أنه إذا عجز لا يرد في الرق؛ لأن المعنى الموجب للسعاية وقوع الحرية في جزء منه، وهذا المعنى موجود بعد العجز.
وأما على قولهما: فالعتق قد وقع في جميعه، وإنما يؤدي دينه مع الحرية فهو كسائر الأحرار (١).
٢٠٣٢ - فَصْل: [العبد بين الشركاء]
قال أبو الحسن: وإن كان العبد بين جماعة، فأعتق أحدهم نصيبه، فاختار بعض الشركاء الضمان، وبعضهم السعاية، وبعضهم العتق، فذلك لهم ولكل واحد منهم ما اختار في قول أبي حنيفة؛ لأن العتق أوجب لهم الخيار بين ثلاثة معاني، ونصيب كل واحد منهم غير متعلق بنصيب الآخر، فلم يتعين عليه أحد الأمور باختيار الآخر.
٢٠٣٣ - فَصْل: [في المملوك بين ثلاثة]
فإن مات بعض مَنْ لم يعتق وله [ورثة] (٢)، فاختار بعض الورثة العتق، وبعضهم الضمان، وبعضهم السعاية، فذلك لهم في رواية محمد في الأصل، وقال الحسن بن زياد: ليس للورثة إلا أن يعتقوا [جميعًا]، أو يستسعوا [جميعًا]، أو أن يضمنوا [جميعًا] (٣).
وجه ما ذكر في الأصل: أن نصيب الميت على ملكه وقد انتقل إليهم بالموت، وإن كان لا ينتقل بالعقد، ولأن الموت نقل من طريق الحكم كالتضمين،
стр. 2312
وإذا انتقل إليهم نصيب الميت صاروا كالشركاء في الأصل، فلكل واحد منهم أن ينفرد بالاختيار، وأما الذي ذكره عن الحسن فالظاهر: أنه رواية عن أبي حنيفة؛ لأن أبا الحسن حكى في أول الباب قول الحسن بن زياد: أن العتق لا يتبعض، ولا يصح أن يفرع هذا الفرع من مذهب نفسه.
ووجه ذلك: أن الورثة [انتقل] (١) إليهم ما كان للميت من الحق، ولو أراد [الميت] تبعيض الاختيار، لم يجز له أن يضمن نصيبه، أو يستسعي الجميع، فكذلك ورثته في حكمه.
قال أبو الحسن: فإذا أعتق بعضهم كان العتق باطلًا، وكانت لهم السعاية إلا أن يجتمعوا على العتق، فإن أجمعوا عليه جاز العتق والولاء للميت؛ وذلك من أصل أبي حنيفة: أن المعتق بعضه [كالمكاتب] (٢)، والمكاتب لا ينتقل الملك فيه بالإرث، فإذا أعتقه الورثة كان عتقهم براءة من السعاية، فيعتق على ملك الميت وكان الولاء له، فإذا أعتق بعضهم لم يعتق [بعتقه] (٣)، كالمكاتب، والفائدة في كون الولاء للميت: أنه ينتقل إلى الذكور من الورثة (٤) دون الإناث (٥).
٢٠٣٤ - فَصْل: [في تضمين الشريك]
قال: وإن اختار الذي لم يعتق ضمان المعتق، ثم أراد أن يرجع عن ذلك، فله ذلك ما لم يقبل المعتق منه التضمين أو يحكم به الحاكم، وهي رواية ابن
стр. 2313
سماعة عن محمد.
وقد ذكر في الأصل: أنه إذا اختار التضمين لم يكن له اختيار السعاية، ولم يفصل تفصيل ابن سماعة، فمن أصحابنا من قال: إن رواية الأصل محمولة على هذا التفصيل، وجعل المسألة على رواية واحدة، ومنهم من جعلها روايتين.
فوجه رواية الأصل: أن الذي لم يعتق بالخيار بين تضمين المعتق أو العبد، فإذا اختار التضمين فقد أبرأ العبد، فلا يجوز له (١) تضمينه بعد ذلك؛ (ولأنه لو اختار الضمان وقبل الشريك لم يكن له أن يرجع) (٢)، وجه رواية ابن سماعة: أن اختيار الشريك تضمين المعتق، نقل الملك إليه ببدل؛ وذلك لا يتم إلا بالرضا أو القضاء، فما لم يوجد واحد منهما لم يتم الاختيار، فكان له الرجوع عنه إلى السعاية.
قال أبو بكر [الرازي]: وعلى هذا تضمين الغاصب، وغاصب الغاصب إذا اختار المغصوب منه يضمن أحدهما، لم ينقطع حقه عن تضمين عن تضمين الآخر، إلا أن يرضى المضمن أو يقضى عليه بالضمان، فأما إذا اختار الشريك السعاية لم يكن له بعدها اختيار التضمين، رضي العبد بذلك أو لم يرضَ؛ لأن إيجاب السعاية على العبد ليس فيه نقل ملك إليه بعوض حتى يقف على معنى ينضم إليه الاختيار، فصح الاختيار، فلم يكن للمولى الرجوع عنه.
٢٠٣٥ - فَصْل: [عبد بين رجلين أعتقه أحدهما]
فإن مات العبد قبل أن يختار الذي لم يعتق شيئًا، فله أن يضمن المعتق في
стр. 2314
رواية محمد عن أبي حنيفة، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وإحدى روايتي بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وروى ابن سماعة وعلي وبشر عن أبي يوسف في عبدٍ بين رجلين (١) أعتقه أحدهما وهو موسر، فمات العبد قبل أن يضمن المولى الذي لم يعتق صاحبه، فإن أبا حنيفة قال: لا ضمان له (٢) على المعتق، وقال أبو يوسف: هو ضامن، وهو قياس قول ابن أبي ليلى.
وجه رواية محمد: أن المعتق قد صار في حكم الغاصب للعبد، فتلف العبد لا يوجب سقوط الضمان، كموت المغصوب بعد الغصب، ولأن الضمان يستند إلى حال العتق، فلو (٣) كان المعتق حُرًّا صبح زوال الملك فيه، فصار كتضمين المتلفات بعد التلف.
وجه رواية ابن سماعة: أن نصيب الذي لم يعتق على ملكه ويده ثابتة عليه، وإنما يثبت له حق الضمان بشرط النقل، فإذا مات تعذر فيه النقل، فلم يجز إثبات (٤) الضمان.
فأما أبو يوسف فعنده: أن العتق يوجب (٥) ضمانًا مستقرًا، فانتقل الملك إلى المعتق، فمات على ملكه، فلا يسقط الضمان (٦).
стр. 2315
٢٠٣٦ - فَصْل: [الاختلاف في قيمة العبد المعتق]
(١) وإن اختلفا في قيمة العبد المعتق (٢)، والعتاق (٣) متقدم لحال [اختلافهما] (٤)، فالقول قول المعتق مع يمينه، وإن كان [العتق] (٥) في الحال نظر إلى قيمة العبد يومئذٍ: فإن كان مات فالقول قول المعتق، أما إذا اختلفا في حال العتق، فيمكن الرجوع إلى قيمة العبد في الحال، فلا معني للتحالف والبينة، بل ينظر إلى العبد، فيُقَوَّمُ في الحال ويقضى بقيمته.
وأما إن اتفقا أن العتق متقدم لحال الخصومة، فلا يمكن الرجوع إلى قيمة العبد؛ لأنها قد (٦) تزيد وتنقص، فكان القول قول المعتق؛ لأنه هو الذي يلزمه الضمان، [فالمرجع] (٧) إلى قوله في قدره.
وقالوا في الشفعة (٨) أي: البناء، اختلفا في قيمته وقيمة الأرض؛ إذ المرجع إلى قيمة الأرض في الحال، والقول في البناء: قول المشتري؛ لأن الشفيع يريد أن يملك عليه الأرض، ولا يجوز أن يملكها إلا بقوله.
