بَابْ: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا متى تحل له
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثًا في كلمة واحدة أو متفرقات وهي مدخول بها، والطلاق سُنَّة أو بِدْعة فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا، ويدخل بها الثاني، فإذا طلقها أو فارقها وانقضت العدة حَلَّتْ للأول، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فدل على أن التطليقة الثالثة يتعلق بها التحريم، وأنه لا يرتفع إلا بزوج، ومن شرطه أن يتزوجها نكاحًا صحيحًا، وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والزوج لا يكون إلا في نكاح صحيح؛ ولأنه إذا تزوجها نكاحًا فاسدًا ودخل بها فهو وطء لم يوجبه عقد النكاح، فصار كالواطئ بشبهة (١).
١٧٦٩ - [فَصْل: في حِلّ البائنة لزوجها الأول]
ولا تحل لزوجها الأول بالعقد الثاني حتى يدخل بها، وقال سعيد بن المسيب: تحل بنفس العقد.
لنا: ما روي في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سئل وهو على المنبر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها غيره، فأغلق الباب وأرخى الستر وكشف الخمار، ثم فارقها، قال: "لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الآخر".
стр. 2067
وروي سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: أن امرأة رفاعة القرظي أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن رفاعة قد بَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعبد الرحمن بن الزبير، وإنما عنده مثل هدبة الثوب، فقال رسول الله ﵊: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (١).
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن عمرو بن حزم طلق العميصاء، فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها، أو قال: طلقها رجل فتزوجها عمرو بن حزم، فطلقها قبل أن يمسها، فأتت رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: "هل قربك؟ "، قالت يا رسول الله ما كان الذي له إلا كهدبة الثوب، فقال: "لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (٢).
واحتج سعيد بن المسيب بظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وهذا يقتضي وقوع الإباحة بنفس النكاح.
والجواب: أن الله تعالى لما ذكر النكاح والزواج دل على اعتبار أمرين، ولو كان يكفي أحدهما لاقتصر عليه.
١٧٧٠ - [فَصْل: الوطء في رفع التحريم]
فإذا وطئها الزوج الثاني رفع تحريم الطلاق وصارت أجنبية لا عقد عليها، ولا تحل للأول إلا بعقد.
стр. 2068
١٧٧١ - [فَصْل: في الحِلّ بوقاع الصبيّ]
وإذا تزوجها الصبي الذي يجامع فجامعها حَلَّتْ، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ولم يفصّل؛ ولأن وطء الصبي يتعلق به من أحكام النكاح كوطء البالغ بدلالة المهر، وكذلك المجنون؛ لأن وطئه يتعلق به من أحكام النكاح ما يتعلق بوطء الصحيح، وكذلك الصغيرة التي تجامع إذا طلقها زوجها ثلاثًا فدخل بها الزوج الثاني؛ لأن وطئها يتعلق به أحكام الوطء من المهر والتحريم، فصار كوطء البالغة.
وقد قالوا في الرجل يطلق امرأته ثلاثًا: إذا تزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يدخل بها ثلاثًا، ثم تزوجت بزوج ثالث فدخل بها حلت للأولين؛ لأن وطء الثاني يرفع التحريم المتعلق بالثلاث، فاستوى في ذلك (حق) (١) الزوج والزوجين.
١٧٧٢ - [فَصْل: في الحِلِّ بوطء الزوج الثاني في حيض]
فإن وطئ الزوج الثاني في حيض أو نفاس، أو صوم أو إحرام، فإنها تحل بذلك الجماع؛ وذلك لأنه وطء أوجبه النكاح، والتحريم فيه عارض، فصار كوطء المريضة.
١٧٧٣ - [فَصْل: في الحِلِّ بنكاح الزوج النصراني الثاني]
(وكذلك) (٢) نصرانية تحت مسلم طلقها ثلاثًا، فنكحت نصرانيًّا نكاحًا يُقرّان عليه لو أسلما ودخل بها، فإنها تحل لزوجها الأول؛ وذلك لأنه نكاح
стр. 2069
صحيح في حقهم بدلالة أنهم يُقَرّون عليه بعد الإسلام، فصار كنكاح المسلمين.
١٧٧٤ - [فَصْل: كون الزوج الثاني عبدًا]
ولو كان الزوج الثاني عبدًا أو مدبَّرًا أو مكاتبًا تزوج بإذن مولاه ودخل بها حَلَّتْ للأول؛ لأنه وطءٌ أوجبه النكاح؛ ولأن وطء هؤلاء يتعلق به أحكام النكاح، كما يتعلق بوطء الحر.
١٧٧٥ - [فَصْل: كون الزوج الثاني مشلولًا]
فإن كان الزوج مشلولًا ينتشر ويجامع حَلَّتْ؛ لأنه يوجد منه المخالطة وإنما عدم الإنزال فصار كالفحل إذا جامع ولم ينزل، فأما المجبوب فإنها لا تحل للأول؛ لأنه لا يوجد منه المخالطة وإنما يوجد منه الملاصقة، والإباحة تحصل بالتقاء الختانين.
١٧٧٦ - [فَصْل: في إحصان زوجة المجبوب]
فإن حبلت امرأة المجبوب وولدت، حَلَّتْ للأَوَّل، وكانت محصنة عند أبي يوسف، وقال زفر: لا تحل للأول ولا تكون محصنة، وهو قول الحسن.
وجه قول أبي يوسف: أن ثبوت النسب في حكم الوطء بدلالة استقرار المهر على أصله في حال الحياة فصار كالدخول.
وجه قول زفر: أن ثبوت النسب قائم مقام الوطء من طريق الحكم كالخلوة، ولأنا نثبت النسب وإن كانت زانية؛ لأنه ولد على الفراش، والتحليل لا يقع بالزنا.
стр. 2070
١٧٧٧ - [فَصْل: أثر النيّة في التحليل]
فإن تزوجت ومن نيتها التحليل ولم يشترطا ذلك بقول، وإنما نويا [ذلك] ودخل بها على هذه النية حَلَّت للأول؛ وذلك لأنه نكاح صحيح بشرائطه، فالنية لا تؤثر فيه، كما لو نويا التأجيل والمعاني المفسدة.
١٧٧٨ - [فَصْل: أثر شرط الإحلال في التحليل]
فإن شرطا الإحلال بالقول وأنه يتزوجها كذلك وكان الشرط منهما فهو نكاح صحيح عند أبي حنيفة وزفر، ويكره للثاني وتحل للأول ويكره، وقال أبو يوسف: نكاح الثاني فاسد وإن وطئها لم تحل للأول، وقال محمد: النكاح (١) صحيح ولا تحل للأول.
وجه قول أبي حنيفة وزفر: أن النهي عن هذا العقد ليس لمعنى في نفس المنهي، وإنما هو في غير المعقود عليه، فلا يفسد العقد كسائر الشروط، إلا أنه يكره لما روى عَلِيٌّ عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله المحلل والمحلل له" (٢).
وجه قول أبي يوسف حديث علي، وروي أن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بالتيس المستعار"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الرجل يتزوج المرأة ليحلها لزوجها" (٣)، ولأنه في معنى توقيت النكاح، والتوقيت إذا شرط في العقد أفسده،
стр. 2071
وإذا ثبت أن النكاح فاسد لم يقع به التحليل.
وجه قول محمد: أنه استعجل ما أخر الله تعالى عنه، فصار كمن قتل أباه.
١٧٧٩ - [فَصْل: زواج البائنة مع إخبارها بأنها تزوجت ثانيًا وطُلِّقَت]
فإذا طلق الرجل المرأة ثلاثًا فغابت عنه مدة، ثم أتته فقالت: قد تزوجت زوجًا غيرك، ودخل بي وانقضت عدتي، قال محمد: لا بأس أن يتزوجها ويصدقها إذا كانت عنده ثقة، أو وقع في قلبه أنها صادقة؛ وذلك لأن هذا خبر من أخبار الدين فيقبل فيه قول المرأة كالخبر عن رسول الله ﷺ .
