← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

والوجه في سقوط النفقة: إذا كان المرض قبل التسليم أن التخلية لم توجد منها، فإذا سلمت نفسها مع وجود المانع لم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد فلم تستحق النفقة، ولهذا قال [أبو] (١) يوسف: له أن يردها؛ لأن التسليم المستحق العقد [منتظر] (٢)، فكان له أن لا يقبل التسليم الذي لم يوجبه العقد، (وكذلك قال في الصغيرة التي لا توطأ أنها إن شاء رَدَّهَا؛ لأن التسليم مع المانع لم يوجبه العقد) (٣)، فكان له الامتناع من قبوله. قال: فإن كانت الصغيرة (تخدم وينتفع) (٤) بها بالخدمة، أو كانت المريضة تؤنسه وينتفع بها بشيء غير الجماع، فإن أمسكها لزمته النفقة، وإن لم يمسكها وردها فلا نفقة لها، حتى تجيء حال [يقدر فيه] (٥) على جماعها؛ وذلك لأن الوطء إذا تعذر فلم يوجد التسليم الموجب بالعقد، فكان له الامتناع من القبول، فإن أمسكها وله فيها منفعة فقد حصل [له] ضرب من الاستمتاع، ورضي بالتسليم مع النقص، فكان عليه النفقة. ١٨٨٨ - فَصْل: [النفقة على الرتقاء] وقال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في الرتقاء (٦): لا يلزمه نفقتها ما لم يَبْنِ بها، فإن ابتنى بها فالنفقة عليه، وليس له أن يردها بعد أن يبني بها، وإنما

стр. 2172

يريد بالبناء النقل؛ لأن الرتقاء لا يمكن أن تجامع (١). وقد ذكر في الأصل في الرتقاء والمريضة إذا طلبتا النفقة قبل النقلة، فرض لهما ولم يحك خلافًا (٢). والوجه في ذلك: أن الاستمتاع بالرتقاء ممكن، وإنما يتعذر الوطء؛ وذلك لا يمنع من وجوب النفقة مع حصول الاستمتاع كالحائض. ووجه ما قاله أبو يوسف: أن التسليم الذي اقتضاه العقد تسليم من غير مانع من الوطء، والمرض والرتق يُرجى زوالهما فلم تجب النفقة حتى يوجد التسليم من غير مانع، فإن نقلها مع العلم بالرتق فقد رضي بالتسليم مع النقصان فكان عليه النفقة، ولا يجوز له ردها؛ لأن له فيها ضربًا من الاستمتاع، وليس كذلك الصغيرة التي لا ينتفع بها (والمريضة التي لا يستأنس بها، لأنه لا ينتفع) (٣) بهما بوجه، فكان له الرد. ١٨٨٩ - فَصْل: [النفقة على الزوجة التي جُنَّتْ أو كَبُرَتْ بعد الدخول] وقال في الأصل: إذا دخل الرجل بامرأته ثم مرضت أو ذهب عقلها فصارت معتوهة مغلوبة، أو كبرت ودخلت في السن حتى لا يستطيع زوجها جماعها، أو أصابها بلاء فلها النفقة؛ وذلك لأن التسليم المستحق بالعقد قد وجد، والمانع من الاستمتاع بغير فعلها فلا يسقط نفقتها (٤).

стр. 2173

قال مستشهدًا على ذلك: ألا ترى أني أجعل النفقة للرتقاء، (وهي لا يستطاع) (١) جماعها، وكذلك المريضة لها النفقة، زُفّت إليه أو لم تزف إذا كانت كبيرة، وهذا يدل على خلاف ما قاله أبو يوسف في المريضة. ١٨٩٠ - فَصْل: [النفقة على الزوجة التي خرجت للحج] قال أبو يوسف: وإن حجت المرأة حجة فريضة، فإن كان الزوج دخل بها فلها النفقة، وإن كان لم يدخل بها فلا نفقة لها، وإنما يعني بالدخول النقل، فإذا حجت قبل أن تسلم نفسها فلا نفقة لها في قولهم؛ لأنها ممتنعة من التسليم بفعلها، وأما إذا انتقلت إلى منزل الزوج ثم حجت مع مَحْرَمٍ لها (ولم يحج الزوج) (٢) فلها النفقة عند أبي يوسف، وقال محمد: لا نفقة لها. وجه قول أبي يوسف: أن التسليم قد وجد، والمانع إنما هو لأداء فرض عليها، فصار كصوم رمضان، ولأن المنع من الاستمتاع بعد الانتقال إذا [كانت] معذورةً فيه لم تسقط النفقة، كالمرض. وجه قول محمد: أنها مانعة لنفسها بفعلها فصارت كالناشزة، وليس كذلك المريضة والصائمة في رمضان؛ لأنها مسلمة لنفسها في منزله. فإذا ثبت من أصل أبي يوسف وجوب النفقة قال: يفرض لها القاضي نفقة الإقامة دون نفقة السفر؛ لأن الزوج لا يلزمه إلا نفقة الحضر، وإنما تحتاج إلى زيادة المؤنة لأداء فرض يختص بها، فكان ذلك عليها، وقال: إن جاورت بمكة أو أقامت بعد أداء الحج إقامة لا تحتاج إليها سقطت نفقتها؛ لأنها غير معذورة

стр. 2174

في ذلك فصارت كالناشزة. وإذا ثبت لمحمد أنه لا نفقة لها، قال: إن حج الزوج معها فلها النفقة؛ لأنه يتمكّن من الاستمتاع بها في طريقه، فصارت كالمقيمة في منزله. قال أبو يوسف: فإن طلبت نفقة ثلاثة أشهر قدر الذهاب والمجيء لم يكن على الزوج ذلك، ولكنه يعطيها نفقة شهر واحد، فإذا عادت أخذت ما بقي؛ لأن النفقة تجب حالًا فحالًا، فلو كلفناه دفع نفقة هذه المدة لأضررنا به، وهذا لا يجوز، فأما نفقة الشهر فقد جرت العادة بدفع الزوج ذلك، فلم يكن فيه ضرر، فجاز أن يقضى به. ١٨٩١ - فَصْل: [النفقة إذا كان المنع بفعلها] قال محمد: ولو أن امرأة فرض لها النفقة على زوجها، فأخذها رجل كارهة فهرب بها منذ أشهر، لم يكن لها نفقة؛ وذلك لأن المنع من التسليم بغير فعل الله تعالى، فصار كما لو وجد بفعلها. قال: وكذلك لو حبست، وهذا في الحبس خلاف ما قاله أبو يوسف إذا كان بعد التسليم، والوجه فيه: أنه منع من جهة الآدمي، فصار كالمنع بفعلها (١). ١٨٩٢ - فَصْل: [نفقة الأمة المزوّجة] وإذا زوَّج الرجل الأمَة أو المدبَّرة، أو أم الولد، فإن بوَّأهن المولى بيوت الأزواج، فلهن النفقة وإلا فلا نفقة لهن، والأصل في هذا: أن المولى

стр. 2175

لا يجب عليه أن يبوِّئ أمته المزوجة بيت الزوج؛ لأنه عقد على منافع بضعها، ومنافع أعضائها له، فلو لزمه التبوئة لاستحق عليه منافع الأعضاء وهذا لا يجوز، والتبوئة: أن يخلي بينها وبين زوجها في منزله ولا يستخدمها، فإن فعل ذلك فعلى الزوج النفقة؛ لأنها صارت مسلمة نفسها في بيته كالحرة، فإن لم يفعل فليست بمسلمة [نفسها]، فلا نفقة لها كالحرة الناشزة، فإن بوأها ثم بدا له أن يستخدمها فله ذلك؛ لأن منافعها على ملكه، فإذا بوأها فقد أسقط حقه عن منافع لم توجد، فلا يستحق ذلك عليه (كالمعير) (١) وتسقط النفقة؛ لأن التسليم زال، فإن عاد فبوأها عادت النفقة؛ لوجود التسليم كالحرة إذا نشزت ثم عادت. وقد قالوا في الأمَة إذا بوأها وكانت (تمضي) (٢) في الأوقات إلى مولاها فتخدمه من غير أن يستخدمها، لم تسقط نفقتها؛ وذلك لأن هذا القدر من الخدمة لا يمنع من التسليم، فلم يوجد من المولى استخدام يصير به مانعًا، فصارت كالحرة إذا خرجت إلى منزل أبيها، فأما المكاتبة إذا تزوجت بإذن المولى فلها النفقة؛ لأن منافعها على ملكها ولا حق للمولى فيها فهي كالحرة، فتجبر على التسليم، ويجب على الزوج النفقة (٣). ١٨٩٣ - فَصْل: [نفقة زوجة العبد] وإذا تزوج العبد بإذن مولاه فهو في وجوب النفقة كالحر؛ لأن النفقة من أحكام العقد فصار كالمهر، فكما يجب على العبد المهر كذلك تجب النفقة عليه،