فأما في مسألتنا فالمعتق لا يريد أن يملك على شريكه، وإنما شريكه يلزمه
стр. 2316
الضمان، فلم يلزمه إلا مقدار ما يعترف به، وكذلك إذا مات المعتق؛ لأنه لا يمكن القاضي الرجوع إلى قيمته (١)، فالقول قول المعتق، [فإن اختلفا في حال المعتق من اليسار والعتق متقدم، فالقول قول المعتق] (٢)؛ لأنه لا يمكن الرجوع إلى حالة الإعتاق، ويجوز أن يتغير فلم يبق إلا اعتبار حال المعتق، ولا يستقر وجوب الضمان عليه، فكان القول قوله.
٢٠٣٧ - فَصْل: [إعتاق أحدهما نصيب صاحبه]
قال: فإن أعتق أحدهما نصيب صاحبه، لم يعتق منه شيء
أما على قول أبي حنيفة؛ فلأن العتق يختص بسهم المعتق، وإذا كان لا يملكه فهو كعتق عبد لا يملكه.
وعلى قولهما: إن كان العتق للبعض عتقًا للكل (٣)، فإنه يوقع العتق في ملكه ثم يسري إلى ملك شريكه، فإذا ابتدأ بإيقاع العتق في نصيب شريكه لم يعتق، فلا تثبت السراية فيه.
٢٠٣٨ - فَصْل: [المعتق جارية حامل]
قال: وإذا كان المعتَق جارية حاملًا، لا يضمن المُعتِق من قيمة الولد شيئًا، وكذلك كل حمل عتق لعتق أمه فلا ضمان على المُعْتِق؛ وذلك لأن الحمل صفة نقص في الآدمية، والمتلِف لا يلزمه بنقص المتلَف زيادة ضمان؛ ولأن الحمل صفة فيها، فصار كسائر صفاتها، فلا يضمنها على الانفراد.
стр. 2317
فأما قوله: وكذلك كل حمل عتق بعتق أمه، إنما يريد به إذا كان المعتِق مالكًا لها مثل مسألتنا ومسألة عتق الرهن، وإلا فقد قالوا في الجارية الموصى برقبتها لرجل وبحملها لآخر، فأعتق صاحب الرقبة الأم عَتَقَ الحملُ وضمن قيمته (١) لصاحبه.
٢٠٣٩ - فَصْل [كون شريك المعتق في العبد صبيًّا]
قال [وكذلك] إذا كان شريك المعتق في العبد صبيًا أو مجنونًا لهما أب أو جَدّ أو وَصِيّ، فلهم ما للصبي لو كان بالغًا غير العتق، وكذلك إذا كان الشريك مكاتبًا أو مأذونًا؛ وذلك لأن الصبي والمكاتب والمأذون لا يملكون العتق، فلا يملك من يلي عليهم، وإذا سقط العتق بقي حق التضمين والسعاية.
وإن كان الشريك صبيًا واختار وليه السعاية فالولاء له؛ لأنه من أهل الولاء، وإن كان مكاتبًا أو مأذونًا فالولاء لمولاه؛ لأنه لا يجوز أن ينسب الولاء إلا لحر، وإذا لم يثبت له ثبت لمولاه، قال وإذا لم يكن للصغير ولي وقف الأمر حتى يبلغ؛ وذلك لأن تصرفه لا يجوز، إذ يوقف الحق على بلوغه إلى حال التصرف، وهذا إذا لم يكن هناك حاكم، فإن كان نصب له الحاكم من يختار له أصلح الأمرين [جاز].
٢٠٤٠ - فَصْل: [الصلح مع الذي لم يعتق على أكثر من نصف قيمته]
فإذا صالح الذي لم يعتق العبد على أكثر من نصف قيمته دنانير أو دراهم، فالفضل باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن نصف القيمة
стр. 2318
قد وجب على المعتق أو على العبد من جنس الدراهم والدنانير، فإذا صالح على أكثر منها، صار كمن له على رجل ألف فصالحه على ألف ومائة، فالصلح باطل، وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف ومحمد؛ لأن عندهما: من أتلف ما لا مثل له، فالثابت في ذمته القيمة، ولا يجوز صلحه على أكثر منها، وكذلك ضمان العتق؛ لما كان في معنى الإتلاف.
وأما أبو حنيفة فمن أصله: أن من أتلف ما لا مثل له ثبت المتلَف في ذمته، فإن صالح على أكثر من قيمته جاز، وكان ذلك عوضًا عن المتلَف، إلا أن يقول: أن ضمان العتق ليس بضمان صحيح حتى يثبت في الذمة (١)، ألا ترى أن لو كان صحيحًا استوى فيه اليسار والإعسار، وإذا لم يثبت في ذمة المتلف كان الثابت القيمة، فلم يجز الصلح [على] أكثر منها، وقد قال أصحابنا: إن ضمان العتق إذا كان (٢) ضمانًا صحيحًا، لا يختلف باليسار والإعسار، جاز الصلح على أكثر من قيمة (٣) عبده، كمن أعتق جارية حملها لغيره، لزمه ضمان الحمل ضمانًا صحيحًا، فإن صالح على أكثر من قيمته جاز، وإنما يريدون بزيادة القيمة إذا كانت الزيادة لا يتغابن بمثلها، [فأما الزيادة التي يتغابن في مثلها] (٤) فيجوز فيها؛ لأنها تدخل بين التقويمين، فلا يتحقق أنها زيادة.
قال: وإن كان الصلح على عروض قيمتها أكثر من نصف قيمة العبد جاز الصلح؛ لأن المستحق نصف القيمة من جنس الدراهم، فإذا أعطي عنها عوضًا
стр. 2319
من العروض لم يتقدر، وجازت الزيادة [فيه].
٢٠٤١ - فَصْل: [موت المعتق المريض في مرضه]
قال وإذا كان المعتِق مريضًا، فمات في مرضه ذلك، لم يضمن شيئًا، ولا يكون ذلك دَينًا في تركته، ولكن يسعى العبد للشريك.
وقال أبو يوسف [ومحمد] (١): يضمن كما يضمن الحي.
وقال ابن أبي ليلى: إن كان في ثلثه وفاء بجميع قيمته، ضمن في ثلثه نصف قيمته لشريكه.
وجه (٢) قول أبي حنيفة: أن المعتق في المرض في حكم العتق بعد الموت؛ بدلالة أنه يعتبر من الثلث، ولو وقع عليه العتق بالموت لم يضمن المولى، فكذلك إذا أعتق في المرض.
وجه (٣) قول أبي يوسف - وهو قول محمد -: أن العتق من أسباب الضمان فيستوي فيه حال المرض والصحة كسائر الأسباب.
وأما ابن أبي ليلى فيقول: إن الشريك يضمن ليعتق أو يستسعى، وكل واحد منهما يتبرع، فإن اتسع له الثلث جاز، وإلا لم يجز.
٢٠٤٢ - فَصْل: [عبدين بين رجلين أحدهما قال: أحدكما حر]
وقال: قال أبو يوسف في عبدين بين رجلين، قال أحدهما: أحدكما حر
стр. 2320
وهو فقير، ثم استغنى، ثم اختار أن يوقع [العتق] على أحدهما، ضمن نصف قيمته يوم العتق.
وكذلك لو كان مات قبل أن يختار، وقد استغنى قبل موته، ضمن ربع قيمة كل واحد منهما، إنما انظر إلى حاله يوم أوقع بمنزلة من كاتب نصيبه من العبد، ثم أَدَّى فعتق، إنما انظر إلى حال مولاه يوم عتق المكاتب، ولا انظر لحاله يوم كاتب، وهذا صحيح على أصله: أن من أعتق أحد عبديه تعلق العتق بذمته، وإنّما يوقع على أحدهما، فإذا كان الاختيار إيقاعًا، اعتبرت حاله يوم الاختيار.
[قال]: ولو قال لعبد مشترك له: أنت حر إنْ دخلت الدار، ضمن نصف قيمته يوم دخل الدار إن كان يومئذ عبدًا، وذلك؛ لأن العتق لا يقع باليمين وإنما يقع بالشرط.
وقال محمد في مسألة العتق المجهول، اعتبر صفة المعتق في اليسار والإعسار يوم تكلم بالعتق، وهذا صحيح على أصله أن العتق يقع على أحدهما، وإنما يبين بالاختيار من وقع عليه العتق (١).
