي حنيفة، وإن نوى طلاقًا لم يكن طلاقًا (١).
وقال أبو يوسف ومحمد: إن نوى [به] الطلاق فهو طلاق، وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا نوى الطلاق كان طلاقًا، ولم أصدقه في صرفه عن الظهار، فلزمه الظهار والطلاق جميعًا.
وجه قول أبي حنيفة: أن قوله أنت عَلَيَّ حرام، محتمل، فلما قال: كظهر أمي، فقد فَسَّر التحريم بآخر كلامه فزال الاحتمال، فصار ذلك صريحًا في الظهار، فلم يعمل فيه النية.
وجه قولهما: أن قوله: (أنتِ علي حرام) يحتمل الطلاق، فإذا نواه بلفظ يحتمله وقع، والذي قاله أبو يوسف ضعيف؛ لأنه إذا وقع الطلاق بقوله: أنت عَلَيَّ حَرَامٌ، لم يقع الظهار بعد البينونة، وإن [أوقعنا] (٢) بقوله: أنت علي حرام، لم يجز؛ لأنه [يحتمل] (٣) اللفظ على معنيين مختلفين.
ووجه قول أبي يوسف: أن الظهار يلزمه باللفظ والطلاق باعترافه، فيصدق فيه، ولا يملك إسقاط ظاهر اللفظ (٤).
стр. 2058
بَابْ: كفارة الظهار
قال الشيخ رحمه الله تعالى: قد بينا أن الظهار يوجب تحريمًا يرتفع بالكفارة، والله تعالى أوجب الكفارة بالظهار والعَوْد، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، فاختلف الناس في العود، فقال أصحابنا: العود: عزمه على أن يطأها، وقال الشافعي: أن يسكت عن طلاقها عقيب الظهار (١)، وقال نافي القياس: أن يكون لفظ الظهار.
وما قاله نافي القياس (يخالف ظاهر) (٢) القرآن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣]، ولو كان المراد [منه] ما قاله لقال: "ثم يعيدون ما قالوا"، وقد دل على بطلان قوله خبر أوس بن الصامت، وسلمة بن صخر؛ لأن النبي ﷺ أوجب على كل واحد منهما الكفارة، ولم يسألهما عن إعادة اللفظ، ولأنه تحريم يختص بالنكاح فلا يقف على إعادة اللفظ كالطلاق. وأما الذي قاله الشافعي لا يصح؛ لأن العود يقتضي ضد ما بدأ به، يقال: عاد في هبته، إذا رجع، والظهار لم [يرفع] (٣) النكاح حتى يكون إمساكها عودًا؛ ولكنه (أراد) (٤) التحريم، فإذا عزم على الوطء (فقد عاد) (٥) فيما حرمه، فصح أن يسمى ذلك
стр. 2059
عودًا، ولأن الطلاق لو أسقط حكم الظهار عقيب الظهار أسقطه في الثاني كالكفارة.
وإذا ثبت أن العود هو العزم، فقد قال أصحابنا: إذا عزم على وطئها، وجبت عليه الكفارة، فإن بدا له [في] أن لا يطأها سقطت الكفارة منه، فكأنها تجب عندنا غير مستقرة؛ ولهذا يسقط بموته وموتها، وقال الشافعي: إذا سكت عن طلاقها عقب ظهارها استقرت الكفارة.
لنا: أن الكفارات وضعت للتطهير فجاز أن يكون منها ما يجب وجوبًا غير مستقر، أصله الحدود وقد ثبت أن القتل المتعلق بالردة لا يستقر.
١٧٥٧ - [فَصْل: كفارة الظهار]
قال: والكفارة ما ذكر الله تعالى في كتابه: من تحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، ولم يشترط فيه [المسيس] (١)؛ فهذه الكفارة عندنا على الترتيب؛ لأن الله تعالى ذكرها بلفظ الترتيب، ومن شرط العتق والصوم تقديمهما على المسيس، وكذلك الإطعام عندنا، وقال مالك: من كانت كفارته الإطعام جاز له أن يطأ قبل الإطعام (٢).
لنا: أنه [أحد] (٣) أنواع الكفارة فصار كالعتق، ولأنه لا يأمن أن يقدر على العتق أو الصوم في خلال الإطعام فينتقل إليه فيكون قد جامع قبله فلا يصح.
стр. 2060
١٧٥٨ - [فَصْل: الوطء قبل التكفير]
قال: فإن وطئ في ذلك كله قبل أن يُكَفِّرَ، استغفر الله ولم يعد حتى يكفر، وقد بينا ذلك.