стр. 2176

وتكون النفقة في رقبته وكسبه يباع فيها إلا أن يفديه المولى، وذلك لأنها دين على العبد، وديون العبد تستوفى من كسبه ورقبته، وقد بينا ذلك في البيوع، فإن فداه المولى لم يبع؛ لأنه لا حق للغريم إلا في الدين، فإذا وفَّاه المولى سقط حقه. قال: فإن [مات] (١) بطل ذلك ولم يؤخذ المولى بشيء؛ لأن الديون المتعلقة بالرقبة تسقط بتلفها كما يسقط الدين بتلف الرهن. قال: فإن قُتل كانت النفقة في قيمته. وهذا ليس بصحيح؛ لأن من وجبت عليه النفقة فمات أو قتل، سقطت عند أصحابنا لأنها صلة، والصلات إذا لم تقبض، سقطت بالموت كسائر الصلات، وإذا كان هذا في النفقة على الحر، فالنفقة على العبد أولى أن تسقط بقتله، وإنما تنتقل إلى القيمة ديون العبد التي لا تجري مجرى الصلات ولا تسقط بالموت؛ لأن القيمة قامت مقام الرقبة، فانتقل إليها الحق المتعلق بالرقبة. قال: وكذلك المدبر وأم الولد، غير أن هؤلاء لا يباعون؛ وذلك لأن ديون هؤلاء تتعلق باكتسابهم ولا تتعلق برقابهم؛ لأنها لا تستوفى من الرقاب (لتعذر) (٢) بيعها، فأما المكاتب فعند أصحابنا تتعلق النفقة برقبته وكسبه، لأنه يتصور قضاؤها من رقبته إذا عجز فبيع، فإذا كان كذلك سعى فيها [ما دام] (٣) مكاتبًا، فإذا قضي بعجزه، صار كالعبد يباع فيها إلا أن يفديه المولى، وأما المعتق بعضه فهو عند أبي حنيفة بمنزلة المكاتب إلا أنه لا يتصور فيه العجز،

стр. 2177

ولا يجوز بيعه في الدين، وهو على قولهما بمنزلة حرٍّ عليه دين. ١٨٩٤ - فَصْل: [سكنى الزوجة] قال: وكل امرأة كانت لها النفقة فلها السكنى بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ولأن النفقة إنما تفرض لها لكفايتها، (وهي تحتاج في الكفاية إلى السكنى) (١). ١٨٩٥ - فَصْل: [نفقة الزوجة الذمية] والنفقة على الذمي لزوجته كالمسلم؛ لأن النفقة من أحكام العقد، فالمسلم والكافر في أحكام العقود سواء، وقد قال أبو حنيفة: إني أفرض النفقة عليه لكل امرأة أُقرت على نكاحها، جائزًا كان النكاح عندي أو باطلًا، وهذا على أصله أنهم يُقَرون على أنكحتهم ولا يعترض عليهم فيها، فصارت كالأنكحة الصحيحة، وأما أبو يوسف ومحمد فلا يفرضان على الذمي نفقة زوجة [إن كانت] ذات [رحم] محرم منه؛ لأنه لا يقر على نكاحها، فلا يجوز أن يفرض لها؛ [كما] (٢) لا يفرض على المسلم في النكاح الفاسد، وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف؛ لأنه يفرق بينهم تحاكموا أو لم يتحاكموا، فأما محمد فإنه لا يفرق إلا إذا طلب أحدهما، إلا أنه يقول: إذا طلبت النفقة لم يجز للقاضي القضاء بها؛ لأن في ذلك تقرير [العقد]، وهذا لا يصح (٣).

стр. 2178

١٨٩٦ - فَصْل: [النفقة والسكنى في النكاح الفاسد] ولا يجب على المسلم في نكاح فاسد سكنى ولا نفقة؛ وذلك لأن النفقة والسكنى تجب في مقابلة التسليم، والتسليم في النكاح الفاسد ممنوع منه، فلم يجز إيجاب النفقة لأجله. قال: ولا يجب عليه نفقة في عدة (وجبت من غير نكاح صحيح؛ وذلك لأن العدة تترتب على حال النكاح، فإذا لم) (١) يجب لها النفقة في النكاح ففي العدة أولى. ١٨٩٧ - فَصْل: [النفقة على المعتدة] قال: فإن كانت العدة من نكاح صحيح فلها السكنى والنفقة، أَيّ فرقة كانت طلاقًا أو غير طلاق، بائنًا كانت الفرقة أو غير بائن، إلا أن تكون الفرقة جاءت من قبلها بمعصية، وقال الشافعي: للمطلقة الرجعية النفقة والسكنى، فأما المبتوتة إن كانت حاملًا فلها النفقة والسكنى (٢)، وإن كانت حائلًا فلها السكنى بغير نفقة، وقال ابن أبي ليلى: لا نفقة لها ولا سكنى. لنا: ما روي أن فاطمة بنت قيس لما روت (أن النبي ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة) (٣)، قال عمر بن الخطاب ﵁: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا، ونأخذ بقول امرأة لعلها نسيت أو شُبِّه عليها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها

стр. 2179

السكنى والنفقة" (١)؛ ولأن كل من وجب عليه سكنى شخص (وجبت نفقته عليه) (٢) كالزوجة والرجعية، ولا يلزم العبد المرهون أن سكناه على المرتهن ونفقته على الراهن؛ لأن المرتهن لا يجب عليه السكنى وإنما هو بالخيار: إن شاء أسكنه فاستوفى بذلك حق الحبس، وإن شاء تركه عند المولى، ولأن كل من تستحق النفقة إذا كانت حاملًا؛ تستحق النفقة إذا كانت حائلًا، كالرجعية، [وقولهم] (٣): إنها [تستحق] (٤) النفقة مع الحبل، وإنما النفقة للحمل لا يصح (٥)؛ لأن عند الشافعي نفقة الولد لا تقدر، ونفقة الزوجة تقدر، والحامل يقضى لها بنفقة مقدرة (٦). فأما حديث فاطمة بنت قيس فقد أنكره عمر بن عمر بن الخطاب، وروي أن زوجها أسامة بن زيد كان إذا سمعها تتحدث بذلك، حصبها بكل شيء كان في يده، وروي عن عائشة أنها قالت لها: لقد فتنت الناس بهذا الحديث، فأقل أحوال إنكار الصحابة أن يصير كطعن ابن معين وابن المديني، وقد قيل في تأويله إنها تبدت على أحمائها فنقلها رسول الله ﷺ إلى بيت ابن أم مكتوم، ولم يجعل لها

стр. 2180

نفقة لنشوزها، فكذلك أسقط سكناها، وقد قيل في تأويله أن زوجها كان غائبًا فلم يجز القضاء لها بالنفقة والسكنى مع غيبته، فإن قيل قد كان وكّل أخاه، قلنا: إنما وَكَّله بطلاقها ولم يوكله بخصومتها (١). ١٨٩٨ - فَصْل: [نفقة أم الولد المعتدة] وإذا اعتدت أم الولد فلا نفقة لها؛ وذلك لأن عدتها عدة وطءٍ فهي كالمعتدة في نكاح فاسد، ولأن النفقة كانت تجب لها بالملك، وقد زال الملك بالعتق وليس كذلك الزوجة؛ لأن النفقة كانت تجب لها بالفراش وحكم الفراش باقٍ بعد الفرقة.