стр. 2321
بَابُ العبد يكون بين رجلين فيشهد أحدهما على الآخر بالعتق
قال أبو الحسن: إذا كان العبد بين رجلين فشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتقه، جاز إقراره على نفسه.
ولم يجز على صاحبه، ولا ضمان على الشاهد، ويسعى العبد للمنكر في نصف قيمته في قولهم جميعًا.
وذلك لأن شهادة أحدهما على الآخر لا تقبل؛ لأن العتق لا يثبت بقول الواحد، ولو كان اثنين لم (١) تقبل شهادتهما؛ لأنهما يثبتان [بها] (٢) حق الضمان لأنفسهما (٣) بعتق نصيب الشريك الشاهد؛ لأنه لم يعترف بالعتق فيه، وإنما اعترف بالعتق في نصيب شريكه، إلا أنه مالك لسهم من (٤) العبد وقد اعترف بثبوت حق الحرية في نصيبه؛ ولأنه لا يجوز له التصرف فيه بالتمليك وقوله مقبول على نفسه.
وهذا معنى قول أبي الحسن: جاز إقراره على نفسه، ولا ضمان عليه؛ لأنه لم يوقع العتق، وإنما اعترف به على غيره، وكل من لم يوقع العتاق في ملك نفسه لم يضمن، كأحد الشريكين إذا وكل رجلًا بعتق نصيبه، فأعتقه لم يضمن.
стр. 2322
وأما السعاية فمن أصل أبي حنيفة: أنها تثبت مع اليسار والإعسار في زعم الشاهد أن شريكه قد أعتق، وأن له حق [الضمان]، [وقد تعذر الضمان حين لم يقبل قوله، فبقي حق السعاية].
فأما المُنْكِرُ ففي زعمه: أن نصيبه على ملكه، وقد تعذر تصرفه بإقرار شريكه، فكان له أن يستسعي، وأما على قولهما: فالسعاية لا تثبت مع اليسار، فإن كان المشهود عليه موسرًا فلا سعاية للشاهد على العبد؛ لأنه يزعم أنه أعتق بإعتاق شريكه، ولا حق له إلا الضمان، فقد أبرأ العبد من السعاية، فلا يثبت له المطالبة بهما، فإن كان المشهود عليه معسرًا، فللشاهد أن يستسعي؛ لأن السعاية عندهما تثبت مع الإعسار، وأما المشهود عليه فيستسعى بكل حال؛ لأن نصيبه على ملكه، ولم يعترف بسقوط حقه من السعاية.
قال: فإن أعتق كل واحد منهما بعد ذلك نصيبه، جاز في قول أبي حنيفة والولاء بينهما؛ لأن المشهود عليه نصيبه على ملكه وكذلك الشاهد عنده، فإذا أعتقا نفذ عتقهما، وثبت الولاء بينهما، وكذلك إن استسعيا فالولاء لهما.
فأما على قولهما: فالولاء موقوف؛ لأن الشاهد أن يزعم أن جميع الولاء لشريكه، وشريكه يجحد ذلك، فوقف نصف الولاء (١).
٢٠٤٣ - فَصْل: [شهادة كل واحد على صاحبه بعتق العبد]
وإن شهد كل واحد منهما على صاحبه، سعى العبد لكل واحد منهما (في قيمة نصيبه عند أبي حنيفة) (٢)؛ لأن كل واحد منهما يزعم أن شريكه أعتق
стр. 2323
[العبد]، وأن له الضمان أو السعاية، وقد تعذر الضمان حين لم يصدقه، فبقيت السعاية، ولا فرق عنده بين اليسار والإعسار، وأما على قولهما: فإن كانا موسرين فلا سعاية لواحد منهما؛ لأن كل واحد منهما يدعي الضمان على شريكه، ويزعم أن لا سعاية له مع اليسار، فلم يثبت له ما أبرأ العبد منه.
وإن كانا معسرين سعى العبد لكل واحد منهما؛ لأنه يزعم أن شريكه أعتق وهو معسر، فلا حق له إلا السعاية.
وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، العبد (١) للموسر، [ولا يسعى] (٢) للمعسر؛ لأن الموسر يزعم أنه لا ضمان له على شريكه، وإنما السعاية له، فالمعسر يزعم أن الضمان على الشريك فقد أبرأ العبد.
قال: وذلك بعد أن يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه؛ لأن كل واحد منهما يدعي على الآخر الضمان، وذلك مما يصح بذله فيستحلف عليه.
قال: وهو عبد عند أبي حنيفة حتى يؤدي ما عليه؛ لأن من أصله: أن المستسعى [بمنزلة] (٣) المكاتب، وأما على قولهما: فهو حر (٤) عليه دين، حين شهد الوليان؛ لأن كل واحد منهما زعم أنه حر من جهة الآخر، فمن اعترف بالحرية في ملكه نفذت (٥)، والسعاية عندهما لا تمنع الحرية (٦).
стр. 2324
٢٠٤٤ - فَصْل: [عبد بين رجلين حلف أحدهما بعتقه بشرط]
ولو أن عبدًا بين رجلين، حلف أحدهما بعتقه أنه [قد] (١) دخل هذه الدار، وحلف الآخر أنه لم يدخل، [فقد عتق نصف العبد بينهما] (٢) وسعى العبد في نصف قيمته بينهما موسرين كانا أو معسرين في قول أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: إن كانا معسرين سعى في نصف قيمته بينهما، وإن كانا موسرين فلا سعاية لهما، وإن كانا أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، سعى للموسر في ربع قيمته، ولم يسع للمعسر، وقال محمد: هذا مثل شهادة كل واحد منهما على صاحبه: أنه أعتق نصيبه.
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّا تيقنا حنث أحد الشريكين؛ لأن العبد لا يخلو: [إما أن يكون] (٣) أنه دخل أو لم يدخل، والمستحق للحرية معلوم، وإن جهل المستحق عليه فيعتق نصف العبد بغير سعاية، ولزمه السعاية في النصف، وليس أحدهما بذاك أولى من الآخر، فيقتسم بينهما (٤) في قول أبي حنيفة على أصله: أن اليسار والإعسار في السعاية سواء.
وأما أبو يوسف فيختلف حكم اليسار والإعسار عنده على ما قدمناه.
فإن كانا معسرين سعى لهما، وإن كانا موسرين لم يسع لهما وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا، سعى للموسر في ربع قيمته ولم يسع للمعسر في شيء.
стр. 2325
وجه قول محمد: أن كل واحد منهما يدعي الحرية [على شريكه] (١)، فصار كشهادة كل واحد منهما على الآخر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنا لا نتيقن الحرية في مسألة الشهادة؛ لجواز أن يكونا كاذبين أكدنا وتيقنا في مسألتنا؛ لأن العبد [لا بد] (٢) أن يكون دخل أو لم يدخل، فكذلك اختلفا، وليس هذا عند أبي حنيفة كرجل قال لعبده: إن كان زيد دخل الدار اليوم فأنت حر، وقال الآخر لعبده: إن كان زيد (٣) لم يدخل الدار اليوم فأنت حر، أنه لا يعتق واحد منهما (٤)؛ وذلك لأن المستحق للحرية مجهول، والمستحق عليه مجهول، فحصلت الجهالة في الطرفين فمنعت.
وفي مسألتنا: المستحق للحرية معلوم والمستحق عليه مجهول (والجهالة في أحد الطرفين لا تمنع الوقوع، كرجل قال: أحد عبديَّ حر) (٥)، والجهالة في الطرفين تمنع، كشاهدين شهدا أن أحد أهل هذه الجماعة (٦) أعتق عبده.
