بمعنى القذف، فصار كالقاذف بالكناية؛ ولأنه لا يأتي بلفظ الشهادة فصار كالناطق إذا قال: أحلف أني من الصادقين، وقد ألزم أصحاب الشافعي هذا وقالوا: إن اللعان لا يقف على لفظ الشهادة، وهذا خلاف نص القرآن (١).
١٨٢٢ - [فَصْل: شروط اللعان]
قال أبو الحسن: واللعان عند أصحابنا جميعًا لا يكون إلا بين الزوجين الحرين البالغين العاقلين غير المحدودين في قذف.
أما اعتبار الزوجية: فلأن الله تعالى خَصَّ اللعان بالأزواج، وجعل موجب قذف غير الأزواج الحَدَّ، ولهذا قال أصحابنا: إن من تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا ثم قذفها فلا يلا عنها، وقال الشافعي: يلا عنها إذا كان القذف بولد (٢).
لنا: أنه قذف لم يصادف الفراش أو لم يصادف الزوجية كقذف الأجنبي؛ ولأن الموطوءة بنكاح فاسد لا يجب على قاذفها الحد، فلا يجب عليه اللعان كقاذف الصغيرة.
وأما اعتبار الحرية [فللخبر] (٣): ولأن العبد والأمة ليسا من أهل الشهادة، وقد بينا أن اللعان يختص بمن كان من أهل الشهادة، ولأن الأمة لو قذفها أجنبي لم يحد، فكذلك إذا قذفها زوجها لم يلاعن.
وأما اعتبار البلوغ: فلأن الصبي لا يَصِحُّ قذفه، ألا ترى أن القذف قول، وأقوال الصبي لا يتعلق بها حكم، وكذلك الصغيرة لا يكون منها الزنا، فبقذفها
стр. 2102
لا يلحق بها شَينٌ، وأما العاقلان: فلأن الزوج المجنون لا قذفه؛ لأن أقواله يصح لا يتعلق بها حكم، وأما المجنونة فلا يكون منها الزنا، فهي كالصغيرة.
وأما اعتبار نفي حد القذف: فلأن الزوج المحدود ليس من أهل الشهادة فلا يلاعن، وكذلك الزوجة المحدودة ليست من أهل الشهادة، واللعان عندنا شهادة.
وقد ترك أبو الحسن شرط الإسلام، وهو [عندنا] شرط في اللعان، وقال الشافعي: ليس بشرط (١).
والدليل عليه: أن المرأة الكافرة لا يجب بقذفها الحد، فلا يجب بقذفها لعان كالصغيرة، فأما الزوج الكافر إذا قذف الزوجة المسلمة فلا لعان عليه؛ لأنَّه ليس من أهل الشهادة على المسلمين، وإنما يتصور ذلك في الكافر إذا أسلمت امرأته فلم يعرض عليه الإسلام حتى قذفها، فيحد عندنا (٢).
١٨٢٣ - : [فَصْل: بطلان اللعان بين الزوجين]
قال أبو الحسن: ويبطل اللعان بين الزوجين من أحد وجهين:
أحدهما: أن تكون المرأة ممن لا حَدَّ على قاذفها لو كان أجنبيًا، وهذا صحيح؛ لأن اللعان موجب (القذف في الزوج)، كما أن الحد موجب (القذف في الأجنبي) (٣)، فأحدهما معتبر بالآخر.
قال: أو يكون الزوج ممَّن لا حد عليه لو قذف أجنبيًا، وهذا يعني به الصغير
стр. 2103
والمجنون وقد بيناه، قال: وإذا أسقط من هذا الوجه فلا حَد ولا لعانَ؛ وذلك لأن قذف المجنون والصبي ليس بقذف صحيح، فلا يثبت له موجب.
وقد قال أصحابنا: إن اللعان إذا سقط بمعنى من جهة الزوج، وجب عليه الحَد كما لو أكذب نفسه، وهذا إذا كان القذف [قذفًا] صحيحًا، وإن سقط اللعان بمعنى من جهة المرأة، لم يجب على الزوج حدّ ولا لعان مثل أن تصدقه، وإن سقط بمعنى من طريق الحكم لم يجب حدّ ولا لعان مثل أن يطلقها ثلاثًا، وقد ذكر أبو الحسن تفسير ما بيناه من الجمل، وإذا اعتبرت ما ذكرناه جري عليها، فإذا كانت المرأة حرة عفيفة والزوج كافرًا أو عبدًا أو محدودًا في قذف فعليه الحد؛ لأن قذفه قذف صحيح، وقد سقط اللعان بمعنى من جهته: وهو أنه على صفة لا يصحُّ منه اللعان، ومتى كان الزوجُ ممن لا يصح قذفه مثل الصبي والمجنون، والزوجةُ ممن [لا] يجب الحدّ على قاذفها، فلا حدّ ولا لعان؛ لأن قذفه لم يصح، والحكم إنما يتعلق بعد صحة القذف، وإن كان الزوج حرًا مسلمًا عاقلًا غير محدود في قذف، والزوجة كافرة، أو أمة، أو صغيرة، أو مجنونة، أو زانية، فلا حد على الزوج ولا لعان؛ لأن قذفها ليس بقذف صحيح، ألا ترى أن أجنبيًا لو قذفها لم يحدّ، وأما إذا كانت حرة مسلمة عفيفة إلا أنها محدودة في قذف، فلا حدّ ولا لعان؛ وذلك لأن القذف قذف صحيح وإنما سقط اللعان بمعنى من جهتها، وهو أنها ليست من أهل الشهادة، فلا يجب اللعان ولا الحدّ كما لو صدقته، وأما إذا كان كل واحد من الزوجين محدودًا في قذف، فقذفها فعليه الحدّ؛ وذلك لأن اللعان سقط لمعنى في الزوج، ولا يقال إنه سقط لمعنى في المرأة، ألا ترى أن الزوج لو كان غير محدود لم يلاعن؛ لأن القذف الصحيح إنما يؤثر في حكمه صفات المرأة إذا كان الزوج من أهل اللعان، فإذا لم يكن
стр. 2104
فالمانع ما وُجِد فيه، وإن حصل فيها ما يمنع اللعان.
قال الشيخ: وقد قالوا في المرأة إذا وطئت بشبهة، ثم قذفها قاذف لم يجب عليه الحدّ، وإن قذفها زوجها لم يجب عليه لعان، وروي عن أبي يوسف أنه رجع فقال: يجب بقذفها الحدّ واللعان.
وجه قولهما: أنها تشبه الزانية؛ لأنها وطئت في غير ملك، فصار ذلك شبهة في سقوط الحد عن قاذفها؛ لأن الوطء في غير ملك يوجب الحد عليها، وإنما أسقطناه للشبهة، وما كان شبهة في إسقاط الحد عن واحد لم يكن سببًا في إيجاب الحدّ على غيره.
وجه قول أبي يوسف: أنه وطءٌ يتعلق به ثبوت النسب والمهر، فصار كالواطئ في النكاح (١).
١٨٢٤ - [فَصْل: في صفة اللعان]
وصفة اللعان إذا قذفها بغير ولد - كما قال الله تعالى في كتابه (٢) -: يقوم الزوج فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فيما [رماها] (٣) به من الزنا، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، ثم تقوم المرأة فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا (٤).
стр. 2105
فأما ما شرط من القيام فليس بشرط، وقد قال أبو الحسن في روايته عن أبي حنيفة: لا يضره قائمًا لَاعَنَ أو قاعدًا؛ وذلك لأن اللِّعَان إما أن يكون شهادة أو يمينًا، وأيهما كان لم يجب فيه القيام، وإنما ذكر أبو الحسن القيام؛ لأنَّه [أشهر] (١) وأبلغ، فأما قوله (فيما رميتها به من الزنا)، فقد ذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنه يحتاج إلى لفظ المواجهة فيقول: فيما رميتكِ، وهذا قول زفر، وقال: لا يجوز أن يأتي بلفظ الكناية.
فوجه ما ذكره أبو الحسن: أنه إذا قال: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به وأشار إليها، فالإشارة آكد في التعريف من اللفظ، فلا فرق بين أن يأتي معها بلفظ كناية أو مواجهة.
وجه رواية الحسن: أن خطاب المواجهة لا احتمال فيه، وخطاب الكناية فيه احتمال، فكان ما لا احتمال فيه أولى.