стр. 2181

بَابْ: قدر النفقة قال أبو الحسن: ويفرِضُ القاضي الكسوة والنفقة على قدر يسار الزوج وعسره ما يكفيها من ذلك بالمعروف، وهذا يدل على أن المعتبر في النفقة حال الزوج. وقد ذكر الخصاف: أنها تعتبر بحالتهما جميعًا، فيجب على الزوج الموسر للمرأة الموسرة نفقة اليسار، ويجب على المعسر للمرأة الموسرة والمعسرة نفقة الإعسار، ويجب على الموسر للمرأة المعسرة أدنى من نفقة الموسرات وأوسع من نفقة المعسرات، والدليل على اعتبار حال الزوج قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، والذي يدل على ما قاله الخصاف: إنّ النفقة تجب للكفاية، والمعسرة لا تحتاج إلى نفقة الموسرات؛ [فلذلك] (١) قصر بها عنهن، وأما قوله في النفقة والكسوة إنها بالمعروف؛ فلأن الحاكم لا يضر بواحد من الزوجين، وإنما يوجب الوَسَط من الكفاية، وذلك هو المعروف. وقد قال أصحابنا: إنّ النفقة غير مقدرة (٢)، وقال الشافعي: نفقة الزوجة مقدرة: على الموسر مُدّان، وعلى المتوسط مُدٌّ ونصف، وعلى المعسر مد (٣). والدليل على ما قلناه: إنها نفقة واجبة فلم تتقدر بالشرع كنفقة ذوي

стр. 2182

الأرحام والمماليك. قال: فإن كان لها خادم فرض عليه نفقة الخادم؛ وذلك لأن عليه القيام بمصالحها، ومن جملة ذلك إصلاح طعامها، وذلك يتولاه الخادم فكان عليه أن يقوم بنفقته. وقد قالوا: إن الزوج الموسر يلزمه من نفقة الخادم ما يلزم المعسر من نفقة امرأته وهو أدنى الكفاية؛ لأن الخادم وإن كانت مولاته موسرة لا يتسع في كفايته. ١٨٩٩ - فَصْل: [نفقة الخادم] وقد قال أبو حنيفة ومحمد: إنه لا يقضى بأكثر من نفقة خادم واحد، وقد قال أبو يوسف: إذا كان لها خادمان فرض لهما (١). وجه قولهما: أن الزوج لو قام بخدمتها بنفسه لم يلزمه نفقة خادم، فإذا أقام غيره مقام نفسه لم يلزمه أن يقيم أكثر من واحد مثله، ولأنه ليس اعتبار خادمين بأولى مما زاد على ذلك. وجه قول أبي يوسف: أن المرأة قد تحتاج إلى خادمين: أحدهما يخدمها في منزلها، والآخر يتردد إلى الزوج يطلب النفقة وابتياع ما يصلحها، وما زاد على ذلك لا حاجة بها إليه. ١٩٠٠ - فَصْل: [نفقة الخادم مع عسر الزوج] وأما إذا كان الزوج معسرًا؛ فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يفرض

стр. 2183

عليه نفقة خادم وإن كان لها خادم، وقال محمد: إن كان لها خادم فرض عليه نفقته، وإن لم يكن لها خادم لم يفرض (١). وجه رواية الحسن: أن المعسر يلزمه أدنى الكفاية، وقد تكتفي المرأة بخدمة نفسها فلم يلزمه أكثر من ذلك. وجه قول محمد: أنه إذا كان لها خادم (لم تكتفِ بخدمة نفسها، فكان على الزوج أن يقيم به، وإذا لم يكن لها) (٢) فقد استغنت بنفسها، فلا يلزمه القاضي [إِتْيَان] (٣) خادم لها لم يكن. ١٩٠١ - فَصْل: [القول في اختلاف الزوجين في العسر واليسر] قال: فإن اختلفا فقالت المرأة: هو موسر، وقال الزوج: أنا معسر، فالقول قوله مع يمينه؛ وذلك لأن الأصل الفقر، والغنى حادث، فمن ادَّعَى الأصل فالقول قوله، ومَنْ (٤) يَدَّعِي معنًى حادثًا لا يقبل قوله إلا ببيّنة. قال: وإن أقام كل واحد منهما بيّنة على ما ادَّعَى: أقامت المرأة البينة على أنه موسر، [وأقام الرجل أنه معسر] فالبينة بينة المرأة؛ لأن شهود الإعسار شهدوا بالأصل، وشهود اليسار شهدوا بمعنى حادث، فالرجوع إلى شهادة من عرف معنى حادثًا أولى.

стр. 2184

١٩٠٢ - فَصْل: [ما يفرض على الزوج المعسر من النفقة] قال: وإن لم تقم بينة وحكم بأنه معسر، فإن محمدًا قال: يفرض على المعسر الذي ليس له فضل [يوم] (١): الدقيق وما يكفيها كل يوم، وما لا بد لها منه من الإدام والدهن؛ وذلك لأن المعسر يلزمه أدنى الكفايات، والخبز في الغالب لا يؤكل إلا مأدومًا، والدهن مما لا يستغنى عنه، فيفرض لها قيمة ذلك. قال محمد: ولا ينبغي أن يوجب النفقة على الدراهم؛ لأن السعر يغلو ويرخص، ولكن يجعلها على الكفاية في كل زمان، وإنما أراد محمد أن يبين بهذا أن ما ذكره في كتاب النكاح: أن المعسر يفرض عليه خمسة دراهم في الشهر، والموسر عشرة [دراهم، أنه] ليس على طريق التقدير، وإنما هو قيمة الطعام في ذلك الزمان، فبيَّن أنه يجب عليه قيمة الطعام في كل شهر بحسب اختلاف الأسعار (٢). قال محمد: وأما الكسوة فكما سمى يعني في كتاب النكاح؛ لأنه ذكر هناك الكسوة ثيابًا مقدرة ولم يذكر قيمتها؛ وذلك لاختلاف الأزمان، وقد بين ذلك محمد؛ لأن التقدير [منهم] (٣) كان على الوقت ولم يكن لكل زمان. ١٩٠٣ - فَصْل: [استدانة الزوجة على الزوج الغائب] قال: وإذا غاب الزوج فاستدانت المرأة عليه ولم يكن فرض لها النفقة، لم يلزمه ما استدانت على الزوج، [وهي متطوعة فيما أنفقت، فإن كانت النفقة

стр. 2185

فرضت عليه، رجعت عليه بما استدانت] وهذا مبني على [أصلنا:] (١) أن النفقة لا تصير دينًا إلا أن يحكم بها حاكم ويقدرها، أو يتراضى بها الزوجان فيقدرها الزوج على نفسه، [فأما] إذا لم يوجد أحد هذين الأمرين سقطت بمضي الزمان (٢)، وقال الشافعي: تصير دينًا يقضى بها عليه بعد مضي وقتها (٣). لنا: أنها نفقة [فلا تصير] (٤) دينًا بنفسها كنفقة ذوي الأرحام؛ ولأن النفقة ليست بعوض عن شيء، بدلالة أنها لو كانت عوضًا عن البضع صار له عوضان، والعقد الواحد لا يوجب عن شيء واحد عوضين، ولا يجوز أن يكون عوضًا عن الاستمتاع؛ لأنه تصرف فيما ملكه بالعقد، ومن تصرف في ملكه لم يستحق عليه عوض، فبقي أن يكون صِلَةً، والصِّلات لا يتعلق بها الاستحقاق إلا بانضمام معنى إليها كالهبات، ولو قلنا إن النفقة في مقابلة الاستباحة، والاستباحة منفعة، وعوض المنافع لا يستحق عندنا إلا بسبب كبدل المنفعة، وإذا ثبت أن [النفقة] (٥) لا تصير دينًا من غير حكم، فإذا استدانت فقد سقطت نفقتها بمضي الزمان، فاستدانتها لا يلزم من لم يأمرها بالاستدانة، ولا لها عليه ولاية، فأما إذا حكم الحاكم فقد صارت دينًا ترجع بها عليه، لا لاستدانتها؛ ولكن لوجوب دينها عليه، كما يرجع لو لم تستدن، وكذلك إذا قدر الزوج النفقة وتراضيا؛ لأنه أَمْلكُ لإلزام نفسه من الحاكم، فإذا لزمه ذلك بإلزام الحاكم فلأن تلزمه بتقديره أولى.

стр. 2186

١٩٠٤ - فَصْل: [فرض نفقة الزوجة من أمانة الزوج] قال: وإذا أحضرت المرأة رجلًا لزوجها في يده أمانة أو مضاربة، وهو مُقِرٌّ بذلك للزوج ومقر أيضًا بالزوجية، أو كان الحاكم يعلم بذلك، فرض الحاكم لها في ذلك المال نفقتها، وقال زفر: لا يفرض لها. وجه قول أصحابنا: أن الذي في يده المال إذا أقرَّ به وبالزوجية، فقد أقر بثبوت حقها فيه، فيقضي القاضي عليه باعترافه؛ [لأن] (١) كل مَنْ في يده شيء، فالظاهر أنه مالكه (فيقضي القاضي) (٢) عليه، ويسري إلى الغائب من طريق الحكم، وليس كذلك إذا جحد أحد الأمرين؛ [لأنه] (٣) إذا جحد الزوجية لا يمكنها إقامة البينة؛ (لأن المودع ليس بخصم في الزوجية، وإن جحد الوديعة) (٤) لم يمكنها إقامة البينة؛ لأنها ليست بخصم في إثبات حقوق زوجها. وجه قول زفر: أن القضاء بالنفقة إنما يقع على الغائب، والمودع ليس بخصم عنه في ذلك، فلم يجز القضاء عليه من غير خصم. وقد ذكر أبو الحسن الأمانات ولم يذكر الدَّيْن، وقد قالوا: إنها إذا أحضرت رجلًا للغائب عليه دين، وهو (يعترف) (٥) بذلك وبالزوجية، قضى عليه كما لو كان في يده وديعة، وكذلك يقضي بنفقة ولدها الصغار على المودع؛ لأن نفقتهم

