← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

نفقة شهر وعنده فضل نفقة شهر له ولعياله، أجبره على نفقة ذي الرَّحِمِ المَحْرَمِ (١). قال محمد: فأما من لا شيء له وهو يكتسب كل يوم درهمًا يكتفي منه بأربعة دوانق، فإنه يدفع لنفسه ولعياله ما يتسع فيه، وينفق فضله على من يجبر على نفقته. وجه قول أبي يوسف: أن نفقة (٢) الرحم صلة، والصلات تلزم مع الغنى كالصدقات، (وحدّ الغنى في الشريعة: ما تجب فيه الزكاة، فمن ملك ما لا تجب فيه الزكاة لم تلزمه الصلة) (٣). وجه قول محمد: أن من كان عنده كفاية شهر، فما زاد عليها فهو غني عنه في الحال، والشهر متسع للاكتساب، فكان عليه صرف الزيادة إلى أقاربه، ومن له كسب دائم وهو غير محتاج إلى جميعه، فما زاد على كفايته يجب صرفه إلى أقاربه، كفضل ماله إذا كان له مال. قال: ولا معنى لاعتبار النصاب؛ لأن ذلك يعتبر في وجوب حقوق الله تعالى، وهذا حق آدمي فلا يعتبر فيه النصاب، وإنما يعتبر الإمكان (من الأداء) (٤). ١٩٢٥ - فَصْل: [على من ينفق من مال الغائب] قال أبو الحسن: فإن كان الرجل غائبًا لم ينفق على أحد من ماله إلا الأبوان والزوجة والولد [الصغير]، وهذا إنما يعنى به إذا اعترف من في يده المال

стр. 2207

بالزوجية والمال، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم (١). وقد قالوا: إن الأب ينفق من مال الابن عند غيبته إذا كان محتاجًا؛ لأن له شبهة ملك في ماله، فجاز له تناول ما يحتاج إليه من غير إذنه. قالوا: فإن أنفق الأب من مال ابنه وحضر الابن، فقال: كنتَ مُوْسرًا، فقال الأب: كنتُ مُعْسرًا، ينظر إلى حال الأب في حال الخصومة: فإن كان معسرًا فالقول قوله، وإن كان مُوسرًا فالقول قول الابن؛ لأنَّه إذا كان معسرًا فالظاهر أنه لم يتغير حاله، ومن ادعى الظاهر فالقول قوله، فإن أقاما البيِّنة فالبينة بينة الابن؛ لأن شهوده يشهدون بالغنى، وشهود الأب يشهدون بالفقر، ومن علم الغنى فقد علم معنى زائدًا لم يعلمه غيره. ١٩٢٦ - فَصْل: [ما يباع على غائب للنفقة] قال أبو حنيفة: لا يباع على غائب شيء في نفقةٍ إلا الأبوين فإنهما يبيعان مقدار ما يحتاجان إليه من العُرُوْض دون العَقَارِ، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز بيعهما هو القياس، وذكر أبو الحسن: أن محمدًا ذكر قول أبي حنيفة وقال: هو حسن. وجه قول أبي حنيفة: أن الأب له ولاية في مال الابن في حال الصغر، والبلوغُ يرفع ولايته، فجاز أن يبقى أثرها كالموت، ألا ترى أنه إذا مات سقطت ولايته وبقي أثرها وهو تصرف الوصي؛ ولأن مال الولد مضاف إلى الأب بأنه كسبه، وفي بيع العروض منفعة للغائب؛ لأنها مما تتلف وتهلك، فكان في بيعها جمعًا بين المنفعتين، وليس كذلك العَقار؛ لأنَّه لا منفعة في بيعه للغائب [إذ لا

стр. 2208

يخشى هلاكها] فلم يجز بيعه. وجه قولهما وهو القياس: أنه لا ولاية للأب على الغائب، فصار كغير الأب من الأقارب، وقد قال محمد: إنّ القاضي لا يبيع للأب العروض، ولكن [لا] يعترض عليه في بيعها؛ لأن البيع يجوز للأب مع بقاء حكم الولاية، وهذا المعنى لا يوجد في فعل القاضي، ولأن هذه العروض يجوز أن تكون وديعة في يد الابن، فإذا باعها الأب وجب عليه ضمانها، [فإذا باعها الحاكم أبرأه من ضمان العهدة، وذلك ضرر على الغائب]. فأما الذي قال أبو الحسن: إنّه لا يباع على غائب في النفقة إلا في نفقة الوالدين والزوجة والولد الصغير. فليس بصحيح، وإنما يختص هذا بالأبوين، فأما الذي يجمع هؤلاء فهو القضاء بالنفقة في وديعة الغائب إذا اعترف بها المودَع، فنقل أبو الحسن جواب إحدى المسألتين إلى الأخرى. ١٩٢٧ - فَصْل: [النفقة مع اختلاف الدِّين] وقد قال أصحابنا: إن النفقة لا تجب مع اختلاف الدِّيْن إلا للوالدين والولد والزوجة والجد إذا كان الأب ميتًا، ومن سواهم تجب نفقته مع اتفاق الدِّين، فأما الوالدين فلقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وهذا في الكَافِرَيْن، فأما الزوجة فلأن نفقتها تجب بحكم العقد كالمهر؛ وذلك لا يختلف بالأديان، ونفقة الولد تجري مجرى نفقتها، فأما نفقة ذوي الأرحام فنفقتهم على طريق الصلة؛ وذلك لا يجب مع اختلاف الدين فيهم، ألا ترى أنه يجوز للمسلم أن يبتدئ بقتل أخيه الحربي ولا يجوز أن يبتدئ بقتل أبيه، فَدَلَّ على أنه تجب صلة رَحِم الوالدين مع اتفاق الدِّين واختلافه، ولا تجب صلة رحم من سواهم

стр. 2209

مع اختلاف الدين؛ ولما قدمنا. قال أصحابنا: إن الكافر يجبر على نفقة ولده المسلم وكذلك والديه، ويجبر الكافر على نفقة بنته المسلمة، ويجبر المسلم على نفقة بنته النصرانية؛ لأن هذه الرحم متأكدة فتجب صلتها مع اختلاف الدين واتفاقه. وقد قالوا: إن وجوب النفقة على المسلم لأبويه الذميين استحسانًا، والقياس: أن لا تجب، وقالوا: لو دخل أبواه وهما حربيان بأمان لم يجب عليه نفقتهما؛ لأن صلة أهل الحرب ممنوع منها، وكذلك لا يجوز أن يتصدق عليهم (١). ١٩٢٨ - فَصْل: [نفقة الولد الحر على الأب العبد] وقد قالوا: إن العبد لا يلزمه نفقة ولده الحر؛ وذلك لأنَّه لا ولاية له عليه ولا يد عليه، فلا يستحق عليه نفقته، ولأن إكسابه للمولى والمولى أجنبي من هذا الولد، فلا يجب [نفقته] (٢) في ماله. قالوا: فلا يجب على الحر نفقة ولده المملوك؛ لأنَّه ملك لغيره، والإنسان لا يجب عليه نفقة مملوك غيره. ١٩٢٩ - فَصْل: [الأمور الموضوعة للكفاية] وقد قالوا: فيمن وجبت عليه نفقة غيره: إنها المأكل، والمشرب، والملبس، والسكنى، والرضاع؛ لأنها موضوعة للكفاية، وهذه الأمور محتاج إليها للكفاية، فإن كان للمُنْفَق عليه خادم يحتاج إلى خدمته، فُرِضَ له؛ لأنَّه من جملة الكفاية مع الحاجة.

