قوله: وسائر الفرق فليس على ظاهره؛ لأنهم قد قالوا في المجوسية إذا أسلم زوجها فأبت الإسلام، فلا سكنى لها ولا نفقة إلا أن يختار الزوج حفظ مائه فيسكنها؛ وذلك لأن السكنى حق الله تعالى، والمجوسية لا تخاطب بحقوق الله تعالى، وتخاطب بحقوق الآدمي، وفي حفظها حق لزوجها، فإن طلب لزمها وإلا لم يلزمها.
فأما المسلمة إذا قَبَّلَتْ ابن زوجها، قالوا: لا نفقة لها ولها السكنى؛ لأنها مسلمة مخاطبة بحقوق الله تعالى، والسكنى من حقوقه، فأما الأمَة إذا اختارت نفسها، وامرأة العنين إذا اختارت الفُرْقَة، فلها السكنى والنفقة.
أما السكنى فلأنهن ممن تلزمهن العبادات، وأما النفقة فلأن امتناعهن بحق فلا تسقط نفقتهن، وأما التي قَبّلت [فقد امتنعت] بغير حق، فلا تجب لها النفقة (١).
١٩٦٦ - فَصْل: [سكنى الأمة للعدة]
قال: فإن كانت المعتدة أمَة فلتخرج في ذلك كله في الطلاق والوفاة، وكذلك المدبرة وأم الولد والمكاتبة؛ وذلك لأن الأمَة لا يلزمها المقام في منزل زوجها في حال [قيام] النكاح، وحال العدة مرتبة على ذلك، ولأن خدمتها للمولى، فلو منعناها من الخروج أسقطنا حق المولى من الخدمة، وعلى هذا المدبرة وأم الولد، وأما المكاتبة فسعايتها حق لمولاها، فلو ألزمناها ترك الخروج تعذرت السعاية، فأما المعتق بعضها فهي مكاتبة عند أبي حنيفة حرة عندهما.
стр. 2242
١٩٦٧ - فَصْل: [خروج الأمة المبوأة منزلًا]
قال: فإن كانت الأمَة قد بوأها مولاها منزلًا، لم تخرج أيضًا ما دامت على ذلك، فإن أراد المولى أن يخرجها فلا بأس؛ وذلك لما بينا أن العدة [مرتبة] على النكاح، والأمة في حال النكاح إذا بوأها المولى كان للزوج أن يمنعها من الخروج حتى يبدو للمولى، فكذلك المعتدة.
وقد روى ابن سماعة عن محمد في الأمَة إذا طلقها زوجها، وكان المولى مستغنيًا عن خدمتها، فلها أن تخرج وإن لم يأمرها؛ قال: لأنَّه إذا جاز لها أن تخرج بإذنه جاز لها أن تخرج بكل وجه، ألا ترى أن الخروج لحق الله تعالى، فلو لزمها لم يسقط بإذنه.
وأما الكتابية: فلها أن تخرج إلا أن [يحبسها] (١) الزوج لحفظها في عدتها؛ وذلك لأن السكنى حق الله تعالى وللزوج (وهي غير مخاطبة بحقوق الله ومخاطبة بحق الزوج) (٢)، وله حق في حفظها؛ لأن ولدها يلحقه، فكان له أن يسكنها.
قال: فإن أسلمت الكافرة في العدة أو أعتقت الأمَة، لزمها فيما بقي من عدتها ما يلزم الحرة المسلمة؛ وذلك لأن المانع من وجوب السكني قد زال وحصل الإسلام والحرية مع العدة، فصار كالابتداء (٣).
١٩٦٨ - فَصْل: [خروج الصغيرة في عدتها من البيت]
قال: وأما الصغيرة فلها أن تخرج من منزلها إذا كانت الفرقة [بائنًا] لا رجعة
стр. 2243
فيها، أذن الزوج أو لم يأذن؛ لأن السكنى عبادة والصغيرة لا يلزمها العبادات، ولا يلزمها ذلك لحق الزوج؛ لأن حقه في حفظ الولد ولا ولد لها، وأما إن كانت الفرقة رجعية لم يجز لها أن تخرج إلا بإذنه؛ لأنها زوجة وخروج الزوجة موقوف على إذن الزوج.
١٩٦٩ - فَصْل: [نفقة النصرانية أثناء العدة]
قال أبو يوسف: وإذا طلق النصراني النصرانية فلها في قولي النفقة، ولا تتزوج حتى تنقضي عدتها، ولا سكنى لها إلا أن يشاء زوجها أن [يسكنها] (١)، وذلك أن من أصله أن العدة تجب على الذمية لحق الذمي، إلا أن السكنى لا تلزمها؛ لأنها حق الله تعالى وهي غير مخاطبة بحقوقه، وتلزمها لحق الزوج إن طلب ذلك.
١٩٧٠ - فَصْل: [خروج أم الولد إذا مات سيدها]
فأمّا [أم] الولد إذا أعتقت أو مات سيدها فلها أن تخرج؛ لأن عدتها عدة وطء، كالمنكوحة نكاحًا فاسدًا، فأما المعتدة من نكاح فاسد فلها أن تخرج، وذلك أن العدة فرع على حال الفراش، وهي لا يلزمها [السكنى] (٢) في حال الفراش، فكذلك في حال العدة (٣).
стр. 2244
بَابْ ما تجتنب المعتدة في عدتها
قال الشيخ أبو الحسن: كل معتدة بالغة مسلمة بانت من زوج، فعليها أن تجتنب في عدتها الطِّيْبَ، والأصل في هذا: أن المتوفى عنها [زوجها] يلزمها الإحداد في عِدَّتها؛ بلا خلاف بين الفقهاء. وقال نفاة القياس: لا إحداد عليها.
لنا: ما روي أن أم حبيبة لما بلغها موت أبي سفيان انتظرت ثلاثًا ثم ادهنت، وقالت: ما بي إلى الطيب من حاجة، لكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرًا" (١).
وروي أن امرأة مات عنها زوجها فجاءت إلى رسول الله ﷺ تستأذنه في الانتقال، فقال: "إن إحداكن كانت تمكث في شرِّ أحلاسها إلى الحول، ثم تخرج فتلقي (٢) البعرة، أفلا أربعة أشهر وعشرة" (٣)، فدل على أنه يلزمها أن تقيم في شر أحلاسها، وهذا هو الإحداد؛ ولأن النكاح لما حرم عليها في العدة، أمرت أن
стр. 2245
تجتنب الزينة حتى تبتعد من صفة المُلتمسة للرجال، فأما المبتوتة فعليها الإحداد عندنا، وقال الشافعي: لا إحداد عليها (١).
لنا: حديث أم سلمة أن النبي ﷺ نهى المعتدة أن تختضب بالحنّاء، وقال: "الحناء طيبٌ" (٢)، وهذا عام في كل عِدَّة، ولأنها مسلمة بانت من زوجها بينونة يتعلق بها تحريم الوطء، وهي من أهل العبادات فيلزمها الإحداد في عدتها كالمتوفى عنها زوجها.
١٩٧١ - فصل: [المقصود بالإحداد]
فأما الإحداد فهو: أن تجتنب الطيب ولبس المُطَيَّب والمُعَصْفَر وما صُبغ بالزَّعْفَرَان والدُّهن والكحل، ولا تختضب ولا تمتشط، ولا تتزيَّن ولا تلبس حُليًّا ولا تتشوَّف، فأما الطيب فلنهيه ﷺ عن الحناء، وقوله: "الحناء طيب"، فالطيب أولى أن تمنع منه، وكذلك الثوب المطيب، والحناء تمنع منه لهذا الخبر، والمصبوغ بالزعفران والعُصْفر له رائحة مستلذة فهي كالمطيب؛ ولهذا قالوا: إنه إذا غُسِل حتى ينفض جاز؛ لزوال معنى الطيب، وأما الدهن فلحديث أم حبيبة، والكحل يقصد به الزينة.
