← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تيمم ينوي الطهور ثم أسلم أجزأه. لنا: أن التيمم من شرطه النية، فلا يصح من الكافر، كالصوم والصلاة. ولأبي يوسف أنه إذا نوى الإسلام، فقد تعلق بهذه النية حكم القربة إذا أسلم، فصار التيمم مع نيّة القربة كالمسلم إذا تيمم. فأما الرواية الأخرى فقال: إنها طهارة فصحت من الكافر كالوضوء، والفرق بينهما: هو أن الوضوء لا يفتقر إلى النية، فاستوى فيه الكافر والمسلم كإزالة النجس. فإن قيل: روي عن النبي ﷺ "أنه كان يأمر من أسلم أن يغتسل" (١)، [ولو لم يصح] (٢) اغتسال الكافر، لم يكن لأمره معنى. قلنا: أمرهم؛ لأن الغالب من حالهم أنهم لا يغتسلون، ويجوز أن يكون أمر بالغسل على طريق القربة، وما فعل مع الكفر وإن أجزأ فلا قربة فيه. ١٨٧ - فَصْل: [تيمم المرتد] وقد قال أصحابنا -في المسلم إذا تيمم ثم ارتد ثم أسلم-: أنه على تيممه. وعن زفر: أنه يعيد التيمم. لنا: أن التيمم قد صح، والردة تمنع من استصحاب نيّة القربة، وليس من شرط التيمم أن يفعل على وجه القربة؛ لأنه ليس بمقصود بنفسه، والردة تمنع

стр. 212

من استصحاب نيّة القربة. وجه قول زفر: هو أنها عبادة من شرطها النية، فتبطلها الردة كالصلاة، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الصلاة من حكم أفعالها أن تكون على وجه القربة، فهو إذا ارتد خرج الفعل من أن يكون قربة، فلم تجز، وهذا القول عن زفر [يقتضي] أن يعتبر النية في التيمم، فلا يصح. ١٨٨ - فَصْل [ما يجوز به التيمم] فأما الكلام فيما يجوز به التيمم (١)، فيجوز عند أبي حنيفة ومحمد: بكل ما كان من جنس الأرض: كالتراب، والرمل، والحصى، والزرنيخ، والنورة، والجص، والطين الأحمر والأخضر، والمرداسنج، والكحل، والحجارة المدقوقة، والآجر المدقوق والسنجة، وما أشبه ذلك. وقال أبو يوسف: لا يجوز إلّا بالتراب والرمل، وقال معلى عنه: إلّا بالتراب، وهو قوله الأخير، وبه قال الشافعي. وجه قولهما: قوله ﷺ : "جُعِلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا" (٢)، والأرض عبارة عن الرمل، والتراب، والحجر، وسائر الأجناس، ولا يعارض هذا ما روي أنه قال: "وترابها طهورًا" لأنا نجمع بين الخبرين، إذ لا تنافي بينهما؛ ولأن كل بقعة من الأرض جازت الصلاة عليها، جاز التيمم منها، كبقعة التراب.

стр. 213

وجه قول أبي يوسف: ما روي عن ابن عباس أنه قال: (الصعيد التراب)، وقال النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا". فأما المرداسنج الذي ذكره أبو الحسن فالمراد منه: المعدن الذي يجري مجرى الكحل، والطين الأحمر والأسود (١)، فأما الآجر فهو طين مستحجر، وذلك لا يمنع التيمم كالحجر الأصلي الذي يتولد من الأرض. ١٨٩ - [التيمم بالحجر ونحوه] فأما شرطه الدق في الحجر والآجر، فهذا على قول محمد خاصة؛ لأنه يوجب استعمال جزء من الصعيد، فأما عند أبي حنيفة: فإذا وضع يده عليه قبل الدق، جاز على ما سنبيّنه إن شاء الله تعالى. ١٩٠ - فَصْل: [التيمم بالمسح على صخرة] وأما إذا وضع يده على صخرة لا تراب عليها، أو أرض ندية، أجزأه عند أبي حنيفة، روى ذلك معلى، وابن سماعة، وبشر، وعلي [بن الجعد] عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: وإن لم يكن عليه صعيد. وقال في الأصل: ولو ضرب بيده على حائط أو جِص بحجارة، وعليها غبار أجزاء، ولم يذكر في الأصل إذا لم يكن عليه غبار (٢). وروى عمر عن محمد: فيمن تيمم من أرض ندية ولم يتعلق بيده شيء قال: لا يجزئه.

стр. 214

قال أبو الحسن: وروي عن محمد مثل قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يجزئ ذلك، هذا تفحش. وجه قول أبي حنيفة: قوله ﵇: "جعلت لى الأرض مسجدًا وطهورًا"، والحجر أرض؛ ولأنه مسح أقيم مقام غسل، فلا يعتبر [استعمال] الممسوح به في العضو، كمسح الخفين. ولأبي يوسف قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، فاعتبر استعمال ما يتطهر به كالماء. ١٩١ - فَصْل: [التيمم بالغبار] وأما التيمم بالغبار (١) فقد قال أبو حنيفة: إذا ضرب رجل ثوبًا بيده، أو فراشًا أو وسادة، أو على حنطة أو شعير، فلصق بها غبار من ذلك، أجزأه التيمم به. وروي عن أبي يوسف: أنه يتيمم به إذا لم يجد غيره، ويعيد، ثم رجع فقال: وليس الغبار عندي من الصعيد. لنا: أن مقدار ما يستعمله من الأرض هو الغبار، فإذا أخذه من ثوب أجزأه، كما لو عصر ماء من ثوبه وتوضأ به، جاز، كما لو أخذه من آنية. ولأبي يوسف: أن إطلاق اسم الصعيد [يتناوله]، فيتيمم به في قوله الأول [لأنه من أجزائه] ويعيد، وفي قوله الأخير: لا يتيمم به كما لا يتيمم بغير التراب.

стр. 215

١٩٢ - فَصْل: [التيمم بالطين الرطب] قال محمد في الأصل (١): في المسافر إذا كان في طين أو رَدغة، فأصابه مطر فابتل سرجه وثيابه، ولم يجد ما يتوضأ به: فإنه يلطخ ثوبه بالطين ويجففه، ثم يفركه ويتيمم به، وهذا على قول محمد؛ لأن التيمم عندنا بغبار الثوب جائز، ولا بدّ عنده من استعمال شيء من التراب. فأما على قول أبي حنيفة: فإذا لم يعتبر استعمال شيء من الصعيد، جاز أن يتيمم من الطين الرطب وإن لم يلصق بيده. ١٩٣ - فَصْل: [التيمم بما ليس من الأرض] روى عمر عن محمد قال: لا يجوز أن يتيمم ببرادة الذهب والفضة، والحديد؛ وذلك لأنه ليس من الأرض؛ بدلالة أنه ينطبع، والتراب لا ينطبع، والتيمم يختص بجنس الأرض. قال: وكذا البورق، والملح؛ لأنهما ليس من جنس الأرض، بل هو كالماء يجمد (٢) ويذوب، [قال:] وكذلك الرماد؛ لأنه ليس من جنس الأرض، وإنما هو من أجزاء الخشب، وكذلك اللؤلؤ المدقوق؛ لأن اللؤلؤ تتولد من حيوان البحر، وأجزاء الحيوان، لا يجوز بها التيمم. ١٩٤ - فَصْل: [التيمم من مكان نجس] ولا يجوز التيمم من مكان نجس لقوله تعالى: لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾،