وقال الحسن بن زياد: إن تزوجها ولم تخبره بشيء، فلما وقع النكاح قالت: لم أتزوج زوجًا غيرك، أو قالت: [قد] تزوجت ولم يدخل بي، أو قالت: قد خلا بي أو جامعني فيما دون الفرج، وكذَّبها الأول وقال: قد دخل بك الثاني، فالقول قول المرأة فى ذلك؛ لأن هذا المعنى لا يعلم إلا من جهتها، فالقول قولها فيه كالحيض والحبل.
١٧٨٠ - [فَصْل: اختلاف الزوجين في دخول الثاني بالمرأة]
فإن كان الزوج هو الذي قال: لم تتزوجي، أو قال: لم يدخل بك الثاني، وقالت المرأة: قد دخل بي، فالقول قول المرأة، ويفسد النكاح بقول الزوج، ولها نصف المسمى إن كان لم يدخل بها، وجميعه إن كان قد دخل بها؛ وذلك لأن المرجع في هذا إلى قول المرأة، وقول الزوج غير مقبول عليها فلا يسقط مهرها إلا أنه يملك التحريم، فاعترافه بفساد النكاح (كإيقاع فرقة) (١)
стр. 2072
١٧٨١ - [فَصْل: في الدخول بالعقد الفاسد]
قال: والدخول بالعقد الفاسد لا يحلها، وكذلك إن كان النكاح الثاني مختلفًا في فساده، لم تحل به عند من يفسد، وقد قدمنا هذا الفصل.
١٧٨٢ - [فَصْل: بينونة الأمة بطلقتين]
قال: وإذا طلق زوج الأمة اثنتين لم تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره، لأن التطليقتين جملة ما يملك عليها، بدلالة قوله ﵊: "طلاق الأمة تطليقتان" (١)، فصار كالثلاث في الحرة.
١٧٨٣ - [فَصْل: التحليل بوطء المولى بملك اليمين]
ولا يحلها للأول وطء المولى بملك اليمين، وذلك لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والمولى ليس بزوج، وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: ليس بزوج، يعني: السيد (٢).
وقد روي أن عثمان سئل عن ذلك وعنده عَلِيٌّ وزيدُ بن ثابت، فرخص في ذلك عثمان وزيد وقالا: هو زوج، فقام عَلِيٌّ مغضبًا كارهًا لما قالا.
وقد روي أنه قال: ليس بزوج، ولأنه وطء لم يوجبه النكاح، فصار كالوطء بالشبهة.
стр. 2073
١٧٨٤ - [فَصْل: التحريم الذي لا يرتفع بالوطء]
قال: وإن اشتراها الزوج قبل أن تنكح زوجًا غيره لم تحل له بملك اليمين، وإن أعتقت لم يحل له أن يتزوجها؛ وذلك لأن الطلاق يوجب تحريمًا لا يرتفع إلا بوطء زوج، والملك من أسباب الإباحة إذا لم يكن الوطء محظورًا، فأما مع حظر الوطء فلا تحل كأخته من الرضاعة.
١٧٨٥ - [فَصْل: هدم الطلاق بالوطء الثاني]
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إِنَّ وَطْءَ الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث كما يهدم الثلاث، وقال محمد: لا يؤثر فيها، وبه قال الشافعي (١).
لنا: [أنه وطء] زوج ثانٍ فرفع الحكم المتعلق بالطلاق، كما لو كان الطلاق ثلاثًا، ولأنها فارقت الأجنبيات بالطلاق، ألا ترى أنه لو تزوجها لم يملك منها جملة الطلاق، فإذا وطئها الزوج الثاني ألحقها بالأجنبيات كالمطلقة ثلاثًا لما فارقت الأجنبيات بالطلاق؛ بدلالة أنه لا يجوز أن يتزوجها، ألحقها وطء الزوج الثاني بالأجنبيات.
وجه قول محمد: أنّ وطء الزوج الثاني يحتاج إليه للإباحة، فإذا كانت مباحة قبله لم يؤثر وطؤه في الإباحة، فلم يرتفع الطلاق كوطء المولى (٢).
стр. 2074
بَابْ: الطلاق في المرض
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا طلق الرجل امرأته طلاقًا بائنًا أو ثلاثًا أو رجعيًّا في مرضه الذي مات فيه، ثم مات وهي في العدة، ورثته، وبه قال مالك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا ترث، وأما إذا مات بعد انقضاء عدتها لم ترث عندنا، وقال مالك: ترث ما لم تتزوج، وهو أحد [قولي] (١) الشافعي، فأما إذا تزوجت لم ترث عندنا، وقال ابن أبي ليلى: ترث، وهو أحد [قولي] (٢) الشافعي (٣).
والدليل على ما قلناه: إجماع الصحابة، وروي عن إبراهيم قال: جاء عروة البارقي إلى شريح بخمس خصال من عند عمر بن الخطاب (فيهن) (٤) أن الرجل إذا طلق امرأته وهو مريض ثلاثًا ورثت ما دامت في عدتها (٥).
وروى الشعبي أن أم البنين بنت عيينة بن حصن كانت تحت عثمان بن عفان، فلما حُصِر طَلَّقَها، وقد كان أرسل إليها يشتري منها ثمنها فأبت، فلما
стр. 2075
قتل أتت عليًّا (﵁) فذكرت له ذلك فقال: تركها حتى إذا أشرف على الموت طلقها فَوَرَّثَها (١).
وروي أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر [الكلبية] (٢) في مرضها آخر تطليقاتها الثلاث، وكانت تحته أم كلثوم بنت عقبة أخت عثمان بن عفان فورّثها منه عثمان (٣).
وروي أنه قال: ما [أتّهمه] (٤) ولكني أريد أن تكون سنة.
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت في المطلقة ثلاثًا وهو مريض: ترثه ما دامت في العدة (٥).
وعن أبيّ بن كعب: أنها ترث ما لم تتزوج، وقال ابن سيرين: (كانوا يقولون ولا يختلفون: من فرّ من كتاب الله رُدَّ إليه، يعني: الرجل (يطلق امرأته ثلاثًا في مرضه) (٦)، قال) (٧): ترث ما دامت في العدة، ولا يقال إن ابن الزبير مخالف؛ لأنه قال في تماضر ورثها عثمان بن عفان، ولو وليت أنا لما ورثتها؛ لأن هذا لا دلالة فيه على الخلاف؛ لجواز أن يكون معناه أن عثمان ظهر له من الاجتهاد ما لو كنت مكانه لم يظهر لي، ويجوز أن يكون قال ذلك لأنها سألت الطلاق،
стр. 2076
وعندنا أنها إذا سألت لم ترث، وإذا وَرَّثها عثمان مع مسألتها، فإذا لم تسأل أولى، ولأن ابن الزبير قال هذا في ولايته، وقد انعقد الإجماع قبله، فلو خالف لم يعتد بخلافه؛ لأنه حق مالي تستحقه المطلقة الرجعية، فجاز أن تستحقه المطلقة البائن كالسكنى ونفقة الحامل؛ ولأنه طلقها في حال تلحقه التهمة، واتصل ذلك بموت وهي في العدة فورثت ما لم يسقط حقها، أصله: إذا قال لها أنت بائن.
١٧٨٦ - [فَصْل: التوارث مع بقاء حقوق النكاح]
وأما إذا انقضت عدتها لم ترث عندنا؛ لأن النكاح زال وزالت أحكامه؛ بدلالة أنها تحل للأزواج، والتوارث إنما يكون مع بقاء حقوق النكاح.
١٧٨٧ - [فَصْل: الميراث إذا تزوجت البائنة]
وأما إذا تزوجت لم ترث؛ وذلك لأنها لو ورثت وهي تحت زوج، جاز أن يطلقها الثاني وهو مريض قبل أن يموت الأول، فترثهما جميعًا، والمرأة لا تستحق في حالة واحدة ميراث زوجين (١).
١٧٨٨ - [فَصْل: المرض المؤثر في أحكام الطلاق]
قال أبو الحسن: وهذا إذا كان مريضًا مضنًى يكون صاحب فراش، وأما إذا كان يذهب في حوائجه ويجيء وهو مع ذلك يحمّ فهو بمنزلة الصحيح، وقال الحسن عن أبي حنيفة: المرض الذي إذا طلقها فيه كان فارًّا إذا كان مضنًى لا يقوم إلا بشِدَّة وهو في حال [يقدر في] (٢) الصلاة جالسًا.