وقد قالوا: إنها تكتحل إذا اشتكت عينها بالكحل الأسود، وتصُبُّ في رأسها الدهن إذا اشتكت؛ لأن هذا مفعول للحاجة لا للطيب والزينة، فأما الحلي والامتشاط فهو للزينة وهي ممنوعة من ذلك.
стр. 2246
وقال أبو يوسف: لا بأس أن تلبس القصب والخزَّ الأحمر، وقال في الأصل: لا تلبس قصبًا ولا خزًا تتزيَّن به؛ وذلك لأن الخز والقصب قد يلبس للزينة، وقد يلبس للحاجة (والدفء) (١)، فاعتبر فيه القصد، فإن قَصَدَت أن تتزين به لم يجز، وإن لم تقصد جاز.
قالوا: وإن لم يكن لها إلا ثوب مصبوغ فلا بأس بأن تلبسه ولا تقصد به الزينة؛ وذلك لأنها معذورة في لبسه إذا لم تجد ما تستر به العورة (٢).
١٩٧٢ - فصل: [الإحداد على الصغيرة والكافرة]
ولا إحداد على الكافرة؛ لأن الامتناع من الطيب لحق الله فلا يلزمها كالإحرام، ولأن الامتناع (٣) من الطيب عبادة بدنية، [فلا تلزم الكافرة.
ولا إحداد على الصغيرة، وقال الشافعي: عليها الإحداد (٤).
لنا: أنها عبادة بدنية]، فلا يلزمها بالشرع كالصوم والصلاة، ولا تلزم العدة لأنها ليست بعبادة، وإنما هي مُضي الزمان، ومن أصحابنا من قال: لا يلزمها العدة، وإنما يجب علينا أن لا يتزوجها إلا بعد مضي زمان.
١٩٧٣ - فصل: [الإحداد على الأمة والمكاتبة]
وعلى الأمة والمكاتبة الإحداد؛ لأنها عبادة بدنية، لا يسقط بها حق المولى
стр. 2247
كالصلاة والصوم، وليس كذلك المقام في المنزل؛ لأن ذلك يسقط به حق المولى.
١٩٧٤ - فصل: [الإحداد على المطلقة الرجعية]
وليس على المطلقة الرجعية إحداد؛ لأنها زوجة ووطؤها حلال كغير المطلقة، ولأنها مأمورة بأن تتزين وتتشوف لتقع عليها عين الزوج فيراجعها.
١٩٧٥ - فصل: [الإحداد على أم الولد إذا أعتقها مولاها]
وأمّا أم الولد إذا أعتقها مولاها أو مات عنها فلا إحداد عليها؛ لأنها تعتد من الوطء كالمنكوحة نكاحًا فاسدًا، فأما المعتدة من نكاح فاسد فلا إحداد عليها؛ لأن الإحداد يجب لحرمة الزوجية، والنكاح الفاسد لا حرمة له (١).
стр. 2248
باب المطلقة تسافر في عدتها
قال أصحابنا: ليس لمطلقة طلاقًا يملك الرجعة فيه أن تخرج من منزلها الذي تعتد فيه، لسفر حج فريضة وغيره مع زوجها، ولا مع محرم غيره حتى تنقضي عدتها أو يراجعها زوجها.
وقال زفر: لزوجها أن يسافر بها، وإنما قلنا إنها لا تخرج مع غير الزوج لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] ولأنها ممنوعة من الانتقال عن منزلها؛ لها؛ فلأن تمنع من السفر أولى، فأما إذا سافر بها الزوج (فلا خلاف يقع على) (١) أن السفر عندنا ليس برجعة؛ وذلك لأنه لا يختص بالنكاح، ألا ترى أن الإنسان يسافر بزوجته وأمته، وما لا يختص به النكاح لا تقع به الرجعة.
وقال زفر: السفر رجعة؛ لأن من لا يريد إمساك المرأة لا يسافر بها، فصار السفر كالقُبلة واللمس، وإذا ثبت أنه ليس برجعة فلو أخرجها لخرجت مع بقاء العدة، وهذا لا يصح، وإذا ثبت لزفر أن السفر رجعة وقد سافر بها (قبل) (٢) انقضاء العدة وهي زوجة، فصارت كغير المطلقة، وإنما قلنا: إنه يستوي سفر الحج وغيره؛ لأن المقام في منزلها واجبٌ لا يستدرك بعد انقضاء العدة، وسفر الحج واجب يستدرك بعدها، فكان تقديم ما لا يستدرك ليجمع من الواجبين أولى.
стр. 2249
وقد قالوا فيمن خرجت محرمة (١) فطلقها الزوج وبينها وبين مصرها أقل من ثلاثة أيام، إنها ترجع وتصير بمنزلة الحضرة لما ذكرنا، فأما إذا راجعها الزوج فقد بطلت العدة، وعادت الزوجية فجاز له السفر بها.
قال بشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: لا يسافر بها، ليس من قبل أنه غير زوج وهو زوج بمنزلة المَحْرم، ولكن الله تعالى قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ وهذا التعليل [قد بيّن] (٢) أن الطلاق الرجعي لا يوجب التحريم.
١٩٧٦ - فصل: [المطلقة البائن تسافر في العدة]
قال: وكذلك المطلقة البائن والثلاث؛ وذلك لأنهن معتدات، والسفر بالمعتدة لا يجوز، ولأن الزوج هاهنا خرج من أن يكون زوجًا، فلا يجوز أن يسافر بها.
١٩٧٧ - مَسْألة: [طلاق الرجل امرأته في السفر]
وإذا خرج الرجل مع امرأته مسافرًا فطلقها في بعض الطريق، فإن كان بينها وبين مصرها الذي خرجت منه أقل من ثلاثة أيام رجعت إلى مصرها، سواء كان بينها وبين مقصدها ثلاثة أيام أو أقل من ذلك؛ لأنها تقدر أن تعود إلى منزلها من غير إنشاء سفر، فلزمها ذلك كمن طلقت وهي في المصر خارج بيتها، فأما إن كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعدا، وبينها وبين مقصدها أقل من ثلاثة أيام، فإنها تمضي؛ لأنها لا تحتاج في المضي إلى سفر، وتحتاج في عودها إلى
стр. 2250
سفر، وهي ممنوعة من السفر.
وقال أبو يوسف في سفر ثلاثة أيام وما دونها بغير محرم: إن كل واحد منهما ينهى عنه، والثلاث أشد في النهي، وأما إذا كان بينها وبين مصرها ثلاثة أيام فصاعدًا، وبينها وبين مقصدها ثلاثة أيام فصاعدًا، والمكان الذي هي فيه لا يصلح للإقامة، فإن شاءت مضت وإن شاءت رجعت.
فإذا بلغت إلى أدنى المواضع منها الذي يصلح للإقامة، أقامت فيه عند أبي حنيفة؛ وذلك لأنها تحتاج في مضيها إلى إنشاء سفر، وفي عودها إلى مصرها إنشاء سفر، والمكان الذي هي فيه لا تقدر أن تقيم فيه لما يُخشى عليها، فكانت مخيّرة في السفرين، إلا أنها إذا بلغت في طريقها إلى مكان يصلح للمقام أقامت فيه عند أبي حنيفة؛ لأن مكان الطلاق لو صلح للإقامة لم تتجاوزه، فإذا لم يصلح جاز لها المسير للضرورة.