стр. 216

والطيب: الطاهر، فلأنّ ما يتطهر به إذا خالطته نجاسة، منعت التطهر به كالماء. ١٩٥ - [فَصْل: التراب المستعمل في التيمم] ومن تيمم من مكان (١)، فوضع آخر يده في ذلك المكان وتيمم منه، جاز ذلك؛ لأن التراب لا يرفع الحدث ولا يصير مستعملًا، ولأن موضع التيمم يجري مجرى ما يبقى في الإناء بعد الاغتراف منه للوضوء. ١٩٦ - فَصْل: [ما يتيمم لأجله] فأما ما يتيمم لأجله، فكل طهارة من حدث، إذا لم يقدر على ما يتطهر به، فإنه يتيمم كالوضوء، والغسل من الجنابة والحيض، والنفاس، ولا خلاف في جواز التيمم بدلًا عن الوضوء لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فأما الجنب فقد روي عن عليّ وابن عباس جواز التيمم للجنب، وقال عمر وابن مسعود: إنه لا يتيمم، قال الضحاك: رجع ابن مسعود عن هذا. لنا: ما روي عن أبي ذر قال: "اجتمع عند رسول الله ﷺ غنم من غنم الصدقة فقال: ابْدُ فيها يا أبا ذر، فبدوت فيها إلى الرَّبذة، فكان يأتي عليّ الخمس والست وأنا جنب، فوجدت في نفسي، فأتيت رسول الله ﷺ وهو مسند ظهره إلى الحجر، فلما رآني قال مالك يا أبا ذر؟، فجلست، فقال: ما لك ثكلتك أمك؟، فقلت: يا نبي الله إني جنب، فأمر جارية سوداء فجاءت بنقير فيه ماء وسترتني بالنقير وبالثوب فاغتسلت، فكأنما وضعت عني حملًا، وقال: إن الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت ماء فامسسه

стр. 217

بشرتك فإن ذلك خير" (١). وروى عِمران بن الحصين قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فانفتل من صلاته، فإذا رجل معتزل لم يصلِّ في القوم، فقال: ما منعك أن تصلي؟، فقال: أصابتني جنابة ولا ماء!، قال: عليك بالصعيد، فإنه كافيك" (٢). وروى أبو هريرة أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: إنا نكون في الرمال الأشهر، فيكون فينا الجنب، والنفساء والحائض، ولا نجد الماء فيكف نصنع؟ قال: "عليك بالصعيد" (٣). وقد روى التيمم للجنب عن النبي ﷺ عمّار، وعمرو ابن العاص، والأسلع (٤)؛ ولأنها طهارة من حدث كالوضوء؛ ولأنه ثبت من أصلنا أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع، وقد جوّز الله تعالى التيمم منه. ١٩٧ - [فَصْل: المسافر والتيمم] وقد قال أصحابنا: المسافر إذا لم يكن معه ماء، جاز له أن يطأ جاريته أو أهله (٥)، وهو قول ابن عباس. وعن علي، وابن عمر، وابن مسعود: كراهته.

стр. 218

والدليل على أنه يجوز ولا يكره ما ورى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الرجل يغيب ولا يقدر على الماء فيجامع أهله؟، قال: "نعم" (١)؛ ولأن هذا توصل إلى الرخصة، وذلك غير ممنوع منه. ١٩٨ - [فَصْل: المسافر إذا لم يجد الماء] وأما من يجوز له التيمم، فالمسافر إذا لم يجد الماء (٢)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وكذلك المسافر إذا كان معه ماء وهو يخاف العطش (٣)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ ولأن فرض الوضوء يسقط إذا أضر بماله، بدليل من لم يجد الماء إلا بثمن كثير فلأن يسقط إذا أضره في نفسه أولى. ١٩٩ - [فَصْل: التيمم في المفازة] ومن خرج من مصره لا يريد سفرًا، ولا يقصده، فَبَعُدَ حتى صار بحيث لا يسمع أصوات الناس، ولم يجد الماء، جاز له أن يتيمم، وقد روي عنهم تقدير ذلك بالميل، ومن الناس من قال: لا يتيمم إلّا أن ينوي قصدًا سفرًا صحيحًا. لنا: أن الغالب من هذا المكان عدم الماء فصار، كالمفاوز؛ ولأن المسافر يجوز له أن يتيمم إذا بلغ هذا الموضع من مصره؛ لأنه يلحقه مشقة بدخول المصر

стр. 219

لطلبه، وهذا المعنى موجود ها هنا، وإن لم يكن مسافرًا. ٢٠٠ - فَصْل [التيمم للمريض] ويجوز التيمم للمريض، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، ولا يجوز أن يقال: إنه شرط فيه عدم الماء؛ لأن عدم الماء يبيح التيمم، فلا معنى لضمه إلى المرض، وإنما يرجع قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ إلى المسافر خاصة. وأما صفة المرض الذي يبيح [له] التيمم: فهو أن يخاف زيادة المرض باستعمال الماء، وقال الشافعي: لا يجوز حتى يخاف التلف (١). لنا: أن كل عبادة سقطت بخوف التلف سقطت أيضًا لخوف الضرر، كالصوم والقيام في الصلاة، وقد ذكر عمر عن محمد في المريض الذي لا يستضر بالماء، إلا أنه لا يجد من يوضئه وهو في المصر، قال: لا يجزئه التيمم حتى يستعين بمن يوضئه؛ لأنه لمّا لم يخف الضرر فصار كالصحيح [في المصر]، فلا يجوز له التيمم. ٢٠١ - [التيمم للمعذور] قال: والأقطع اليدين إذا لم يقدر على من يوضئه تيمم؛ لأنه عاجز عن الوضوء عجزًا مستمرًا كالمريض العاجز، فأما الفصل الأول فليس بعاجز عجزًا

стр. 220

مستمرًا، وإنما هو [أمر] عارض، فلا يسقط فرض الوضوء. قال: وإن كان المريض لا يستضر بالماء إلا أنه إذا تحرك للوضوء شق عليه واستضر، جاز له التيمم؛ لأنه يستضر بالوضوء، وإن لم يكن الضرر في استعماله، فصار كمن يخاف العطش، يسقط عنه الوضوء؛ لأنه يستضر به، وإن لم يستضر باستعماله. ٢٠٢ - فَصْل: [التيمم للمجروح] [وقد] قالوا: فيمن ببدنه جِراح، والغالب في مواضع [الطهارة] الصحة: غَسل ما يقدر عليه ومَسحَ على الجبيرة؛ وذلك لأن الغالب لما كان الصحة صار الأقل تابعًا له، فلم يسقط فرض الوضوء عنه، وأما إذا كان الغالب بمواضع الطهارة العذر، تيمم ولم يغسل الصحيح، وقال الشافعي: يغسل ما قدر عليه ويتيمم (١). لنا: أن العذر موجود بعامة بدنه، فسقط عنه فرض الأقل، [كالمجدور] (٢) لا يلزمه غسل ما بين الجُدَريتين؛ ولأنا لو ألزمناه الغسل والتيمم، لأدى العبادة بالأصل وبدله في حالة واحدة، وهذا لا يجوز كالتكفير ببعض الرقبة وبعض الصوم، والاعتداد ببعض الحيض وبعض الأشهر. ٢٠٣ - فَصْل: [تيمم المحبوس في المصر] قال في الأصل: في المحبوس في المصر إذا لم يقدر على الماء تيمم

