← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

المنجم، ومعنى العقد عندنا كعبارة العقد. قال أبو الحسن: فإن أدّى المال قبل أن يبيعه، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا قالوا: يجبر المولى على قبوله ويعتق العبد، وهذا استحسان، والقياس: لا يجبر؛ لأنه عتق معلق بالشرط، فصار كدخول الدار، وإنما استحسنوا فقالوا: إن المولى يجبر؛ لأنه أوجب العبد العتق بالأداء، فلم يكن له الامتناع منه، كما لو علق العتق باختياره. وقد قال محمد: إن العبد إذا أحضر المال بحيث يتمكن المولى من قبضه، عتق؛ لأن الأداء عندنا في الأموال يقع بتخلية، ولا يعتبر فيها مباشرة القبض، فإذا خلّى بينه وبين المال، صار المولى قابضًا، فعتق بوجود الشرط. فإن قيل: فأي معنى لقولهم إن المولى يجبر استحسانًا، قلنا إنما يجبر إذا أحضر بعض المال فامتنع المولى من قبضه، أولم يحضر ولكن خاطب المتولي على قبضه فامتنع، فإن القاضي يقول للعبد أحضر المال، فإن أحضره عتق؛ ليتمكن المولى من، قبضه، فإن لم يحضر (١) ألزم المولى قبوله له إذا أحضره، فيكون للإجبار فائدة، فأما مع الإحضار فلا معنى له (٢). ولم يبين بِشْرٌ في روايته: أن إحضار المال (٣) يقف على المجلس الذي قاله المولى فيه أو لا يقف، وقد ذكر في الأصل أنه إذا قال لعبده: إن أديت إلي ألفًا فأنت حر، إن ذلك على المجلس، وظاهر رواية بشر: أنه لا يقف على المجلس؛

стр. 2417

لأنه (سوّى بين (إن، وإذا، ومتى)، ولا شبهة في أنّ قوله إذا ومتى) (١) لا يقف على المجلس؛ لأن فيها معنى الوقت، وقد ذكر بشر عطفًا على روايته أن المولى إذا باعه ثم اشتراه فأدى المال عتق، ويبعد أن يقف هذا في المجلس. فوجه رواية بشر: أنه عتق معلق بشرط فلا يقف على المجلس، كقوله إن دخلت الدار. وجه ما في الأصل: أن العتق المتعلق بالأداء متعلق باختيار العبد، فكأنه قال أنت حر إن شئت، فيقف على المجلس. ٢١٥٥ - فَصْل: [العتق في العتق المعلق بشرط] قال أبو يوسف: فإن مات المولى قبل أن يؤديها إليه، فالعبد رقيق يباع وذلك لما بينا أنه ليس بكتابة، وإنما عتق معلق بشرط، فيبطل بموت المولى كالأيمان. [ولهذا قالوا: إن المولى يملك أن يبيعه؛ لأنه عتق معلق بشرط، فلا يمنع البيع، كقوله إن دخلت الدار. قال: فإن مات العبد قبل أن يؤديها وترك مالًا، فهو كله لمولاه؛ وذلك لأنه عتق معلق بشرط، فيبطل بموت العبد كاليمين] (٢). ٢١٥٦ - فَصْل: [العتق إذا أدّى العيد من مال اكتسبه قبل القول] [قال]: فإن أدى العبد من مال اكتسبه قبل القبول، عتق، فرجع المولى عليه

стр. 2418

بمثله؛ وذلك لأن ما اكتسبه قبل إيجاب الحرية ملك المولى، فإذا أداه فقد أدى مالًا مغصوبًا، وملك الغير إذا أَدّي في الدين تعلق بأدائه حكم، ووقف على إجازة مالكه، فإذا حصل الأداء المشروط عتق العبد، وللمولى الرجوع بمثله؛ لأنه لم يسلم له العوض الذي قصده، فهو كما لو غصب من أجنبي ألفًا فأداها عتق بها، وللأجنبي أخذها ويرجع المولى بمثلها. ٢١٥٧ - فَصل: [العتق إذا أدّى من مال اكتسبه بعد القول] قال: [فإن] أدى من مال اكتسبه بعد القبول، صَحَّ الأداء وعتق العبد، ولم يرجع عليه بما أدّى، وإنما صَحَّ الأداء؛ لأن العبد لا يقدر على أداء المال إلا من اكتسابه فتعلق العقد بها. وقد قالوا: إن المولى إذا أعتق عبده على مال، صار مأذونًا؛ لأنه لا يقدر على الكسب إلا بالتصرف، وقد كان القياس عندهم: أن يعتق مما يكتسب ثم يرجع المولى عليه بمثله بعد الحرية؛ لأنه أدى من [مال] (١) المولى كما لو اكتسبه قبل الإيجاب، إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إن العقد لما اقتضى الأداء قبل الحرية تناول القضاء (٢) من الاكتساب، [وصار من هذا الوجه] كالمكاتب. قال: فإن بقي بعد الأداء في يده مال مما اكتسبه فهو للمولى؛ وذلك لأنه ليس بمكاتب، وإنما حريته تعلقت بشرط، فما اكتسبه قبل وقوع الحرية [فهو للمولى] (٣)، وليس كذلك المكاتب؛ لأنه في يد نفسه، والمولى لا سبيل له على إكسابه مع بقاء الكتابة، فبعد الحرية أولى.

стр. 2419

٢١٥٨ - فَصْل: [الرجل يقول لعبده: إن أديت إليّ ألفًا فأنت حر] وقال بشر عن أبي يوسف: في رجل قال لعبده: إن أديت إليّ ألفًا فأنت حر، فجعل يؤدي إليه العشرة والعشرين والخمسة حتى أدى الألف، قال: يعتق ويجبر المولى على أن يأخذ مما جاء به، وكذلك قال محمد؛ وذلك لأنه لما أوجب له الحرية بالأداء، لم يكن له الامتناع من القبض كالمكاتب. ٢١٥٩ - فَصْل [قول المولى لأمته: إن أديت إلى ألفًا، فأنتِ حرّة] قال: ولو كانت هذه أمة فولدت ثم أدت، لم يعتق ولدها كذلك؛ لأنه عتق متعلق بشرط فلا يسري إلى الولد، كما لو عَلَّقه بدخول الدار؛ ولأنا بيّنا أن بيع المولى فيها (١) جائز، فلو تعلق بها حق يسري إلى الولد، لم يجز البيع. ٢١٦٠ - فَصْل: [قول العبد للمولى: حطَّ عني مائة] قال: ولو قال العبد للمولى: حطَّ عني مائة، فحطّ المولى عنه، فأدى تسعمائة لم يعتق؛ وذلك لأن العتق يقع (٢) بحكم الشرط، والمولى لا يملك تغيير موجب اليمين بعد انعقادها، وليس كذلك الكتابة؛ لأن الحكم (٣) يقع فيها بحكم المعاوضة، فالحَطّ يلحق بالعقد كما يلحق في البيع، يبين الفرق بينهما أنه لو أبرأه من مال الكتابة عتق، ولو أبرأه في مسألتنا من المال لم يعتق، ولذلك اختلف الحط فيهما. ٢١٦١ - فَصْل: [الحكم في الملك الثاني في العتق المعلق بشرط] قال: ولو باعه ثم اشتراه فأداها إليه فهو حر، وأجبره على أن يأخذها منه