стр. 2077
قال: وجملة هذا أن المرض الذي يؤثر في الأحكام هو الذي يخاف منه التلف غالبًا، فأما ما يجوز أن يكون منه تلف ويجوز أن لا يكون في الغالب فهو كالصحة، والمريض إذا كان صاحب فراش أو كان مضنًى لا يقدر على القيام إلا بشدة والغالب من حاله خوف التلف يثبت له أحكام المرض، وإذا كان يذهب ويجيء [فليس] (١) الغالب منه خشية التلف [فصار] (٢) كالصحيح.
ولهذا قالوا في المحصور، والواقف في صف القتال، ومن وجب عليه القتل في حدٍّ أو قصاص فحبس ليقتل: إنه كالصحيح؛ لأن هذه الحالة ليس الغالب منها خشية التلف، ألا ترى أن الإنسان يتخلص منها غالبًا، قالوا: ولو قُدِّم ليقتل، أو بارز المواقف وخرج من الصف، فهو كالمريض؛ لأن الغالب من هذه الحالة خشية التلف، وكذلك المرأة إذا ضَرَبَها الطَّلْقُ، فهي في حكم المريض؛ لأن الغالب خشية التلف عليها.
ولا بد إذا طلق في هذه الأحوال أن يبقى على حاله حتى يموت، وأما إذا قام من [مرضه] (٣) بعد ما طلقها، فكان يجيء ويذهب ويقوى على الصلاة قائمًا، ثم نكس فعاد إلى الحالة التي كان عليها ثم مات لم ترثه، وقال زفر: ترثه.
وجه قولهم: أن الصحة إذا حصلت بعد إيقاع الطلاق فقد زالت الزوجية في حال لا حق لها في الإرث، فإذا مرض بعد ذلك لم يعد حقها كما لو طلقها في الصحة ثم مرض.
وجه قول زفر: أن الطلاق حصل في حالة يلحقه فيه التهمة والموت حصل
стр. 2078
فيها، والمعتبر بحال الإيقاع وحال الاستحقاق، وما بين ذلك لا يعتبر (١).
١٧٨٩ - [فَصْل: الميراث إذا جاءت الفُرْقَة من المرأة]
فإذا جاءت الفرقة من المرأة في مرضها أو في حال طَلَّقها فارتدت عن الإسلام، ورث الزوج منها؛ لأنها متهمة في سبب الفرقة مع تعلق حقه بمالها، كما يتهم الزوج في فرقتها مع المرض؛ [فلذلك] (٢) ورث.
١٧٩٠ - [فَصْل: زوجان لا يتوارثان، فطلق الزوجة ثلاثًا]
وإذا كان أحد الزوجين ممن لا يرث الآخر، فطَلَّقَها ثلاثًا في هذه الحال وهو مريض، ثم صار في حال يتوارثان [لو] (٣) لم يوقع الطلاق، لم ترثه، وإن مات وهي في العدة مثل أن يكون عبدًا وهي حُرَّةٌ أو هو حُرٌّ وهي أمة أو مكاتبة، أو الزوج مسلم وهي كتابية، فيعتق المملوك أو يُسلم الكافر وهي في العدة ويموت الزوج، فإنها لا ترث؛ وذلك لأن الميراث ثبت لأنه فَارٌّ بالطلاق من ميراثها مع تعلق حقها بما له، ولا حق لها مع الرق والكفر، فلم يكن متهمًا بالطلاق، فإذا زال المانع لم ترث.
١٧٩١ - [فَصْل: الميراث في طلاق المريض إذا أوجبت المرأة البينونة]
وإذا طلقها الزوج في المرض الذي يكون به فَارًّا ثم أحدثت المرأة فعلًا يوجب البينونة، ثم مات وهي في العدة كان الميراث لها على حاله إلا أن ترتَدَّ في عدتها ثم تُسلم، وهذا مثل أن تمكن ابن زوجها أو أباه من نفسها؛ وذلك لأنها
стр. 2079
إن فعلت ذلك فهذه معاني موجبة للتحريم، والتحريم حاصل بالبينونة فلا يسقط حقها، وكذلك إذا انضم إليه تحريم آخر، فأما الردة فإنها تخرجها من أن تكون من أهل الميراث فيبطل حقها بفعلها ولا تعود بعد ذلك وإن عادت إلى الإسلام (١).
١٧٩٢ - [فَصْل: الفرقة وقعت في مرض الزوج بسؤال المرأة]
وكل فرقة جاءت من قبل المرأة في مرض الزوج بأمرٍ أحدثته أو طلاق (يقع) (٢) بإخبارها، أو بمشيئتها، أو بسؤالها، فإنها لا ترث وإن مات في العدة؛ وذلك لأن الطلاق إذا وقع بفعلها وهي غير مضطرة، أو [بسؤالها] (٣). فقد (رضيت) (٤) بإسقاط حقها، وإنما يثبت لها الميراث؛ لأن الزوج متهم، فإذا رضيت فقد زالت التهمة فلا ترث.
١٧٩٣ - [فَصْل: ميراث المرأة إذا كان سبب الفرقة من الزوج المريض]
فإن حلف الزوج في مرضه أو في صحته على فعل المرأة [لما] لا بد لها منه كـ (كلام) (٥) أبيها أو أمها، أو صَلَاتها أو صيامها، أو اقتضاء غريمها، ففعلت ذلك وهو مريض، فإنها ترث.
وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: في رجل قال لامرأته في صحته: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق (ثلاثًا) (٦)، فإن كان لها غنًى عن دخولها ولم يكن
стр. 2080
بها حاجة إلى دخولها، فإنها لا ترث، وإن كان بها حاجة إلى دخولها فدخلت في المرض فلها الميراث، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن كان الحلف في المرض ففعلت ذلك في المرض فلها الميراث، وإن كان الحلف في الصحة فإنها لا ترثه.
وجه قولهما: أنه لما حلف أن لا تصلي ولا تصوم ولا تحج حجة الإسلام، ولا تقتضي غريمها، ولا تكلم أباها، فهذه فروض لا بد منها، واقتضاء الدَّين يلحق الضرر بتركه، فصارت مضطرة إلى هذا الفعل، وفعل المكرَه ينتقل إلى المكرِه فيصير كالفاعل له، [فكأنّ الزوج] (١) فعل سبب الفرقة في المرض فترث، وليس كذلك ما لها منه بد؛ لأنها تقدر على الامتناع منه من غير ضرر، وإذا فعلته فقد أوقعت الفرقة باختيارها فلم ترث.
وجه قول محمد: أنه إذا حلف في الصحة فقد عقد اليمين في حال لا حق لها في الإرث وأضافها إلى حالة لا يعلم تعلق حقها بالإرث، فلم يكن متهمًا فلا ترث، (وأما إذا عقد اليمين في المرض فقد عقد في حال تعلق حقها بالإرث، فكان متهمًا فورثت) (٢).
١٧٩٤ - [فَصْل: الميراث إذا أعلن الطلاق بفعل أجنبي]
فأما إذا عَلَّقَ الطلاق بفعل أجنبي أو بفعل الله تعالى، فإن كانت اليمين في الصحة والفعل في المرض لم ترث، وإن كانت اليمين في المرض ورثت، وسواء في ذلك ما للأجنبي منه بد، [وما] (٣) لا بد [له] منه، وذلك لأنه لما عَلَّقَ اليمين
стр. 2081
بهذا الشرط، فهو لا يقدر على فسخها، وقد عقدها في حال لا حق لها في الإرث، فإذا وُجد الشرط في المرض لم يكن متهمًا فلم ترث، وإن كانت اليمين في المرض، فقد عقدها مع تعلق حقها بالإرث فورثت، وإنما استوى في الأجنبي ما له منه بد، وما لا بد منه؛ لأن فعل الأجنبي لا يؤثر في إسقاط الإرث حتى يختلف بالإكراه (من غيره) (١)، فاستوى الأمران فيه، وأما فعل المرأة فله تأثير في إسقاط الإرث، فاختلف (منه) (٢) ما كان باختيارها وغير اختيارها.
