← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

أبي حنيفة وقياسه؛ وذلك لأن اختلاف الدِّيْنِ يمنع التعصيب والحق يثبت للعصبة. وقد قالوا في الأخوين إذا كان أحدهما مسلمًا والآخر يهوديًا والصبي يهودي، فاليهودي أولى به؛ لأنَّه عصبته دون المسلم. ١٨٥٩ - فَصْل: [الحضانة إذا كثرت الحاضنات] وسئل محمد عن النساء إذا اجتمعن ولهن أزواج؟ قال: يضعه القاضي حيث شاء؛ وذلك لأنَّه لا حق لهن، فصار كمن لا قرابة له. ١٨٦٠ - فَصْل: [حضانة أم الولد والزوجة الأمة] قال: وأم الولد والزوجة [الأمة] سواء في الحضانة إذا أعتقت. قال الشيخ ﵀: [وجملة] هذا: أن الأمة وأم الولد لا حق لهما في حضانة الولد الحر؛ لأن الحضانة ضرب من الولاية، ولا حق للإماء في الولايات، فأما إذا أعتقت فهي في الحضانة كالحرة؛ لأن الولاد موجود وهي من أهل الولاية. ١٨٦١ - فَصْل [حضانة أهل الذمة] قال: وأهل الذمة في هذا بمنزلة أهل الإسلام؛ وذلك لأن الحق يثبت للأم لمنفعة الصغير، وهذا المعنى يوجد مع الكفر كالولاية في المال (من الأب) (١)، فأما إذا كانت الأم كافرة والولد مسلمًا فقد ذكر في الأصل أنها في الحضانة كالمسلمة، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها أحق بالصغير والصغيرة حتى يعقلا،

стр. 2137

فإذا عقلا سقط حقها؛ لأنها تعودهم أخلاق الكفر، وفي ذلك ضرر عليهما، فسقط حقها للضرر (١). ١٨٦٢ - فَصْل: [حضانة المرتدة] ولا حق للمرتدة في الولد؛ وذلك لأنها تحبس، فلو ثبت لها [حق] الحضانة لاستضرَّ الصغير بالحبس. ١٨٦٣ - فَصْل: [الحضانة في حال بلوغ الغلام والجارية] وإذا بلغت الجارية مبلغ النساء ولم تكن مأمونة على نفسها، فللأب أن يضمها إليه وإن أبت؛ لأنَّه لا يؤمن [المَعَرَّة] (٢) منها، فله أن يحفظها حتى لا تُلحق به شيئًا، فإن كانت مأمونة بِكْرًا ضمّها إلى نفسه؛ لأنها لم تختبر الرجال فلا يؤمن عليها الخداع، فإن كانت ثيبًا فلا حق له فيها؛ لأنها قد اختبرت الرجال وأمنت الخداع. فأما الغلام إذا [بلغ و] عقل واجتمع رأيه واستغنى عن الأب، فإن كان مأمونًا فلا حق للأب في إمساكه، كما ليس له أن يمنعه من ماله، فإن كان غير مأمون، فله أن يضمه [إلى نفسه] حتى لا يلحق به شيئًا. قال: وليس عليه نفقته إلا أن يتطوع؛ لأن الرجل البالغ الصحيح لا يجب نفقته على أبيه، وسنبين ذلك في النفقات (٣).

стр. 2138

بَابْ المرأة تخرج بولدها إلى بلد آخر قال: وجملة هذا الباب أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج بولدها إلى بلد آخر، إلا أن تكون مبتوتة تخرجه إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه، أو تخرجه إلى مكان يقدر أبوه على مشاهدته والعود قبل الليل، ونحن نُبَيِّنُ تفصيل هذه الجملة. قال أبو الحسن: قال محمد: إذا أراد الرجل أن يخرج من بلده فأراد أخذ ولده الصغير، لم يكن له ذلك حتى يبلغ ما وصفت لك؛ لأنا قد قدمنا أن الأمَّ أحق به منه، فإذا أراد أخذه ليسقط حقها لم [يُمَكَّنْ من ذلك] (١). قال محمد: وإن أرادت امرأة ممن لها الحضانة أن تخرج من المصر الذي هي فيه إلى غيره إلى آخر ما ذكره، وهذا لا يخلو: [إما] (٢) أن تكون زوجة، أو مطلقة، فإن كانت زوجة فللزوج أن يمنعها من الخروج، سواء كان معها ولد أو لم يكن؛ لأن عليها المقام في دار زوجها، وإن كانت مبتوتة فأرادت أن تخرج إلى بلدها وقد وقع النكاح فيه فلها ذلك؛ لأن الإنسان إذا تزوج في بلد فالظاهر أنه يقيم فيه، فقد التزم لها المقام في بلدها، وإنما لزمها اتباعه بحكم الزوجية، فإذا زالت جاز أن يعود؛ لأنَّه رضي بذلك (٣).

стр. 2139

١٨٦٤ - فَصْل [طلب الأم نقل الابن إلى بلدها] فإن أرادت أن تنقله إلى بلدها، وقد وقع النكاح في غيره فليس لها ذلك؛ لأن الأب لم يلتزم لها المقام في بلدها، فلا يجوز لها أن تفرق بينه وبين ولده من غير التزامه. وقد روي عن شريح أنه قال: إذا تفرقت الدار فالعَصَبَة أحق بالولد، وإن وقع النكاح في غير بلدها فأرادت أن تنقله إلى البلد الذي وقع النكاح فيه، فليس لها ذلك؛ لأنَّه ليس بوطنها وإنما هو دار غربة، كما أن البلد الذي فيه الزوج دار غربة، فإذا تساويا لم يجز لها النقل، فإن أرادت نقل الصبي إلى بلد آخر وبين البلدين ما يقدر الأب أن [يسير] (١) إليه ويعود إلى منزله قبل الليل فلها ذلك؛ لأنَّه لا يلحق الأب ضرر بهذا الانتقال إلا كما يلحقه بالنقل في محال المصر وأقطاره، وأما أهل السواد إذا أرادت المرأة أن تنتقل بالصبي إلى (قريتها) (٢)، وقد وقع النكاح فيها، فلها ذلك لما قدمنا في البلد، فإن كان النكاح وقع في غيرها فليس لها نقله إلى (قريتها) (٣)، ولا إلى القرية التي وقع فيها النكاح إذا كانت بعيدة لما بينا في البلدين، وإن كان بين القريتين قرب يمكن الأب النظر إلى الصبي والعود قبل الليل فلها ذلك؛ لأنَّه لا ضرر في النقل، وإن كان الأب في المصر فأرادت نقل ولده إلى السواد وقد تزوجها فيه، فلها ذلك؛ لأن الأب التزم المقام في مكان النكاح إذا كان وطن المرأة، وإن أرادت نقله من المصر إلى قرية قريبة من المصر يمكن الأب النظر إلى ولده والعود قبل الليل - ولم يقع

стр. 2140

أصل النكاح في هذه القرية - فليس لها ذلك؛ لأن أخلاق أهل السواد أجفى من أخلاق أهل المصر، فإذا نقلت الصبي [تعوّد تلك] (١) الأخلاق، فلم يجز لها ذلك إذا لم يكن الأب قد التزمه. ١٨٦٥ - فَصْل: [نقل الأم ولدها إلى دار الحرب] وليس للمرأة أن تنقل ولدها إلى دار الحرب وإن كان قد تزوجها فيها؛ لأن ذلك ضررًا على الصَّبِيِّ؛ لأنَّه يتعود أخلاق الكفار وينشأ معهم. وقد ذكر محمد في الجامع الصغير مسألة النقل وأبهمها فقال: إنما أنظر في هذا إلى الموضع الذي وقع فيه عقد النكاح، والصحيح ما ذكرناه من التفصيل، وقد بينه في غير الجامع الصغير (٢). ١٨٦٦ - فَصْل: [تخيير الولد بين الأب والأم] وإذا اختلف الأب والأم في الولد: لم يخير قبل البلوغ، فإذا بلغ خيّر، وقال الشافعي: يخيّر الغلام إذا عقل التخيير (٣). لنا: قوله ﵇: "أنت أحق به ما لم تنكحي" (٤)، ولأن مصالح الصغير لا رجع فيها إلى اختياره كمصالح ماله، فلأنه يتخير شر الأبوين، وهو الذي يهمله ويترك تأديبه، فلم يجز الرجوع إلى اختياره.