стр. 2420

عند أبي يوسف، وقال محمد في الزيادات: لا يجبر على قبولها، فإن قبلها عتق، قال: وكذلك لو رد عليه بخيار أو بعيب. وجه قول أبي يوسف: أن العتق معلق بشرط، فحكمه في الملك الثاني كحكمه في الأول كدخول الدار. وجه قول محمد: أن إجبار المولى على القبض ليس بحكم [المشروط] (١) وإنما هو يشبه العقد بالكتابة، فإذا زال ملك المولى بطل ما فيه من الشبه بالكتابة؛ لاستحالة بقاء ذلك مع زوال الملك، فلم يبق إلا معنى الشرط المحض، فلا يجبر المولى عليه. ٢١٦٢ - فَصْل: [فيمن قال لعبده في مرضه: إذا أديت إليّ ألفًا فأنت حر] روى ابن سماعة عن محمد - فيمن قال لعبده في مرضه -: إذا أديت إليّ ألفًا فأنت حر، وقيمة العبد ألف، فأداها من مال اكتسبه بعد القول، فإنه يعتق من جميع المال، استحسن أبو حنيفة ذلك، وقال زفر: يعتق من الثلث، وهو القياس. ووجهه: أن اكتساب العبد على ملك المولى، فإذا أسقط حقه عن الرقبة بها فهو متبرع كالعتق المبتدأ، وليس كذلك الكتابة؛ لأن المولى لا يملك الاكتساب [فصارت عوضًا عن الرقبة. وجه الاستحسان] (٢): أن الأكساب لم تكن على ملك المولى، وإنما صار العتق سببًا في تحصيلها (٣) كالكتابة.

стр. 2421

بَاب العتق الذي يقع بقبول المال قبل أدائه قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل لعبده: أنت حر على ألف [درهم]، أو بألف [درهم]، أو [على أن] تعطيني ألفًا، أو على أن تؤدي إليّ ألفًا، أو على أن تجبني بألف، أو على أن لي عليك ألفًا، أو على ألف تؤديها، فَقَبِلَ العبد، فهو حر الساعة حين قَبِلَ، وعليه ما شرط دَيْنًا، وهو حر في جميع أحكامه قبل الأداء؛ وذلك لأنه لما [أعتقه بعوض] (١) فزال ملكه بقبول العوض، كما لو باعه، وكما لو طلق امرأته بعوض، وليس كذلك في الباب الأول؛ لأنه علق العتق بحصول العوض فلم يعتق قبله، قال: وكذلك لو أعتقه على طعام موصوف، أو شيء من المكيل معلوم الجنس، أو على موزون مثل ذلك؛ لأن هذا يَصِحُّ أن يكون بدلًا من (٢) البيع، فكذلك في العتق، وكذلك في العوض بعينه [أو بغير عينه] (٣)؛ لأن [عقد] (٤) البيع يجوز أن يقع عليه، فكذلك العتق، وعدم ملكه لا يمنع من تعلق العقد به؛ لأن [العتق] (٥) يجوز أن يقع عليه قيمة الشيء، فإذا أوقعه على ملك الغير (٦) صَحَّت التسمية؛ لأنه إن سَلَّمه المالك وإلا وجبت قيمته.

стр. 2422

قال: وكذلك [عوض بغير عينه] (١) معلوم الجنس؛ [وذلك] لأنه بدل عما ليس بمال، فإذا كان معلوم الجنس جاز وإن جهلت الصفة كالمهر، [قال]: ولو كانت أمة فقبلت، ثم ولدت ثم ماتت، لم يكن على الولد أن يسعى في شيء مما أعتقت عليه؛ وذلك لأنها عتقت بالقبول، ودين الحرة لا يلزم ولدها. وقد ذكر [الرازي]: أن المستسعى على ضربين: كل من يسعى ليخلص رقبته، فهو في حكم المكاتب عند أبي حنيفة، ومن يسعى في بدل رقبته [الذي لزمه بالعتق، أو في قيمة رقبته لأجل ترك شرط لها عليه، ولِدَيْن ثبت في رقبته] (٢)، فهو بمنزلة الحر في أحكامه، مثل: أن يعتق الراهن عبده وهو معسر، وكذلك المأذون إذا أعتق وعليه دين، وكذلك أمة أعتقها مولاها على أن تتزوجه فقبلت (٣) ثم أبت، فإنها تسعى في قيمتها وهي بمنزلة الحرة، وكذلك لو قال لعبده: أنت حر على قيمة رقبتك، فَقَبِلَ ذلك فهو بمنزلة الحر؛ وذلك لأن السعاية في هذه المسائل لزمت بعد وقوع الحرية، وفي الفصل الأول إنما يسعى ليتوصل بالسعاية إلى الحرية عند أبي حنيفة، وعلى هذا لو أبرأ المولى المكاتب من مال الكتابة فلم يقبل فهو حر، وعليه أن يؤدي الكتابة؛ وذلك لأن البراءة تقتضي الحرية، وسقوط العوض والحرية لا تبطل بالرد، والمال يبطل بالرد، فعتق، ولزمه المال. ٢١٦٣ - فَصْل: [أداء ما شرط من الوصف والجنس للعتق] قال: وما وصف وما ذكر جنسه مما وقع عليه العتاق، فعليه ما شرط من

стр. 2423

ذلك؛ لأن العين فيه أعدل من القيمة، وما سمى جنسه ولم يوصف فعليه الوسط منه؛ لأنه [بدل] (١) عما ليس بمال، فجاز أن يثبت في الذمة مع جهالة الصفة، ويستحق منه الوسط كالديات. قال: وإن لم يسم جنسه فقال: أنت حر على ثوب، فقَبِلَ العبدُ، عتق، وعليه قيمة نفسه؛ وذلك لأن جهالة الجنس أكثر من جهالة القيمة، فمنعت التسمية، وهذا على ما قدمناه في النكاح. ٢١٦٤ - فَصْل: [فيما إذا استحق عليه العوض رجع بالقيمة] وإن استحق عليه العوض وكان بغير عينه في العقد فعلى العبد مثله؛ وذلك لأن العوض مأخوذ عما وقع عليه العقد، فإذا استحق الفسخ فيه القبض فبقي موجب العقد بحاله. قال: وإن كان عينًا في العقد وهو [عرض] (٢) أو حيوان، رجع على العبد بقيمة نفسه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يرجع بقيمة المستحق. وجه قولهما: أن كل واحد من العوضين له قيمة، وقد تعذر الفسخ بالعتق فوجب الرجوع بقيمة ما خرج من ملكه كمن باع عبدًا بجارية فأعتقها ومات العبد قبل التسليم. وجه قول محمد: أنه عقد لا يلحقه الفسخ، فإذا استحق العوض رجع بقيمته: كالخلع، والصلح من دم العمد.

стр. 2424

٢١٦٥ - فَصْل: [فيما إذا باع المولى العبد من نفسه بعوض] وإذا باع المولى العبد من نفسه بعوض، أو وهب له نفسه على عوض، فله أن يبيع العوض قبل القبض [بعوض]؛ وذلك لأنه مملوك بسبب لا ينفسخ بهلاكه، فجاز التصرف فيه قبل قبضه كالميراث. ٢١٦٦ - فَصْل [اختلاف المولى والعبد فيما وقع به العتاق] وإن اختلف المولى والعبد فيما وقع به العتاق، فالقول قول العبد، والبينة على المولى؛ وذلك لأن العبد هو المستحق عليه، فكان المرجع إلى قوله، والبينة بينة المولى؛ لأنها تثبت الزيادة، وفي الباب الأول إذا علّق العتق بالأداء، فاختلف في [مبلغ] (١) المال، فالقول قول المولى؛ لأنه اختلاف في شرط اليمين. فإن [أقاما] (٢) البينة [فالبينة] بينة العبد؛ لأنا نقضي بالبينتين، ونجعل كأنّ المولى عتقه بكل واحد من الشرطين فأيهما وجد عتق. ٢١٦٧ - فَصْل: [فيما إذا أعتق الرجل نصف عبده على عوض] قال أبو حنيفة: إذا أعتق الرجل نصف عبده على عوض، فقَبِلَ، عتق نصفه بالعوض، ويسعى العبد في نصف قيمته عن النصف الآخر، فإذا أدى السعاية عتق باقيه، وهو قبل الأداء بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه إلا أنه لا يرد في الرق.