стр. 221

وصلى، وأعاد، وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه لا يتيمم ولا يصلي حتى يجد الماء (١). وجه ما في الأصل: أنه يؤدي الصلاة بإحدى الطهارتين، فلم يجز له تركها كالمريض. وجه رواية الحسن هو: أن المفعول ليس بصلاة، بدلالة وجوب الإعادة، فلم يلزمه أن يقيمه مقام الصلاة، كسائر الأفعال. فأما وجوب الإعادة على رواية الأصل: فقد ذكر محمد في الزيادات: أنه استحسان، وروي عن أبي يوسف: أنه لا يعيد. لنا: أن الحبس عذر من جهة الآدمي، فلا يؤثر بانفراده في إسقاط فرض الصلاة، كمن قيد رجلًا حتى صلى قاعدًا، ولا يلزم عليه إذا حبس في السفر؛ لأن فعل الآدمي لم يجعل عذرًا بانفراده، وإنما انضم إليه عذر السفر الذي الغالب معه عدم الماء. وجه قول أبي يوسف: أنها صلاة بالتيمم عند العجز، فلم يجب إعادتها، كصلاة المريض. ٢٠٤ - فَصْل: [المحبوس إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا] فأما المحبوس في مكان نجس إذا لم يجد ما يتوضأ به، ولم يقدر على

стр. 222

تراب طاهر، فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة ومحمد، ذكر قوله في الزيادات. وقال أبو يوسف: يصلي ويعيد، وبه قال الشافعي (١). وفي بعض نسخ الأصل محمد مع أبي يوسف. وجه قولهما: قوله ﵇: "لا صلاة إلا بطهور" (٢)؛ ولأن المفعول ليس بصلاة، بدلالة وجوب الإعادة عليه، فلم يلزمه إقامة ذلك مقام الصلاة. وجه قول أبي يوسف: هو أنه يشغل الوقت بما يشبه الصلاة، فلزمه ذلك كما يلزم المسافر إذا قدم المصر أن يمسك تشبّهًا بالصائم. ٢٠٥ - فَصْل: [التيمم لصلاة الجنازة] ويجوز التيمم في المصر لصلاة الجنازة إذا خشي فواتها، وقال الشافعي: لا يتيمم لها (٣). وهذا فرع على أصلنا أن الصلاة على الجنازة لا تعاد، فلو أمرناه بالوضوء لم يتوصل به إلى أداء الصلاة، ولا إلى ما يقوم مقامها، والوضوء لا يجب لغير الصلاة، فإذا سقط الوضوء وهو مخاطب بفعل الصلاة، جاز له التيمم، كالمريض.

стр. 223

وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن الولي لا يصلي على الجنازة بالتيمم مع وجود الماء؛ لأنه لا يخشى فواتها، ألا ترى أنه هو الذي يصلي وإن صلى عليها غيره، جاز له أن يعيد، فصارت في حقه [كالفرض] (١). ٢٠٦ - [فَصْل: التيمم لصلاة العيدين] وكذلك يتيمم لصلاة العيد إذا خشي فواتها، وهذا فرع على أصلنا أيضًا؛ لأن الإمام إذا صلاها سقطت، فلو أمرناه بالوضوء لم يتوصل إلى فعل الصلاة، ولا إلى ما يقوم مقامها، وإذا سقط الوضوء وهو مخاطب بالصلاة، جاز له التيمم كالمريض. ٢٠٧ - [فَصْل: التيمم للجمعة] فأما الجمعة فلا يتيمم لها وإن خشي فواتها؛ لأنه يتوصل بالوضوء إلى فعل الظهر، وهو فرض الوقت عندنا، فكان في الأمر بالوضوء فائدة، وعلى هذا قالوا إذا خشي فوات الوقت إن توضأ، لم يجز له التيمم؛ لأنه يتوصل بالوضوء إلى فعل القضاء، وهو قائم مقام فرض الوقت، وكذلك لا يتيمم لسجدة التلاوة؛ لأنها لا تسقط بمضي الوقت، فهو يتوصل بالوضوء إلى فعل ما يقوم مقامها. ٢٠٨ - فَصْل: [التيمم لمن خشي الاغتسال] ومن خاف إن اغتسل أن يتلف، أو يمرض من شدة البرد، جاز له التيمم. وقال أبو يوسف: إن كان مسافرًا جاز، وإن كان في المصر لم يجز. وقال الشافعي: يتيمم ويعيد إن كان في المصر، وإن كان مسافرًا ففي

стр. 224

الإعادة قولان (١). [قال الشيخ رحمه الله تعالى]: والأصل في هذا: ما روي "أن عمرو بن العاص كان أميرًا على سرية فيها عمر بن الخطاب، فأصبح جنبًا فتيمم وصلى بهم، فلما قدموا على النبي ﷺ قال عمر: إنه صلى بنا وهو جنب! فقال له النبي ﷺ : ما حملك على هذا؟، فقال: خشيت أن يقتلني البرد، وسمعت الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فضحك ﷺ منه ولم يأمره بالإعادة" (٢)، وكل ضرر جاز (٣) التيمم لأجله إذا لم يلزمه الإعادة في السفر، لم يلزمه في الحضر كالمرض. وعن أبي يوسف أن كل ضرر جاز التيمم لأجله في السفر، لم يلزمه في الحضر كالمرض. ولأبي يوسف (٤): أن المقيم يجد ما يستدفئ به غالبًا أو يُسخِّن به الماء، فيدفع ضرر البرد به، والمسافر لا يجد ما يستدفئ به؛ فلذلك جاز له التيمم في السفر.

стр. 225

٢٠٩ - فَصْل: [الحالة التي يجوز فيها التيمم للمسافر] وأما الحالة التي [لا] يجوز فيها التيمم، قال أصحابنا: إذا كان المسافر يطمع أن يجد الماء، أخّر التيمم إلى آخر وقت، وإن لم يطمع [لم] يؤخره (١). وقد ذكر في الأصل: قال أبو حنيفة: أحب إليّ أن يؤخر التيمم إلى آخر الوقت، ولم يفصّل. وروى معلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف (٢): إن كان على طمع من وجود الماء أخّر، وإن لم يكن على طمع منه، تيمَّمَ وصَلَّى في أول الوقت. وقد روي عن علي، والزهري، والحسين، وابن سيرين: أنه يؤخر التيمم إلى آخر الوقت إذا كان يرجو الماء. وقال حماد: لا يؤخر، وبه قال الشافعي إلا أن يتحقق وجود الماء. وقال مالك: المستحب أن يتيمم في وسط الوقت. لنا: أنه إذا أخر الصلاة، جاز أن يجد [الماء]، فيؤديها على أكمل أوصافها، فكان ذلك أفضل من فعلها في أول وقتها [ناقصة]، كمن طمع في الجماعة أخّر لها؛ ولأنه لو تحقق وجود الماء، كان الأفضل له التأخير، وما تعلق بيقين وجود الماء، تعلق أيضًا بغالب الظن، كفرض الطلب.

стр. 226

٢١٠ - [فَصْل: التيمم قبل وقت الفرض] قال أصحابنا: يجوز التيمم للصلاة قبل وقتها، وقال الشافعي: لا يجوز (١). لنا: قوله ﵇: "التراب طهور المسلم ما لم: يجد الماء" (٢)؛ ولأنها طهارة، فجاز أن يؤدى بها الفرض في أول وقته، كالوضوء. ٢١١ - فَصْل: [طلب الماء للتيمم] قال أصحابنا: إذا لم يجد المسافر الماء فإن غَلَبَ على ظنه أنَّ بقربه ماء، أو أُخبر بذلك، وجب عليه طلبه الغَلْوَة (٣) ونحوها، ولا يبلغ ميلًا، روى ذلك معلى، وبشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وقال عمرو عن محمد: إذا كان الماء على ميل فصاعدًا، لم يلزمه طلبه، وإن كان أقل من ميل أتيت الماء وإن طلعت الشمس، وروى الحسن عن أبي حنيفة نحوًا من ذلك. وأما إذا لم يُخبر عن الماء، ولم يغلب على ظنه أن بقربه [ماء]، لم يلزمه الطلب. وقال الشافعي: لا يجوز التيمم إلا بعد أن يطلب الماء عن يمين الطريق ويساره، وإن كان هناك وادٍ هبط إليه، وإن كان جبلًا صعد عليه (٤).