стр. 2210

١٩٣٠ - فَصْل: [إجبار المرأة على إرضاع ولدها] وقد قال أصحابنا: إن المرأة لا يجب عليها أن تُرضع وَلَدَها، إلا أن لا يوجد من يرضعه فتجبر على رضاعه، وقال مالك: إن كانت شريفة لم تجبر وإن كانت دَنِيَّة أجبرت (١). لنا: قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب بدل للرضاع على الأب؛ ولأن الرضاع مؤنة للولد، فصار كنفقته بعد الكبر، فكما لا يلزمها أن تنفق عليه إذا استغنى عن الرضاع لم يلزمها أن ترضع. وقد قالوا: إن الأب إذا التمس لولده مرضعة، فإن أرادت الأم أن ترضعه فهي أولى؛ لأنها أقوم به وأشفق عليه [وأولى به]، فإن أرادت أن تأخذ أجرًا على ذلك مع بقاء النكاح لم يجز؛ وذلك لأنها مستحقة للنفقة، وأجرة الرضاع تجري مجرى النفقة، فلا تجب لها نفقتان، ولأن أجرة الرضاع تجب لحفظ الصبي، وحفظه [مِن] نظافة البيت، ومنفعة البيت تحصل للزوجين، فلم يجز أن تأخذ عوضًا عن منفعة تحصل لها. ولهذا قالوا: لو استأجرها على إرضاع ابنه من غيرها جاز؛ لأنَّه لا يجب عليها أن تسكنه معها، فلم يكن في حفظه منفعة تعود إلى منزلها. وأما المبتوتة في إحدى الروايتين: لا يجوز لها أن تأخذ الأجرة؛ لأنها مستحقة للنفقة والسكنى كالزوجة، وفي الرواية الأخرى: يجوز؛ لأن النكاح زال فهي كالأجنبية، فأما إذا انقضت العدة والتمست أجرة (٢) الرضاع، وقال الأب: إنْ أخذ

стр. 2211

من يرضعه بأقلّ من ذلك، فذلك له؛ لأنا لو الزمناه دفع ما تلتمسه الأم لاشتطت (١) عليه وألحقت به الضرر، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قيل في التأويل: لا تضار الأمُ [والدَه] (٢) فتلزم الرضاع مع كراهتها، ولا يضار الأب في إلزامه لها الزيادة على ما تلتمسه الأجنبية، فأما إذا رضيت الأم بما تأخذه الأجنبية فهي أولى؛ لأنها أشفق على الصغير وأنفع له (٣). ١٩٣١ - فَصْل: [نفقة الولد من الجارية المشتركة] وقالوا في الجارية المشتركة: تأتي بولد فيدَّعيه مولياها، فنفقة هذا الولد عليهما وعلى الولد إذا كبر نفقة كل واحد منهما؛ [لأن كل واحد منهما] (٤) أب كامل في حقه. ١٩٣٢ - فصْلٌ: [النفقة في مال المفقود] وقد قالوا في المفقود: يفرض القاضي في ماله لأبويه، وامرأته، والصغار من ولده والزمنى من الذكور والبنات النفقةَ؛ وذلك لأن القاضي يلي عليه فقام مقامه، فجاز أن ينصب عنه خصمًا، ويقضي عليه بنفقة هؤلاء ولا يقضي بنفقة مَنْ سِواهم؛ لأنها صلة لم تتأكد تأكد الدين، ولا يعلم حياته فلا تثبت الصلات في ماله. وقد قالوا: إنه لا يقضى في مال المفقود للجد وولد الولد، وإنما أرادوا بذلك مع وجود الأب والولد؛ لأنهم حينئذٍ في حكم ذوي الأرحام (٥).

стр. 2212

[٤٩] كتاب العِدَّة قال الشيخ رحمه الله تعالى: العِدَّة (١) التربص الذي يلزم المرأة بزوال النكاح أو بشُبْهة، وهي على ثلاثة أضرب: الحيض، [والشهور] (٢)، ووضع الحمل. فأما العدة بالحيض: [فإنها] تجب بالطلاق، والفُرقة في النكاح الفاسد، وبالوطء بشبهة النكاح، وبعتق أم الولد، وبموت مولاها. والأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لأنها موضوعة للاستبراء، والحِيَضُ يقع بها الاستبراء. فأما العدة [بالشهور] (٣) فهي على ضربين: ضرب منها يجب بدلًا عن الحيض فيمن لا تحيض لصغرٍ أو لكبر أو لفقد الحيض، والأصل في وجوبها قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وهذه العدة تجب على كل من كانت من ذوات الحيض لزمها الحيض، ولا تجب هذه العدة بالحيض إلا بوجود الدخول، وما جرى مجرى الدخول من الخلوة، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 2213

آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]. وأما الضرب الثاني من الشهور: فهو الذي يلزم المتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلًا، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهذه العدة لا تجب إلا في نكاح صحيح، ويستوي فيها الدخول وعدم الدخول؛ لأن الله تعالى أوجبها بموت الزوج، وإطلاق ذلك يقتضي من كان نكاحه صحيحًا، ولم يفصل في الآية بين الدخول وعدمه. فأما وضع الحمل فينقضي به كل عدة عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف مثله، إلا في امرأة الصغير، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] (١). ١٩٣٣ - فَصْل: [العدة في النكاح الفاسد] قال أبو الحسن: وتجب العدة في النكاح الفاسد من يوم تقع الفرقة بفعل الحاكم أو غيره، وقد بَيَّنَّا هذه المسألة خلاف زفر. ١٩٣٤ - فَصْل: [عدة أم الولد] قال: وعدة أم الولد ثلاث حِيَض، أعتقها السيد أو مات عنها، وقال الشافعي: حيضة واحدة (٢).

стр. 2214

لنا: أنها (١) تلزمها عدة بدلالة ما روي عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة أنهم قالوا: عدة أم الولد ثلاث حيض، فسموا ذلك عدة؛ ولأنها تجب على حُرَّة، والحرة لا يلزمها الاستبراء، وإذا ثبت أنها عدة لم تقدر بحيضة واحدة كسائر العدد، وإنما استوى في الواجب عليها الموت والعتق؛ لأن عدتها عدة وطءٍ فهي كالعدة في النكاح الفاسد، ولأن العدة تلزمها بعد الموت بالعتق كما تلزمها في حال الحياة. ١٩٣٥ - فَصْل: [عدة النكاح الفاسد] قال: وكذلك المنكوحة نكاحًا فاسدًا يستوي فيها الموت والطلاق؛ لأن عدتها تجب على وجه الاستبراء، وعدة الوفاة تجب على طريق العبادة لحرمة النكاح (٢). ١٩٣٦ - فَصْل: [عدة الحامل] قال: وعدة الحامل وضع حملها في أي وجه وجبت عليها العدة، وهذا لا خلاف فيه في المطلقة، وإنما الخلاف في المتوفى عنها [زوجها]، فقال علي ﵁: عدتها أبعد الأجلين، وقد بينا هذه المسألة. ١٩٣٧ - فَصْل: [عدة الأمة] فأما الإماء فعدتهن بالحيض حيضتان، وقال نفاة القياس: ثلاث حيض (٣). لنا: حديث ابن عمر أن النبي ﵇ قال: "طلاق الأمَة تطليقتان وعدتها

стр. 2215

حيضتان"، وقال عمر بن الخطاب: عدتها حيضتان، ولو استطعت لجعلتها حيضة: ونصفًا، ولأنه حق من حقوق النكاح مقدر بنفسه فأثر فيه الرق كالقسم، فأما العدة بالشهور التي هي بدل عن الحيض فعدة الأمَة شهر ونصف، وقال مالك: ثلاثة أشهر (١). لنا: أنها عدة فكان للرق تأثير فيها كالعدة بالحيض، فأما الوفاة فعدتها شهران وخمسة أيام؛ لأنها تتبعض، فكانت عدتها على النصف من عدة الحرة، كعدة المطَلَّقة بالشهور. ١٩٣٨ - فَصْل: [عدة الأمة الحامل] والأمَة والحرة في وضع الحمل سواء؛ ولأنه مما لا يتبعض فيستوي فيه الحرية والرق كالحدود التي لا تتبعض. قال: والعدة بالنساء دون الرجال، وذلك لقوله ﵇: "طلاق الأمَة تطليقتان وعدتها حيضتان" (٢)، وقال: "الطلاق بالرجال والعدة بالنساء" (٣). ١٩٣٩ - فَصْل: [العدة بالشهور] وقد ذكر أبو الحسن: العدة بالشهور ولم يبين كيفيتها، وجملة ذلك: أن الوفاة والطلاق إذا اتفق في غرة الشهر اعتبرت الشهور بالأَهِلَّةِ، وإن نقصت عن