٢٠٤٥ - فَصْل: [في عبدين بين رجلين، قيل لأحدهما: أنت حرٌّ بشرط]
وعلى هذا قال أبو يوسف في عبدين بين رجلين، قال أحدهما لأحد العبدين: أنت حر إن لم تدخل أمتنا هذه الدار اليوم، وقال الآخر: إن دخلت أمتنا هذه الدار اليوم فأنت حر، فمضى [اليوم] وتصادقا أنهما لا يعلمان دخلت أو لم
стр. 2326
تدخل، فإن هذين العبدين يعتق من كل واحد [منهما] ربعه، ويسعى في ثلاثة [أرباع قيمته] بين الوليين نصفين إذا كانت قيمتهما سواء؛ وذلك لأنا تيقنا أن نصف أحد العبدين حر لا محالة، وليس أحدهما بذلك أولى من الآخر، فيقسم نصف الحرية بينهما إذا تساوت قيمتهما، ويسعى كل واحد منهما في ثلاثة أرباع قيمته.
وقال محمد: قياس قول أبي حنيفة أن يسعى كل واحد منهما في جميع قيمته بينهما نصفان، وذلك لأن الحنث معلوم إلا أن المستحق مجهول (١) ولا أقضي بالحرية مع الجهالة (٢) في الطرفين، فكذلك [يسعى] كل واحد منهما في جميع قيمته.
٢٠٤٦ - فَصْل: [عبد بين رجلين زعم أحدهما أن صاحبه أعتقه منذ مدة]
ومن هذا الفرع (٣) ما ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: في عبدٍ بين رجلين زعم أحدهما أن صاحبه أعتقه منذ سنة، فقال شريكه: لم أعتقه منذ سنة، وقد أعتقته أنت اليوم، فاضمن لي نصف القيمة لعتقك، فلا ضمان على الذي زعم أن صاحبه أعتقه منذ سنة، وذلك لما ابتدأ [واعترف] (٤) على صاحبه بالحرية، فقد ثبت حق الحرية للعبد بالقول الأول على وجه لا يلزم المقر ضمان، فلا يلزمه بعد ذلك بالإيقاع، قال: وكذلك لو قال أعتقه صاحبي منذ سنة وأعتقته أنا أمس، فهو كذلك، إذا قامت بينةٌ أنه أعتقه أمس فهو ضامن لشريكه؛ لأنه عتق بإعتاقه
стр. 2327
قبل أن يثبت له حق الحرية بإقراره، فوجب عليه الضمان بدعواه على شريكه.
والعتق المتقدم لا يسقط الضمان عن الذمة (١) وليس كذلك إذا لم يقم بينة أنه أعتقه أمس؛ لأن العتق [إنما] (٢) ثبت باعترافه، وذلك ظهر بعد إقراره على شريكه.
стр. 2328
بَاب الرجل يعتق أحد عبديه بغير عينه
قال أبو الحسن: وإذا قال لعبدين له: أحدكما حر، أو قال [الرجل] (١): هذا حر، أو هذا، أو سماهما، فقال: سالم حر أو بزيغ، لزمه عتق أحدهما.
فقال الشيخ رحمه الله تعالى: والأصل في جواز العتق (٢) المجهول قوله ﷺ : "لا عتق إلا فيما يملكه ابن آدم" (٣)، ولأن هذه [الجهالة] (٤) جهالة لا تمنع البيع مع ضعفه بدليل (٥) من باع قفيزًا من صبرة جاز، ولزم البائع تعيينه، فإذا لم يمنع البيع، فالعتق أولى.
٢٠٤٧ - فَصْل: [تعلق الحرية فيما إذا أعتق أحد عبديه]
قال أبو يوسف: إذا أعتق أحد عبديه تعلق الحرية بذمته، ويقال له: [أوقع] (٦)، وكان أصحابنا يقولون: إن هذا قول أبي حنيفة أيضًا، وقال محمد في الزيادات يقال له: بَيِّنْ وفي موضع آخر أعتِقْ، والصحيح من مذهبه: أن العتق يتعلق بأحدهما، ويقال للمولى: بَيِّنْ.
стр. 2329
وجه (١) قول أبي يوسف: أنما الحرية إنما تتعلق بعين، فإن لم يعينها تعلقت بذمته، ولأنهما على ملكه قبل البيان، ألا ترى أن منافعهما له وأرشهما له، ولو كان العتق وقع على أحدهما لم يستحق أرشه.
وكان أبو الحسن يفصل بين الطلاق في المجهول والعتاق في المجهول، فيقول: إن العتاق يثبت في الذمة والطلاق لا يثبت؛ لأنه لا يصح إيجابه، وكان غيره من أصحابنا يُسَوِّي بينهما فيقول: إن الطلاق وإن لم يثبت في الذمة فيصح أن يوصف بالوجوب، ألا ترى أن فرقة العنين طلاق وهي واجبة على الزوج وإنما يقوم القاضي مقامه.
وجه قول محمد: أن العتق لم يعلّقه بذمته، فلم يجز لنا إثباته على غير الوجه الذي أثبته، فإذا لم يتعلق بالذمة تعلق بالعين، ولأن العتق المتعلق بالذمة لا يختص إيقاعه بعبد دون عبد، فلما (٢) لم يجز إيقاع هذا العتق على غير هذين العبدين، دلّ أنه تعلق بهما (٣).
٢٠٤٨ - فَصْل: [بيان الجهالة إلى المولى]
والبيان في ذلك إلى المولى؛ لأن العتق صَحَّ من جهته فبيانه إليه، ألا ترى أن من أقرَّ بحق مجهول كان بيانه إليه؛ لأنه صَحَّ من جهته، وكذلك من باع قفيزًا من صبرة كان تعيينه إليه.
стр. 2330
٢٠٤٩ - فَصْل: [التسمية تعريف كالإشارة]
وإنما استوى حكم الألفاظ التي ذكرها؛ لأنه قال: أحدكما حر، وقد أوقع العتق على أحدهما، وإذا قال: هذا حر أو هذا، فقد خيّر نفسه في عتقهما، فإذا قال: سالم [حرّ أو] (١) بزيغ، فالتسمية تعريف كالإشارة.
٢٠٥٠ - فَصْل: [مخاصمة العبد مولاه في الحرية المُوقَعَةَ]
[قال]: فإذا خاصمه [العبدان إلى] (٢) الحاكم، أجبره الحاكم على أن يعتق أحدهما، وإنما يثبت لهما حق الخصومة؛ لأن الحرية يجوز أن تكون لكل واحد منهما، وللعبد حق في مخاصمة مولاه في الحرية الموقعة، وإنما أجبره الحاكم؛ لأن العتق وقع إما في الذمة على قول أبي يوسف، أو في العين على قول [محمد]، وما وجب على الإنسان أو تعلق به حق آدمي أجبره الحاكم.
٢٠٥١ - فَصْل: [في اختيار إيقاع العتق على أحد العبدين]
[قال]: فإن لم يخاصماه عند الحاكم فاختار إيقاع العتق على أحدهما، وقع عليه العتق حين اختار عتقه، وهما قبل ذلك بمنزلة العبدين ما دام خيار المولى قائمًا فيهما، وهذا اللفظ صحيح على أصل أبي يوسف، يقال للمولى: أوقع، فإذا أوقع وقعت الحرية بإيقاعه، فأما على أصل محمد: فالوقوع سابق، وإنما بين المولى من وقع العتق عليه، فأما قوله: وهما قبل ذلك بمنزلة العبدين فصحيح (٣) على أصل أبي يوسف؛ لأن الحرية لم تقع على واحد منهما،
стр. 2331
وكذلك على أصل محمد؛ لأن الحرية وإن وقعت عنده فلم تتعين، [وقد] (١) كان له أن يوقع على كل واحد منهما بدلًا من الآخر، فدل على أنهما في حكم العبدين.
٢٠٥٢ - فَصْل: [العتق في حال انقطاع خيار المولى]
قال: وإذا انقطع خيار المولى وأحدهما في ملكه، عتق الذي في ملكه، وهذا مثل أن يموت أحدهما؛ وذلك لأنه لم يبق من استحق العتق إلا الآخر، ومن خَيَّر بين أحد أمرين ففات أحدهما، تعين الآخر، وليس كذلك من باع أحد العبدين على أن المشتري بالخيار، فمات أحدهما؛ لأن الموت عيب عند حدوثه وما شرط فيه الخيار، بطل الخيار فيه بحدوث العيب، فتعين [البيع] (٢) قبل أن يموت فمات على ملكه، والعيب لا يقطع الخيار في مسألتنا، [فقد] (٣) مات [العبد] (٤) قبل أن تتعين الحرية، فتعينت في [الثاني] (٥)، وليس هذا كمن قال: أحد هذين ابني، أو [إحدى] هاتين أم ولدي، فمات أحدهما، لم تتعين الحرية والاستيلاد في [الثاني] (٦) رواية ابن سماعة عن محمد؛ لأن هذا ليس بإيقاع، وإنما هو إخبار عن أمر سابق، يجوز أن يكون خبرًا، ويجوز أن لا يكون عن الميت وعن الحي، فوقف على بيانه.