١٨٢٥ - [فَصْل: وقوع الفرقة باللعان]
وإذا تم اللعان بينهما لم تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما، وقال زفر: تقع الفرقة بلعانها (٢)، وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الزوج (٣).
والدليل على ما قلناه: ما روي في قصة سهل بن [سعد] (٤): (أن النبي ﷺ لا عن بينه وبين زوجته، قال: كذبتُ عليها إن أمسكتها فهي طالق ثلاثًا)، قال
стр. 2106
الراوي: ففارقها قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بفراقها، فأمضى عليه ذلك وصارت سنة المتلاعنين (١)؛ ولو كانت الفرقة وقعت بلعان الزوج أو بلعانهما، لم يقع الطلاق ولا أمضاه رسول الله ﷺ ، ولَبَيَّن له بطلان اعتقاده في أن الطلاق لا يقع، ولأنه [تحالف بين] (٢) المتعاقدين في حكم اختلفا فيه، فلا ينفسخ العقد باليمين [كالمتحالفين] (٣) في البيع.
وجه قول زفر: قوله ﵇: "المتلاعنان لا يجتمعان" (٤) وهذا يمنع بقاء النكاح بعد اللعان (٥).
١٨٢٦ - [فَصْل: فرقة اللعان تطليقة]
قال أبو حنيفة ومحمد فرقة اللعان تطليقة بائنة، وقال زفر وأبو يوسف والحسن: هي فرقة بغير طلاق توجب تحريمًا مؤبدًا (٦).
وجه قولهما: أنها فرقة تتعلق بسبب من جهة الزوج [طارئ] (٧) على النكاح مختص به، فصار كقوله: أنت طالق، ولأنها فرقة يختص سببها بالحاكم، فكانت طلاقًا كفرقة العنين (٨)، والدليل على أنها لا توجب تحريمًا مؤبدًا: أنها فرقة
стр. 2107
وقعت بحكم قول الزوج، فصارت كفرقة الخيار.
وجه قول أبي يوسف قوله ﵇: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا"، والجواب أن حقيقة المتلاعنين هما المتشاغلان بالفعل (كالمتقاتلين والمتضاربين) (١)، فإذا انقضى الفعل كان الاسم مجازًا فيهما، فلا يحمل اللفظ عليه إلا بدليل، ولأن [المتلاعن] (٢) من بقي على حكم اللعان، فإذا [أكذب] (٣) الزوج نفسه فلم يبق على حكم اللعان، فلا يتناوله الخبر.
١٨٢٧ - [فَصْل: اجتماع الزوجين بعد اللعان]
قال: وإذا فرق الحاكم بينهما فصارت المرأة في حال لا يحدّ قاذفها، أو أكذب الزوج نفسه فضرب الحدّ، وذلك بعد الفرقة فله أن يتزوجها، وقال أبو يوسف وزفر: لا يجتمعان أبدًا، وبه قال الشافعي (٤).
وجملة هذا: أن تحريم الاجتماع يتعلق عندنا ببقاء حكم اللعان، فإذا زال حكمه زال التحريم، وزوال حكم اللعان يكون بإكذابه نفسه، وإقامة الحدّ عليه؛ لأنَّه خرج بذلك من أن يكون من أهل (الشهادة) (٥)، فلم يبق حكم اللعان؛ وكذلك إذا صدقته لأنها صارت معترفة بالزنا، فلا يثبت حكم اللعان في حقها، وكذلك إذا حُدت في قذف [لما بيّنا].
стр. 2108
والدليل على جواز الاجتماع [بعد سقوط حكم اللعان أن الأحكام المختصة باللعان: تحريم الاجتماع] ونفي النسب، فإذا لم يتأبد أحدهما فكذلك الآخر، وأبو يوسف ذهب إلى ظاهر الخبر.
١٨٢٨ - [فَصْل: حصول الفرقة قبل إتمام اللعان]
وإذا أخطأ الحاكم ففرق قبل إتمام اللعان، فإن [كان] كل واحد منهما قد التعن أكثر اللعان، (ففرق قبل تمام اللعان) (١) وقعت الفرقة، وإن لم يلتعنا أكثر اللعان أو كان أحدهما لم يلتعن أكثر اللعان، لم تقع الفرقة، والأصل في هذا: أن الحاكم إذا فرق بعد أكثر اللعان فقد اجتهد في موضع يسُوغ فيه الاجتهاد، ألا ترى أنه يقول: إن الأحكام [المتكررة] (٢) في الشرع فيها ما يقوم الأكثر منها مقام الجميع، أو يقول: إنّ الأحكام المقصود بالتكرار التأكيد والتغليظ، وهذا المعنى موجود في الأكثر، قال هذا الحاكم: وقد سوّغتم الاجتهاد للشافعي إذا اقتصر على لعان الزوج في قذف المجنونة والميتة؛ فلأن تسوغوا لي الاجتهاد إذا فرقت بعد إكمال الزوج لعانه، وإتيان المرأة بأكثر لعانها أولى، فإن قيل: إنما يسوغ الاجتهاد للحاكم (في قذف المجنونة والميتة) (٣) إذا لم يخالف [اجتهاده] النص، وهذا الحاكم خالف القرآن؛ لأن الله تعالى ذكر اللعان عشر دفعات، وخالف السنة؛ لأن رسول الله ﷺ لا عن بين الزوجين كذلك، قال هذا الحاكم: ليس الأمر كما زعمتم؛ لأن الله تعالى يذكر الفرقة والخلاف بيني وبينكم في محل الفرقة؛ لأني حين فرقت بعد أكثر اللعان لو أمرتهما بإتيان ببقية اللعان لم
стр. 2109
يجز عندكم، وإن كنت استوفيت الشهادات التي ورد بها القرآن، فعلم أن الخلاف معكم في محل الفرقة، وذلك لم يذكر في القرآن، وكيف أنسب إلي المخالفة.
قال: وأما السنة فما خالفتها؛ لأن عندي أن القاضي إذا فرق بعد أكثر اللعان جاز، وإذا فرق بعد جميعه جاز وكان أولى، ومتى استعمل رسول الله ﷺ أولى الجائزين لم يدل ذلك على نفي الآخر، وليس في فعله ما ينفي غيره.
١٨٢٩ - [فَصْل: ابتداء الحاكم باللعان بالمرأة]
فإن أخطأ الحاكم فبدأ بالمرأة ثم بالرجل، فإنه ينبغي له أن يعيد اللعان على المرأة، فإن لم يفعل حتى فرق وقعت الفرقة. (وهذه المسألة لا يخالف الشافعي فيها؛ لأن عنده أن الفرقة تقع) (١) بلعان الزوج، تقدم لعان المرأة أو لم يتقدم، وإنما قلنا: إن الحاكم ينبغي [له أن يعيد] لِعَان المرأة؛ لأن الزوج في حكم الشاهد عليها [بقذفه]، وهي مسقطة بشهادتها ما حققه عليها، فلا يصح أن تبتدئ كما لا أن يصح يبتدئ المدّعى عليه، فإن فرق الحاكم ولم يعد لعانها نفذت الفرقة؛ لأن الحاكم فرق في موضع يسوغ فيه الاجتهاد، ألا ترى أنه يقول: إن اللعان إن كان شهادة فتقديم قول أحد الشاهدين على الآخر ليس بشرط، وإن كان يمينًا فهي كتحالف المتداعيين فيجوز تقديم كل واحد منهما.
١٨٣٠ - [فَصْل: عدم وقوع الفرقة بعد اللعان]
قال: وإذا التعنا عند الحاكم ولم يفرق حتى عزل أو مات، فإن الحاكم الثاني يستقبل [اللعان] بينهما في رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو قول أبي
стр. 2110
يوسف، وقال محمد: لا يستقبل اللعان، وهذا فرع على اختلافهم في أن اللعان: ما هو؟ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنه شهادة فيها معنى اليمين، وقال محمد: هو يمين فيه معنى الحدّ.
وجه قولهما: قوله تعالى ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ فسمى ذلك شهادة، ولأن ما يختص بلفظ الشهادة فهو شهادة، كالشهادة في الحقوق، ولأنه لو كان يمينًا لم يختص بلفظ الشهادة كسائر الأيمان.