стр. 227

والدليل على أن الطلب لا يلزمه إذا لم يغلب على ظنه وجود الماء: قوله ﷺ "التراب كافيك ولو إلى عشر حجج" (١) [ولم يفصل]؛ ولأنه عادم للأصل، فجاز له الانتقال من غير طلب كعادم الرقبة. وأما إذا أُخبر عن الماء، أو غلب على ظنه، فإن الطلب عليه واجب، لأن غلبة الظن تجري مجرى العلم في أحكام العبادات، ولو كان عالمًا لم يجز له التيمم، كذلك إذا غلب على ظنه. وإنما لم يلزمه أن يسير إليه ميلًا فما فوقه؛ لأن هذا القدر يلحق به الضرر والمشقة، ألا ترى أنه ينقطع عن رفقته، وطريقه، والوضوء يسقط عن المسافر إذا خاف الضرر، فأما ما دون الميل، فلا يلحق به ضرر في العادة، فأشبه ما لو كان بحضرته. ٢١٢ - فَصْل: [التيمم إذا كان الماء بثمن] وإن لم يكن مع المسافر ماء، فوجده يباع بمثل ثمنه، لزمه أن يبتاعه. وقال الحسن البصري: يلزمه أن يبتاعه بجميع ماله؛ لأنه قادر عليه من غير ضرر، فلم يجز الانتقال إلى بدله (٢). وإن كان يباع بزيادة على ثمن الماء بما لا يتغابن في مثله، لم يلزمه أن يبتاعه، ويتيمم؛ لأنه لا يتوصل إليه إلّا بضرر عليه في ماله، والطهارة لا تلزم بضرر في المال، كمن كان عليه ثوب نجس لا يجد ما يغسله به، لا يؤمر بقطع

стр. 228

النجاسة منه، وتجوز الصلاة معها، كذلك هذا. ٢١٣ - [فَصْل: التيمم في حال وجود الماء مع الرفقاء] وقد قال أبو يوسف في المسافر إذا كان مع رفيقه ماء، فتيمم قبل أن يطلبه منه، وصلى، أجزأه في قياس قول أبي حنيفة، ولا يجزئه في قول أبي يوسف حتى يطلبه فيمنعه. لابي حنيفة: هو أنه غير مالك للأصل، فلا يلزمه طلبه من ملك غيره بغير عوض، كما لا يلزم المكفر أن يستوهب الرقبة. ولأبي يوسف: أن الماء في العادة، لا يتمانع منه، منه، فإذا صلى قبل المنع، فقد تيمم مع وجود ماء يجوز أن يتمكن منه، فلا تجوز صلاته، كما لو وجد بئرًا أو نهرًا (١). وقد ذكر أبو الحسن في جامعه: فيمن كان يصلي بالتيمم في سفره، فرأى رجلًا معه كثير من الماء، لا يدري أيعطيه أم لا؟ أنه يمضي على صلاته حتى يفرغ منها، ثم يأتي الرجل فيسأله، فإن أعطاه توضأ، وأعاد صلاته، وإن أبى أن يعطيه كان على تيممه، وتمت صلاته، فإن أعطاه بعد ذلك، لزمه أن يتوضأ لصلاة أخرى، وصلاته الأولى جائزة؛ لأنه إذا رأى الماء مع غيره، جاز أن يبذله، وجاز أن يمنعه، فلا يجوز الخروج من صلاته بالشك، فإذا فرغ منها ثم طلبه فأعطاه، فالظاهر أنه لو طلبه في صلاته لأعطاه، فقد صلّى بالتيمم، وهو لا يقدر على الماء [فجازت الصلاة]، فإن أعطاه بعد ذلك، فقد حكمنا بجواز الصلاة حين منعه،

стр. 229

فلا تبطل بوجود الماء بعد تمامها. وقال محمد: في رجلين مع أحدهما إناء يغرف به من بئر، فإن انتظره الآخر حتى يتوضأ، ثم يأخذ الإناء خرج الوقت، فإنه ينتظره إذا وعده صاحب الإناء أن يعطيه إياه؛ وذلك لأن الظاهر أنه يفي بوعده، فهو قادر على الماء إلّا أنه يخاف فوات الوقت باشتغاله به، فلا يجوز له التيمم. وكذلك قال محمد: في رجلين في آخر الوقت، أحدهما كاسٍ، والآخر عارٍ، وعد الكاسي العاري أن يصلي في ثوبه، ثم يدفعه إليه ليصلي فيه، فخاف الآخر إن انتظره أن يخرج الوقت، فإنه لا يصلي عريانًا حتى يصلي صاحبه فيأخذ منه الثوب؛ وذلك لأنه قادر على الثوب، إلّا أنه يخاف فوات الوقت، فلا يجوز له أن يصلي عريانًا مع القدرة، كما لو كان الثوب له وهو لا يقدر على لبسه حتى يفوت الوقت. ٢١٤ - [فَصْل: مبطلات التيمم] وأما الكلام فيما يبطل التيمم، فكل ما يبطل [الوضوء والغسل] هو الذي يبطل التيمم؛ لأنه بدل عنهما، فما أبطل الأصل أولى أن يبطل البدل الضعيف، ويبطله أيضًا رؤية الماء، إذا كان يقدر على استعماله لأداء الصلاة من غير مشقة، لقوله ﵇: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء" (١)، وقال: "التراب كافيك ولو إلى عشرة حجج، فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك" (٢). والكلام [في هذا] يقع في فصول: أولها: من تيمم ثم وجد الماء قبل

стр. 230

دخوله في الصلاة. قال أصحابنا وسائر الفقهاء: يبطل تيممه، ويلزمه استعمال الماء، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لا يبطل تيممه. لنا: قوله ﵇: "التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء" فبقي حكم التيمم مادام عادمًا للماء؛ ولأنه قدر على الأصل قبل إسقاط الفرض بالبدل، فصار كالصائم في الكفارة إذا قدر على العتق. ٢١٥ - فَصْل: [وجود الماء بعد الدخول في الصلاة] وأما إذا دخل في الصلاة، ثم رأى الماء، بطل تيممه وصلاته، ووجب عليه الوضوء، وقال الشافعي: يمضي على صلاته. أما بطلان التيمم، فلأن ما أبطل التيمم خارج الصلاة، أبطله فيها، كالحدث [وكل معنى أبطل التيمم، لم يجز أن يمضي معه على الصلاة كالحدث]، وأما وجوب الوضوء؛ فلأنه قدر على الأصل قبل إسقاط الفرض بالبدل، فصار كالقدرة عليه قبل دخوله في الصلاة. ٢١٦ - فَصْل: [رؤية الماء بعد ما قعد قدر التشهد في آخر الصلاة] وأما إذا رأى الماء بعد ما قعد قدر التشهد في آخر صلاته، أو بعد ما سلم وسجد للسهو، بطل تيممه وصلاته عند أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ومحمد: بطل تيممه، وصلاته ماضية، وهذه عدة مسائل: إحداها هذه المسألة، والماسح على الخفين إذا انقضى وقت مسحه بعدما قعد قدر