стр. 2332
٢٠٥٣ - فَصْل:
[قال] (١): وإن انقطع خيار المولى [وهو ممن] (٢) يجوز إعتاقه فيهما، عتق من كل واحد منهما نصفه، مثل أن يموت المولى قبل أن يبين؛ وذلك لأن الخيار فات بموت المولى، فكل واحد [منهما] (٣) حر في حالٍ وعبد في حالٍ، فانقسمت الحرية بينهما.
٢٠٥٤ - فَصْل: [إخراج المولى أحدهما عن ملكه بوجه من الوجوه]
وإذا (٤) أخرج المولى أحدهما عن ملكه بوجه من الوجوه، أو رهنه (٥) أو دبّره، أو كاتبه، أو كانتا أمتين فوطئ إحداهما فعلقت، (أو باع أحدهما على أنه بالخيار، أو على أن المشتري بالخيار) (٦)، أو باع أحدهما بيعًا فاسدًا وقبضه المشتري، أو حلف على أحدهما بحرية إن فعل (٧) شيئًا، فذلك كله اختيار لإيقاع العتق على الآخر؛ وذلك لأن مَنْ خير بين أمرين [ففعل ما يستدل به] (٨) على الاختيار قائم مقام قوله: اخترت؛ بدلالة قوله ﵊ لبريرة: (إن وطئك زوجك فلا خيار لك) (٩)، وإذا ثبت هذا قلنا: إذا أخرج المولى أحدهما من ملكه فلم يبق من
стр. 2333
يستحق الحرية إلا الآخر فوقعت عليه، وكذلك إذا رهنه؛ لأنه لو أراد تعيين الحرية فيه لم يرهنه، وكذلك إذا آجره؛ لأنه لو أراد (١) الحرية لم يؤاجره؛ لأن العتق [يرفع] (٢) الإجارة، فكذلك الكتابة؛ [لأنها تقتضي] (٣) الحرية بموجبها، فدل على أنه لم يقصد إيقاع الحرية عليه بموجب العتق الأول، وكذلك التدبير؛ لأن ذلك حرية متعلقة بشرط، ولو أراد أن يعجل عتقه لم يعلقه بشرط، وكذلك إذا وطئها فعلقت؛ لأن الاستيلاد يوجب حرية متأخرة، والعتق الموقع يقتضي حرية معجلة، وأما إذا باع وشرط الخيار لنفسه أو للمشتري، فقد قصد إلى عقد صحيح، وإيقاع الحرية يمنع هذا العقد، فدل على أنه عدل بها إلى (٤) الآخر، وأما البيع الفاسد إذا قبض فقد زال الملك عندنا، كالبيع الصحيح، ولا يحتاج في تعيين الحرية إلى القبض؛ لأنهم قد قالوا: إنه لو ساوم بأحد العبدين وقع العتق بالآخر، والسوم أدون من البيع الفاسد إلا أنهم ذكروا القبض لا لأنه شرط، ولكن ليدخلوه في جملة ما زال الملك فتعين العتق، وأما إذا حلف على أحدهما فقد علق حريته (٥) بالشرط، والعتق يقتضي حرية منجزة، فدل على أنه لم يقصد بعينها فيه (٦)، قال ابن سماعة عن محمد: فإن كانت اليمين سابقة للحرية المجهولة، فوقعت الحرية بوجود الشرط بعد قوله أحدكما حر عتق الآخر؛ لأن ملك المولى زال عن أحدهما بسبب من جهته كما لو باعه.
стр. 2334
قال محمد في الإملاء: إذا وهب أحدهما وأقبضه، أو تصدق وأقبض، عتق الآخر عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعندنا؛ لأن الملك يزول بالقبض، وزوال الملك يوجب التعيين.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: وكذلك لو أوصى به أو ساومه به (١)؛ وذلك لأن الوصية والسوم سبب في التمليك (٢)، ولو أراد أن يعين العتق فيه لم يعلق به سبب التمليك.
٢٠٥٥ - فَصْل: [اختيار حرية إحدى الأمتين]
قال أبو حنيفة: إذا أعتق إحدى أمتيه فوطئ إحداهما، لم يكن وطؤه اختيارًا، وقال أبو يوسف ومحمد: تتعين الحرية في الأخرى، قال ابن سماعة عن أبي يوسف: وكذلك إن قبّل إحداهما بشهوة، أو لمس بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة (٣)، لأبي حنيفة: إن الوطء استيفاء منفعة فلا تتعين به الحرية كالاستخدام؛ ولأن وطأها على ملكه بدلالة: أنه لو وطئها بشبهة (٤) كان المهر له، واستيفاء المبدل كاستيفاء البدل، فلا تتعين به الحرية، وليس هذا عنده كمن طلق إحدى امرأتيه ثم وطئ إحداهما؛ لأن النكاح لا ينفرد عن الاستباحة، (ولما وطئ دل ذلك على التعيين، وملك اليمين ينفرد عن الاستباحة) (٥) بدلالة أخته من الرضاعة، فلم يكن الوطء موجب الملك، فلا يتعين به الملك، وكذلك إن
стр. 2335
اشترى إحدى أمتين على أنه بالخيار، يتعين الملك بوطئه؛ لأنه لا يملك وطء الأخرى، فصار وطؤه تعيينًا، وفي مسألتنا يملك وطأها بدلالة استحقاقه لعقرها.
وجه قولهما: أن وطء الحرة لا يجوز، فلما وطئها دل على أنه عيّن الحرية في الأخرى، كما لو طلق إحدى امرأتيه ثم وطئ.
٢٠٥٦ - فَصْل:
قال فإن استخدم إحداهما لم يكن ذلك اختيارًا في قولهم جميعًا (١)؛ لأن الاستخدام لا يختص بالملك، ألا ترى أنه قد تستخدم الحرة، فلم يدل على تبقية الملك.
٢٠٥٧ - فَصْل: [إعتاق إحداهما بعد قوله إحداكما حرة]
قال: فإن أعتق إحداهما بعد قوله إحداكما حرة، وقال: أردت بالعتق الذي لزمني بقولي إحداكما حرة، فالقول: قوله في ذلك، أمّا على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف: فإنما لزمه الإيقاع، [وقد أوقع، فالقول قوله فيما أوقع، وعلى قول محمد: يلزمه البيان، ولفظ الإيقاع إخبار] (٢) فيجوز أن يكون بيانًا، قال: وإذا أراد عتقًا مستأنفًا عتقتا جميعًا؛ لأن إحداهما عتقت بالإعتاق، فلم يبق من يستحق الحرية الأولى إلا الأخرى.
٢٠٥٨ - فَصْل: [باع الأمتين في صفقة واحدة]
قال الشيخ ﵀ (٣): ونظير ما ذكره أبو الحسن ما روى ابن سماعة عن أبي
стр. 2336
يوسف قال: إن باعهما صفقة واحدة أبطلت البيع، لأن من أصله أنه استحق إحداهما حق الحرية، فمنع من البيع فيهما، وعلى أصل محمد: الحرية قد وقعت، فصار كمن جمع بين عبد وحر في البيع، قال: ولو وهبهما أو تصدق بهما أو تزوج عليهما، فإنه يخير فيوقع العتق في [أيتهما] (١) شاء، وتجوز الصدقة والهبة والنكاح على الأخرى؛ وذلك لأن الهبة والصدقة والنكاح [إذا وقعت] (٢) على شيئين [لم يكن] (٣) أحدهما شرط في الآخر، وفساد العقد في أحدهما لا يوجب فساده في الآخر، فإذا خير فاختار (٤) صار كأن الحرية تعينت قبل عقده، [ومن جمع بين الهبة والنكاح] (٥) بين حر وعبد، صَحّ في العبد وبطل في الحر، ولا يقال لو وهب أو أقبض أو تزوج، فقد [أزال ملكه] (٦) عن أحدهما، فكيف يخير؛ لأن العقد عندنا موقوف على الاختيار لاستحالة أن [يحكم بزوال] (٧) الملك في أحدهما مع تعلق الحرية، فإذا تعينت الحرية باختياره صَحَّ العقد، قال: وإن لم يوقع العتق حتى مات أبطلت الهبة والصدقة فيهما؛ لأن موته يوجب انقسام الحرية بينهما والهبة لا تصح في عبد قد عتق بعضه.