стр. 2216

العدد (١) في قول أصحابنا جميعًا، فأما إذا حصل ذلك في بعض الشهر، فقال أبو حنيفة: تعتد من الطلاق تسعين يومًا، ومن الوفاة بمائة وثلاثين يومًا، وكذلك قال في صوم الشهرين المتتابعين إذا ابتدأه في بعض الشهر. وقال ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: تعتد بقية الشهر بالأيام، ثم تتم عدتها على الأيام تسعين يومًا، وقال: بعد ذلك تعتد بقية الشهر بالأيام، ثم تعتد شهرين بالأهلة، وتكمل الشهر الأول من الشهر الثالث بالأيام، أما إذا كانت الفُرْقَة في غُرَّة الشهر؛ فلأنّ إطلاق الشهور يقتضي الأهلة، بدلالة قوله ﵇: "الشهر هكذا وهكذا؛ فأشار بأصابع يديه ثلاثًا، وخنس إبهامه في الثالثة" (٢)، فوجب حمل عدتها على الشهور المطلقة. وأما إذا كانت الفُرْقة في بعض الشهر، فوجه قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف: أن ابتداء العدة وجب بالأيام، فكان إكْمالها على ما ابْتُدِئت عليه؛ ولأنا إذا اعتبرناها بالأيام زادت على الشهور، فالعدة يعتبر فيها الاحتياط، فإيجاب الزيادة أولى، فليس كذلك الإجارة إذا وقعت على الشهور في بعض الشهر؛ لأن كل جزء من الإجارة كالمعقود عليه عقدًا مبتدأ، فصار عند استهلال الشهر كأنه ابتدأ العقد فيكون بالأهلة، وليس كل جزء من العدة كعدة مبتدأة. وجه قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد: أن إطلاق الشهر يقتضي الأهِلَّة إلا أن الشهر الأول تعذر ذلك فيه، فعدلنا عن الظاهر إلى الأيام، وبقية

стр. 2217

الشهور يمكن اعتبار الظاهر فيها، فاعتبرنا وسوينا بين العدة والإجارة، قال أبو يوسف - فيمن آلى في بعض الشهر -: إنه يعتبر بالأيام حتى يكمل مائة وعشرين يومًا، ولا ينظر إلى نقصان الشهر ولا إلى تمامه. وروى عمرو بن خالد عن زفر في الإيلاء في بعض الشهر: أنها تعتد بكل شهر يمر لها ناقصًا كان أو تامًا. لأبي يوسف: أن اعتبار الأيام يوجب تأخير الفرقة، فلم يجز إيقاعها بالشك، كمن عَلَّق طلاق امرأته بمدة في المستقبل (وشك) (١) في المدة. وزفر يقول: إن البينونة تتعلق بمدة الإيلاء، فهي كمدة العدة [وهي تمضي بالأهلة، كذلك هذا]. ١٩٤٠ - فَصْل: [عدة من وضعت ولدين] قال: فإذا كانت المعتدة حاملًا فولدت ولدين انقضت العدة بالأخير منهما، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] والحمل عبارة عن الولدين؛ ولأن الحمل إنما تنقضي به العدة لبراءة الرحم بوضعه، وما دام معها ولد فلم يبرأ رحمها ولا تنقضي به العدة، وقد قالوا في الرجعية: إذا ظهر منها أكثر ولدها بانت، فعلى هذا يجب أن تنقضي العدة بظهور أكثر الولد. ١٩٤١ - فَصْل: [عدة من أسقطت الحمل] وإذا أسقطت [المرأة] المعتدة: فإن كان السقط استبان بعض خلقه انقضت

стр. 2218

به العدة، وإن لم يستبن لم تنقض به؛ وذلك لأنَّه إذا استبان فهو ولد، فصار كالولد الكبير، وإذا لم يستبن فيجوز أن يكون ولدًا، ويجوز أن يكون غير ولد فلم تنقض العدة بالشك (١). وقد قال الشافعي في أحد قوليه: إنه يُرى للنساء. وهذا غلط لأن النساء لم يشاهدن خلق الولد في الرحم حتى يعرفن نظيره، فلم يمكن الرجوع فيه إلى قولهن (٢). وقال في القول الآخر: تجعل في الماء الحار فإن انحل فليس بولد، وإن لم ينحل فهو ولد. وهذا غلط؛ لأنَّه يجوز أن يكون قطعة من لحمها أو كبدها انفصلت [عنها] (٣)، فلا يعلم أنه ولدٌ. ١٩٤٢ - فَصْل: [مدة عدة الحمل] قال: وليس للعدة بالحمل مدة، سواء (ولدت بعد وجوب العدة) (٤) بيوم أو أقل أو أكثر، ولو ولدت والميت على سريره، انقضت به العدة على ما جاءت به السنة، وذلك لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولم يفصل. فأما السنة التي ذكرها فما روي عن عمر أنه قال في المتوفى عنها: إذا ولدت وزوجها على السرير، جاز أن تتزوج (٥).

стр. 2219

١٩٤٣ - فَصْل: [عدة الكتابية تحت مسلم] قال: وعلى الكتابية إذا كانت تحت مسلم ما على المسلمة، الحرةُ كالحرة، والأمةُ كالأمَة؛ وذلك لأن العدة تجب لحق الله تعالى ولحق الزوج، [والذمية] (١) غير مخاطبة بحقوق الله وهي مخاطبة بحقوق الآدميين، فيجبرها على العدة لحق الزوج. ١٩٤٤ - فَصْل: [عدة الذمية تحت ذمي] وإن كانت تحت ذمي فلا عدة عليها في موتٍ ولا فرقةٍ في قول أبي حنيفة إذا كان ذلك كذلك في دينهم، وقال أبو يوسف ومحمد: عليها العدة. وذكر أبو الحسن في جامعه: في ذِمية تحت ذِمي إذا مات عنها أو طلقها فتزوجت في الحال [جاز]، إلا تكون حاملًا فلا يجوز نكاحها. فوجه قول أبي حنيفة: أن العدة تجب لحق الله تعالى ولحق الزوج، فما كان من حق الله تعالى فالذمية غير مخاطبة به في أحكام الدنيا كالصلاة والصوم، وما كان من حق الزوج فإنه لا يعتقده حقًا لنفسه، فلم يجز إيجابه لحقه، وأما إذا كانت حاملًا فالمنع من التزويج لكي لا يختلط النسب بوطء الزوج الثاني، وحفظ النسب حق للولد، وهو ممن لا يسقط حقوق نفسه، فلم يجز اعتبار إسقاطه للحق، فكان على الحاكم استيفاء الحق له. وجه قولهما: أن الذمية من أهل دار الإسلام كالمسلمة؛ ولأن أحكامنا تجري عليهم كسائر الأحكام.

стр. 2220

١٩٤٥ - فَصْل: [عدة المهاجرة] وقد ذكر [محمد] مسألة المهاجرة: أنه لا عدة عليها عند أبي حنيفة، وقالا: عليها العدة، وقد قدمناها. قال: فإن جاء الزوج مسلمًا وتركها في دار الحرب، فلا عدة عليها في قولهم؛ وذلك لأن على قول أبي حنيفة: الكافرة تلزمها العدة لحق المسلم، واختلاف الدارين يمنع من ثبوت الحقوق لأحدهما على الآخر، وعلى قولهما: إنما تجب العدة على الكافرة لجريان حكمنا على أهل الذمة، [والحربية] (١) لا تجري عليها حكمنا. ١٩٤٦ - فَصْل: [في الخلوة التي توجب العدة] وتوجب الخلوةُ الصحيحة (٢) العدةَ في النكاح الصحيح دون الفاسد؛ وذلك لأن الخلوة في النكاح الصحيح قائمة مقام الوطء في استقرار المهر، فكذلك في وجوب العدة، ولأن العدة أولى؛ لأنها تجب على وجه الاحتياط، والمهر لا يجب على وجه الاحتياط، فإذا وجب [المهر] بالخلوة فأولى أن تجب العدة، ولأن التسليم الموجب بالعقد قد حصل، فتجب به العدة كما تجب بالوطء، فأما النكاح الفاسد فالخلوة فيه ليست موجبة بالعقد، ألا ترى أنه لا يوجب التسليم، فكذلك لا يوجب العدة، وأما الخلوة الفاسدة فهي على ضربين: كل خلوة يمكن معها الوطء وجبت بها العدة، وإن لم يستقر بها المهر كخلوة الصائم والمُحْرِم، والخلوة بالحائض والصائمة [صوم فرض]؛ وذلك