فإذا بلغت إلى مكان يصلح للإقامة، زالت ضرورتها، فوجبت الإقامة، وأما إذا كان موضع الطلاق يصلح للإقامة، قال أبو حنيفة: تقيم فيه حتى تنقضي عدتها، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان معها مَحْرَمٌ مضت على سفرها، فإن لم يكن فكما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى (١).
وجه قول أبي حنيفة: أن المرأة في السفر تابعة لزوجها بدلالة أنه لو نوى الإقامة صارت مقيمة، ولو نوت الإقامة دونه، لم تكن مقيمة، فلما مات أو طلقها انقطع حكم سفرها التابع [له]، وصار الحكم يتعلق بنيتها، فخروجها إنشاء سفر في حال العدة، فلا يجوز من غير ضرورة.
стр. 2251
وجه قولهما: أن المرأة في العبادات يعتبر حكمها بنفسها، فإذا مضت فهي مستديمة للسفر وليست بمبتدئة فجاز، وأما إذا لم يكن معها مَحْرَمٌ فقولهما كقول أبي حنيفة؛ لأن عدم المحرم يمنع المرأة من المسير ثلاثة أيام فصاعدًا.
ولم يذكر أصحابنا حكم المسافرة بنفسها (مع محرم) إذا بلغها وفاة الزوج أو طلاقه، والذي يجب على تعليلهم لأبي حنيفة: أن يجوز أن تمضي عنده؛ لأن سفرها لم يكن تابعًا للزوج وإنما كان متعلقًا بنيتها، فهي باقية على السفر وليست مبتدئة فيجوز.
قال محمد: فإن كان الزوج قبل طلاقها نوى أن يقيم خمسة عشر يومًا ثم طلقها، لم يجز لها المضي في السفر؛ وذلك لأنها صارت مقيمة بإقامته، فلو سارت بعد الطلاق كانت منشئة للسفر في حال العدة، وهذا لا يجوز.
стр. 2252
بَابُ المعتدة متى يلحق نسب ولدها
قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا الباب أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذلك لما روي أن رجلًا تزوج امرأة فجاءت بولد لستة أشهر، فهمَّ عثمان (١) برجمها، فقال ابن عباس: أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخصمتكم، قال الله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٣] (٣)، فدل على أن مدة الحمل تكون ستة أشهر، فأما أكثره فسنتان، وقال الشافعي: أربع سنين (٤).
لنا: ما روي عن عائشة أنها قالت: (لا يبقى الولد في رحم أمه أكثر من سنتين ولو [بظل مغزل] (٥)) (٦)، وهذا لا يقال إلا من جهة التوقيف، فكأنها روت ذلك عن النبي ﵊، فإذا ثبت هذا قلنا: كل موضع كان الوطء مباحًا فمدة الحمل مقدرة
стр. 2253
بستة أشهر، ما لم يؤد ذلك إلى إثبات رجعه بالشك أو استحقاق مال بالشك، وكل موضع كان الوطء محظورًا فمدة الحمل مقدرة سنتين؛ وذلك لأن الواجب حمل أمر المسلمة على الصحة، فإذا تزوجها قدر الحمل بستة أشهر (حتى لا يؤدي إلى فساد نكاحها، فإذا أبانها قدرت مدة حملها بسنتين) (١) حتى يثبت نسب ولدها من الزوج، فإذا صَحَّ هذا قلنا: إذا طلق الرجل امرأته، فجاءت بولد ما بينه وبين سنتين ثبت نسبه؛ لأن الوطء محظور في الطلاق البائن، ومدة الحمل في الوطء المحظور مقدرة بسنتين، فوجب أن يثبت النسب، وإن جاءت به لأكثر من سنتين لم يثبت؛ لأنه [حمل حادث] (٢) جاءت به بعد البينونة فلم يثبت من الزوج، وأما المطلقة الرجعية فيثبت نسب ولدها ما بينها وبين سنتين؛ لأنها مدة الحمل، ولا يقدر حملها بستة أشهر، وإن كان الوطء مباحًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى إثبات الرجعة بالشك، ألا ترى أن الأمر يحمل على أنه وطئها بعد الطلاق ولا حاجة بنا إلى ذلك، وإن جاءت بولد لأكثر من سنتين [فقد] ثبت نسبه وكان رجعة؛ لأنه لا بد أن يكون لوطءٍ حادث، ووطؤها مباح للزوج، فلم يحمل أمرها على وطء غيره، فيحمل على أنه وطئها في العدة فصار مراجعًا، فيثبت نسب الولد وتصح الرجعة.
١٩٧٨ - فَصل: [المبتوتة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين]
وأما المبتوتة إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين فعند أبي حنيفة ومحمد: يحكم بانقضاء عدتها قبل الولادة لستة أشهر، وتردُّ د ما أخذت من النفقة، وقال أبو يوسف: تنقضي عدتها بوضع الحمل ولا يثبت نسبه ولا تَرُدُّ النفقة (٣).
стр. 2254
وجه قولهما: أن الولد لا بد أن يكون لوطءٍ حادث بعد الطلاق، فلا يجوز أن يحمل الأمر على أن الزوج وطئها؛ لأن وطئه محظور، ولا يجوز أن يحمل على أن أجنبيًا وطئها بشبهة، فلم يبق إلا أن يحمل على وطءٍ مباح، وهو أن عدتها [قد] انقضت وتزوجت، وأقل ما يجوز أن يكون الحمل فيه ستة أشهر، فوجب عليها رد النفقة في المدة التي حكمناها بانقضاء عدتها؛ ولأنا لو حملنا أمرها على أن أجنبيًا وطئها بشبهة سقطت النفقة عن زوجها؛ لأنهم قالوا في الزوجة إذا تزوجت فحبلت فلا نفقة على زوجها.
وأما أبو يوسف فقال: يجوز أن يكون وطئها أجنبي بشبهة، ويجوز أن يكون الزوج وطئها بشبهة، فلا ترد النفقة بالشك ولا يثبت النسب بالشك، وقد روى [بشر] عن أبي يوسف في كتاب الطلاق في هذه المسألة مثل قول أبي حنيفة وعلل، [وقال]: لأنها صارت مانعة لنفسها من الحمل فهو أكثر من النشوز.
قال أبو الحسن: فأما الصغيرة إذا طُلِّقت فجاءت بولد لتسعة أشهر، ولم تكن ادعت حملًا في الثلاثة الأشهر، فإن نسب ولدها لا يثبت عند أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن، وقال أبو يوسف: يثبت نسب الولد إن جاءت به لأقل من سبعة وعشرين شهرًا بساعة، وإن جاءت به لسبعة وعشرين شهرًا كاملًا لم يثبت.
قال: وجملة هذا أن الصغيرة إذا ادعت حملًا في مدة العدة، لم يحكم بانقضاء عدتها بمضي الشهور في قولهم [جميعًا]؛ لأن المرجع في البلوغ والحمل إلى قولها، فإذا ادعت فقد انتقلت عدتها عن الشهور، فصارت كذوات الحيض لا يحكم بانقضاء عدتهن إلا بإقرارهن، [فأما إذا لم تدّع] (١) حكمنا بانقضاء
стр. 2255
عدتها بمضي ثلاثة أشهر في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر؛ وذلك لأن عدتها الشهور، ألا ترى أن الأصل فيها عدم البلوغ، فنحن على الأصل حتى يحدث غيره.
