باب العتق بدعوى النسب
قال الشيخ ﵀: الأصل في الباب أن من وصَف مملوكه بصفة من يعتق عليه إذا ملكه فهو على وجهين:
أحدهما الصفة: مثل أن يقول: هذا ابني أو هذه ابنتي، [أو أمي] أو هذا عمي أو أبي أو خالي [أو أخي]، فإنه يعتق في رواية الحسن في جميع ذلك، وقال في الأصل: يعتق في جميعها إلا في قوله: هذا أخي وهذه أختي فإنه لا يعتق (١)، وإنما عتق بهذه الصفات؛ لأن قوله هذا ابني، يقتضي الحرية، ومَنْ وصف مملوكه بصفة الحرية عتق عليه، ولأنه لم يبح في الشريعة (استعمال) (٢) لفظ الأبوة والبُنُوَّة على وجه الإكرام، فلم يبق إلا أن يكون حقق الصفة فيعتق، فأما إذا قال: هذا أخي، فإنه يعتق في رواية الحسن؛ لأنه وصفه بصفة مَنْ يعتق عليه على طريق التحقيق فصار كقوله: هذا خالي أو عمي.
وجه رواية الأصل: أن هذه اللفظة قد أبيح استعمالها في الشريعة على طريق [التحقيق] (٣) والإكرام، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وإذا أبيحت هذه اللفظة احتمل أن يكون أراد الإكرام، فلم يقع بها العتق.
стр. 2277
وأما القسم الثاني: فهو أن يذكر الصفة على وجه النداء، فلا يعتق في جميع الأوصاف إلا في قوله: يا مولاي ويا مولاتي، ويا حر؛ وذلك لأن هذه الألفاظ تستعمل في النداء على طريق الإكرام في الغالب، ولا يراد بها [التحقيق] (١)، فلم تحمل على العتق من غير نية، فأما إذا قال: يا مولاي، عتق عندنا، وقال زفر: لا يعتق (٢).
لنا: أن [هذه اللفظة] (٣) لا تستعمل مع العبد على طريق الإكرام في العادة، فصار كقوله: هذا مولاي.
وجه قول زفر: أنه تستعمل [هذه اللفظة] على طريق التعظيم، [فصار] كقوله: يا سيدي، فأما إذا قال: يا مالكي ويا سيدي لم يعتق (٤).
قال محمد: لأنا إنما أعتقناه في قوله: يا مولاي؛ لأجل الولاء لأجل الملك، وهذا صحيح؛ لأن قوله: يا سيدي ويا مالكي، يذكر على التعظيم فلا يقع به الحرية، فأما إذا قال: يا حُرُّ، فإنه صرح بالحرية؛ وذلك لأنه لا يذكر على طريق الإكرام، وإنما يذكر على وجه الصفة، وقال عمرو: قال محمد إلا أن يكون اسم العبد حرًا يُعرف بذلك فلا يعتق؛ لأن النداء يحمل على الاسم دون الصفة.
١٩٩٧ - فصل: [في قول من لا يولد لمثله هذا ابني]
قال أبو حنيفة: إذا قال لعبده: هذا ابني، ومثله لا يولد لمثله، أو قال: هذا
стр. 2278
أبي، ومثله لا يلد مثله عتق [عليه]، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، وهو قول أبي حنيفة الأول، وأما إذا قال لمعروف النسب: هذا ابني، [فإنه يعتق في قولهم] (١)، (أو قال لجاريته: هذه أمي، وله أم معروفة فإنه يعتق الجارية في قولهم) (٢).
وجه قول أبي حنيفة: أن قوله: هذا ابني، يتضمن حرية مُوْقَعَة مع النسب، وكل واحد من الأمرين ينفرد عن ينفرد عن الآخر، ألا ترى أن المأذون (يشتري ابنه ولا يعتق) (٣)، والأجنبي يعتق عبده ولا نسب بينهما، وإذا أَقرَّ بما يتضمن الأمرين وأحدهما ينفرد على الآخر، صار كأنه قال: هذا ابني وهو حر، ولأن الحرية المضمنة بالنسب يجوز أن يثبت وإن لم يثبت النسب، كمن قال لمعروف النسب: هذا ابني، ولا يلزم إذا قال لامرأته ومثله لا يلد مثلها هذه بنتي، أن الفرقة لا تقع؛ وذلك لأن هذا الإقرار لا يتضمن فرقة موقعة، وإنما يقتضي نفي النكاح لأجل النسب، وإذا لم يثبت النسب لم يتعلق به حكم الفرقة.
يبيّن الفرق بينهما: أنه لو قال لزوجته وهي معروفة النسب: هذه ابنتي، لم تقع الفرقة، وبمثله يقع العتق، وإنما افترقا لما قدمنا.
وكذلك لو قال لزوجته ومثله يلد مثلها: هذه بنتي، ثم قال وهمت (٤) أو أخطأت، لم تقع الفرقة، ولو قال لعبده: هذا ابني، ثم قال: وهمت وأخطأت وقع العتق لما بينا.
стр. 2279
وجه قولهما: أنه أقر بالنسب، والحرية من أحكامه، وقد علمنا أنه كذب في النسب، فلا تثبت الحرية بحكمه، كما لو قال لزوجته وهي أكبر منه: هذه ابنتي، [قالا]: وليس كذلك المعروف النسب؛ لأنه يجوز أن تكون ابنته من الزنا، ومن يملك ابنة من الزنا عتقت عليه، فكأنما قالا: البُنُوَّة مستحيلة، والعتق لا يثبت بحكمها، وما لم يكن مستحيلًا في الصورة وإنما يستحيل حكمًا يثبت به العتق، وهذا الفرق ليس بصحيح؛ لأنهم قالوا في النكاح: إذا قال لمعروفة النسب: هذه ابنتي، لم تقع الفرقة، وإن كان لا يجوز أن يتزوج بابنته من الزنا.
стр. 2280
بَابُ التدبير
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: التدبير: أن يستحق العبد العتق بموت مالكه، على أي وجه مات وبأيّ سبب مات.
قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا أن التدبير مأخوذ من العتق الواقع عن دُبُر من الإنسان، وحقيقته: أن يعلق عتق مملوكه بموته على الإطلاق.
والأصل في جواز التدبير: أنه عتق معلق بشرط، فصار كتعليقه بدخول الدار، ولأن الموت يؤثر في زوال الملك، والتدبير يمنع من دخول المدبر في ملك الورثة فهو كالوصايا، وأما إذا عَلَّقَ العتق بموت بصفة أو بموت ومعنى آخر فليس بمدبر؛ لأن التدبير فرع الاستيلاد، والاستيلاد يتعلق العتق فيه بالموت [على الإطلاق] (١)، ولأنه لم يقصد إيجاب القربة في الحال، ألا ترى أن من أراد القربة لم يخصها بموت من مرض دون مرض أو بالموت وبمعنى آخر، فصار ذلك صريح العتق المعلق بالشرط، وإذا وجد الموت بالصفة التي شرطها عتق ولم يكن مدبرًا، فأما إذا أطلق التعليق بالموت فقد قصد إيجاب القربة في الحال، فيثبت حكم الحرية وتعلق الولاء بها؛ فلذلك لم يجز التصرف فيه.
١٩٩٨ - فَصْل: [في ألفاظ التدبير]
والتدبير يقع بصريح اللفظ، مثل أن يقول: دبرتك، ويقع بلفظ اليمين، مثل
стр. 2281
أن يقول: إن مِتُّ فأنت حر، وبلفظ الوصية التي توجب له رقبته أو بعضها، فأما قوله: أنت مدبر وقد دبرتك، فهو الصريح فيجري مجرى قوله: أنت حر في العتق، وأما لفظ اليمين؛ فلأنه علق الحرية بالموت مطلقًا، وهذا معنى التدبير، وأما إذا أوصى له برقبته أو بوصية تستحق من جملتها رقبته أو بعضها؛ فلأن العبد لا يملك رقبة نفسه، والوصية تقتضي زوال ملك الموصي وانتقاله إلى الموصى له، وذلك في العبد حرية (١) مثل أن يقول له: بعتك نفسك، أو وهبتك لك. وقد قالوا في لفظ اليمين أنها قوله: إن مت فأنت حر، أو متى مت، أو إن حدث بي حدث، أو متى ما حدث بي حدث، أو إذا حدث بي حدث؛ وذلك لأن هذه ألفاظ (٢) الشروط، وقد علق العتق بالموت، وكذلك إن قال: أنت حر بعد موتي؛ لأنه علق الحرية بالموت مطلقًا، وكذلك إن قال: قد دبرتك بعد موتي؛ لأن هذا صريح العتق عن دُبُرٍ.