стр. 2221

لأنهما يتهمان في حق الله تعالى، والعدة تجب على وجه الاحتياط. فأما الخلوة التي لا يمكن معها الوطء، كخلوة المريض المدنف (١) أو المريضة المدنفة، أو الصغير الذي لا يجامع مثله أو الصغيرة، فلا عدة؛ لأنهما لا يتهمان بالوطء، ولم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد. ١٩٤٧ - مَسْألة: [عدة المطلقة ثلاثًا في مرض الموت] قال: وإذا طلق الرجل امرأته في مرضه الذي مات فيه ثلاثًا أو طلاقًا بائنًا، ثم مات قبل أن تنقضي عدتها فورثت، اعتدت بأربعة أشهر وعشرًا فيها ثلاث حِيَض عند أبي حنيفة ومحمد، وكذلك كل معتدة [ورثت]، وقال أبو يوسف: عليها ثلاث [حِيَض]. وجه قولهما: أن المطلقة في المرض صارت في حكم المتوفى عنها [زوجها] في استحقاق الميراث، وهو لا يثبت بالشك؛ فلأن تصير في حكم المتوفى عنها في العدة وهي تثبت على وجه الاحتياط أولى، ولا تلزم امرأة المرتد؛ لأنها كذلك في إحدى الروايتين، وهذا معنى قول أبي الحسن، وكذلك كل معتدة ورثت. وجه قول أبي يوسف: أن العدة لزمتها بالطلاق، وإنما ورثت لأن الزوج متهم في الفراق، فبقيت العدة بحالها. ١٩٤٨ - فَصْل: [عدة المطلقة طلاقًا رجعيًا] قال: وإن كان الطلاق رجعيًا في صحة أو مرض، فعليها أربعة أشهر وعشرًا

стр. 2222

وبطل عنها الحيض في قولهم؛ وذلك لأن الرجعية زوجة، وموت الزوج يوجب على زوجته عدة الوفاة كغير المطلقة (١). ١٩٤٩ - مَسْألة: [عدة زوجة الصبي حال الحمل] فإذا مات الصبي عن امرأته وهي حامل فعدتها: أن تضع حملها عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عدتها أربعة أشهر وعشرًا. وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ولا يقال: إنّ هذا عموم، والقياس عندكم أن تعتد بالشهور، فهلا خصصتم العموم بالقياس؛ وذلك لأن هذا العموم لم يبقَ على تخصيصه ولا يختص بالقياس، فإن قيل هو مخصوص بالحمل من الزنا، قلنا: ليس كذلك؛ لأن العدة تنقضي به في قياس قولهما، ويتصور ذلك فيمن تزوج بحامل من الزنا ثم طلقها فوضعت حملها، ألا ترى أنهما قالا في امرأة الصغير: إن عدتها تنقضي بوضع الحمل وهي من الزنا، ولأن مَنْ جاز أن تعتد من زوجها بالشهر، جاز أن تعتد بوضع الحمل كامرأة الكبير. وجه قول أبي يوسف: أنّا تيقنا أن الحمل ليس منه، فلا تنقضي العدة كالحمل الحادث بعد الموت. قال أبو الحسن: فإن مات وهي حائل، ثم حملت بعد موته قبل انقضاء العدة، فعدتها الشهور عندهم جميعًا. وهذا الفصل مشتبه العبارة في الكتب، وقد بَيَّنَهُ أبو الحسن بيانًا أزال الشبهة؛ لأن أصحابنا يقولون: إذا ظهر الحمل بعد الوفاة

стр. 2223

فعدتها الشهور، ويفصلون بينها وبين امرأة الكبير، فيقولون: إذا ظهر الحمل بامرأة الكبير فنسبه ثابت بالفراش، وثبوت نسبه يقتضي الحكم بوجوده قبل الموت، فصار كالحمل الظاهر، وأما امرأة الصغير فلا يثبت نسب ولدها [منه] حتى يصير محكومًا به قبل الوفاة؛ فلذلك لا تنقضي به العدة. والصحيح ما ذكره أبو الحسن: أن العدة تنقضي بحملها ظاهرًا كان عند الموت أو غير ظاهر، والذي لا تنقضي به العدة هو الحادث، وكذلك ذكر محمد في كتاب الطلاق، وقد قال أبو الحسن في جامعه: وإن حملت التي عدتها بالحيض بعد الطلاق حملًا حادثًا، فعدتها أن تضع حملها - وإن كان لأكثر من سنتين - إذا علم أنها حملت بعد لزوم العدة؛ وذلك لأن عدة الحيض موضوعة للاستبراء، والاستبراء لا يكون مع الحمل؛ ولذلك وقف انقضاء العدة [بوضعها] (١). ١٩٥٠ - فَصْل: [عدة من بلغها طلاق زوجها أو موته] فإذا بلغ المرأة طلاق زوجها أو موته، فعليها العدة من يوم طلق أو مات، وحكي عن علي ﵁ أنه قال: من يوم يأتيها الخبر. لنا: أن العدة مضي الزمان، وذلك موجود وإن لم تعلم به، ولأنها لا تقف على فعلها، ألا ترى أنها لو علمت فلم تجتنب ما تجتنبه المعتدة انقضت عدتها بمضي الزمان، [وما لا] (٢) يقف على فعلها، فلا معنى لاعتبار علمها فيه (٣).

стр. 2224

بَابْ انتقال العدة قال الشيخ ﵀: الكلام في هذا الباب يجب أن يقدم عليه: أن الأقراء ما هي؟ فقال أصحابنا: هي الحيض. وقد روي ذلك عن بضعة عشر من الصحابة: وروى إبراهيم عن علقمة عن علي، وعبد الله ﵄ أنهما قالا: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة، وعن عمر وابن مسعود مثله. وعن مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس ﵃ قالوا مثل ذلك. وقال الشعبي عن اثني عشر أو ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ [الخير فالخير] (١) منهم: أبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس: أن الرجل أحق بامرأته إذا طلقها واحدة أو ثنتين [حتى تغتسل من القرء] (٢) الثالث. وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قال: هي ثلاث حيض. وروي عن ابن عباس أنه قال: إذا طعنت في الحيضة الثالثة، [بانت] ولا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.

стр. 2225

وعن زيد بن ثابت: إذا طعنت في الثالثة [بانت]، فلم يحل عنه في خروجها بين الحيضة الثالثة شيءٌ (١). وقال ابن عمر وعائشة: الأقراء: الأطهار، وبه قال الشافعي (٢). وقد تكلم الناس في هذه المسألة من طريق اللغة، [وبيّن كل واحد منهم أن الاسم قد عبّر به عما قاله، فلا معنى للرجوع إلى اللغة]؛ لأنهم اتفقوا أن القُرْءَ يتناول الأمرين، وأن مراد الله تعالى بالآية أحدهما، فيجب الرجوع إلى ما دل عليه الدليل، إلا أنا وجدنا أهل اللغة [وإن سمّوا القرء طهرًا] (٣)، فلم يسموه بذلك إلَّا إذا تخلل الدم، فدلَّ على أن الاسم إنما يتناوله لمعنى يعود إلى غيره، والدليل على أن المراد بالآية الحيض قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال ابن عباس، وإبراهيم، ومجاهد، والضحاك: الولد، ودم الحيض، فلم يحك عن أحد من أهل التأويل خلافه، فلما أمرها بالاعتداد ونهاها عن كتمان (الحمل والحيض) (٤)، دل على أن العدة تنقضي بما نهاها عن كتمانه (٥)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] ومن حكم المبدلات أن يشترط عدمها في الانتقال إلى أبدالها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فلما شرط عدم الحيض في الانتقال إلى الأشهر؛ دلَّ على أن