стр. 2141

فأما ما روى أبو هريرة أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: طلقني زوجي وإنه يريد أن ينتزع ابنه مني، وإنه قد نفعني وسقاني من بئر أبي عِنَبَة، فقال: "استهما عليه"، فقال الرجل: من يشاقني في ابني، فقال النبي ﵇ للغلام: "اختر أيهما شئت" (١) فاختار أمه، فأعطاها إياه، فهذا كان بالغًا بدلالة أنها قالت: نفعني [بمعنى] (كسب علي)، وقد قيل: إن بئر أبي عِنَبَة بالمدينة، لا يمكن الصغير الاستقاء منها، يبيّن ذلك ما روى عمارة بن ربيعة المخزومي قال: (غزا أبي نحو البحر فقتل، فجاء عمي ليذهب بي، فخاصمته أمي إلى عليّ ﵁ ومعي أخ لي صغير، فخيرني عليّ ثلاثًا، فأخترت أمي، فأبى عمي أن يرضى، فوكزه عليّ بيده وضربه بدرته، وقال: لو بلغ هذا الصبي أيضًا خيّر) (٢)، فهذا يدل على أن التخيير يقف على البلوغ.

стр. 2142

[٤٨] بَابْ الرضاع قال الشيخ رحمه الله تعالى: الرضاع (١) عندنا سبب من أسباب التحريم [وهي] على ضروب: منها النسب، ومنها النكاح كامرأة الأب وامرأة الابن، ومنها الوطء كمن وطئ جارية يملك اليمين حرمت عليه أمها وابنتها، وقد دللنا على هذه الأقسام في أول كتاب النكاح. فأما الرضاع فهو سبب من أسباب التحريم، وقد دل عليه قوله تعالى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وقال ﵇: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (٢). ١٨٦٧ - فَصْل: [تعلق التحريم بالرضاع] والرضاع عندنا يتعلق به التحريم في جهة (٣) المرضعة، وفي جهة الواطئ الذي نزل اللبن من وطئه، فأما المرضعة فقد دل على تحريمها قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فالمرضعة أم للمرضع، وأولادها إخوة (٤) له لا يحل له أن يتزوج شيئًا من ولدها ولا ولد ولدها، كما لا يجوز [له] أن يتزوج

стр. 2143

بأخواته ولا بنات إخوته وأخواته، وأمهاتها حرام عليه؛ لأنهن جداته من الرضاع، وأخواتها خالاته يحرمن عليه، ويحل له تزوج بناتهن كما يجوز في النسب، وكذلك إن كانت المرضَعة بنتًا لم يجز لأخ المرضعة تزوجها؛ لأنَّه خالها من الرضاع كخالها من النسب، ولا يجوز للمرضع أن يتزوج بمن أرضعته المرضعة؛ لأنهن أخواته (١). وأصل ذلك: أن كل اثنين اجتمعا على ثدي واحد، فهما أخوان لا يجوز لأحدهما أن يتزوج بالآخر ولا بولده، فأما التحريم من جهة الرجل فهو الذي يسميه الفقهاء لبن الفَحْل، ومعناه: أن المرضعة تحرِّم مرضَعَها على زوجها لأنهن بناته، وكذلك لو كان للرجل امرأتان فحملتا منه وأرضعت كل واحدة منها صغيرًا أجنبيًا، فقد صارا أخوين من أب، فإن كانت إحداهما أنثى لم يجز [لها] أن تتزوج بالآخر؛ لأنَّه أخوها من أبيها، فإن كانتا [بنتين] (٢) لم يجز لرجل واحد أن يجمع بينهما؛ لأنهما أختان من أب، فإن أرضعت امرأة صغيرين فهما أخوان لأب وأم، فاعتبر التحريم من جهة المرضعة تارة ومن جهة زوجها أخرى، وينتسب إلى المرضع قرابات الزوج كما ينتسب إليه قرابات الأم، فأخوات الزوج عماته لا يحل له مناكحتهن، ويجوز له مناكحة أولادهن، فأمّ الزوج جدته، تحرم عليه كما تحرم الجدة من النسب، ولا يحل لهذا المرضَع أن يتزوج امرأة وطئها الزوج، كما لا يجوز له أن يتزوج بامرأة أبيه، ولا يجوز للزوج أن يتزوج امرأة وطئها هذا المرضع؛ لأنها حليلة [ابنه] (٣) من الرضاع، فهي كامرأة ابنه من

стр. 2144

النسب، هذا تفسير لبن الفحل. فأما الدليل على وقوع التحريم به فلقوله ﵇: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (١) ومعلوم أن النسب يتعلق به التحريم من الجهتين (٢). وروى مالك عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة أن رسول الله ﷺ ، قال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة" (٣). وروى مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أن عائشة أخبرتها أن رسول الله ﷺ كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله هل هذا الرجل يستأذن في بيتك، فقال: "أراه فلانًا لعم حفصة من الرضاع" فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حيًا عمي من الرضاعة لكان يدخل علي؟ فقال: "نعم، إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة" (٤). وروى مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: (جاء عمي من الرضاعة فاستأذن عَلَيَّ فأبيت أن أذن له حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك فقال: "إنه عمك فأذني له" فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، فقال رسول الله: "إنه عمك فليلج عليك"، قالت: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب) (٥)، وكان الداخل عليها أفلح بن أبي قعيس أرضعتها امرأة أخيه، والعم من الرضاع لا يكون إلا من لبن الفحل.

стр. 2145

وقد روى الزهري عن عروة عن عائشة في هذا الخبر أن النبي ﷺ قال لها: "ائذني له فإنه عمك" قلت وكيف يكون عمي وإنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل؟ قال: "تربت يمينك ائذني له فإنه عمك" (١)، وروي عن أم حبيبة أنها قالت: يا رسول الله، هل لك في حمنة ابنة أبي سفيان قال: فأصنع ماذا؟ قالت تتزوجها لقد أخبرت أنك أردت زينب بنت أبي سلمة، فقال رسول الله ﷺ : "لو لم تكن ربيبتي في حِجري، إنها لابنة أخي أرضعتني، وأباها فلانة، فلا تعرضن عليّ أمهاتكن ولا بناتكن ولا أخواتكن ولا عماتكن" (٢) وروي عن عَلِيٍّ أنه قال: سلوني، فسأله ابن الكواء: عن بنت الأخ من الرضاعة، فقال عَلِيٌّ: ذكرت لرسول الله ﷺ ابنة حمزة، فقال: "هي ابنة أخي من الرضاعة" (٣). وروي عن علي قال: قلت: يا رسول الله مالك تَنَوَّق في قريش وتدعنا، قال: "وعندكم شيء" قال: قلت: نعم، ابنة حمزة، فقال: "لا تحل لي إنها بنت أخي من الرضاعة" (٤)، ولأن الزوج سبب في نزول اللبن فتعلق به التحريم كما يتعلق [بالوالد] (٥) لما كان سببًا في الولد. واحتج من خالف بأن الرجل لو نزل له لبن فارتضعت صبية منه لم تحرم عليه، فإذا لم يثبت [له] التحريم بفعله، لم يثبت له بفعل غيره. وهذا ليس