١٧٩٥ - [فَصْل: تفويض الصحيح الأجنبي بالطلاق وإيقاعه في مرض الزوج]
وقد قالوا فيمن (فَوّض) (٣) طلاق امرأته إلى أجنبي في الصحة فطلَّقها في المرض، فإن كان التفويض على وجه لا يملك عزله عنه لم ترث، مثل أن يملكه الطلاق؛ وذلك لأنه عقد فلا حق لها في الإرث، وهو لا يقدر على فسخه بعد مرضه، فصار الإيقاع في المرض كالإيقاع في الصحة؛ لأنه لا تهمة فيه، وإن كان التفويض على وجه يمكنه العزل مثل أن يوكله بالطلاق فطلَّق في المرض ورثت؛ لأنه لما أمكنه [العزل] بعد مرضه فلم يعزل، صار كالمبتدئ للتوكيل في المرض بالطلاق، فترث.
١٧٩٦ - [فَصْل: قول الصحيح: أنت طالق رأس الشهر]
وقد قال أصحابنا في الصحيح إذا قال لامرأته: أنت طالق رأس الشهر فجاء رأس الشهر وهو مريض، لم ترث، وقال زفر: ترث.
стр. 2082
وجه قولهم: أنه عقد الطلاق في حال لا حق لها في الإرث، وأضافها إلى حالة لا يعلم تعلق حقها بالإرث، فلم تلحقه التهمة (فلذلك لا) (١) ترث.
وجه قول زفر: أن المطلق عند الشرط أو في الوقت كالمتكلم بالطلاق في ذلك الوقت حكمًا، فكأنّه طلقها عند رأس الشهر.
١٧٩٧ - [فَصْل: أثر الميراث إذا وقعت الفرقة في المرض]
قال: وإن وقعت الفرقة في المرض بغير فعل الزوج مثل أن يجامعها (ابنه) (٢) مكرهة أو مطاوعة، فإنها لا ترثه؛ وذلك لأن الميراث يثبت لقصد الزوج إلى الفراق، فإذا وقعت الفرقة بفعل غيره، فلم يوجد منه فراق، فلا ترث.
١٧٩٨ - [فَصْل: أثر انتهاء مدة الإيلاء أثناء المرض]
وإذا آلى منها في المرض فانقضت مدة الإيلاء (في المرض، فإنها ترثه ما دامت في العدة، فإن كان الإيلاء) في الصحة ومضت المدة في المرض، لم ترث؛ وذلك لأن تقدير المُولِيْ كأنه قال: أنت طالق بمضي أربعة أشهر [إن] لم أجامعك فيها، ومن علق الطلاق في الصحة بمضي مدة فمضت [المدة] في المرض، فإنها لا ترث، وإن عَلَّقه بمضي [مدة] (٣) في المرض، ورثت.
١٧٩٩ - [فَصْل: الميراث في حال القَذْفِ والمُلَاعَنَةِ في المرض]
وإن قذفها في المرض فلاعنها في المرض ورثت في قولهم؛ لأ سبب
стр. 2083
الفُرْقَةِ كان في حال لها حق في الإرث وهي مضطرة إلى المطالبة باللعان لتدفع الشَّين عن نفسها، فصار كأن الزوج هو الموقع للفرقة في هذه الحال، وأما إذا كان القذف في الصحة واللعان في المرض، ورثت عند أبي حنيفة [وأبي يوسف، وقال محمد: لا ترث.
لهما: أنها مُضطرة إلى المطالبة باللعان، وهو الذي اضطرها بقذفه، وفعل المُكْرَه نقل إلى المُكْرِه، فكأنه هو الموقع للفرقة في المرض.
ولمحمد:] (١) أن سبب الفرقة وجد من جهة الزوج في الصحة، فلا يُعتد بحال الوقوع لعدم التهمة.
١٨٠٠ - [فَصْل: الميراث في حال رِدَّةِ المَرْأَةِ ومَوْتِهَا]
وإذا ارتدت المرأة وهي مريضة، فلزوجها الميراث إن ماتت وهي في العدة استحسانًا، والقياس: أن لا يرثها.
وجه القياس: أن الفرقة لم تقع بفعلها؛ لأن الردة لا توجب الفرقة، وإنما تقع الفرقة باختلاف الدِّيْنَيْنِ وذلك من طريق الحكم، والفرقة إذا وقعت بغير فعل المورث لم يثبت الإرث.
وجه الاستحسان: أن الردة سبب في الفرقة، [وسبب الفرقة] إذا حصل في المرض تعلق به الإرث.
قال: وإن ارتَدَّتْ وهي صحيحة وماتت في عدتها، لم يرث الزوج؛ لأن سبب الفرقة حصل في حالة لا حَقَّ له في الإرث، فإِذا ارْتَدَّ الزوج وَرِثَتْ
стр. 2084
ما دامت في العدة؛ وذلك لأن ردة الزوج توجب القتل فحالته مخوفة فهو كالمريض، فإذا حصل سبب الفرقة بفعله ورثت.
١٨٠١ - [فَصْل: الميراث في حال اختيار المرأة نفسها أثناء أجل المريض العِنِّين]
وإذا أجَّل العِنِّين وهو مريض ومضى الأجل وهو مريض، فخيّرت المرأة فاختارت نفسها فلا ميراث لها، وذلك لأن الفرقة وقعت باختيارها، وقد كانت تقدر أن تصبر عليه، فلم يتهم الزوج في الفرقة
١٨٠٢ - [فَصْل: الميراث إن مات الزوج مريضًا بعد سنتين من الطلاق]
وقد قالوا: (فيمن طلق) (١) زوجته في مرضه ودام به المرض أكثر من سنتين، فإن جاءت بولد بعد موته بشهر، فلا ميراث لها عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لها الميراث.
وجه قولهما: أن الولد لا بد أن يكون بوطء حادث بعد الطلاق، فلا يخلو: إما أن يكون الزوج وطئها، أو غيره، فلا يجوز أن يكون الزوج وطئها؛ لأن وطئها محرم، فبقي أن يكون الواطئ غيره، فلا يخلو: إما أن يكون وطأها بنكاح، أو بشبهة، ولا يجوز أن يحمل على الشبهة؛ لأنه وطءٌ محرم، فلم يبق إلا حمل أمرها على أن عدتها [قد] انقضت، فتزوجت فلا ترث، ولهذا قال أبو حنيفة [ومحمد] (٢): أنها ترد نفقة ستة أشهر.
وأما أبو يوسف فقال: إنه يجوز أن تكون وُطِئت بشبهة، فلا يحكم بانقضاء
стр. 2085
العدة إلا بوضع الحمل فترث؛ ولهذا قال: إنها لا ترد النفقة.
١٨٠٣ - [فَصْل: فيمن قال في الصحة لزوجتيه إحداكما طالق اثنتين]
وقد قالوا: فيمن قال في صحته لأَمَتين تحته: إحداكما طالق اثنتين، فأعتقا (ثم) (١) اختار أن يوقع على إحداهما في مرضه فلا ميراث للمطلقة، ولا يملك الزوج الرجعة؛ وذلك لأنه أوقع الطلاق ولا حق لواحدة منهما في الإرث، فلم يكن متهمًا فلم يثبت لها الميراث بالبيان، ولا تثبت الرجعة؛ لأن الطلاق وقع في حال الرق، (ولأنه إذا طلق) (٢) اثنتين فلا رجعة عليها، وهذا ظاهر على قول محمد؛ لأن عنده أن الطلاق وقع بالإيقاع، وإنما يبيّن الزوج من وقع عليها الطلاق، فأما على قول أبي يوسف: فالزوج يوقع عند البيان وهي حرة، فكان ينبغي أن تثبت الرجعة.
١٨٠٤ - [فَصْل: فيمن قال في الصحة لزوجتيه -إحداهما أمة-: إحداكما طالق اثنتين]
فإن كانت إحداهما حرة فأعتق المولى الأمة ثم بيّن الزوج، فالطلاق رجعي، وللمطلقة الميراث في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد، ثم رجع أبو يوسف فقال: إذا اختار أن يوقع على التي كانت أمة، فإنها لا تحل له إلا بعد زوج ولها الميراث.