стр. 2226

الحيض هو المبدل، ولأن الخلاف إذا وقع فيما تناولته الآية وجب الرجوع إلى لغة النبي ﵇، ألا ترى أن الصحابة لما اختلفوا في التابوه والتابوت قالوا: اكتبوها بالتاء فإنها لغة قريش، والقرآن نزل بلغتهم. وقد روى عروة أن فاطمة حدثته أنها أتت إلى النبي ﷺ ، فشكت إليه الدم فقال: "إنما ذاك عرق فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مرَّ القرء فتطهري وصلي ما بين القرء إلى القرء" (١). وروى مسروق عن عائشة أن النبي ﵇ قال: "المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها" (٢)، ويدل عليه قول النبي ﵇: "طلاق الأمَة تطليقتان وعدتها حيضتان"، ولأن ما تقصد به العلم ببراءة الرحم يقع بالحيض كالاستبراء، وقد دل عليه قوله ﵇: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرئ بحيضة" (٣) (٤). ١٩٥١ - فَصْل: [تداخل العدتين] وإذا ثبت أن الأقراء هي الحيض، قال أصحابنا: إذا وجب على المرأة عدتان من جنس واحد، مثل المطلقة إذا تزوجت في عدتها، فوطئها الزوج فإن العِدَّتين تتداخلان، وإن كانتا من جنسين كالمتوفى عنها زوجها إذا وطئت بشبهة

стр. 2227

تداخلت أيضًا، واعتدت بما تراه من الحيض في الأشهر من عدة الوطء، وقال الشافعي: تمضي في العدة الأولى، فإذا انقضت استأنفت الأخرى (١). لنا: أن العِدَّة مُضِيُّ أجلٍ؛ بدلالة أنها لو لم تعلم بالفرقة حتى انقضت العدة سقطت، ولو علمت فلم تجتنب ما تجتنبه المعتدات ولم تقم في منزل الزوج وتزوجت انقضت العدة، فلو تعلقت بفعلها لم تنقض مع ما يضادها، وإذا ثبت أنها أجل حَلَّت محل أجل الدين، فينقضي الأجلان بمضي زمان واحد، ولأنها معتدة من الثاني عقيب الوطء؛ بدلالة أن العدة من أحكام النكاح، فلا يمنع أن يطرأ عليها عدة كنفس النكاح، وإذا كانت معتدة في حق الثاني احتسب بما تراه من الحيض من عدتها، كما لو لم تكن معتدة من الأول (٢). ١٩٥٢ - فَصْل: [انتقال العدة وتغيّرها] وأما الكلام في انتقال العِدَّةِ وتغيّرها فهو على ضروب: أحدها: أن كل عدتين كانت إحداهما بدلًا عن الأخرى إذا طرأ المبدل انتقلت إليه مبتوتة كانت أو رجعية، وهذه كالصغيرة إذا اعتدت ببعض الشهور ثم رأت الدم؛ وذلك لأن البدل لا يثبت له حكم مع القدرة على المبدل، فسقط حكم الأشهر فانتقل إلى الحيض. فأما الآيسة إذا اعتدت ببعض الشهور ثم رأت الدم، فقد ذكر أبو الحسن أنها تنتقل، وهذا ظاهر على الرواية التي لم يقدروا للإياس مقدارًا، فإذا ظنت أنها قد

стр. 2228

أيست ثم رأت الدم أو حبلت، تبيَّنّا أنها لم تكن آيسة، فلم تعتد (١) بالشهور في حقها. فأما على الرواية التي قدروا للإياس قدرًا إذا بلغته، ثم رأت الدم بعده، لم يكن حيضًا كما تراه الصغيرة التي لا تحيض مثلها، وقد كان أبو بكر الرازي يقول في الآيسة إذا رأت الدم: إن هذا يجوز في العادة، ومعناه التي ظنت أنها أيست. فأما الآيسة: فما تراه من الدم لا يكون حيضًا، ألا ترى أن وجود الحيض كان منها معجزة لنبي من الأنبياء (٢)، فلا يجوز أن يوجد إلا على وجه المعجزة، ومن هذه [الجملة] ما قالوا فيمن اعتدت بحيضة أو بحيضتين ثم أيست استقبلت العدة بالشهور؛ لأنها لو بَنَتْ اجتمع البدل والمبدل في عبادة واحدة، فإن قيل هذا غير ممتنع إذا طرأ البدل على [المبدل] (٣)، ألا ترى أن المُحْدِثَ في صلاته إذا لم يجد الماء بنى بالتيمم، فكذلك كان (٤) يجب أن تبني هاهنا بالشهور. فالجواب: أن الصلاة ليست هي الأصل [والبدل]، وإنما هي عبادة مؤداة بأصل وبدل، وهذا غير ممتنع كما يؤديها بالوضوء (٥) والايماء، فأما العدة فهي في نفسها أصل وبدل، فلا يجمع بينهما، كما لا يجمع بين التراب والماء.

стр. 2229

والفصل الثاني: كل عدتين وجبتا في حال الحياة وليست إحداهما بدل عن الأخرى، كالأمَة إذا طلقت ثم أعتقت، فإن كان الطلاق رجعيًا انتقلت إلى عدة الحرائر، وإن كان بائنًا لم تنتقل. وقال مالك: لا تنتقل في الوجهين، وقال الشافعي: تنتقل فيهما (١)، أما الرجعية فلأنها زوجة، والحرة إذا وجبت عليها العدة [من وجه] (٢) كانت عدة الحرائر كما لو طلقها بعد العتق، فأما البائن فلأن إحدى العدتين ليست [بدلًا] (٣) عن الأخرى، فلا [تتغيّر] (٤) بعد البينونة كعدة الوفاة. وأما النوع الثالث: فهي المطلقة إذا مات عنها زوجها، فإن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة؛ لأنها زوجته وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فإن كانت مبتوتة فهو على وجهين: إن لم ترث لم تتغير عدتها؛ لأن إحدى العدتين ليست ببدل عن الأخرى فلا تنتقل بعد البينونة، ولأن الله تعالى أوجب الشهور على الزوجات، والبائن ليست بزوجة، وأما إذا ورثت فإنها تضم إلى الحيض الأشهر في قول أبي حنيفة ومحمد. وقد قدمنا هذه المسألة. قال أبو الحسن: ومن حملت في عدتها فالعدة: أن تضع حملها؛ وذلك لأن وضع الحمل أصل العدد، ألا ترى أنها موضوعة لبراءة الرحم، ووضع الحمل [أصل] ما يستبرأ به الرحم، فيسقط معه ما سواه كما تسقط الشهور مع

стр. 2230

الحيض. وقد قال محمد: فيمن مات عن امرأته وهو صغير أو كبير، ثم حملت بعد موته: فعدتها بالشهور لا تتغير؛ لأن هذه العدة لا يقصد بها الاستبراء، وإنما هي عبادة، وإن كانت حاملًا في ابتدائها تعلقت العدة بوضع الحمل، وإن كانت حائلًا تعلقت بالشهور فلم تتغير بوجود الحمل. قال: فإن كانت في عدة طلاق فحبلت بعد الطلاق وعلم ذلك، فعدتها أن تضع حملها؛ لأن المقصود بهذه العدة الاستبراء، وقد بينا أن وضع الحمل أصل في الاستبراء، وإذا قدرت عليه سقط ما سواه. قال محمد: وإن لم يعلم أنها حبلت بعد الطلاق ثم جاءت بولد لأكثر من سنتين، فقد حكمنا بانقضاء عدتها قبل وضعه بستة أشهر؛ لأن المسلمة لا يحمل أمرها على أنها تزوجت في عدتها، فلم يبق إلا أن يحكم بانقضاء عدتها قبل أن تحمل، وقد بينا جملة ما ذكره أبو الحسن في الباب، ونحن نضم إليه جملة من تغيّر العِدَد، لم يذكرها. قال أصحابنا: إذا زوج المولى أم ولده ثم مات عنها وهي تحت زوج [أو في عدة زوج] فلا عدة عليها بموت المولى؛ لأنها ليست فراشًا له، والعدة تجب لزوال الفراش، فإن أعتقها ثم طلقها الزوج فعدتها عدة الحرائر، وإن أعتقها وهي في العدة فإن كانت رجعية تغيرت عدتها، وإن كانت بائنة لم تتغير على ما قدمناه، فإن انقضت عدتها ثم مات المولى فعليها بموت المولى ثلاث حيض؛ لأنها عادت فراشًا له، فوجبت العدة لزوال الفراش.