стр. 2146

بصحيح؛ لأن [لبن] (١) الرجل لا يسمى رضاعًا، ولا يكتفي به الصبي في الغالب، والحكم يتبع هذا المعنى، ولا يقال: إن الله تعالى ذكر التحريم من جنبة النساء، فلو تعلق بجنبة الرجال تحريم لذكره كما ذكره في النسب الجنبتين؛ وذلك لأن الله تعالى تارة يبين الحكم بالنص وتارة بالتنبيه بحسب المصلحة، على أن النبي ﵇ قد بين ذلك، والأحكام كلها لا تقف على القرآن، وإذا ثبت أن التحريم يثبت من جهة (٢) الرجال، صار زوج المرضعة أبًا، فيتعلق به وبأنسابه وزوجاته من التحريم ما يتعلق بالنسب. ١٨٦٨ - فَصْل: [الرضاع الموجب للتحريم] [قال]: والرضاع الموجب للتحريم ما كان في الصِّغَرِ، فأما رضاع الكبير فلا يتعلق به التحريم والدليل على ذلك قوله ﵇: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم" (٣)، وقال ﵇: "الرضاع من المجاعة" (٤)، وهذا يدل أن التحريم يتعلق بالرضاع إذا اكتفى الصغير به في الغذاء؛ لأنه لا ينبت اللحم وينشز العظم في حال الكبر، ولأن الكبير لا يكتفي باللبن في الغذاء فصار كلبن الشاة. وقد روى جابر أن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فِصال، ولا يُتْمَ بعد حُلُم، ولا صمت يومًا إلى الليل بغير كلام، ولا وِصال في صيام، ولا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتاق إلا بعد ملك، ولا وفاء بنذر في معصية، ولا يمين في قطيعة

стр. 2147

رحم، [ولا تعرب بعد الهجرة] (١)، ولا هجرة بعد الفتح" (٢)، وأما حديث سهلة فقد روى أن أبا حذيفة بن عتبة وكان من أصحاب رسول الله ﷺ ، وشهد بدرًا وكان قد تبنى سالمًا الذي الذي يقال له سالم مولى أبي حذيفة، كما تبنى رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وأنكحه ابنة أخته فاطمة ابنة الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي يومئذ أفضل أَيامَى (٣) قريش، فلما أنزل الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] [ردّ كل واحد منا مَن تبناه إلى أبيه]، فإن لم يعلم أبوه رد إلى مواليه، فجاءت سهلة بنت سهيل وهي امرأة أبي حذيفة بن عامر بن لؤي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، كنا نرى سالمًا ولدًا وكان يدخل علي وليس لنا إلا بيت واحد، فماذا ترى في شأنه؟، فقال لها رسول الله ﷺ : "أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنك" (٤)، فكانت تراه ابنًا من الرضاعة، [فأخبرت] (٥) بذلك عائشة، فمن كانت تحب أن يدخل عليها من الرجال، كانت تأمر أختها أم كلثوم بنت أبي بكر، وبنات أختها أن يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال، وأبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخل عليهن بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، وقلن ما نرى الذي أمر به النبي ﷺ سهلة بنت سهيل إلا رخصة في سالم وحده) (٦)، فلا دلالة في هذا الخبر؛ لأنه منسوخ بقوله ﵇: "لا رضاع

стр. 2148

بعد الفصال"، وبقوله: "الرضاع ما أنبت اللحم". فأما مذهب عائشة فهو معارض بمذهب بقية الزوجات، [وقد خالفها في ذلك عامة] (١) أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال علي: لا رضاع إلا ما كان في الحولين، وقال: لا رضاع بعد الفصال، وقد روي أن رجلًا من أهل البادية ولدت امرأته فمات ولدها فورم ثديها، فجعل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه، فجاء إلى أبي موسى فسأله، فقال: حرمت عليك، فجاء إلى عبد الله بن مسعود فسأله، فقال: سألت عنها أحدًا؟ فقال: سألت أبا موسى الأشعري فقال: حرمت عليك، فجاء إلى أبي موسى فقال: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحِبْرُ بين أظهركم (٢). وقال أبو هريرة: (لا رضاع إلا ما فتق به الأمعاء، وكان غذاء له قبل الطعام). وعن ابن عمر أن رجلًا جاء إلى عمر فقال: كانت لي وليدة أطَؤُها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها، فدخلت عليها فقالت: دونك، فقد والله أرضعتها، فقال عمر: (واقعها فهي جاريتك، فإنما الرضاعة رضاعة الصغير) (٣). ١٨٦٩ - فَصْل: [التحريم في قليل الرضاع وكثيره] وقليل الرضاع وكثيره يثبت التحريم في حال الصغر، وقال الشافعي: لا يثبت

стр. 2149

التحريم إلا بخمس رضعات (١)، وقال نفاة القياس: ثلاث رضعات (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] ولم يفصل، وروي عن عَلَيٍّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "يحرم من الرضعة ما يحرم الحولان الكاملان". ذكر أبو الحسن في الجامع الصغير: وروي أن قتادة كتب إلى إبراهيم يسأله عن الرضاع، فكتب إليه أن عليًا وعبد الله كانا يقولان: كثيره وقليله يُحرّم. وعن أبي الزبير قال: أمرني عطاء بن أبي رباح أن أسأل ابن عمر عن الرضعة الواحدة أو قال: المصة الواحدة، فقال: لا يصلح، فقيل له: إن ابن الزبير كان يرخص فيها، فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير (٣)، حَرّم الله الأخوات من الرضاع، ولأنه سبب لتحريم مؤبد، فلا يعتبر فيه التكرار كالوطء، وأما قوله ﵇: "لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان" (٤)، فإنما ورد في رضاع الكبير بدلالة أن التحريم يثبت في حق البالغ دون الطفل، وبدلالة ما روت أم الفضل قالت: دخل أعرابي على النبي ﷺ وهو في بيتي فقال: إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى، فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين، فقال النبي ﵇: "لا تحرم الإملاجة

стр. 2150

ولا الإملاجتان" (١)، فثبت أنه في رضاع الكبير، وقد نسخ ذلك باتفاق منا. وأما حديث عَمْرة عن عائشة قالت: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله ﷺ وهي على ما تقرأ من القرآن) (٢) فحديث ضعيف (٣)؛ لأن اتفاق الأمة على إسقاط ذلك من التلاوة يدل على نسخه؛ لامتناع أن يتركوا شيئًا من تلاوة من القرآن. وقد روى القاسم بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت: (كان فيما أنزل من القرآن ثم سقط أنه لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس رضعات معلومات) (٤)، فقد أخبرت بسقوط الأمرين؛ ولأن هذا كان في رضاع الكبير بدلالة أن التحريم في الحقيقة لا يثبت إلا في حقه، وليس يمتنع أن يختلف رضاع الكبير والصغير؛ لأن الكبير لا يكتفي من الغذاء بما يكتفي به الصغير. ١٨٧٠ - فَصْل: [الحد الفاصل في رضاع الصغير] فإذا ثبت أن رضاع الكبير لا يثبت به التحريم، ورضاع الصغير يثبت به التحريم، احتجنا إلى الحد الفاصل بين الأمرين: فقال أبو حنيفة: يثبت حكم الرضاع في الصغير إلى ثلاثين شهرًا، فما ارتضع بعدها لم يتعلق به حكم (٥).