(وذكر في الزيادات هذه المسألة وقال في جوابها: لا تحل له إلا بعد زوج
стр. 2086
ولها الميراث) (١)، ولم يذكر خلافًا، والأول رواية ابن سماعة.
أما وجه قول أبي يوسف الأول، وهو صحيح على أصله في الطلاق المجهول أنه يقال [له]: أوقع، فإذا أوقع على حرة تطليقتين ورثت وتثبت الرجعة، وأما محمد فمن أصله أنه يقال له: بَيِّنْ!، فكان ينبغي أن لا تثبت الرجعة ولا الميراث إلا أنه [كان] يقول: إن الزوج متهم في بيانه؛ لجواز أن يكون أوقعها على الأخرى ثم عدل إلى هذه، فإذا اتهم في البيان ورثت، فأما الرجعة فلأنه لما جعله كالموقع في باب التهمة، صار كأنه طلق في هذه الحال.
وجه قول أبي يوسف الآخر: أنه كالموقع عنده في هذه الحال، فيثبت الميراث ولا تثبت الرجعة؛ لأنه متهم في ثبوتها لجواز أن يكون طلق الأخرى ثم عدل عنها عند البيان.
١٨٠٥ - [فَصْل: الميراث عند فوات شرط البر]
وقد قالوا في الزوج إذا قال: إن لم [أفعل] (٢) كذا فأنت طالق ثلاثًا، ولم [يفعله] (٣) حتى مات، ورثت إن كان دخل بها؛ وذلك لأن الطلاق يقع عليها عند فوات شرط البَرِّ، وذلك يكون في آخر جزء من أجزاء حياته وهو مريض في تلك الحال، فإذا كانت مدخولًا [بها] وقد مات فهي في العدة، فترث، (ولو ماتت هي لا يرث منها؛ لأنه أسقط حقه بالطلاق، ولو قال: إن لم أفعل كذا فأنت طالق) (٤)، فإن ماتت هي ورثها؛ لأن الفرقة لم تقع بينهما، ألا ترى أن بموتها لا يفوت شرط
стр. 2087
البر لجواز أن يفعل الزوج [ما حلف عليه] (١) بعد موتها، فإذا لم يفت شرط البر، لم يقع الطلاق، فورث منها (٢).
стр. 2088
بَابْ: فُرْقَة العِنِّيْن
قال أصحابنا: إذا وجدت المرأة زوجها عِنِّيْنًا (١) فلها الخيار، وقال قوم: لا خيار لها، والدليل على ما قلناه: ما روى سعيد بن المسيب (أن عمر بن الخطاب: قضى في العنين أنه يؤجل سنة، فإن قدر عليها وإلا أخذت منه الصداق كاملًا، وفرق بينهما وعليها العدة) (٢).
وعن ابن مسعود مثله، وروى الضحاك عن علي قال: يؤجل سنة، فإن وصل إليها وإلا فُرق بينهما؛ ولأنه إذا لم يطأها لم يستقر مهرها؛ لجواز أن يختصما إلى قاضٍ لا يرى استقرار المهر بالخلوة فيطلقها ويعطيها نصف المهر، والمهر بدل في العقد، فإذا لم يستقر فذلك عيب فيه فيثبت الخيار، وأما الذي روي في قصة عبد الرحمن بن الزبير فإن المرأة لم تَدّعِ العِنَّة، وإنما ذكرت معنى آخر؛ فلذلك لم يثبت لها النبي ﷺ الخيار، والذي رُوي أن امرأة رفعت زوجها إلى عَلِيّ وشكت إليه عجزه، فقال علي: ولا وقت السحر، فقالت: لا، فقال: هلكت وأهلكت ما أنا بمفرق بينكما) (٣)، وقد روينا عن علي خلاف ذلك، وقد
стр. 2089
روي أن هذه المرأة قالت له: إنه لم يكن منه إلا مرة واحدة (١).
ومن أصلنا: أنه إذا وطئها مرة واحدة فلا خيار لها (٢).
فإذا ثبت هذا قال أصحابنا: إذا رفعت المرأة زوجها وادعت أنه عنين، فإن القاضي يسأله هل وصل إليها أو لم يصل؛ لأنها ادعت عليه سبب العجز فوجب أن يعلم جواب الدعوى منه؛ لجواز أن يصدقها، فإن قال: قد وطئتها، يسألها القاضي بكر أنت أم ثيب؟ فإن قالت: ثيب، فالقول قول الزوج؛ لأن الظاهر أن من خلا بالثيب يطأها ومن شهد له الظاهر فالقول قوله، فإن قالت: إني بِكْر، نظر إليها النساء وامرأة واحدة تجزئ؛ وذلك لأن البكارة معنى لا يجوز للرجال الاطلاع عليه، فتقبل فيه شهادة النساء كالولادة، وتجزئ فيه شهادة الواحدة؛ لأن ما يقبل فيه قول النساء منفردات يقتصر فيه على الواحدة كأخبار رسول الله ﷺ ، والاثنتان أوثق؛ وذلك لأن الظن عند خبرهما أقوى من الظن عند خبر الواحدة، فإن قلن إنها ثيب، فالقول قول الزوج لما بينا، وإن قلن إنها بكر، فالقول قولها؛ لأنه لو وصل إليها لزالت البكارة، فإذا ثبت أنه لم يصل إليها إما بإقراره أو بظهور البكارة أَجّلَه القاضي حَوْلًا (٣).
وروي عن عبد الله بن نوفل أنه قال: عشرة أشهر (٤)، وقد اختلف في كونه صحابيًّا أو تابعيًّا (٥)، والدليل على ما قلناه ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود:
стр. 2090
أن العنين يؤجل سنة ولأن تعذر الوطء يجوز أن يكون له عوارض تزول باختلاف الفصول، وإنما تستكمل الفصول في سنة فلذلك اعتبرت، وهذا المعنى لا يوجد فيما دونها، وقد قال أصحابنا: إنه يؤجل سنة شمسية؛ لأن الفصول تكتمل فيها، فيجوز أن يزول [الداء] الذي به في قدر ما بين القمرية والشمسية، وأول السنة حين يترافعان، ولا يحتسب على الزوج ما قبل ذلك؛ لما روي أن عمر كتب إلى شُرَيْح أن يؤجل العنين سنة من يوم يرتفع إليه، ولأن امتناعه من الوطء قبل التأجيل يجوز أن يكون للعجز، ويجوز أن يكون لكراهتها، فإذا أجل خشي العار فوطئها؛ [فلذلك] (١) لا يحتسب بما قبل التأجيل، فإذا ارتفعا إليه بعد الحول وادَّعَتْ أنه لم يصل، سأله القاضي عن ذلك، فإن قال: قد وطئتها وهي ثيب فالقول قوله، فإن كانت بكرًا نظر إليها النساء، فإن قلن إنها بكر فالقول قولها، وإن قلن إنها ثيب فالقول قول الزوج، فإذا ثبت أنه لم يطأها إما باعترافه أو بظهور البكارة، فإن القاضي يخيّرها؛ لأن العيب قد استقر فهي بالخيار: بين الرضا بالبدل المعيب، وبين الفسخ.
قال: فإن اختارت المقام معه بطل حقها، ولم يكن لها خصومة أبدًا في هذا النكاح؛ لأنها رضيت بالعقد مع العيب فسقط خيارها كالمشتري (٢)، وإن اختارت الفرقة فرق القاضي بينهما؛ لأن هذه الفرقة يختص سببها بالحاكم فوقف وقوعها عليه، وتكون تطليقة؛ لأنها فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج طارئ على النكاح يختص به، وإنما يقوم القاضي مقامه في ذلك، وتكون بائنة؛ لأن القاضي يفرق ليخلصها من زوج لا يستقر مهرها معه، فإذا جعلنا الفرقة رجعية راجعها
стр. 2091
فاحتاج القاضي إلى التفريق ثانيًا وهذا لا يصح، ولها المهر كاملًا؛ لأن الخلوة قد وجدت والمهر يستقر بها عندنا، وعليها العدة لأنه وجب [لهما] كمال المهر، كالمدخول بها.