وإذا حكمنا بانقضاء عدتها، صارت عند تمام الشهور كالبالغة إذا أقرت بانقضاء العدة، فيثبت نسب ولدها لأقل من ستة أشهر من حين إقرارها، وليس كذلك المتوفى عنها [زوجها]، فإنا لا نحكم بانقضاء عدتها بمضي الشهور؛ لأن عدتها يجوز أن تكون بالشهور ويجوز أن تكون بوضع الحمل، فما لم تقر بانقضاء عدتها، لم نحكم بأحد الأمرين (١).
وجه قول أبي يوسف: أن المراهقة يجوز أن تكون حبلت ونحن لا نعلم، فتقف عدتها على وضع الحمل، ويجوز أن تكون بلغت فتقف عدتها على الحيض، [فما لم تقر] (٢) لم نحكم بانقضاء عدتها كالمتوفى عنها، فإذا ثبت هذا الخلاف قال أبو يوسف: إن كانت مبتوتة ثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقلّ من سنتين من يوم الطلاق؛ لأنا نحكم بالعلوق قبل الطلاق، وإن جاءت به لسنتين لم يثبت؛ لأنه [بحمل] (٣) حادث بعد الطلاق، وإن كانت رجعية ثبت نسب ولدها إذا جاءت به لأقل من سبعة وعشرين شهرًا؛ لأنا نحكم [بأن] (٤) العلوق كان في مدة العدة فيصير به مراجعًا.
١٩٧٩ - فَصل: [ثبوت نسب الولد من المتوفى عنها زوجها]
فأما المتوفى عنها زوجها، فيثبت نسب ولدها ما بينها وبين سنتين (٥)، قال
стр. 2256
زفر: إذا لم تدَّعِ الحمل في مدة العدة وجاءت به [لعشرة] (١) أشهر وعشرة أيام لم يثبت.
وجه قولهم: أن المتوفى عنها يجوز أن تكون حاملًا فلا تنقضي عدتها بالأشهر، فما لم تقر لم يحكم بانقضاء عدتها كالعدة من الطلاق.
وجه قول زفر: أن الأصل عدم الحمل، فإذا مضت الأربعة الأشهر وعشرًا حكمنا بانقضاء عدتها فكأنها أقرت، فإن جاءت بولد بعد ذلك لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه وإلا لم يثبت، وحكى أبو الحسن مسألة الصغيرة.
١٩٨٠ - فَصل: [اعتراف المعتدة بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد]
قال أصحابنا: إذا اعترفت المعتدة بانقضاء عدتها، ثم أتت بولد لأقل من ستة أشهر ثبت نسبه، وإن جاءت به لتمام ستة أشهر لم يثبت، وقال الشافعي: ما لم تتزوج (٢).
لنا: أن إقرارها معنى صَحَّ من جهتها لم يحكم ببطلانه، فوجب أن يحمل على الصحة كتزويجها، وليس كذلك إذا جاءت بولد لأقل من ستة أشهر لأنا حكمنا ببطلان إقرارها؛ لأن الحمل لا يجوز أن يكون لأقل من ستة أشهر، فقد بان أنها أقرت وهي حامل.
١٩٨١ - فَصل: [الصغيرة المتوفى عنها زوجها إذا جاءت بولد]
وإذا كانت المتوفى عنها صغيرة، فجاءت بولد لأقل من عشرة (٣) أشهر
стр. 2257
وعشرة أيام لزم، وذلك لأنا حكمنا بانقضاء عدتها، وكانت حاملًا في العدة، فبطل ما حكمنا به وثبت نسب الولد.
١٩٨٢ - فصل: [ثبوت النسب بشهادة النساء]
وقد ذكر أبو الحسن في هذا الباب ثبوت النسب، ولم يذكر ما ثبت به، وجملة هذا: أن الزوجة إذا جاءت بولد فأنكر زوجها الولادة [فإنه يثبت النسب] (١) بشهادة امرأة ثقة، وقال الشافعي: لا يثبت إلا بشهادة أربع نسوة (٢).
لنا: ما روي أن النبي ﷺ أجاز شهادة القابلة في الولادة، ولأن ما جاز أن يقتصر فيه على قول النساء لم يشترط فيه العدد كالإخبار (٣).
١٩٨٣ - فَصل: [ثبوت النسب من المعتدة]
وأما المعتدة إذا جاءت بولد، فأنكر الزوج الولادة ولم يكن أقرَّ بالحبل ولا كان الحبل ظاهرًا، فإن النسب لا يثبت عند أبي حنيفة إلا بشهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وقال أبو يوسف ومحمد: يثبت بشهادة امرأة (٤).
لأبي حنيفة: أن العدة انقضت بوضع الحمل وصارت أجنبية، ونسب ولد الأجنبية لا يثبت بشهادة النساء، وليس كذلك الزوجة؛ لأن الولادة تثبت بشهادة
стр. 2258
النساء، والنسب يثبت بالفراش.
وحسب قولهما: إن هذا الولد جاءت به (١) على حكم الفراش، وحكم الفراش أقوى من نفس الفراش، ألا ترى أن ما جاءت به على الفراش ينتفي باللعان، وهذا لا ينتفي باللعان، وإذا ثبت ولادة الزوجة بقول امرأة فهذا أولى.
١٩٨٤ - فصل: [أثر إقرار الزوج بالحبل في ثبوت النسب]
فأما إذا أقر الزوج بالحبل أو كان ظاهرًا، فالقول قول المرأة في الولادة وإن لم تشهد لها قابلة عند أبي حنيفة، وقالا: لا يثبت إلا بشهادة امرأة.
لأبي حنيفة: أنه يثبت كون الولد في الرحم بإقراره أو ظهوره ولا بد له من الانفصال، فالقول قولها في انفصاله كدم الحيض.
وجه قولهما: أن كل ما يمكن أن يعلم من جهة غيرها لم يثبت بقولها، كسائر الحقوق، وليس كذلك الحيض؛ لأنه لا يعلم من جهة غيرها.
١٩٨٥ - فَصل: [أقل المدة التي تصدق المرأة فيها بانقضاء العدة]
ولم يذكر أبو الحسن أقل المدة التي تصدق المرأة فيها بانقضاء العدة، وقد قال أبو حنيفة: إنها لا تصدق إذا كانت حرة في أقل من شهرين، وقال أبو يوسف ومحمد: تسعة وثلاثين يومًا.
لأبي حنيفة على رواية محمد: أن انقضاء العدة فيما قالاه نادر، والأمين إذا ادّعى خلاف الظاهر لم يقبل قوله، كما لو قال الوَصِيُّ: أنفقت على الصغير
стр. 2259
ألف دينار في يوم، ولا يقال فقد قلتم إن المعتدة إذا لم تقر (١) بانقضاء عدتها عشرين سنة صدقتموها، وإن كان ذلك خلاف الظاهر؛ لأنا لا نصدقها بالظاهر، ولكن الأصل أنها معتدة، فنحن على يقين سابق لا ننتقل عنه بالشك، وإذا ثبت هذا فالظاهر أن من أراد الطلاق أوقعه في أول الطهر، فتعتد عقيب الطلاق وأقلّ الطهر خمسة عشر يومًا، ثم يثبت بعده حيض خمسة أيام؛ لأنه لا يجوز أن يحكم بحيض ثلاثة أيام؛ لأن ذلك نادر ولا تحيض عشرة أيام لأن ذلك نادر، فحكم بالوسط ثم بعده خمسة عشر طهر وخمسة حيض، وخمسة عشر طهر و خمسة حيض، وخمسة عشر طهر وخمسة حيض، فذلك ستون يومًا.