стр. 2151

وقال أبو يوسف ومحمد: إلى الحولين، وهو قول الشافعي (١)، وقال زفر: إلى ثلاث سنين (٢). وجه قول أبي حنيفة: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فأثبت الفصال بعد الحولين بتراضيهما، وهذا يمنع وقوع الفصال قبل التراضي؛ ولأنها مدة لانتقال الصبي من حال إلى حال لها نادر ومعتاد، فإذا جاز أن يزاد على نادرها جاز أن يزاد على معتادها كمدة الحمل؛ ولأن مدة الحمل لما جاز أن يُقَدَّرَ بالسنتين وستة أشهر، جاز أن يقدر الرضاع بالأمرين. وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وقال ﵇: "لا رضاع بعد الحولين" (٣). وجه قول زفر: أن السَّنة الثالثة لما ثبت [التحريم بالرضاع] (٤) في ابتدائها ثبت في [انتهائها] (٥) كالسنة الأولى والثانية. ١٨٧١ - فَصْل: [الرضاع بعد الفطام في مدة الرضاعة] وفد اختلف أصحابنا: فيمن فصل في مدة الرضاع ثم سقى بعد الفصال في المدة، على قول كل واحد منهم فيها: فروى محمد عن أبي حنيفة: أن ما كان من رضاع في ثلاثين شهرًا قبل الفطام أو بعده فهو رضاع يحرم.

стр. 2152

وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا فطم في السنتين [حتى استغنى بالطعام، ثم ارتضع بعد ذلك في السنتين] أو الثلاثين شهرًا، لم يكن ذلك رضاعًا؛ لأنه لا رضاع بعد فطام (١)، وإن [كانت] هي فطمته فأكل أكلًا ضعيفًا لا يستغني به عن الرضاع، ثم عاد فارتضع كما ارتضع أولًا في الثلاثين الشهر فهو رضاع يحرم كما يحرم رضاع الصغير الذي لم يفطم. وروى محمد وأصحاب الإملاء عن أبي يوسف: أنه إذا فطم قبل الحولين ثم ارتضع في بقية الحولين فهو رضاع، وهو مذهب محمد، كان لا يعتد بالفطام إلا بعد الحولين. وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف: أنه إذا ارتضع بعد الفطام في الحولين لم يكن رضاعًا. وجه قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف قوله ﵇: "لا رضاع بعد الفصال"، ولأن المدة المقدرة إنما (قدرت) (٢) لأن الصبي يستغني عن الرضاع بعدها، فإذا فصل (٣) واستغنى صار كمضي المدة. وأما رواية الحسن فلا تخالف الرواية الأخرى؛ لأنه لم يتم الفطام إذا لم يكتف بالغذاء، والخلاف في الفطام إذا [تمّ] (٤) واكتفى الصبي بالغذاء. وجه الرواية الأخرى عن أبي يوسف وهو قول محمد: أن هذه المدة مقدرة

стр. 2153

للرضاع، فصار ما بعد الفصال وقبله سواء؛ ولأن الصبي في العادة يكتفي فيها بغذاء اللبن وإن فطم في هذه المدة، فصار وجود الفطام وعدمه سواء. ١٨٧٢ - فَصْل: [السعوط والوجور رضاع] وسواء عندنا أن يصل اللبن إلى جوف الصبي من ثَدْيٍ أو مِسْعَطٍ (١) أو غيره؛ وذلك لأن المعتبر حصول الغذاء باللبن، وهذا المعنى موجود، والسَّعُوط والوَجُور رضاع؛ وذلك لأن الوجور يصل إلى الجوف، والسعوط يصل إلى الدماغ، وهو في حكم الجوف فيقع به التغذي. ولا فرق بين البكر المرضعة والثيب، ومن لها زوج ومن لا زوج لها؛ لأن الغذاء يحصل للصبي في الأحوال كلها، وهو المعنى الذي يتعلق به التحريم (٢). ١٨٧٣ - فَصْل: [وقوع التحريم بلبن الميتة] ولا فرق عندنا بين لبن الحية والميتة في وقوع التحريم به، وقال الشافعي: إذا حُلب اللبن بعد الموت لم يقع به التحريم (٣). لنا: أن اللبن بعد الموت على ما كان عليه قبله إلا أنه في وعاء نجس، وذلك لا يمنع وقوع التحريم، كما لو حلب من الحية في ظرف نجس أو خلط به خمرًا، ولأن الميتة بطل (٤) فعلها، وفعل المرضعة غير معتبر بدلالة ارتضاع

стр. 2154

الصبي منها وهي نائمة، ولا يعتبر التحريم بلبن الميتة في التحريم بوطء الميتة؛ لأن المقصود من اللبن التغذي والموت لا يمنع من ذلك، والمقصود من الوطء اللذة المعتادة، وذلك لا يوجد في وطء الميتة (١). ١٨٧٤ - فَصْل: [حقن الصبي باللبن] قال: فإن حُقن الصبي باللبن لم يحرّم، ولم يحك خلافًا، وروي عن محمد: أنه يحرم. وجه قولهم المشهور: أن الحقنة (٢) تصل إلى الأمعاء الثانية، والغذاء يكون في الأمعاء الأولى فلا يقع التغذي ولا يحرم. وجه قول محمد: أنه قد وصل إلى الجوف؛ [ولذلك] (٣) يقع الفطر به فصار كما يصل من الفم. ١٨٧٥ - فَصْل: [أثر قطر اللبن من الأذن] وأما إذا أقطر من أذنه لم يثبت التحريم؛ لأنه لا يعلم وصوله إلى الدماغ لضيق الخرق في الأذن فلا يثبت به التحريم، وكذلك إذا أقطر في إحليله؛ لأن ذلك لا يصل إلى الجوف، وأكثر ما فيه يصل إلى المثانة، وكذلك إذا أقطر في جائفة أو آمَّةٍ؛ وذلك لأن الغذاء لا يحصل بما يصل من الجراح، فلا يعتد به في التحريم.

стр. 2155

١٨٧٦ - فَصْل: [أثر اختلاط اللبن بغيره في الرضاع] فأما إذا اختلط اللبن بغيره فهو على وجوه: إذا اختلط بالطعام فمسته النار حتى نضج أو طبخ بأُرْزٍ لم يتعلق به التحريم في قولهم؛ لأنه استحال [بالطبخ] وزال عن صفته، فإن اختلط به الطعام ولم تمسه النار والطعام هو الغالب لم يثبت به التحريم؛ وذلك لأن الطعام إذا غلب [عليه] سلب قوته وزال معنى اللبن منه، فلم يتعلق به التحريم، وإن كان اللبن غالبًا للطعام وهو طعام يستبين ويعتد به، فإن التحريم لا يقع به عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يحرّم (١). وجه قول أبي حنيفة: أن الطعام إذا وقع في اللبن فإن كان دونه فإنه يسلب قوته؛ بدلالة أنه يرق ويضعف في المشاهدة، فصار كالغالب عليه. وجه قولهما: أن اللبن إذا كان غالبًا فهو متبوع وغيره تبع، فلا يمنع التحريم كاللبن إذا غلب على الماء. ١٨٧٧ - فَصْل: [أثر اختلاط اللبن بالدواء أو بالدهن] وأما إذا خلط اللبن بالدواء أو الدهن أو النبيذ، فإن كان اللبن غالبًا [يقع التحريم] (٢)؛ لأن هذه الأشياء تجعل في اللبن لتوصله إلى مكان لا يصل إليه بنفسه، فوقوع التحريم مع المخالطة بها أولى، وأما إذا غلبه الدواء لم يقع به التحريم؛ لأن اللبن مغلوب فلا يقع به التغذي (٣).