стр. 2231

١٩٥٣ - فَصْل: [عدة الأمة في حال موت الزوج والمولى] قال: وإن مات المولى والزوج، وبين موتيهما أكثر من شهرين وخمسة أيام، ولا يُعلم أيهما مات أولًا فعليها أربعة أشهر وعشرًا، فيها ثلاث حِيَض في قولهم؛ وذلك لأنَّه إن مات الزوج أولًا (١) فقد وجب عليها شهران وخمسة أيام؛ لأنها أمَة، ثم مات المولى بعد انقضاء عدتها فوجب عليها ثلاث حيض، وإن مات المولى أولًا عتقت بموته، ولا يجب عليها عدة منه، فلما مات الزوج وهي حرة وجب عليها أربعة أشهر وعشرة أيام، فقد حصل هاهنا حالة يجب فيها شهران وخمسة أيام وثلاث حيض، وحالة تجب أربعة أشهر وعشرًا، [فيها ثلاث حيض] ([والحيض] (٢) تدخل في الشهور، فوجب عليها على طريق الاحتياط أربعة أشهر وعشر فيها ثلاث حيض) (٣). وأما إن كان بين موتيهما أقل من شهرين وخمسة أيام، فعليها أربعة أشهر وعشر في قولهم؛ لأنَّه لا حال بوجوب الحيض، ألا ترى أنه [إن] مات المولى أولًا لم يجب بموته شيء؛ لأنها تحت زوج فوجب عليها أربعة أشهر وعشر، وإن مات الزوج أولًا وجب عليها شهران وخمسة أيام، وإن مات المولى وهي في العدة فلم يجب عليها شيء بموته، فألزمناها أكثر المدتين. وأما إذا لم يعلم كم [كان بين] موتيهما ولا أيهما الأول، فعليها عند أبي حنيفة: أربعة أشهر وعشرة لا حيض فيها.

стр. 2232

وقال أبو يوسف ومحمد: فيها ثلاث حيض. وجه قول أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وهذا تقدير بالنص فلا يزاد فيه بقياس؛ ولأن كل أمرين [حادثين] (١) لا يعلم تاريخ ما بينهما يحكم بوقوعهما معًا كالغرقى، وإذا حكمنا بموت الزوج مع موت المولى، وجبت عليها العدة وهي حرة، فكانت [عليها] عدة الحرائر، فلم يكن لإيجاب الحيض حال فسقطت. وجه قولهما: أنه يحتمل أن يكون موت الزوج تقدم فانقضت العدة ثم مات المولى، ويحتمل أن يكون المولى مات ثم مات الزوج، والعدد يعتبر فيها الاحتياط، فيجمع بين الشهور والحيض. ١٩٥٤ - فَصْل: [تداخل عدة الزوج والمولى على أم الولد] وعلى هذا الأصل قال بِشْرٌ عن أبي حنيفة (٢): إذا تزوجت أم الولد بغير إذن مولاها ودخل بها الزوج ثم مات الزوج والمولى، ولا يعلم كم بين موتيهما ولا أيهما أولًا؛ فعليها حيضتان في قياس قول أبي حنيفة؛ لأنَّه يحكم بموتهما معًا. وفي قول أبي يوسف: يجب عليها ثلاث حيض في أربعة أشهر وعشر على أصله في اعتبار الاحتياط. قال: فإن علم أن بين موتيهما ما لا تحيض فيه حيضتين فعليها أربعة أشهر وعشر فيها حيضتان؛ وذلك لأنَّه يحتمل أن يكون المولى مات أولًا فجاز نكاحها

стр. 2233

بعتقها، فوجبت عليها عدة الحرائر بالوفاة، ويحتمل أن يكون الزوج مات أولًا فتجب عليها حيضتان، فاحتاطوا في الجمع بينهما. قال: وإن حاضت حيضتين بين موتيهما فعليها أربعة أشهر وعشر، فيها ثلاث حيض في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنَّه يجوز أن يكون المولى مات أولًا فعتقت فصَحَّ نكاحها، فلما مات الزوج وجبت عليها الشهور، ويحتمل أن يكون الزوج مات أولًا ثم مات المولى بعد انقضاء العدة، فتجب عليها ثلاث حيض، فاحتاطوا في إيجاب الشهور والحيض. ١٩٥٥ - فَصْل: [شراء الرجل زوجته وإعتاقها] وإذا اشترى الرجل زوجته ولها منه ولد فأعتقها فعليها ثلاث حيض: حيضتان من النكاح تجتنب فيها ما تجتنب الزوجة، وحيضة من العتق لا تجتنب فيها ذلك؛ لأنَّه لما اشتراها فسد نكاحها، فصارت معتدة في حق غيره، وإن لم تكن معتدة في حقه بدلالة أنه لا يجوز له أن يزوجها، فإذا أعتقها صارت معتدة في حقه وحق غيره؛ لأن المعنى المانع من كونها معتدة في حقه، إباحة وطئها وقد زال، فوجب عليها حيضتان لفساد النكاح وفي العتق، وعدة النكاح يجب فيها الإحداد، فأما الحيضة الثالثة فإنما تجب في العتق خاصة، وعدة العتق لا إحداد فيها. ١٩٥٦ - فَصْل: [شراء الأمة بعد الطلاق والاستبراء] فإن كان طَلَّقها قبل أن يستبرئها تطليقة بائنة ثم اشتراها، حلَّ له وطؤُها وكان لها أن تتزين؛ وذلك لأن الملك سبب في الإباحة، فإذا حصل بعد البينونة صار

стр. 2234

كعقد النكاح، فإذا حلت له سقط عنها الإحداد (١). قال: فإن حاضت ثلاث حيض قبل العتق ثم أعتقها فلا عدة عليها من النكاح، وتعتد من العتق ثلاث حيض؛ وذلك لأنها وإن لم تكن معتدة في حقه بعد الشراء فهي معتدة في حق غيره بدلالة [أنه] لا يزوّجها، فإذا مضت الحيض مع وجوب العدة في وجه من الوجوه اعتد بها، فإذا أعتقها وجب عليها بالعتق عدة أخرى. ١٩٥٧ - فَصْل: [شراء المكاتب زوجته ثم موته مع ترك وفاء] وإذا اشترى المكاتب زوجته ومات وقد ترك وفاء، فأديت الكتابة فسد النكاح قبل الموت بلا فصل، ووجبت عليها العدة من فساد النكاح حيضتان إن كانت تلد منه وقد دخل بها، وذلك لأنا نحكم بعتق المكاتب إذا ترك وفاء فأدّى في آخر جزءٍ من أجزاء حياته، وإذا أعتق ملكها وفسد نكاحها، فلما مات زالت الاستباحة، فبقيت الحيض. قال: فإن كانت ولدت فعليها إتمام ثلاث حيض؛ وذلك لأنها أم ولد، فيجب عليها حيضتان بالنكاح والعتق، وحيضة بالعتق خاصة، فإن لم يترك وفاء فعليها شهران وخمسة أيام، دخل بها أو لم يدخل بها إذا لم تكن ولدت منه؛ وذلك لأنَّه لما صار عاجزًا لم يفسد نكاحها فمات عنها وهي زوجة أمة، فيجب عليها شهران وخمسة أيام، فالدخول وعدم الدخول في عدة الوفاة سواء. قال: فإن كانت ولدت منه سعت وسعى ولدها على نجومه، فإن عجزا