وجه قول محمد: أنه يمين، بدلالة [أنه] يذكر فيه اسم الله تعالى، فلو كان شهادة لم يذكر فيه [اليمين]. وهذا ليس بصحيح؛ لأنها شهادة مؤكدة عندنا باسم الله تعالى، وقد تؤكد الشهادة بضرب من التأكيد.
ولا يقال: لو كانت شهادة [لكانت شهادة] المرأة على النصف من شهادة الرجل؛ لأنَّه يبطل بالشهادة على الولادة، فأما ما روي عن النبي ﷺ أَنه لَمَّا لا عَن بين هلال وبين امرأته قال: "إن جاءت به أسود أدعج فهو لشَرِيك بن سَحْمَاء" (١)، فلما وضعت حمل إليه، فرآه على صفة شريك، فقال: "لولا ما مضى من الأيمان لكان لي ولها شأن"، ورُوِي: "لرجمتها"، فلا دلالة فيه؛ لأنَّه قد روي: "لولا ما مضى من الشهادة"، وروي: "لولا ما مضى من الحدّ"، ثم هي عندنا شهادة فيها معنى اليمين، [فيجوز أن يسمى يمينًا].
فإذا ثبت أنه شهادة، فالشهود إذا شهدوا عند الحاكم فمات أو عُزل قبل التنفيذ، لم يعتد الحاكم بعده بتلك الشهادة، وإذا ثبت لمحمد أن اللعان يمين،
стр. 2111
فالخصم إذا حلف عند الحاكم فعُزل أو مات، لم يستحلفه الحاكم الذي بعده.
١٨٣١ - [فَصْل: طلاق الزوج بعد القذف قبل اللعان]
ولو قذفها الزوج فلم يلتعنا حتى طلقها ثلاثًا أو تطليقة بائنة، فلا حدّ [عليه] ولا لعان؛ وذلك لأن اللعان تعذر من طريق الحكم، ألا ترى أنه موضوع لقطع الفراش، وقد انقطع بالطلاق فلا معنى للعان، ولأنها أجنبية منه، والأجنبية إذا قذفت لا تلاعن.
قال: وإن كان الطلاق رجعيًا بعد القذف لا عن الحاكم بينهما؛ لأن الزوجية (باقية) (١)، واللعان موضوع لقطع الفراش، فصارت كغير المطلقة.
١٨٣٢ - [فَصْل: الزواج بعد الطلاق والقذف الذي لم يلاعن]
ولو تزوجها من بعد الطلاق فأخذته بذلك القذف، فلا حَدَّ عليه ولا لعان؛ وذلك لأن كل واحد من النكاحين ينفرد بحقوقه عن الآخر؛ واللعان من أحكام النكاح، فلم يجز أن يتلاعنا في نكاح بقذف في نكاح آخر؛ ولأن اللعان موجب القذف كالحدّ، ومعلومٌ [أنّ] الحدّ إذا طرأ عليه ما يوجب سقوطه لم يعد، فكذلك اللعان لما طرأ عليه البينونة لم يعد.
١٨٣٣ - [فَصْل: الامتناع من التلاعن]
قال: وأي الزوجين أبى أن يلتعن حُبسَ حتى يلتعن، أما إذا امتنع الزوج من اللعان، فإنه يحبس عندنا، وقال الشافعي: يحدّ (٢).
стр. 2112
وهذا فرع على أن موجب قذفه [ما هو؟ فعندنا: موجب قذفه] اللعان، فإذا امتنع منه فقد امتنع من حق عليه مقصود لنفسه، فيحبس كالممتنع من [أداء] الديون.
وعند الشافعي: أن موجب قذفه الحدّ، وإنما يسقط عن نفسه باللعان، فإذا لم يلاعن بقي موجب القذف فيحدّ، وقد بَيَّنَّا هذا الأصل، فأما إذا لا عن الزوج فامتنعت المرأة حُبِسَتْ عندنا، وقال الشافعي: تُحَدُّ.
وهذا فرع على أصل [له] وهو أن عنده: أن الزوج يحقق عليها الزنا بلعانه، ويوجب عليها الحدّ، فإذا التعنت أسقطت الحدّ الواجب عليها، فإذا لم تلتعن بقي الحدّ بحاله.
والدليل على فساد هذا أن الحد لا يجب بقول الواحد وإن كرره كالأجنبي؛ ولأن الزوج مُدَّعٍ حقق دعواه بيمينه، والمدعي إذا حقق دعواه ابتداءً لم يستحق ما ادّعاه، والعجب من الشافعي أنه لا يوجب الحدّ عليها بشهادة الزوج مع ثلاثة من الشهود، ثم يوجب الحدّ عليها بقوله وحده، ولأن الحد لو وجب عليها بشهادته لم يسقط عنها بيمينها، كما لو وجب عليها بشهادة الشهود (١).
стр. 2113
بَابْ اللِّعان بنفي الولدِ
قال أبو الحسن: وإذا جاءت زوجة الرجل بولد فقال: لم تلديه، فلا لِعَان بينهما؛ وذلك لأن القاذف هو المثبت للولادة المُدَّعِي أنها من غيره، فإذا نفى الولادة استحال أن يكون قاذفًا (١).
قال: وإن أَقَرَّ بالولادة أو شهدت امرأة على الولادة فقال بعد ذلك: ليس بابني، لاعَن وفرق الحاكم بينهما، وألزم الولد أمه؛ وذلك لأنَّه لما نفى نسبه صار قاذفًا، والقاذف لزوجته يلاعن، ولا يقال إنه نفاه عن نفسه، وذلك لا يتضمن القذف لجواز أن يكون من غيره، ولا تكون زانية، بأن تكون وطئت بشبهة؛ وذلك لأن هذا الاحتمال بالإجماع ساقط [بالإجماع] لأن الأمة أجمعت على أن من قال لرجل: لست لأبيك، كان قاذفًا مع وجود هذا الاحتمال، وأما نفي نسب الولد باللعان؛ فلأن النبي ﷺ نفى ولد امرأة هلال بن أمية عن هلال وألحقه بها، ولأن القذف إذا كان بولد فغرض الزوج أن ينفي عن ينفي عن نفسه ولدًا ليس منه، [فلذلك نفاه] (٢) القاضي باللعان.
١٨٣٤ - فَصْل: [شرط نفي الأب لولده]
قال: وله أن ينفيه عند أبي حنيفة ما لم يظهر منه ما يكون اعترافًا أو دلالة
стр. 2114
عليه، وله ذلك عند أبي يوسف ومحمد مدة أكثر النفاس.
وجه قول أبي حنيفة: أن الزوج إذا لم ينفه حتى تطاولت المدة لم يملك النفي بالإجماع، فإذا نفاه عقيب الولادة انتفى الإجماع، فلم يكن بد من حدٍ فاصل بينهما، ومعلوم أن الإنسان لا يشهد على نفسه بنسب ولده، وإنما يقبل التهنئة ويبتاع [متاع] (١) الولادة، فإذا فعل ذلك أو مضى من المدة ما يفعل ذلك فيه في العادة وهو ممسك، فالظاهر أنه معترف به فلا يملك نفيه بعد ذلك.
ومن أصحابنا من حكى عن أبي حنيفة: أنه ينفيه إلى سبعة أيام. وليس بصحيح؛ لأنَّه تقدير لا دليل عليه، ومن ذكره فكأنه ذهب إلى أنه (٢) ما بين الولادة إلى العقيقة التي [يفعلها] الملزم للنسب، وقد قال الشافعي: إن نفاه على الفور انتفى وإلا لزمه (٣).
وهذا ليس بصحيح؛ لأن النفي يحتاج إلى الارتياء ليغلب على ظنه أحد الأمرين، وذلك لا يتمكن منه على الفور.
وجه قول أبي يوسف ومحمد: أن مدة النفاس قد أجريت مجرى حال الولادة بدلالة سقوط الصلاة والصوم، فجريا مجرىً واحدًا، وعلى هذا الأصل قالوا في الغائب عن امرأته إذا ولدت ولم يعلم بالولادة حتى قدم: أن له النفي عند أبي حنيفة في مقدار ما يقبل فيه التهنئة، وقالا: في مقدار مدة النفاس بعد القدوم؛ وذلك لأن النسب لا يجوز أن يلزمه مع عدم العلم به، فصارت حالة
стр. 2115
القدوم كحالة الولادة على المذهبين، وقد روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا قدم قبل الفصال فله أن (ينفيه في مقدار مدة النفاس، وإن قدم بعد الفصال فليس له نفيه) (١)، ولم يرو هذا [التفصيل] (٢) عن محمد؛ ووجهه: أن ما قبل الفصال: الولد فيها لم ينتقل عن غذائه الأول فصار كمدة النفاس، وأما بعد الفصال فقد انتقل عن ذلك الغذاء وخرج من حال الصغر، فاستقبح أن ينفي نسبه كما لو صار شيخًا.