стр. 2156

١٨٧٨ - فَصْل: [أثر خلط اللبن بالماء] وأما إذا [خلطَ] (١) اللبن بالماء فإن كان اللبن غالبًا تعلق به التحريم؛ لأن الحكم له والماء تبع، فإن كان الماء غالبًا لم يقع به التحريم، وقال الشافعي: إذا أقطر من الثدي مقدار خمس رضعات في حُبّ من ماء، فشرب منه الصبي تعلق به التحريم (٢)، وهذا فاسد لأن النبي ﷺ علق التحريم بما [يقع] (٣) به التغذي، [والماء الغالب لا يتغذى به الصبي] (٤) فلا يقع به التحريم. ١٨٧٩ - فَصْل: [اختلاط اللبن بلبن الشاة] وأما إذا اختلط اللبن بلبن (شاة اعتبر الأغلب، فإن غلب لبن المرأة تعلق به التحريم، وإن غلب لبن الشاة) (٥) لم يتعلق به التحريم (٦)؛ لأن لبن الشاة لا يؤثر في التحريم كالماء. ١٨٨٠ - فَصْل: [أثر اختلاط لبن امرأتين في الرضاع] وأما إذا اختلط لبن امرأتين فروى محمد عن أبي يوسف: أن التحريم للأغلب، وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثله، وقال

стр. 2157

محمد وزفر: يقع التحريم [منهما] (١) (٢). وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن الحكم يتعلق بالغالب، والمغلوب تبع فلا يعتد به كما لو غلب عليه غير اللبن. وجه قول محمد: أن الشيء لا يصير مستهلكًا في جنسه، وإنما [يصير مستهلكًا] (٣) من غير جنسه، وإذا لم يستهلك [الأقل] (٤) تعلق التحريم بهما. ١٨٨١ - فَصْل: [ما يحرم بالرضاع] قال: وإذا أرضعت المرأة صبيًا حرم عليه ولدها، من تقدم منهم ومن تأخر، قصرت المدة أو طالت، من أرضعته بلبنه ومن لم ترضعه بلبنه؛ لأنها صارت أمًا له فأولادها إخوته، والتحريم يتعلق بالإخوة من الرضاع كما يتعلق بالإخوة من النسب (٥). وقد قال أصحابنا: أن ما يتعلق به التحريم من النسب يتعلق به التحريم من الرضاع، إلا مسألتين: - لا يجوز للرجل أن يتزوج أخت ابنه من النسب، ويجوز أن يتزوج أخت ابنه من الرضاع؛ وذلك لأن المانع من تزويج أخت ابنه وطؤه لأمها، وهذا [المعنى] لا يوجد في الرضاع.

стр. 2158

- والمسألة الثانية: لا يجوز للرجل أن يتزوج أم (أخته) (١) من النسب ويجوز من الرضاع؛ لأن المانع فى [النسب] (٢) وطء أبيه لها، وهذا لا يوجد في الرضاع، فأما أخت أخته فيجوز أن يتزوجها من النسب فكذلك [من] الرضاع. ويجوز أن يتزوج أم المرضَع؛ لأن المرضَع ابنه، ويجوز للإنسان أن يتزوج أم ابنه من النسب، وكذلك يتزوج بمحارم أب الصبي من الرضاع أو النسب كما يجوز أن يتزوج أمه، ولا بأس أن يتزوج المرضَع بنت أخي أبيه من الرضاع وبنت أخي أمه وبنت أختها؛ لأنها بنت عمته وبنت خالته وبنت خاله، وذلك يجوز من النسب وكذلك من الرضاع. وقال محمد في الإملاء رواية الكيساني: لو تزوج رجل امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، لم يحل له أن يتزوج أمها من الرضاعة؛ وذلك لأن العقد على المرأة يحرِّم أمها من النسب فكذلك من الرضاع. قال: ولا يحل له أن يتزوج بنت امرأته من الرضاع إن كان دخل بها؛ وذلك لأن تحريم الربيبة من النسب تعلق بوطء الأم فكذلك الربيبة من الرضاع (٣). ١٨٨٢ - فَصْل: [أثر بقاء لبن الزوج الأول في الرضاع] وإذا طلق الرجل امرأته فانقضت عدتها ولها لبن منه، فتزوجت وحبلت من الثاني فأرضعت صبيًا، قال أبو حنيفة: التحريم من الأول دون الثاني حتى تضع، فإذا وضعت فالتحريم من الثاني دون الأول (٤).

стр. 2159

وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا نزل لها لبن (من الثاني) (١)، فالتحريم للثاني وبطل الأول. وروى الحسن بن زياد عنه: أنها إذا حبلت فاللبن للثاني، وقال محمد: إذا نزل لها لبن، فالتحريم للزوجين، فإذا وضعت فالتحريم للثاني. وجه قول أبي حنيفة: أن الحامل قد ينزل لها لبن وقد لا ينزل حتى تضع، والتحريم متعلق بالأول، فلا يرتفع حتى يحدث [سبب] (٢) مثله، وأما زيادة اللبن فلا يدل على حدوث اللبن من الثاني؛ لأن اللبن قد يزيد بجودة [الغذاء] (٣) وصحة البدن، فلم يجز أن نزيل التحريم بالشك. وجه قول أبي يوسف (٤): أن الحامل قد ينزل [لها لبن] (٥)، فإذا زاد لبنها فالظاهر أنه حدث من الحمل الثاني؛ لأن المرضع كلما تمادى زمانها قلَّ لبنها، فلما كثر عُلم أنه حادث، فيتعلق به التحريم. وأما رواية الحسن عنه: فلأن الحبل يقطع اللبن الأول ويحدث عنده اللبن من الثاني (فيتعلق به التحريم. وجه قول محمد: أن اللبن الأول باقٍ، والزيادة تدل على نزول) (٦) اللبن الثاني، فصار كلبنين خلطا، فتعلق التحريم بهما، فإذا وضعت انقطع اللبن الأول

стр. 2160

في الغالب، فتعلق الحكم بالثاني. ١٨٨٣ - فَصْل: [التحريم الطارئ بالرضاع على النكاح] وقد بينا على ما ذكره أبو الحسن في الكتاب، وبينا حكم التحريم المتعلق بالرضاع السابق، ولم يبين أبو الحسن حكم التحريم الطارئ [بالرضاع] على النكاح. وقد قال أصحابنا: لا فرق في التحريم بين الرضاع الطارئ والمتقدم، فقالوا فيمن تزوج صغيرة فأرضعتها أمه حرمت عليه؛ وذلك لأن هذا تحريم مؤبد فيستوي فيه الابتداء والبقاء (١). وقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: لو تزوج رجل صبيتين (٢) فجاءت امرأة فأرضعتهما معًا أو واحدة بعد الأخرى (صارتا أختين من الرضاعة وحرمتا عليه؛ وذلك لأنها إذا أرضعت إحداهما بعد الأخرى)، فإنما صارتا أختين بإرضاع الثانية، فكأنها أرضعتهما معًا، وتحريم الجمع بين الأختين يستوي فيه الابتداء والبقاء، ولكل واحدة من الصغيرتين نصف المهر؛ لأن الفرقة حصلت قبل الدخول بغير فعلهما، ثم ينظر فإن كانت المرضِعة تعمدت الفساد رجع عليها الزوج بما غرم من المهر، فإن كانت لم تتعمد لم يرجع عليها (٣)، وقال الشافعي: تضمن مهر المثل في الوجهين جميعًا (٤).

стр. 2161

لنا: أن الرضاع سبب في التحريم، والتحريم سبب في ضمان المهر، وضمان السبب يختلف فيها التعدي وغير التعدي كحفر البئر، فإن كانت المرضعة لم تتعمد الفساد لم تضمن لعدم التعدي، وإنما ضمنها الزوج إذا تعمدت ما غرم؛ لأنها قررت عليه ضمانًا كان يجوز أن يتخلص منه، ألا ترى أنه يجوز أن تكبر فترتد فيسقط جميع المهر، فإذا أرضعتهما قررت عليه نصف المهر، فكأنها أخذت ذلك من ماله فأتلفته، ولا يجوز أن تضمن مهر المثل؛ لأن خروج البضع عن ملك الزوج لا يتقوم عندنا، فإتلاف (ما لا يتقوم) (١) لا يضمن. قال الحسن: قال أبو حنيفة: فإن كن ثلاثًا فأرضعتهن واحدة بعد الأخرى بانت الأوليان، وكانت الثالثة امرأته؛ لأنها لما أرضعت الثانية صارتا أختين، فوقعت الفرقة بينهما وبينه، ثم أرضعت الثالثة فصارت أختًا لهما وهما أجنبيتان، والتحريم يتعلق بالجمع فمن لم تُجمع لا يفسد نكاحها. قال: فإن أرضعت الأولى ثم الثنتين معًا [بِنَّ جميعًا؛ لأن رضاع الأولى لم يتعلق به تحريم، فلما أرضعت الأخريين معًا] صرن أخوات في حالة واحدة ففسد نكاحهن. قالوا: وإنْ كن أربع صبايا فأرضعتهن واحدة بعد الأخرى (حرمن) (٢) جميعًا، لأنها لما أرضعت الثانية صارت أختًا للأولى فبانتا، فلما أرضعت الرابعة صارت أختًا للثالثة فبانتا.