١٧٥٩ - [فَصْل: الكفارة بعتق بعض الرقبة]
وإن أعتق بعض رقبة ثم وطئ ثم أعتق ما بقي منها لم يجزه، وعليه أن يستقبل عتق رقبة [أخرى]؛ وذلك لأن من أصل أبي حنيفة أن العتق يَتَبَعَّضُ، فعتق البعض لا يوجب عتق الجميع، وقد أمر الله تعالى بتقديم العتق على المسيس، فإذا مَسَّ في خلاله فلم يعتق على الوجه المأمور به، ولا يجيء هذا النوع على قول أبي يوسف [ومحمد]؛ لأن [عندهما] (١) أن عتق البعض عتق للجميع.
١٧٦٠ - [فَصْل: وقاع المُظاهر في خلال الصوم]
فإن جامع التي ظاهر منها في خلال الصوم جماعًا يفسد الصوم استقبل في قولهم؛ لأن الله تعالى شرط في الصوم التتابع، فإذا أفطر في خلاله فطرًا يمكنه الاحتراز منه، فقد ترك التتابع المشروط، فلا يجزئه الصوم.
١٧٦١ - [فَصْل: وقاع المظاهر في الشهرين ناسيًا]
وإن جامع في الشهرين ليلًا أو نهارًا ناسيًا لصومه، استقبل في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يمضي على صيامه.
وجه قولهما: أن الله تعالى أمره بصوم شهرين لا مسيس قبلهما ولا فيهما،
стр. 2061
فإذا جامع في خلالهما فلم يأت بالمأمور به؛ ولأنها صفة منصوص عليها في الكفارة، فإذا تركها ناسيًا أبطل الصوم عن الكفارة كالتتابع.
وجه قول أبي يوسف: أنه وطء لا يفسد الصوم، فلا يقطع التتابع، كوطء غيرها، وأما إذا جامع في خلال الإطعام لم يلزمه الاستئناف؛ لأن الوطء لم يمنع منه لمعنى يختص بالإطعام، ألا ترى أن الله تعالى لم يشترط في الإطعام ترك المسيس، وإنما منع من الوطء لجواز أن يقدر على الصوم أو العتق، والنهي إذا لم يكن لمعنى في نفس المنهي لم يقتض الفساد.
١٧٦٢ - [فَصْل: الصفات التي لا تجزئ في الكفارة]
ولا [تجزئ] (١) الرقبة العمياء ولا المقطوعة اليدين، ولا الرِّجْلَيْنِ، [ولا اليد والرجل] من جانب واحد، وتجزئ المقطوعة اليد والرجل من خلاف، والعوراء.
وجملة هذا: أن منفعة الجنس إذا عدمت منعت العتق عن الكفارة كالميت، ومتى كانت منفعة الجنس باقية لم تمنع [كالمشجوج]، فإذا ثبت هذا، قلنا في العمياء: إن منفعة الجنس -وهي النظر- معدومة فلم تجزئ، فأما العوراء: فمنفعة الجنس باقية فأجزأت، وأما المقطوعة اليدين أو الرجلين: فمنفعة الجنس معدومة وهي البطش والمشي، وكذلك قطع اليد والرجل من جانب واحد يمنع المشي، وأما قطع اليد والرجل من خلاف، فإن منفعة المشي والبطش باقية؛ فلذلك جاز، وأما الخرساء: فلا تجزئ؛ لأن منفعة الجنس وهي الكلام قد عدمت، وأما الصماء: فالقياس أن لا تجزئ؛ لأن منفعة الجنس وهي
стр. 2062
السمع [قد] عدمت، والاستحسان: أن تجزئ؛ لأن الأصم يسمع إذا صاح به الإنسان فمنفعة الجنس باقية، [ولكنها] (١) نقصت، [وإنما لا يسمع الأطروش (٢)، وعتقه لا يجوز]، ولا يجوز المقطوع (إبهامي) (٣) يديه، لأن قطع الإبهام يذهب بقوة اليد ويمنع من العمل فهو كقطع اليدين، فأما المقطوع الأذنين فيجزئ؛ وذلك لأن الأذن الشاخصة إنما تراد للزينة، فعدمها لا يبطل منفعة الجنس، وكذلك الحاجبين والذاهب للشعر واللحية؛ لأن الشعر لا منفعة فيه، وإنما يراد للزينة، ويجزئ مقطوع الأنف؛ وذلك لأن قطع الأنف يفوت به الجمال، ومنفعة [الشم] (٤) باقية، وأما مقطوع الشفتين إذا كان يقدر على الأكل فيجزئ؛ لأن منفعة الجنس باقية وإنما عدمت الزينة، ولا يجزئ الساقط الأسنان؛ لأنه لا يقدر على الأكل، وعدم منفعة الجنس يمنع الجواز، ولا يجوز؛ أم الولد وذلك لأن رقها ناقص، ألا تري أنه مستحق لغير الكفارة، والمستحق إيقاع العتق في رقٍّ كامل، وكذلك المدبرة؛ لأن عتقها يتعلق بموت المولى على الإطلاق، [فهي] كأم الولد، وكذلك ابن أم الولد؛ لأنه يسري إليه الحق المتعلق بأمه فجرى مجراها، فأما المكاتب إذا لم يؤدِّ شيئًا من مال الكتابة فعتقه جائز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز (٥)، وهو قول زفر.