стр. 231

التشهد، أو نزع خفيه بفعل قليل، لا يفسد الصلاة، أو سقطت الجبيرة عن بدنه عن برء، أو خرج وقت الصلاة في صلاة المستحاضة، أو انقطع دم الاستحاضة، أو رعاف من به رعاف دائم، ومصلي الفجر إذا طلعت عليه الشمس، ومصلي الجمعة إذا دخل وقت العصر، ومن كان في صلاة فتذكر أن عليه صلاة قبلها، والأمي إذا تعلم سورة، والعريان إذا وجد ثوبًا، والمومئ إذا قدر على الركوع والسجود، والقارئ إذا استخلف أميًا، قال أبو حنيفة: تفسد الصلاة في جميع هذه المسائل، وقال أبو يوسف ومحمد: لا تفسد. وكان أبو سعيد البرذعي يقول: هذا مبني على أن الخروج بفعله من الصلاة فرض عند أبي حنيفة، وعندهما ليس بفرض. فالدليل على أنه فرض هو: أنه ممنوع من البقاء على صلاته بعد التشهد حتى يدخل وقت أخرى، ولو لم يبق عليه فرض لم يمنع من البقاء، كما لا يمنع بعد السلام عنه؛ ولأن هذه العبادة لما اشتملت على أفعال مختلفة، كان الخروج عنها بفعله فرضًا عليه، كالحج. وجه قولهما هو: أنه لو وجب الخروج لتعين بما هو قربة كسائر واجبات الصلاة، فلما جاز الخروج عنها بالسلام والحدث والمشي، دل على أنه ليس بفرض. فإذا ثبت لأبي حنيفة أن الخروج فرض، وهذه المعاني مفسدة لها، حدثت مع بقاء فرض الصلاة، فصار كما لو أحدث في وسط الصلاة، وإذا ثبت من أصلهما أن الخروج ليس بفرض، فقد حدثت هذه المعاني المفسدة لها، ولم يبق عليه فرض من فروض الصلاة، فلا يضره كما لو حدثت بعد السلام.

стр. 232

وكان أبو الحسن ينكر هذا الأصل، ويقول: لا خلاف [بين أصحابنا] أن الخروج ليس بفرض؛ بدلالة أن النبي ﷺ قال لابن مسعود لما علّمه التشهد: "فإذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد" (١)، وهذا يمنع بقاء فرض عليه. قال: ووجه قول أبي حنيفة هو: أن هذه المعاني مغيرة للفرض، فاستوى في حدوثها آخر الصلاة وأولها، كنية الإقامة، وهذه العلة مستمرة في جميع المسائل إلا في مسألة طلوع الشمس، فنقيسها على بقية المسائل، بعلة أنه معني مفسد للصلاة، حصل بغير فعله بعد التشهد. وكان من مذهبه: أن يقاس الفرع على الأصل بغير علة الأصل، ويجوز أن يقال: وإن مسألة طلوع الشمس جارية على الأصل [بغير علة]؛ ولأن طلوع الشمس يغير الفرض أيضًا، ألا ترى أنه يجعل الصلاة نافلة بعدما كانت فرضًا. ووجه قولهما: أنه معني مفسد للصلاة، كالحدث، والكلام يخرج به عن صلاته. ٢١٧ - فَصْل: [وجود الماء بعد الخروج من صلاته] وأما إذا وجد الماء بعد الخروج من صلاته، لم تبطل صلاته، وهو قول سعيد بن المسيب، والزهري. وروي عن عطاء، وطاووس: أنه يعيد ما دام في الوقت.

стр. 233

لنا: ما روى الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلين أتيا النبي ﷺ وقد تيمما من جنابة وأدركا الماء في الوقت، وأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فقال للذي أعاد: "أما أنت فقد أوتيت أجرك مرتين"، وقال للآخر: "أما أنت فقد أجرت عن صلاتك" (١)؛ ولأنه قدر على الأصل بعد إسقاط الفرض بالبدل، فصار كما لو قدر على الماء بعد [خروج] الوقت. ٢١٨ - فَصْل: [رؤية المتيمم سؤر حمار أثناء الصلاة] فإن كان رأى في صلاته سؤر حمار، مضى على صلاته، فإذا تمت توضأ به وأعاد الصلاة؛ لأنا نُجَوِّز أن يكون طاهرًا ونُجَوِّز أن يكون نجسًا، ولا يخرج عن صلاته بعد صحتها بالشك، وإذا فرغ منها جوّزنا أن يكون سؤر الحمار طاهرًا، فيتوضأ به ويعيد حتى يسقط الفرض بيقين. ٢١٩ - فَصْل: [رؤية ما لا يكفيه من الماء في الصلاة] وأما إذا رأى من الماء ما لا يكفيه، مضى على صلاته، ولم يلزمه استعماله، وكذلك إن وجد ماء ابتداءً تيمم ولم يستعمله. وقال الشافعي: يغسل به ما قدر عليه ويتيمم (٢). لنا: أن كل ماءٍ لو قدر عليه في خلال الصلاة، لم يلزمه استعماله، وإذا وجده ابتداءً لم يلزمه استعماله، كالماء الذي وقع فيه الزعفران فغيّره؛ ولأن الجمع بين الأصل وبدله لا يجب في عبادة كالصوم والعتق في كفارة واحدة.

стр. 234

٢٢٠ - فَصْل: [رؤية المتيمم ماءً يحول بينه وبينه مانع] وإذا رأى المتيمم ماءً يحول بينه وبين الماء عدوّ أو سبع لا يقدر على دفعه، أو رأى بئرًا وليس معه رشاءً، لم يبطل تيممه؛ وذلك لأن الوجود هو القدرة على استعمال الماء من غير ضرر؛ بدلالة أن من معه ماء وهو يخاف العطش، لم يكن واجدًا من طريق الحكم، وإذا لم يقدر عليه، لم يلزمه حكمه. ٢٢١ - فَصْل: [ما يصلي بالتيمم من الفرائض والنوافل] ويصلي المتيمم بتيممه ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو يجد الماء. وقال الشافعي: لا يصلي به أكثر من فرض واحد، وما شاء من النوافل (١). لنا: أنهما صلاتان، فجاز أداؤهما بتيمم واحد، كالفرض، والنفل، والعشاء، والوتر؛ ولأنه إذا صلّى الفرض، لم يخل أن يكون تيممه قد بطل، فلا يجوز أن يؤدي به النفل، أو لم يبطل، فيجوز أن يؤدي به الفرض. ٢٢٢ - فَصْل: [الرجل والمرأة في التيمم] والرجل والمرأة في ذلك سواء؛ لأنهما لا يختلفان في أحكام الطهارة بدلالة الوضوء. ٢٢٣ - فَصْل: [إمامة المتيمم بالمتوضئين] وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز للمتيمم أن يؤم المتوضئ، وهو قول ابن عباس، والحسن، والزهري، وحماد، وقال محمد: لا يجوز، وهو قول علي

стр. 235

وعطاء والنخعي. لنا: أنه مسح أقيم مقام الغسل كمسح الخفين؛ ولأنها طهارة لم يتعقبها حدث كالوضوء. وجه قول محمد: أنها طهارة ضرورة، كطهارة المستحاضة (١). ٢٢٤ - فَصْل: [رؤية الماء أثناء صلاة المتيمم بالمتوضئين] قال أبو حنيفة: إذا صلى المتيمم بالمتوضئين فرأى أحدهم الماء بطلت صلاته، وقال أبو يوسف: لا يبطل. لأبي حنيفة: أن طهارة الإمام أجريت مجرى طهارة المؤتم؛ بدلالة أن عدمها يمنع من صحة صلاته، ومعلوم أن المؤتم لو كان متيممًا فرأى الماء بطلت صلاته، كذا في مسألتنا؛ ولأنه يعتقد أن إمامه مصلٍ بالتيمم مع وجود الماء، ومن اعتقد أن إمامه محدث (٢) وعلى خطأ، بطلت صلاته، كما لو اجتهد في القبلة الإمام، وفي اعتقاد المؤتم خلفه أن الإمام على خطأ (٣). ولأبي يوسف: أن رؤية المتوضئ للماء لا يتعلق بها حكم [في حقه]، فعدمها ووجودها سواء. ولا يجيء هذا الفرع على أصل محمد؛ لأن عنده أن المتيمم لا يؤم المتوضئ (٤).