وكذلك إذا قال: أعتقتك بعد موتي؛ لأنه علق الحرية بالموت، وكذلك: أنت حر مع موتي؛ لأن (مع) تقتضي المقارنة، والشروط لا بد من تقدمها (٣)، فكأنه قال: بعد موتي، وكذلك إذا قال: عند موتي؛ لأنه علق العتق بالموت، فلا بد من وجوده أولًا، وكذلك: في موتي؛ لأن حرف الظرف إذا دخل على الفعل جعله شرطًا، وكذلك إن ذكر مكان الموت الوفاة أو الهلاك؛ لأن الجميع بمعنى واحد.
وقالوا في لفظة الوصية إذا قال: أوصيت لك بعتقك أو برقبتك أو بنفسك،
стр. 2282
فهذا كله تدبير؛ لأن هذا يعبر به عن الجملة، وقد قلنا إن الوصية له برقبته عتق، وكذلك إن قال: أوصيت لك بثلث مالي؛ لأن الرقبة من جملة المال، فقد [صار مُوصيًا له] (١) بثلثها، وهذا عتق تعلق (٢) بالموت (٣).
وقال بشر عن أبي يوسف: فيمن أوصى لعبده بسهم من ماله قال: يعتق بعد موته، ولو أوصى له بجزء من ماله (لم يعتق، والفرق بينهما: أن السهم عبارة عن السدس، فإذا أوصى له بسدس ماله) (٤)، دخل سدس الرقبة في الوصية، فاستحق عتق جزء من رقبته، فأما إذا أوصى بجزء [من ماله] فالخيار إلى الورثة ولهم التعيين فيما شاؤوا، فلم تتضمن الوصية الرقبة لا محالة، فلم يكن مدبرًا، وإذا صَحَّ التدبير لم يجز بيع المدبر ولا هبته ولا إخراجه من ملك المولى إلا إلى الحرية، وقال الشافعي: يجوز بيعه.
لنا: ما روى أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﵊ قال في المدبر: "لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث" (٥)، وروي امتناع بيع المدبر عن زيد وابن عمر (٦)؛ ولأنه حق حرّيه أوجب اسمًا [خاصًّا] (٧) فمنع البيع كالاستيلاد
стр. 2283
والكتابة، ولأن القول يوجب الحرية، فجاز أن يوجب حق حرية لا يلحقه الفسخ كالفعل، ألا ترى أن السبي يوجب الحرية فيمن سبى أباه أو ابنه أباه أو ابنه، ثم أَوْجَبُ حق حريةٍ لا ينفسخ وهو الاستيلاد، وإذا ثبت أنه لا يجوز بيعه ولا [تمليكه] (١)، قلنا: كل تصرف يجوز أن يقع في الحر يجوز في المدبر، مثل الإجارة والاستخدام والوطء في الأمة؛ وذلك لأن حق الحرية لا يكون بأكثر من الحرية، فإذا لم يمنع الحرية هذا التصرف فحقها أولى، وكل تصرف لا يجوز في الحر لا يجوز في المدبر إلا الكتابة، وهذا كالبيع والهبة والرهن، فأما البيع والوصية فقد دللنا عليها، وأما الرهن فلأن المقصود منه الاستيفاء، وما لا يجوز بيعه لا يمكن الاستيفاء منه، وقد قالوا: إن المولى يزوج المدبرة بغير رضاها؛ لأن [له] وطئها، فلأن التدبير يقتضي حرية مؤجلة، فإذا كاتبه على ملكه، ومثل هذا التصرف يجوز في الحرية.
١٩٩٩ - فصل: [في كتابة المُدبَّر]
فأما جواز الكتابة فلأن التدبير يقتضي حرية مؤجلة، فإذا كاتبه فيريد أن يعجل الحرية، والمولى يملك تعجيل الحرية المؤجلة كما يملك عتق أم ولده.
٢٠٠٠ - فصل: [زوال ملك المولى عن المدبر بغير الموت]
وإذا ثبت أن التدبير عتق يتعلق بموت المولى، قلنا: إذا زال ملك المولى عنه بغير الموت عتق، وهذا مثل أن يَرْتَدَّ ويلحق بدار الحرب، فيحكم الحاكم بلحاقه؛ وذلك لأن هذا قد أجري مجرى الموت في زوال الأملاك وانتقالها إلى الورثة، فكذلك في عتق المدبرة، وكذلك المستأمن إذا اشترى في دار الإسلام
стр. 2284
عبدًا فدبَّره ولحق بدار الحرب واسترق عتق مدبره؛ لأن الاسترقاق أوجب زوال ملكه عن أمواله حكمًا فهو كالموت.
٢٠٠١ - فَصل: [في التدبير بالعتق المعلق]
فأما العتق [المعلّق] (١) بالموت من وجه دون وجه، مثل أن يقول: إن مِتُّ في سفري أو مرض كذا، أو إن غرقت أو قتلت، أو تعلق العتق بموته وبشرط آخر، مثل أن يقول: إن مت وفلان، فهذا ليس بمدبَّر؛ لما بينا: أن عتقه لم يتعلق بموت مطلق، فيجوز بيعه وهبته، والتصرف فيه، كما يجوز في الذي علق عتقه بدخول الدار.
٢٠٠٢ - فَصْل: [في عتق المدبر من الثلث]
وعتق المدبر المطلق والمقيد [من الثلث] (٢)، وروي عن ابن مسعود والنخعي وحماد أنهم قالوا: أعتقهم من جميع المال، وقال سعيد بن جبير وشريح والحسن وابن سيرين [يعتق من الثلث] (٣)؛ لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المدبر من الثلث" (٤)، ولأنه عتق علق بموته، وما علق بالموت من التبرع فهو من الثلث، كسائر الوصايا.
стр. 2285
٢٠٠٣ - فصل: [في اكتساب المدبرة ومهرها]
وقد قالوا: إن اكتساب المدبَّرة ومهرها وأرشها للمولى؛ لأنها باقية على ملكه، وإنما تستحق الحرية عند وجود الشرط، فما قبل الشرط هي كالأمة.
٢٠٠٤ - فَصْل: [في سريان التدبير في أولاد المدبَّرة]
وولد المدبرة بمنزلتها؛ لإجماع [الصحابة]، روي عن ابن مسعود أنه قال: ولد المدبرة بمنزلتها يعتق بعتقها ويرق برقها (١).
وخوصم إلى عثمان في أولاد مدبرة، فقضى أن ما ولدته قبل التدبير عبدٌ، وما ولدته بعد التدبير مدبّر، وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف، وهو قول شريح ومسروق وعطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة، ولا يعرف في السلف خلاف ذلك، وإنما قال به بعض أصحاب الشافعي فلا يعتد بقولهم على الإجماع؛ ولأن حريتها متعلقة بموت المولى على الإطلاق، فيسري حق الحرية إلى ولدها كأم الولد (٢).
٢٠٠٥ - فصل: [في ولاء المدبّر]
وقد قالوا: إن ولاء المدبر بالتدبير لمدبره، لا ينتقل عنه وإن عتق من جهة غيره؛ لأن حق الحرية عندنا ثابت في الحال، وحق الحرية يثبت بالولاء والولاء لا ينفسخ، وإنما يتصور العتق من جهة غير المدبِّر في مدبرة بين شريكين
стр. 2286
جاءت بولد، فادّعاه أحدهما، ثبت نسبه منه وعتق عليه وغرم نصيب شريكه منه، والولاء بينهما، وكذلك مدبر بين شريكين أعتقه أحدهما وهو موسر، فضمن عتق بالضمان ولم يتغير الولاء عن الشركة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: إذا أعتق أحدهما نصيبه عتق جميعه والولاء بينهما (١).