وروى الحسن عنه أنه قال: أحكم بالطلاق في آخر الطهر؛ لأنه لا ضرورة إلى إثباته في أوله؛ لأن طلاق السنة يجوز في أول الطهر وآخره، إلا أني أحكم في الحيض بعشرة أيام؛ لأني اعتبرت أقل الطهر، وفي ذلك تقصير (٢) العدة، فوجب أن يحكم بأكثر الحيض حتى لا يفوت حق الزوج من كل وجه فتبتدئ عقيب الطلاق على هذه الرواية بعشرة حيض وخمسة عشر طهر، وعشرة حيض وخمسة عشر طهر، وعشرة حيض، فذلك ستون يومًا، فاتفق الحكمان وإن اختلف الطريقان.
وجه قولهما: أن الأمين متى أمكن حمل قوله على الصحة لا يحمل على الفساد، ويجوز أن تكون صادقة في أنها حاضت أقل الحيض وطهرت أقل الطهر، وطلقها في آخر الطهر، فابتدأت بالعِدَّة عقيب الطلاق بثلاث حيض وخمسة عشر طهر، وثلاث حيض وخمسة عشر طهر وثلاثة حيض، فذلك تسعة وثلاثون يومًا.
стр. 2260
وأما الأمة [إذا اعتدت] فعند أبي حنيفة أقل ما تصدق فيه على رواية محمد أن يكون أربعين يومًا؛ لأنه يحكم عقيب الطلاق بخمسة عشر يومًا طهر وخمسة حيض وخمسة عشر طهر وخمسة حيض.
فأما على رواية الحسن: فتبتدئ بعشرة حيض وخمسة عشر طهر وعشرة حيض، فتنقضي العدة بخمسة وثلاثين يومًا، فاختلف حكم الروايتين في هذه المسألة.
فأما على قولهما فتصدق في أحد وعشرين يومًا؛ لأنهما يبتدئان بثلاث حيض وخمسة عشر طهر وثلاث حيض.
١٩٨٦ - فصل: [أقل المدة التي تصدق فيها النفساء]
وأما النفساء إذا كانت حرة، فقال أبو حنيفة في رواية محمد: لا تصدق في أقل من خمسة وثمانين يومًا، إلا أنه يثبت النفاس خمسة وعشرين يومًا؛ لأنه لو أثبت أقل من ذلك، احتاج أن يثبت بعده طهر خمسة عشر يومًا، ثم يحكم بالدم فيبطل الطهر؛ لأن من أصله أن الدمين في الأربعين لا يفصل بينهما طهر، وإن كثر فجعل النفاس خمسة وعشرين يومًا، حتى يثبت بعده طهر خمسة عشر، فيقع الدم بعد الأربعين، وإذا كان كذلك كان بعد الأربعين خمسة حيض وخمسة عشر طهر وخمسة حيض وخمسة عشر طهر، وخمسة حيض، وذلك خمسة وثمانون يومًا.
وأما على رواية الحسن: فمائة يوم؛ لأنه يثبت بعد الأربعين عشرة حيض وخمسة عشر طهر وعشرة حيض وخمسة عشر طهر وعشرة حيض.
стр. 2261
وأما أبو يوسف فقال: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يومًا؛ لأنه يحكم بأحد عشر يومًا نفاس؛ لأن العادة أن أقل النفاس يزيد على أكثر الحيض، ثم يثبت [بعده] خمسة عشر يومًا طهر وثلاثة حيض وخمسة عشر طهر وثلاثة حيض، وخمسة عشر يومًا طهر وثلاثة حيض.
وأما محمد فقال: أربعة وخمسين يومًا وساعة؛ لأن أقل النفاس ما وجد من الدم، فيحكم بنفاس ساعة وبعده خمسة عشر يومًا طهر وثلاثة حيض وخمسة عشر طهر وثلاثة حيض وخمسة عشر طهر وثلاثة حيض.
وأما إن كانت أمَةً فعلى رواية محمد عن أبي حنيفة: لا تصدق في أقل من خمسة وستين يومًا؛ لأنه يثبت بعد الأربعين خمسة حيض وخمسة عشر طهر وخمسة حيض.
وعلى رواية الحسن: خمسة وسبعين يومًا؛ لأنه يثبت بعد الأربعين عشرة حيض وخمسة عشر طهر وعشرة حيض.
فأما أبو يوسف فقال: سبعة وأربعين؛ لأنه يثبت أحد عشر نفاسًا وخمسة عشر طهرًا وثلاثة حيض وخمسة عشر طهر وثلاثة حيض.
وأما محمد فقال: ستة وثلاثين يومًا وساعة؛ لأنه يثبت ساعة نفاسًا وخمسة عشر طهرًا وثلاثة حيضًا وخمسة عشر طهرًا وثلاثة [حيض. آخر الطلاق].
стр. 2262
[٥٠] كتاب العِتاق (١)
قال الشيخ ﵀: العتق: إسقاط الحق عن الرق، والحقوق تسقط الحق عنها بالإسقاط، فإسقاط الحق عن الرق عتق، وعن استباحة البضع طلاق، وعن الديون براءة، وأما الأعيان فلا يصح إسقاط الحق عنها؛ وذلك لأن المالك إذا أسقط حقه بقيت العين غير منتقلة بالإسقاط فلم يسقط حقه، وأما الحقوق فإذا أسقط حقه عنها سقطت ولم يبق هناك شيء يحتاج إلى النقل؛ فلذلك سقط الحق عنها بالإسقاط.
والأصل في جواز وقوع العتق: أن الله افترضه علينا في الكفارات، ولا
стр. 2263
يصح أن يفترض [ما لا يريد، ونَدَبَنا] (١) إليه بقوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، ولا يندب إلا إلى ما يصح فعله وهو مما ندب إليه.
والدليل على ذلك: ما روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أيما مؤمن أعتق مؤمنًا في الدنيا أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار" (٢)، وفي حديث أبي ذر أن النبي ﵊ قال: "خير الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله"، قلت: وأي الرقاب خير؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها" (٣)، وفي حديث واثلة بن الأسقع قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: "أعتقوا عنه، يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار" (٤)، وفي حديث البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة، قال: "لئن كنت أقصرت الخطبة، فقد عرضت المسألة، فك الرقبة وأعتق النسمة" قال: أَو ليستا بواحدة؟ قال: "لا، عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها" (٥)، وعن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع رسول الله ﵊ الطائف فسمعته يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة، ومن شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة، وأيما مسلم أعتق رجلًا مسلمًا كان له وقاء كل عظم من عظامه عظم من عظام محررة من النار، وأيما
стр. 2264
امرأة أعتقت امرأة مسلمة كان لها وقاء، كل عظم من عظامها عظم من عظام محررتها من النار" (١).
стр. 2265
بَاب اللفظ الذي يقع به العتاق [الصحيح وما في معناه]
قال الشيخ رحمه الله تعالى: ألفاظ العتاق على ضربين: صريح وكناية، فالصريح: لفظ الحرية، والعتق، والولاء وما تفرع منها، وهي على ثلاثة أضرب:
١ - إخبار، كقوله: قد أعتقتك وحررتك.
٢ - وصفة، كقوله: أنت حر، وأنت عتيق.
٣ - ونداء، كقوله: يا حر، ويا مولاي.
فأما الحرية والعتق فهو الصريح؛ وذلك لأن أهل اللغة استعملوها في هذا المعنى ووضعوها له، ولأن الحرية عبارة عن إسقاط الحقوق، يقال: أرض حرة، إذا لم يكن عليها خراج، وإسقاط حق المولى عن مملوكه إنما يكون ببطلان رِقّه، وإنما قلنا: إن الإخبار عن هذه الألفاظ يقع بها الحرية؛ لأن الواجب حمل أمر المسلم على الإخبار بالصدق دون الكذب؛ وذلك لا يكون إلا بعد تقدم العتق.