стр. 2425

وقال أبو يوسف ومحمد: عتق كله ولا سعاية عليه، وهذا فرع على اختلافهم في تبعيض الحرية، فعند أبي حنيفة: أن عتق البعض لا يوجب عتق الباقي، وقد وجب إخراجه إلى الحرية، فلزمه السعاية. وعندهما: أن العتق لا يتبعض، فعتق البعض بعوض عتق الجميع بذلك العوض. ٢١٦٨ - فَصْل [العتق على مالين] وذكر في الزيادات فيمن قال لعبده [أنت حر على ألف درهم] (١) أنت حر على مائة دينار، فقال العبد: قد قبلت ذلك، عتق، وكان عليه المالان جميعًا، وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا على ألف درهم، أنت طالق ثلاثًا على مائة دينار فقالت: قد قبلت طلقت ثلاثًا بالمالين جميعًا، وهذا على قول محمد. وقال أبو يوسف - في مسألة الطلاق القبول على الكلام الأخير - فهي طالق ثلاثًا بمائة دينار، وقال أبو الحسن: وكذلك قياس قوله في العتق. وجه قول أبي يوسف: أنه لما أوجب العتق بعوض ثم أوجبه بعوض آخر، انفسخ الإيجاب الأول وتعلق القبول بالثاني كإيجاب البيع. وجه قول محمد: أن المولى لا يملك الرجوع عن إيجاب العتق، فلم يحمل الإيجاب الثاني على فسخ الأول، وصار زيادة فيه، فإذا قبل العبد لزمه الأمران [جميعًا].

стр. 2426

بَاب الخيار في العتق قال [الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب] (١): أن العتق بغير بعوض والطلاق بغير عوض إذا شرط الخيار فيه للمولى، أو للزوج، أو للعبد، أو للأمة، فالخيار باطل، والعتق والطلاق واقعان؛ لأن الخيار مشروط للفسخ، وفسخ الطلاق أو العتاق لا يَصِحُّ، فأما الطلاق على مال، [والعتاق على مال] (٢)، والصلح من دم العمد على مال، إذا شرط الخيار للمولى أو للزوج أو للولي، بطل الخيار؛ [لأن] الذي من جهتهم لا ينفسخ فلا معنى للخيار فيه. وإن شرط الخيار للعبد أو للمرأة أو للقاتل، جاز الخيار؛ وذلك لأن الذي من جهتهم هو المال، وذلك مما يلحقه الفسخ، فصَحَ شرط الخيار فيه؛ وذلك لأن المال كالأجنبي من هذه العقود، بدلالة أنها تخلو منه، ولا تفسد بفساده، فجاز شرط الخيار فيه وإن لم يجز فيها، وإذا ثبت هذا قلنا: إذا ردت المرأة أو العبد بطل العقد بردهما؛ لأن العتق والطلاق وقعا على المال، فإذا لم يسلم لم يقعا، وأما إذا فسخ (٣)، فالقياس أن يبطل العفو؛ لأنه تعلق بشرط المال، ولم يسلم المال. وروى حفص بن عمرو عن محمد: أن القاتل إذا فسخ صَحَّ العفو ولزمته

стр. 2427

الدية استحسانًا؛ وذلك لأن القصاص مما يسقط بالشبهة، وعفو الولي شبهة، فسقط بها القصاص، ويجب العوض؛ لأن الولي لم يرض بإسقاط القود بغير عوض، ولا عوض إلا الدية التي هي قيمة النفس. ٢١٦٩ - فَصْل: [شرط الخيار في الكتابة] فأما الكتابة فيجوز فيها شرط الخيار للمولى أو للعبد؛ لأنها معاوضة يلحقها الفسخ، فجاز شرط الخيار في طرفها كالبيع.

стр. 2428

بَاب الرجل يخيّر عبده في العتق قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل لعبده: اختر العتق، أو خيرتك في العتق أو في عتقك، أو قد جعلت عتقك في يدك، أو أمر عتقك في يدك، أو أنت حر إن شئت، فهو بمنزلة ما يثبت لك في تخيير الطلاق في قوله: أمرك بيدك، إذا بين المولى أنه جعل ذلك في العتاق، وتلفظ به، فما كان من الكلام الذي تلفظ به المولى يوجب المجلس في الطلاق، فهو كذلك في العتاق، وما كان يوجب المجلس وغير المجلس في الطلاق، فالعتاق كذلك، والأصل في جواز تعليق العتق بفعل العبد: أن المولى يملك إيقاع ذلك بنفسه، فملك أن [يفوض] (١) الإيقاع إلى غيره كالطلاق؛ ولأنه إذا علقه باختياره فقد علق العتق بشرط، فصار كتعليقه بسائر الشروط، وإذا ثبت هذا فما كان فيه لفظ تمليك فهو على المجلس؛ لأن التمليك على المجلس، إلا أن يدل دلالة على أن ما بعد المجلس يساوي المجلس في ذلك، وما لم يكن على وجه التمليك فهو إذن في التصرف، فلا يقف على المجلس كالوكالة، ولا يحتاج في ذلك إلى نية المولى إذا ذكر العتق والحرية في لفظه؛ لأنهما صريح فلا يفتقر إلى النية، فإن خيره ولم يذكر العتق ولا الحرية، فلا بد من النية؛ لأنه يحتمل الخيار في العتق وفي غيره.

стр. 2429

بَاب الاستثناء في العتاق قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قد ذكرنا الاستثناء في الطلاق والعتاق في كتاب الطلاق، (وقال الشيخ رحمه الله تعالى) (١): وجملة هذا أن الاستثناء على ضربين: استثناء بإلا، واستثناء بالمشيئة، فإن استثنى بإلا في المعتقين، فهو استثناء: صحيح في قولهم، مثل أن يقول: أنتم أحرار إلا سالمًا؛ [لأن] (٢) الاستثناء مع الجملة عبارة عن الباقي، وإن استثنى بعض العتاق صَحَّ على قول أبي حنيفة؛ لأن العتق يتبعض، فيجوز أن يعتقه إلا نصفه، فأما على قولهما: فالعتق لا يتبعض، فاستثناء بعض المعتق لغو، ولا يتصور في العتاق استثناء بعض العدد؛ لأن العتق لا عدد له، والطلاق ذو عدد، فيجوز أن يطلق عددًا ويستثني بعضه. فأما الاستثناء بالمشيئة، فإنها في العتاق كهي في الطلاق، وقد بَيَّنَّا ذلك، وقد قال محمد في نوادر ابن سماعة: إذا قال غلاماي حران سالم وبزيغ إلا بزيغًا، فإن استثناءه جائز؛ لأنه [ذكرهم] (٣) جملةً وأعتقهم، ثم فصلهم بعد وقوع لفظ الحرية، فلا ذلك يمنع من أن يكونوا جملة واحدة استثنى بعضها، فيصح الاستثناء، وليس كذلك إذا قال سالم حر وبزيغ إلا سالمًا؛ لأن كل واحدة جملة