لنا: أنَّ رقه كامل بدلالة أنه إذا عجز جاز بيعه، فلو نقص رقه لم يرتفع النقص في ذلك الملك كأم الولد، وإذا كان رقه كاملًا وقد أعتقه من غير عوض
стр. 2063
صار كالعبد القِنّ، وليس كذلك إذا أدّى بعض مال الكتابة؛ لأن المانع من جوازه سلامة العوض للمولى عن رقه، فاتهم في إعتاقه فصار [كالعتق على مالٍ.
لزفر: أنه استحق من غير جهة الكفارة، فصار] كأم الولد.
١٧٦٣ - [فَصْل: ما لا يجزئ من العتق عن الكفارة]
ولا يجزئ أن يعتق عن كفارته عبدًا على مال؛ وذلك لأن العتق مستحق على طريق القربة، والعوض يبطل معنى القربة، لقوله ﷺ : "بشر أمتي بالسناء والتمكين ما لم يعملوا عمل الآخرة يبتغوا به الدنيا" (١).
١٧٦٤ - [فَصْل: الكفارة بعتق عبد مشترك]
فإن أعتق عبدًا بينه وبين شريكه لم يجز في قول أبي حنيفة، وجاز في قول أبي يوسف ومحمد إن كان موسرًا، وهذا فرع على أصل أبي حنيفة: أن العتق يتبعض، وأمّا المعتق بعضه يُستسعى، فهو في حكم المكاتب، فإذا أعتق نصيبه عن الكفارة عَتق، ودخل [في] نصيب شريكه نقص بعتقه، ولذلك يلزمه الضمان، وذلك النقص لم ينصرف إلى الكفارة؛ لأنه في غير ملكه، وإذا ضمن ما نقص عتق الباقي، فكأنه أعتق عبدًا إلا شيئًا.
فأما على أصلهما فالعتق لا يتبعض، فعتق البعض عتق للجميع؛ فيجزئ عن الكفارة وليس كذلك إذا كان المعتق معسرًا؛ لأن السعاية قد وجبت، فصار كالعتق بعوض، فأما إذا كان العبد كله له فأعتق نصفه ثم أعتق ما بقي،
стр. 2064
فالقياس أن لا يجوز عند أبي حنيفة؛ لأنه لما أعتق النصف صار النصف الباقي ناقصًا بعتقه، فهو كالعبد المشترك، إلا أنهم استحسنوا فقالوا يجوز؛ لأن ذلك النقص الذي حصل بعتق النصف الأول نقص من ملكه، وقد حصل بعتقه فيجزئ عن كفارته، فصار كمن أعتق نصفًا وشيئًا ثم أعتق ما بقي.
١٧٦٥ - [فَصْل: صفة الكفارة بالطعام]
قال: وإذا كَفَّر بالطعام أطعم لكل مسكين نصف (١) صاع من بُرٍّ أو دقيقه أو سويقه، أو صاعًا من تمر أو شعير، وكذلك دقيق الشعير وسويقه، وقال الشافعي: مُدٌّ (٢)، وقد دل على ما ذكرناه حديث (٣) أوس بن الصامت وسلمة بن صخر: أن النبي ﷺ أمر كل واحد منهما بوسق من تمر، والوسق: ستون صاعًا، ولأنها صدقة مقدرة بالمسكين فلا يجزئ فيها المد كصدقة الفطر، فأما الزبيب فقد اختلفت الرواية فيه عن أبي حنيفة فأجراه في إحدى الروايتين مجرى الحنطة، وفي الأخرى مجرى الشعير، والكلام في ذلك كالكلام في صدقة الفطر.