стр. 2187

تجري مجرى نفقتها، وقد قالوا: إن كانت الوديعة ما سِوى الدراهم والدنانير والطعام، [لا] يقضي [القاضي] بالنفقة فيها؛ لأنه لا يمكن إيجاب النفقة إلا بالبيع، وبيع عروض الغائب في النفقة لا يجوز، فإن كانت الوديعة طعامًا قضى فيها؛ لأنها نفس المستحق، وكذلك إن كانت ثيابًا من جنس ما يكتسى مثلها قضى فيها بالكسوة؛ لأنها جنس المستحق عليه. وقد قالوا: إذا قضى لها بشيء من ذلك أخذ منها كفيلًا؛ لأن القاضي منصوب للاحتياط، ويجوز أن يحضر الغائب فيقيم البينة على طلاقها أو إيفاء نفقتها، فكان الواجب أن يتوثق القاضي مما يعطيها بالكفالة، وإنما قالوا: إن علم القاضي بالوديعة والزوجية يغني عن إقرار المودع؛ لأنه يقضي بعلمه فيه، فلا يحتاج إلى بينة [يفتقر] (١) إلى مدعي (٢). ١٩٠٥ - فَصْل: [طلب الزوجة النفقة أثناء غياب الزوج] قال: فإن جاءت والزوج غائب، [فطلبت] (٣) أن يفرض لها عليه نفقة، لم يجب إلى ذلك، ولم يحكم عليه وهو غائب، وقد كان قول أبي حنيفة الأول: أن القاضي يقضي لها، وذهب إلى ظاهر حديث أبي سفيان أن النبي ﵇ قال لهند: "خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف" (٤)، وهذا قول إبراهيم ثم رجع إلى قول شريح فقال: لا يقضى لها بشيء؛ وذلك لأن القضاء على الغائب لا يجوز إلا بحضوره أو حضور من قام مقامه، وما روي في قصة هند أنه ﵇ قال

стр. 2188

لها ذلك على طريق الفتوى لا القضاء؛ بدلالة أنه لم يقدِّر لها ما تأخذ. ١٩٠٦ - فَصْل: [سماع القاضي لبيِّنة الزوجية لفرض النفقة] وقد قال زفر: في المرأة إذا حضرت وسألت القاضي أن يفرض لها على الغائب، سمع بيّنتها بالزوجية وفرض لها وأمرها بالاستدانة، فإذا حضر الزوج أمرها بإعادة البينة في وجهه، فإن فعلت قضى عليه بما استدانت، وإن لم تفعل لم يقضِ عليه بشيء. وقال أبو يوسف: لا يسمع بيِّنتها ولا يفرض لها وهو الصحيح؛ وذلك لأن البينة لا تسمع إلا على خصم، فأما زفر فإنه قال: تسمع هذه البينة ليتوصل إلى الإذن [لها] في الاستدانة، فإذا حضر الزوج وسمع عليه البينة قضى بالفرض المتقدم وأوجب عليه الدين، وإن [لم تعد] (١) البينة لم يجز القضاء عليه بالنفقة مع غيبته، فسقط ما استدانت. ١٩٠٧ - فَصْل: [مَن يشملهم النفقة بالقضاء] قال: ولا يقضى في الوديعة بالنفقة إلا للزوجة والأولاد الصغار والكبار الزّمنى والإناث والوالدين، أما الزوجة فإن نفقتها تجري مجرى الديون؛ بدلالة وجوبها مع الإعسار، فتأكدت على سائر النفقات. وأما الأولاد الصغار فنفقتهم كنفقتها. فأما الأبوان فلأن مال الغائب في حكم مالهما لقوله ﵇: "أنت ومالك لأبيك" (٢).

стр. 2189

وأما الأولاد الكبار الزّمنى، والإناث؛ فلوجود الولاد، ومن سواهم من ذوي الأرحام نفقتهم صلة لم يتأكد حكمها، فلم يجز أن يثبت في مال الغائب (١). وقد قالوا: إن الزوجة لو طلبت من الحاكم أن يوقع مهرها ودينها من الوديعة لم يفعل ذلك، وإن كان عالمًا به؛ لأن النفقة إنما يدفعها للضرر في تأخيرها، ألا ترى أنها للكفاية وفي دفعها منفعة للغائب؛ لأنه يختار إقامة كفاية زوجته وولده، وهذا المعنى لا يوجد في الدين والمهر. وقد قالوا: إن كان الحاكم فرض على الزوج النفقة قبل غيبته، وطلبت من الحاكم أن يقضي لها بنفقة [ما مضى] (٢) في الوديعة، قضى لها بذلك؛ لأن النفقة لما جاز القضاء بها، استوى الماضي والمستقبل؛ لأن طريقهما واحد. ١٩٠٨ - فَصْل: [بيع العروض والعقار في النفقة] ولا يبيع في النفقة عُرُوْضًا ولا عَقَارًا (٣)؛ وذلك لأن البيع إنما يكون على طريق الحَجْر (٤)، والحجر عند أبي حنيفة على الحر العاقل البالغ لا يجوز، فأما على قولهما: فإنما يبيع الحاكم [العروض] على الحاضر الممتنع، فأما الغائب فلا يعلم امتناعه فلا يباع عليه.

стр. 2190

١٩٠٩ - فَصْل: [حبس الزوج لدفع النفقة] قال: وإذا فرض الحاكم النفقة على الزوج فامتنع عن دفعها، لم يحبسه الحاكم أول مرة تقدم إليه، [وأمره] بدفع النفقة وأخبره أنها إن عادت [فطلبت] أن يدفع إليها حبسه، يفعل ذلك مرتين أو ثلاثًا، فإن لم يدفع حبسه (١). والأصل في ذلك: أن النفقة صارت دينًا بالقضاء، فهي كسائر الديون، وإنما لا يحبس أول مرة؛ لأنه لا يعلم الامتناع لجواز أن يماطلها ثم يدفع، فإذا تكرر ذلك فقد امتنع من حق وجب عليه مع القدرة فاستحق العقوبة، وإنما وجب الحبس في الديون لقوله ﵇ "لصاحب الحق اليد واللسان" (٢)، فاللسان للمطالبة واليد للملازمة. وروي (أن رجلًا أعتق شقصًا له في عبد فحبسه النبي ﷺ حتى باع [غنيمة] (٣) له في ذلك)، وبنى علي بن أبي طالب حَبْسًا بالكوفة وسماه نافعًا فهرب الناس منه، فبنى حبسًا أوثق منه وسماه مُخَيِّسًا، فقال: أما تراني كيّسًا مُكيّسًا … بنيت بعد نافع مخيسًا حصنًا حصينًا (٤) وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف. وقد قال أصحابنا: إن كان عَلَى الرجل دين، فادَّعى الإعسار، وادعى غريمه

стр. 2191

اليسار، فكل دين هو بدل عن مال حصل في يده فصار به غنيًا كأثمان المبيعات وبدل القرض، أو كان مالًا [التزمه] (١) بعقد كالكفالة والمهر، [فلا يصدق في ذلك الإعسار؛ وذلك لأن ما كان بدلًا عن مال حصل في يده، فقد عرفناه]، فدعواه الفقر دعوى زوال ما في يده، وذلك معنى حادث فلا يصدق، وما التزمه بعقد إذا ادعى الإعسار يريد إسقاط ما التزمه فلا يقبل قوله، [وما سوى ذلك] (٢) فالقول قوله في الإعسار؛ لأن الأصل الفقر؛ بدلالة قوله ﵇: "كل مولود يولد أحمر لا قشرة عليه ثم يرزقه الله تعالى من فضله" (٣)، وإذا كان الأصل الفقر، فمن ادّعى الغنى يدعي معنى حادثًا فلا تقبل دعواه إلا ببينة، وإذا جعلنا القول قوله لم يحبسه الحاكم؛ لأن الحبس عقوبة فيستحقها الممتنع من الحق مع القدرة، فأما مع عدمها فلا يستحقها، وإذا حبسه الحاكم شهرين أو ثلاثة سأل عن أمره، فإن لم يظهر له مال أفرج عنه، وقد اختلفت الرواية في ذلك، فقالوا: يحبس شهرين، وقالوا: ثلاثة، وذكر الحسن: أربعة، وهذا ليس بخلاف؛ لأن المعتبر أن تمضي مدة يعلم من حاله أنه لو كان له مال لأظهره لضجره بالحبس، وذلك يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يضجر بقليل المدة، ومنهم [اللحِز] (٤) الذي لا يضجر بكثير المدة، فكان على الحاكم أن يقدر الحبس بما يغلب في ظنه من حال الرجل، فإذا مضت المدة وقامت البينة بالإعسار، أو سأل الحاكم عنه، فبان إعساره لم يجز حبسه؛ لأنه غير قادر على أداء الدين، فلم يجز أن يعاقب على الامتناع، إلا أن القاضي لا يخرجه إلا بحضرة غريمه؛ أو وكيل غريمه؛ لأن