١٨٣٥ - فَصْل:
قال: وإذا هنئ بولد الحرة فسكت فهو اعتراف، ولا ينتفي أبدًا بلعان أو بغيره؛ وذلك لأن الإنسان لا يشهد على نفسه بثبوت نسب [ولد غيره] (٣) ولا [يسكت] (٤) عند التهنئة والولد ليس منه، فصار هذا كالاعتراف، والمعترف بنسب الولد لا يملك نفيه، وقد روى ابن رستم عن محمد: أنه إذا هُنِّيءَ بولد الأمة فسكت لم يكن اعترافًا، وإن سكت عن ولد الزوجة كان اعترافًا. وهذا صحيح؛ لأن ولد الزوجة نسبه ثابت بالفراش، وإنما يثبت (٥) من جهة الزوج النفي، [فإذا أمسك عن التهنئة، دل ذلك على أنه غير مؤثر للنفي] فأما ولد الأمة فلا يثبت [نسبه] بالفراش، وإنما يثبت بالاعتراف، والسكوت لا يقوم مقام الاعتراف في إلزام الحقوق.
стр. 2116
١٨٣٦ - فَصْل [النسب الذي لا ينفيه اللعان]
قال: وكذلك كل نسب ثبت بإقراره أو بالحكم، فإنه لا ينفيه [باللعان]؛ وذلك لأنَّه لما اعترف بالولد لزمه، فإذا أراد نفيه فقد رجع عن اعترافه، وثبوت النسب حقٌّ للولد، فلا يملك الرجوع عنه بعد الاعتراف، فأما قول أبي الحسن: إذا ثبت بإقراره أو بالحكم، فثبوته بالإقرار معروف وقد بيناه، وأما ثبوته بالحكم فقد روى الفضل بن غانم قال: سمعت أبا يوسف قال في رجل جاءت امرأته بولد فنفاه ولم يلاعن حتى قذفها أجنبي بالولد الذي جاءت به، فضرب القاضي الأجنبي الحدّ - فإن نسب الولد يثبت من الزوج ولا لعان بينه وبينها؛ وذلك لأن القاضي لما حدّ قاذفها بالولد فقد حكم بكذبه، والحكم بكذبه حكم بثبوت النسب، فالنسب المحكوم بثبوته لا ينتفي باللعان كالمقَرِّ به، وإنما يسقط اللعان؛ لأن الحاكم لما حكم بإحصانها تعذر اللعان حكمًا، فلم يجب الحدّ ولا اللعان.
١٨٣٧ - فَصْل: [نفي ولد من لا لعان بينهما]
وإن نفى ولد زوجته وهما ممن لا لعان بينهما لزمه، ولا يستطيع نفيه أبدًا؛ لأنَّه لا ينتفى ولد زوجه إلا باللعان؛ وذلك لأن النسب ثابت بالفراش، وقد ورد الشرع بنفيه عن الفراش باللعان، فما سوى اللعان فالنسب فيه ثابت، فلا يصح نفيه مع ثبوته.
١٨٣٨ - فَصْل: [حصول العلوق بالولد في حال لا لعان بينهما]
وإن كان العلوق بالولد في حال لا لعان بينهما فيه، ثم صارت [بحال] (١)
стр. 2117
يقع بينهما اللعان مثل أن يعلق وهي (أمة فتعتق أو كتابية فتسلم) (١) فينفي ولدها، فإنه [يلاعن] (٢) ولا ينتفي النسب، وذلك لأنها لما علقت وليست من أهل اللعان ثبت نسب ولدها ثبوتًا لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر بعد ذلك تغير حالها.
١٨٣٩ - فَصْل: [في نفي ولد الحرة وتصديقها له]
[قال]: ولو نفى ولد الحرة فصدقته، فلا حدّ على الزوج ولا لعان، وهو ابنهما لا يصدقان على نفيه؛ وذلك لأن النسب حق للولد، والأم لا تملك إسقاط حق ولدها، فلم يجز أن ينتفي نسبه بتصديقها، فلا يجوز أن يلاعنها مع تصديقها له في القذف؛ لأن ذلك ينفي اللعان، ألا ترى أنه يستحيل أن يشهد بالله أنه لمن الكاذبين، وقد قالت إنه صادق، فإذا تعذر اللعان لم [ينتف] (٣) النسب.
١٨٤٠ - فَصْل: [إقرار بالولد الأول ونفي الثاني في حال ولادة ولدين معًا]
فإن جاءت بولدين في بطن فأَقَرَّ بالولد الأول ونفى الثاني؛ لاعن ولزمه الولدان، وإن نفى الأول وأقر بالثاني، حُدَّ ولا لعان، ويلزمانه جميعًا، والأصل في هذا: أن الحمل الواحد لا يجوز أن يثبت بعض نسبه دون بعض؛ لأنَّه حمل واحد كالولد الواحد، وكما لا ينتفى بعض نسب الولد ويثبت بعضه، فكذلك الحمل الواحد.
وإذا ثبت هذا قلنا: لما أقر بالولد الأول لم يصح نفيه للثاني؛ لأن نسبهما لا يتبعض في الثبوت، فصار الاعتراف بالأول اعترافًا بالثاني فثبت
стр. 2118
نسبهما، فأما اللعان فقد ينفرد عن نفي النسب، ألا ترى أنه يثبت لقطع الفراش في المقذوفة بغير ولد فلم يكن ثبوت النسب مانعًا من اللعان، وإنما يثبت اللعان؛ لأنَّه باعترافه الأول واصف لها بالعفة، فلما نفى الثاني وصفها بالزنا، ومن قال لامرأته: أنتِ عفيفة، ثم قال: أنتِ زانية، لاعَن، فأما إذا نفى الأول فقد قذفها، فلما اعترف بالثاني فقد وصفها بالعفة.
ومن قال لامرأته: أنت زانية، ثم قال: أنت عفيفة، فقد أكذب نفسه بعد القذف، فيجب [عليه] الحدّ، ويثبت نسب الولدين؛ لأن الاعتراف بالثاني اعتراف بهما.
١٨٤١ - فَصْل [نفي الولدين ثم موت أحدهما]
قال: ولو نفاهما جميعًا، ثم مات أحدهما أو قُتِلَ، فإنه لا يلاعن (١)، ويلزم الولدان الأب، أما ثبوت نسبهما فلأن الميت منهما لا يصح نفي نسبه؛ لأن ذلك حكمٌ عليه، والميت لا يحكم عليه، إلا أن يحضر من يقوم مقامه، وأحد الأخوين لا يقوم مقام الآخر، ولأنه لا فائدة في نفي نسب الميت، فإذا تعذر نفي أحد الولدين ثبتا جميعًا؛ لاستحالة أن يتبعض ثبوت نسب الحمل الواحد، فأما اللعان فقد ذكر محمد أنه لا يبطل.
وذكر ابن سماعة هذه المسألة فقال: يبطل اللعان عند أبي يوسف، وقال محمد: لا يبطل.
وجه قول أبي يوسف: أن المقصود باللعان نفي النسب، وقد تعذر ذلك فلا فائدة للعان.
стр. 2119
وجه قول محمد: أن اللعان ينفرد عن نفي النسب، فتعذره لا يمنع بقاء اللعان.
١٨٤٢ - فَصْل: [نفي الولدين حيث ولدت أحدهما ميتًا]
قال: وكذلك إن وَلَدَتْ أحدهما ميتًا فنفاهما، لاعَن ولزم الولدان الأب وهذا لما بينا، قال: ولو وَلَدَتْ ولداً فنفاه ولا عَن الحاكم بينهما وفرق، ثم ولدت بعد يوم آخر، لزماه جميعًا واللعان ماضٍ؛ وذلك لأنها صارت أجنبية، وولد الأجنبية لا ينتفي باللعان (فيثبت نسب الثاني، وثبوته شاهد على ثبوت نسب الأول فيثبت، وليس يمتنع أن ينتفي نسب الولد باللعان) (١)، ثم يثبت من بعد كما لو اعترف به.