стр. 2235

فعدتها شهران وخمسة أيام لما قدمنا، فإن أديا عتقا وعتق المكاتب، فإن كانت أدت وهي في العدة فعليها ثلاث حيض مستأنفة من يوم عتقها تستكمل فيها شهران وخمسة أيام من يوم مات المكاتب؛ وذلك لأن المكاتب إذا ترك ولدًا ولم يترك وفاء، (فإن الولد يسعى ويؤدي البدل) (١)، وإذا حكمنا بعتق المكاتب في الحال أسندناه إلى ما قبل الموت من طريق الحكم، ألا ترى أنه مات عاجزًا في الظاهر، فلم يحكم بعتقه قبل موته مع العجز، وإنما نحكم عند الأداء فيعتق بعتقه، وتجب عليها الحيض بعد العتق، وليس كذلك إذا ترك وفاء؛ لأن الدين ينتقل من ذمته إلى المال، فإذا أدى حكمنا بسقوط مال الكتابة عنه قبل موته وسلامته للمولى، فيعتق في ذلك الوقت. وقد قال زفر في الفصلين جميعًا: إنا نحكم بعتقه قبل الموت، ونجعل الولد إذا أدى، كالكسب إذا أدى عنه. قال: فإن أديا يعتقا بعد ما انقضت العدة بشهرين وخمسة أيام، فعليها ثلاث حيض مستقبلة؛ لأن عدة الوفاة لما انقضت تجدّد وجوب عدة بالعتق، فكان عليها أن تعتد بها. ١٩٥٨ - فَصْل: [شراء المكاتب ولده مع أمه ثم مات وترك وفاءً] وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: إذا اشترى المكاتب امرأته وولده منها ومات وترك وفاء من ديون له أو مال فعدتها ثلاث حيض في شهر وخمسة أيام؛ لأني لا [أعلم] (٢) يؤدي المال فيحكم بعتقه أو يتوى فيحكم بعجزه: فوجب

стр. 2236

الجمع بين العدتين. ١٩٥٩ - فَصْل: [زواج المكاتب بنت مولاه ثم موتهما] وإذا تزوج المكاتب بنت مولاه ثم مات المولى ومات المكاتب وترك وفاء فعليها أربعة أشهر وعشرة أيام دخل بها أو لم يدخل؛ لأن النكاح عندنا لا يفسد بموت المولى، فإذا مات المكاتب عن زوجته حُرَّة وجب عليها عدة الحرائر وإن لم يترك وفاء وقد دخل بها، فعليها ثلاث حيض، وإن لم يكن دخل بها فلا عدة عليها؛ لأنَّه مات عاجزًا فملكته قبل موته وانفسخ النكاح فوجبت عليها العدة بالفرقة في حال الحياة، إن كان دخل بها [وجبت] وإلا لم تجب.

стр. 2237

بَابْ ما يلزم المعتدة في عدتها قال أبو الحسن: وإذا كانت المرأة في عدة من طلاقٍ فينبغي لها: أن لا تخرج من بيتها ليلًا ولا نهارًا، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]؛ ولأن نفقتها في مال زوجها فصارت كالزوجة. وقد اختلفت السلف في تأويل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ فقال عبد الله بن مسعود: الفاحشة أن تزني، فتخرج لإقامة الحد، وهو إحدى الروايتين عن إبراهيم. وقال ابن عباس: العصيان والنشوز (١). وقال ابن عمر وإحدى الروايتين عن إبراهيم: الخروج نفسه هو الفاحشة (٢). وذكر بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: الفاحشة أن تخرج، قال: وبه قال أبو حنيفة. قال: وحدثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن ابن مسعود قال: الفاحشة أن تزني فتخرج لإقامة الحد، وهو قول أبي يوسف، وليس يمتنع أن يكون ذلك مرادًا بالآية؛ لأن اللفظ يحتمله، وقد كان أصحابنا يقولون: الصحيح قول ابن مسعود؛ لأن الغاية لا تكون غاية لنفسها، فلما قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ

стр. 2238

بِفَاحِشَةٍ﴾ دل على أن الفاحشة غير الخروج، وليس يمتنع أن يَصحّ قول إبراهيم، فيكون معناه: ولا يخرجن إلا وهن بصفة من فعل الفاحشة كما يقول: لا يزني إلا فاسق ولا يسب النبي ﵇ إلا كافر، معناه: أنه إذا فعل ذلك كان بهذه الصفة (١). ١٩٦٠ - فَصْل: [خروج المتوفى عنها زوجها من البيت] فأما المتوفى عنها زوجها فلا بأس أن تخرج بالنهار في حوائجها، ولا تبيت [في غير] (٢) منزلها الذي تعتد فيه. قال هشام عن محمد: لا بأس أن تنام [في غير] بيتها أقل من نصف الليل، والأصل في ذلك: ما روي أن قريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها فاستأذنت النبي ﵇ في الانتقال، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" (٣)، ولم ينكر خروجها إليه، ومنعها من الانتقال، فدل على جواز خروجها من غير انتقال. وروى علقمة أن [نسوة من] همذان نعي إليهن أزواجهن، فسألن ابن مسعود فقلن: إنا نستوحش، فأمرهن أن يجتمعن بالنهار، فإذا كان الليل فلترح كل امرأة إلى بيتها (٤)، ولأن نفقتها في مال نفسها فلا بد لها من الخروج لإصلاح أمرها، والذي قاله محمد: إنها تنام [في غير] (٥) بيتها أقل من نصف الليل.

стр. 2239

صحيح؛ لأن البيتوتة عبارة عن الكون في المكان أكثر الليل. ١٩٦١ - فَصْل: [الموضع الذي تؤمر المعتدة الاعتداد فيه] قال: ومنزلها الذي تؤمر بالكون فيه والاعتداد، هو الموضع الذي كانت [تسكنه] (١) حال مفارقة زوجها قبل موته، كان الزوج ساكنًا فيه أو لم يكن، وكان أصحابنا يعبرون عن هذا فيقولون: يجب عليها أن تعتد في المكان الذي يضاف إليها بالسكنى عند الفرقة، وذلك لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فالبيت المضاف إليها هو الذي تسكنه. ولهذا قال أصحابنا: إذا زارت أهلها فطلقها زوجها كان عليها أن تعود إلى منزلها فتعتد؛ لأن ذلك الموضع هو الذي يضاف إليها، وإن كانت في غيره (٢). ١٩٦٢ - فَصْل: [اضطرار خروج المعتدة من البيت] وإن اضطرت إلى الخروج فلا بأس بذلك إذا لم تجد منه بدًا، مثل أن تخاف سقوط منزلها، أو [يغار] (٣) على متاعها، أو تكون بأجرة فلا تجد ما تؤديه في أجرته، فلا بأس عند ذلك أن تنتقل؛ وذلك لأن الكون في منزلها عبادة، والعبادات تسقط بالأعذار، وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ لما قتل عمر نقل أم كلثوم؛ لأنها كانت في دار الإمارة، وروي أن عائشة ﵂ نقلت أختها أم كلثوم بنت أبي بكر لما قُتِل طلحة، فدل على أنه يجوز الانتقال للعذر. وأما أجرة المنزل: فإن كانت تقدر عليه لم تنتقل؛ لأن من توصل إلى أن

стр. 2240

العبادة بماله وجب ذلك عليه، كشراء الماء للطهارة، فإن لم تقدر [سقطت العبادة] (١)، كما يسقط شراءُ الماء عمن لا يجد الثمن. ١٩٦٣ - فَصْل: [سكنى المعتدة] قال: وتكون السكنى في بيتها الذي تنتقل إليه بمنزله، كونها في المنزل الذي انتقلت منه في ترك الخروج منه؛ وذلك لأنها معذورة في الانتقال من الأول، فصار [الثاني] كأنه منزلها في الأصل، فلزمها المقام فيه حتى تنقضي العدة. ١٩٦٤ - فَصْل: [السكنى في نصيبها من البيت] قال: فإن كان المنزل لزوجها وقد مات عنها، فلها أن تسكن في نصيبها إن كان ما يصيبها من ذلك ما يكتفى به في السكنى؛ وذلك لأنها تقدر أن تسكن في حقها فتؤدي العبادة على وجهها. قال: وتستتر عن سائر الورثة ممن ليس بمَحْرَم لها؛ لأنَّه لا يجوز لهم الاطلاع عليها، فأما إن كان نصيبها لا يكفيها أو خافت على متاعها منهم فلا بأس أن تنتقل؛ لأن هذا عذر، وقد بينا جواز الانتقال بالعذر (٢). ١٩٦٥ - فَصْل: [سكنى وبيتوتة المعتدة] قال: والمطلقة ثلاثًا والرجعية والبائن، وسائر الفُرَق التي توجب العدة في ذلك سواء فيما يلزم المعتدة، أما الرجعية فهي زوجة، فلزوجها أن يمنعها من الخروج كما تمنع قبل الطلاق، وأما المبتوتة والمطلقة ثلاثًا فلما قدمنا. وأما