٢٠٥٩ - فَصْل: [إعتاق أحد المأسورَين في الحرب]
قال: ولو أسرهما أهل الحرب كان للمولى أن يوقع العتق على أحدهما،
стр. 2337
ويكون الآخر لأهل الحرب؛ وذلك لأن أسرهما لا يتعلق (١) به الملك لثبوت حق الحرية لهما، كما لا يملك المكاتب بالأسر، فإن أبقيا على ملك المولى جاز أن يتعين (٢)، فإذا تعينت الحرية [من أحدهما] (٣) بتعيينه بقي الآخر عبدًا فملكه أهل الحرب، قال: فإن لم يعين المولى حتى مات، بطل ملك أهل الحرب فيهما؛ لأن الحرية انقسمت بينهما فتعذر التملك، ولو اشتراها رجل من أهل الحرب فللمولى أن يوقع العتق على أيهما شاء، ويأخذ الآخر بحصته من الثمن؛ وذلك لأن أهل الحرب ثبت لهم حق التملك في أحدهما، ألا ترى السبي لا تبطله الشروط، فإذا باعوه ثبت للمشتري ما كان ثابتًا لهم، فبقي خيار المولى، فإذا عين (٤) صَحّ ملك أهل الحرب، فالمشتري منهم في الآخر فيأخذه بحصته.
قال: وإن اشترى رجل من أهل الحرب أحدهما، فاختار المولى عتقه، عتق وبطل الشراء لما بيّنا أن حكم ملك المولى باق، وله حق (٥) الاختيار، قال: فإن أخذه المولى من الذي اشترى بالثمن عتق الآخر؛ لأن أخذه له رضًا بتعيين الحرية في الآخر، فكأنه أعتق.
قال: ولو [أسر] (٦) أهل الحرب أحدهما لم يعتق [الآخر] (٧)؛ وذلك لأنه (٨)
стр. 2338
على صفة يصح وقوع العتق فيه، ولم يزل ملك المولى عندنا باختياره، فكان له إيقاع الحرية فيه، وذلك يمنع من تملكه، وليس كذلك إذا باع أحدهما؛ لأن الملك يتعين باختياره، فصار بائعًا له بعد سقوط حق الحرية عنه.
٢٠٦٠ - فَصْل: [عتق المشتري للعبدين فيما لو باعهما صفقة واحدة]
قال: لو باعهما من رجل صفقة [واحدة] وسَلَّمَهُما [إليه]، فأعتقهما المشتري قبل البائع خيّر على إيقاع الحرية، فإذا أوقع على أحدهما، عتق الآخر على المشتري ولزمه القيمة؛ وذلك لأن المشتري قبضهما بحكم عقد فاسد، وأحدهما حر والآخر عبد، فملك العبد منهما ونفذ عتقه فيه، وإنما بدأ بتخيير البائع؛ لأن التمليك حصل من جهته في مجهول، فإذا عين الحرية [تعيّن] (١) الملك الفاسد في الآخر، فينفذ (٢) فيه عتق المشتري، قال: فإن مات البائع قبل أن يبين، قام الورثة مقامه، وقيل لهم: بينوا، فإن بينوا في أحدهما عتق الآخر (٣) على المشتري، وإنما لم تنقسم الحرية بالموت؛ لأن الملك زال في الآخر، فتعذر الانقسام، وبقي الخيار، فقام الوارث فيه مقام المورث.
فإن قيل: هذا [الخيار] قد ورث عندكم، قلنا: ليس كذلك، وإنما يثبت للورثة خيار مبتدأ؛ لأنهم استحقوا (٤) قيمة أحد العبدين، فلهم التعيين كما كان للبائع، وهذا كما قالوا فيمن باع أحد عبدين على أنه بالخيار، وقبضهما المشتري
стр. 2339
[فمات أحدهما] (١) في يده، ثم مات البائع، أن لورثة البائع الاختيار.
قال: فإن لم يعتق المشتري حتى مات البائع، لم ينقسم العتق فيهما حتى يفسخ القاضي البيع، فإذا فسخه عتق من كل واحد نصفه؛ وذلك لأن الملك زال في أحد العبدين، فلم يجز قسمة الحرية من غير ملك الموقع إلا أن البيع الفاسد يجب فسخه، وذلك يقع بفعل الحاكم أو تراضي المتعاقدين، فإذا وجد الفسخ عاد إلى ملك المعتق [فانقسمت] (٢) الحرية.
٢٠٦١ - فَصْل: [قول المولى: أحد عبيدي حر ثلاثًا، لثلاثة أعبد]
قال بشر عن أبي حنيفة (٣): إذا كان له ثلاثة أعبد فقال أحد عبيدي حر، أحد عبيدي حر، أحد عبيدي حر، عتقوا؛ وذلك لأن أحدهم عتق باللفظ الأول ثم أوقع العتق الثاني على [أحد] (٤) عبيده فخرج المعتق منهم، فعتق أحد الباقين ولم يُبْقِ له إلا عبدًا واحدًا، فعتق باللفظ الثالث، فلو قال: أحدكم حر، أحدكم حر، لم يعتق إلا واحد؛ لأن أحدهم عتق باللفظ الأول، ثم جمع بين حر وعبدين فقال: أحدكم حر، فلم يتعلق باللفظ الثاني والثالث حكم؛ لأنه صادق فيه (٥).
стр. 2340
بَاب الرجل يعتق أحد أمتيه فتلد كل واحدة منهما ولدًا أو يجني عليهما
قال أبو الحسن: وإذا قال لأمتيه إحداكما حرة فقتلهما رجل جميعًا (١) معًا، فعلى القاتل نصف قيمة كل واحدة منهما للمولى، وعليه نصف دية هذه ونصف دية هذه لورثتهما.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: والأصل في ذلك أن القاتل لا يخلو: إما أن يكون واحدًا أو اثنين، وكل واحد منهما على فصلين: إما أن يكون قتلهما معًا أو إحداهما بعد (٢) الأخرى.
فإن كان القاتل واحدًا وقتلهما معًا، فقد علمنا أنه قتل حرة وأمة، والواجب بقتل الحرة الدية، وبقتل الأمة القيمة، والقيمة للمولى والدية للورثة، فكل واحدة منهما تجب ديتها في حال، وقيمتها في حال، فيقسم ذلك على أصلنا في اعتبار الأحوال.
أما إن قتل إحداهما قبل صاحبتها (٣)، فقد تعينت الحرية في الثانية بقتل الأولى، فكان على القاتل قيمة الأولى للمولى ودية الثانية للورثة.
وأما إذا قتل كل واحدة منهما رجل، فكان القتل معًا، فعلى كل واحد
стр. 2341
منهما (١) من القيمة نصفها للورثة ونصفها للمولى؛ لأنا لا نعلم من تجب عليه الدية منهما، فسقط إيجابها لجهالة المستحق عليه، فبقي القيمة المتيقنة، وليس كذلك إذا كان القاتل واحدًا، لأن المستحق عليه معلوم، وإنما جهل المستحق، وفي مسألتنا المستحق عليه مجهول، فلم يثبت الاستحقاق عليه بالشك، وإنما انقسمت القيمتان؛ لأن المولى مستحق بدل (٢) إحداهما، والورثة لبدل الأخرى، وكل واحد منهما يستحق في حال ولا يستحق في حال.