стр. 2430

بانفراده، واستثناء جميع الجملة لا يصح. قال أبو الحسن: وإذا قال: أنت حُرٌّ وحُرٌّ إن شاء الله، بطل الاستثناء عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الاستثناء جائز. وجه قول أبي حنيفة: أن الحرية وقعت باللفظ الأول والثاني لغو، ففَصل بين الحرية والاستثناء، فصار كالفصل بالسكوت. وجه قولهما: أنه كلام واحد معطوف بعضه على بعض، فلا يفصل الاستثناء منه، كما لو قال أنت حر الله إن شاء الله ٢١٧٠ - فَصْل: [استثناء الواحد من العشرة] قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل له خمسة من الرقيق فقال: عشرة من مماليكي إلا واحدًا أحرار، أنه يعتق الخمسة جميعًا؛ وذلك لأنه استثنى الواحد من العشرة، فكأنه قال تسعة من مماليكي أحرار، ولو قال مماليكي العشرة أحرار إلا واحدًا عتق منهم أربعة؛ لأن هذا رجل استثنى واحدًا من مماليكه وغلط في عددهم، فلا يمنع غلطه من صحة الاستثناء. تم كتاب العتاق بحمد الله وعونه وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم

стр. 2431

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [٥١] كتاب الأيمان قال الشيخ ﵀: اليمين في اللغة مشتقة من القوة، قال الشاعر: إذا [ما] رايةٌ رُفِعت [لمجدٍ] … تَلَقَّاها عَرابَةُ باليَمِينِ (١) فلما كانوا يتوثقون بالأيمان سموا التوثيق يمينًا، وقيل: إنها مأخوذة من اليمين التي هي الجارحة؛ لأنهم كانوا يعاهدون بدفع أيمانهم فاشتقت اليمين من ذلك، واليمين على ضربين: يمين (مخاصم) (٢) وهي مأخوذة لتعظيم المقسم به، وذلك لا يكون إلا باليمين بالله تعالى؛ لأن هذا التعظيم يجري مجرى العبادة، والقَسَم: هو اليمين التي تعرفها العرب وإن كانوا لا يخصونها بالله تعالى. والضرب الثاني: الشرط والجزاء، إذا قصد منها الامتناع عن فعل شيءٍ، أو الحث على فعله، ولم تجر عادة من أهل الشرع بخلاف ذلك، وهذا اليمين لا يعرفها أهل اللغة إنما صارت يمينًا بعرف أهل الشرع، ألا ترى أنهم يقولون: حلف بطلاق امرأته، وحلف بعتق عبده، وإنما لحقت إحدى اليمينين بالأخرى؛ لأن اليمين الأولى جملة من مبتدأ وخبر وهذه جملة من شرط وجزاء، والكلام في اللغة ينقسم إلى هذين الجملتين، فألحقوا إحداهما بالأخرى (٣).

стр. 2432

قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: الأيمان تنقسم: يمين تكفَّر، ويمين لا تكفَّر، ويمين نرجو أن لا يؤاخذ الله بها صاحِبَها. وقد روى أبو يوسف عن حصين بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري أنه قال: الأيمان ثلاثة كما قال محمد، وقال أبو الحسن: إنها ترجع إلى قسمين: يمين على الماضي، ويمين على المستقبل، فاليمين على الماضي: يمين الغموس ويمين اللعن، واليمين على المستقبل: اليمين المنعقدة. قال أبو الحسن: فأما اليمين التي تكفر: فالرجل يحلف على أمر تَرْكُه خَيرٌ من إمضائه، وإنما يريد بذلك ما بَيَّنَّاه أن اليمين على المستقبل، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ … ﴾ الآية [المائدة، ٨٩]، وقال ﷺ : (من حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) (١) فهذه اليمين عندنا على ثلاثة أضرب: يمين يجب الوفاء بها: وهي على فعل الواجبات وترك المعاصي. ويمين يجب الحنث فيها: وهي اليمين على فعل المعاصي وترك الطاعات؛ لأن النبي ﷺ قال: (من حلف أن لا يطيع الله فليطعه ومن حلف أن يعصي الله فلا يعصه) (٢).

стр. 2433

والضرب الثالث: ما يخيّر الإنسان فيه من البَرّ والحنث. فمنها: ما يندب إلى الحنث: وهو ما كان فعله خيرًا من تركه. ومنها: ما لا يندب إلى الحنث: وهو المباحات، وقد دلّ على ذلك قوله ﷺ (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا، منها، فليأت الذي هو خير). ٢١٧١ - فَصْل [يمين الغموس] وأما اليمين الثانية: فهي يمين الغموس: وهي التي تقع على الماضي والحالف متعمّد للكذب، أو تقع على الحال كذلك، فالماضي مثل قوله: وَاللهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا وهو يعلم أنه قد فعله، [أو يقول]: والله قد فعلت كذا وهو يعلم أنه لم يفعله، والحال مثل قوله: والله ما لهذا عليَّ دَين وهو كاذب، فهذه اليمين لا تنعقد عندنا، ولا كفارة فيها، وإنما على الحالف بها الاستغفار وأمره إلى الله. وقال الشافعي ﵀: فيها الكفارة (١). ولنا قوله ﷺ : (اليمين الغموس تدع الديار بلاقع) (٢)، ولم يذكر الكفارة، ولاعن بين الزوجين وأمرهما بالتوبة لعلمه أن أحدهما كاذب، ولم يأمر بالتكفير للكاذب منهما؛ ولأنها يمين على الماضي كاللغو في الماضي، [ولأن] (٣) الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة، والعقد ما يتصور فيه الحل والعقد، وهذا لا يتصور في يمين الغموس؛ لأنه لا يصح البقاء على عقدهما، ولأن

стр. 2434

المعنى الموجب بحلها يقارنها، فلا ينعقد كالبيع الذي يقارنه العتق، والصلاة التي يقارنها الحدث، وليس كذلك إذا حلف لأقلِبَنّ الحجر ذهبًا؛ لأنه عقد على المستقبل، وذلك أمر موهوم، وإنما يحنث؛ لأنه لا وقت للبر والحنث ينتظر، وذلك لا يتصور إلا بعد انعقاد اليمين، فلذلك وجبت الكفارة. ٢١٧٢ - فَصْل: [يمين اللغو] وأما اليمين الثالثة: فهي يمين اللغو، وقد قال أصحابنا: إنها اليمين على الماضي إذا ظن الأمر على ما قال وهو بخلافه، كقوله: والله لقد دخلت الدار، والله ما كلمت زيدًا، ويكون على الحال كقوله: والله إن هذا المقبل لزيد، وهو يظن أنه كذلك، أو والله إن هذا الطائر لغراب. وروى ابن رستم عن محمد قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشيء وهو يري أنه بحق وليس حق، مثل قوله: والله ما أكلت اليوم، وقد أكل، فهذا من اللغو الذي لا حنث فيه. وقال الشافعي: اللغو اليمين التي لم يقصدها في الماضي والمستقبل (١). وقد قال محمد - في إثْرِ حكايته عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى -: إن اللغو ما يتخاطب به الناس من قولهم: لا والله، وبلى والله، وهذا قريب مما قال الشافعي. وقال آخرون: اللغو الحلف على المعصية، فيجب على الإنسان الحنث ولا كفارة عليه. [وقال آخرون: اللغو أن يحلف على المعصية، فيلزمه الحنث والتكفير،