٢٠٠٦ - فصل: [في التدبير بالمال]
وقد قالوا: إن التدبير عتق موقع عند الشرط، فيعتبر فيه ما يعتبر في الشروط، فإن قال: أنت مدبر على ألف فقبل، فهو مدبّر والمال ساقط؛ لأن التدبير موقوف على قبول المال، [والمدبَّر] (٢) على ملك المولى، فلا يجوز أن يلزمه دين، له فسقط المال.
٢٠٠٧ - فصل: [تعليق العتق بالموت مع شرط آخر]
فإن علق عتقه بموته مع شرط آخر، مثل أن يقول: إن مت وفلان، فإن مات المولى أولًا لم يعتق وإن مات الآخر بعد ذلك؛ لأن موت المولى أحد الشرطين فلا يعتق به، فينتقل الملك إلى الورثة، فيوجد الشرط الثاني ولا ملك للمعتق فلا يقع (٣) العتق، فإن مات فلان أولًا فقد صار مدبرًا؛ لأن عتقه تعلق بموت المولى على الإطلاق (٤).
стр. 2287
٢٠٠٨ - فصل: [الحالات التي لا يكون العبد فيها مدبرًا]
قال أبو يوسف: إذا قال: أنت حر إن مت أو قتلت، فليس بمدبر، وقال زفر: هو مدبر.
وجه قول أبي يوسف: أنه علق العتق بأحد أمرين، فصار كأنه قال: إن مت أو مات زيد.
وجه قول زفر: أنه [علّق عتقه بالموت] (١) لا محالة، ومن تعلق عتقه بالموت بكل حال، فهو مدبر.
٢٠٠٩ - فصل [تعليق العتق بالموت والتكفين]
وروى الحسن عن أبي حنيفة: إذا قال: إن مت ودفنت، أو غسلت، أو كفنت فأنت حر، فليس بمدبر، فإن مات وهو في ملكه استحسنت أن يعتق من الثلث؛ وذلك لأنه علق العتق بالموت وبمعنى آخر، والتدبير تعليق العتق بالموت على الإطلاق، فإذا مات فالقياس أن لا يعتق كما لو قال: إذا مت فدخلت الدار فأنتَ حر، لكنه استحسن فقال: يعتق من الثلث؛ لأنه علق العتق بالموت، وبصفة توجد عند الموت قبل استقرار ملك الورثة، فصار كما لو علقه بموت بصفة، وليس كذلك إذا قال: إن مت ودخلت الدار؛ لأن دخول الدار ليس له تعلّق بالموت، فصارت هذه يمينًا، فتبطل بالموت كسائر الأيمان.
وقال محمد في الأصل: إذا قال: أنت حر بعد موتي إن شئت الساعة، فشاء العبد في ساعته، فهو حر بعد موت المولى من الثلث؛ لأنه علق التدبير بشرط وهو المشيئة، وقد وجد الشرط فصار مدبرًا.
стр. 2288
قال: فإن كان ينوي بالمشيئة بعد الموت، فليس للعبد مشيئة حتى يموت المولى؛ وذلك لأنه علق العتق بشرط يوجد بعد الموت، فإذا وجد قبل ذلك لم يتعلق به حكم (١).
قال: فإن مات المولى فشاء عند موته عَتَقَ من الثلث بغير تدبير؛ وذلك لأن العتق لم يتعلّق بمجرد الموت، فإذا شاء فقد تم الشرط فصار ذلك في حكم الوصايا، وكان أبو بكر الرازي يقول: يجب أن لا يعتق حتى يعتقه الورثة؛ لأن العتق لم يتعلق بالموت، وإنما تعلق بمعنى بعده، فصار كالوصية بالعتق، [فلا يعتق إلا أن يعتق].
وقد روى ابن سماعة وعيسى وأبو سليمان عن محمد: فيمن قال لرجل إذا متّ فأعتق عبدي هذا إن شئت، أو قال: إن مت فأمر عبدي بيدك، ثم مات، فشاء في المجلس أو بعد المجلس، فله أن يعتقه؛ لأن هذا وصية بالعتق] (٢) والوصايا لا يعتبر فيها القبول في المجلس.
قال: وكذلك إن قال: عبدي هذا حر بعد موتي إن [شئت] (٣)، فقام من [مجلسه] بعد موته ثم شاء، فقد وجبت الوصية ولا يعتق العبد حتى يعتقه الورثة، أو الوصيّ أو القاضي، وهذا يصحح (٤) ما قاله أبو بكر الرازي: إن العتق إذا تعلق بالموت وبشرط آخر فوجدا، فلا بد من الإعتاق.
قال: وكذلك لو قال لعبده: أنت حر إن شئت بعد موتي فمات المولى،
стр. 2289
وقام العبد من مجلسه الذي علم فيه بموت المولى، أو أخذ في عمل آخر، فإن ذلك لا يبطل شيئًا مما جعل إليه؛ لما بينا أن هذه وصية وليس بتمليك، والوصية لا يقف قبولها على المجلس.
وروى بشر عن أبي يوسف فيمن قال لعبده: أنت حر بعد موتي بشهر، فليس بمدبر ولا يعتق إلا أن يُعْتَقَ، وهذا لما بينا (١).
قال ابن سماعة عن محمد: القياس أن يكون باطلًا، ألا ترى أنه لو جنى قبل شهر دُفع بالجناية، ولو لحقه دينٌ بيع فيه؛ وهذا صحيح لأنه لما علق العتق بمضي شهر بعد الموت انتقل الملك منه إلى الورثة، فلم يجز أن يعتق بوجود الزمان، إلا أنهم استحسنوا فجعلوه وصية بالعتق متعلقة بصفة، فإن قال: أنت حر قبل موتي بشهر، فليس بمدبر؛ لأنه لا يعلم وجود هذه الصفة، وهو زمان يوصف أنه قبل موته بشهر، فإذا مضى شهر قبل موت المولى وهو في ملكه، فهو مدبّر عند أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس بمدبر.
وجه قول أبي حنيفة: أن الزمان لما وجد صار عند مضيه كمن قال: أنت حر بعد موتي.
وجه قولهما: أنه لم (٢) تعلق الحرية بالموت على الإطلاق، فصار كقوله: إن مت اليوم.
٢٠١٠ - فَصْل: [تعليق العتق بالموت إلى سنة]
روى الحسن عن أبي حنيفة فيمن قال: إن مت إلى سنة أو إلى سنتين (٣)
стр. 2290
فأنت حر، فليس بمدبر؛ لأنه علق العتق بموت بصفة يجوز أن توجد ويجوز أن لا توجد، فإن قال: إن مت إلى مائة سنة (١)، ومثله لا يعيش إلى ذلك في الغالب فهو مدبر [الساعة]؛ لأنه علق عتقه (بموت يوجد) (٢) لا محالة، وقال هشام عن محمد: إذا قال: أنت مدبر بعد موتي، فهو مدبر الساعة؛ لأن المدبَّر من عتق عن دبر منه، فكأنه قال: أنت حر بعد موتي (٣).
٢٠١١ - فصل: [وقت قبول التدبير]
قال في الجامع الصغير: إذا قال: أنت حرٌّ بعد موتي على ألف، فالقبول بعد الموت (٤).
وروى بشر عن أبي يوسف في نوادره فيمن قال لعبده: أنت مدبر على ألف، قال أبو حنيفة: ليس له القبول الساعة، وله أن يبيعه قبل أولم يقبل، فإن مات وهو في ملكه وقال: قد قبلت، أدى الألف وعتق، وهي رواية عمرو عن محمد.
وقال أبو يوسف: إن لم يقبل حتى مات، ليس له أن يقبل.
وجه قولهما: أنه أوجب له حرية بعد الموت، فوجب أن يكون القبول في حال الإيجاب، ولأنه أجري مجرى الوصايا؛ بدلالة اعتباره من الثلث، وقبول الوصايا بعد الموت.