وأما إذا كان القتل [متفرقًا] (٣) فغرم القاتل الأول قيمة المعتق للمولى، وقد تيقن الحرية في الثانية فعلى قاتلها، الدية لورثتها.
٢٠٦٢ - فَصْل: [قطع رجل يد كل واحد منهما معًا، أو إحداهما بعد الأخرى]
ولو قطع رجل يد كل واحدة منهما معًا أو إحداهما بعد الأخرى، ففي كل واحدة منهما نصف قيمتها؛ وذلك لأن الحرية يجوز أن تقع على كل واحدة منهما بدلًا من الأخرى، والقطع لا يمنع بقاء خيار المولى، فكان الأرش له وليس كذلك القتل؛ لأنه يمنع بقاء الخيار، فتعينت الحرية، وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف: أن الحرية لم تقع على واحدة منهما، فأما محمد: فإن قال إنها وقعت، فلم يتعين قبل البيان، فكان الأرش قبل التعيين له فإذا أعتق المولى إحداهما فلا شيء له من الأرش؛ لأن عند أبي يوسف: الحرية إنما وقعت بالإيقاع، فما حصل قبلها من الأرش للمولى، وعلى قول محمد: العتق بيان إلا أنه كان يقدر أن يعتق (٤)
стр. 2342
غيرها، فصار التعيين في حكم الإيقاع، قال: وأما كسب الأمتين قبل أن يوقع المولى العتق فهو للمولى في قولهم، وهذا أظهر من الأرش؛ لأن الكسب يجوز أن يملكه من لا يملك الأصل، والأرش لا يملكه إلا مالك الأصل، فإذا استحق المولى الأرش فالكسب أولى.
٢٠٦٣ - فَصْل: [أثر ولادة إحدى الأمتين في عتق الأخرى]
قال: ولو ولدت كل واحدة منهما ولدًا أو ولدت إحداهما، فإنه يعتق ولد التي اختار (١) المولى إيقاع العتق عليها كان مع الأخرى ولدٌ أو لم يكن؛ وذلك لأن حق الحرية متعلق بإحداهما عند أبي يوسف، فيسري إلى ولدها كالاستيلاد والكتابة، وعلى قول محمد: [الحرية] (٢) قد وقعت، فأولى أن يسري إلى الولد.
[قال]: ولو ماتت الأمتان معًا، خيّر المولى في أن يوقع العتق على أي الولدين شيئًا؛ لأن الحرية لم تتعين بالموت، وأحد الولدين حر، فخير المولى فيه كالأم، فإن مات أحد الولدين قبل الآخر، فلم يلتفت إلى ذلك، وهذا إنما يريد به إذا مات أحد الولدين مع بقاء الأمتين، لم يتعلق بموته حكم التعيين؛ لأن الحرية تتعين فيه بتعيينها في أمّه، وحكم التعيين في الأم ممكن، فقيل للمولى: عَيِّنْ، ففي أيهما عَيِّن العتق (٣) يعتق ولدها.
قال: ولو قتل الأمتين رجل معًا، خيّر المولى في الولدين لما بينا. قال ولا يرث الابن المعتق من الأرش شيئًا؛ لأنه عتق بالاختيار، وذلك متأخر عن الموت، فلا يرث.
стр. 2343
بَاب الرجل يقول لعبده ولشيء لا يقع عليه العتق: أحدكما حر
قال [﵁]: الأصل في هذا الباب: أن من جمع بين عبده وبين ما لا يقع عليه العتق كالبهيمة والحائط، فقال: عبدي حر، أو هذا، أو قال: أحدكما حر، عتق عبده عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتق، وروى ابن سماعة عن محمد فيمن قال لعبده وأشار إليه أنت حر، أو هذا الحائط: فالعتق يقع على عبده في قول أصحابنا، وأما أنا فلا أرى أن يعتق عبده، ولو قال أحدكما حر عتق.
وجه قول أبي حنيفة: أنه وصف أحدهما بالحرية، والمضموم إلى العبد لا يوصف بها، فلم يبق من يستحقها إلا العبد، فكأنه قال: أنت حر، ولأنّا إذا عينا ما فيه تعلق بالكلام حكم، وإن لم يعينها ألغينا الكلام، ولا يجوز إلغاؤه مع إمكان تعليق الفائدة به، ولأنه لو أوقع الحرية على أحد عبديه، فصار أحدهما، بحيث لا يعتق، تعينت في الآخر، كذلك إذا أوقعها على أحد شيئين لا يعتق أحدهما.
وجه قولهما: أنه خَيّر نفسه بين عتق عبده وبين صرف العتق عنه، فكأنه قال: أنت حر [أولًا] (١).
وأما وجه الفرق (٢) لمحمد: وهو أنه إذا قال لعبده أنت أو هذا، والمضاف
стр. 2344
إليه لا يوصف، فكأنه قال: أنت أو هذا حر، وليس كذلك إذا قال: أحدكما حر؛ لأنه أنه لم يخير نفسه وإنما وصف أحدهما بالحرية (١) ولا يجوز أن يوصف بها إلا العبد.
٢٠٦٤ - فَصْل: [الرجل جمع بين عبده وبين من يوصف بالحرية]
وأما إذا جمع بين عبده وبين من يوصف بالحرية، إلا أن عتق المولى لا ينفذ فيه، فقال: أحدكما حر، لم يعتق عبده، كمن جمع بين عبده وعبد غيره؛ وذلك لأن عبد الغير يوصف بالحرية من جهة مولاه، ويجوز أن يكون الموقع أراد أن يوقع عليه حرية موقوفة على إجازة المولى، فلم يكن في صرف الحرية عن عبده إلغاء الكلام، وعلى هذا لو جمع بين أمة حية وميتة فقال: أنت حرة أو هذه، أو إحداكما حرة، [لم تعتق أمته؛ لأن الميتة توصف بالحرية فيقال ماتت حرة، وماتت أمة، فلم تختص الحرية بأمته] (٢)، وقال عمرو عن محمد قال أبو حنيفة: إذا قال لحر أنت حر، أو عبدي، عتق العبد؛ لأنه خير نفسه فيهما، ولا فرق بين تقديم العبد أو الحائط.
٢٠٦٥ - فَصْل: [فيمن له ثلاثة أعبد وقال لاثنين: أحدكما حُرٌّ]
ومن نظير هذه المسألة ما قال في جامع الكبير: فيمن [كان] له ثلاثة أعبد، دخل عليه اثنان، فقال: أحدكما حر، ثم خرج أحدهما ودخل الثالث، فقال: أحدكما حر، وذلك في صحته ثم مات [قبل أن يبيّن]، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يعتق ثلاثة أرباع الثابت، ونصف الآخرين، وقال محمد يعتق من الداخل
стр. 2345
ربعه، فأما أبو حنيفة فبنى على أصله: أن الحرية تتبعض، فلما قال أحدكما حر، فقد عتق أحدهما، فلا يخلو: إما أن تكون الحرية ثابتة في الذمة أو تبعضت، فوقعت عليهما نصفين.
فإن قلنا: إنها في الذمة، صَحّ اللفظ الثاني؛ لأنه أوقعه على عبدين.
وإن قلنا: إنها قد وقعت، فقد انقسمت بينهما، فصار كل واحد مكاتبًا عبده، ومن جمع بين مكاتبٍ وعبدٍ فقال: أحدكما حر، تعلق بقوله حكم، فالقول [في الأولى] (١) ثابت عند أبي حنيفة بكل حال فيقول: الحرية الأولى انقسمت بين الثابت والخارج نصفين، فعتق من كل واحد منهما النصف، واللفظ الثاني ثابت، فإن عني به الثابت فقد عتق نصفه، وإن عني [به] الداخل عتق كله، ففي حال يعتق نصف الثابت، وفي حال لا شيء، فيعتق نصف ذلك وهو الربع، فحصلت [له] ثلاثة أرباع الحرية، والداخل يعتق نصفه؛ لأنه يعتق في حال ولا يعتق في حال، فأما أبو يوسف: فلا يرى تبعيض الحرية؛ لأنها (٢) تقع عنده في الذمة، فلما قال ثانيًا: أحدكما حر، فهو جامع بين عبدين، فوافق أبا حنيفة في هذا الوجه.