стр. 2435

فهو لفظ محيط بالكفارة] (١). وقال آخرون: اللغو اليمين المكفرة. وروى ابن سماعة (٢) في إحدى الروايتين: أن اللغو اليمين في الغضب، والدليل على ما قلناه: ما روى عطاء عن عائشة في لغو اليمين قالت عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : (هو قول الرجل لا والله وبلى والله) وقد روي هذا الحديث موقوفًا عليها (٣). وروى زرارة بن أوفى قال: هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنه قد حلف (٤). وعن ابن عباس قال: هو أن يحلف الرجل اليمين الكاذبة وهو يرى أنه صادق؛ ولأنا إذا بيّنّا أن الكفارة تجب على اليمين المعقودة، والماضي لا ينعقد عليه يمين، لم يتعلق به كفارة. فأما الكلام مع الشافعي: فهو أن اليمين على المستقبل تجب بها الكفارة وإن لم يقصدها، لقوله ﷺ (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد النكاح والطلاق، واليمين) (٥)، وقد روي أن المشركين استحلفوا حذيفة وأباه أن لا يعينا رسول الله ﷺ فقال رسول ﷺ : (نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم) (٦)

стр. 2436

فحكم بصحة اليمين مع الإكراه، فدلّ على أن القصد غير معتبر فيها. وأما من جعل اللغو اليمين على المعصية فقد دل على بطلانه قوله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه) (١). ومن أوجب الكفارة في يمين المعصية وسماها لغوًا، فقوله ليس بصحيح؛ لأن اللغو [ما] لا تتعلق الأحكام به، ومن جعل اليمين المكفرة لغوًا فقد غلط؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة، وجعل اللغو قسمًا آخر، فالظاهر أن أحدهما غير الآخر. فأما الذي روي عن ابن عباس في يمين الغضب فإنما بناه على عدم القصد، وقد بينا أن انعقاد اليمين لا يقف على القصد. ٢١٧٣ - فَصْل: [المؤاخذة في اللغو] قال محمد في اللغو: هو يمين نرجو أن لا يؤاخذ الله صاحبها، فقيل له قد أخبر الله تعالى أنه لا يؤاخذ، وخبره على القطع فلا معنى للشك في الجواب. هذا والجواب عن في وجهين: أحدهما: أن الله تعالى أخبر بأنه لا يؤاخذ بيمين اللغو، ولم يعلم محمد قطعًا أن الذي اعتقده هو الذي أراد الله تعالى به [الاختلاف] (٢) في ذلك، فلهذا قال: أرجو والثاني: أن الرجاء على ضربين: رجاء طمع، ورجاء تواضع، فيجوز أن يكون قوله أرجو أن لا يؤاخذ الله بها على

стр. 2437

طريق التواضع الله تعالى. ٢١٧٤ - فَصْل: [اليمين الغموس والمنعقدة تؤخذ في القسم] واليمين الغموس والمنعقدة تؤخذ في القسم وغيره؛ لأنه إذا حلف بطلاق أو عتاق وهو يعلم أنه كاذب وقع ما حلف به، وكذلك اليمين المنعقدة تؤخذ في القبيلين، فأما يمين اللغو فإنها تختص بالقسم. قال ابن رستم عن محمد: ولا يكون اللغو إلا في اليمين بالله، ومعنى ذلك: أنه إذا حلف بطلاق أو عتاق على أمر ماض وهو يظن أنه صادق وهو كاذب، وقع الطلاق والعتاق، وكذلك إذا حلف لزمه ذلك، وقد عبر أبو الحسن عن ذلك فقال: ما كان المحلوف به هو الذي يلزمه بالحنث فلا لغو فيه؛ وذلك لأن من حلف بالله تعالى على أمر يظن على أنه ما حلف عليه، وليس كذلك لغو المحلوف عليه (١) وبقي قوله: امرأته طالق أو عبده حر، أو عليه الحج، ومن قال ذلك لزمه. ٢١٧٥ - فصل: [اليمين ماضٍ ومستقبل] فأما التقسيم الذي اختاره أبو الحسن وهو أن اليمين على ضربين: ماض ومستقبل، فليس يعم سائر الأيمان، وتقسيم محمد أعم منه؛ لأنا قد بَيَّنَّا أن الغموس واللغو يكون على الحال والماضي، وما ذكره من التقسيم لا يدخل في الحال (٢).

стр. 2438

بَاب اللفظ الذي يوجب الحنث في اليمين به الكفارة قال أبو الحسن: إذا حلف بشيء من أسماء الله تعالى أو بصفة من صفاته ثم حنث فعليه الكفارة، ومن أصحابنا من قال: إن أسماء الله تعالى على ضربين: منها ما لا اشتراك فيه، مثل: الله، والرحمن، فالحلف بها ينعقد بكل حال، ومنها ما هو مشترك مثل: الحكيم، والعزيز، والقادر. [فإن أراد بها اليمين كان يمينًا، وإن لم يرد لم يكن يمينًا] (١)، وقد ذكر أبو الحسن القسمين ولم يفصل، وإنما قلنا: إن اليمين باسم الله تعالى يمين؛ لأن تعظيمه واجب، وهتك حرمة اسمه لا يجوز على التأبيد؛ فلذلك كان حالفًا، وإنما قلنا: إنه يكون حالفًا بكل الأسماء وإن لم يقصد؛ لأن اليمين بغير الله لا يجوز، والظاهر أن الحالف قصد يمينًا صحيحة، فحمل الاسم على ما يصح الحلف به، اللهم إلا أن يقصد [غير] الله (٢) فلا يكون حالفًا. وقد حكي عن بِشْر المِريسي فيمن قال: والرحمن، أنه على وجهين: إن قصد اسم (٣) الله تعالى فهو حالف، أو أراد سورة الرحمن فليس بحالف، وكأنه حلف بالقرآن. فأما الحلف بصفات الله تعالى: [فهو على ضربين: منها: صفات الذات،

стр. 2439

وصفات الفعل، ويعرف الفرق بينهما: بأن كل ما يوصف به الله تعالى] (١) ولم يجز أن يوصف بضده: فهو من صفات ذاته كالعلم والقدرة، وما جاز أن يوصف به وبضده فهو من صفات فعله كرحمته وغضبه، فما كان من صفات الذات إذا حلف به انعقدت يمينه، إلا في قوله: وعلم الله، فإنه لا يكون حالِفًا استحسانًا؛ وذلك لأن صفات الذات لما لم يكن مَعْنِيٌّ غيره تعالى صار ذكرها كذكره، فإذا قال: وقدرة الله، فكأنه قال: واللهِ القادر، فأما القياس في العلم فكذلك؛ لأنه من صفات ذاته، وإنما استحسن لأن العادة أن العلم يذكر ويراد به المعلوم، [يقال]: اللهم اغفر لنا علمك فينا، والمراد [به] معلومك، ومعلومُ الله تعالى غيره، فلا يكون بها حالفًا، وأما إن أراد الحالف العلم الذي هو صفة [الذات] انعقدت به يمينه. فإن قيل: فهلا قال أبو حنيفة مثل ذلك في القدرة؛ لأنهم يقولون للشيء المستعظم: هذا قدرة الله، فانظر إلى قدرته، والله في هذا قدرة. والجواب: أن المراد بهذا اللفظ أثر قدرة الله، وإنما حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه، ألا ترى أن القدرة لا تشاهد، ولأنه لا يخلو: [إما] أن يكون المراد بالمقدورِ الموجود أو المعدوم، ولا يجوز أن يكون [المراد به] (٢) الموجود؛ لأنه خرج من أن يكون مقدورًا له تعالى، ولا يجوز أن يريد المعدوم؛ لأن ذلك لا يحلف به، فلم يبق إلا أن يريد القدرة التي هي الصفة، وليس كذلك العِلْم؛ لأنهم يريدون المعلوم الموجود، ووجوده لا يخرجه من أن يكون معلومًا له تعالى، فلذلك افترقا.