١٨٠٦ - [فَصْل: الوطء الواحد يستقر به المهر]
فإن كان وصل (١) إليها مرة واحدة فهي زوجته ولا حق لها عليه بعد ذلك؛ لأن الخيار يثبت لعدم استقرار المهر، والوطء الواحد يستقر به المهر، فلا يعتبر ما زاد عليه.
١٨٠٧ - [فَصْل: خيار المرأة تحت العنين]
قال ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: إذا خَيَّرها الحاكم فأقامت معه، أو قامت من مجلسها قبل أن تختار، أو قام الحاكم، أو أقامها عن مجلسها بعض أعوان القاضي ولم تقل شيئًا، فلا خيار لها؛ وذلك لأن تخيير القاضي قائم مقام تخيير الزوج، ومعلوم أن المُخَيّرة يبطل خيارها بقيامها، فكذلك هذه، وأما إذا أقيمت فقد كانت تقدر على الاختيار قبل أن تقام فلما أمسكت دل على الرضا.
١٨٠٨ - [فَصْل: إقامة المرأة مع العنين بعد مضي الأجل]
ولو أقامت معه بعد مضي الأجل مطاوعة له في المضاجعة وغير ذلك، لم يكن هذا رضا؛ وذلك لأنها قد تقيم معه بعد المدة اختبارًا لحاله، فلا يدل ذلك على الرضا، فإن قالت: قد رضيت، بطل خيارها لأن هذا إسقاط للخيار من طريق القول، والخيار ثبت لحقها فيسقط بإسقاطها.
стр. 2092
١٨٠٩ - [فَصْل: احتساب الأيام المانعة من السنة المقدرة]
وقال أصحابنا: إذا أُجّل العنين سنة، فأيام الحيض وشهر رمضان محتسبة عليه، ولا يجعل له مكانها؛ وذلك لأن عمر أجل العنين سنة، وقد علم أن السنة لا تخلو من شهر رمضان ومن زمان الحيض، فلو لم يعتد بذلك لأجله أكثر من سنة.
وقال ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: إذا مرض في المدة مرضًا لا يستطيع معه الجماع أو مرضت هي، فإن كان المرض أقل من نصف شهر احتسب به عليه، وإن كان أكثر من نصف شهر لم يحتسب عليه بهذه الأيام وكذلك الغَيْبَة.
وروى ابن سماعة عنه رواية أخرى فقال: إذا صَحَّ في السنة يومًا أو يومين، أو صَحَّت هي احتسبت عليه بالسنة، وإن مرض السنة كلها استأنف سنة أخرى.
وجه الرواية الأولى وهي الصحيحة: أنه قد ثبت أن شهر رمضان يحتسب عليه وهو يقدر على الوطء في ليله دون نهاره، فثبت أن المانع إذا كان نصف شهر اعتد به [عليه]، وكل مانع بلغ هذا القدر فهو مقيس عليه، وما زاد على ذلك عوض عنه؛ لأنه في حكم الكثير.
وجه الرواية الأخرى: أنه قد صَحَّ زمانًا يمكن الوطء فيه فإذا لم يطأها صار كأنه صَحٌ جميع السنة، وليس كذلك إذا مرض جميع السنة؛ لأنه لم يصح في زمان يمكن الوطء فيه، فلم يعتد بالسنة في حقه.
وروى ابن سماعة عن محمد: إذا مرض شهرًا أُجِّل مكانه؛ وذلك لأن الشهر في حكم الكثير، وما دونه في حكم القليل، فصار كأيام الحيض.
وقال أبو يوسف: إن حَجَّتْ حجَّة الإسلام لم يحتسب على الزوج مدة
стр. 2093
الحج؛ لأنه لا يقدر على منعها فلم يتمكن من الوطء فيها، وإن حج هو احتسب عليه؛ لأنه يقدر على إخراجها معه أو تأخير الحج.
وقال محمد: إن خاصمته وهو مُحْرِم أجل سنة بعد الإحلال؛ وذلك لأنه لا يتمكن من الوطء مع الإحْرَام، فوجب أن يبتدئ مدته من وقت يمكنه الوطء فيه، فإن خاصمته وهو مظاهر فإن كان يقدر على العتق أجله سنة من حين الخصومة؛ لأنه يقدر على تقديم العتق والوطء، وإن كان لا يقدر على ذلك أجّله أربعة عشر شهرًا؛ لأنه يحتاج إلى الصوم في شهرين ثم يمكنه الوطء بعدها.
قال: فإن أجله سنة وليس بمظاهر ثم ظاهر في السنة، لم يزده على المدة شيئًا؛ وذلك لأنه كان يقدر على ترك الظِّهَار، فلما ظاهر فقد أدخل نفسه في ذلك، فلم يجز إسقاط حق المرأة باختياره.
١٨١٠ - [فَصْل: في تأثير وصول العِنِّيْنِ إلى غير زَوْجَتِه]
قال: وإذا أُجِّلَ العنين فوصل إلى غير امرأته التي أجل لها، أو كان يصل إلى غيرها قبل أن ترافعه، أجَّلَه القاضي، ولا يبطل الأجل بوصوله إلى غيرها؛ لأن التأجيل إنما يثبت ليطأها فيستقر مهرها، ووطء غيرها لا يستقر به مهرها، فلا معنى لاعتباره.
١٨١١ - [فَصْل: مرافعة المرأة زوجها المجبوب]
فإن رافعت زوجها وهو مجبوب (١)، خَيَّرها القاضي في الحال ولم يؤجله
стр. 2094
لأن العلم بعجزه عن الوطء في الحال أكثر من العلم بعجز العنين (بعد) (١) الحول، فإذا كان التفريق واجبًا [هناك] بعد الحَوْل؛ فلأن يجب هاهنا في الحال أولى، وإن كان خصيًّا أجل؛ لأنه يرجى منه الوطء، فهو كالعنين.
١٨١٢ - [فَصْل: الخيار لمن علمت أن الزوج عنين]
وإذا تزوجت المرأة وهي تعلم أنه عنين فلا خيار لها؛ لأنها عقدت مع العلم بالعيب، فإن تزوجت وهي لا تعلم فوصل إليها مرة ثم عنَّ ففارقته، ثم تزوجته بعد ذلك، فلم يصل إليها فلها الخيار؛ وذلك لأن العجز لم يتحقق فلم تكن راضية بالعيب، والدخول في أحد العقدين لا يؤثر في أحكام العقد الآخر، فثبت لها الخيار.
قال: فإن أجله القاضي فلم يصل [إليها] ففرق بينهما، ثم تزوجها، فلا خيار لها؛ لأنها تزوجت بعد استقرار العيب والعلم به.
١٨١٣ - [فَصْل: أثر اتفاق عيوب الزوجين في الأجل]
وإذا كانت المرأة رتقاء (٢) وكان زوجها عنينًا لم يؤجله الحاكم؛ وذلك لأن المرأة لا حق لها في الوطء؛ لأن المانع من الوطء موجود فيها فلا معنى لتخييرها.
١٨١٤ - [فَصْل: وجود العيوب في الزوجين]
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن العيوب الموجودة بالزوج لا توجب الخيار
стр. 2095
إلا الجَبَّ والعِنَّة، وقال محمد: والجنون والجذام وكل عيب لا يمكنها المقام معه إلا بضرر [يثبت الخيار].
وقال الشافعي: يفسخ النكاح بخمسة عيوب في الزوج: الجَبّ، والعِنَّة، والجُنون، والجُذام، والْبَرَص، وبخمسة عيوب في المرأة: الجنون، والجذام، والبرص، والرتق، والقرن (١).
لنا: أنه عيب بالمرأة فلا يثبت الخيار به كالعمى وسائر الأمراض، ولأن كل عقد يفسخ بالعيوب الخمسة، يفسخ بما زاد عليها كالبيع، وما لا يفسخ بغيرها لا يفسخ بها كالعفو عن دم العمد.
وأما وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: فلأنها عيوب بالزوج فلا يثبت [لها] الخيار بوجودها كسائر العيوب، ولا يلزم الجب والعنة؛ لأن الخيار يثبت فيها لنقصان المهر لا لعيب الزوج.
وجه قول محمد: أن المرأة يلحقها ضرر بالمقام مع المجنون أكثر مما يلحقها بالمقام مع العنين، فإذا ثبت لها الخيار في العنة فهاهنا أولى.