فأما الصفة إذا قال: أنت حر أو أنت عتيق، فهو صريح الإيقاع؛ ولأن الظاهر أنه وصفه بصفة أن تلك الصفة موجودة، فأما إذا قال: أنت مولاي، فهذه اللفظة مشتركة في اللغة يعبر بها عن النصرة، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وأراد الناصر، ولا يجوز أن يكون قوله لعبده: [يا] مولاي، يريد به النصرة؛ لأن المولى لا يستنصر بعبده،
стр. 2266
وقد يعبر بالمولى عن ابن العم، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] ولا يجوز أن يكون هذا [هو] المراد؛ لأن نسب العبد [غير] معروف، وقد روي أنه يعبر بالمولى عن المعتق، وهو المولى الأعلى، ولا يجوز أن يكون مراده؛ لأن العبد لا يعتق، مولاه فلم يبق إلا أن يكون المراد به مولاي الذي أنعمت عليه؛ [فلذلك] (١) كان صريحًا في الحرية.
وأما ألفاظ النداء مثل قوله: يا حر، ويا عتيق ويا معتَق، ويا مولاي، فإن الحرية تقع بها؛ لأن الظاهر أنه موصوف بهذه الصفة حين ناداه بها.
وقد قال أصحابنا: إن هذه الألفاظ يقع بها العتق، نوى أو لم ينوِ؛ لأن كل ما كان صريحًا في موضوعه لم يفتقر إلى النية، كصريح الطلاق، وقالوا: إن قال: عنيت [أنه حر] (٢) من العمل، أو مولاي في الدين لم يصدق في القضاء؛ لأنه نوى خلاف ظاهر لفظه، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الكلام يحتمله (٣).
وأما قول أبي الحسن: أنه إذا قال: أنت حر لوجه الله عتق، فإن ذكر وجه الله تعالى ليس بشرط في العتق، وإنما هو على طريق التأكيد، وليتبين أنه قصد بالعتق القربة.
وقد ذكر محمد في الأصل: أن من قال لعبده أنت حر لوجه الشيطان عتق؛ لأنه ذكر الحرية ونفى القربة عنها، فانتفاء القربة لا يمنع من وقوع [العتق] (٤)،
стр. 2267
وعلى هذا قالوا: لو قال لعبده: أنت حر من عمل كذا، أو أنت حر اليوم من هذا العمل عتق في القضاء؛ لأنه أعتقه في زمان دون زمان، وأعتقه من عمل دون عمل، والمعتق في زمان معتق في كل زمان والمعتق من عمل معتق من كل عمل.
ومما يلحق بالصريح وليس موضوعًا للعتق قوله: وهبت لك نفسك، وبعتكَ نفسك، إن العتق يقع بذلك قَبلَ العبد أو لم يَقْبَلْ؛ لأن الهبة والبيع يقتضيان زوال الملك وانتقاله إلى المشتري والموهوب له، والعتق [يقع] بزوال ملك المولى عن الرق ولا ينتقل الرق إلى العبد، فكأنه أتى بلفظ الحرية وزيادة، وإنما لم يجعل هذا صريحًا؛ لأنه ليس بموضوع في اللغة للعتق، إلا أنه ملحق بالصريح، بمعنى أنه لا يفتقر إلى نية في وقوع العتق به، وإنما لا يفتقر إلى القبول؛ لأن قبول الموهوب [له] والمشتري يحتاج إليه ليدخل الشيء في ملكه، والرق لا يدخل في ملك العبد فلا يقف العتق على قبوله.
وقد قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: وهبت لك نفسك، وقال: أردت [به] أني وهبت له عتقه، بمعنى: أني لا أعتقه، لم يصدق في القضاء؛ وذلك لأن اللفظ الذي وضع لإزالة الملك، إذا استعمل في تبقية الملك فقد ترك ظاهره، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه.
وقد روى معلى عن أبي يوسف فيمن قال لعبده: أنت مولى فلان، [أو معتق فلان] أنه يعتق في القضاء؛ وذلك لأنه يصفه بالحرية من جهة غيره، فاقتضى ذلك صحة الصفة، وهذا لا يكون إلا وفلان كان مالكًا فأعتقه.
قال: فإن قال له أعتقك فلان، فليس بشيء؛ لأنه أضاف العتق إلى من ليس
стр. 2268
بمالك في الظاهر، فلا يقع به شيء.
١٩٨٧ - فَصْل [إضافة الحرية إلى جزء من أجزاء البدن]
قال أبو الحسن: وكذلك إن قال: رأسك حرٌّ، أو بَدَنك حُرٌّ، والأصل في هذا: أنه إذا أضاف الحرية إلى الرقبة أو إلى ما يعبر به عنها وقع العتق، وكذلك إن أضافه إلى [جزءٍ شائع] (١) وقع على ذلك [الجزء]، وإن أضافه إلى جزء معين لا يعبر به عن الجملة لم يعتق، والكلام في هذه المسألة قد قدمناه في الطلاق (٢).
стр. 2269
بَابُ اللفظ الذي لا يقع به الحرية إلا أن يريدها
قال الشيخ: قد بيّنّا في الباب الأول صريح العتق، وهذا الباب يتضمن بيان الكناية.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال لعبده: لا سبيل لي عليك، فإن نوى العتق فهو حر، وإن لم ينو فهو رقيق؛ وذلك لأن المولى قد يقول لعبده: لا سبيل لي عليك باللوم والعقوبة؛ لأنك وفيت بالخدمة وفعلت ما أمرتك، وقد يقول: لا سبيل لي عليك؛ لأني كاتبتك فزالت يدي عنك، ولا سبيل لي عليك لأني أعتقتك، فإذا احتمل اللفظ العتق وغيره لم يقع العتق إلا بالنية.
وكذلك إذا قال: لا ملك لي عليك؛ لأنه يحتمل لأني بعتك، أو لأني أعتقتك، فلا يقع أحدهما إلا بالنيّة.
وكذلك: خَرجت من ملكي، يحتمل البيع والعتق، وكذلك إذا قال: قد خليت سبيلك؛ لأنه يحتمل خليت سبيلك فلا أستخدمك، ويحتمل أعتقتك (١).
قال محمد: فإن قال: لا سبيل لي عليك إلا سبيل الولاء، فهو حُرٌّ في القضاء ولا يصدق [أنه أراد] (٢) غير العتق؛ لأنه نفى كل سبيل وأثبت الولاء، وذلك لا يكون إلا بعد الحرية.
стр. 2270
قال: فإن قال: إلا سبيل الموالاة دُيِّنَ في القضاء؛ لأن إطلاق الموالاة تقتضي الموالاة في الدين، وإن جاز أن يعبَّر بها عن ولاء العتق.
١٩٨٨ - فَصْل: [في وصفه بالحرية]
قال ابن سماعة عن محمد: إذا قال لمملوكه: نسبك حر أو أصلك حُرٌّ، [أو أبواك]، فإن كان يعلم أنه سبي لا يعتق؛ لأن المسبي لنسبه حر وأبواه حران فهو صادق في قوله، وإن لم يكن سبي فهو حر؛ لأن حرية الأبوين تقتضي حرية الولد إلا أن يطرأ الرق، والرِّقُّ إنما يطرأ بالسبي، وليس بمسبي فلم يبق إلا أنه وصفه بالحرية.