стр. 2192

الإخراج من الحبس قضاء بالإعسار، وذلك يقف على حضور الخصم، ولأن من حق خصمه أن يقيم بينة على يساره، فلم يجز إخراجه إلا بحضوره حتى يعلم عجزه عن إقامة البينة (١). ١٩١٠ - فَصْل: [ملازمة أصحاب الحقوق الخصم] وإذا أخرجه من الحبس لم يحل بينه وبين خصمه وبين ملازمته ليأخذ ما يفضل من إكسابه عن حاجته، إلا أنه لا يمنعه من تصرفه ولا سفره، وقال الشافعي: يحول بينهما حتى يثبت اليسار. لنا: روي (أن رسول الله ﷺ ابتاع بعيرًا بثمن إلى أجل، فلما حل الأجل طالبه الأعرابي، فقال: "ما عندنا شيء"، فقال الأعرابي: وا غدراه، فتبادر إليه أصحاب رسول الله ﵇، فقال: "دعوه، فلصاحب الحق اليد واللسان") (٢)، فأخبر أن للأعرابي اليد مع قوله إنه لا شيء عندي، ولأن الغريم يمكنه الاستيفاء من الكسب كما يمكنه من المال، فإذا جاز له أن يلازمه حتى يستوفي [من] أحدهما، فكذلك الآخر. ١٩١١ - فَصْل: [ادعاء الزوج بإيفاء الحق] فإن ادّعى الزوج أنه قد أعطاها [لم يقبل قوله] وحُلّفت المرأة؛ وذلك لأنه يَدَّعِي قضاء الدين، فلا يُقْبَلُ دعواه إلا ببينة، وعليها اليمين؛ لأن من جعل القول قوله فيما يلزمه فيه الخصومة وهو مما يَصِحُّ بذله، فالقول قوله مع

стр. 2193

يمينه كالديون (١). قالوا: وإن كان موسرًا أدام حبسه؛ لأنه يقدر على إيفاء الحق، والممتنع مع القدرة يستحق العقوبة. ١٩١٢ - فَصْل: [الحبس مع عدم القدرة على الأداء] وقال أبو يوسف: إذا علم الحاكم منه الحاجة لم يحبسه، وأمر المرأة أن تستدين عليه؛ وذلك لأن الفقير لا يقدر على أداء النفقة، فلا يجوز أن يحبس مع عدم القدرة على الأداء، فأما الاستدانة فالكلام فيها فرع على أن المعسر بنفقة امرأته لا يفرق بينها وبينه، وقال الشافعي: إن طلبت المرأة الفرقة فرق القاضي (٢). لنا: أنها نفقة واجبة، فإذا عجز عنها لم يزل ملكه [بغير] عوض كنفقة العبد؛ ولأنها حق من حقوق النكاح لا يستقر به المهر فلا يثبت الفرقة لأجله كالوطء الثاني والثالث، ولأنه مال مقصود بالعقد فصار كالمهر، وإذا ثبت أنه لا يفرق وجب أن يتوصل إلى إيفاء حقها بالإذن لها في الاستدانة عليه، ولا يقال لا فائدة في الإذن في الاستدانة؛ لأنه إذا فرض النفقة صارت دينًا لها عليه، فإذا استدانت على [نفقتها] (٣) وجبت عليه وإن لم يؤذن لها في الاستدانة؛ وذلك لأن فائدة الإذن (أن نحيل) (٤) الغريم على الزوج، فيطالبه بالدين وإن لم يرض بذلك، فإذا استدانت من غير أمر لم يجز ذلك، فكانت المطالبة [عليها] (٥) خاصة.

стр. 2194

قال: فإن استدانت قبل أن يأمرها الحاكم فهي متطوعة ولا شيء من ذلك على الزوج؛ لأنها لا تملك إلزامه الدين إلا أن يأذن لها في الاستدانة، أو يأذن [لها] (١) من له عليه ولاية، فأما قوله: إنها متطوعة، فإن كان [يريد بالإنفاق] (٢) فقد وضع المسألة على أن الحاكم لم يفرض النفقة، فإذا أنفقت فهي متطوعة، فأما إذا فرض صار ذلك دينًا لها فلا تكون متطوعة بالإنفاق، ويجوز أن يكون أراد بقوله: متطوعة، أي: في الاستدانة، يعني أن الزوج لا يجب عليه للغريم شيء. ١٩١٣ - فَصْل: [مطالبة الزوجة بالنفقة السابقة] وإذا فرض القاضي النفقة، أو صالحت المرأة زوجها على نفقة كل شهر، ثم منعها ذلك شهورًا غائبًا كان أو حاضرًا، فلها أن تطالبه بنفقة ما مضى؛ لأنا قدمنا أن النفقة تصير دينًا بالقرض والاصطلاح، فصارت كسائر الديون وليس كذلك نفقة ذوي الأرحام إذا مضت المدة؛ وذلك لأنها موضوعة للكفاية، وقد حصلت الكفاية فيما مضى فلم يجز الرجوع، فأما نفقة الزوجة تثبت مع الغنى عن الكفاية، ألا ترى أنها تجب للموسرة وليس في مضي الزمان أكثر من الاستغناء (٣). ١٩١٤ - فَصْل: [موت الزوج قبل أن يعطيها النفقة] قال: فإن مات الزوج قبل أن يعطيها لم يحكم (في ماله بالنفقة) (٤)؛

стр. 2195

وذلك لأن النفقة طريقها طريق الصلات، فإذا لم يقبض بطلت بالموت كالهبة (١). ١٩١٥ - فَصْل: [في رجوع ورثة الزوج لسلف الزوجة قبل مضي الوقت] وإن أسلفها الزوج نفقتها وكسوتها، ثم مات قبل مضي الوقت الذي استسلفت له لم يكن لورثته الرجوع عليها بشيء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذلك إن ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها. وقال محمد: أدفع [لها] من النفقة حصة ما مضى، وأقضي عليها بِرَدِّ الباقي. وروى ابن رستم عن محمد: أنها إن كانت قبضت نفقة شهر أو دونه لم يرجع عليها بشي، وإن قبضت أكثر من ذلك رفع عنها نفقة شهر، وردت ما بقي. وجه قولهما: أن النفقة صلة، فإذا اتصلت بالقبض لم يثبت فيها الرجوع بعد الموت كالهبة. وجه قول محمد: أنها قبضت قبضًا مضمونًا لِمَا تستحقه على الزوج، فإذا بطل الاستحقاق بالموت، بقي القبض من غير حق، فيجب رده كالديون، فأما الرواية الأخرى فهي استحسان، [ووجهها: أن الشهر وما دونه في حكم اليسير]، وما زاد عليه في حكم الكثير (فيثبت به الرجوع كالدين) (٢) (٣).

стр. 2196

بَابْ النَّفَقَةِ على ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَم قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا الباب أن الإنسان يجب عليه مع اليسار نفقة أبويه الفقيرين، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فمنع من إدخال الضرر عليهما بهذا القدر، وإدخال الضرر بترك الإنفاق أكثر، وقال النبي ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" (١)، وأقلُّ أحوال هذا اللفظ أن يفيد وجوب الإنفاق، فقال ﵇: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، فكلوا من كسب أولادكم" (٢)، فإذا كان مال الولد مضافًا إلى الأب بأنه كسبه صار غنيًا به، فوجبت نفقته فيه ويجب عليه نفقة الأولاد الصغار والكبار الزمنى والإناث والعميان؛ وذلك لأن رحمهم كاملة كالوالدين؛ ولأن الولاد موجود كالأب، وهذا لا خلاف فيه، فأما من سوى الوالدين والولد فالنفقة واجبة عندنا لكل ذي رحم [محرم] إذا كان فقيرًا عاجزًا عن الكسب. وقال ابن أبي ليلى: تجب النفقة لكل وارث، وقال الشافعي: لا تجب النفقة إلا للوالدين والولد (٣). لنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إلى أن قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ

стр. 2197

رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فهذا يدل على وجوب النفقة على كل وارث إلا ما قام عليه دليل، ولا يجوز (١) أن يقال أن ابن عباس حمل ذلك على نفي المضارة؛ لأن عمرَ وزيدًا حملاه على النفقة، ولأن الكناية بذلك تنصرف إلى الأبعد، ولأن نفي الضرر لا يختص بالوارث، بل يعم جميع الناس، فوجب حملها على ما يختص الوارث، ولأن له رَحِمًا كاملة فصار كالوالدين والولد، وأما الخلاف مع ابن أبي ليلى فيتصور في ابن العم ومن يجري مجراه، فالدليل على أنه لا نفقة لهم أنه يجوز أن تجري بينهم المناكحة، فصار كالأجانب. ١٩١٦ - فَصْل: [على من تجب نفقة ذوي الأرحام؟] وقد قالوا: إنّ نفقة ذوي الأرحام تجب على الأغنياء، ولا تجب على الفقير إلا نفقة زوجته وأولاده الصغار (٢)، وذلك لأن نفقة ذوي الأرحام إنما هي على طريق الصلة، فلو أو جبنا على الفقير [للفقير] لم يكن إيجابها عليه أولى من إيجابها له، فأما الزوجة فنفقتها أجريت مجرى الديون بدلالة أنه يقضى لها مع يسارها، والديون تجب في حال الإعسار واليسار، والأولاد الصغار يجرون مجراها، [ألا ترى] (٣) أنها هي المستحقة لأخذ نفقتهم (٤). ١٩١٧ - فَصْل: [نفقة ذوي الأرحام الأغنياء] ولا يقضى بنفقة أحد من ذوي الأرحام على غيره إذا كان غنيًا؛ لأنَّه مستغنٍ

стр. 2198

بما له، فكان إيجاب نفقته فيه أولى من إيجابها في مال غيره؛ ولأنا لو قضينا للغني لم يكن ذلك بأولى من القضاء للمقضي عليه على المقضي له، فأما الزوجة فإنها تستحق النفقة مع الغنى خاصة؛ لأن نفقتها تستحق بحكم عقد كالإبراء (١)، فيجوز أن تجب مع اليسار، فإذا حصل الفقر في ذوي الأرحام قضي لصغارهم بالنفقة؛ لأنَّه لا مال لهم ولا كسب، فوجب صلة أرحامهم بكفايتهم. وكذلك الإناث؛ لأن المرأة لا تقدر على الكسب فهي كالصَّبِيِّ، وكذلك الكبار الزمنى، والعميان، والمجانين؛ لأنهم لا يقدرون على الكسب. فأما الكبار الأصحاء فلا يقضى لهم بنفقة على غيرهم إذا كانوا فقراء إلا الأبوين خاصة والجد والجدة مع عدمهما؛ وذلك لأن الرجل الصحيح قادر على التكسب، فصار غناه بكسبه كغناه بماله، فلا تجب نفقته على غيره. فأما الأبوان فيقضى على ولدهما بنفقتهما مع الصحة؛ لأن تعريضهما للكسب مع غنى الولد إلحاق مشقة بهما، والولد ممنوع من ذلك؛ ولأن مال الولد في حكم كسب الأب، فصار كمالِ نفسه. قال أبو يوسف: إذا كان الابن فقيرًا والأب زَمِنًا، فإن الأب يشارك الابن في القوت بالمعروف؛ وذلك لأن كسب الابن مضاف إلى الأب بأنه كسبه فيثبت حقه فيه؛ ولأنه لا يخشى التلف بمشاركة [الابن] (٢)، ولو لم يشاركه خشي على الأب فكانت المشاركة أولى، ولا يشارك الأب الموسر في نفقة ولده أحد؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فألزم الأب أجرة

стр. 2199

الرضاع مع وجود الأم، فدل على أنها لا تشارك الأب، وإذا لم تشاركه الأم مع المساواة في الدرجة فالأبعد أولى، وكذلك قالوا لا يشارك الأولاد في نفقة الوالدين أحد، فإذا كان للفقير ابن غني وأب غني فنفقته على ابنه دون أبيه؛ وذلك لأن مال الابن مضاف إلى الأب أنه كسبه، ومال الأب ليس بمضاف إلى الابن، فكان (١) إيجاب النفقة فيما هو في حكم ماله أولى؛ ولأن مال الابن لمّا أجري مجرى مال الأب، صار الأب غنيًا به، فلم تجب نفقته على غيره، وعلى هذا قالوا: لا يشارك الزوجَ أحدٌ في نفقة زوجته؛ لأن ذلك مستحقًا لها بحكم العقد كالمهر (٢). ١٩١٨ - فَصْل: [نفقة ذوي الأرحام سوى الابن والأب] وأما مَنْ سوى هؤلاء فالنفقة تنقسم عليهم على قدر مواريثهم إذا كانوا ذوي رحِم مَحْرم وذلك لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ فعلق الاستحقاق بالإرث فوجب اعتبار (٣) قدره (٤). وقد قال أصحابنا: [فيمن] (٥) أوصى لورثة فلان وله بنون وبنات، كانت الوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ولو أوصى لولدِ فلان، كان (٦) الذكر والأنثى سواء؛ لأنَّه في الفصل الأول علق الاستحقاق بجهة الإرث، وذلك يثبت على التفضيل.

стр. 2200

١٩١٩ - فَصْل: [النفقة بين الوالد وابن ابنه] قال: ولو كان له والدٌ وابن ابن فنفقته على الوالد؛ وذلك لأنَّه أقرب من ابن الابن، فإيجاب النفقة عليه أولى، فأما الجد وابن إلا بن فعلى الجد السدس، وعلى ابن الابن ما بقي؛ لأنهما تساويا في الدرجة، فكانت النفقة على قدر ميراثهما، فإن كان أم وعم، أو عمّ وأخ لأب وأم أو لأب، فعلى الأم الثلث، وعلى العم أو الأخ الثلثان؛ وذلك لأن الأم يشاركها غيرها في النفقة، فإذا اجتمع معها قسمت النفقة على قدر ميراثهما. قال الشيخ ﵀، وقال ابن سماعة عن محمد في صغيرة لها أب موسر، وأم أم: فالحضانة للجدة، والنفقة على الأب؛ وذلك لما بينا أن الأب لا يشاركه في نفقة الولد غيره؛ ولأن الأم لا تشاركه مع قربها فالجدة مع بعدها أولى. قال: وإن كان للصغيرة مال فالنفقة في مالها؛ لما قدمنا أنه لا يقضى بالنفقة لغني إلا الزوجة. قال: وإن كان مالها غائبًا أمرت الأب أن ينفق عليها ويرجع في مالها؛ وذلك لأنَّه لو لم يكن لها مال لزمه الإنفاق، فإذا كان المال غائبًا أمكنه تحصيل حقها من الإنفاق، وحق الأب في إثبات الرجوع. قال: فإن لم أكن أمرته (١) بالنفقة فأنفق لم يرجع عليها إلا أن يكون أشهد أنه يرجع؛ وذلك لأن الظاهر أن الإنسان يتبرع بالنفقة على ولده ولا يرجع به، فحمل على الظاهر، فإذا أشهد عند الإنفاق فقد أزال الظاهر، (وبَيَّنَ أنه أنفق على طريق العوض، وهو يملك إيجاب الدَّيْنِ على الصغير، كما لو اقترض له مالًا وسعه فيما بينه وبين الله تعالى أن يرجع وإن

стр. 2201

لم يُشْهِد - إذا كان في بيته يوم دفع - أنه يرجع، فأما في القضاء فلا يرجع إلا أن يشهد؛ وذلك لأنَّه إذا نوى الرجوع فقد جعل ذلك دينًا على الصغير، وهو يملك إثبات الدين عليه إلا أنه لا يقبل قوله لمخالفة الظاهر)، والله تعالى عالم بالنيّة، فجاز له الرجوع فيما بينه وبين الله تعالى. قال: فإن كان مال الصبية (١) غائبًا والأب معسر لا يقدر على شيء أمرت الجدة أن تنفق، ويكون ذلك دينًا على الأب يرجع به في مال ابنته؛ لأن الجدة لا يلزمها الإنفاق على (الصغيرة لو) (٢) لم يكن لها مال مع وجود الأب، فإذا كان لها مال غائب كان أيسر فيطالب الأب بالنفقة، فإذا لم يقدر عليها استدين عليه؛ ليتوصل إلى [الإنفاق عليها] (٣)، ثم يرجع الأب في مالها؛ لأنَّه لا يلزمه أن يتبرع عليها مع الغنى. قال أبو يوسف في الفقير: إذا كان له أولاد صغار ولهم جَدٌّ مُؤْسِر أبو أبيهم، لم أفرض النفقة على الجد؛ لأنَّه لا يلزمه نفقة أبيهم إذا كان فقيرًا، فأولى أن لا يلزمه نفقة أولاده. قال محمد: آمر الجَدَّ بالنفقة على ولد ابنه، ويكون ذلك دينًا على أبيه؛ لأنا نتوصل إلى إحيائهم في الحال بمال الجد، ويكون ذلك دينًا على الأب؛ لأنَّه المطالب به فيوفي الحقّين، ولو كان الأب [زَمِنًا] (٤) والمسألة بحالها قضى على الجد بالنفقة في قولهم؛ لأنَّه تلزمه نفقة أبيهم إذا كان فقيرًا، فكذلك يقضى عليه لولده (٥).