١٨١٥ - [فَصْل: حمل المرأة بعد الفرقة بالعنة]
وإذا فَرَّق الحاكم بالعِنَّةِ فاعتدت المرأة، ثم جاءت بولد ما بينها وبين سنتين لزمه الولد، فإن قال: كنت قد وصلت إليها، فإن أبا يوسف قال: يبطل الحاكم الفرقة؛ وذلك لأن شهادة ثبوت النسب على الدخول [آكد] (٢) من شهادة
стр. 2096
شاهدين، ولو فرق بينهما فشهد شاهدان بالدخول أبطل الفرقة، كذلك هذا.
قال: ولو فرق بينها وبين المجبوب فجاءت بولد، ثبت نسبه ولم تبطل الفرقة؛ لأن ثبوت النسب في المجبوب لا يدل على الدخول، وإنما [يقذف] (١) المجبوب بالماء، فإذا لم يثبت الدخول لم تبطل الفرقة.
١٨١٦ - [فَصْل: ثبوت إبطال حكم الفرقة]
فإن فرق بالعنة فأقام البينة على إقرار المرأة قبل الفرقة أنه قد وصل إليها، أبطل الفرقة؛ لأن الشهادة على إقرارها كإقرارها عند الحاكم، ولو كانت أقرت قبل التفريق لم يثبت حكم الفرقة، فكذلك إذا شهدوا عليها، فإن أقرت بعد الفرقة أنه كان وصل إليها، لم تبطل الفرقة؛ لأنها غير مصدقة على إبطال حكم الحاكم.
١٨١٧ - : [فَصْل: التمديد في أجل العنين]
وإذا مضى أجل العنين، فسأل القاضي أن يؤجله سنة أخرى، لم يفعل إلا برضا المرأة؛ لأن العيب قد استقر وثبت حق التفريق، وفي التأجيل إسقاط حقها، فوقف على اختيارها.
١٨١٨ - [فَصْل: فرقة العنين طلاق]
وإذا كان الزوج صغيرًا لا يجامع، ولم تعلم المرأة ثم طالبت، لم يؤجل؛ وذلك لأن فرقة العنين طلاق، والصبي لا يملك الطلاق، ولأن له زمانًا يرجى فيه الوطء في العادة، فلم يتقرر العجز قبله، وقد قالوا في المجنون يزوجه أبوه فلا يصل إليها: إنه لا يؤجل؛ لأن فرقة العنين طلاق والمجنون لا طلاق له.
стр. 2097
١٨١٩ - [فَصْل: الخيار في كون زوج الأمة عنينًا]
وإذا كان زوج الأمة عِنِّيْنًا، فالخيار في ذلك إلى المولى عند أبي يوسف، وقال زفر: الخيار إلى الأمة، وذكر أبو الحسن في الجامع: أن الحسن روى عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف.
والوجه في ذلك: أن الخيار إنما يثبت للعيب الذي بالبدل، والبدل حق للمولى، فوجب أن يرجع إلى اختياره في ذلك (١).
وجه قول زفر: أن الخيار يثبت لفقد الاستمتاع وذلك حق الأمة، فكان الخيار إليها كالحرة.
١٨٢٠ - [فَصْل: القَسْم بين النساء]
قال الشيخ ﵀: وذكر محمد في كتاب النكاح: أن امرأة رفعت زوجها إلى عمر، وذكرت أنه يصوم النهار ويقوم الليل، فقال عمر لكعب ابن سور: أحكم بينهما، فقال: أراها إحدى نسائه الأربعة، يفطر لها يومًا ويصوم ثلاثة أيام، فولاه عمر قضاء البصرة (٢)، ولم يذكر محمد أنه [كان] يأخذ بهذا، وكان أبو بكر الرازي يقول: ليس هذا مذهبنا؛ لأن المزاحمة في القسم إنما تحصل لمشاركة الزوجات، فإذا لم يكن له زوجة غيرها لم يقسم لها، قال: وإنما يقال له لا تداوم الصوم ووَفِّ المرأة حقها.
وذكر الحسن عن أبي حنيفة قال: فإذا تشاغل الرجل عن زوجته بالصيام
стр. 2098
والصلاة، أو بأمة اشتراها، قسم لامرأته من [كل] أربعة أيام يومًا، ومن كل أربع ليالٍ ليلة، وقيل له: تشاغل ثلاثة أيام وثلاثة ليالٍ بالصوم والأمة.
وهذا يدل على ما حكاه محمد [من] مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ووجهه:
أن الرجل له حق في إسقاط حقها عن ثلاثة أيام، والاقتصار بها على يوم واحد، فكان بالخيار: إن شاء صرف ذلك إلى الزوجات، وإن شاء صرفه إلى الصوم (١).
стр. 2099
[٤٦] بَابْ اللِّعَان
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فكان موجب القذف في الأجنبيات والزوجات الحَدّ، ثم نقل في الزوجات، فجعل مُوجب قذفهن اللعان (١)، وبقي مَنْ سواهن على الأصل، فموجب قذف الأجنبي الحد، وموجب قذف الزوجة اللعان، وقال الشافعي: موجب قذف الزوجة الحد، وإنما يُسْقِط الزوج عن نفسه باللعان (٢).
والدليل على أن موجب القذف في الأصل كان الحد: ما روي عن ابن مسعود قال: كنا جلوسًا في المسجد ليلة الجمعة، فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله أرأيتم الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن قتله قتلتموه، وإن تكلم به جلدتموه، وإن أمسك أمسك على غيظ، ثم جعل يقول: "اللهم افتح"، فنزلت آية اللعان (٣).
وهذا يدل على أن موجب قذف الزوجة كان الحد، ولهذا قال النبي ﷺ لهلال بن أمية: "ائتيني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك" (٤)، وروي أن هلال
стр. 2100
بن أمية لما قذف زوجته قال أصحاب النبي ﷺ : الآن يجلد هلال بن أمية وتبطل شهادته في المسلمين؛ وهذا يدل على أن موجب القذف كان الحد، ثم نسخ في ذلك في الزوجات بآية اللعان، والدليل على أن موجب قذف الزوج اللعان قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وظاهر هذا يقتضي أنه بيان جميع الحكم المتعلق بقذف الزوج؛ ولأن قذفه لو أوجب الحد لم يملك إسقاطه عن نفسه بشهادته كقاذف الأجنبي (١).
١٨٢١ - [فَصْل: ممن يجب عليهم اللعان]
واللعان لا يجب عندنا إلا إذا كان الزوج من أهل الشهادة على المسلمين، وكانت الزوجة ممن يحد قاذفها ولم تكن محدودة في قذف، وقال الشافعي: كل زوج صَحَّ طلاقه صَحَّ لِعانه (٢)، والدليل على صحة ما قلناه ما روي أنه ﷺ قال: "أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم لا لعان بين المسلم والكافرة، والعبد والحرة، والحر والأمة، والكافر والمسلمة" (٣)؛ ولأنه لفظ شهادة يختص بحضرة الحاكم فلم يصح من العبد كالشهادة بالحقوق، ولأن الأمة والكافرة لا يحد قاذفها، فلا يثبت اللعان بينهما وبين أزواجهما كالصغيرة، ولأن اللعان يوجب قذف الزوج كما أن الحد موجب قذف الأجنبية، فإذا لم يجب على قاذف الأمة والكافرة الحد لم يجب اللعان؛ ولهذا المعنى قال أصحابنا: إن الأخرس إذا قذف زوجته فلا لعان بينهما، خلاف ما قال الشافعي، والدليل عليه أنه يأتي
стр. 2101
بمعنى القذف، فصار كالقاذف بالكناية؛ ولأنه لا يأتي بلفظ الشهادة فصار كالناطق إذا قال: أحلف أني من الصادقين، وقد ألزم أصحاب الشافعي هذا وقالوا: إن اللعان لا يقف على لفظ الشهادة، وهذا خلاف نص القرآن (١).
١٨٢٢ - [فَصْل: شروط اللعان]
قال أبو الحسن: واللعان عند أصحابنا جميعًا لا يكون إلا بين الزوجين الحرين البالغين العاقلين غير المحدودين في قذف.