١٨٤٣ - فَصْل: [قول الزوج هما ابناي]
ولو قال الزوج: هما ابناي، فلا حدّ عليه؛ وذلك لأنهما لزماه من طريق الحكم، فإذا اعترف بهما فهو صادق في اعترافه، فلا يلزمه الحدّ، ولا يقال قد أكذب نفسه؛ وذلك [لأنَّه] يجوز أن يكون قوله: هما ابناي، ليس بتكذيب وإنما هو إخبار (كمن) (٢) أثبت بالحكم، وقد قالوا في الاعتراف بالولد الذي يكون الزوج به مكذبًا لنفسه: وهو أن يعترف بولد (لو) (٣) لم يعترف به، صَحَّ أن يلاعن به إذا كان من أهل اللعان، فأما إذا لم يصح أن يلاعن به، لم يكن باعترافه به مكذبًا لنفسه، وعلى هذا قالوا لو ولدت امرأته ولدًا، فقال: هو ابني، ثم ولدت آخر فنفاه، ثُمّ أقر به، فلا حدّ عليه؛ لأنَّه لو لم يقر به لم يصح نفيه باللعان.
стр. 2120
قال في المسألة الأولى: ولو قال: ليسا بابني؛ كانا ابنيه ولا حدّ عليه؛ وذلك لأنَّه قد تقدم القذف ولاعَن، وهو الآن مكرر للقذف، والملاعن إذا كرر القذف لم يلزمه حد.
قال: ولو قال كذبت باللعان وفيما قذفتها به حُدّ؛ لأنَّه اعترف بالكذب بصريح الاعتراف، وذلك يوجب الحدّ عليه.
١٨٤٤ - فَصْل: [نفي الزوج الولد الميت]
قال: ولو جاءت بولد فمات فنفاه الزوج، لاعَن ويلزمه الولد، وقد بينا [ذلك]، قال: ولو جاءت بولدين فنفاهما ثم مات أحدهما، قال محمد: يلاعن ويلزمه الولد الثاني، أما اللعان فقد بينا أنه يجوز أن ينفرد عن نفي النسب، وأما قول محمد: أنه يلزمه [الولد] الثاني، فإنما أراد أن يبين أنه لا ينتفي باللعان وإلا (١) فنسبهما جميعًا يلزمه.
١٨٤٥ - فَصْل: [فيمن طلق رجعيًا فجاءت بولد لأقلَّ من سنتين بيوم فنفاه]
وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: فيمن طلق امرأته طلاقًا رجعيًا فجاءت بولد لأقل من سنتين بيوم فنفاه، ثم جاءت بولد بعد سنتين بيوم فأقرّ به: فقد بانت ولا حَدَّ ولا لِعَان؛ وذلك لأن من أصلهما: أن الولد الثاني يتبع الأول، ألا ترى أن الأول جاءت به في مدة يلحق نسبه، فصار الثاني تابعًا له، (فكأنما جاءت بهما قبل السنتين) (٢) فلا يثبتان الرجعة، فتبين بوضع الولد الثاني، ويتعذر اللعان من طريق الحكم لأنها أجنبية.
стр. 2121
وقال محمد: هذه رجعة وعلى الزوج الحدّ؛ وذلك لأنَّه يقول: إن الولد الثاني لا بد من أن يكون لحمل حادث؛ لاستحالة أن يبقى الولد لأكثر من سنتين، والولد الأول يجوز أن يكون بحمل حادث، [ويجوز أن لا يكون]، فصار المحتمل تابعًا لما لا يحتمل، فكأنها ولدتهما بعد السنتين، والرجعية إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين تثبت الرجعة، فلما نفى ولدها الأول ثم اعترف بالثاني، فقد أكذب نفسه فيحدّ.
١٨٤٦ - فَصْل: [فيمن طلق بائنًا فجاءت بولد لأقل من سنتين وولد لأكثر]
وإن كان الطلاق بائنًا والمسألة بحالها، حُدَّ ويثبت نسب الولدين عندهما؛ لأن الثاني يتبع الأول، فكأنها جاءت بولدين لأقل من سنتين، ولا يثبت اللعان؛ لأنها أجنبية، فيحدّ بإكذابه نفسه.
وقال محمد: لا حدّ ولا لعان، ولا يثبت نسب الولدين؛ لأنَّه لا يتبع الأول الثاني، والمبتوتة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين لم يثبت نسبه، فلا يجب على قاذفها الحدّ؛ لأن معها ولد غير ثابت النسب (١).
стр. 2122
بَاب نفى الحمل
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال الرجل لامرأته وهي حامل: ليس هذا الحمل مني، إلى آخر ما ذكر.
قال: وجملة هذا أن عند أبي حنيفة إذا نفى الرجل حمل امرأته، فليس بقاذف ولا لِعَان بينهما، وهو قول زفر (١).
وقال أبو يوسف ومحمد: إن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر لاعنها، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر فلا لعان، وهو قول أبي حنيفة الأول، واتفق أصحابنا: أنه لا ينتفى نسب الحمل قبل الولادة.
وقال الشافعي: إذا نفى حمل امرأته لاعنها (٢)، ونفى القاضي نسب الحمل (٣).
وجه قول أبي حنيفة: أن القذف بالحمل في معنى [النفي] المعلق بالشرط؛ لأن تقديره كأنه قال: إن كنتِ حاملًا فأنت زانية، والقذف لا يجوز أن [يعلق] (٤) بالشرط، ولأن الحمل لا يعلم في الحقيقة لجواز أن يكون بها ريح تشبه الحمل، فلا بد أن يكون القذف (مشروطًا) (٥) بصحة الحمل، ولا يقال إن
стр. 2123
الحمل يتعلق به الأحكام، ألا ترى أن الجارية ترد به على بائعها، ويجب للمعتدة النفقة لأجل حملها؛ وذلك لأن المعتدة يجب لها النفقة عندنا مع عدم الحمل، فأما الرَّدُّ بالعيب فليس مما يؤثر فيه [الشبهة، فيثبت لوجود الظاهر، والقذف مما يؤثر فيه الشبهة] فلا يثبت بالظاهر؛ ولأن الأحكام الثابتة للحمل موقوفة على الولادة بدلالة الميراث والوصية، والقذف لا يقف على شرط.
وجه قولهما: أنها جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر، فقد تيقنا وجوده عند النفي، فلهذا [قالوا]: إذا أوصى لحمل امرأة فجاءت به لأقل من ستة أشهر استحق الوصية، وإذا تيقنا وجوده وقد نفاه الزوج فيلا عن به، فأما إذا جاءت به لأكثر من ستة أشهر فيجوز أن يكون [الحمل حادث] (١)؛ فلهذا لا يستحق الوصية فلا يتيقن وجوده عند القذف، فلا يلاعن.
فأما الدليل على أنه لا ينتفى نسبه وهو حمل، أن هذا حكم عليه، والأحكام لا يجوز ثبوتها للحمل قبل الولادة، (كما لا يجوز حكم باستحقاق الميراث والوصية) (٢)، فأما ما روي (أن النبي ﵇ لاعَن بين هلال بن أمية وبين امرأته وهي حامل وألحق الولد بها) (٣) فلا دلالة فيه؛ لأن هلالًا لم يقذفها بالحمل وإنما صرح بالزنا وذكر الحمل.
وعندنا إن من قال لامرأته: قد زنيتِ وأنتِ حامل، فإنه يلاعن؛ لأنَّه لم يعلق القذف بالشرط، وهكذا صنع هلال لأنَّه ادعى أنه وجد شريكًا على بطنها، فأما نفي النسب فلأن رسول الله ﷺ علم من طريق الوحي أن هناك ولدًا، ولهذا
стр. 2124
قال: "إن جاءت به أحمر على صفة كذا فهو لهلال، وإن جاءت به أسود جعدًا فهو لشريك" (١)، وهذا لا يعلم [إلا من] (٢) طريق الوحي، ولا طريق لنا إلى مثل ذلك، فلهذا [لا ينتفى] الحمل.