стр. 2291
وجه قول أبي يوسف: أنه أوجب له في الحال عتقًا بعوض، فالقبول في المجلس وإن كان العتق يتأخر كقوله: إن شئت فأنت حر [عند] رأس الشهر.
٢٠١٢ - فصل: [تعليق الحرية بالتمليك]
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا قال: كل مملوك أملكه فهو حر بعد موتي، فما في ملكه مدبَّر، وما [يستفيده] (١) يعتق من الثلث بغير تدبير، وقال أبو يوسف: لا يدخل فيه ما يستفيده (٢).
وجه قولهما: أن التدبير وصية بدلالة اعتباره من الثلث، والوصية تتعلق بما في ملكه وما يستفيده، كمن قال: ثُلُث مالي لك بعد موتي.
وجه قول أبي يوسف: أن حقيقة قوله: أملك بقيد الحال، وإنما يحمل على المستقبل بدلالةٍ، فإذا أريد به الحال التي هي الحقيقية لم يحمل على غيرها، وإنما قلنا [إنّ ما] استفاده ليس بمدبر؛ لأن التدبير ما كان في ملكه، أو [صرّح] (٣) بإضافته إلى الملك ولم يوجد؛ [ولأنّ] (٤) عتقهم لم يتعلق بالموت مطلقًا، وليس إذا لم يثبت التدبير لم يدخلوا في اليمين، كمن قال: إن مت من مرضي أو سفري (٥).
стр. 2292
٢٠١٣ - فَصْل: [تحمل جنايات المدبَّر]
وجنايات المدبر على المولى يلزمه على الأقل من أرشِهِ ومن قيمته؛ لأنه بالتدبير منع من تسليمه بالجناية من غير اختيار، فصار كمن دبر عبدًا بعد ما جنى وهو لا يعلم، وإنما لزمه على الأقل؛ لأن الأرش إن كان دون القيمة فلا حق لولي الجناية إلا فيه، وإن كانت القيمة أقل فلم يمنع عنهم بالتدبير أكثر منها.
قال: وكذلك إن كثرت الجنايات لم يضمن المولى إلا قيمة واحدة؛ لأنه صار مانعًا من تسليمه بسبب سابق على الجنايات من غير اختيار، فصار كأنه دَبَّره بعد وجودها وهو لا يعلم؛ ولأن المنع منع واحد، فلا يلزمه من غير اختيار أكثر من قيمة واحدة.
стр. 2293
باب الاستيلاد
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل مملوكة ثبت نسب ولدها من مالكها أو مالك (١) بعضها فهي أم ولد له؛ وذلك لأن الاستيلاد فرع لثبوت النسب، فإذا ثبت الأصل ثبت فرعه.
قال: وكذلك إن ثبت نسب ولد مملوكة من غير سيدها بنكاح أو وطءٍ بشبهة، ثم ملكها فهي أم ولد له حين ملكها، وإن ملك ولدها منه عتق عليه، وقال الشافعي: إذا [استولد] في ملك غيره ثم ملك لم تصر أم ولد.
لنا: فإن نسب ولدها ثابت من مولاها، فثبت لها حق الاستيلاد كما لو ولدت في ملكه؛ ولأن الاستيلاد [حرية] (٢) متعلقة بالنسب، فإذا جاز أن يثبت حكم النسب في ملك الغير، جاز أن يثبت حكم ما تعلق به في [الحرية]، وأما إذا ملك ولدها [منه] عتق؛ لقوله ﵊: "من ملك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ منه عتق عليه" (٣).
٢٠١٤ - فَصل: [في إثبات أم ولد]
وإن ملك ولدها (٤) من غيره لم يصر ابن أم ولد [له] وجاز بيعه، وقال زفر:
стр. 2294
إذا ملك من ولدته بغير ثبوت نسب ولدها منه، فهو ابن أم ولد.
لنا: أن الاستيلاد يثبت فيها حين ملكها، والولد ينفصل في تلك الحال والسِّراية [لا تثبت] حال الانفصال.
وجه قول زفر: أنه إذا ملكها صارت أم ولد [له] بالعلوق السابق، والولد حدث بعد ذلك فتعلق به حق الحرية.
٢٠١٥ - فصل:
فإن زوّجها بعد أن ملكها، فجاءت من [الزوج] (١) بولد، أو وطئها غير المولى بشبهة فجاءت بولد، فالولد بمنزلة أمه، تعتق بموت سيدها؛ وذلك لأن الاستيلاد استقر فيها، والحقوق المستقرة في الأمهات تسري إلى الأولاد.
٢٠١٦ - فصل: [ولادة الأمة من رجل ولدًا]
وأما إذا ولدت الأمة من رجل ولدًا لا يثبت نسبه منه، بأن زنى بها ثم ملكها وولدها، عتق الولد عليه وجاز بيع الأم، وقال زفر: لا يجوز بيعها بمنزلة أم الولد.
لنا: أن الاستيلاد حرية متعلقة بالنسب، والنسب لم يثبت وإنما عتق الولد؛ لأنه في حكم [الجزء] (٢) منه، فصار كما أعتق بالإعتاق.
وجه قول زفر: أن حكم الحرية لما ثبت لهذا الولد بالولادة، ثبت لأمه كثابت النسب.
стр. 2295
٢٠١٧ - فَصْل: [ثبوت نسب ولد مملوكة من مالكها]
ولا يثبت نسب ولد مملوكة من مالك لجميعها أو مالك لبعضها إلا أن يَدَّعيه، كان المولى يطؤها أو لا يطؤها، وهذا فرع على أن الأمَة لا تصير فراشًا بالوطء، ولا يثبت نسب ولدها إلا بالدعوى، وقال الشافعي: تصير فراشًا بالوطء ويثبت نسب ولدها وإن لم يُدَّع.
لنا: أنها لو صارت فراشًا بالوطء صارت فراشًا بالنسب المبيح للوطء كالزوجة، ولأن زوال الفراش يوجب عدة، فلما لم يوجب على الأمَة عدة بوطء مولاها، دَلَّ على أنه لا فراش لها؛ ولأنه يجوز له نقل الملك فيها، فلو صارت فراشًا [له] لم يجز نقل الملك فيها كأم الولد، وأما حديث عبد الله بن زمعة لما ادّعى ولد وليدة أبيه فقال النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "هو لك يا عبد الله، الولد للفراش وللعاهر الحجر"، فقد روي أنه قال: أقرّ به أبي.
وعندنا: تصير فراشًا بالإقرار بولدها؛ ولأن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ لم يثبت النسب، وإنما قال: "هو لك"، يعني الملك؛ بدلالة أنه قال: "واحتجبي عنه يا سودة، فإنه ليس بأخ لك" (١)، وقوله: "الولد للفراش"، تعليل لنفي نسب ولدها؛ لأنها ليست بفراش، ولأنهم حكموا بثبوت هذا النسب، وإن كان لم يثبت باعتراف زمعة بالوطء، فيجوز أن يثبته وإن لم يثبت باعترافه بالنسب ويتساوى في الإظهار (٢).
٢٠١٨ - فَصْل: [ثبوت نسب ولده من أمته]
فأما إذا وطئ أمته ولم يعزل عنها وحَصَّنها، لم يحل له فيما بينه وبين الله
стр. 2296
تعالى أن ينفي نسب ولدها، ويلزمه أن يعترف به، فإن عزل عنها ولم يحصِّنها جاز أن ينفيه، وقال أبو يوسف: إذا كان يطؤها ولم يحصِّنها فأحب إلي أن يدَّعيه، وقال محمد: أحب إليّ أن يعتق ولدها ويستمتع بها (١)، فإذا مات أعتقها.
وجه قول أبي حنيفة: أنه إذا وطئها ولم يعزل عنها وحصّنها، فالظاهر أن الولد منه، فلا يجوز له نفيه كولد الزوجة، فأما إذا عزل عنها ولم يحصنها، فيجوز أن يكون [منه]، ويجوز أن لا يكون، فلم يلزمه الاعتراف بالشكِّ.
وجه قول أبي يوسف: أنه يجوز أن يكون منه، ويجوز أن لا يكون منه، فلا ينفيه بالشك.