أما اعتبار الزوجية: فلأن الله تعالى خَصَّ اللعان بالأزواج، وجعل موجب قذف غير الأزواج الحَدَّ، ولهذا قال أصحابنا: إن من تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا ثم قذفها فلا يلا عنها، وقال الشافعي: يلا عنها إذا كان القذف بولد (٢).
لنا: أنه قذف لم يصادف الفراش أو لم يصادف الزوجية كقذف الأجنبي؛ ولأن الموطوءة بنكاح فاسد لا يجب على قاذفها الحد، فلا يجب عليه اللعان كقاذف الصغيرة.
وأما اعتبار الحرية [فللخبر] (٣): ولأن العبد والأمة ليسا من أهل الشهادة، وقد بينا أن اللعان يختص بمن كان من أهل الشهادة، ولأن الأمة لو قذفها أجنبي لم يحد، فكذلك إذا قذفها زوجها لم يلاعن.
وأما اعتبار البلوغ: فلأن الصبي لا يَصِحُّ قذفه، ألا ترى أن القذف قول، وأقوال الصبي لا يتعلق بها حكم، وكذلك الصغيرة لا يكون منها الزنا، فبقذفها
стр. 2102
لا يلحق بها شَينٌ، وأما العاقلان: فلأن الزوج المجنون لا قذفه؛ لأن أقواله يصح لا يتعلق بها حكم، وأما المجنونة فلا يكون منها الزنا، فهي كالصغيرة.
وأما اعتبار نفي حد القذف: فلأن الزوج المحدود ليس من أهل الشهادة فلا يلاعن، وكذلك الزوجة المحدودة ليست من أهل الشهادة، واللعان عندنا شهادة.
وقد ترك أبو الحسن شرط الإسلام، وهو [عندنا] شرط في اللعان، وقال الشافعي: ليس بشرط (١).
والدليل عليه: أن المرأة الكافرة لا يجب بقذفها الحد، فلا يجب بقذفها لعان كالصغيرة، فأما الزوج الكافر إذا قذف الزوجة المسلمة فلا لعان عليه؛ لأنَّه ليس من أهل الشهادة على المسلمين، وإنما يتصور ذلك في الكافر إذا أسلمت امرأته فلم يعرض عليه الإسلام حتى قذفها، فيحد عندنا (٢).
١٨٢٣ - : [فَصْل: بطلان اللعان بين الزوجين]
قال أبو الحسن: ويبطل اللعان بين الزوجين من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون المرأة ممن لا حَدَّ على قاذفها لو كان أجنبيًا، وهذا صحيح؛ لأن اللعان موجب (القذف في الزوج)، كما أن الحد موجب (القذف في الأجنبي) (٣)، فأحدهما معتبر بالآخر.
قال: أو يكون الزوج ممَّن لا حد عليه لو قذف أجنبيًا، وهذا يعني به الصغير
стр. 2103
والمجنون وقد بيناه، قال: وإذا أسقط من هذا الوجه فلا حَد ولا لعانَ؛ وذلك لأن قذف المجنون والصبي ليس بقذف صحيح، فلا يثبت له موجب.
وقد قال أصحابنا: إن اللعان إذا سقط بمعنى من جهة الزوج، وجب عليه الحَد كما لو أكذب نفسه، وهذا إذا كان القذف [قذفًا] صحيحًا، وإن سقط اللعان بمعنى من جهة المرأة، لم يجب على الزوج حدّ ولا لعان مثل أن تصدقه، وإن سقط بمعنى من طريق الحكم لم يجب حدّ ولا لعان مثل أن يطلقها ثلاثًا، وقد ذكر أبو الحسن تفسير ما بيناه من الجمل، وإذا اعتبرت ما ذكرناه جري عليها، فإذا كانت المرأة حرة عفيفة والزوج كافرًا أو عبدًا أو محدودًا في قذف فعليه الحد؛ لأن قذفه قذف صحيح، وقد سقط اللعان بمعنى من جهته: وهو أنه على صفة لا يصحُّ منه اللعان، ومتى كان الزوجُ ممن لا يصح قذفه مثل الصبي والمجنون، والزوجةُ ممن [لا] يجب الحدّ على قاذفها، فلا حدّ ولا لعان؛ لأن قذفه لم يصح، والحكم إنما يتعلق بعد صحة القذف، وإن كان الزوج حرًا مسلمًا عاقلًا غير محدود في قذف، والزوجة كافرة، أو أمة، أو صغيرة، أو مجنونة، أو زانية، فلا حد على الزوج ولا لعان؛ لأن قذفها ليس بقذف صحيح، ألا ترى أن أجنبيًا لو قذفها لم يحدّ، وأما إذا كانت حرة مسلمة عفيفة إلا أنها محدودة في قذف، فلا حدّ ولا لعان؛ وذلك لأن القذف قذف صحيح وإنما سقط اللعان بمعنى من جهتها، وهو أنها ليست من أهل الشهادة، فلا يجب اللعان ولا الحدّ كما لو صدقته، وأما إذا كان كل واحد من الزوجين محدودًا في قذف، فقذفها فعليه الحدّ؛ وذلك لأن اللعان سقط لمعنى في الزوج، ولا يقال إنه سقط لمعنى في المرأة، ألا ترى أن الزوج لو كان غير محدود لم يلاعن؛ لأن القذف الصحيح إنما يؤثر في حكمه صفات المرأة إذا كان الزوج من أهل اللعان، فإذا لم يكن
стр. 2104
فالمانع ما وُجِد فيه، وإن حصل فيها ما يمنع اللعان.
قال الشيخ: وقد قالوا في المرأة إذا وطئت بشبهة، ثم قذفها قاذف لم يجب عليه الحدّ، وإن قذفها زوجها لم يجب عليه لعان، وروي عن أبي يوسف أنه رجع فقال: يجب بقذفها الحدّ واللعان.
وجه قولهما: أنها تشبه الزانية؛ لأنها وطئت في غير ملك، فصار ذلك شبهة في سقوط الحد عن قاذفها؛ لأن الوطء في غير ملك يوجب الحد عليها، وإنما أسقطناه للشبهة، وما كان شبهة في إسقاط الحد عن واحد لم يكن سببًا في إيجاب الحدّ على غيره.
وجه قول أبي يوسف: أنه وطءٌ يتعلق به ثبوت النسب والمهر، فصار كالواطئ في النكاح (١).
١٨٢٤ - [فَصْل: في صفة اللعان]
وصفة اللعان إذا قذفها بغير ولد - كما قال الله تعالى في كتابه (٢) -: يقوم الزوج فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما [رماها] (٣) به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ثم تقوم المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا (٤).
стр. 2105
فأما ما شرط من القيام فليس بشرط، وقد قال أبو الحسن في روايته عن أبي حنيفة: لا يضره قائمًا لَاعَنَ أو قاعدًا؛ وذلك لأن اللِّعَان إما أن يكون شهادة أو يمينًا، وأيهما كان لم يجب فيه القيام، وإنما ذكر أبو الحسن القيام؛ لأنَّه [أشهر] (١) وأبلغ، فأما قوله (فيما رميتها به من الزنا)، فقد ذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنه يحتاج إلى لفظ المواجهة فيقول: فيما رميتكِ، وهذا قول زفر، وقال: لا يجوز أن يأتي بلفظ الكناية.
فوجه ما ذكره أبو الحسن: أنه إذا قال: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به وأشار إليها، فالإشارة آكد في التعريف من اللفظ، فلا فرق بين أن يأتي معها بلفظ كناية أو مواجهة.
وجه رواية الحسن: أن خطاب المواجهة لا احتمال فيه، وخطاب الكناية فيه احتمال، فكان ما لا احتمال فيه أولى.
١٨٢٥ - [فَصْل: وقوع الفرقة باللعان]
وإذا تم اللعان بينهما لم تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما، وقال زفر: تقع الفرقة بلعانها (٢)، وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الزوج (٣).
والدليل على ما قلناه: ما روي في قصة سهل بن [سعد] (٤): (أن النبي ﷺ لا عن بينه وبين زوجته، قال: كذبتُ عليها إن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا)، قال