стр. 2125
بَاب الشهادة في اللعان
قال أبو الحسن: اللعان عندنا بمنزلة الحدّ لا يحكم فيه بشهادة على شهادة، ولا بشهادة النساء مع الرجال، ولا بكتاب القاضي إلى القاضي؛ لأن اللعان يوجب القذف كالحدّ في الأجنبي، فما لا يثبت به أحدهما لا يثبت به الآخر (١).
١٨٤٧ - فَصْل [الشهادة على المرأة بالزنا رابعهم الزوج]
فإن شهد على المرأة بالزنا أربعة أحدهم الزوج، ولم يكن من الزوج قذف قبل ذلك، أقيم عليها الحدّ، وقال الشافعي: لا تقبل شهادة الزوج عليها (٢)
لنا: أنه تقبل شهادته عليها في غير حدّ [الزنا] فيقبل في الحدّ كالأجنبي، ولأن الزوج أبعد من التهمة، ألا ترى أن العادة أنه يستر على امرأته الزنا حتى لا يلحقه شينها، فقبول شهادته أولى.
١٨٤٨ - فصل: [الزوج قذفها وشهد سواه ثلاثة]
فإن قذفها الزوج وجاء بثلاثة سواه يشهدون فهم قَذَفَة يُحَدَّون، ويلاعن؛ الزوج؛ وذلك لأنَّه لما قدم القذف [فقد] خرج من أن يكون شاهدًا، ألا ترى أن الله تعالى أوجب على القاذف أن يأتي بأربعة شهداء، فلو جاز قبول
стр. 2126
شهادته معهم كان يكلف أن يأتي بثلاثة، وإذا ثبت أن شهادته غير مقبولة، والزنا لا يثبت بشهادة ثلاثة، صار قاذفًا، فلم يثبت عليها الزنا فيلاعن.
١٨٤٩ - فَصْل: [دَرْءُ الحَدِّ عن الشُّهُودِ وعن الزوج اللعان]
وإن جاء هو وثلاثة: فشهدوا أنها قد زنت فلم يُعَدَّلُوا، دُرئ عنها وعنهم الحدّ، ودُرِئ عن الزوج اللعان؛ وذلك لأن الزوج شاهد وليس بقاذف، فلو وجب عليه اللعان خرج من أن يكون شاهدًا، وجب على الثلاثة الحدّ، وفي علمنا أنه لا يجب عليهم الحدّ؛ دلالة على سقوط اللعان عن الزوج.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: إن قذفها فجاء بأربعة فلم يعدلوا، فعليه اللعان: لأنَّه ليس بشاهد وإنما هو قاذف، فإذا سقطت الشهادة تعلق بقذفه اللعان.
قال: فإن شهد معه ثلاثة عُميان حُدَّ وحُدُّوا؛ وذلك لأن العميان المانع من قبول شهادتهم معنى مقطوع به، فصار كنقصان العدد فيُحَدّون، فأما الزوج فيلاعن؛ لأن قذف الزوج يتعلق به اللعان، فقوله: حدّ وحدّوا، [يعني: حدَّ حدَّه، وحُدُّوا حَدَّهم] فحدهم الجلد وحدّ الزوج اللعان.
١٨٥٠ - فَصْل [ادّعاء المرأة على زوجها أنه قذفها بالزنا]
وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه قذفها بالزنا وهو يجحد، لم يقبل [من الشهادة إلا ما يجوز على قذف الأجنبية: رجلان عدلان، ولا يجوز في ذلك] شهادة النساء مع رجل، ولا شهادة على شهادة، ولا كتاب قاض؛ وذلك لأن هذه شهادة يثبت بحكمها الحدّ، ألا ترى أن قذف الزوج يجوز أن يتعلق به الحدّ إذا سقط اللعان بسبب من جهته، فصار كقذف الأجنبية.
стр. 2127
١٨٥١ - فَصْل: [الوكالة في اللعان وتثبيت الشهادة]
ولا تقبل وكالة لواحد منهما في اللعان، وإن وكَّلت المرأة بتثبيت شهودها على القذف جاز؛ وذلك لأن اللعان لا يصح فيه النيابة، كما لا يصح في الأيمان، فلا معنى للتوكيل، فأما الوكالة بإثبات القذف فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يجوز عند أبي يوسف، والكلام في هذه المسألة في كتاب الحدود (١).
стр. 2128
بَابْ كيفية اللعان في نفي الولد
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا نفى الرجل ولد امرأته فلاعن الحاكم بينهما، فإن الحاكم يأمر الزوج أن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتك به من نفي ولدكِ، ثم يأمرها أن تقول: أشهد بالله إنكَ من الكاذبين فيما رميتني به من نفي ولدي، فإذا قالا ذلك وتم اللعان، قال القاضي: قد فَرَّقتُ بينكما، فتمت الفُرْقة ولزم الولد أمه (١).
وقد روى هشام عن محمد قال: إذا لا عن الرجل بالولد، قال في اللعان: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، بأن هذا الولد ليس مني، وتقول المرأة: أشهد بالله إنك لمن الكاذبين فيما رميتني به من الزنا، بأن هذا الولد ليسَ منكَ.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: إذا [لاعن] بنفي الولد قال: أشهد بالله [الذي لا إله إلا هو] إنه لصادق فيما رماها به من الزنا ونفي [هذا] الولد، وهذا ليس باختلاف رواية، وإنما هو لاختلاف الحال، فإذا كان الزوج قال: هذا الولد ليس مني؛ اكتفى في اللعان بأن يقول: إني لمن الصادقين فيما رميتكِ به من نفي الولد، وإذا قذفها بالزنا ونفى [ولدها] (٢) ذكر في اللعان الأمرين؛ لأن [الأول] (٣) لم يصرح بالزنا وإنما ذلك في مضمون نفيه الولد،
стр. 2129
فاقتصر على نفيه الولد، والثاني قذفها بالزنا ونفى ولدها فاحتاج أن يشهد على الأمرين ولا يقتصر على أحدهما دون الآخر، فأما قوله في الكتاب: إن القاضي إذا فرق بينهما لزم الولد أمه؛ لأن اللعان وقع عليه والتفريق لأجله، فصار تفريق القاضي نفيًا له.
وقد روى حبان بن بشر عن أبي يوسف قال: إذا أكمل القاضي اللعان بينهما لم تقع الفرقة حتى يفرق، فإن [كان] اللعان (بولد) (١) فرق بينهما، وقال: قد ألزمته أمه، وأخرجته من نسب الأب، وهذا صحيح لأن التفريق قد ينفرد عن نفي النسب فكل واحد منهما من أحكام اللعان، فوجب أن يحكم القاضي بأحدهما كما يحكم بالآخر.
стр. 2130
[٤٧] بَابْ الحضانة (١)
قال الشيخ ﵀: لما كان الصغار عاجزين عن النظر في مصالحهم جعل الله تعالى ذلك لمن يلي عليهم، وفَوَّض الولاية في المال والعقود إلى الآباء؛ لأنهم بذلك أقوم، وفوض التربية إلى الأمهات؛ لأنهن أشفق وأحنى، فإذا اختصم في الصغير أمه وأبوه مع بقاء النكاح أو بعد الفرقة فالأم أولى به ما لم تتزوج (٢)؛ لما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن امرأة أتت رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وِعاء، وحجري له حِواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينتزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : "أنتِ أحق به ما لم تنكحي" (٣) (، ولأنها أقوم بالتربية، كما أن الأب أحفظ للمال، فإذا كان الأب أحق بالتصرف في المال، كانت هي أحق بالإمساك، (فإن ماتت الأم أو تزوجت) (٤) فاختصم الجدتان فأم الأم أولى من أم الأب؛ لأنهما تساويا في القرابة وإحداهما من قبل الأم، [وهذه الولاية مستفادة منها، فمن أدلى بها أولى،
стр. 2131
ثم أمّ الأب، فإنها أولى من الأخوات؛ لأن لها ولادًا، فهي أدخل في الولاية وأكثر شفقة، ثم الأخوات أولى من الخالات؛ لأنهن بنات الأبوين، والخالات بنات الجدين، وأولى الأخوات من كانت لأب وأم؛ لأنها تدلي بجهتين، ثم الأخت من الأم أولى من الأخت من الأب؛ لأنهما تساويا في القرابة، إحداهما مِن قبل الأم] (١).