وجه قول محمد: أنه يجوز أن يكون منه، ويجوز أن لا يكون منه، فلا يجوز أن يلتزم نسبًا بالشك، فأما العتق فيحتمل أن يكون عبدًا ويحتمل أن يكون حرًا فلا يَسترقُّه بالشك، فأما الأم فيستمتع بها؛ لأن ذلك مباح، وإن ثبت نسب ولدها، فإذا مات أعتقها حتى لا تُسترقَّ بالشك.
قال أبو الحسن: وسواء كان الولد حيًا أو ميتًا أو سقطًا قد استبان خلقه أو بعض خلقه، أو أقَرَّ به، فهو بمنزلة الولد الحي الكامل الخلق في كون الأمَة أم ولد؛ وذلك لأن السقط يتعلق به أحكام الولادة بدلالة انقضاء العدة [به]، والاستيلاد من أحكام الولادة.
قال: وإن لم يستبن من خَلْقِه شيء [وألقت بمضغة] (٢) أو علقة أو نطفة، فادَّعاه المولى، فإنها لا تكون أم ولد [له]، رواه الحسن عن أبي حنيفة؛ وذلك
стр. 2297
لأنه ما لم يستبن خلقه يجوز أن يكون ولدًا، ويجوز أن يكون دمًا أو لحمًا، فلا يتعلق به حكم الاستيلاد (١).
٢٠١٩ - فَصْل: [قول الرجل: حمل هذه الجارية منى، ولم تكن حاملًا]
وقال أبو يوسف في [الإملاء] (٢): إذا قال: حمل هذه الجارية مني، أو هي حُبلى مني، أو قال: في بطنها (٣) ولد مني، ثم قال: بعد ذلك لم تكن حاملًا، وإنما كان ريحًا أنفست (٤)، وصدقته الأمَة فهي أم ولد؛ وذلك لأنه اعترف بحملها، والحمل عبارة عن الولد، وذلك يثبت لها حرمة الاستيلاد، فإذا رجع لم يصدق في رجوعه، ولا يلتفت إلى تصديقها؛ لأن الحرية حق الله تعالى، فلا يقبل قولها في إسقاطها، قالوا: ولو قال ما في بطنها مني ولم يقل من حمل أو ولد [فهو مني]، ثم قال بعد ذلك: كانت ريحًا وأنفست (٥) وصدقته، لم تصر أم ولد؛ لأنه لم يذكر الولد ولا الحمل، فالظاهر من قوله يقتضي الحمل إلا أنه يحتمل، فإذا تصادقا على اللفظ المحتمل لم يثبت الاستيلاد (٦).
٢٠٢٠ - فَصْل: [حكم أم الولد]
قال أبو الحسن: وإذا صارت أم ولد بما ذكرت لك، لم يجز للمولى إخراجها من ملكه إلا إلى الحرية، وقال بشر بن غياث: يجوز بيع أم ولده.
стр. 2298
لنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أيما رجل ولدت منه أمته فهي معتقة عن دبر منه (١)، وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال حين ولدت أم إبراهيم: "أعتقها ولدها" (٢) وسئل سعيد بن المسيب عن [عتق] (٣) أمهات الأولاد، فقال: إن الناس يقولون: إن أول من أمر بعتق أمهات الأولاد عمر بن الخطاب، وليس كذلك، لكن رسول الله ﷺ أول من أعتقهن فلا يجعلن في الثلث ولا يَسْعَين في دين، وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد وأن لا يبعن في دين، ولا يجعلن في الثلث (٤).
وعن سالم أن عمر وعثمان قضيا في أمهات الأولاد أن يعتقن.
وروى عبيدة السلماني قال: قال علي: (اجتمع رأيي ورأي [عمر] (٥)(٦) من أصحاب رسول الله على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن في الدين، قال عبيدة: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إليّ من رأيك في الفرقة)، فأراده [عَليّ] على القضاء فأبى، فلما انصرف قال عَلِيّ: إن السلماني لفقيه، وقد أردته أن يزداد فقهًا فأبى، فحكم على الإجماع وليس من شرط الإجماع انقراض العصر، ولا يجوز أن يقال: كيف خالف هذا الإجماع؛ لأنه يجوز أن يكون من مذهبه أن الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر.
стр. 2299
وقد كان أصحابنا يقولون: إنه يحتمل أن يكون قوله: ثم رأيت أن أرقهن، بمعنى أن أجعل لرقّهن [قيمة]، ومعنى [ثم رأيت أن يبعن] (١) في الدين بمعنى يستَسْعَين، وليس هذا بمخالفة الإجماع، وإنما هو كلام في كيفية العتق؛ ولأن نسب ولدها ثابت من مولاها، فلم يجز [بيعها] (٢) كحال الحمل (٣).
٢٠٢١ - فَصْل: [زوال المِلك زوال العتق]
قال أبو الحسن: فإذا ما زال ملك المولى، بأي سبب، زال عتقت؛ وذلك لأن عتقها متعلق بموت المولى، فإذا زال ملكه بموته عتقت، وكذلك إذا زال ملكه بردّه أو لحاقه على ما بينا في التدبير؛ لأن ذلك يجري مجرى الموت، وإنما يعني أبو الحسن: إذا زال ملك المولى عنها مع بقائها؛ لأن ملك المولى يزول بموتها ولا تعتق.
٢٠٢٢ - فَصْل: [تضمين أم الولد]
ولا تضمن أم الولد عند أبي حنيفة بالأيدي، لا تضمن بالغصب كما يضمن الرقيق، ولا تضمن في البيع الفاسد، ولا تضمن بالعتق إذا كانت أم ولد بين رجلين فأعتقها أحدهما لم يضمن المعتق لشريكه، ولم تسع أيضًا في شيء، وقال أبو يوسف ومحمد: تضمن في ذلك كله كما تضمن الأمة، وهذا فرع على أن [رقّها] (٤) لا قيمة له عند أبي حنيفة؛ [وذلك] (٥) لأنها لا تسعى للورثة ولا
стр. 2300
للغرماء، فلو كان لرقها قيمة لسعت كالمدبرة، ولأن المولى لا يملك منها إلا منافع الوطء والاستخدام والاستغلال، فالمتلف لها متلف للمنافع، ذلك غير مضمون عندنا وليس كذلك المدبرة؛ لأن المولى يملك فيها معنى زائدًا على المنافع؛ لأنها تسعى لورثته ولغرمائه بعد موته.
وجه قولهما: أنها حرية متعلقة بالموت كالتدبير، ولأنها على ملكه يطؤها ويستخدمها بحكم المِلك كالأمة.
٢٠٢٣ - فَصْل: [تضمين الغصب لأمّ الولد]
قال محمد في الإملاء: يضمن في الغصب عند أبي حنيفة كما يضمن الصبي الحر إذا غصب، يعني إذا مات من سبب حادث؛ لأن هذا يجري مجرى ضمان الجناية، لأن الغاصب قربها من سبب التلف، وأم الولد تضمن بالجناية، فأما قوله: إن أحد الشريكين إذا أعتقها لم يضمن وإن ضمان العتق أدون من ضمان الغصب، ألا ترى أنه يختلف باليسار والإعسار، فإذا لم يضمن عنده بالغصب؛ فلأن لا يضمن بما دونه أولى، ولا تسعى؛ لأنها صارت في يد نفسها بالحرية، فلم تلزمها السعاية كما لو مات المولى.
٢٠٢٤ - فَصْل: [في ضمان جناية القتل]
فإن قتلت ضمنت في قولهم جميعًا؛ لأن ضمان القتل يثبت في الحر، فلأن [يثبت فيما يثبت] (١) له حق الحرية أولى (٢).
стр. 2301
٢٠٢٥ - فَصْل: [عتق أمهات الأولاد من مال المولى]
قال: وتعتق إذا مات المولى من جميع المال، ولا تسعى للوارث ولا للغريم، وذلك لحديث سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أمر بعتق أمهات الأولاد ولا يجعلن في الثلث (١)، ولأن حريتها متعلقة بالنسب، وحرية النسب لا تجتمع معها السعاية، فكذلك حرية الاستيلاد.