стр. 236

٢٢٥ - فَصْل: [المسافر لم يجد الماء ووجد النبيذ] [قال:] وإذا لم يجد المسافر الماء ووجد نبيذ التمر، فإنه يتوضأ به ويتيمم، وإن توضأ به ولم يتيمم، أجزأه عند أبي حنيفة. [قال الشيخ رحمه الله تعالى]: وجملة هذا أن قول أبي حنيفة الأول: أن المسافر إذا لم يجد الماء ووجد نبيذ التمر توضأ به ولم يتيمم. ذكر ذلك في الجامع الصغير. وقال في كتاب الصلاة: يتوضأ به ويستحب له أن يتيمم، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه يجمع بينهما وجوبًا، وروى نوح المروزي عن أبي حنيفة: أنه رجع عن ذلك. وقال: لا يتوضأ به، ولكنه يتيمم، وهو الذي استقر عليه قوله، وبه قال أبو يوسف، ومالك، والشافعي، وقال محمد: يجمع بينهما (١). أما وجه الأول: ما روي في حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال له ليلة الجن: "أمعك ماء؟، قال: لا، معي إداوة فيها نبيذ التمر، فأخذه النبي ﷺ وتوضأ به وصلّى الصبح، وقال: تمرة طيبة، وماء طهور" (٢)، ومن مذهبه أن القياس لا يستعمل مع السنة، واعتراضهم على هذا الحديث بأنه من رواية أبي فزارة عن

стр. 237

أبي زيد عن ابن مسعود، وقالوا: وأبو فزارة نباذ بالكوفة، وأبو زيد مجهول، ليس بصحيح؛ لأن أبا فزارة ذكره مسلم في الصحيح، وقال ابن صاعد في كتاب الطبقات: هو من زهاد التابعين، وأما أبو زيد فهو مولى عمرو بن حريث، وإذا كان معروفًا في نفسه فجهالته في عدالته لا تؤثر، وقد روي هذا الخبر من طريق غير هذا الطريق. وقولهم: إن ابن مسعود لم يكن مع النبي ﷺ ليلة الجن، ليس بصحيح؛ لأنه قد روي كونه مع النبي ﷺ في خبر أجمع الفقهاء أجمعون على العمل به، وهو أنه طلب منه أحجار الاستنجاء فأتاه بحجرين وروثة، فرمى بالروثة وقال: "إنها رجس" (١)، ولما رأى الزط بالعراق، قال: ما أشبههم بالجن الذين رأيتهم ليلة الجن. أما قولهم: (إن عبيد الله وهو ابن ابن مسعود سئل: هل كان أبوك مع رسول الله؟ فقال: وددت أن لو كان معه، وروي أنه سئل) (٢) ابن مسعود نفسه هل كنت مع النبي ﷺ فقال: لم يكن لم يكن معه منا أحد، (فالجواب أن المعني به) (٣) حال خطاب الجن، ونحن إنما ذكرنا كونه معه في تلك الليلة، فأما حال خطابه الجن فلا، وكذا ما روي أن علقمة سئل: هل كان صاحبكم مع النبي ﷺ في ليلة الجن؟ فقال: وددت أن يكون معه [فإنما عنى في حال ما خاطب الجن]. وقد روي عن علي، وابن عباس: جواز الوضوء به، وقال أبو العالية: ركبت مع [جماعة من] أصحاب رسول الله ﷺ البحر ففني ماؤهم، فتوضؤا بالنبيذ،

стр. 238

وكرهوا ماء البحر؛ ولأن الغسل أحد نوعي الطهارة، فجاز أن يكون فيها بدل كالمسح؛ ولأن ما جاز أن يثبت فيه الطهارة من الأعضاء، جاز أن يثبت به بدلها، كالوجه واليدين. وأما الرواية التي قال بالجمع بينهما: وهو قول محمد؛ فلأن الخبر يقتضي وجوب التوضؤ به، وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] يقتضي وجوب التيمم، فجمعنا بينهما احتياطًا للصلاة. وأما وجه قوله الأخير وهو قول أبي يوسف؛ لأن الوضوء [بنبيذ التمر] (١) كان بمكة، وآية التيمم نزلت بالمدينة، فنسخت ذلك؛ ولأنه مائع غلب عليه غيره، كنبيذ الزبيب. ٢٢٦ - فَصْل: [الوضوء بنبيذ الزبيب] وأما نبيذ الزبيب، فلا يجوز الوضوء به، وقال الحسن بن حي، والأوزاعي: يتوضأ بجميع الأنبذة الطاهرة وبالخل. لنا: أن القياس يمنع من جواز الوضوء بغير الماء؛ لأنه مائع غلب عليه غيره، كالمرق وماء الباقلاء، وإنما تركنا القياس في قول أبي حنيفة للخبر، فما سوى ذلك -غير نبيذ التمر الذي ورد فيه القياس- مبقي على أصل القياس؛ ولأنه مائع لم يسمّ طهورًا في الشريعة، كماء الباقلاء. ٢٢٧ - فَصْل: [ما يجوز الوضوء به من النبيذ] وأما النبيذ الذي قاله أبو حنيفة أنه يتوضأ به، فكان أبو طاهر الدباس يقول:

стр. 239

إنه الحلو الذي لم يشتد، فأما المشتد الشديد فلا يجوز الوضوء به؛ وذلك لأن الوضوء به إنما أخذ في الخبر، والذي كان مع ابن مسعود هو النبيذ الحلو؛ لأن العرب يطرح التمر في الماء المالح ليحلو، ولهذا قال ابن مسعود: تميرات ألقيتهن في الماء، وهذا هو الظاهر [لأن من خرج من المصر يتزوّد بالماء ولا يتزوّد بالنبيذ الشديد المطبوخ]، وكان أبو الحسن يقول: هو النبيذ الشديد المطبوخ؛ لأن إطلاق النبيذ يتناول المشتد، ومن حكم اللفظ أن يحمل على إطلاقه؛ ولأن التمر إذا وقع في الماء فغيّره، جاز الوضوء به في قول أصحابنا جميعًا إذا لم يغلب أجزاؤه على أجزاء الماء، والنبيذ مختلف فيه، فالظاهر أن هذه المسألة غير تلك، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة قال: يجوز الوضوء بنبيذ التمر معتّقة وغير معتّقة، وهذا يعضد ما قاله أبو الحسن، وقد كان أصحابنا يقولون: إن الوضوء بالنبيذ يجب على أصولهم أن لا يصح إلّا بنية؛ لأنه بدل كالتيمم. وإذا ثبت هذا الأصل قال أبو حنيفة في قوله الأول: إذا رأى المتيمم [في صلاته] نبيذ التمر، بطل تيممه وصلاته كما لو رأى الماء المطلق. وقال محمد: يمضي على صلاته، ثم يتوضأ به ويعيدها، كما قال في سؤر الحمار، وعلى قول أبي حنيفة الأخير، وهو قول أبي يوسف، والشافعي: يمضي على صلاته كما لو رأى الخل (١).