واختلفت الرواية في الأخت من الأب والخالة: فروى محمد عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الخالة أولى من الأخت للأب، وهو قول محمد وزفر، والوجه فيه ما روي: أن ابنة حمزة لما رأت علياً تمسكت به وقالت: ابن عمي، فأخذها فاختصم فيها عَلِيٌّ وجَعْفَرٌ وزَيْدٌ، فقال عَلِيٌّ: بنت عمي، وقال جعفر: بنت عمي وخالتها عندي، وقال زيد بن الحارثة بنت أخي آخيت بيني وبين حمزة يا رسول الله، فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها وقال: "الخالة والدة" (٢).
وروى بِشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: قال أبو حنيفة: الأخت من الأب أولى من الخالة، وهي رواية الحسن بن زياد عن أبي يوسف، والوجه فيها: أنها بنت الأب والخالة بنت الجد (والقربى) (٣) أولى. وقد ذكر محمد إحدى هاتين الروايتين في النكاح، والأخرى في الطلاق، وبنات الأخوات يُقَدمن على الخالات لهذه العلة، ثم الخالات أولى من العمات؛ لأنهن يتساوين في
стр. 2132
القرب، واللاتي من جهة الأم أولى، فأولاهن من كانت لأب وأم؛ لأنها تدلي بقرابتين، ثم من كانت لأم لاتصالها بجهة الأم، ثم مَنْ كانت لأب، ثم العمات أولاهن من كانت لأب وأم، ثم من كانت لأم، ثم من كانت لأب، وبنات الأخ أولى من العمات والخالات؛ لأنهن من ولد الأب، وبنات الأخت أولى من بنات الأخ؛ لأن الأخ لا حَقَّ له في الحضانة، والأخت لها حق، فمن تدلى بها أولى، فأما بنات العم والخال والعمة والخالة فلا حق لهن في الحضانة لأنهن [رَحِم] (١) بلا مَحرم. وحكى الحسن بن زياد في كتاب الطلاق: أن أم الأب أولى من الخالة عند أبي يوسف، وقال زفر: الخالة (أحق) (٢).
وجه قول أبي يوسف: أن أم الأب لها (ولاء) (٣) والولاية في الأصل مستفادة بالولاد، وجه قول زفر: قوله ﵇: "الخالة والد".
١٨٥٢ - فَصْل: [أحقية الأم والجدتان في حضانة الغلام]
والأم والجدتان أحق بالغلام حتى يستغني عنهما: فيأكل وحده ويلبس وحده ويشرب وحده، وقال داود بن رشيد عن محمد ويتوضأ وحده، ويريد بذلك الاستنجاء، فأما الجارية فهي أحق بها حتى تحيض (٤).
وحكى هشام عن محمد: حتى تبلغ أو تُشتهى، وقد كان القياس أن تكون الأم أحق بالغلام والجارية حتى يبلغا؛ لأن الحضانة ولاية للأم فلا ترتفع إلا بالبلوغ كولاية الأب في المال، وإنما تركوا القياس في الغلام لما روى سعيد بن
стр. 2133
المسيب قال: (طلّق عمر امرأته أم ابنه، عاصم، فلقيها ومعها الصبي، فنازعها وارتفعا إلى أبي بكر فقضى أن ريحها وفراشها خير له حتى يشب) (١)، ولأن الصبي إذا استغنى بنفسه يحتاج إلى التأديب، والأب أقوم بذلك، فلو بقيناه مع الأم لألف أخلاق النساء، واستضر بذلك فأسقطنا حقها، وأما الجارية فبقيت على أصل القياس.
ووجه ما روى هشام: أنها إذا بلغت أن تشتهى احتاجت إلى الحفظ، والرجال أكثر غيرة من النساء فكانوا أحق بها، فأما إذا بلغت فالعَصبة أحق بها في الروايات كلها؛ لأنها تشتهى وتشتهي والرجال أكثر غيرة وأشد حفظًا فكانوا بها أولى.
١٨٥٣ - فَصْل: [مَن لا حق لهن من النساء في الحضانة]
وأما من لا [ولاد] له من النساء فلا حق لهن في الغلام والجارية إذا استغنيا بأنفسهما؛ لأن هذا الحق يثبت لهن من طريق الولاية؛ [لأن الولاية] تستفاد بالولادة، وإنما يثبت لهن لحاجة الصغير إليهن، فإذا استغنى زال ذلك المعنى، فكان العصبة أولى.
١٨٥٤ - فَصْل: [سقوط حق الحضانة]
وكل من تزوج من هؤلاء بأجنبي من الصبي سقط حقها من سقط حقها من الحضانة (٢). وصار كالميت لقوله ﵇: "أنتِ أحق بالولد ما لم تنكحي" (٣)، وقضى أبو بكر
стр. 2134
لعاصم بن عمر لأمه ما لم يشب أو تتزوج؛ ولأن الصبي يلحقه جفاء من زوج أمه ومذلة فيسقط حقها للمضرة التي تلحقه، فأما إذا تزوجت بذي رَحِم مَحْرمٍ من الصبي لم يسقط حقها مثل الجدة إذا كان زوجها الجد، والأم إذا تزوجت بالعم؛ لأنَّه لا يلحقه جفاء من جده وعمه.
١٨٥٥ - فَصْل [عود حق الحضانة]
ومن سقط حقها من هؤلاء [للتزوّج] فمات عنها زوجها أو أبانها عاد حقها؛ وذلك لأن المانع من ثبوت حقها قد زال، فصارت أولى ممن هو أبعد منها.
١٨٥٦ - فَصْل: [الحضانة في حال استغناء الغلام بنفسه]
فإذا استغنى الغلام بنفسه وبلغت الجارية فالعصبات أولى بها على ما قدمنا، ويترتب المستحق له الأقرب من العصبات فالأقرب، والأب أولى به ثم الجد أب الأب، ثم الأخ للأب والأم، ثم الأخ للأب، ثم العم للأب والأم، ثم العم للأب، وابن الأخ أولى من العم، ثم عم الأب، ثم عم الجدّ، وعلى هذا أبدًا، ولا يستحق بالتعصيب بنو أب، وهناك أب أقرب منهم، أو ابن أب هو أقرب منه، [وبنو الأب أقرب، ولا حق لابن العم في كفالة الجارية، وله حق] في كفالة الغلام؛ لأنَّه ليس بمَحْرَمٍ منها، ويحل له نكاحها فلا يؤتمن عليها، فأما الغلام فهو عصبته و [هو] أحق به ممن هو أبعد من منه.
١٨٥٧ - فَصْل: [الحضانة إذا لم يكن للجارية قريب من النساء]
فإن لم يكن للجارية من عصباتها غير [ابن] (١) العم، اختار لها القاضي
стр. 2135
أفضل المواضع؛ لأن الولاية إليه فينظر في الأصلح.
قال محمد: كل ذَكَرٍ من قبل النساء: مثل الأخ من الأم والخال، وأب الأم فلا حق لهم في الولد؛ [وذلك] لأن الحضانة للنساء والقيام [به] بعد الحضانة إلى العصبات، فيعتبر من جهة الأم ما كان من النساء، ويعتبر [من] الرجال [ما كان] من جهة الأب.
قال محمد: وإن كان للجارية ابن عم وخال وكلاهما لا بأس به في دينه، جعلها القاضي عند الخال؛ وذلك لأن الخال مَحْرَم، وابن العم ليس بمحرم، فكان المحرم أولى.
والأخ من الأم أحق من الخال؛ لأنَّه أقرب.
وذكر الحسن بن زياد: أن الصبي إذا لم يكن له قرابة من النساء، فالعم أولى به من الخال وأبو الأم؛ لأنَّه عصبة.
قال: والأخ للأب أولى به من العم، وكذلك ابن الأخ، فإن لم يكن له قرابة من جهة أبيه من الرجال والنساء، فأب الأم أولى من الخال والأخ للأم؛ لأن له ولادًا فهو أشفق ممن لا ولاد له من ذوي الأرحام.
١٨٥٨ - فَصْل: [الفاسق والماجن من العصبة في الحضانة]
قال أبو الحسن: ومن كان من عصبتها لا يؤمن عليها لفسقه ومجانته لم يكن له فيها حق؛ وذلك لأن في كفالته لها ضررًا عليها، والولاية تسقط للضرر.