١٩٨٩ - فصل: [في وصفه بما يحتمل الحرية]
قال أبو يوسف: إذا قال لعبده: أنت الله، لم يعتق في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن نوى العتق عتق.
وجه قول أبي حنيفة: أنه موصوف بهذه الصفة قبل العتق وبعده على وجه واحد، والعتق إنما يقع بالصفة التي لا يوصف بها المملوك، فأما ما يوصف بها فلا يقع، كقوله: أنت أسود أو طويل.
وجه قول أبي يوسف: أن العتق يقع لله، فإذا قال: أنت الله، فقد ذكر ما يحتمل الحرية ونواها فيقع.
١٩٩٠ - فصل [في عبارات تتضمن معنى القربة]
ولو قال: أنت عبد الله، ونوى العتق لم يعتق عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
стр. 2271
أما أبو حنيفة فقوله ظاهر؛ لأن العبد يوصف بهذه الصفة قبل العتق وبعده، وأما أبو يوسف فقال: إذا قال: أنت الله، فهذه اللفظة تستعمل فيما [جعل للقُربة] (١)، وهذا يتضمن معنى العتق، فأما قوله: أنت عبد الله، فلا يتضمن معنى القربة، فلذلك لم يقع به العتق.
قال معلى: قال أبو يوسف: إذا قال قد جعلتك الله، في صحته أو في مرضه، وقال: لم أنوِ العتق، أولم يقل شيئًا حتى مات فإنه يباع، فإن نوى العتق فهو حر، وإن قال هذا في مرضه فمات قبل أن [يُبيِّن] (٢) فهو عبد أيضًا؛ وذلك لأنه يحتمل أن يريد بهذا اللفظ النذر ويحتمل العتق، فلا يقع أحدهما إلا بنية، ولا يجوز أن يلزم الورثة بعد الموت الصدقة؛ لأن النذر يسقط بالموت عندنا.
١٩٩١ - فصل: [عبارات لا تصلح للعتق]
وقال الفضل بن غانم عن أبي يوسف فيمن قال لأَمَته: قد أطلقتكِ، يريد العتق، قال: تعتق؛ لأن الإطلاق يقتضي زوال اليد، وقد يزيل المولى يده عن عبده بالعتق وبغيره، فإذا نوى العتق عتق به، قال: وإن قال: [قد] طلقتك، يريد العتق لم يكن عتقًا، وهذا من مسائل الباب الذي يلي هذا الباب، وهو ما لا يصلح للعتق وإن نوى به.
قال: فإن قال: فرجك عليّ، حرام يريد العتق لم يكن عتقًا؛ لأن الرق يجتمع مع التحريم، ألا ترى أنه يشتري أخته من الرضاعة، وجارية قد وطئ أمها أو بنتها (٣)، فلم يكن في التحريم دلالة على العتق.
стр. 2272
وروى ابن سماعة عن محمد عن أبي يوسف في نوادره فيمن قال لعبده: أ ن ت ح ر، أو قال لزوجته: أنت طالق، فتهجأ ذلك هِجاءً، قال: إن نوى به العتق والطلاق وقع؛ لأن هذه [الحروف] يفهم منها ما هي عبارة عنه كالكلام، إلا أنهم لم يجعلوها صريحًا؛ لأنها لم توضع للمعنى وإن أرادوا به (١) فصار كالكتابة المفيدة للمعنى، وإن لم توضع [له]، فتقف على النيَّة (٢).
стр. 2273
بَابُ ما لا يقع به الحرية وإن نوى
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قال لعبده: يدك حر، أو ساقك حُرٌّ، أو رجلك حُرٌّ، أو شعرك حُرٌّ، (فإن نوى لا يعتق وإن أراد العتق) (١)، وهذا قد بيناه وذكرنا أنه إذا أضاف العتق إلى جزء معين لا يعبر به عن الجملة لا يعتق، كما إذا أضاف [إليه] الطلاق لم تطلق، ويجوز أن يقال: فكل ما لو أضاف إليه البيع لا يصح، إذا أضاف إليه العتق لم يقع على الجملة، وأما إذا أضاف إليه البيع كان بائعًا للجملة، إذا أضاف إليه العتق وقع.
١٩٩٢ - فضل [نفي السلطان في العتق]
قال في الأصل: إذا قال: لا سلطان لي عليك، ونوى العتق لم يعتق (٢)؛ وذلك لأن نفي السلطان قد يجتمع مع الرق في المكاتب، فلم يفد ذلك الحرية، وليس كذلك السبيل؛ [لأنه لا ينتفى] (٣) مع الرق، ألا ترى أن للمولى على مكاتبه سبيل في المطالبة بمال الكتابة.
١٩٩٣ - فَصل: [نفي اليد في العتق]
قال محمد: فإن قال لعبده: اذهب حيث شئت، أو توجه أين شئت من بلاد
стр. 2274
الله، يريد به العتق لم يعتق؛ وذلك لأنه رفع يده عنه، ورفع اليد لا ينافي الرق كالمكاتب.
١٩٩٤ - فصل: [وقوع العتق بكناية الطلاق]
ولو قال لعبده: قد بنتَ مني، أو كانت أمةً فقال لها: أنتِ طالق، أو قد بنتِ مني، أو حرّمتك، أو أنتِ خلية، أو بريّة، أو بتة، أو اخرجي، [أو اعتدي] (١)، أو استبرئي، أو تقنّعي، أو اختاري، فاختارت وهو ينوي العتق، فذلك [كله] باطل (٢)، وقال الشافعي: إذا نوى بالطلاق (الحرية وقعت) (٣).
لنا: أن ما (لا يملك بلفظ النكاح لا يزول) (٤) الملك عنه بلفظ الطلاق كسائر الأعيان، ولأن الطلاق في الموضع الذي جعل صريحًا لا يزيل الملك بنفسه، ففي الموضع الذي جعل كناية أولى [أن لا يزيل]، وإذا ثبت أن العتق لا يقع بلفظ الطلاق الصريح، فكذلك كناية الطلاق، وكذلك ألفاظ التحريم؛ لأن التحريم يجتمع مع الرق.
١٩٩٥ - فَصل [هل التشبيه يقتضي المشاركة في الحكم؟]
قال محمد: إذا قال لعبده: رأسك رأس حُرّ، أو بدنكَ بدنُ حر، أو فرجكَ فرج حر، لم يعتق؛ وذلك لأن هذا تشبيه، والشيء إذا شُبِّه بالشيء لم يقتض مشاركته في كل صفاته، فلا يعتق.
стр. 2275
قال: ولو نوَّن فقال: رأسك رأس حر، أو بدنك بدن حر،، أو فرجك فرج حر فهو حر؛ وذلك لأن هذه صفة وليس بتشبيه، ومتى وصف العبد أو بما يعبر به عن جملته بالحرية، [وقعت].
١٩٩٦ - فَصْل [الإثبات يقتضي العتق]
وقال في الأصل: إذا قال: ما أنت إلا مثل الحر، أو أنت مثل الحر، لم يعتق في القضاء، ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن هذا تشبيه، وقد بينا أن التشبيه لا يقتضي المشاركة في كل الصفات، وليس كذلك إذا قال: ما أنت إلا حر؛ لأنه نفي وإثبات، وهذا تأكيد للإثبات كقولهم: لا إله إلا الله، وإثبات الحرية يقتضي العتق.
وقد روى مُعَلَّى عن أبي يوسف فيمن قال: كُلُّ مالي حر، وله عبيد لم يعتقوا؛ لأن المال لا يوصف بالحرية التي هي العتق، فلما جمع بين العبيد وغيرهم من الأموال عُلِمَ أنه أراد الحرية التي يوصف الجميع بها، وذلك إسقاط حق الغير عنه وزوال اعتراضه فيه (١).