стр. 2241

قوله: وسائر الفرق فليس على ظاهره؛ لأنهم قد قالوا في المجوسية إذا أسلم زوجها فأبت الإسلام، فلا سكنى لها ولا نفقة إلا أن يختار الزوج حفظ مائه فيسكنها؛ وذلك لأن السكنى حق الله تعالى، والمجوسية لا تخاطب بحقوق الله تعالى، وتخاطب بحقوق الآدمي، وفي حفظها حق لزوجها، فإن طلب لزمها وإلا لم يلزمها. فأما المسلمة إذا قَبَّلَتْ ابن زوجها، قالوا: لا نفقة لها ولها السكنى؛ لأنها مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى، والسكنى من حقوقه، فأما الأمَة إذا اختارت نفسها، وامرأة العنين إذا اختارت الفُرْقَة، فلها السكنى والنفقة. أما السكنى فلأنهن ممن تلزمهن العبادات، وأما النفقة فلأن امتناعهن بحق فلا تسقط نفقتهن، وأما التي قَبّلت [فقد امتنعت] بغير حق، فلا تجب لها النفقة (١). ١٩٦٦ - فَصْل: [سكنى الأمة للعدة] قال: فإن كانت المعتدة أمَة فلتخرج في ذلك كله في الطلاق والوفاة، وكذلك المدبرة وأم الولد والمكاتبة؛ وذلك لأن الأمَة لا يلزمها المقام في منزل زوجها في حال [قيام] النكاح، وحال العدة مرتبة على ذلك، ولأن خدمتها للمولى، فلو منعناها من الخروج أسقطنا حق المولى من الخدمة، وعلى هذا المدبرة وأم الولد، وأما المكاتبة فسعايتها حق لمولاها، فلو ألزمناها ترك الخروج تعذرت السعاية، فأما المعتق بعضها فهي مكاتبة عند أبي حنيفة حرة عندهما.

стр. 2242

١٩٦٧ - فَصْل: [خروج الأمة المبوأة منزلًا] قال: فإن كانت الأمَة قد بوأها مولاها منزلًا، لم تخرج أيضًا ما دامت على ذلك، فإن أراد المولى أن يخرجها فلا بأس؛ وذلك لما بينا أن العدة [مرتبة] على النكاح، والأمة في حال النكاح إذا بوأها المولى كان للزوج أن يمنعها من الخروج حتى يبدو للمولى، فكذلك المعتدة. وقد روى ابن سماعة عن محمد في الأمَة إذا طلقها زوجها، وكان المولى مستغنيًا عن خدمتها، فلها أن تخرج وإن لم يأمرها؛ قال: لأنَّه إذا جاز لها أن تخرج بإذنه جاز لها أن تخرج بكل وجه، ألا ترى أن الخروج لحق الله تعالى، فلو لزمها لم يسقط بإذنه. وأما الكتابية: فلها أن تخرج إلا أن [يحبسها] (١) الزوج لحفظها في عدتها؛ وذلك لأن السكنى حق الله تعالى وللزوج (وهي غير مخاطبة بحقوق الله ومخاطبة بحق الزوج) (٢)، وله حق في حفظها؛ لأن ولدها يلحقه، فكان له أن يسكنها. قال: فإن أسلمت الكافرة في العدة أو أعتقت الأمَة، لزمها فيما بقي من عدتها ما يلزم الحرة المسلمة؛ وذلك لأن المانع من وجوب السكني قد زال وحصل الإسلام والحرية مع العدة، فصار كالابتداء (٣). ١٩٦٨ - فَصْل: [خروج الصغيرة في عدتها من البيت] قال: وأما الصغيرة فلها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة [بائنًا] لا رجعة

стр. 2243

فيها، أذن الزوج أو لم يأذن؛ لأن السكنى عبادة والصغيرة لا يلزمها العبادات، ولا يلزمها ذلك لحق الزوج؛ لأن حقه في حفظ الولد ولا ولد لها، وأما إن كانت الفرقة رجعية لم يجز لها أن تخرج إلا بإذنه؛ لأنها زوجة وخروج الزوجة موقوف على إذن الزوج. ١٩٦٩ - فَصْل: [نفقة النصرانية أثناء العدة] قال أبو يوسف: وإذا طلق النصراني النصرانية فلها في قولي النفقة، ولا تتزوج حتى تنقضي عدتها، ولا سكنى لها إلا أن يشاء زوجها أن [يسكنها] (١)، وذلك أن من أصله أن العدة تجب على الذمية لحق الذمي، إلا أن السكنى لا تلزمها؛ لأنها حق الله تعالى وهي غير مخاطبة بحقوقه، وتلزمها لحق الزوج إن طلب ذلك. ١٩٧٠ - فَصْل: [خروج أم الولد إذا مات سيدها] فأمّا [أم] الولد إذا أعتقت أو مات سيدها فلها أن تخرج؛ لأن عدتها عدة وطء، كالمنكوحة نكاحًا فاسدًا، فأما المعتدة من نكاح فاسد فلها أن تخرج، وذلك أن العدة فرع على حال الفراش، وهي لا يلزمها [السكنى] (٢) في حال الفراش، فكذلك في حال العدة (٣).

стр. 2244

بَابْ ما تجتنب المعتدة في عدتها قال الشيخ أبو الحسن: كل معتدة بالغة مسلمة بانت من زوج، فعليها أن تجتنب في عدتها الطِّيْبَ، والأصل في هذا: أن المتوفى عنها [زوجها] يلزمها الإحداد في عِدَّتها؛ بلا خلاف بين الفقهاء. وقال نفاة القياس: لا إحداد عليها. لنا: ما روي أن أم حبيبة لما بلغها موت أبي سفيان انتظرت ثلاثًا ثم ادهنت، وقالت: ما بي إلى الطيب من حاجة، لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا" (١). وروي أن امرأة مات عنها زوجها فجاءت إلى رسول الله ﷺ تستأذنه في الانتقال، فقال: "إن إحداكن كانت تمكث في شرِّ أحلاسها إلى الحول، ثم تخرج فتلقي (٢) البعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرة" (٣)، فدل على أنه يلزمها أن تقيم في شر أحلاسها، وهذا هو الإحداد؛ ولأن النكاح لما حرم عليها في العدة، أمرت أن

стр. 2245

تجتنب الزينة حتى تبتعد من صفة المُلتمسة للرجال، فأما المبتوتة فعليها الإحداد عندنا، وقال الشافعي: لا إحداد عليها (١). لنا: حديث أم سلمة أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب بالحنّاء، وقال: "الحناء طيبٌ" (٢)، وهذا عام في كل عِدَّة، ولأنها مسلمة بانت من زوجها بينونة يتعلق بها تحريم الوطء، وهي من أهل العبادات فيلزمها الإحداد في عدتها كالمتوفى عنها زوجها. ١٩٧١ - فصل: [المقصود بالإحداد] فأما الإحداد فهو: أن تجتنب الطيب ولبس المُطَيَّب والمُعَصْفَر وما صُبغ بالزَّعْفَرَان والدُّهن والكحل، ولا تختضب ولا تمتشط، ولا تتزيَّن ولا تلبس حُليًّا ولا تتشوَّف، فأما الطيب فلنهيه ﷺ عن الحناء، وقوله: "الحناء طيب"، فالطيب أولى أن تمنع منه، وكذلك الثوب المطيب، والحناء تمنع منه لهذا الخبر، والمصبوغ بالزعفران والعُصْفر له رائحة مستلذة فهي كالمطيب؛ ولهذا قالوا: إنه إذا غُسِل حتى ينفض جاز؛ لزوال معنى الطيب، وأما الدهن فلحديث أم حبيبة، والكحل يقصد به الزينة. وقد قالوا: إنها تكتحل إذا اشتكت عينها بالكحل الأسود، وتصُبُّ في رأسها الدهن إذا اشتكت؛ لأن هذا مفعول للحاجة لا للطيب والزينة، فأما الحلي والامتشاط فهو للزينة وهي ممنوعة من ذلك.
следующие страницы →