قال محمد: ولا حق للعصبة فيه إلا أن يكون على دينه، وهذا [على] قول
стр. 2136
أبي حنيفة وقياسه؛ وذلك لأن اختلاف الدِّيْنِ يمنع التعصيب والحق يثبت للعصبة.
وقد قالوا في الأخوين إذا كان أحدهما مسلمًا والآخر يهوديًا والصبي يهودي، فاليهودي أولى به؛ لأنَّه عصبته دون المسلم.
١٨٥٩ - فَصْل: [الحضانة إذا كثرت الحاضنات]
وسئل محمد عن النساء إذا اجتمعن ولهن أزواج؟ قال: يضعه القاضي حيث شاء؛ وذلك لأنَّه لا حق لهن، فصار كمن لا قرابة له.
١٨٦٠ - فَصْل: [حضانة أم الولد والزوجة الأمة]
قال: وأم الولد والزوجة [الأمة] سواء في الحضانة إذا أعتقت.
قال الشيخ ﵀: [وجملة] هذا: أن الأمة وأم الولد لا حق لهما في حضانة الولد الحر؛ لأن الحضانة ضرب من الولاية، ولا حق للإماء في الولايات، فأما إذا أعتقت فهي في الحضانة كالحرة؛ لأن الولاد موجود وهي من أهل الولاية.
١٨٦١ - فَصْل [حضانة أهل الذمة]
قال: وأهل الذمة في هذا بمنزلة أهل الإسلام؛ وذلك لأن الحق يثبت للأم لمنفعة الصغير، وهذا المعنى يوجد مع الكفر كالولاية في المال (من الأب) (١)، فأما إذا كانت الأم كافرة والولد مسلمًا فقد ذكر في الأصل أنها في الحضانة كالمسلمة، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا،
стр. 2137
فإذا عقلا سقط حقها؛ لأنها تعودهم أخلاق الكفر، وفي ذلك ضرر عليهما، فسقط حقها للضرر (١).
١٨٦٢ - فَصْل: [حضانة المرتدة]
ولا حق للمرتدة في الولد؛ وذلك لأنها تحبس، فلو ثبت لها [حق] الحضانة لاستضرَّ الصغير بالحبس.
١٨٦٣ - فَصْل: [الحضانة في حال بلوغ الغلام والجارية]
وإذا بلغت الجارية مبلغ النساء ولم تكن مأمونة على نفسها، فللأب أن يضمها إليه وإن أبت؛ لأنَّه لا يؤمن [المَعَرَّة] (٢) منها، فله أن يحفظها حتى لا تُلحق به شيئًا، فإن كانت مأمونة بِكْرًا ضمّها إلى نفسه؛ لأنها لم تختبر الرجال فلا يؤمن عليها الخداع، فإن كانت ثيبًا فلا حق له فيها؛ لأنها قد اختبرت الرجال وأمنت الخداع.
فأما الغلام إذا [بلغ و] عقل واجتمع رأيه واستغنى عن الأب، فإن كان مأمونًا فلا حق للأب في إمساكه، كما ليس له أن يمنعه من ماله، فإن كان غير مأمون، فله أن يضمه [إلى نفسه] حتى لا يلحق به شيئًا.
قال: وليس عليه نفقته إلا أن يتطوع؛ لأن الرجل البالغ الصحيح لا يجب نفقته على أبيه، وسنبين ذلك في النفقات (٣).
стр. 2138
بَابْ المرأة تخرج بولدها إلى بلد آخر
قال: وجملة هذا الباب أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج بولدها إلى بلد آخر، إلا أن تكون مبتوتة تخرجه إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه، أو تخرجه إلى مكان يقدر أبوه على مشاهدته والعود قبل الليل، ونحن نُبَيِّنُ تفصيل هذه الجملة.
قال أبو الحسن: قال محمد: إذا أراد الرجل أن يخرج من بلده فأراد أخذ ولده الصغير، لم يكن له ذلك حتى يبلغ ما وصفت لك؛ لأنا قد قدمنا أن الأمَّ أحق به منه، فإذا أراد أخذه ليسقط حقها لم [يُمَكَّنْ من ذلك] (١).
قال محمد: وإن أرادت امرأة ممن لها الحضانة أن تخرج من المصر الذي هي فيه إلى غيره إلى آخر ما ذكره، وهذا لا يخلو: [إما] (٢) أن تكون زوجة، أو مطلقة، فإن كانت زوجة فللزوج أن يمنعها من الخروج، سواء كان معها ولد أو لم يكن؛ لأن عليها المقام في دار زوجها، وإن كانت مبتوتة فأرادت أن تخرج إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه فلها ذلك؛ لأن الإنسان إذا تزوج في بلد فالظاهر أنه يقيم فيه، فقد التزم لها المقام في بلدها، وإنما لزمها اتباعه بحكم الزوجية، فإذا زالت جاز أن يعود؛ لأنَّه رضي بذلك (٣).
стр. 2139
١٨٦٤ - فَصْل [طلب الأم نقل الابن إلى بلدها]
فإن أرادت أن تنقله إلى بلدها، وقد وقع النكاح في غيره فليس لها ذلك؛ لأن الأب لم يلتزم لها المقام في بلدها، فلا يجوز لها أن تفرق بينه وبين ولده من غير التزامه.
وقد روي عن شريح أنه قال: إذا تفرقت الدار فالعَصَبَة أحق
بالولد، وإن وقع النكاح في غير بلدها فأرادت أن تنقله إلى البلد الذي وقع النكاح فيه، فليس لها ذلك؛ لأنَّه ليس بوطنها وإنما هو دار غربة، كما أن البلد الذي فيه الزوج دار غربة، فإذا تساويا لم يجز لها النقل، فإن أرادت نقل الصبي إلى بلد آخر وبين البلدين ما يقدر الأب أن [يسير] (١) إليه ويعود إلى منزله قبل الليل فلها ذلك؛ لأنَّه لا يلحق الأب ضرر بهذا الانتقال إلا كما يلحقه بالنقل في محال المصر وأقطاره، وأما أهل السواد إذا أرادت المرأة أن تنتقل بالصبي إلى (قريتها) (٢)، وقد وقع النكاح فيها، فلها ذلك لما قدمنا في البلد، فإن كان النكاح وقع في غيرها فليس لها نقله إلى (قريتها) (٣)، ولا إلى القرية التي وقع فيها النكاح إذا كانت بعيدة لما بينا في البلدين، وإن كان بين القريتين قرب يمكن الأب النظر إلى الصبي والعود قبل الليل فلها ذلك؛ لأنَّه لا ضرر في النقل، وإن كان الأب في المصر فأرادت نقل ولده إلى السواد وقد تزوجها فيه، فلها ذلك؛ لأن الأب التزم المقام في مكان النكاح إذا كان وطن المرأة، وإن أرادت نقله من المصر إلى قرية قريبة من المصر يمكن الأب النظر إلى ولده والعود قبل الليل - ولم يقع
стр. 2140
أصل النكاح في هذه القرية - فليس لها ذلك؛ لأن أخلاق أهل السواد أجفى من أخلاق أهل المصر، فإذا نقلت الصبي [تعوّد تلك] (١) الأخلاق، فلم يجز لها ذلك إذا لم يكن الأب قد التزمه.
١٨٦٥ - فَصْل: [نقل الأم ولدها إلى دار الحرب]
وليس للمرأة أن تنقل ولدها إلى دار الحرب وإن كان قد تزوجها فيها؛ لأن ذلك ضررًا على الصَّبِيِّ؛ لأنَّه يتعود أخلاق الكفار وينشأ معهم.
وقد ذكر محمد في الجامع الصغير مسألة النقل وأبهمها فقال: إنما أنظر في هذا إلى الموضع الذي وقع فيه عقد النكاح، والصحيح ما ذكرناه من التفصيل، وقد بينه في غير الجامع الصغير (٢).
١٨٦٦ - فَصْل: [تخيير الولد بين الأب والأم]
وإذا اختلف الأب والأم في الولد: لم يخير قبل البلوغ، فإذا بلغ خيّر، وقال الشافعي: يخيّر الغلام إذا عقل التخيير (٣).
لنا: قوله ﵇: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٤)، ولأن مصالح الصغير لا رجع فيها إلى اختياره كمصالح ماله، فلأنه يتخير شر الأبوين، وهو الذي يهمله ويترك تأديبه، فلم يجز الرجوع إلى اختياره.