стр. 2202

١٩٢٠ - فَصْل: [النفقة على فقير له عمّ وخال] وقد قالوا في عم وخال: إنّ النفقة على العم؛ لأنهما تساويا في القرابة، والعم هو المستحق للميراث، وقد قالوا في خال وابن عَمٍّ: إنّ النفقة على الخال؛ لأنَّه ذو رَحِم مَحْرَمٍ، وابن العم رَحِم غير مَحْرَمٍ فسقط حكمه. وقالوا في عمة وخالة وابن عَمٍّ: فعلى الخالة الثلث وعلى العمة الثلثان؛ وذلك لأن ابن العم لا يعتد به في النفقة، [والميراث يكون بين العمة والخالة أثلاثًا، فكذلك النفقة] وإن كان معهما عَمٌّ موسر فالنفقة عليه؛ لأنَّه ساواهما في الرحم والمحرم وهو الوارث دونهما، وإن كان معسرًا فالنفقة [عليهما]؛ لأن المُعْسر في النفقة إذا لم يكن والدًا ولا زوجًا كالميت؛ لأنَّه لا يقدر عليها فيعتبر من سواه. وقالوا في ثلاث أخوات متفرقات وابن عم: إنّ النفقة على الأخوات على خمسة: على الأخت للأب والأم ثلاثة، وعلى الأخت للأب سهم، وعلى الأخت للأم سهم؛ وذلك لأن ابن العم لا يعتد به في النفقة، فكأنَّ ليس [له إلا] (١) الأخوات، ميراثه لهن على خمسة بالفرض والرَّد، فكذلك النفقة عليهن [على خمسة]، ولو كانوا إخوة متفرقين فالنفقة على الأخ للأب والأم، وعلى الأخ للأم على ستة: السدس منها على الأخ للأم؛ وذلك لأن الأخ للأب لا يرث معهما، فسقط حكمه فوجب عليهما [النفقة] على قدر ميراثهما: على الأخ للأم السدس، وما بقي على الأخ للأب والأم. قالوا في فقير له ابنٌ فقير وثلاث إخوة متفرقين: فالنفقة على الأخ للأب

стр. 2203

والأم، والأخ للأم، ونفقة الولد على الأخ للأب والأم خاصة؛ وذلك لأن النفقة على الأخوين على قدر ميراثهما، فأما الولد فوارثه العم للأب والأم دون العم للأب والعم للأم. قال: فإن كان [مكان] الابن بنت فالنفقة على الأخ للأب والأم خاصة؛ وذلك لأن في الفصل الأول لا يمكن إيجاب النفقة على الإخوة إلا مع الحكم بجعل (١) الولد كالميت، ولو مات الولد كان الميراث للأخ للأب والأم والأخ للأم. فأما المسألة الثانية فلا تحتاج إلى الحكم [بإماتة] البنت؛ لأن الأخ يرث معها، فإذا لم يحكم بأنها كالميتة، فالميراث للأخ للأب والأم خاصة، فكذلك النفقة عليه (٢). ١٩٢١ - فصْلٌ: [في نفقة غلام له أب محتاج زَمِنٌ وقرابة] وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في غلام له والد محتاج وهو زَمِن، فرضتُ نفقته على قرابته من قِبَلِ أبيه دون قرابته من قِبَل أُمِّهِ، كل مَنْ أجبرته على نفقة الأب أجبرته على نفقة الغلام إذا كان الأب حيًا؛ وذلك لأن النفقة مع بقاء الأب تجري مجرى إقامة كفاية الأب، فيجب على قرابته دون قرابة (أمه) (٣). قال: فإن لم يكن له قرابة من قِبَلِ أبيه، قضيت بالنفقة على أبيه، وأمرت الخال أن ينفق عليه ويكون ذلك دينًا له على الأب؛ وذلك لما بينا أن أقارب

стр. 2204

الأب يلزمهم نفقته إذا كان زَمِنًا، ونفقة ولده تجري مجرى نفقته. فأما أقارب الأم: فلو لزمتهم النفقة للزمتهم للولد، ولا يجوز أن يشارك الأبَ في نفقة ولده أحدٌ، فقضي عليه وجعل دينًا على الأب. وقال في الأب الفقير والأم الموسرة: أفرض النفقة على الأب، وآمر الأم بالنفقة على الغلام، ويكون دينًا على الأب؛ لأنها لا تشارك الأب في نفقة ولده، فلم يبق إلا أن تنفق عليه دينًا على الأب. وقال في رجل محتاج وله أولاد صغار وأخ موسر فقال: أفرض النفقة على عمهم، وهذا صحيح لأنَّه ممن يلزمه نفقة أبيهم. وقال في زوج معسر وللمرأة أخ موسر: أجبرته على نفقتها وأتبع (١) بها الزوج؛ لأن الزوج لا يشاركه في نفقة زوجته أحدٌ، فكان على الأخ أن ينفق دينًا على الزوج كما لو استدانت عليه (٢). ١٩٢٢ - فَصْل: [حبس الوالد في نفقة ولده] وقال محمد: يحبس الرجل في نفقة ولده؛ وذلك لأنها) (٣) لا تستدرك إلا بالحبس، ألا ترى أنها تسقط بمضي الزمان، وليس كذلك سائر ديون الابن (٤)؛ لأن الأب لا يحبس فيها؛ لأنها لا تسقط بمضي الوقت، وفي الحبس ضرر فلم يجب أن يلحق بالأب ضرر لأجل مال ولده، ولهذا قال أصحابنا في الممتنع من

стр. 2205

أداء الحقوق: إنه يحبس، والممتنع من القسم يضرب؛ لأنَّه لا يستدرك بالحبس، ألا ترى أنه يفوت بمضيّ الزمان فاستدرك بالضرب. ١٩٢٣ - فَصْل: [نفقة صغير فقير أعتقه مولاه] وقالوا في صبي صغير أعتقه مولاه: ولا شيء له، ينفق عليه من بيت المال؛ لأنَّه من جملة المسلمين، وليس له قرابة غَنِيّ. وقالوا: في صغير في يدي رجل قال لرجل: هذا عبدك أودعتنيه فجحد، قال محمد: أستحلفه بالله ما أو دعتَه؛ فإن حلف قضيت بنفقته على الذي هو في يده؛ وذلك لأنَّه اعترف برقه وأقر به لغيره، فرُدَّ إقراره، فبقي على حكم ملكه فيلزمه نفقته. قال محمد: ولو كان كبيرًا لما استحلف المُدَّعَى عليه؛ وذلك لأن الكبير في يد نفسه، فدعوى من هو في يده لا يتعلق بها حكم، فوجب الإنفاق (١) على من يَدَّعي عليه الكبير. ١٩٢٤ - فَصْل: [حدّ الغنى الذي يجب فيه النفقة] وإذا ثبت وجوب النفقة على ذي رَحِم الغني، وجب أن يبين حدّ الغِنى. قال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال: لا أجبر على نفقة ذي الرحم المحرم من لم يكن معه [ما يجب فيه الزكاة]، ولو كان معه مائتا درهم إلا درهم وليس له عِيال، وله أخت محتاجة، لم أجبره على نفقتها. قال: وإن كان يعمل بيده ويكتسب في الشهر خمسين درهمًا، وقال هشام عن محمد: إذا كان له