стр. 2162

قال: فإن تزوج كبيرة وصغيرة فأرضعت الكبيرة الصغيرة قبل الدخول بانتا؛ لأنها صارت بنتًا لها، فالجمع بين الأم والبنت يستوي في تحريمه الابتداء والبقاء، ولا مهر للكبيرة؛ لأن الفرقة جاءت قبل الدخول من جهتها، وللصغيرة نصف المهر ترجع به على الكبيرة إن كانت تعمدت الفساد على ما بينا. قال: وله أن يتزوج الصغيرة إن شاء؛ لأنها ربيبة من الرضاع لم يدخل بأمها فلا يحرم عليه نكاحها، ولا يجوز له أن يتزوج الكبيرة لأنها أم امرأته من الرضاع، فيستوي في تحريمها الدخول وعدمه. قال: وإن تزوج كبيرة وثلاث صبايا فأرضعتهن واحدة بعد واحدة بنّ جميعًا؛ لأنها لما أرضعت الأولى صارت بنتًا لها فحرمتا [عليه]، فلما أرضعت الثانية والثالثة صارت كل واحدة منهما بنت امرأته [فحرمن جميعًا] والكبيرة مدخولة فحرمتا عليه) (١) (٢). قال: ولو تزوج صغيرتين وكبيرتين فعمدت الكبيرتان إلى إحدى الصغيرتين فأرضعتاها إحداهما بعد الأخرى، ثم أرضعتا الصغيرة الثانية واحدة بعد الأخرى بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى، والصغيرة الثانية امرأته؛ (لأنهما لما أرضعتا الأولى صارت كل واحدة من الكبيرتين أم امرأته) (٣)، وصارت الصغيرة بنت امرأته، وهو جامع بينهن فحرمن عليه، فلما أرضعتا الصغيرة الثانية بعد البينونة فليس بجامع بينهن، وإنما هذه الصغيرة بنت امرأة كانت له لم يدخل بها فلا تحرم عليه.

стр. 2163

قال: ولو كانت إحدى الكبيرتين أرضعت الصغيرتين واحدة (بعد) (١) الأخرى، فإن كانت الكبيرة الأخيرة بدأت بالتي بدأت بها الكبيرة الأولى، بانت الكبيرتان والصغيرة الأولى، فإن بدأت الكبيرة الأخرى بالتي لم تبدأ بها الأولى بِنَّ جميعًا؛ وذلك لأن الكبيرة الأولى لما أرضعت الصغيرة الأولى صارت بنتها فحرمتا جميعًا، فلما أرضعت الأخرى وهي أجنبية (لم تحرم)، فلما جاءت الكبيرة الأخرى فأرضعت الصغيرة الأولى صارت (لها أمًا فحرمت) (٢)، فلما أرضعت الصغيرة الأخرى وهي أجنبية لم تحرم الصغيرة؛ لأنها بنت امرأة كانت له لم يدخل بها، فإن بدأت الكبيرة الثانية بالتي لم تبدأ بها الأولى صارت بنتها، ووقع التحريم بينها وبين الزوج [للجمع] (٣) فبِنَّ جميعًا. قال: ولو كانت [تحته] صغيرة وكبيرة فأرضعت أم الكبيرة الصغيرة بانتا؛ لأنهما صارتا أختين وكذلك لو أرضعت الصغيرةَ أختُ الكبيرة؛ لأنها صارت بنت أخت امرأته، والجمع بين المرأة وبنت أختها لا يجوز، ولو أرضعتها عمة الكبيرة أو خالتها لم تَبِنْ؛ لأنه صار جامعًا بين امرأة (وبنت عمتها أو [بنت] خالتها) (٤)، وهذا يجوز ابتداء وكذلك حال البقاء. قال: ولو طلق رجل امرأته ثلاثًا، ثم (إنها) (٥) أرضعت امرأة له صغيرة قبل أن تنقضي عدة المطلقة بانت الصغيرة؛ لأن الجمع الذي يحرم في حال النكاح

стр. 2164

يحرم في حال العدة. وروى ابن الوليد عن محمد: في رجل زوّج ابنه وهو صغير امرأة لها لبن، فارتدت وبانت من الصبي، ثم أسلمت فتزوجها رجل فحبلت [منه] فأرضعت [بلبنه] (١) ذلك الصبي الذي كان زوجها، حرمت على زوجها الثاني؛ وذلك لأن الصبي صار ابنًا لزوجها، فصار هذا الزوج متزوجًا بامرأة ابنه من الرضاع؛ وذلك لا يجوز (ابتداء وبقاء) (٢). وقال: ولو زَوَّجَ رجل أم ولده مملوكًا له صغيرًا، فأرضعته بلبن السيد حرمت على زوجها وعلى مولاها؛ لأن الزوج صار [ابنًا] (٣) للمولى، فلا يجوز أن تبقى على نكاح من وطئها أبوه، ولا يجوز للمولى أن يطأها بملك اليمين؛ لأنها امرأة ابنه. قال: ولو تزوج صبية صغيرة فطلقها ثم تزوج كبيرة لها لبن فأرضعتها، حرمت عليه؛ وذلك لأنها صارت أم امرأته. قال الشيخ ﵀: قد بينا التحريم الطارئ بالرضاع على النكاح، فالواجب أن نُبَيِّنَ حكم الشهادة بالرضاع التي يفسخ النكاح بها أو لا يفسخ. ١٨٨٤ - [فَصْل: في الشهادة بالرضاع التي يفسخ بها النكاح] قال أصحابنا: لا يقبل في الرضاع إلا شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين،

стр. 2165

وقال الشافعي: تقبل فيه شهادة أربع نسوة (١)، وقد روى محمد عن عكرمة بن خالد المخزومي عن عمر ﵁ أنه قال: لا يقبل على الرضاع أقل من شاهدين. وروي أن رجلا تزوج امرأة، فجاءت امرأة فزعمت أنها أرضعتهما، فسأل الرجل عليًا ﵁ فقال: هي امرأتك ليس أحد يحرمها عليك، فإن تنزهت فهو أفضل، وسأل ابن عباس فقال مثل ذلك (٢). والوجه فيه: أن الرضاع معنى يجوز للرجال الاطلاع عليه، ألا ترى أن محارمها ينظرون إليها، وما جاز للرجل الاطلاع عليه لم يجز الاقتصار فيه على شهادة النساء كالأموال، (ولأن ثدي الأمَة يجوز للأجانب الاطلاع عليه، فلا يقتصر ما يتعلق به على شهادة النساء) (٣) كوجهها. وأما ما روى عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت سوداء فقالت: إني أرضعتكما، فذكرت ذلك لرسول الله فأعرض، ثم ذكرته فأعرض، حتى قال في الثالثة أو الرابعة، "فدعها إذًا"، وروي أنه قال: "فارقها"، فقلت: يا رسول الله إنها سوداء، قال: "كيف وقد قيل" (٤). فلا دلالة فيه؛ لأن رسول الله ﷺ إنما كره ذلك على طريق التنزه والأولى، ألا ترى أنه أعرض عنه أولًا وثانيًا، ولو وجب التفريق لم يعرض، ثم قال: "فارقها"، وهذا يدل على بقاء النكاح، وقد روى محمد هذا الحديث، وبهذا نأخذ إذا كانت المرأة ثقة عنده، فالأولى [له] أن يتنزه ويمتنع، فلا يجب ذلك عليه.