قال: وما عدا هذا من الحبوب فإنه يخرج بقيمة نصف الصاع من البّر أو الصاع من الشعير، وان أعطى المساكين قيمة [ذلك دراهم] (٤) أجزأه؛ وذلك لأن المقصود سَدّ الخَلَّة وهذا يوجد في القيمة كما يوجد في المنصوص [عليه]
стр. 2065
وهذا فرع على أصلنا في القيمة في الزكوات.
١٧٦٦ - [فَصْل: إعطاء الكفارة لمساكين الكفار]
ومساكين أهل الذمّة يجوز في ذلك، وفقراء المسلمين أحبُّ إليَّ، وقال أبو يوسف: لا يجزئ.
وجه قولهما: أنها صدقة ليس للإمام حق في أخذها كالنفل، وجه قول أبي يوسف: أنها صدقة واجبة كالزكاة.
١٧٦٧ - [فَصْل: الكفارة بعتق عبد ذمي]
وأما إذا أعتق عبدًا ذميًّا جاز عندنا، وقال الشافعي: لا يجوز (١).
لنا قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] فهذا عام في الكافر والمسلم، ولأنها رقبة لم تجب بإتلاف رقبة، فلا يشترط فيها الإسلام من غير إيجاب كالنفل، وأما قوله: إن فقراء المسلمين أحب إلي؛ فلأنه يحصل بذلك سد الخَلّة ومنفعة المسلم أولى.
١٧٦٨ - [فَصْل]:
ولا يجوز أن يعطي فقراء أهل الحرب وإن كانوا مستأمنين، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ولأن في ذلك تقوية للحربي على المسلم، وذلك لا يجوز (٢)
стр. 2066
بَابْ: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا متى تحل له
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في كلمة واحدة أو متفرقات وهي مدخول بها، والطلاق سُنَّة أو بِدْعة فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، ويدخل بها الثاني، فإذا طلقها أو فارقها وانقضت العدة حَلَّتْ للأول، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فدل على أن التطليقة الثالثة يتعلق بها التحريم، وأنه لا يرتفع إلا بزوج، ومن شرطه أن يتزوجها نكاحًا صحيحًا، وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والزوج لا يكون إلا في نكاح صحيح؛ ولأنه إذا تزوجها نكاحًا فاسدًا ودخل بها فهو وطء لم يوجبه عقد النكاح، فصار كالواطئ بشبهة (١).
١٧٦٩ - [فَصْل: في حِلّ البائنة لزوجها الأول]
ولا تحل لزوجها الأول بالعقد الثاني حتى يدخل بها، وقال سعيد بن المسيب: تحل بنفس العقد.
لنا: ما روي في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سئل وهو على المنبر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها غيره، فأغلق الباب وأرخى الستر وكشف الخمار، ثم فارقها، قال: "لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الآخر".
стр. 2067
وروي سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن امرأة رفاعة القرظي أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة قد بَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعبد الرحمن بن الزبير، وإنما عنده مثل هدبة الثوب، فقال رسول الله ﵊: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١).
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عمرو بن حزم طلق العميصاء، فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، أو قال: طلقها رجل فتزوجها عمرو بن حزم، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "هل قربك؟ "، قالت يا رسول الله ما كان الذي له إلا كهدبة الثوب، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢).
واحتج سعيد بن المسيب بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا يقتضي وقوع الإباحة بنفس النكاح.
والجواب: أن الله تعالى لما ذكر النكاح والزواج دل على اعتبار أمرين، ولو كان يكفي أحدهما لاقتصر عليه.
١٧٧٠ - [فَصْل: الوطء في رفع التحريم]
فإذا وطئها الزوج الثاني رفع تحريم الطلاق وصارت أجنبية لا عقد عليها، ولا تحل للأول إلا بعقد.
стр. 2068
١٧٧١ - [فَصْل: في الحِلّ بوقاع الصبيّ]
وإذا تزوجها الصبي الذي يجامع فجامعها حَلَّتْ، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يفصّل؛ ولأن وطء الصبي يتعلق به من أحكام النكاح كوطء البالغ بدلالة المهر، وكذلك المجنون؛ لأن وطئه يتعلق به من أحكام النكاح ما يتعلق بوطء الصحيح، وكذلك الصغيرة التي تجامع إذا طلقها زوجها ثلاثًا فدخل بها الزوج الثاني؛ لأن وطئها يتعلق به أحكام الوطء من المهر والتحريم، فصار كوطء البالغة.