стр. 2440

٢١٧٦ - فَصْل: [ألفاظ القَسَم] وألفاظ القسم الأصل فيها: الباء، ثم الواو، ثم التاء (١)؛ وذلك لأن الباء تكون في اسم الله تعالى وفي غيره وفي المضمر والمظهر (٢)، والواو أخص منها (٣) (٤)؛ (لأنه يكون في المظهر دون المضمر، إلا أنها تختص بأسماء الله تعالى) (٥)، والتاء أخص منها؛ لأنها لا توجد إلا في اسم الله تعالى (٦). وإنما قلنا: إن الحلف بلفظ الباء ينعقد؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤] وأما الواو: فلقوله ﷺ : (والله لأغزونَّ قريشًا) (٧).

стр. 2441

وأما التاء فلقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣] ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧]. فأما إذا قال: آلله، فهو يمين؛ لما روي: (أن ركانة طلق امرأته البتة، فقال له رسول الله ﷺ : (آلله ما أردت إلا واحدة) (١)، ولأن العرب تحذف بعض الكلمة على طريق التخفيف، ألا ترى إلى قول الشاعر: قلت لها قفي … قالت قاف (٢) وإنما أرادت به: وقفت، فقوله: آلله، المراد به: والله، وأما قوله: لله، فلم يذكر في الكتاب، ويجب أن يكون يمينًا؛ لأن اللام تقوم مقام الباء، قال الله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه: ٧١، الشعراء: ٤٩]، وقال في الآية الأخرى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] يثبت بعده، فصار كقوله بالله. ٢١٧٧ - فَصْل: [الحلف بأسماء الله تعالى التي لا يشاركه فيها غيره] قال وكذلك إن قال: (وربي، أو ورب العرش، أو رب العالمين؛ لأن هذا من أسماء الله تعالى، لا يشاركه فيها [غيره] فيكون بها حالفًا. قال وكذلك: أيم الله، وقال محمد: وأيمُن الله؛ لأن العرب تحلف

стр. 2442

بذلك؛ قال امرؤ القيس: فقلت: يمين الله أبرح قاعدا … ولو ضربوا رأسي لديك وأوصالي ولأن أيمُن جمع يمين، ومن قال: عَلَيّ يمينٌ كان حالفًا، وكذلك إذا حلف في ذكر لفظ الجمع، وقالوا كذلك: لعَمْر الله؛ لأن العَمْر هو البقاء، فكأنه قال: وبقاء الله، والبقاء من صفات الذات، وقد قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] (١). ٢١٧٨ - فَصْل: [الحلف بأمانة الله تعالى] وقال في الأصل إذا قال: وأمانة الله كان يمينًا (٢)، وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إنه لا يكون يمينًا، وذكر الطحاوي عن أصحابنا جميعًا: أنه ليس بيمين. وجه ما في الأصل: أنه: أنه ليس شيء بعينه يشار إليه بأنه أمانة الله، فلم يبق إلا أن يريد به الصفة، فكأنه قال والله الأمين. وجه ما ذكره الطحاوي: أمانة الله من فعله، فصار كقوله ورحمة الله. ٢١٧٩ - فَصْل: [الحلف بقوله: ووجه الله تعالى] قال: وإن قال ووجهِ الله فهو يمين، روى ذلك ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة؛ وذلك لأن الوجه يذكر ويراد به الذات، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، أي ذاته.

стр. 2443

وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن الرجل إذا قال: ووجه الله لا فعلت كذا، ثم فعله، إنها ليست بيمين، قال ابن شجاع: لأنها ليست من أيمان الناس إنما هو حلف السَّفَلة، يعني: أنهم يقصدون بذلك الجارحة، وهذا يمين بغير الله تعالى. ٢١٨٠ - فَصْل: [الحلف بـ (لا إله إلا الله) و (باسم الله) لا أفعل كذا] وقد روى مُعَلَّى عن محمد إذا قال الرجل: لا إله إلا الله [لا أفعل] (١) كذا وكذا، قال هذا ليس بيمين، إلا أن ينوي يمينًا، وكذلك قوله: سبحان الله والله أكبر لا أفعل كذا، وهذا صحيح؛ لأن العادة لم تجر بالقسم بهذا اللفظ، وإنما يذكر قبل الخبر على طريق التعجب، فإذا أراد اليمين فكأنه حذف حرف القسم فيكون حالفًا، قال: وكذلك باسم الله [إذا] (٢) عنى به اليمين، وقال ابن رستم عن محمد: وبسم الله يمين؛ لأن حرف القسم موجود فيه، وقال عمرو: سألت محمدًا عن قولهم: وملكوت الله وجبروته، فقال: هذا يمين، هذا من تعظيم الله تعالى وهذا صحيح؛ لأنه من صفات الذات. ٢١٨١ - فَصْل: [إرادة اليمين باللفظ] وقال الحسن في إثر حكايته عن أبي حنيفة في رجل قال: الله عَلَيّ أن لا أكلم فلانًا، إنها ليست بيمين إلا أن ينوي بذلك يمينًا، فإن نوى اليمين ثم كلمه حَنِثَ، وعليه الكَفَّارة، وهذا [صحيح] على أصل أبي حنيفة: أن اللفظ يجوز أن يراد به النذر واليمين جميعًا، فإذا أطلقه كان نذرًا، وإذا نوى اليمين صار يمينًا، وقد بينا هذه المسألة (٣).

стр. 2444

بَاب القسم والشهادة والحلف قال أبو الحسن: إذا قال الرجل أحلف، أو أحلف بالله، أو أُقسم، أو أُقسم بالله، أو أشهد، أو أشهد بالله، أو أعزم، أو أعزم بالله، أو لله عليّ نذر، أو نذرًا لله، أو علي يمين، أو يمينًا لله، فهذا كله أيمان تجب الكفارة بالحنث فيها في قول أصحابنا جميعًا، غير أن محمدًا قال: إذا قال أعزم، أو أعزم بالله، لا أعرف عن أبي حنيفة، وقال زفر: في قوله أحلف، وأقسم، وأشهد أنه لا يكون يمينًا إلا بذكر اسم الله. وقال الشافعي: إذا قال أحلف بالله، أو أشهد بالله، لا يكون حالفًا، إلا أن يريد به اليمين (١)، وقد احتج به أبو يوسف ومحمد في ذلك بقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦] ولم يقل: يحلفون بالله، وقال: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [ن: ١٧ - ١٨] (٢). قال محمد: أفيكون الاستثناء إلا في اليمين وهو لم يقل (أقسموا بالله) ولأن العرب تحذف بعض الكلام على طريق التخفيف، فيكون ذلك كالمعلوم؛ لأن الحلف لا يكون إلا به، فكأنهم ذكروه.

стр. 2445

ولزفر: أنه يحتمل أن يكون أراد الحلف بالله ويحتمل غيره، فلم يثبت اليمين بالشك. فأما على الشافعي: فلأن كل ما تختص به كفارة اليمين إذا نوى اليمين تعلقت به الكفارة وإن لم ينو، كقوله: والله، ولا كذلك النذر؛ لأنه لا يختص بالكفارة وإنما يتعلق به الإيجاب؛ ولأن العرب تعتاد اليمين بهذا اللفظ فهي كالقسم. فأنا أعزم أو أعزم بالله، فالعزم هو الإيجاب، والإيجاب هو اليمين، والذي قال محمد إني لا أعرفه عن أبي حنيفة، فقد رواه الحسن عن أبي حنيفة. وأما قوله عَلَيَّ نذر، أو نذر لله، فلأن النبي ﷺ قال: (من نذر نذرًا سماه فعليه الوفاء به، ومن نذر نذرًا ولم يسمه فعليه كفارة يمين) (١)، وقال: (النذر يمين وكفارته كفارة يمين) (٢). وروي أن عبد الله بن الزبير قال: (لتنتهين عائشة عن بيع عقارها - وروي رباعها - أو لأحجرنَّ عليها) فبلغ ذلك عائشة فقالت: أَوَ قال ذلك، قالوا: نعم، فقالت: لله عليّ نذر إن كلمته أبدًا) (٣) فأعتق عبد الله عن يمينها عَبِيدًا (٤).