٢٠٢٦ - فَصْل: [نسب ولد أم ولد]
وإذا صارت أم ولد، فكل ولد ولدته فنسبه ثابت من المولى، فإن نفاه انتفى بغير حاكم؛ وذلك لأن أم الولد صارت فراشًا بثبوت نسب ولدها، بدلالة أن زوال فراشها موجب للعدة، كالزوجة والولد الحادث على الفراش يثبت نسبه من غير اعتراف، وإنما كان له نفيه من غير حكم؛ لأنه يملك نقل فراشها وإبطاله بقوله، ألا ترى أنه يزوجها فيزول الفراش، وكذلك يملك نقل النسب المتعلق به بقوله، وليس كذلك الزوجة؛ لأنه لا يملك نقل فراشها بقوله، فلا يملك نقل النسب المتعلق به.
٢٠٢٧ - فَصْل: [كيفية نفي الولد]
فأما كيفية النفي، فعلى ما بيناه في ولد الزوجة عند أبي حنيفة: ينفيه ما لم يقبل التهنئة أو بمضي وقت الاعتراف، وعند أبي يوسف ومحمد: في [مدة النفاس]، وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنه ينفيه ما لم ينسب إليه أو يعبر عن نفسه، وهذا إنما يريد به في الغائب إذا قدم فعلم بالولادة، جاز له النفي حين
стр. 2302
يعلم، إلا أن يكون الولد قد عَبَّر عن نفسه أو نسب إليه؛ لأن ذلك يوجب ثبوت نسب ولده من طريق الحكم.
وقد روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في ولد أم الولد: ليس له أن ينفيه إلا عند حضرة الولادة، وهذا إنما يريد [به] في الحاضر للولادة دون الغائب، وقد قالوا جميعًا: إنه ينفيه على اختلافهم في وقت النفي، إلا أن يكون حكم في ثبوت نسبه بشيء، وإنما أرادوا بذلك أن يجني عليه، فيحكم حاكم بأرش الجناية؛ لأن الحكم بثبوت النسب يمنع من النفي كالإقرار (١).
٢٠٢٨ - فَصْل: [نسب الولد بعد التحريم]
قال: فإن حَرُمَ وطؤُها بعد أن صارت أم ولد بوجه من الوجوه، مثل أن يطأها ابنه أو أبوه، أو يطأ هو أمها أو ابنتها، لم يلحق نسب الولد الذي تأتي به بعد التحريم إلا أن يدَّعِيَهُ.
قال ﵀: وهو على وجهين: إذا حرمت أم الولد بما يفسد به نكاح الحرة، ولا ينفي معه فراشها، لم يثبت نسب ولدها من مولاها، [إلا] (٢) أن يدعيه مثل المسائل التي ذكرناها؛ لأن فراش الزوجة أقوى من فراش أم الولد، وهذه المعاني تقطع فراش الزوجة، فلأن تقطع فراش أم الولد أولى، وكذلك إذا زوجها لأنها صارت فراشًا للزوج، فيستحيل أن تكون فراشًا لغيره، فأما إذا حرمت عليه بما لا يقطع نكاح الحرة، ولا يزيل فراشها: مثل الحيض، والنفاس، والإحرام، والصوم، فإن نسب ولدها يثبت منه؛ لأن [هذا] تحريم عارض فلا يغير حكم الفراش.
стр. 2303
٢٠٢٩ - فَصْل: [في الاستمتاع بأم ولد]
[قال]: وللمولى من الاستمتاع [بها] والتصرف ما يكون له من المدبرة؛ لأن عتق كل واحدة منهما متعلق بموته، ولأنه عتق متعلق بشرط، فلا يمنع الاستمتاع.
٢٠٣٠ - فَصْل: [زوال فراش المولى]
فإن زوّجها المولى وجاءت بولد فهو ابن الزوج؛ [وذلك] لأن فراش المولى زال بحدوث فراش الزوج، والولد يلحق بالفراش، ولأن فراش الزوج أقوى من فراش المولى لو كان باقيًا؛ لأن النسب فيه قد لا ينتفي، فلحوق النسب [به] (١) أولى.
قال: فإن كان (٢) ادّعاه المولى، لم يثبت نسبه منه وعتق عليه؛ لأنه ولد ثابت النسب من غيره، فلا يصح دعوته له ويعتق؛ لأنه في ملكه وقد اعترف بحريته.
قال: وسواء كان النكاح فاسدًا أو جائزًا، وإنما يريد النكاح الفاسد إذا اتصل بالدخول؛ لأن المرأة لا تصير فراشًا بالنكاح الفاسد إلا بالوطء.
٢٠٣١ - فَصْل: [ادعاء ولد الأمة من رجلين]
قال: وإذا كانت أمَة بين رجلين، فجاءت بولد فادَّعَيَاه ثبت نسبه [منهما] (٣)،
стр. 2304
وكانت أم ولد لهما، فإن جاءت بآخر لم يثبت نسبه منهما ولا من أحدهما، إلا أن يدَّعيه؛ وذلك لأن وطأها حرام على كل واحد منهما تحريمًا يمنع فراش النكاح، فلم تكن فراشًا له حكم (١) يثبت نسب ولدها، فإن ادعياه أو أحدهما ثبت؛ لأنه على ملكهما، ومن ادعى ولدًا على ملكه غير ثابت النسب من غيره ثبت نسبه منه (٢).
وما ذكره من فصول هذه المسائل بعد هذا يذكره في بابه الذي أفرده [له] إن شاء الله تعالى.
стр. 2305
بَاب العبد بين رجلين فيعتق أحدهما نصيبه
قال أبو حنيفة في عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه: فالآخر بالخيار: إن شاء أعتق، وإن شاء ضمن المُعْتِقَ إن كان المعتق موسرًا، وإن شاء استسعى.
[قال: وهذا الباب مبني] على أصل: وهو أن العتق عند أبي حنيفة يتبعض [في] حال اليسار والإعسار، وعتق البعض لا يوجب عتق الجميع، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يتبعَّض في الحالتين، وقال الشافعي: يتبعض مع الإعسار، ولا يتبعض مع اليسار.
وجه قول أبي حنيفة: ما روى نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "من أعتق شركًا له في عبد، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوّم عليه قيمة [العدل] (١)، وأعطيَ شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق عليه ما أعتق" (٢)، وهذا يدل على تعلق عتق الباقي بالضمان.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ("من أعتق شقصًا في مملوك، فعليه عتقه كله " إن كان له مال يبلغ ثمنه يقوم عليه قيمة عدل، وإن لم يكن له مال أعتق منه ما أعتق)، فأوجب ﵊ على المعتق [عتق] الجميع، ولا يصح أن يوجب عتق ما عتق، وروي بهذا الإسناد أنه قال: "كلف (٣) عتق ما بقي"، وقد
стр. 2306
روي: "فقد وجب عليه أن يعتق ما بقي".
وروى سالم عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إذا كان العبد بين اثنين، فأعتق أحدهما نصيبه، فإن كان موسرًا قوّم عليه قيمة العبد لا وكس ولا شطط، ثم أعتق العبد" (١)، وهذا نص في التبعيض، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه جدّه، وعروة بن الزبير عن عائشة عن النبي ﷺ ، وسعيد بن المسيب عن رجال من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: إذا كان العبد بين شركاء فأعتقه أحدهم، فإنه يقوّم عليه بأغلى القيمة ثم يغرم ثمنه ثم يعتق العبد؛ ولأن العتق إزالة ملك عن الرق، فجاز أن يتبعض كالبيع، وعلى الشافعي: أن ما يتبعّض حال الإعسار يتبعّض في حال اليسار كالبيع وعكسه الطلاق.
وجه قولهما: قوله ﵊: "من أعتق شركًا له في عبد فقد عتق كله، ليس الله شريك"؛ ولأن الاستيلاد لا يتبعض وهو حق الحرية؛ فلأن لا يتبعض نفس الحرية أولى.