стр. 240

[٤] بَابْ: المسح على الخفين [قال الشيخ رحمه الله تعالى:] قال أصحابنا: المسح على الخفين (١) جائز، وهو قول عامة الفقهاء، وقد روي ذلك عن عمر، وسعد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي أمامة، والأشعري، وأبي أيوب، وقال جابر هو السنة، وبه قال ابن الحنفية، وابن المسيب، وسالم، وقال النخعي من لم يمسح على الخفين فقد رغب عن السنة، وإني لأعلم أنها من الشيطان، وقال مالك: مسح الخفين ضعيف (٢). لنا: ما روي عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا. أما الفعل: فروى سليمان بن بريدة عن أبيه "أن النبي ﷺ صلّى يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على الخفين" (٣)، وروى المسح أبو هريرة، وأنس، وقالت عائشة: "مازال رسول الله ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى" (٤)، وروى البراء بن عازب "أنه ﷺ لم يزل يمسح على الخفين بعد نزول المائدة وقبله حتى قبضه الله تعالى" (٥)، وروى المسح أبو

стр. 241

بردة، وجابر، وأم سعيد الأنصارية، وعمرو بن حزم، وأبو موسى، وثوبان، وعمرو بن أمية الضمري، وبلال، وسلمان، وجرير، وعمر، وأبو أيوب، وحذيفة. أما القول: فروى على الله أن النبي ﷺ قال: "يمسح المسافر على الخفين ثلاثة أيام ولياليها، والمقيم يومًا وليلة" (١)، ورواه خزيمة (٢)، وصفوان (٣)، وأنس (٤)، [وأبو سعيد] الخدري (٥)، وعوف بن مالك (٦)، وأُبَيّ بن عِمَارة (٧)، وقال الحسن: حدثني سبعون رجلًا من أصحاب النبي ﷺ رأوه يمسح على الخفين (٨)، وروى إسحاق الأزرق عن أبي حنيفة قال: لولا أن المسح لا يُختلف فيه ما مسحنا، وقال أبو يوسف: خبر مسح الخفين مما يجوز نسخ القرآن بمثله، يعني أنه خبر استفاضة؛ ولأن الأمة لم تختلف أن النبي ﷺ مسح، وإنما اختلفوا في أنه مسح قبل المائدة أو بعدها. وقد روينا عن عائشة والبراء أن النبي ﷺ مسح بعد المائدة (٩)،

стр. 242

وروى جرير بن عبد الله أنه رأى النبي ﷺ مسح، وقال: "ما أسلمت إلّا بعد سورة المائدة" (١)، وروى [ذلك] عمرو بن أمية (٢) وقد أسلم عام الفتح، ورواه المغيرة (٣) وقد أسلم أيضًا عام الفتح؛ ولأنه عضو سقط في التيمم، فجاز أن يسقط فرضه بالمسح مع الصحة كالرأس. فأما احتجاجهم بأنه المسح والغسل، فقد قُرِئت [بقراءتين]: قراءة النصب وهو يقتضي (٤) الغسل، وبقراءة الخفض: وهو يقتضي المسح فنحملها على المسح على الخفين (٥) بالجمع بين القراءتين، ويجوز أن يقال: مسح على رجله، وإن كان على خفه، كما يقال: قبّل رِجْلَ الأمير وإن قبّل خفه، وكذا يقال ضرب [على] رجله. فأما الذي روي عن ابن عباس أنه قال: "لأن أمسح على جلد حمار أحبّ إلي من أن أمسح على الخفين" (٦)، فرواه عنه عكرمة، وذُكِرَ ذلك لعطاء، فقال: كذب عكرمة، وروى عنه عطاء والضحاك: أنه مسح على خفيه، قال عطاء: كان ابن عباس يخالف الناس في المسح على الخفين، فلم يمت حتى تابعهم. والذي روي عن عائشة أنها قالت: "لأن تقطع قدماي أحبّ إلي من أن

стр. 243

أمسح على خفين" (١)، فقد روي عن شريح بن هانئ أنه سألها عن مسح الخفين فقالت: ائتِ عليًا فاسأله فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، قال: فأتيت عليًا، فقال: (امسح) (٢)، فهذا يدل على أنها لم تمنع، ولم ترو عن رسول الله ﷺ ما يمنع المسح. والذي رواه جعفر بن محمد الصادق عن عَليّ وأسماء أنهما قالا: سبق الكتاب الخفين، فلم يُرو إلا مرسلًا، وقد روي عن علي بن أبي طالب ما قدمناه من طرق متصلة، ويحتمل ما روي عنهم [في ذلك] أنهم قالوه في حال الجنابة. ٢٢٨ - فَصْل: [في توقيت المسح] وإذا ثبت جواز المسح على الخفين، فهو مؤقت عندنا للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يومٌ وليلة. وقد حكي عن مالك أنه قال: يجوز المسح للمسافر، ولا يجوز لمقيم، وحكي عنه: أنه يجوز غير مؤقت (٣). أما الذي فرّق بين المسافر والمقيم، فليس بصحيح لقوله ﷺ : "يمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها"؛ ولأن كل طهارة جازت في حال سفر، جازت للمقيم بحال، كالتيمم، والمسح على الجبائر.

стр. 244

وأما التوقيت: فهو قول عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وسعد، وابن عمر، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، وأبي موسى، والمغيرة. وعن أبي الدرداء، وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت: أنه غير مؤقت. والدليل على ما قلناه: الخبر (يمسح المقيم)، وروى ذلك عمر وعلي، وجابر، وحذيفة، وأبو هريرة، وصفوان، وعوف بن مالك، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو أمامة، والفرق في [المدة] (١) يدل على التوقيت؛ ولأن المسح إنما يجوز [للمشقة التي] تلحق الإنسان بنزع الخفين، وهذه المشقة مؤقتة، ألا ترى أن المقيم يلبس خفه غدوة، فإذا عاد إلى منزله بالمساء لم يشق عليه نزعه، والمسافر إذا نزل مرحلة عند حط الرحال لم يشق عليه النزع، وإذا [ثبت] توقيت المشقة [ثبت] توقيت الرخصة. وأما ما روي عن إسحاق بن يسار أنه قال: قرأت كتابًا لعطاء فإذا فيه: حدثتني ميمونة زوج النبي ﷺ أنها قالت: يا رسول الله أيخلع الرجل كل ساعة؟، قال: "لا، ولكن يمسح عليهما ما بدا له" (٢)، فهو مرسل؛ لأنه عن كتاب؛ ولأنه محمول على ما بدا له يعني في مدة المسح. والذي رواه عبادة بن بشير عن أُبيّ بن عِمَارة وقد كان النبي ﷺ صلّى في بيته إلى القبلتين فقال: يا رسول الله [صلى الله عليك] أأمسح على الخفين؟ قال: "نعم"، قال: يومًا؟ قال: "نعم"، قال: ويومين؟ قال: "إلى أن بلغ السبع"،

стр. 245

فالمتفق عليه في هذا الخبر أنه قال: "نعم إلى أن بلغ الثلاث، ثم قال: وما بدا لك" (١)، وهذا بيان؛ لأن الرخصة لا تختص بثلاثة أيام دون ما بعدها، وإن كان يتخلل الغسل في كل ثلاثة أيام [والذي روي أن عمر سأل عقبة وقد قدم من الشام: متى عهدك بالمسح؟ قال: سبعًا، قال: أصبتَ السنة]. فقد روى جابر الجعفي عن عمر أنه قال: (للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يومٌ وليلة) (٢)، يحتمل أن يكون المراد متى عهدك بلبس الخف، امسح ما يثبت، ويحتمل أن يكون المراد: متى عهدك بلبس الخف، يعني: ابتداء اللبس، وإن تخلل بين ذلك نزع. ٢٢٩ - فَصْل: [أول مدة المسح] وإذا ثبت أن مسح الخفين مؤقت، فأول المدة عندنا: عقيب الحدث إلى مثله في المقيم، وإلى مثله في الثلاثة للمسافر. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: من المسح إلى مثله، وهو قول الأوزاعي وابن حي، وقال الشعبي: يمسح خمس صلوات. قال إبراهيم الحربي في كتاب المسح: قال عشرة من الصحابة وعشرون من التابعين من الحدث، لا من وقت المسح؛ ولأن الحدث سبب للرخصة، ألا ترى أنه يستبيح المسح عقيب الحدث، والأحكام المؤقتة يعتبر ابتداء المدة فيها عقيب السبب، كالعدة، ولأنه لو أحدث وترك الصلاة حتى مضت المدة، لم يجز له أن