стр. 2446

٢١٨٢ - فَصْل: [الحلف بـ (يمين الله عليّ)] وأما قوله عليّ يمين، أو يمين لله عليّ؛ فلأنه صرح بإيجاب اليمين على نفسه، واليمين لا يكون إلا بالله. ولأن العرب تحلف بذلك، قال امرؤ القيس: فقالت يمين الله مالك حيلة … وما إن أرى عنك الغواية تنجلي (١) ٢١٨٣ - فَصْل: [الحلف بذمة الله أو عهده] قال: فإن قال ذمة الله أو عهده أو ميثاقه، فهو يمين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] فجعل العهد يمينًا، والذمة والميثاق كالعهد في الكلام، فجريا مجرىً واحدًا. وقد روي (أن النبي ﷺ كان إذا بعث جيشًا قال: في وصيته: وإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تفعلوا) (٢)، وهذا يدل أن الذمة يمين. ٢١٨٤ - فَصْل: [الحلف بقوله: (هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا)] وإن قال: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام إن فعل ذلك، فهو يمين إن حنث لزمته الكفارة. قال أبو يوسف: وذلك استحسان، وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا قال أنا بريء من كل آية في المصحف إن فعلت كذا، ففعله فعليه كفارة اليمين.

стр. 2447

قال أبو الحسن: كل ما يكون اعتقاده كفرًا، واستحلاله مما لا يجوز أن تحله الشريعة ففيه الكفارة إذا حنث. وكذلك روى الحسن عن أبي حنيفة إذا قال: أنا أعبد من دون الله أو أعبد الصليب. وقال الشافعي: لا يكون ذلك يمينًا (١). وجه القياس: أنه حلف بمعصية فصار كما لو قال إن فعلت كذا فأنا شارب خمر أو آكل ميتة. وجه الاستحسان: أن الكفر لا يجوز استباحته على التأبيد لحق الله تعالى، فصار كحرمة اسمه. ٢١٨٥ - فَصْل: [الكفارة في ضربَي الأيمان] ولأن الأيمان على ضربين: قَسَم، وشرط وجزاء، فإذا كان في القَسَم ما يوجب الكفارة من غير إيجاب، جاز أن يكون في الضرب الآخر مثله؛ ولأنه لفظ مختلف في كونه يمينًا يقع به الفرقة إذا انضم إليه غيره، فجاز أن يتعلق به الكفارة كلفظ الحرام، وليس هذا عند أصحابنا كمن قال هو زان، أو شارب خمر، أو آكل ميتة؛ لأن هذا ليس بمحرم على التأبيد، ألا ترى أنه كان يجوز أن يباح بالشرع، وقد أبيحت الميتة والخمر عند الضرورة. ٢١٨٦ - فَصْل: [الحلف بقوله: (هو يهودي إن فعل كذا لشيء قد فعله)] وأما إذا قال: هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا لشيء قد فعله، فهذه يمين الغموس بهذا اللفظ. قال محمد بن مقاتل: يَكْفُر، وكتب نصير بن يحيى إلى أبي عبد الله محمد

стр. 2448

بن شجاع يسأله عن ذلك؟ فقال: أن لا يَكْفُر. وعن أبي يوسف: أنه لا يكفر. ووجهه: أن الكفر يكون بالاعتقاد ولم يوجد ذلك، وإنما قصد اليمين. وجه قول ابن مقاتل: أنه عَلَّق الكفر بشرط يعلم أنه موجود، فكأنه أطلق قوله: هو يهودي فيكون كافرًا. وقال مُعَلَّى عن محمد: إذا قال آليت لا أفعل كذا وكذا، أو عزمت لا أفعل كذا أو كذا، فهو يمين؛ لأن الألِيَّة يمين. قال الشاعر: قليلُ الأَلايَا حافظ ليمينه … إذا [سَبَقت] (١) منه الأَلِيَّة بَرَّتِ ٢١٨٧ - فَصْل [الحلف بقوله: (عزمت)] وأما قوله: عزمت، معناه أوجبت، والإيجاب على نفسه يمين، فإن قال: عصيت الله إن فعلت كذا، أو عصيته في كل ما افترض عليّ، فليس بيمين؛ لأن العاصي قد يكون بما يحرم على التأبيد، وبما لا يحرم على التأبيد، وقد بيّنا أن ما لا يحرم على التأبيد لا يصير به حالفًا. فإن قيل إذا قال عصيته في كل ما افترض عليّ دخل فيه الأيمان، قلنا: العصيان في الأيمان قد يكون بغير كفر؛ لأن الفسق عصيان في الأيمان، وإن كان لا يصير ما يفسق به كافرًا لا يصير به حالفًا.

стр. 2449

بَاب الحلف بغير الله قال الشيخ ﵁: الأصل في هذا الباب: أن الحلف بغير الله معصية لا يجوز فعلها، لما روي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ سمع صوت عمر وهو يسير في ركب ويحلف بأبيه فقال ﵇: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان منكم (حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت) (١). وروي أنه قال: (من حلف بغير الله فقد أشرك) (٢)، ولأن الحلف تعظيم المحلوف، وذلك لا يستحقه إلا الله تعالى، وإذا ثبت أنه منهي عن الحلف به، لم يلزمه به الكفارة؛ لأنه ليس بيمين، ولأنه لم يهتك حرمة منع من هتكها على التأبيد. قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل فقال: ودين الله، أو وطاعته، أو وشرائعه، أو وأنبيائه، أو وملائكته، أو وعرشه، أو وحدوده، لم يكن حالفًا؛ لأنه حلف بغير الله، أما حدوده فهُنَّ الأوامر، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وأوامر الله غيره. وأما الحلف بالأنبياء فليس بيمين، ومن الناس من قال: إن الحلف بالنبي ﷺ يمين، لنا: قوله ﷺ (من كان حالفًا فليحلف بالله).

стр. 2450

ولأنه حلف بغير الله فصار كالحلف بالكعبة، ولا يقال: إن حرمة النبي لا يجوز هتكها؛ لأنه يبطل بحرمة الكعبة والمصحف. وكذلك لو قال: وبيت الله، أو حلف بالكعبة، أو بالمشعر الحرام، أو بالصفا أو بالمروة، أو بالصلاة، أو الصيام، أو الحج؛ وذلك لأن هذه المعاني غير الله، واليمين بغير الله لا يعتبر بها. وقد روى ابن رستم عن محمد: فيمن قال: وعِبَادَةُ الله، وحَمْدُ الله، فليس بيمين؛ لأن العبادة والحمد فعل منك، وكل فعل يكون منك فليس بيمين (١). ٢١٨٨ - فَصْل: [الحلف بالقرآن وبالمصحف وبالسماء والشمس ونحوها] فأما إذا حلف بالقرآن أو بالمصحف أو بسورة من القرآن؛ فلا كفارة عليه؛ لأن القرآن غير الله. وقد روي عن النبي ﷺ :] (٢) (لا تحلفوا بآبائكم، ولا بالطواغيت، ولا بحد من حدود الله، ولا تحلفوا إلا بالله، ومن حلف له فليرض، ومن لم يرض فليس منا) (٣)، وكذلك الحلف بالحَجَر الأسود، والقبر، والمنبر؛ لأنه حلف بغير الله، وكذلك لا يحلف بالسماء، والأرض، ولا بالشمس، ولا بالقمر، ولا بالنجوم، لما بينا.