وقد قالوا في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا: إذا تزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يدخل بها ثلاثًا، ثم تزوجت بزوج ثالث فدخل بها حلت للأولين؛ لأن وطء الثاني يرفع التحريم المتعلق بالثلاث، فاستوى في ذلك (حق) (١) الزوج والزوجين.
١٧٧٢ - [فَصْل: في الحِلِّ بوطء الزوج الثاني في حيض]
فإن وطئ الزوج الثاني في حيض أو نفاس، أو صوم أو إحرام، فإنها تحل بذلك الجماع؛ وذلك لأنه وطء أوجبه النكاح، والتحريم فيه عارض، فصار كوطء المريضة.
١٧٧٣ - [فَصْل: في الحِلِّ بنكاح الزوج النصراني الثاني]
(وكذلك) (٢) نصرانية تحت مسلم طلقها ثلاثًا، فنكحت نصرانيًّا نكاحًا يُقرّان عليه لو أسلما ودخل بها، فإنها تحل لزوجها الأول؛ وذلك لأنه نكاح
стр. 2069
صحيح في حقهم بدلالة أنهم يُقَرّون عليه بعد الإسلام، فصار كنكاح المسلمين.
١٧٧٤ - [فَصْل: كون الزوج الثاني عبدًا]
ولو كان الزوج الثاني عبدًا أو مدبَّرًا أو مكاتبًا تزوج بإذن مولاه ودخل بها حَلَّتْ للأول؛ لأنه وطءٌ أوجبه النكاح؛ ولأن وطء هؤلاء يتعلق به أحكام النكاح، كما يتعلق بوطء الحر.
١٧٧٥ - [فَصْل: كون الزوج الثاني مشلولًا]
فإن كان الزوج مشلولًا ينتشر ويجامع حَلَّتْ؛ لأنه يوجد منه المخالطة وإنما عدم الإنزال فصار كالفحل إذا جامع ولم ينزل، فأما المجبوب فإنها لا تحل للأول؛ لأنه لا يوجد منه المخالطة وإنما يوجد منه الملاصقة، والإباحة تحصل بالتقاء الختانين.
١٧٧٦ - [فَصْل: في إحصان زوجة المجبوب]
فإن حبلت امرأة المجبوب وولدت، حَلَّتْ للأَوَّل، وكانت محصنة عند أبي يوسف، وقال زفر: لا تحل للأول ولا تكون محصنة، وهو قول الحسن.
وجه قول أبي يوسف: أن ثبوت النسب في حكم الوطء بدلالة استقرار المهر على أصله في حال الحياة فصار كالدخول.
وجه قول زفر: أن ثبوت النسب قائم مقام الوطء من طريق الحكم كالخلوة، ولأنا نثبت النسب وإن كانت زانية؛ لأنه ولد على الفراش، والتحليل لا يقع بالزنا.
стр. 2070
١٧٧٧ - [فَصْل: أثر النيّة في التحليل]
فإن تزوجت ومن نيتها التحليل ولم يشترطا ذلك بقول، وإنما نويا [ذلك] ودخل بها على هذه النية حَلَّت للأول؛ وذلك لأنه نكاح صحيح بشرائطه، فالنية لا تؤثر فيه، كما لو نويا التأجيل والمعاني المفسدة.
١٧٧٨ - [فَصْل: أثر شرط الإحلال في التحليل]
فإن شرطا الإحلال بالقول وأنه يتزوجها كذلك وكان الشرط منهما فهو نكاح صحيح عند أبي حنيفة وزفر، ويكره للثاني وتحل للأول ويكره، وقال أبو يوسف: نكاح الثاني فاسد وإن وطئها لم تحل للأول، وقال محمد: النكاح (١) صحيح ولا تحل للأول.
وجه قول أبي حنيفة وزفر: أن النهي عن هذا العقد ليس لمعنى في نفس المنهي، وإنما هو في غير المعقود عليه، فلا يفسد العقد كسائر الشروط، إلا أنه يكره لما روى عَلِيٌّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله المحلل والمحلل له" (٢).
وجه قول أبي يوسف حديث علي، وروي أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بالتيس المستعار"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الرجل يتزوج المرأة ليحلها لزوجها" (٣)، ولأنه في معنى توقيت النكاح، والتوقيت إذا شرط في العقد أفسده،