стр. 246

يمسح بعد ذلك، ولو كان فعل المسح معتبرًا به لجاز. وأما قوله ﷺ : "يمسح المسافر ثلاثة أيام" فمعناه يجوز له أن يمسح، وكذلك نقول. ٢٣٠ - فَصْل: [من شروط المسح] ومن شرط المسح على الخفين ما قال أبو الحسن: أن يدخل رجليه الخفين وهما طاهرتان، ويكمل طهارته قبل الحدث، أو يقول: من شرط المسح أن يصادف طهارة كاملة مع اللبس. وقال الشافعي: لا يجوز المسح حتى يبتدئ باللبس بعد كمال الطهارة (١). ويتعين الخلاف بيننا وبينه: فيمن توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الأخرى ولبس، عندنا: يجوز. والأصل في اعتبار الطهارة: ما روى خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها على الخفين إن شاء إذا لبسهما وهو متوضئ" (٢)، وروي "أن النبي ﷺ توضأ فأهوى المغيرة إلى خفيه لينزعهما، فقال له: أقر الخفين فإني أدخلت فيهما القدمين وهما طاهرتان" (٣)، وإنما اعتبرنا كمال الطهارة عند الحدث؛ لأن الطهارة شرط في المسح، وسبب المسح حدث، فاعتبر كمال الشرائط عند الحدث.

стр. 247

والذي ذكره أبو الحسن: من إدخال الرجلين وهما طاهرتان، ليس بشرط؛ لأنه لو أدخلهما على غير طهر، ثم خاض الماء فأصاب رجليه داخل الخف ثم أحدث، جاز له المسح. وأما الكلام على الشافعي؛ فلأن الحدث صادف طهارة كاملة مع اللبس، كما لو لبسهما بعد كمال الطهارة؛ ولأنه ممسوح، فجاز المسح عليه، وإن لبس (١) قبل كمال الطهارة، كالجبائر؛ ولأنه لو نزع الخف ثم لبسه ثم أحدث، جاز له المسح، وكل حال يجوز له مسح الخف بعد نزعه من غير غسل، (جاز (٢) له أيضًا)، وإن لم ينزعه كما لو لبسهما على طُهرٍ كامل. ٢٣١ - فَصْل: [في نية المسح] والمسح على الخفين لا يفتقر إلى النية؛ لأنه مسح بالماء، فأشبه مسح الرأس؛ ولأنه ليس ببدل بدلالة جوازه مع القدرة على الغسل، وكذلك المسح على الجبائر لا يفتقر إلى نيّة؛ لأنه ليس ببدل؛ بدلالة أنه جزء من الغسل، والجزء من الشيء لا يكون بدلًا [منه] (٣)، ولهذا قال أصحابنا: إن الإيماء ليس ببدل من الركوع والسجود. ٢٣٢ - فَصْل: [المسح في الحدث الذي يوجب الوضوء] ويمسح على الخفين من كل حدث أوجب الوضوء بعد اللبس؛ وذلك لما روي في حديث صفوان بن عسّال قال: "أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفرًا ألا

стр. 248

ننزع خفافنا ثلاثة أيام - إلّا من جنابة - لكن من غائط أو بول أو نوم" (١). فأما الجنابة فلا يجوز [منها] مسح الخف لهذا الخبر؛ ولأن الأحداث تتكرر في كل وقت فيشق على الإنسان نزع الخف فيها، والجنابة لا تتكرر كل وقت، فلم يشق فيها نزع الخف. فأما إذا وجب الوضوء لحدث سابق للبس، لم يجز المسح، كالمتيمم إذا لبس خفه ثم أحدث ووجد الماء، وكالمستحاضة إذا لبسته ثم خرج الوقت، لا تمسح؛ لأن الطهارة وجبت عليها لحدث سابق، فصار كانقضاء مدة المسح. ٢٣٣ - [فَصْل: مدة رخصة المستحاضة] قال أصحابنا: رخصة المستحاضة في مسح الخفين مقدرة بوقت الصلاة، فإذا خرج الوقت نزعت خفيها وغسلت رجليها، وقال زفر: رخصتها كرخصة غيرها. لنا: أن خروج الوقت يوجب [عليها] الوضوء بسبب سابق للبس، فكأنها لبست على غير طهارة. وجه قول زفر: هو أنها أدخل في الرخص من غيرها، فإذا جاز لغير معذور ثلاثة أيام، فلها مع العذر أولى (٢). ٢٣٤ - فَصْل: [في صفة المسح] وأما الكلام في صفة المسح: فإن مَسَحَ على ظاهر خفيه، فإنه يبتدئ من

стр. 249

قِبَل الأصابع إلى الساق، قال الحسن عن أبي حنيفة: المسح على الخفين أن يدخل يديه في الماء، ثم يضع كل يد على مقدم الخف، يكون الأصابع على موضع الإبهام من أصابع الرِّجل، ثم يفرج بين أصابعه قليلًا، ثم يعيدها إليه، فهذه السُّنّة في المسح، وذلك لحديث جابر قال: "مرّ رسول الله ﷺ بَرَجُلٍ يغسل الخف، فقال: لَمْ تؤمر بهذا، وأراه رسول الله ﷺ فقال بيده من مقدّم الخف إلى الساق، وفرج بين أصابعه" (١). ٢٣٥ - [فَصْل: في عدد مسح الخف] ومسح الخف عندنا: مرة واحدة، وعن عطاء: أنه يمسح ثلاثًا. لنا: أنه روي المسح عن رسول الله ﷺ من جهات كثيرة لم يذكر فيها التكرار؛ ولأنه مسح [في الطهارة] ولا يحسن (٢) فيه التكرار كالتيمم. ٢٣٦ - فَصْل: [في مسح باطن الخف] ولا يمسح باطن الخف، وهو قول عمر، وعلي، وأنس. وقال الشافعي: يمسح ظاهر الخف وأسفله (٣). لنا: ما روى الفضل بن مبشر قال: رأيت جابر بن عبد الله يتوضأ فمسح على خفيه على [ظهورهما مسحة واحدة] (٤) إلى فوق، ثم صلّى الصلوات كلها،

стр. 250

وقال: "رأيت رسول الله ﷺ يصنعه، فأنا أصنع كما رأيته يصنع" (١). وعن عمر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما على طهر" (٢)؛ ولأنه باطن فلا يُسنّ مسحه كداخل الخف؛ ولأن الاقتصار عليه لا يجوز، فلا يسن مسحه، كالساق. وقد حكى إبراهيم بن جابر في كتاب الاختلاف: الإجماع على أن الاقتصار على أسفل الخف لا يجوز. ٢٣٧ - فَصْل: [المسح معكوسًا] ولو مسح من قِبَل الساق إلى الأصابع جاز؛ لأنه ترك الترتيب، فصار كمن غسل اليد من المرفق إلى الزند، يجوز. ٢٣٨ - [فَصْل: في مقدار المسح] وأما مقدار المسح فقد قال أبو الحسن: إذا مسح مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرِّجْل أجزأه. وذكر ابن رستم عن محمد: أنه إن وضع ثلاثة أصابع وضعًا أجزأه. وقال الحسن: لا يجوز حتى يمسح بثلاثة أصابع الأكثر مما على ظهر القدم من الخف، وإن مسح الأقل لم يجزه. ورواية ابن رستم [عن محمد] تدل على أنه مقدر بأصابع اليد.
следующие страницы →