стр. 2451

قال أبو حنيفة: لا يحلف إلا بالله متجردًا بالتوحيد والإخلاص، كذلك في الأصل فيمن حلف برحمة الله وغضبه (١)؛ لأن رحمة الله يعبر بها عن الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، والجنة غير الله تعالى، والغضب هو العقاب والنار، وذلك ليس بيمين. قال بِشْر في نَوادره عن أبي يوسف: لا ينبغي أن يدعو الله إلا به؛ وذلك لأنه لا حق على الله لغيره فيقسم عليه بذلك، قال وكذلك لو قال: أبي وحق والدي؛ وهذا على ما بينا (٢). ٢١٨٩ - فَصْل: [الحلف بقوله: (وحق الله، أو غضب الله وسخطه)] ولو قال: وحق الله، لم يكن يمينًا في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عن أبي يوسف رواية أخرى: أنه يكون يمينًا. وجه قولهما: ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن حق الله على عباده (فقال أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا) (٣) وإذا كان الحق عبارة عن الطاعات، صار كأنه قال والعبادات والطاعات لا أفعل كذا. وجه قول أبي يوسف: أنه تعالى يوصف بأنه هو الحق، وهو اسم الله، فإذا قال: وحق الله فكأنه قال والله الحق. ولو دعا على نفسه فقال عليه غضب الله أو سخطه، أو لعنته، أو عقابه إن

стр. 2452

فعل [كذا]، لم يكن يمينًا؛ وذلك لأن السخط والغضب هو العقاب، ومن قال: عليه عقاب الله أو عذابه، لم يكن حالفًا (١). قال: ولو قال وسلطان الله، فإن محمدًا قال: لا أدري ما هذا، من يحلف بهذا؟!، كأنه لم يجعله يمينًا، وهذا على وجهين إن أراد بالسلطان القدرة كان حالفًا، وإن أراد المقدور لم يكن حالفًا؛ لأنه حلف بغير الله.

стр. 2453

بَاب تكرير اسم الله في الحلف ما يكون منه يمينًا واحدة وما يكون يمينين ذكر محمد في الجامع الكبير: أن من أدخل بين اسمين حرف عطف كانا يمينين مثل أن يقول: والله والله، أو والله والرحمن، وإن ذكرهما بغير حرف عطف فقال: والله الله، أو والله الرحمن، كانت يمينًا واحدة، وهذا رواية الحسن (عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وزفر أنها يمين واحدة) (١) في الوجهين، وهي رواية ابن سماعة عن أبي يوسف (٢). وجه ما ذكره في الجامع: أنه لما عطف أحد الاسمين على الاسم الآخر - والعطف غير المعطوف عليه -، كان كل واحد منهما يمينًا، وهي رواية ابن سماعة عن أبي يوسف بانفراد، وليس كذلك إذا لم يعطف؛ لأن أحد الاسمين يصير صفة للآخر وتأكيدًا له، فكانا يمينًا واحدة ولهذا يستحلف القاضي بالأسماء والصفات على وجه التأكيد من غير حرف عطف (فيقول: والله الرحمن الرحيم الطالب المدرك، ولا يجوز أن يستحلف بإدخال حرف على العطف) (٣) لأن المستحق على المدعى عليه يمين واحدة. وجه الرواية الأخرى: أن حرف العطف قد يستعمل في الصفة وفي

стр. 2454

الاستئناف، ألا ترى أنك تقول: هذا الفاضل والعالم، فاحتمل أن يكون أراد يمينًا، واحتمل أن يكون يريد الصفة، فلم يثبت يمينًا بالشك. قال ابن رستم عن محمد، قال أبو يوسف: إذا قال والله لا أكلمك [والله لا أكلمك] فهذا يمينان؛ وذلك لأنه لما أعاد المحلوف عليه مع الاسم الثاني، دَلَّ على أنه أراد يمينًا أخرى، ولو أراد التأكيد لم يعد الفعل. وقال الحسن: إذا [قال]: والله لا أكلم فلانًا والله لا أكلم فلانًا، فهو [يمينان] (١)، إلا إن أراد باليمين الثانية الإخبار عن الأولى؛ وذلك لأن الحكم الذي يتعلق باليمين الكفارة، فإذا قال: أردت بالكلام الثاني الخبر فقد نوى ما يحتمله كلامه، وإن كان خلاف الظاهر، فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى. وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: في رجل حلف في مقعد واحد بأربعة أيمان وأكثر أو أقل في أمر واحد، قال: سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال: لكل يمين كفارة ومقعد واحد، ومقاعد مختلفة واحد؛ وذلك لأن الكفارة تجب لحرمة الاسم، وكل يمين قد أفرد [فيها] الاسم فتعلق بها الكفارة؛ ولأن التداخل يكون فيما يؤثر فيه [اليمين]، والأيمان لا يؤثر فيها الشبهة، فلن يقع فيها التداخل. قال: فإن عنى [اليمين] الأولى فهي يمين واحدة، (فإذا كان الحلف بحَجّ أو عُمْرة أو بَدَنة أو هَدْي) [فليس بيمين] (٢)، وكل يمين قال عليّ كذا وكذا، فهذا يستقيم أن ينوي بالثانية الأولى، [فإذا قال والله، لم يستقم أن ينوي بالثانية

стр. 2455

الأولى] (١)، قال أبو يوسف وقول أبي حنيفة أحسن ما سمعت في ذلك، وهذا صحيح؛ لأن اليمين إذا كانت بالإيجاب فلفظها لفظ خبر، فإذا أراد بالخبر الثانية عن الأولى، صَحَّ، فأما القَسَم فالموجب عليه ليس في لفظه، وإنما يتعلق بحرمة الاسم، فيتعلق بكل اسم حكم، ولا يصدق أنه أراد بالثانية الأولى؛ لأنه ليس بمخبر وإنما هو في حكم الموقع. [وعلى هذا] روى ابن سماعة قال: سمعت محمدًا قال في رجل قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل كذا، وهو مجوسي إن فعل كذا، وهو مشرك إن فعل كذا، بشيء واحد، قال عليه لكل شيء من ذلك يمين، ولو قال: هو يهودي هو نصراني هو مجوسي، فهي يمين واحدة، وهذا على ما قدمنا أنه إذا ذكر المحلوف به مع الفعل ثم أعاده فالثاني غير الأول في قولهم، وإذا ذكر المحلوف به وكرَّرَه من غير عطف فهو يمين واحدة في قولهم (٢). ٢١٩٠ - فَصْل: [اليمين على نية المستحلف أو الحالف] وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: اليمين على نية المستحلف إذا كان مظلومًا، فإذا كان ظالمًا فعلى نية الذي يستحلفه. قال أبو الحسن: وهو قول أصحابنا جميعًا، وهذا الذي قاله إن كان في الاستحلاف على الماضي فهو صحيح؛ لأن الواجب باليمين الإثم، فمتى كان ظالمًا أثم بيمينه وإن نوى غير ما يحلف عليه؛ لأنه توصل باليمين إلى ظلم غيره. وقد روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه
следующие страницы →