стр. 2166

وأما ما روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل ما يجوز في الرضاع من الشهادة، فقال: "رجل وامرأة" (١)، فمحمول على وجوب التنزه بقوله، والامتناع عن التزويج بشهادته في الأولى، وأما التحريم فلا، ألا ترى أنا اتفقنا أن شهادة المرأة الواحدة لا تقبل في التحريم، فلم يبق إلا التنزه.

стр. 2167

بَابْ: النفقة [على الزوجة] [قال: النفقة تجب على الإنسان لغيره بأسباب، منها: الزوجية، والنسب، والملك]. والأصل في وجوب نفقة الزوجة قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وروى ابن حمزة الرقاشي عن عمه قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق إذ ودعه الناس -أي واجه الناس-، فقال ﵇: "اتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن حق ألا يوطئن فرشكم أحدًا غيركم، ولا يأذّن في بيوتكم لأحدٍ تكرهونه، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"، ثم قال: "ألا هل بلغت"، قالها ثلاثًا (١). وروي أن رجلا أتى النبي ﵇ فقال: ما حق المرأة على الزوج؟ فقال: "أن يطعمها إذا طعم، وأن يكسوها إذا اكتسى، وأن لا يهجرها إلا في البيت،

стр. 2168

ولا يضرب الوجه ولا يقبّح" (١). وروي أنه ﵇ قال لهند: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٢)، ولولا أن النفقة واجبة لم يأذن لها أن تأخذها بغير أمره، ولأن المرأة في حبس الزوج وممنوعة من الخروج والاكتساب لحقه، فكان عليه كفايتها. قال ابن سماعة، وأبو سليمان، وابن الوليد عن أبي يوسف: إذا تزوج الرجل المرأة البالغة فطلبت النفقة قبل أن يحولها إلى منزله، فلها النفقة إذا لم يطالبها بالنقلة، وذلك أن النقلة حق له والنفقة حق لها، فإذا ترك [هو] حقه لم يسقط حقها. قال: فإن طالبها بالنقلة فامتنعت فلا نفقة لها، وهذا على وجهين: إن كان الامتناع بحق مثل أن تمتنع لتستوفي مهرها فلها النفقة؛ وذلك لأن المهر حقها والنفقة حقها، والمطالبة بأحد الحقين لا يسقط الآخر، ولأنا جعلنا لها الامتناع حتى تستوفي المهر، فلو أسقطنا نفقتها ألحقنا بها ضررًا، والضرر يجب إلحاقه بالزوج الممتنع من أداء حقها. فأما إذا كان الامتناع بغير حق وقد أوفاها مهرها، أو كان مؤجلًا فلا نفقة لها؛ لأنها ناشزة والنشوز يسقط النفقة، بدلالة ما روي أن فاطمة بنت قيس كانت تبدو على حماتها فنقلها رسول الله ﷺ إلى بيت ابن أم مكتوم، ولم يجعل لها سُكْنَى ولا نفقة (٣).

стр. 2169

١٨٨٥ - فَصْل: [النفقة على الزوجة الصغيرة] فإن كانت صغيرة يجامع مثلها فهي كالكبيرة؛ لأنها مُسَلِّمة لنفسها في منزل زوجها، والنفقة لا تختلف بالبلوغ وعدمه كالمهر. قال: فإن وقع العقد وهي صغيرة لا يجامع مثلها فلا نفقة لها، وقال الشافعي: لها النفقة (١). لنا: أنها غير مسلمة لنفسها في منزل زوجها وإنما تسلم [بالنقل، فهي كالكبيرة الناشزة التي حملت إلى بيت زوجها مكرهة، لم تستحق النفقة]، وليس كذلك إذا كان الزوج صغيرًا وهي كبيرة؛ لأنها مسلمة لنفسها في منزل زوجها، وإنما عجز الزوج عن التسلم وذلك لا يسقط حقها. ١٨٨٦ - فَصْل: [النفقة على المريضة] قال: فإن كانت مريضة مرضًا لا يصل إلى الدخول بها وطلبت النفقة ولم ينقلها، فلها النفقة إذا لم يحل بينه وبينها أن يضمها إليه وهي مريضة، فإن امتنعت من ذلك فلا نفقة لها؛ وذلك لأن المريضة إذا بذلت الانتقال فقد سلمت نفسها، وهناك عارض مانع من الوطء فيجب لها النفقة كالحائض، وإن امتنعت من الانتقال فهي غير مسلمة لنفسها، فلا يجب لها النفقة (٢). ١٨٨٧ - فَصْل: [النفقة على الزوجة المحبوسة في دَيْن] فإن كانت قبل أن ينقلها محبوسة في دَيْن (٣)، فإن كانت تقدر على التخلي

стр. 2170

بينه وبينها فلها النفقة، وإن كانت في موضع لا يقدر عليها فلا نفقة لها؛ وذلك لأنها إذا قدرت أن توصله إليها فقد تمكن من الاستمتاع، والمنع من تسليمها نفسها (في بيته) (١) ليس من جهتها، فلا يسقط حقها، فأما إذا لم يقدر على [الوصول] (٢) إليها فليست بمسلمة نفسها، فلا يجب لها النفقة. قال: ولو طلبت النفقة وليست مريضة ولا محبوسة وهي [بالغة ففرضت] (٣) لها النفقة ثم مرضت أو حبست لم تبطل نفقتها؛ وذلك لأن التسليم قد حصل بالانتقال، والمنع عارض بغير فعلها فهي كالحائض، وليس كذلك إذا كان قبل الانتقال؛ لأن التسليم لم يوجد، فجاز أن يكون المنع مؤثرًا، وهذا الذي ذكره في الحبس محمول على الحبس بدين لا تقدر على أدائه، فأما إذا قدرت على أدائه فلم تفعل فلا نفقة لها؛ (لأن المنع باختيارها. وقال ابن سماعة عنه في نوادره في المريضة الكبيرة التي لم يدخل بها زوجها: إن كانت مريضة مرضًا شديدًا لا يجامع مثلها فلا نفقة لها عليه) (٤) ويردها إن شاء، وإنما يريد بالدخول في هذه المسائل "الانتقال"، فربما عبروا عنه "بالبناء"، فقالوا: إذا كان قبل أن يبني بها، وإنما يريدون به الانتقال دون الدخول، ألا ترى أن محمدًا قال في الرتقاء إذا طلبت النفقة: فإن كان دخل بها فلها النفقة، والرتقاء لا تجامع وإنما أراد بالدخول النقل.