[وإذا ثبت] (٢) ما ذكرنا، قال أبو حنيفة: إذا أعتق أحد الشريكين وهو موسر، فلشريكه ثلاثة خيارات: إن شاء ضمنه قيمة نصيبه؛ لأن النبي ﵊ أوجب الضمان على المُعْتِقِ الموسر، ولأنه أتلف عليه نصيبه، ألا ترى أنه لا يقدر أن يتصرف (٣) فيه بالتمليك، فجاز له تضمينه، فإذا ضمّن الذي أعتق فهو بالخيار: إن شاء أعتق ما بقي؛ لأنه انتقل إليه بالضمان، وإن شاء استسعاه في قيمة ما بقي منه؛ وذلك لأن ما بقي منه على ملكه وقد وجب إخراجه إلى الحرية لاستحالة
стр. 2307
أن يترك على الرق (١) مع وقوع الحرية في جزء منه، ولا يجوز أن يلزمه إزالة الملك بغير عوض، فكان له أن يستسعي، ولأن الذي لم يعتق كان له أن يستسعي على ما سنبينه، فإذا ضَمَّن نقل إلى شريكه ما كان له من الحق، فقام مقامه فيه، وأيّ الأمرين اختار المعتق، فولاء العبد كله له؛ لأنه أعتق على ملكه، والولاء للمُعْتِقِ، فإن شاء الذي لم يعتق أعتق نصيبه؛ لأنا بينا أنه على ملكه، فجاز أن يساوي شريكه في التصرف.
وله أن يستسعي العبد عندنا، وقال الشافعي: لا أعرف السعاية في الشريعة.
والدليل على ثبوتها: حديث بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أعتق شقصًا من مملوك، فعليه أن يعتقه كله إن كان له مال، وإن لم يكن له مال اسْتُسْعِي العبد غير مشقوق عليه" (٢)؛ ولأن نصيبه على ملكه، فجاز [أخذ العوض عنه من العبد كالكتابة.
ولا يجوز أن يقال: الكتابة لا تلزم العبد من غير رضاه، والسعاية تلزمه بغير رضاه؛ لأن الكتابة تثبت بالعقد، فافتقرت إلى التراضي، والسعاية تثبت من طريق الحكم، فجاز أن لا يقف على الرضا؛ ولأن الكتابة إنما وقفت على الرضا؛ لأنها عقد مبتدأ، ويجوز أن يرضى العبد بها، ويجوز أن يختار البقاء على الرق.
وفي مسألتنا: لا يجوز تبقيته على الرق؛ فلذلك لزمته السعاية بغير رضاه، فأي الوجهين اختار الشريك - العتق أو السعاية -، فقد صار الولاء بينهما؛ لأن نصيب كل واحد منهما عتق على ملكه، كما لو أعتقاه جميعًا.
стр. 2308
وأما إذا كان المُعْتِقُ معسرًا، فللشريك خياران: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى، وليس له التضمين، وقال بشر المريسي: له أن يضمنه.
فمن أصحابنا من قال: القياس ما قاله بشر؛ لأن ضمان الإتلاف لا يختلف باليسار والإعسار، وإنما تركوا القياس لما قدمنا من الأخبار، وقد فرّق رسول الله ﷺ بين اليسار والإعسار.
ومن أصحابنا من قال: القياس أن لا يضمن المعتق في الحالين؛ لأنه تصرف في ملكه على وجه أَضَرَّ بغيره، فصار كمن أحرق ناره، فاحترق منه دار جاره، وإنما تركوا القياس في الموسر وأوجبوا عليه الضمان بالخبر.
وإذا ثبت أن الضمان لا يجب، سقط أحد الخيارات الثلاث، فبقي الخياران: إما العتق، وإما السعاية، لما قدمنا.
فأما على قول أبي يوسف ومحمد: فلا خيار للشريك؛ لأن المعتق إن كان موسرًا فقد وجب الضمان عليه، فليس للذي لم يعتق أن يستسعي؛ لأن نصيبه انتقل إلى شريكه وعتق عليه.
وإن كان المعتق معسرًا، فليس للشريك إلا السعاية؛ وذلك لأن الضمان كان واجبًا على المعتق، وقد سلمت المنفعة للعبد، فإذا تعذر تضمين الشريك، ضمن العبد، كالغاصب وغاصب الغاصب؛ ولأن الرق الذي ضمنه الشريك لم يسلم للعبد، جاز أن يرجع عليه ببدله، كما قالوا: في عبد الرهن إذا أعتقه الراهن ولا مال له، أن المرتهن يضمنه الأقل من قيمته ومن الدين.
والولاية في الوجهين جميعًا على قولهما للمعتق؛ لأن العبد عتق بإعتاقه،
стр. 2309
وانتقل نصيب شريكه إليه.
وقد قال أصحابنا: إن أحد الشريكين إذا أعتق وهو معسر، لم يجز التصرف في بقية العبد بتمليك ببيع، أو هبة، وقال الشافعي: يجوز للشريك البيع والتصرف.
لنا: قوله ﵊: "من أعتق شقصًا له في عبد، فقد عتق كله، ليس الله شريك" (١)؛ ولأن الحرية وقعت في الرقبة، وحق الحريّة في الرقبة تمنع التمليك، فنفس الحريّة أولى.
وعلى هذا الخلاف الذي قدمناه قال أبو حنيفة فمن أعتق سهمًا من عبده، فباقيه على ملكه؛ لأن العتق يتبعض عنده، إلا أنه لا يجوز تبقيته على الرق؛ لوقوع الحرية فيه، فإن شاء أعتق ما بقي، وإن شاء استسعى.
وقال أبو يوسف ومحمد: عتق كله بإعتاقه السهم الأول؛ لأن العتق لا يتبعض.
وعلى هذا الخلاف قال أبو حنيفة: في عبد بين ثلاثة أعتق أحدهم نصيبه، ثم أعتق الآخر بعده، فللثالث أن يضمن المعتق الأول إن كان موسرًا؛ لأن الضمان وجب له بعتقه، وإن شاء أعتق لتساويه في التصرف، وإن شاء استسعى نصيبه على ملكه، وليس له أن يضمن المعتق الثاني؛ لأنه ثبت له حق النقل إلى الأول، وذلك النقل يتعلق به حكم، والولاء لا يلحقه الفسخ، فلا يجوز أن ينتقل حق التضمين إلى غيره.
فإن اختار تضمين الأول، فللأول أن يعتق؛ لأن السهم انتقل إليه، وله أن يستسعي؛ لأنه قام مقام التضمين، وليس له أن يضمن المعتق الثاني؛ لأن المالك
стр. 2310
لم يكن له أن يضمنه، وقد قام هذا مقامه.
فأما على أصلهما: فلما أعتق الأول، عتق جميع العبد، وعتق الثاني باطل.
وإذا ثبت حكم اختلاف اليسار والإعسار في الضمان، فاليسار: هو أن يكون المعتق مالكًا لمقدار قيمة ما بقي من العبد قلَّت أو كثرت؛ لأنه يقدر على تخليص العبد، وإن [كان] ماله لا يبلغ قيمة بقية العبد، لم يضمن، وهو المعسر المراد بالخبر؛ لأنه لا يقدر على تخليص العبد، وليس المراد باليسار والإعسار ما يريده ممن يحل له الصدقة.
قال: وتعتبر القيمة في الضمان والسعاية يوم عتق؛ لأن العتق سبب الضمان، فصار كالإتلاف في المتلفات: أن القيمة تعتبر يوم الإتلاف.
قال: وكذلك حال المُعْتِقِ في يساره وعسرته؛ وذلك لأنه إذا أعتق وهو موسر، فقد ثبت حق التضمين للشريك، فلا يتغير بالإعسار الطارئ، كما لا تتغير الديون، وإن أعتق وهو معسر، فالعتق لم يوجب الضمان، فلا يجوز أن يجب بعد ذلك إلا بتحديد سبب آخر.
قال: والمعتق بعضه بمنزلة المكاتب حتى يؤدي السعاية: إما إلى المعتق إذا ضمن، وإما إلى الآخر إذا اختار السعاية، وقال أبو يوسف ومحمد: هو حرّ عليه دين، وهذا فرع على اختلافهم في تبعيض الحريّة، فعند أبي حنيفة: أن الرق باقٍ، وإنما يستسعى لتخليص رقبته من الرق كالمكاتب، فلا يرث ولا يورث، ولا تجوز شهادته، ولا يتزوج] (١)، إلا أنه يفارق المكاتب من وجه واحد، وهو
стр. 2311
أنه إذا عجز لا يرد في الرق؛ لأن المعنى الموجب للسعاية وقوع الحرية في جزء منه، وهذا المعنى موجود بعد العجز.