стр. 2276
باب العتق بدعوى النسب
قال الشيخ ﵀: الأصل في الباب أن من وصَف مملوكه بصفة من يعتق عليه إذا ملكه فهو على وجهين:
أحدهما الصفة: مثل أن يقول: هذا ابني أو هذه ابنتي، [أو أمي] أو هذا عمي أو أبي أو خالي [أو أخي]، فإنه يعتق في رواية الحسن في جميع ذلك، وقال في الأصل: يعتق في جميعها إلا في قوله: هذا أخي وهذه أختي فإنه لا يعتق (١)، وإنما عتق بهذه الصفات؛ لأن قوله هذا ابني، يقتضي الحرية، ومَنْ وصف مملوكه بصفة الحرية عتق عليه، ولأنه لم يبح في الشريعة (استعمال) (٢) لفظ الأبوة والبُنُوَّة على وجه الإكرام، فلم يبق إلا أن يكون حقق الصفة فيعتق، فأما إذا قال: هذا أخي، فإنه يعتق في رواية الحسن؛ لأنه وصفه بصفة مَنْ يعتق عليه على طريق التحقيق فصار كقوله: هذا خالي أو عمي.
وجه رواية الأصل: أن هذه اللفظة قد أبيح استعمالها في الشريعة على طريق [التحقيق] (٣) والإكرام، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وإذا أبيحت هذه اللفظة احتمل أن يكون أراد الإكرام، فلم يقع بها العتق.
стр. 2277
وأما القسم الثاني: فهو أن يذكر الصفة على وجه النداء، فلا يعتق في جميع الأوصاف إلا في قوله: يا مولاي ويا مولاتي، ويا حر؛ وذلك لأن هذه الألفاظ تستعمل في النداء على طريق الإكرام في الغالب، ولا يراد بها [التحقيق] (١)، فلم تحمل على العتق من غير نية، فأما إذا قال: يا مولاي، عتق عندنا، وقال زفر: لا يعتق (٢).
لنا: أن [هذه اللفظة] (٣) لا تستعمل مع العبد على طريق الإكرام في العادة، فصار كقوله: هذا مولاي.
وجه قول زفر: أنه تستعمل [هذه اللفظة] على طريق التعظيم، [فصار] كقوله: يا سيدي، فأما إذا قال: يا مالكي ويا سيدي لم يعتق (٤).
قال محمد: لأنا إنما أعتقناه في قوله: يا مولاي؛ لأجل الولاء لأجل الملك، وهذا صحيح؛ لأن قوله: يا سيدي ويا مالكي، يذكر على التعظيم فلا يقع به الحرية، فأما إذا قال: يا حُرُّ، فإنه صرح بالحرية؛ وذلك لأنه لا يذكر على طريق الإكرام، وإنما يذكر على وجه الصفة، وقال عمرو: قال محمد إلا أن يكون اسم العبد حرًا يُعرف بذلك فلا يعتق؛ لأن النداء يحمل على الاسم دون الصفة.
١٩٩٧ - فصل: [في قول من لا يولد لمثله هذا ابني]
قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: هذا ابني، ومثله لا يولد لمثله، أو قال: هذا
стр. 2278
أبي، ومثله لا يلد مثله عتق [عليه]، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، وهو قول أبي حنيفة الأول، وأما إذا قال لمعروف النسب: هذا ابني، [فإنه يعتق في قولهم] (١)، (أو قال لجاريته: هذه أمي، وله أم معروفة فإنه يعتق الجارية في قولهم) (٢).
وجه قول أبي حنيفة: أن قوله: هذا ابني، يتضمن حرية مُوْقَعَة مع النسب، وكل واحد من الأمرين ينفرد عن ينفرد عن الآخر، ألا ترى أن المأذون (يشتري ابنه ولا يعتق) (٣)، والأجنبي يعتق عبده ولا نسب بينهما، وإذا أَقرَّ بما يتضمن الأمرين وأحدهما ينفرد على الآخر، صار كأنه قال: هذا ابني وهو حر، ولأن الحرية المضمنة بالنسب يجوز أن يثبت وإن لم يثبت النسب، كمن قال لمعروف النسب: هذا ابني، ولا يلزم إذا قال لامرأته ومثله لا يلد مثلها هذه بنتي، أن الفرقة لا تقع؛ وذلك لأن هذا الإقرار لا يتضمن فرقة موقعة، وإنما يقتضي نفي النكاح لأجل النسب، وإذا لم يثبت النسب لم يتعلق به حكم الفرقة.
يبيّن الفرق بينهما: أنه لو قال لزوجته وهي معروفة النسب: هذه ابنتي، لم تقع الفرقة، وبمثله يقع العتق، وإنما افترقا لما قدمنا.
وكذلك لو قال لزوجته ومثله يلد مثلها: هذه بنتي، ثم قال وهمت (٤) أو أخطأت، لم تقع الفرقة، ولو قال لعبده: هذا ابني، ثم قال: وهمت وأخطأت وقع العتق لما بينا.
стр. 2279
وجه قولهما: أنه أقر بالنسب، والحرية من أحكامه، وقد علمنا أنه كذب في النسب، فلا تثبت الحرية بحكمه، كما لو قال لزوجته وهي أكبر منه: هذه ابنتي، [قالا]: وليس كذلك المعروف النسب؛ لأنه يجوز أن تكون ابنته من الزنا، ومن يملك ابنة من الزنا عتقت عليه، فكأنما قالا: البُنُوَّة مستحيلة، والعتق لا يثبت بحكمها، وما لم يكن مستحيلًا في الصورة وإنما يستحيل حكمًا يثبت به العتق، وهذا الفرق ليس بصحيح؛ لأنهم قالوا في النكاح: إذا قال لمعروفة النسب: هذه ابنتي، لم تقع الفرقة، وإن كان لا يجوز أن يتزوج بابنته من الزنا.
стр. 2280
بَابُ التدبير
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: التدبير: أن يستحق العبد العتق بموت مالكه، على أي وجه مات وبأيّ سبب مات.
قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا أن التدبير مأخوذ من العتق الواقع عن دُبُر من الإنسان، وحقيقته: أن يعلق عتق مملوكه بموته على الإطلاق.
والأصل في جواز التدبير: أنه عتق معلق بشرط، فصار كتعليقه بدخول الدار، ولأن الموت يؤثر في زوال الملك، والتدبير يمنع من دخول المدبر في ملك الورثة فهو كالوصايا، وأما إذا عَلَّقَ العتق بموت بصفة أو بموت ومعنى آخر فليس بمدبر؛ لأن التدبير فرع الاستيلاد، والاستيلاد يتعلق العتق فيه بالموت [على الإطلاق] (١)، ولأنه لم يقصد إيجاب القربة في الحال، ألا ترى أن من أراد القربة لم يخصها بموت من مرض دون مرض أو بالموت وبمعنى آخر، فصار ذلك صريح العتق المعلق بالشرط، وإذا وجد الموت بالصفة التي شرطها عتق ولم يكن مدبرًا، فأما إذا أطلق التعليق بالموت فقد قصد إيجاب القربة في الحال، فيثبت حكم الحرية وتعلق الولاء بها؛ فلذلك لم يجز التصرف فيه.
١٩٩٨ - فَصْل: [في ألفاظ التدبير]
والتدبير يقع بصريح اللفظ، مثل أن يقول: دبرتك، ويقع بلفظ اليمين، مثل