стр. 2206

نفقة شهر وعنده فضل نفقة شهر له ولعياله، أجبره على نفقة ذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ (١). قال محمد: فأما من لا شيء له وهو يكتسب كل يوم درهمًا يكتفي منه بأربعة دوانق، فإنه يدفع لنفسه ولعياله ما يتسع فيه، وينفق فضله على من يجبر على نفقته. وجه قول أبي يوسف: أن نفقة (٢) الرحم صلة، والصلات تلزم مع الغنى كالصدقات، (وحدّ الغنى في الشريعة: ما تجب فيه الزكاة، فمن ملك ما لا تجب فيه الزكاة لم تلزمه الصلة) (٣). وجه قول محمد: أن من كان عنده كفاية شهر، فما زاد عليها فهو غني عنه في الحال، والشهر متسع للاكتساب، فكان عليه صرف الزيادة إلى أقاربه، ومن له كسب دائم وهو غير محتاج إلى جميعه، فما زاد على كفايته يجب صرفه إلى أقاربه، كفضل ماله إذا كان له مال. قال: ولا معنى لاعتبار النصاب؛ لأن ذلك يعتبر في وجوب حقوق الله تعالى، وهذا حق آدمي فلا يعتبر فيه النصاب، وإنما يعتبر الإمكان (من الأداء) (٤). ١٩٢٥ - فَصْل: [على من ينفق من مال الغائب] قال أبو الحسن: فإن كان الرجل غائبًا لم ينفق على أحد من ماله إلا الأبوان والزوجة والولد [الصغير]، وهذا إنما يعنى به إذا اعترف من في يده المال

стр. 2207

بالزوجية والمال، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم (١). وقد قالوا: إن الأب ينفق من مال الابن عند غيبته إذا كان محتاجًا؛ لأن له شبهة ملك في ماله، فجاز له تناول ما يحتاج إليه من غير إذنه. قالوا: فإن أنفق الأب من مال ابنه وحضر الابن، فقال: كنتَ مُوْسرًا، فقال الأب: كنتُ مُعْسرًا، ينظر إلى حال الأب في حال الخصومة: فإن كان معسرًا فالقول قوله، وإن كان مُوسرًا فالقول قول الابن؛ لأنَّه إذا كان معسرًا فالظاهر أنه لم يتغير حاله، ومن ادعى الظاهر فالقول قوله، فإن أقاما البيِّنة فالبينة بينة الابن؛ لأن شهوده يشهدون بالغنى، وشهود الأب يشهدون بالفقر، ومن علم الغنى فقد علم معنى زائدًا لم يعلمه غيره. ١٩٢٦ - فَصْل: [ما يباع على غائب للنفقة] قال أبو حنيفة: لا يباع على غائب شيء في نفقةٍ إلا الأبوين فإنهما يبيعان مقدار ما يحتاجان إليه من العُرُوْض دون العَقَارِ، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيعهما هو القياس، وذكر أبو الحسن: أن محمدًا ذكر قول أبي حنيفة وقال: هو حسن. وجه قول أبي حنيفة: أن الأب له ولاية في مال الابن في حال الصغر، والبلوغُ يرفع ولايته، فجاز أن يبقى أثرها كالموت، ألا ترى أنه إذا مات سقطت ولايته وبقي أثرها وهو تصرف الوصي؛ ولأن مال الولد مضاف إلى الأب بأنه كسبه، وفي بيع العروض منفعة للغائب؛ لأنها مما تتلف وتهلك، فكان في بيعها جمعًا بين المنفعتين، وليس كذلك العَقار؛ لأنَّه لا منفعة في بيعه للغائب [إذ لا

стр. 2208

يخشى هلاكها] فلم يجز بيعه. وجه قولهما وهو القياس: أنه لا ولاية للأب على الغائب، فصار كغير الأب من الأقارب، وقد قال محمد: إنّ القاضي لا يبيع للأب العروض، ولكن [لا] يعترض عليه في بيعها؛ لأن البيع يجوز للأب مع بقاء حكم الولاية، وهذا المعنى لا يوجد في فعل القاضي، ولأن هذه العروض يجوز أن تكون وديعة في يد الابن، فإذا باعها الأب وجب عليه ضمانها، [فإذا باعها الحاكم أبرأه من ضمان العهدة، وذلك ضرر على الغائب]. فأما الذي قال أبو الحسن: إنّه لا يباع على غائب في النفقة إلا في نفقة الوالدين والزوجة والولد الصغير. فليس بصحيح، وإنما يختص هذا بالأبوين، فأما الذي يجمع هؤلاء فهو القضاء بالنفقة في وديعة الغائب إذا اعترف بها المودَع، فنقل أبو الحسن جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى. ١٩٢٧ - فَصْل: [النفقة مع اختلاف الدِّين] وقد قال أصحابنا: إن النفقة لا تجب مع اختلاف الدِّيْن إلا للوالدين والولد والزوجة والجد إذا كان الأب ميتًا، ومن سواهم تجب نفقته مع اتفاق الدِّين، فأما الوالدين فلقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وهذا في الكَافِرَيْن، فأما الزوجة فلأن نفقتها تجب بحكم العقد كالمهر؛ وذلك لا يختلف بالأديان، ونفقة الولد تجري مجرى نفقتها، فأما نفقة ذوي الأرحام فنفقتهم على طريق الصلة؛ وذلك لا يجب مع اختلاف الدين فيهم، ألا ترى أنه يجوز للمسلم أن يبتدئ بقتل أخيه الحربي ولا يجوز أن يبتدئ بقتل أبيه، فَدَلَّ على أنه تجب صلة رَحِم الوالدين مع اتفاق الدِّين واختلافه، ولا تجب صلة رحم من سواهم

стр. 2209

مع اختلاف الدين؛ ولما قدمنا. قال أصحابنا: إن الكافر يجبر على نفقة ولده المسلم وكذلك والديه، ويجبر الكافر على نفقة بنته المسلمة، ويجبر المسلم على نفقة بنته النصرانية؛ لأن هذه الرحم متأكدة فتجب صلتها مع اختلاف الدين واتفاقه. وقد قالوا: إن وجوب النفقة على المسلم لأبويه الذميين استحسانًا، والقياس: أن لا تجب، وقالوا: لو دخل أبواه وهما حربيان بأمان لم يجب عليه نفقتهما؛ لأن صلة أهل الحرب ممنوع منها، وكذلك لا يجوز أن يتصدق عليهم (١). ١٩٢٨ - فَصْل: [نفقة الولد الحر على الأب العبد] وقد قالوا: إن العبد لا يلزمه نفقة ولده الحر؛ وذلك لأنَّه لا ولاية له عليه ولا يد عليه، فلا يستحق عليه نفقته، ولأن إكسابه للمولى والمولى أجنبي من هذا الولد، فلا يجب [نفقته] (٢) في ماله. قالوا: فلا يجب على الحر نفقة ولده المملوك؛ لأنَّه ملك لغيره، والإنسان لا يجب عليه نفقة مملوك غيره. ١٩٢٩ - فَصْل: [الأمور الموضوعة للكفاية] وقد قالوا: فيمن وجبت عليه نفقة غيره: إنها المأكل، والمشرب، والملبس، والسكنى، والرضاع؛ لأنها موضوعة للكفاية، وهذه الأمور محتاج إليها للكفاية، فإن كان للمُنْفَق عليه خادم يحتاج إلى خدمته، فُرِضَ له؛ لأنَّه من جملة الكفاية مع الحاجة.

стр. 2210

١٩٣٠ - فَصْل: [إجبار المرأة على إرضاع ولدها] وقد قال أصحابنا: إن المرأة لا يجب عليها أن تُرضع وَلَدَها، إلا أن لا يوجد من يرضعه فتجبر على رضاعه، وقال مالك: إن كانت شريفة لم تجبر وإن كانت دَنِيَّة أجبرت (١). لنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب بدل للرضاع على الأب؛ ولأن الرضاع مؤنة للولد، فصار كنفقته بعد الكبر، فكما لا يلزمها أن تنفق عليه إذا استغنى عن الرضاع لم يلزمها أن ترضع. وقد قالوا: إن الأب إذا التمس لولده مرضعة، فإن أرادت الأم أن ترضعه فهي أولى؛ لأنها أقوم به وأشفق عليه [وأولى به]، فإن أرادت أن تأخذ أجرًا على ذلك مع بقاء النكاح لم يجز؛ وذلك لأنها مستحقة للنفقة، وأجرة الرضاع تجري مجرى النفقة، فلا تجب لها نفقتان، ولأن أجرة الرضاع تجب لحفظ الصبي، وحفظه [مِن] نظافة البيت، ومنفعة البيت تحصل للزوجين، فلم يجز أن تأخذ عوضًا عن منفعة تحصل لها. ولهذا قالوا: لو استأجرها على إرضاع ابنه من غيرها جاز؛ لأنَّه لا يجب عليها أن تسكنه معها، فلم يكن في حفظه منفعة تعود إلى منزلها. وأما المبتوتة في إحدى الروايتين: لا يجوز لها أن تأخذ الأجرة؛ لأنها مستحقة للنفقة والسكنى كالزوجة، وفي الرواية الأخرى: يجوز؛ لأن النكاح زال فهي كالأجنبية، فأما إذا انقضت العدة والتمست أجرة (٢) الرضاع، وقال الأب: إنْ أخذ
следующие страницы →