وأما على قولهما: فالعتق قد وقع في جميعه، وإنما يؤدي دينه مع الحرية فهو كسائر الأحرار (١).
٢٠٣٢ - فَصْل: [العبد بين الشركاء]
قال أبو الحسن: وإن كان العبد بين جماعة، فأعتق أحدهم نصيبه، فاختار بعض الشركاء الضمان، وبعضهم السعاية، وبعضهم العتق، فذلك لهم ولكل واحد منهم ما اختار في قول أبي حنيفة؛ لأن العتق أوجب لهم الخيار بين ثلاثة معاني، ونصيب كل واحد منهم غير متعلق بنصيب الآخر، فلم يتعين عليه أحد الأمور باختيار الآخر.
٢٠٣٣ - فَصْل: [في المملوك بين ثلاثة]
فإن مات بعض مَنْ لم يعتق وله [ورثة] (٢)، فاختار بعض الورثة العتق، وبعضهم الضمان، وبعضهم السعاية، فذلك لهم في رواية محمد في الأصل، وقال الحسن بن زياد: ليس للورثة إلا أن يعتقوا [جميعًا]، أو يستسعوا [جميعًا]، أو أن يضمنوا [جميعًا] (٣).
وجه ما ذكر في الأصل: أن نصيب الميت على ملكه وقد انتقل إليهم بالموت، وإن كان لا ينتقل بالعقد، ولأن الموت نقل من طريق الحكم كالتضمين،
стр. 2312
وإذا انتقل إليهم نصيب الميت صاروا كالشركاء في الأصل، فلكل واحد منهم أن ينفرد بالاختيار، وأما الذي ذكره عن الحسن فالظاهر: أنه رواية عن أبي حنيفة؛ لأن أبا الحسن حكى في أول الباب قول الحسن بن زياد: أن العتق لا يتبعض، ولا يصح أن يفرع هذا الفرع من مذهب نفسه.
ووجه ذلك: أن الورثة [انتقل] (١) إليهم ما كان للميت من الحق، ولو أراد [الميت] تبعيض الاختيار، لم يجز له أن يضمن نصيبه، أو يستسعي الجميع، فكذلك ورثته في حكمه.
قال أبو الحسن: فإذا أعتق بعضهم كان العتق باطلًا، وكانت لهم السعاية إلا أن يجتمعوا على العتق، فإن أجمعوا عليه جاز العتق والولاء للميت؛ وذلك من أصل أبي حنيفة: أن المعتق بعضه [كالمكاتب] (٢)، والمكاتب لا ينتقل الملك فيه بالإرث، فإذا أعتقه الورثة كان عتقهم براءة من السعاية، فيعتق على ملك الميت وكان الولاء له، فإذا أعتق بعضهم لم يعتق [بعتقه] (٣)، كالمكاتب، والفائدة في كون الولاء للميت: أنه ينتقل إلى الذكور من الورثة (٤) دون الإناث (٥).
٢٠٣٤ - فَصْل: [في تضمين الشريك]
قال: وإن اختار الذي لم يعتق ضمان المعتق، ثم أراد أن يرجع عن ذلك، فله ذلك ما لم يقبل المعتق منه التضمين أو يحكم به الحاكم، وهي رواية ابن
стр. 2313
سماعة عن محمد.
وقد ذكر في الأصل: أنه إذا اختار التضمين لم يكن له اختيار السعاية، ولم يفصل تفصيل ابن سماعة، فمن أصحابنا من قال: إن رواية الأصل محمولة على هذا التفصيل، وجعل المسألة على رواية واحدة، ومنهم من جعلها روايتين.
فوجه رواية الأصل: أن الذي لم يعتق بالخيار بين تضمين المعتق أو العبد، فإذا اختار التضمين فقد أبرأ العبد، فلا يجوز له (١) تضمينه بعد ذلك؛ (ولأنه لو اختار الضمان وقبل الشريك لم يكن له أن يرجع) (٢)، وجه رواية ابن سماعة: أن اختيار الشريك تضمين المعتق، نقل الملك إليه ببدل؛ وذلك لا يتم إلا بالرضا أو القضاء، فما لم يوجد واحد منهما لم يتم الاختيار، فكان له الرجوع عنه إلى السعاية.
قال أبو بكر [الرازي]: وعلى هذا تضمين الغاصب، وغاصب الغاصب إذا اختار المغصوب منه يضمن أحدهما، لم ينقطع حقه عن تضمين عن تضمين الآخر، إلا أن يرضى المضمن أو يقضى عليه بالضمان، فأما إذا اختار الشريك السعاية لم يكن له بعدها اختيار التضمين، رضي العبد بذلك أو لم يرضَ؛ لأن إيجاب السعاية على العبد ليس فيه نقل ملك إليه بعوض حتى يقف على معنى ينضم إليه الاختيار، فصح الاختيار، فلم يكن للمولى الرجوع عنه.
٢٠٣٥ - فَصْل: [عبد بين رجلين أعتقه أحدهما]
فإن مات العبد قبل أن يختار الذي لم يعتق شيئًا، فله أن يضمن المعتق في
стр. 2314
رواية محمد عن أبي حنيفة، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وإحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وروى ابن سماعة وعلي وبشر عن أبي يوسف في عبدٍ بين رجلين (١) أعتقه أحدهما وهو موسر، فمات العبد قبل أن يضمن المولى الذي لم يعتق صاحبه، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان له (٢) على المعتق، وقال أبو يوسف: هو ضامن، وهو قياس قول ابن أبي ليلى.
وجه رواية محمد: أن المعتق قد صار في حكم الغاصب للعبد، فتلف العبد لا يوجب سقوط الضمان، كموت المغصوب بعد الغصب، ولأن الضمان يستند إلى حال العتق، فلو (٣) كان المعتق حُرًّا صبح زوال الملك فيه، فصار كتضمين المتلفات بعد التلف.
وجه رواية ابن سماعة: أن نصيب الذي لم يعتق على ملكه ويده ثابتة عليه، وإنما يثبت له حق الضمان بشرط النقل، فإذا مات تعذر فيه النقل، فلم يجز إثبات (٤) الضمان.
فأما أبو يوسف فعنده: أن العتق يوجب (٥) ضمانًا مستقرًا، فانتقل الملك إلى المعتق، فمات على ملكه، فلا يسقط الضمان (٦).
стр. 2315
٢٠٣٦ - فَصْل: [الاختلاف في قيمة العبد المعتق]
(١) وإن اختلفا في قيمة العبد المعتق (٢)، والعتاق (٣) متقدم لحال [اختلافهما] (٤)، فالقول قول المعتق مع يمينه، وإن كان [العتق] (٥) في الحال نظر إلى قيمة العبد يومئذٍ: فإن كان مات فالقول قول المعتق، أما إذا اختلفا في حال العتق، فيمكن الرجوع إلى قيمة العبد في الحال، فلا معني للتحالف والبينة، بل ينظر إلى العبد، فيُقَوَّمُ في الحال ويقضى بقيمته.
وأما إن اتفقا أن العتق متقدم لحال الخصومة، فلا يمكن الرجوع إلى قيمة العبد؛ لأنها قد (٦) تزيد وتنقص، فكان القول قول المعتق؛ لأنه هو الذي يلزمه الضمان، [فالمرجع] (٧) إلى قوله في قدره.
وقالوا في الشفعة (٨) أي: البناء، اختلفا في قيمته وقيمة الأرض؛ إذ المرجع إلى قيمة الأرض في الحال، والقول في البناء: قول المشتري؛ لأن الشفيع يريد أن يملك عليه الأرض، ولا يجوز أن يملكها إلا بقوله.
فأما في مسألتنا فالمعتق لا يريد أن يملك على شريكه، وإنما شريكه يلزمه