стр. 2171

والوجه في سقوط النفقة: إذا كان المرض قبل التسليم أن التخلية لم توجد منها، فإذا سلمت نفسها مع وجود المانع لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فلم تستحق النفقة، ولهذا قال [أبو] (١) يوسف: له أن يردها؛ لأن التسليم المستحق العقد [منتظر] (٢)، فكان له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد، (وكذلك قال في الصغيرة التي لا توطأ أنها إن شاء رَدَّهَا؛ لأن التسليم مع المانع لم يوجبه العقد) (٣)، فكان له الامتناع من قبوله. قال: فإن كانت الصغيرة (تخدم وينتفع) (٤) بها بالخدمة، أو كانت المريضة تؤنسه وينتفع بها بشيء غير الجماع، فإن أمسكها لزمته النفقة، وإن لم يمسكها وردها فلا نفقة لها، حتى تجيء حال [يقدر فيه] (٥) على جماعها؛ وذلك لأن الوطء إذا تعذر فلم يوجد التسليم الموجب بالعقد، فكان له الامتناع من القبول، فإن أمسكها وله فيها منفعة فقد حصل [له] ضرب من الاستمتاع، ورضي بالتسليم مع النقص، فكان عليه النفقة. ١٨٨٨ - فَصْل: [النفقة على الرتقاء] وقال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في الرتقاء (٦): لا يلزمه نفقتها ما لم يَبْنِ بها، فإن ابتنى بها فالنفقة عليه، وليس له أن يردها بعد أن يبني بها، وإنما

стр. 2172

يريد بالبناء النقل؛ لأن الرتقاء لا يمكن أن تجامع (١). وقد ذكر في الأصل في الرتقاء والمريضة إذا طلبتا النفقة قبل النقلة، فرض لهما ولم يحك خلافًا (٢). والوجه في ذلك: أن الاستمتاع بالرتقاء ممكن، وإنما يتعذر الوطء؛ وذلك لا يمنع من وجوب النفقة مع حصول الاستمتاع كالحائض. ووجه ما قاله أبو يوسف: أن التسليم الذي اقتضاه العقد تسليم من غير مانع من الوطء، والمرض والرتق يُرجى زوالهما فلم تجب النفقة حتى يوجد التسليم من غير مانع، فإن نقلها مع العلم بالرتق فقد رضي بالتسليم مع النقصان فكان عليه النفقة، ولا يجوز له ردها؛ لأن له فيها ضربًا من الاستمتاع، وليس كذلك الصغيرة التي لا ينتفع بها (والمريضة التي لا يستأنس بها، لأنه لا ينتفع) (٣) بهما بوجه، فكان له الرد. ١٨٨٩ - فَصْل: [النفقة على الزوجة التي جُنَّتْ أو كَبُرَتْ بعد الدخول] وقال في الأصل: إذا دخل الرجل بامرأته ثم مرضت أو ذهب عقلها فصارت معتوهة مغلوبة، أو كبرت ودخلت في السن حتى لا يستطيع زوجها جماعها، أو أصابها بلاء فلها النفقة؛ وذلك لأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد، والمانع من الاستمتاع بغير فعلها فلا يسقط نفقتها (٤).

стр. 2173

قال مستشهدًا على ذلك: ألا ترى أني أجعل النفقة للرتقاء، (وهي لا يستطاع) (١) جماعها، وكذلك المريضة لها النفقة، زُفّت إليه أو لم تزف إذا كانت كبيرة، وهذا يدل على خلاف ما قاله أبو يوسف في المريضة. ١٨٩٠ - فَصْل: [النفقة على الزوجة التي خرجت للحج] قال أبو يوسف: وإن حجت المرأة حجة فريضة، فإن كان الزوج دخل بها فلها النفقة، وإن كان لم يدخل بها فلا نفقة لها، وإنما يعني بالدخول النقل، فإذا حجت قبل أن تسلم نفسها فلا نفقة لها في قولهم؛ لأنها ممتنعة من التسليم بفعلها، وأما إذا انتقلت إلى منزل الزوج ثم حجت مع مَحْرَمٍ لها (ولم يحج الزوج) (٢) فلها النفقة عند أبي يوسف، وقال محمد: لا نفقة لها. وجه قول أبي يوسف: أن التسليم قد وجد، والمانع إنما هو لأداء فرض عليها، فصار كصوم رمضان، ولأن المنع من الاستمتاع بعد الانتقال إذا [كانت] معذورةً فيه لم تسقط النفقة، كالمرض. وجه قول محمد: أنها مانعة لنفسها بفعلها فصارت كالناشزة، وليس كذلك المريضة والصائمة في رمضان؛ لأنها مسلمة لنفسها في منزله. فإذا ثبت من أصل أبي يوسف وجوب النفقة قال: يفرض لها القاضي نفقة الإقامة دون نفقة السفر؛ لأن الزوج لا يلزمه إلا نفقة الحضر، وإنما تحتاج إلى زيادة المؤنة لأداء فرض يختص بها، فكان ذلك عليها، وقال: إن جاورت بمكة أو أقامت بعد أداء الحج إقامة لا تحتاج إليها سقطت نفقتها؛ لأنها غير معذورة

стр. 2174

في ذلك فصارت كالناشزة. وإذا ثبت لمحمد أنه لا نفقة لها، قال: إن حج الزوج معها فلها النفقة؛ لأنه يتمكّن من الاستمتاع بها في طريقه، فصارت كالمقيمة في منزله. قال أبو يوسف: فإن طلبت نفقة ثلاثة أشهر قدر الذهاب والمجيء لم يكن على الزوج ذلك، ولكنه يعطيها نفقة شهر واحد، فإذا عادت أخذت ما بقي؛ لأن النفقة تجب حالًا فحالًا، فلو كلفناه دفع نفقة هذه المدة لأضررنا به، وهذا لا يجوز، فأما نفقة الشهر فقد جرت العادة بدفع الزوج ذلك، فلم يكن فيه ضرر، فجاز أن يقضى به. ١٨٩١ - فَصْل: [النفقة إذا كان المنع بفعلها] قال محمد: ولو أن امرأة فرض لها النفقة على زوجها، فأخذها رجل كارهة فهرب بها منذ أشهر، لم يكن لها نفقة؛ وذلك لأن المنع من التسليم بغير فعل الله تعالى، فصار كما لو وجد بفعلها. قال: وكذلك لو حبست، وهذا في الحبس خلاف ما قاله أبو يوسف إذا كان بعد التسليم، والوجه فيه: أنه منع من جهة الآدمي، فصار كالمنع بفعلها (١). ١٨٩٢ - فَصْل: [نفقة الأمة المزوّجة] وإذا زوَّج الرجل الأمَة أو المدبَّرة، أو أم الولد، فإن بوَّأهن المولى بيوت الأزواج، فلهن النفقة وإلا فلا نفقة لهن، والأصل في هذا: أن المولى

стр. 2175

لا يجب عليه أن يبوِّئ أمته المزوجة بيت الزوج؛ لأنه عقد على منافع بضعها، ومنافع أعضائها له، فلو لزمه التبوئة لاستحق عليه منافع الأعضاء وهذا لا يجوز، والتبوئة: أن يخلي بينها وبين زوجها في منزله ولا يستخدمها، فإن فعل ذلك فعلى الزوج النفقة؛ لأنها صارت مسلمة نفسها في بيته كالحرة، فإن لم يفعل فليست بمسلمة [نفسها]، فلا نفقة لها كالحرة الناشزة، فإن بوأها ثم بدا له أن يستخدمها فله ذلك؛ لأن منافعها على ملكه، فإذا بوأها فقد أسقط حقه عن منافع لم توجد، فلا يستحق ذلك عليه (كالمعير) (١) وتسقط النفقة؛ لأن التسليم زال، فإن عاد فبوأها عادت النفقة؛ لوجود التسليم كالحرة إذا نشزت ثم عادت. وقد قالوا في الأمَة إذا بوأها وكانت (تمضي) (٢) في الأوقات إلى مولاها فتخدمه من غير أن يستخدمها، لم تسقط نفقتها؛ وذلك لأن هذا القدر من الخدمة لا يمنع من التسليم، فلم يوجد من المولى استخدام يصير به مانعًا، فصارت كالحرة إذا خرجت إلى منزل أبيها، فأما المكاتبة إذا تزوجت بإذن المولى فلها النفقة؛ لأن منافعها على ملكها ولا حق للمولى فيها فهي كالحرة، فتجبر على التسليم، ويجب على الزوج النفقة (٣). ١٨٩٣ - فَصْل: [نفقة زوجة العبد] وإذا تزوج العبد بإذن مولاه فهو في وجوب النفقة كالحر؛ لأن النفقة من أحكام العقد فصار كالمهر، فكما يجب على العبد المهر كذلك تجب النفقة عليه،
следующие страницы →