وأما محمد فمن أصله: أن الحرية لا تتبعض، وإنها تثبت في العين، وإذا كان هذا أصله قال: لا يخلو إما أن يكون أراد باللفظ الأول الخارج أو الثابت، فإن أراد الخارج صَحَّ اللفظ الثاني، فانقسم موجبه بين الداخل والثابت نصفين، فإن كان اللفظ الأول وقع على الثابت لم يصح إيقاع اللفظ الثاني؛ لأنه جامع بين
стр. 2346
حر وعبد، فاستحق الثابت نصف حرية في حال أو (١) لا شيء، فله نصفها، والحرية الأولى بينه وبين الخارج نصفين، فله ثلاثة أرباع حرية، وأما الداخل فله نصف الحرية في حال ولا شيء في حال، فصار له نصف ذلك: وهو الربع.
٢٠٦٦ - فصل: [المسألة السابقة في حال المرض]
وإن كان قال ذلك في المرض ولا مال له غيرهم، ضربوا في الثلث بقدر ما استحقوا، فيحصل (٢) رقبة عن كل عبد أربعة أسهم، فيضرب الثابت بثلثه، وكل واحد من الداخل والخارج بسهمين، فذلك أربعة (٣) أسهم، ويضرب الورثة [بمثلي] ذلك، فيصير رقبة كل عبد سبعة أسهم، يعتق من الثابت ثلاثة (أسهم: وهي ثلاثة أسباعه، ومن كل واحد من الآخرين سُبُعاه، فأما محمد فيضرب للثابت [بثلاثة]) (٤) والخارج بسهمين وللداخل بسهم، فذلك ستة، أسهم و [يضرب] الورثة بمثلي ذلك، ويستحق الثابت نصف رقبته، والخارج ثلثها، والداخل سدسها، ويسعون في بقية ذلك.
стр. 2347
بَاب عتق ما في البطن
قال: الأصل في جواز عتق الحمل: أنه يعتق بعتق الأم بالاتفاق (١)؛ فلأن يعتق إذا أفرده بالحرية أولى، ولأن الحمل لا يجوز أن يعقد عليه بما يمنع الخطر وتعذر التسليم في عقده، والعتق لا [يمنعه] (٢) الخطر وتعذر التسليم؛ بدلالة جواز عتق الأمة الآبقة، وكذلك تدبير ما في البطن جائز؛ لأنها حرية متعلقة بالشرط، فإذا جاز أن ينجز حريته، جاز أن يعلقها بالشرط.
قال أبو الحسن: فإذا قال لأمته: ما في بطنك حر، فجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ قال ذلك، عتق وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يعتق؛ لأنها إذا وضعت لأقل من ستة أشهر فقد تَيَقَّنَّا بوجود الولد عند الإيقاع فعتق، وإن جاءت لأكثر لم نَتَيَقَّنْ [وجوده]؛ لجواز أن يكون الحمل لستة أشهر.
[قال]: فإن ولدته ميتًا بعد القول بيوم لم يعتق؛ وذلك لأنا لا نعلم حياته عند الإيقاع، والعتق لا يقع إلا في الحي، قال: فإن كانت الأمة في عِدَّةٍ من زوج، عتق الولد إذا ولدته ما بينها وبين سنتين منذ وجبت العدة، وإن كان لأكثر من ستة أشهر منذ قال المولى ذلك؛ لأنا نحكم بثبوت نسب هذا الولد من الزوج، فلا بد أن يحكم بوجوده قبل الطلاق، والعتق متأخر عن ذلك، وهذا على ما
стр. 2348
نقول إنّ الوطء إذا كان محرمًا فمدة الحمل معتبرة بسنتين (١).
٢٠٦٧ - فَصْل: [إذا قال لها سيدها: ما في بطنكِ حُرّ، ثم ضربها رجل فألقت جنينًا ميتًا]
فإن قال لها: [ما] في بطنك حر، ثم ضرب رجل على بطنها بعد يوم، فألقت جنينًا ميتًا، ففيه ما في جنين الحرة غرة عبد أو أمة؛ وذلك لأن الجنين إذا انفصل بالضرب محكوم بحياته؛ بدلالة وجوب أرشه لورثته، وإذا حكم بحياته عتق بالإيقاع (٢)، وكمل أرشه، فكذلك إذا ولدته حيًا عتق؛ لأنا حكمنا بوجوده عند الإيقاع، وهو على صفة يصح العتق فيه (٣).
٢٠٦٨ - فَضْل: [المسألة السابقة، ولكنها ولدت ولدين]
وإذا ولدت ولدين: أحدهما لأقل من ستة أشهر، والآخر لأكثر منه بيوم عتقا جميعًا؛ لأنا تَيَقَّنَّا وجود الذي جاءت به لأقل من ستة أشهر عند الإيقاع، والآخر قد يجوز أن يكون موجودًا؛ لأن الحمل قد يزيد على ستة أشهر، وهما (٤) حمل واحد، فحكم بوجودهما عند الإيقاع، فعتقا.
٢٠٦٩ - فَصْل: [قوله لأمتيه: ما في بطن إحداكما حر]
فإن قال لأمتين له: ما في بطن إحداكما حر، فهو مثل قوله لعبدين أحدكما حر، يمسك أيهما شاء ويعتق الآخر؛ لأن الحمل في الإيقاع كالأم، فما جاز في
стр. 2349
أحدهما جاز في الآخر، قال: فإن ضرب إنسان بطن إحداهما فألقت جنينًا ميتًا لأقل من ستة أشهر منذ قال ذلك، فالملقى عبد ففيه ما في العبد، والآخر حر في بطن أمه؛ وذلك لأن المولى كان مخيرًا في تعيين الحرية، فلما مات أحدهما لم يبق من يستحقها إلا الآخر (١).
٢٠٧٠ - فَصْل:
وإذا كانت جارية بين رجلين، فأعتق (٢) أحدهما الجارية، عتقت وما في بطنها، ولا يضمن المعتق من قيمة الولد [شيئًا] (٣) وهذا على ما قدمنا أن الحمل نقص في الأمة (٤)، فلا يلزم به زيادة ضمان، ولأنها صفة فيها، والصفات لا تفرد بالضمان.
стр. 2350
بَاب العبد يكون بين رجلين فيدبره أحدهما
قال الشيخ ﵀ (١): الأصل في هذا الباب أن التدبير تبعيض عند أبي حنيفة، ولا تبعيض عندهما، وجه قول أبي حنيفة: أن التدبير عتق معلق بالشرط فيتبعض، كالعتق المعجل؛ ولأنه حق الحرية [ونفس] (٢) الحرية عنده يتبعض فحقها أولى، ولا يلزم الاستيلاد؛ لأنه يتبعض عنده [فيما لا] يمكن نقل الملك فيه، وعلى قولهما الحرية المعجلة لا تتبعض، وكذلك المعلقة بالشرط، ولأن حق الحرية (فيما لا يمكن) (٣) معتبرة بنفس الحرية، فإذا لم يتبعض أحدهما فكذلك الآخر، فإذا ثبت هذا قال أبو حنيفة: إذا دبَّرَ أحد الشريكين وهو موسر فنصيب شريكه على ملكه، وله خمس خيارات: إن شاء أعتق، وإن شاء دَبَّر، وإن شاء ضَمَّن، وإن شاء استسعى، وإن شاء ترك نصيبه على ملكه، وإن كان معسرًا فلشريكه أربع خيارات: وسقط الضمان، وقالا: يصير العبد كله مدبرًا بتدبير أحدهما، وهو ضامن لنصيب شريكه موسرًا كان أو معسرًا، وهذه الرواية المشهورة.
وقال معلى في نوادره عن أبي يوسف: يسعى المدبَّرَ المشترك (٤) للذي لم يدبر إذا كان المدبر معسرًا سعاية غَلَّةٍ، لا سعاية ضَمَان، أما أبو حنيفة فقال: