قال أبو حنيفة: لا يحلف إلا بالله متجردًا بالتوحيد والإخلاص، كذلك في الأصل فيمن حلف برحمة الله وغضبه (١)؛ لأن رحمة الله يعبر بها عن الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، والجنة غير الله تعالى، والغضب هو العقاب والنار، وذلك ليس بيمين.
قال بِشْر في نَوادره عن أبي يوسف: لا ينبغي أن يدعو الله إلا به؛ وذلك لأنه لا حق على الله لغيره فيقسم عليه بذلك، قال وكذلك لو قال: أبي وحق والدي؛ وهذا على ما بينا (٢).
٢١٨٩ - فَصْل: [الحلف بقوله: (وحق الله، أو غضب الله وسخطه)]
ولو قال: وحق الله، لم يكن يمينًا في قول أبي حنيفة ومحمد وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عن أبي يوسف رواية أخرى: أنه يكون يمينًا.
وجه قولهما: ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن حق الله على عباده (فقال أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا) (٣) وإذا كان الحق عبارة عن الطاعات، صار كأنه قال والعبادات والطاعات لا أفعل كذا.
وجه قول أبي يوسف: أنه تعالى يوصف بأنه هو الحق، وهو اسم الله، فإذا قال: وحق الله فكأنه قال والله الحق.
ولو دعا على نفسه فقال عليه غضب الله أو سخطه، أو لعنته، أو عقابه إن
стр. 2452
فعل [كذا]، لم يكن يمينًا؛ وذلك لأن السخط والغضب هو العقاب، ومن قال: عليه عقاب الله أو عذابه، لم يكن حالفًا (١).
قال: ولو قال وسلطان الله، فإن محمدًا قال: لا أدري ما هذا، من يحلف بهذا؟!، كأنه لم يجعله يمينًا، وهذا على وجهين إن أراد بالسلطان القدرة كان حالفًا، وإن أراد المقدور لم يكن حالفًا؛ لأنه حلف بغير الله.
стр. 2453
بَاب تكرير اسم الله في الحلف ما يكون منه يمينًا واحدة وما يكون يمينين
ذكر محمد في الجامع الكبير: أن من أدخل بين اسمين حرف عطف كانا يمينين مثل أن يقول: والله والله، أو والله والرحمن، وإن ذكرهما بغير حرف عطف فقال: والله الله، أو والله الرحمن، كانت يمينًا واحدة، وهذا رواية الحسن (عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وزفر أنها يمين واحدة) (١) في الوجهين، وهي رواية ابن سماعة عن أبي يوسف (٢).
وجه ما ذكره في الجامع: أنه لما عطف أحد الاسمين على الاسم الآخر - والعطف غير المعطوف عليه -، كان كل واحد منهما يمينًا، وهي رواية ابن سماعة عن أبي يوسف بانفراد، وليس كذلك إذا لم يعطف؛ لأن أحد الاسمين يصير صفة للآخر وتأكيدًا له، فكانا يمينًا واحدة ولهذا يستحلف القاضي بالأسماء والصفات على وجه التأكيد من غير حرف عطف (فيقول: والله الرحمن الرحيم الطالب المدرك، ولا يجوز أن يستحلف بإدخال حرف على العطف) (٣) لأن المستحق على المدعى عليه يمين واحدة.
وجه الرواية الأخرى: أن حرف العطف قد يستعمل في الصفة وفي
стр. 2454
الاستئناف، ألا ترى أنك تقول: هذا الفاضل والعالم، فاحتمل أن يكون أراد يمينًا، واحتمل أن يكون يريد الصفة، فلم يثبت يمينًا بالشك.
قال ابن رستم عن محمد، قال أبو يوسف: إذا قال والله لا أكلمك [والله لا أكلمك] فهذا يمينان؛ وذلك لأنه لما أعاد المحلوف عليه مع الاسم الثاني، دَلَّ على أنه أراد يمينًا أخرى، ولو أراد التأكيد لم يعد الفعل.
وقال الحسن: إذا [قال]: والله لا أكلم فلانًا والله لا أكلم فلانًا، فهو [يمينان] (١)، إلا إن أراد باليمين الثانية الإخبار عن الأولى؛ وذلك لأن الحكم الذي يتعلق باليمين الكفارة، فإذا قال: أردت بالكلام الثاني الخبر فقد نوى ما يحتمله كلامه، وإن كان خلاف الظاهر، فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: في رجل حلف في مقعد واحد بأربعة أيمان وأكثر أو أقل في أمر واحد، قال: سألت أبا حنيفة عن ذلك فقال: لكل يمين كفارة ومقعد واحد، ومقاعد مختلفة واحد؛ وذلك لأن الكفارة تجب لحرمة الاسم، وكل يمين قد أفرد [فيها] الاسم فتعلق بها الكفارة؛ ولأن التداخل يكون فيما يؤثر فيه [اليمين]، والأيمان لا يؤثر فيها الشبهة، فلن يقع فيها التداخل.
قال: فإن عنى [اليمين] الأولى فهي يمين واحدة، (فإذا كان الحلف بحَجّ أو عُمْرة أو بَدَنة أو هَدْي) [فليس بيمين] (٢)، وكل يمين قال عليّ كذا وكذا، فهذا يستقيم أن ينوي بالثانية الأولى، [فإذا قال والله، لم يستقم أن ينوي بالثانية
стр. 2455
الأولى] (١)، قال أبو يوسف وقول أبي حنيفة أحسن ما سمعت في ذلك، وهذا صحيح؛ لأن اليمين إذا كانت بالإيجاب فلفظها لفظ خبر، فإذا أراد بالخبر الثانية عن الأولى، صَحَّ، فأما القَسَم فالموجب عليه ليس في لفظه، وإنما يتعلق بحرمة الاسم، فيتعلق بكل اسم حكم، ولا يصدق أنه أراد بالثانية الأولى؛ لأنه ليس بمخبر وإنما هو في حكم الموقع.
[وعلى هذا] روى ابن سماعة قال: سمعت محمدًا قال في رجل قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل كذا، وهو مجوسي إن فعل كذا، وهو مشرك إن فعل كذا، بشيء واحد، قال عليه لكل شيء من ذلك يمين، ولو قال: هو يهودي هو نصراني هو مجوسي، فهي يمين واحدة، وهذا على ما قدمنا أنه إذا ذكر المحلوف به مع الفعل ثم أعاده فالثاني غير الأول في قولهم، وإذا ذكر المحلوف به وكرَّرَه من غير عطف فهو يمين واحدة في قولهم (٢).
٢١٩٠ - فَصْل: [اليمين على نية المستحلف أو الحالف]
وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: اليمين على نية المستحلف إذا كان مظلومًا، فإذا كان ظالمًا فعلى نية الذي يستحلفه.
قال أبو الحسن: وهو قول أصحابنا جميعًا، وهذا الذي قاله إن كان في الاستحلاف على الماضي فهو صحيح؛ لأن الواجب باليمين الإثم، فمتى كان ظالمًا أثم بيمينه وإن نوى غير ما يحلف عليه؛ لأنه توصل باليمين إلى ظلم غيره.
وقد روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه
стр. 2456
حرم الله عليه الجنة، وأوجب عليه النار، قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا، قال: وإن قضيبًا من أراك، قالها ثلاثًا) (١).
وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر؛ ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان) (٢).
وأما إذا كان مظلومًا فهو لا يقطع بيمينه حقًّا، فإذا نوى به غير الظاهر لم يأثم بيمينه، فأما اليمين على المستقبل فإذا قصد بها الحالف معنًى دون معنًى فهو على نيته دون نية المستحلف؛ لأنه هو العاقد فينعقد يمينه على ما ينويه.
стр. 2457
بَاب معرفة شروط الأيمان
قال أبو الحسن: شروط الأيمان التي تتعلق بالأفعال ستة: إن، وإذا، وإذا، ما، ومتى، ومتى ما، وكل، وكلما، وهي تتعلق بالأفعال المستقبلة، أو بترك الأفعال المستقبلة، ولا تتعلق بالماضي من الأفعال ولا بالأسماء.
[قال الشيخ] (١) والأصل في هذا أن أهل اللغة قالوا: الشروط: (إن) وما سواها داخل عليها؛ لأنه ليس فيها معنى الوقت [فهو شرط محض، وما سواها فيه معنى الوقت] (٢) والدليل على أنها شرط: أن الأفعال تليها، والشروط إنما تكون شرطًا للفعل، ألا ترى أنه مأخوذ من العلامة، فكأنه جعل علامة لتعلق الحنث بالفعل، فأما اختصاصها بالأفعال المستقبلة، فلأن الشروط ما جاز أن يوجد وما جاز أن لا يوجد، وهذا المعنى لا يكون في الماضي وإنما يكون في المستقبل، وإنما اختصت الشروط بالأفعال دون الأسماء؛ لأن الأفعال هي التي يجوز أن يعقد عليها، فيتعلق الجزاء بوجودها أو بنفيها، والاسم لا يجوز أن يتعلق الجزاء به، فلم يكن متعلقًا بالشروط، ولهذا قالوا: إن (كل) ليست شرطًا في الحقيقة؛ لأن الاسم يليها ولا يليها الفعل، إلا أنها في معنى الشرط فيما عاد ذكره من الأفعال على الأسماء التي وقعت عليها (كل)، فيكون ذلك الفعل بمعنى الشرط، وهذا كقول الرجل: كل امرأة أتزوجها أو كل عبد أشتريه، فيكون ذلك
стр. 2458
بمعنى الصفة فكأنه أعتق أو [طلق] (١) ضربًا ممن حلف عليه، وليست بشرط صحيح؛ لأنها لا تلي الأفعال التي يكون الجزاء مستحقًا بها، ألا ترى أنك لا تقول: كل تزوجت، ولا: كل دخلت، والأحرف الستة شرط لوقوع الجزاء، يقول: عبدي حر إن دخلت الدار، أو إن دخلت الدار فعبدي حر، فهي لازمة للشرط تقدم الجزاء أو تأخر.
قال أبو الحسن: إذا قال إن دخلت الدار، أو إذا دخلت الدار، أو إذا ما دخلت الدار، أو متى دخلت، أو متى ما دخلت الدار، أو كلما دخلت الدار ففلان حر، أو فلانة طالق، أو عليّ حِجّةٌ، أو بَدَنةٌ، أو هدي، أو صِيامٌ، أو صَدقَةٌ، أو سائر ما يوجبه بالدخول، فهو عقد صحيح في قول أصحابنا جميعًا، وهذا على ما قدمنا: أن الشرط والجزاء يمين شرعية تنعقد كما تنعقد اليمين التي هي القَسَم، ويجب الجزاء عند وجود شرطها، كما يحصل الحنث في اليمين التي هي القَسَم، وقد ورد القرآن بوجوب النذر المعلق بالشرط لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥].
قال أبو الحسن: وكذلك إذا أدخل هذه الحروف على سائر الأفعال منه ومن غيره، فذلك كله سواء، وسبيلها سبيل واحد في تعليق الجواب ولزومه؛ وذلك لأن الشروط تختص بالأفعال، ففعله وفعل غيره سواء، ولأنه يعقد اليمين على فعله ليمتنع، فكذلك يعقدها على فعل الغير ليمتنع.
قال: وإذا كان ذلك الفعل [مرة] حَنِثَ، [ولم يعد عليه حَنِثَ إذا فعل ذلك الفعل مرة أخرى، إلّا في قوله: (كلما)، فإنه يتكرر عليه إذا كَرَّرَ الفعل الذي]
стр. 2459
حلف عليه، وإنما حنث بوجود الفعل مرة واحدة؛ لأنه شرط الحنث، ألا ترى أنه [عقد على جنس الفعل دون عدده] (١)، فإذا وُجِد تعلق به الجزاء، وليس في اللفظ ما يفيد التكرار فانحلت اليمين، فإذا أعاد الفعل ولا يمين، لم يتعلق به حنث.
فأما (كلما) فإنها تفيد التكرار بدلالة قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] وقد فهم من ذلك التكرار؛ ولأن كُلَّمَا فيها معنى الجمع فتجمع الأفعال كلها، فيصير كل فعل معقودًا عليه، فيتعلق الحنث بالثاني كالأول، وبقية الشروط ليس فيها معنى الجمع فاعتبر فيها جنس الفعل.
فأما (إِذَا) كان الجزاء الطلاقَ، والشرط [بلفظة] (٢) كلما يتكرر الطلاق بتكرار الحنث، حتى يستوفي طلاق الملك الذي حلف عليه، فإن تزوجها بعد زوج لم يحنث؛ لأن ذلك الطلاق الذي ملكه بالعقد لم يكن في ملكه يوم حلف، ولا أضاف يمينه إليه، ولا هو تابع لما كان في ملكه حين حلف، فلم يتعلق به اليمين، فإن أضاف اليمين إلى الملك الثاني أو (٣) إلى كل ملك حنث بوجود الفعل أبدًا، مثل أن يقول: كلما تزوجتك فدخلت الدار فأنت طالق؛ لأن الطلاق المضاف إلى الملك يقع بوجود الملك.
فأما (كل) فقد بَيَّنَّا أنها ليست بشرط محض، وبينا كيفية تعلق الجزاء بها،
стр. 2460
إلا أنها تجمع الأسماء دون الأفعال؛ لأن الذي يليها الاسم فهي تكرار الحنث فيما دخلت عليه، كما تكرر [لفظة] (كلما) الحنث بتكرار الفعل الذي دخلت عليه، فأما الفعل في (كل) فلم يدخل عليه، وإنما هو صفة فلا يتكرر الحنث بتكراره.
قال أبو الحسن: وإذا علق هذه الشروط على أفعالٍ أضافها إلى الأوقات فقال: أنت طالق إذا جاء غدٌ، ومضى غدٌ وجاء رمضان، أو ذهب رمضان، أو دخل رمضان، أو خرج رمضان، فلا يقع الجواب إلا بوجود الشرط؛ وذلك لأن مجيء الوقت (١) وذهابه فعل الله تعالى، وقد بيَّنَّا أن حرف الشرط إذا دخل على فعل الحالف أو فعل غيره فهو سواء.
قال: فإن علق ذلك بالوقت دون الفعل، فذلك طلاق موصوف وليس بمشروط، ولا يكون ذلك يمينًا عند أصحابنا جميعًا، وهذا كقوله: أنت طالق غدًا أو في رمضان، وذلك أن الشروط لا تدخل إلا على الأفعال، ولم يذكر فعلًا، وإنما ذكر الزمان ظرفًا للطلاق، فاليمين هي الشرط والجزاء، فلم يكن حالفًا إلا أنه أوقع طلاقًا موصوفًا فيقع على صفته، كمن قال: أنت طالق بائن، ولهذا لا يقع قبل الوقت؛ لأنه لو وقع لم يقع على صفته.
فأما إذا أدخل هذه الشروط على التمليك، فقال: أنت طالق إن شئت، فليس ذلك بشرط، إنما يدخل حرف الشرط ليدل على الجواب الذي يقتضيه التمليك؛ يبين ذلك أن كل من قال بعتك هذا الشيء بعشرة اقتضى جوابًا في المجلس.
стр. 2461
فلو أدخل على التمليك حرف شرط فقال: بعتك بعشرة إن قبلتَ، لم نستفد بدخول الشرط فائدة، وصار وجوده وعدمه في اقتضاء الجواب في المجلس سواء.
فأما إيجاب الطلاق والعتاق، فالموجب يملك الإيقاع وإن لم ينضم إليه القبول، فإذا ملكه لغيره أدخل حرف الشرط؛ ليدل به على التمليك، فيقف الجواب على المجلس بحكم التمليك لا بحكم الشرط، ألا ترى أن الشروط لا تختص بالمجلس (١).
стр. 2462
بَاب عطف الشروط بعضها على بعض
قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن دخلت هذه الدار [وهذه الدار]، أو قال: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار، فأنتِ طالق، أو قال إن دخلت هذه الدار فأنتِ طالق وهذه الدار، فكل ذلك سواء، ولا يقع الطلاق إلا بدخول الدارين جميعًا، ولا يبالي أي الدارين دخلت أولًا، وتقديم الطلاق في الحلف على الشرطين وتأخيره عنهما وتوسطه بينهما سواء؛ وذلك لأنه إذا قال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار وهذه الدار، فالواو للجمع، فكأنه قال: إن دخلت هاتين الدارين، وكذلك إذا قدم [الشرط]؛ لأن الجزاء يتعلق بالشرط، فتقديمه وتأخيره سواء، فأما إذا توسط الجزاء فقال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وهذه الدار؛ فلأن العطف يكون على [غير] جنسه، ولا يكون على جنسه فلم يصح عطف الشرط على الجزاء، فصار معطوفًا على الشرط.
قال: فإن قال: إن دخلت هذه الدار فهذه الدار [فأنت طالق]، أو قال: إن دخلت هذه الدار فهذه الدار، [أو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فهذه الدار]، فإن ذلك كله سواء لا يقع الطلاق إلا بدخول الدارين جميعًا، إلا أن دخول الدار الثانية يكون بعد الأولى وإلا لم يقع الطلاق؛ وذلك لأن الفاء من حروف العطف كالواو، إلا أنها تفيد التعقيب فلا بد من دخول ما دخلت عليه الفاء بعد الأخرى، وليس كذلك الواو؛ لأنها تفيد الجمع ولا تقتضي تقديم إحدى الدارين على الأخرى.
стр. 2463
وعلى هذا لو عطف بثُمَّ، فقال: أنت طالق إن دخلت هذه الدار ثُمَّ هذه الدار؛ لأن ثُمّ ترتب كالفاء إلا أنهما تختلفان في أن الفاء تفيد التعقيب وثُمّ للتراخي، وقد استوتا في العطف والترتيب.
قال: فإن قال: أنتِ طالق إن دخلت هذه الدار أو هذه الدار، أو قال: إن دخلتِ هذه الدار أو هذه الدار فأنتِ طالق، أو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق أو دخلت هذه الدار، فذلك كله سواء وأي الدارين دخلت طلقت؛ لأن (أو) يقتضي التخيير، فصار كل فعل على حاله شرطًا في الطلاق، فأيهما وجد وقع، قال: والحروف [الستة] كلها في هذا المعنى سواء؛ وذلك لأنها موضوعة للشرط، فأفاد كل واحد منها ما يفيد الآخر (١).
٢١٩١ - فَصْل: [إعادة حرف العَطف مع الفعل في الشرط والجزاء]
ومما يضاف إلى هذا الباب: إذا أعاد حرف العطف مع الفعل فقال: إن دخلتِ هذه الدار ودخلت هذه الدار، أو إذا دخلت هذه الدار ودخلت هذه، أو دخلت هذه ودخلت هذه، أو متى ما، أو إذا ما، فهو سواء، والشرط دخول الدارين؛ وذلك لما ذكرنا أن الواو للجمع، فاقتضى جمع الشرطين، فلا فرق بين إعادة الفعل أو تركه؛ لأنه هو المراد في الحالين.
فإن كَرَّر الفعل بالفاء فقال: إن دخلت هذه الدار فدخلت هذه الدار الأخرى فأنت طالق، فإن أبا يوسف فرق بين الفاء في هذا الوجه وبين الواو: فجعل اليمين في الواو متعلقة بالفعلين، لا يبالي بأيهما بدأ، وجعل الفاء لا يقع الحنث حتى يكون الفاء خبرًا، فإن دخلت الدار الثانية قبل الأولى ثم دخلت الأولى لم
стр. 2464
يحنث، ذكر ذلك ابن سماعة عن أبي يوسف. وهذا على ما قدمنا أن الواو تفيد الجمع فيقتضي وجود الفعلين من غير ترتيب، والفاء تقتضي التعقيب، فلا بد من تأخر الفعل الثاني عن الأول.
وقد ذكر ابن سماعة عن محمد في هذا زيادة تفصيل فقال في رجل قال لامرأته: إن دخلت دار فلان فدخلت هذه الدار فأنت طالق، ولم تدخلها ثم طلّقها، فدخلت دار فلان ثم تزوجها، فدخلت الدار الثانية: لم تطلق؛ لأنه إنما صار حالفًا حيث دخلت الدار الأولى، فصار حالفًا يومئذ بطلاق امرأة لا يملكها، فلا تطلق إذا دخلت الدار الثانية وهي امرأته، فكأنه جعل دخول دار فلان شرط اليمين، وجعل ما بعد الفاء جواب الشرط [الأول] (١) وعقدها بالفعل فاعتبر الأول] وجود [الملك] (٢) عنده.
وقد ذكر أبو يوسف في مسألة أخرى مثل هذا فقال: إذا قال لامرأتين له: إذا غشيتُ هذه [فغشيتُ] (٣) هذه الأخرى فعبدي حر، فليس الحلف على الأولى إنما ينعقد عليه اليمين في الثانية إذا غشي الأولى، ويكون موليًا من الثانية إذا غشي الأولى، والفاء في هذا الموضع لا تشبه الواو، فدلَّ على أنه جعل غشيان الأولى شرطًا لانعقاده اليمين.
٢١٩٢ - فَصْل: [اعطف حرف الشرط أو الفعل جميعا]
فإن عطف حرف الشرط أو الفعل جميعًا، فقال: أنت طالق إن دخلت هذه
стр. 2465
الدار، أو قال: وإن دخلت هذه الدار، أو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق وإن دخلت هذه الدار، فإن أبا يوسف ومحمدًا قالا: أي الدارين دخلت طلقت وسقطت اليمين، ولا تطلق بدخول الأخرى شيئًا؛ لأنه لما استأنف حرف الشرط مع الفعل، صار ذلك يمينًا أضمر فيها الجزاء، فكأنه قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق.
٢١٩٣ - فَصْل: [تأخير الطلاق والجمع بين الشرطين]
فإن أخر الطلاق وجمع بين الشرطين فقال: إن دخلت هذه الدار وإن دخلت هذه الدار فأنت طالق، فإنها لا تطلق حتى تدخل الدارين جميعًا وهو قول محمد رواه عنه ابن سماعة وقاله في الجامع الكبير (١)، وهو إحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنه سَوَّى بين ذلك فقال: أي الدارين دخلت طلقت.
وجه قول محمد: أنه لما عطف الشرط على الشرط قبل الجزاء، دل على أنها يمين واحدة، ألا ترى أن الكلام الأول لم يتم، فكأنه عطف الفعل على الفعل من غير حرف شرط، وليس كذلك الفصل الأول؛ لأن اليمين تمت بذكر الجزاء، [فلما استأنف] (٢) حرف الشرط مع الفعل دَلَّ على أنه كلام مبتدأ.
وجه قول أبي يوسف: أن تقديم الشرط وتأخيره عن الجزاء سواء، فكما لو ذكر الجزاء ثم ذكر دخول الدار الثانية تعلق الجزاء بكل واحد منهما على الانفراد، كذا إذا قدمهما.
стр. 2466
٢١٩٤ - فَصْل: [اشتراط دخول الدار وكلام فلان]
ولو قال: كلما دخلتُ هذه الدار أو كلمتُ فلانًا، أو فكلمت فلانًا فعبد من عبيدي حر، فدخل الدار دَخَلات وكلم فلانًا مرة (١)، لم يعتق إلا واحد؛ لأنه جعل شرط العتق دخول الدار وكلام فلان، فإذا تكرر أحد الشرطين ووجد الآخر مرة واحدة، فقد تم شرط يمين واحدة، ووجد في بعض شرط الأخرى، فلا يعتق إلا واحدٌ.
ولو قال: كُلَّما دخلتُ هذه الدار فإن كلمت فلانًا فأنتِ طالق، فإن دخل ثلاث دخلات ثم كلّم فلانًا، طلقت امرأته ثلاثًا؛ وذلك لأن ما بعد الفاء جواب لما قبلها، فصار دخول الدار شرطًا لانعقاد اليمين، فقد انعقد عليها بتكرار الدخول ثلاثة أيمان، والفعل الواحد يكون شرطًا لأيمان كثيرة، فيجب في جميعها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف لو قال: كلما دخلت هذه الدار أو كلمت فلانًا فأنت طالق، فهذا عليهما جميعًا، فإن دخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانًا مرة طلقت واحدة؛ لأن الواو للجمع، فصار الدخول والكلام شرطًا، وتكرار بعض الشرط لا يتعلق به حنث.
فإن عادت وكلمت فلانًا قبل أن تدخل الدار الرابعة طلقت؛ وذلك لأنه تم شرط يمين أخرى، فوقعت عليها تطليقة أخرى.
فإن كلمت فلانًا الثالثة طلقت أخرى؛ لتمام شرط اليمين الثالثة.
قال: وكذلك لو نذر أن لا تكلم فلانًا (٢) فكلمته ثلاث مرات، ثم دخلت
стр. 2467
الدار دخلة طلقت واحدة، فإن عادت فدخلتها أخرى قبل الكلام لفلان الرابعة طلقت أخرى، فإن عادت فدخلت الثالثة طلقت أيضًا؛ [لأنه] لا فرق بين تقديم أحد الشرطين على الآخر (١).
٢١٩٥ - فَصْل: [انعقاد اليمين بدخول الدار]
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: ولو قال كلما دخلت هذه الدار فإن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فإن اليمين في هذا إنما تنعقد بدخول الدار، فكلما دخلت دخلة انعقدت يمين، فإن كلمت فلانًا طلقت، وإن عادت فدخلت الدار ثم كلمت فلانًا طلقت أخرى.
ولو بدأت فدخلت الدار ثلاث دخلات، [ثم كلمت فلانًا، طلقت ثلاث مرات]، فكل دخلة بتطليقة؛ وذلك لأنّ دخول الدار شرط لانعقاد اليمين، فإن انعقدت عليها أيمان انحلت بشرط واحد.
قال: فإن بدأت بكلام فلان في هذه المسألة لم تنعقد به يمين، ولم يقع بها طلاق حتى تكلم فلانًا بعد دخول الدار؛ لأنها ما لم تدخل لم تنعقد يمين، فلا يقع بالكلام طلاق.
قال وسمعت أبا يوسف يقول قال: ولو قال كلما دخلت هذه الدار، فكلما كلمت فلانًا فأنت طالق، قال فهذا عليهما، وتكون الفاء جزاءً، فإن بدأت فدخلت الدار ثلاث دخلات ثم كلمت فلانًا مرة طلقت ثلاثًا.
ولو دَخَلَتْ الدار دخلة، ثم كلمت فلانًا ثلاث مرات، طلقت ثلاثًا؛ لأن
стр. 2468
اليمين قد انعقدت بدخول الدار، فإذا تكرر شرطها تكرر الحنث؛ لأن كلما للتكرار.
٢١٩٦ - فَصْل: [إدخال الصفة على من دخل عليه كُلّ ثم العطف]
ولو سبق على [الجزاء] (١) فقال كل امرأة أتزوجها فهي طالق وفلانة لامرأته، فإن بِشرًا وابن سماعة رويا عن أبي يوسف: أن امرأته تطلق الساعة ولا ينتظره أن يتزوج؛ وذلك لأن كلًا ليس بشرط على ما قدمنا، وإنما هو صفة وقد أدخل الصفة على من دخل عليه كل، ثم عطف فلانة عليه غير موصوفة، فوقع عليها الطلاق في الحال، وانعقدت اليمين على من سواها.
قال: ولو قال كل امرأة من نسائي تدخل هذه الدار فهي طالق، وفلانة سَمَّى بعض نسائه - فإن الطلاق يقع عليها قبل الدخول، فإن دخلت الدار وهي في العدة طلقت أيضًا؛ لأنها دخلت في الشرط بقوله: كلُّ امرأة من نسائي، فلا يسبقها على الجزاء، اقتضى ذلك طلاقًا عليها غير متعلق بشرط؛ لأنه لم يصفها، فدخلت في الصفة بقوله: كل امرأة من نسائي وانفردت بقوله: وفلانة، [فوقعت عليها تطليقة] (٢) ولو قال: أنت ومَنْ دخل من نسائي طالق، كانت طالقًا ساعة سكت؛ وذلك لأن مَنْ ليس بشرط، فقد يقع الطلاق عليها وعلى من يتصف بدخول الدار من نسائه، فوقع عليها الطلاق في الحال؛ لأنه ذكرها غير موصوفة ودخلت في الصفة بقوله: ومن دخل الدار من نسائي.
قال: ولو قال لامرأته: أنت طالق وفلانة إِنْ تزوجتها، لم يقع الطلاق على
стр. 2469
امرأته حتى يتزوج الأخرى؛ وذلك لأن (إن) شرط، فلما عطف على الجزاء فالشرط تعلق به؛ لأنه لا فرق بين تقديم الجزاء وتأخيره، فكأنه قال أنت وفلانة إن تزوجتها طالقان.
قال: ولو قال الرجل لعبده: أنت حر ومن دخل الدار من عبيدي، عتق الأول، فإن عنى أن عتقه بدخول الدار لم يُديَّنْ في القضاء، وهذا على ما بَيَّنَّا: مَنْ ليس بشرط، وإنما (وصفه) (١) فقد أوقع العتق على عبد لم يصفه بصفة، ثم أوقع على عبد موصوف، فيعتق الأول في الحال.
وقال محمد في الجامع الكبير: في رجل له امرأتان قال لإحداهما: أنت طالق إن دخلت هذه الدار لا بل هذه، أو قال أنت طالق إن شئت لا بل هذه، فإن دخلت الأولى وشاءت طلقتا [جميعًا، ولا] (٢) تطلق الثانية قبل ذلك، وهذا على ما بينا أنه علق طلاق الأولى بشرط، وقوله لا للرجوع والاستدراك، وهو لا يملك الرجوع عن اليمين، ويملك تعليق طلاق الثانية بالشرط فيتعلق به.
وقال مُعَلَّى: سألت محمدًا عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فأنت طالق (٣) لا بل غلامي فلان حر، قال: يعتق عبده الساعة؛ وذلك لأنه لما استأنف قوله بل غلامي فلان حر، فقد ذكر كلامًا مستقلًا لا يفتقر إلى ما تقدم، فتعلق الحكم به، ولم يعتبر فيه الشرط.
قال ولو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق لا بل فلانة، والثانية امرأته، فإن
стр. 2470
امرأته لا تطلق الساعة؛ لأن الكلام الثاني غير مستقبل، فتعلق بالشرط.
قال وإن قال لعبده: أنت حر إن دخلت الدار (١)؛ لأنه استدرك بكلام غير مستقل فتعلق بالشرط.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: لو أن رجلًا قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق فطالق لا بل هذه، قال فإذا دخلت [الأولى] الدار طلقتا ثلاثًا ثلاثًا؛ وذلك لأن قوله لا بل هذه غير مستقل فأضمر فيه الشرط، فتعلق الجزاء بالثانية كتعلقه بالأولى.
ولو قال أنت طالق وطالق وطالق لا بل هذه، وقع على الثانية (٢) واحدة وعلى الأولى ثلاثًا؛ لأنها تضم في الثانية ما يستقل به الكلام، والكلام يستقل بإضمار تطليقة.
ألا ترى أن التطليقات هاهنا متفرقة، فكأنه قال: لا بل هذه طالق، وفي الفصل الأول الكلام كله متعلق بالدخول فكأنه جمعه.
قال: ولو قال لامرأته: أنت طالق إن كلمت فلانًا، لا بل هذه، كان على الكلام لا على الطلاق؛ لأنه سبقها على الطلاق الكلام، فتعلق طلاقها بكلام فلان.
قال فإن قال: إن كلمت فلانًا فأنت طالق لا بل هذه، فقوله لا بل هذه على الطلاق؛ لأنه يسبقها على الجزاء فتعلق طلاقها بما تعلق به الأخرى.
стр. 2471
٢١٩٧ - فَصْل: [الاستثناء بعد عطف اليمين على اليمين]
وأما إذا عطف اليمين على اليمين ثم استثنى بعدهما، فقال ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: في رجل قال لامرأته عَمْرة طالق ثلاثًا إن دخلت الدار، وزينب طالق واحدة إن كلمت فلانًا إن شاء الله تعالى، فهو في القضاء على الأخرى، فإن أرادهما جميعًا دين فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال محمد في الجامع الكبير: الاستثناء على اليمينين جميعًا (١).
قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا أنه إذا أراد (٢) إيقاعين ثم استثنى، فالاستثناء عليهما في قولهم، مثل أن يقول: زينب طالق وعَمْرة إن شاء الله تعالى، أو عبدي حُرٌّ إن شاء الله تعالى؛ لأنه كلام واحد معطوف بعضه على بعض، فرجع الاستثناء إلى جميعه بدلالة قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وقد رجع الاستثناء إلى الجميع، وأما إذا عطف جملة [على جملة] (٣) فعند أبي يوسف: يرجع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة (٤).
وقال محمد: إذا عطف إحداهما على الأخرى ولم يفصل بينهما بسكوت رجع إليهما، وكان أبو الحسن يقول: إن مذهب أبي يوسف أن الاستثناء في حكم الشرط؛ لأنه لفظ شرط، ولو عقب الجملتين بشرط رجع إلى الثانية، فكذلك [ها هنا].
стр. 2472
وأما محمد: فعنده أن الاستثناء لرفع الكلام، بدلالة أنه لا يتوصل إلى العلم بهذه المشيئة، فلا يجوز أن يقصد بها الشرط، وإنما يذكر لرفع الكلام، فلا يختص بإحدى الجملتين دون الأخرى؛ لأنها كلام واحد.
وأما إذا لم يعطف إحدى الجملتين على الأخرى، فقال: زينب طالق إن دخلت الدار، وعَمرة طالق إن كلمت فلانًا، فإن الاستثناء يختص بالجملة الأخيرة؛ لأنه لما لم يعطف إحدى الجملتين على الأخرى لم يتعلق بها، (وصار كل واحد من الجملتين لم يتعلق بها) (١) وصار كل واحدة من الجملتين منفردة بنفسها، وكذلك إن فصل بين الجملتين بسكوت وجاء بحرف العطف؛ لأن السكوت يفصل أحد الكلامين من الآخر، فلا يعود الاستثناء إلى الأول، وقد قالوا في الإيقاعين أن الاستثناء يعود إليهما في القضاء، وأما الجملتان إذا عطف إحداهما على الأخرى ولم يفصل بينهما بسكوت وجاء بحرف العطف، فإن الاستثناء عند أبي يوسف يرجع إلى الأولى فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه كلام واحد.
وإذا فصل بين الجملتين بسكوت لم يصدق فيما بينه وبين الله تعالى أنه رَدَّ الاستثناء إلى الكلام [الأول؛ لأن الكلام الثاني] منقطع فينقطع عنه، والاستثناء المنقطع لا يتعلق به حكم، وهذا الذي ذكرناه هو المشهور.
وقد روى بشر عن أبي يوسف: أن الجملة إذا عطف عليها الإيقاع فقال: عَمْرة طالق إن دخلت الدار وزينب طالق، كانت يمينًا واحدة، فإن دخلت الدار طلقنا جميعًا والاستثناء عليهما؛ وذلك لأنه يحتمل أن يكون طلق زينب في الحال، ويحتمل أن يكون علق طلاقها بالشرط، [فلم] (٢) يقع في الحال بالشرط
стр. 2473
بالشك، وإذا تعلق بالدخول صار جملة واحدة فرجع الاستثناء إلى جميعها، وكذلك قال في قوله عمرة طالق (إن شاءت وزينب طالق إن شاء الله.
٢١٩٨ - فَصْل: [الطلاق بالتعليق على الشرط]
قال بشر عن أبي يوسف: فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق) (١) إن دخلتُ الدار، فتزوج امرأة ثم دخل الدار ثم تزوج أخرى، فالطلاق يقع على التي تزوج قبل الدخول، ولا يقع على التي تزوج بعد الدخول، وكذلك ذكره محمد في الجامع الكبير (٢)؛ لأنه جعل دخول الدار شرطًا في وقوع الطلاق على امرأة موصوفة بأنه تزوجها بعد اليمين، فمن كانت في ملكه عند الدخول بهذه الصفة وقع عليها الطلاق، ومن تزوجها بعد الدخول لم يوجد [فيها] الصفة عند الشرط فلا تطلق، فكأنه قال كل امرأة لي عمياء طالق إن دخلت الدار، فدخلت الدار ثم عميت (امرأته)، لم تطلق.
قال: ولو كان بدأ بالدخول فقال: إن دخلتُ الدار فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فتزوج امرأة ثم دخل الدار ثم تزوج أخرى، فإن الطلاق يقع على الذي تزوج بعد دخول الدار، ولا يقع على التي تزوج قبل الدخول؛ لأنه جعل دخول الدار شرطًا لانعقاد اليمين، فكأنّه قال عند الدخول: كل امرأة أتزوجها (طالق) (٣) ولا تدخل في ذلك ما تزوج من قبل، قال أبو يوسف: فإن نوى ما تزوج قبل أو بعد في المسألتين جميعًا، فليس يقع على ما نوى ولا يلزمه ذلك؛ لأنه نوى ما لا يحتمله لفظه.
стр. 2474
قال بشر: ولو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق إن دخلتُ الدار، فدخل الدار ثم تزوج، لم يقع الطلاق، فإن دخل الدار ثانيًا [وقع] (١) الطلاق؛ وذلك لأنه عقد اليمين على دخول الدار بعد التزوج، فالدخول قبله غير معقود عليه، فلم ينحل به اليمين، فإذا وجد الدخول الثاني وهو المعقود عليه وقع [به] (٢) الطلاق.
قال أبو الحسن: وإذا قال كل امرأة أتزوجها إلى سنة فهي طالق (إن كلمت فلانًا أو بدأ بالكلام، فقال: إن كلمت فلانًا فكل امرأة أتزوجها إلى سنة طالق) (٣) أو قال في الوجهين جميعًا كلما، فذلك كله سواء يقع الطلاق على ما يتزوج في الوقت قبل الكلام وبعده إذا بدأ بالتزويج، وإذا بدأ بالكلام فَوَقّتَ وقع على ما بعد الكلام، والتوقيت وغير التوقيت إذا بدأ بالكلام سواء، وإذا بدأ بالتزويج فهو مختلف، روى ذلك ابن سماعة عن أبي يوسف في الإملاء، وقاله محمد في الجامع الكبير؛ وذلك لأنه إذا قال: كل امرأة أتزوجها [إلى] (٤) سنة فلا بد للتوقيت من فائدة، فلو اختصت اليمين بما تزوج [قبل] (٥) الكلام بطل حكم التوقيت؛ فلذلك وقع على الأمرين، فأما إذا قال: إن كلمتُ فلانًا فكل امرأة أتزوجها، فقد جعل الكلام شرطًا لانعقاد اليمين، فلا يتعلق بمن تزوجها قبل العقد حكم، وتكون فائدة التوقيت تخصيص العقد بمن تزوج في المدة دون ما بعدها (٦).
стр. 2475
بَاب (لو) إذا جعلت شرطًا
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: لو قال [رجل لامرأته]: أنت طالق لو دخلت الدار، لم تطلق، هذا بمنزلة قوله إن دخلت [الدار]، فكل شيء لا يقع فيه الطلاق بقوله إن دخلت الدار وإذا دخلت الدار، فإنه لا يقع فيه الطلاق إذا كان مكان (إنْ) (لو)، بمنزلة إنْ، وإذا، ومتى.
والأصل في ذلك: أن لفظة (لو) تذكر (الترقب) (١) الشيء في المستقبل عند وجود ما دخل عليه حرف (لو)، وهذا معنى الشرط؛ فلذلك [وقف] (٢) الطلاق على دخول الدار وهذا ليس بشرط في الحقيقة، وإنما وقف الطلاق على الدخول لما في اللفظ من معنى [الترقب] (٣)، وقوله (لو) بمنزلة (إن)، لا يريد بذلك أنها شرط، وإنما يريد [به] أنها كهي في أن الطلاق لا يقع قبل الدخول.
ولو قال لامرأته: أنت طالق لو حسن خلقك سوف أراجعك، فإن الطلاق يقع الساعة؛ وذلك لأن (لو) إنما أدخلت على ترقب الرجعة، فوقع الطلاق في الحال، كما لو قال أنت طالق إن حسن خلقك راجعتك، وكذلك لو قال أنت طالق لو قدم أبوك راجعتك [وإذا قدم راجعتك، كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار راجعتك] وليس هذا بيمين، وإنما هذه عدة وخبر ومعانيه في بعضه.
стр. 2476
وقال ابن سماعة قال أبو يوسف: إذا قال لامرأته أنت طالق لو دخلت الدار لطلقتك، لم تطلق الساعة، وإن دخلت الدار لم تطلق حتى يطلقها، فإن لم يطلقها طلقت قبل موته أو موتها بلا فصل؛ وذلك لأن هذا رجل حلف بطلاق [امرأته ليطلقها] (١) إذا دخلت الدار، فهو كقوله عبدي حر لو دخلت الدار لأضربنك، فهذا حلف بعتق عبده ليضربنها إن دخلت [الدار]، فإذا دخلت (في مسألة الطلاق) (٢) لزمه أن يطلقها، فإذا مات أو ماتت فقد فات شرط البر في آخر جزء من أجزاء الحياة، فيقع الطلاق كمن قال أنت طالق إن لم آت البصرة، فمات قبل أن يأتيها، طلقت في آخر جزء من أجزاء حياته.
стр. 2477
بَاب (لولا) إذا جعلت شرطًا
[قال أبو الحسن] قال مُعَلَّى: قال محمد: إذا قال لامرأته أنت طالق لولا دخول الدار، أو [قال]: أنت طالق لولا مهرك عليّ، أو [قال]: أنت طالق لولا شرفك، فهذا كله استثناء ولا يقع الطلاق عليها، وكذلك لو قال: لولا الله.
والأصل في هذا: أن "لولا" يمتنع بها الشيء لوجود غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: (٩١]، وتقول: لولا المطر لجئتك (١)، فصار كأنه قال: لولا دخول الدار لطلقتك، فلا يقع عليها طلاق، وكذلك لو قال: قد طلقتك لولا دخولك الدار، وكذلك لو قال: لولا دخولك (تلك) (٢) الدار قد طلقتك أمس، أو كان مكان قد لقد في هذه [الوجوه] (٣) كلها، وهذا كله استثناء، وكذلك (لو قال: لولا دخولك الدار) (٤) أنت طالق أمس لولا دخولك الدار، فأما قول أبي الحسن: إنّ هذا استثناء، فليس هذا ظاهره؛ لأن ألفاظ الاستثناء محصورة، ولكن لما هذا اللفظ منع من وقوع الطلاق صار كالاستثناء المانع، وهذا على ما يقوله أصحابنا في قوله إن شاء الله أنه استثناء، معناه: أنه يرفع حكم الكلام كما يرفعه الاستثناء (٥).
стр. 2478
بَابٌ آخَر [تكرار الشرط إذا عُلق به جزاء واحد]
قال الشيخ ﵀: ومما لم يذكره أبو الحسن في المختصر تكرار الشرط إذا علق به جزاء واحدًا، قال بشر عن أبي يوسف، إذا قال: إن تزوجت إن تزوجت فلانة فهي طالق، قال: فإنما عقد اليمين بالقول الثاني والقول الأول لغو، وكذلك إذا إذا، ومتى متى، وإن إذا، وإن متى، وكذلك إن بدأ بإذا وأخّر إنْ، لو قال إذا، ثم قال متى؛ وذلك لأن الشرط لا يتعلق به حكم إلا بانضمام الجزاء إليه، وقد ضم الجزاء إلى الشرط الثاني وهو منقطع عن الأول، فبقي الأول بغير جزاء فسقط حكمه.
قال: فإن قَدَّم الطلاق قبل (١) الكلامين انعقدت اليمين لكلام الأول والثاني لغو؛ وذلك لأن الطلاق تعلق بالشرط الأول والثاني غير معطوف عليه، [فبقي] (٢) شرط لا جزاء له فلغا، وإن جعل الطلاق وسط الكلامين فقال: إذا تزوجتك فأنت طالق إن تزوجتك، فإنما انعقدت اليمين بالكلام الآخر والأول لغو؛ وذلك لأن (إن) شرط محض، و (إذا) شرط فيه معنى الوقت، ولا بد من تعليق الطلاق بأحدهما، فكان تعليقه بالشرط المحض أولى.
وقال محمد في الجامع الكبير: في رجل قال - لدار واحدة -: إن دخلتِ
стр. 2479
هذه الدار، إن دخلت هذه الدار، فعبدي حر، فدخلها دخلة واحدة، فإنه ينبغي في القياس: أن لا يحنث حتى يدخل الدار دخلتين، لكنا نستحسن ونجعله حانثًا بالدخلة الأولى، ونجعله منه [ردًا للكلام] (١)، إلا أن يعني دخلتين، فيكون على ما عناه.
وجه القياس: أنه لما كرر الشرط أمكن حمله على فائدة: وهو أنه أراد العطف فترك حرف العطف، فصار الشرط دخولًا بعد دخول، إلا أنه استحسن لما ذكرناه، فإن عنى الدخلتين صدق؛ لأن ظاهر الكلام أن الفائدة متعلقة به، ومن نوى ظاهر كلامه صدق.
وقال بشر عن أبي يوسف: وإن كان في الكلام (فاء) أو (واو) فقال: إن تزوجت وإن تزوجت، أو إن تزوجت فإن تزوجت، أو فإذا تزوجت ومتى تزوجت، فهذا لا يقع عليها الطلاق حتى يتزوج مرتين؛ وذلك لأنه لما عطف أحد الشرطين على الآخر تعلق الجزاء بهما.
قال: فإن قَدَّمَ الطلاق فقال أنت طالق إن تزوجتك فإن تزوجتك، فهذا على تزويج واحد، وهذا مخالف للباب الأول؛ لأن الكلام تم بالجزاء والشرط، فإذا أعاد الشرط بعد تمام الكلام لم يتعلق به حكم كما لو قال إن دخلت الدار فأنت طالق أنت.
ولو قال [إن تزوجتك] فأنت طالق وإن تزوجتك، طلقت بكل واحد من التزويجين؛ لأنه عطف التزويج على الجزاء فصار مضمرًا فيه، فكأنه قال: [وإن] تزوجتك فأنت طالق.
стр. 2480
٢١٩٩ - فَصْل: فيما يخرجه الحالف مخرج الشرط
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال لامرأته: أنت طالق إن دخلْتُ الدار، [قال]: فهذا يخبر أنه قد دخل بمنزلة قوله إن لم أكن دخلت الدار، فإن كان قد دخل لم تطلق؛ وذلك لأن هذا ليس بشرط وإنما هو خبر عن الماضي أكده باليمين، فإن كان كاذبًا طلقت، وإن كان صادقًا لم تطلق.
قال: ولو قال أنت طالق لا دخلتِ الدار فهذا [بمنزلة] (١) قوله أنت طالق إن دخلت الدار فلا تطلق حتى تدخل؛ لأن (لا) حرف نفي أكده بالحلف، فكأنه نهاها عن الدخول، فأكّد ذلك تعليق الطلاق بدخولها.
قال: ولو قال أنت طالق إنْ دخلت الدار، فإنها تطلق الساعة؛ لأن قوله: دخلت الدار إخبار عن دخول جعله علة في تطليقها، ومن طلق وعلل الطلاق بعلة لم توجد، لم يمنع ذلك وقوع الطلاق.
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل قال لامرأته أنت طالق وإن دخلت الدار، فهي طالق الساعة؛ وذلك لأنه عطف الشرط على الطلاق ولم يعلقه به، ومن ذكر الطلاق ولم يعلقه بشرط وقع.
قال ولو قال: أنت طالق الساعة وإن دخلت الدار، [كانت طالقًا] الساعة واحدة، وإن دَخَلَتْ الدار [طلقت] أخرى؛ وذلك لأنه طلقها تطليقة متعلقة بوقت وعطف عليها وقتًا آخر، فالظاهر أنه علق الطلاق بالوقت الثاني.
قال ولو قال: أنت طالق لدخولك الدار [فهي] طالق الساعة واحدة؛
стр. 2481
وذلك لأنه جعل [تقدم] (١) الدخول علة لوقوع الطلاق [عليها]، ومن علق الطلاق بعلة سابقة وقع، وكذلك لو قال لحيضتك، فإن قال: بحيضتك، أو: بدخولك، أو في دخولك فهذا وقت لا تطلق حتى تدخل الدار أو تحيض؛ وذلك لأن الباء تقتضي تعليق الصفة بالموصوف، وحرف الظرف إذا دخل على الفعل جعله شرطًا.
وقال محمد في الجامع الكبير: لو قال لامرأته إن دخلت الدار أنت طالق، فإنها تطلق في القضاء حين تكلم بذلك، فإن كان يعني أنها طالق إذا دخلت الدار، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى ولم [يدّين] (٢) في القضاء، ولو قال: إن دخلت الدار وأنت طالق، يعني أنها طالق بعد الدخول، لم يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: فيمن قال إن دخلت الدار أنت طالق، أنها [لا] تطلق حتى تدخل الدار.
وجه ما [قال] في الجامع الكبير: أنه لم يعلق الطلاق (٣) بالشرط، فصار كلامًا مبتدأً فوقع به الطلاق (٤).
وجه قول أبي يوسف: أنه يحذف حرف الجزاء وهو مراد، لولا ذلك لم يكن لذكر الشرط فائدة، فكأنه ذكر الحرف.
стр. 2482
فأما فصل محمد بين [ما إذا] (١) ذكر حرف العطف أو لم يذكر في أنه يديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ فلأنه إذا لم يذكر حرف عطف فيجوز أن يكون أضمر حرف الجزاء، فإذا عطف فهو استئناف للكلام، فلا يتعلق بما تقدم.
وذكر ابن سماعة عن محمد في نوادره فيمن قال: إن شاء الله أنت طالق، أو قال لعبده إن شاء الله أنت حر، قال: هذا كلام منقطع فيعتق وتطلق في القضاء.
قال محمد [رُوي] عن أبي يوسف أنه قال: إذا قال إن شاء الله أنت طالق، وإن شاء الله فأنت طالق، أو وأنت طالق، فهو مستثنى في هذا على ما قدمنا من الخلاف.
فأما إذا قال: فأنت أو وأنت، فقد عطف [الطلاق] على المشيئة فيتعلق به في قول أبي يوسف ومحمد.
قال محمد: إذا قال: إن شاء الله فأنت طالق، فهو مستثنى؛ لأن الفاء ما بعدها بما قبلها، قال أبو يوسف: وإن قدر الطلاق فقال: أنت طالق وإن شاء الله، أو أنت طالق فإن شاء الله، لم يكن مستثنى؛ لأنه أوقع الطلاق وعطف عليه المشيئة، ومن حكم الطلاق أن يتعلق بها والعطف غير المعطوف عليه.
٢٢٠٠ - فَصْل: [ما تقتضي حرف الواو من العطف والجمع]
قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: فيمن قال لامرأته إن دخلت هذه الدار وخرجت منها فأنت طالق، فاحتملها إنسان وهي كارهة، فأدخلها ثم خرجت من قِبَلِ نفسها ثم دخلتها ولم تخرج منها؛ فإن الطلاق يقع عليها؛ وذلك لأن الواو
стр. 2483
[لا] تقتضي الترتيب، ولا عادة في تقديم أحد الشرطين على الآخر، فتعلق الطلاق بوجودهما وإن تقدم الثاني على الأول، [قال]: وكذلك القيام والقعود، والسكوت والكلام، والضرب والترك، والصوم والإفطار.
ولو قال لها: إن حضتِ وطهرتِ فأنت طالق، فطهرت من هذا الحيض ثم حاضت، لم يقع الطلاق حتى تطهر، ولا يقع الطلاق حتى يتقدم الحيض في هذا الموضع الطهر.
وكذلك إذا قال لها: إذا حملتِ وولدتِ وهي حبلى، وكذلك إذا زرعت وحصدت، فلا بد من تقدم الزرع الحصاد، والحمل الولادة، والحيض الطهر؛ وذلك لأن العادة أن أحد الأمرين يتعقب الآخر فوجب الترتيب بالعادة، ولو قال لامرأته: إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر، وليس له نية، ثم طلقها واحدة بائنة (١) ثم تزوجها، عتق عبده.
стр. 2484
بَاب الباء إذا جعلت شرطًا
قال أبو يوسف: إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن خرجت من هذه الدار إلا بإذني أو برضاي أو بعلمي، فهو على كل مرة، قال أبو الحسن: وهذا قولهم جميعًا.
وقال محمد: إن قال إلا بأمري، أو قال بغير أمري، أو بغير إذني، أو بغير رضاي، فذلك كله سواء إذا خرجت بغير إذنه أو رضاه أو علمه أو أمره حنث، وهو على كل مرة عندهم جميعًا؛ وذلك لأن الباء [لإلحاق] (١) الصفة بالموصوف، فيقتضي وجود الإذن في كل خروج، فإذا خرجت بغير إذنه حنث، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] والمراد به الأمر في كل مرة.
قال: فإن قال إلا أن آذن، أو [إلى] أن أرضى، أو حتى [آذن، أو حتى] أرضى، فذلك كله سواء، فإذا أذن مرة سقطت اليمين؛ وذلك لأن [إلا أنْ] (٢) توقيت [وغاية] (٣)، قال الله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] وحتى غاية قال الله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى
стр. 2485
يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ [يوسف: ٨٠]، وقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، فإذا وجدت ارتفعت اليمين [فلم يحنث] بالخروج.
قال: وإن أراد بقوله: إلا بإذني مرة واحدة، فإن محمدًا قال في الأمالي: هو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء، وروى ذلك محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، قال: وكذلك قول أبي يوسف ومحمد.
وروي هشام وابن سماعة عن أبي يوسف أنه قال: [إذا نوى مرة واحدة في قوله (إلا بإذني) فهو على ما نوى فيما بينه وبين الله تعالى، ولم] يديّن في القضاء.
وجه الرواية الأولى: أن قوله (إلا بإذني) لا يقتضي تكرار الإذن بصريح اللفظ وإنما أثبتناه بدلالة، فإذا نوى مرة واحدة فقد نوى ما في صريح كلامه فيصدق.
وجه قول أبي يوسف: أن الظاهر من كلامه تكرار الإذن، ومن نوى خلاف الظاهر لم يصدق في القضاء.
قال: فإن أراد بقوله حتى آذن كل مرة، فهو على ما نوى في قولهم؛ لأنه شدد على نفسه والتزم الحنث فيما لا لفظ له فصدق فيه.
٢٢٠١ - فَصْل: [تعليق انعقاد اليمين المؤقتة بآخر الوقت]
فإن قال: إلا بإذن فلان فمات المحلوف على إذنه، بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: هي على حالها.
وجه قولهما: أن اليمين المؤقتة تعلق انعقادها بآخر الوقت، فكأنه قال لها
стр. 2486
عند الخروج: إن خرجت إلا بإذن فلان، وإذنُه معدوم، وعدم المعقود عليه يمنع بقاء اليمين.
فأما أبو يوسف فقال: إن موته يوجب فوات (١) شرط البر، وذلك يؤكد الحنث.
وهذا فرع على اختلافهم فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء، لم تنعقد يمينه عند أبي حنيفة ومحمد بفقد (٢) المعقود عليه.
وكذلك في مسألتنا كأنه قال: أنت طالق إن خرجت، وهناك لفلان إذن (مشروط، فإذا) (٣) مات لم يبق له إذن.
٢٢٠٢ - فَصْل: [وقوع الخروج بعد الإذن إلا أنها لم تسمع]
قال: فإن وقع الإذن من حيث لا تسمع فخرجت بعد الإذن، فإنه يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يحنث في قول أبي يوسف.
وجه قولهما: أن الإذن مأخوذ من الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] فإذا أذن لها بحيث لا تستمع لم يكن ذلك إعلامًا [ولأن] (٤) اليمين يجري مجرى النهي، والإذن كالإباحة فهي كإباحة صاحب الشريعة وحظره، فلا يثبت في حق من لم يعلم الإباحة والحظر، وقد روي أن قومًا شربوا الخمر بعد نزول تحريمها ولم يعلموا بالتحريم، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣] وليس
стр. 2487
كذلك إذا أذن لها بحيث يجوز أن تسمع وهي نائمة [لأنه وجد] (١) فعل الإذن ووصل إلى سمعها، وهناك مانع يمنع من التحصيل، فصار كما لو أذن لها وهي تسمع إلا أنها غافلة.
لأبي يوسف: أنه حلف أن لا يخرج وهو كاره، فإذا أذن وهي لا تعلم فليس بكارِهٍ، فلا يحنث.
وقد حكي عن ابن شجاع أنه قال: لا خلاف في هذه المسألة أنه لا يحنث؛ لأنه قد عقد على فعل نفسه في الإذن وقد أذن.
قال: وإنما الخلاف بينهم في الأمر (٢)، وروى نصير بن يحيى عن أبي مطيع عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، إلا أن أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن.
وقال ابن سماعة محمد: لو أن رجلًا قال لعبده: إن خرجتَ من باب عن الدار إلا بإذني فأنت حر، ثم قال لعبده الذي حلف عليه: أطع فلانًا في جميع ما يأمرك به، فأذن فلان للعبد المحلوف عليه في الخروج فخرج، فإن المولى حانث؛ لأنه لم يأذن له في الخروج، وإنما أذن له في طاعة فلان.
ولو قال المولى للرجل (٣): ائذن له في الخروج، فأذن له الرجل فخرج فإن المولى حانث؛ لأنه لم يفعل الإذن وإنما أمر به وهو عقد على فعل نفسه.
وكذلك لو قال له: (قل له يا) (٤) فلان، مولاك قد أذن لك، فخرج فإن
стр. 2488
المولى حانث؛ لأن المولى لم يأذن فقد أمره بكذب.
قال: فلو قال المولى - لعبده بعد يمينه - ما أمرك به فلان فقد أمرتك به، فأمره الرجل بالخروج أو أذن له، فخرج فإن المولى يحنث، لأن (١) مقصود المولى باليمين أن لا يخرج إلا برضاه، فإذا قال: ما أمرك [به] فلان فقد أمرتك به، وهو لا يعلم أنه يأمره بالخروج، فذلك ليس برضًا، فلا يمنع الحنث.
ولو قال المولى للرجل: قد أذنت له في الخروج، فأخبر الرجل به العبد لم يحنث المولى؛ لأن المولى قد أذن [له]، وإنما لم يثبت [له] حكم الإذن في حقه لعدم العلم، فإذا أعلمه به لم يحنث.
قال: ولو قال لامرأته: إن خرجت إلا بإذني، ثم قال لها: إن بعت خادمك فقد أذنت لك، لم يكن منه هذا إذنًا؛ لأنه مخاطرة، ألا ترى أنه يجوز أن تبيع ويجوز أن لا تبيع، فلا يعد ذلك رضًا.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال لها: إن خرجت إلا بأمري (٢)، قال: فالأمر على أن (٣) يأمرها ويسمعها أو يرسل بذلك رسولًا إليها، وإن أشهد قومًا أنه قد أمرها ثم خرجت فإنه حانث؛ وذلك لأن الأمر لا يثبت حكمه إلا بالعلم، كأمر صاحب الشريعة، فأما الإذن فالمقصود به أن لا تخرج مع كراهيته، وهذا المعنى لا يوجد وإن كانت لا تعلم.
وقال مُعَلَّى عن محمد: إذا قال إلا بإذني، ثم قال لها: قد أذنت لك (عشرة
стр. 2489
أيام، فدخلت مرارًا في العشرة، فإنه لا يحنث، وكذلك لو قال: قد أذنت لك) (١) أبدًا أو الدهر كله، فهذا إذن منه لها في كل مرة وهو بمنزلة قوله: قد أذنت لكِ كلما شئت؛ لأنه أذن في كل خروج يوجد منها، فلا فرق بين أن يكون بلفظ واحد أو بألفاظ.
قال محمد: ولو غضبت وتهيأت للخروج فقال: دعوها تخرج، ولا نية له، فلا يكون هذا إذنًا لها، إلا أن ينوي الإذن؛ لأنه لم يأذن لها، وإنما أمرهم أن لا يعارضوها، ويجوز أن تفعل ذلك ليحنث، فإن أراد به الإذن جاز.
قال: ولو قال لها في غضبه: اخرجي، ولا نية له كان على الإذن؛ لأنه صريح الأمر إلا أن يعني: اخرجي حتى تطلقي؛ وذلك لأن الإذن يكون بالقصد فإذا قصد التهديد لم يكن إذنًا.
قال: ولو قال عبده حر إن دخل هذه الدار إلا أن ينسى، فدخلها ناسيًا ثم دخل بعد ذلك ذاكرًا، فقد سقطت اليمين، فلا يحنث بدخوله بهذه اليمين على حاله؛ وذلك لما قدمنا أن (إلا أن) غاية، فإذا وجد سقطت اليمين.
ولو قال: إن دخل هذه الدار إلا ناسيًا، فدخلها ناسيًا ثم دخلها ذاكرًا حنث؛ لأنه عقد على كل دخول واستثنى منه دخولًا بصفة، فما سواه داخل في اليمين فيحنث به.
٢٢٠٣ - فَصْل: [سقوط اليمين بأمر واحد]
قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: عبدي حر إن دخلت هذه الدار
стр. 2490
دخلة إلا أن يأمرني فلان، فأمره فلانٌ فإنه لا يحنث إن دخل هذه الدخلة ولا بعدها، وقد سقطت اليمين وهذا على أمر واحد لما بينا أن (إلا أن) غاية، فإذا وجد الأمر انحلت اليمين.
قال: ولو قال: إن دخلت هذه الدار دخلة (إلا أن) يأمرني بها فلان، فأمره فدخل ثم دخل بعد ذلك بغير أمره، فإنه يحنث؛ وذلك لأنه أضاف الأمر إلى الدخول، فلا بد من أمر في كل دخلة.
قال هشام عن محمد: في رجل حلف لا تخرج امرأته إلا بعلمه، فأذن لها أن تخرج، فخرجت بعد ذلك وهو لا يعلم، قال: جائز؛ لأن قوله إلا بعلمي هو إلا بإذني؛ وذلك لأن الغرض أن لا تخرج بغير رضاه، فإذا أذن لها فخرجت وهو لا يعلم فقد وجد الرضا.
٢٢٠٤ - فَصْل: [سقوط اليمين بزوال الحال]
قال: وإذا حلف رجل على زوجته أو مولىً على عبده أن لا يخرج من داره إلا بإذنه، أو سلطان حَلَّف رجلًا أن لا يخرج من كُوره إلا بإذنه، ثم بانت المرأة من الزوج، أو خرج العبد من [ملك المولى] (١)، أو عزل السلطان من عمله، فكان الخروج بغير إذن من واحد منهم، فلا حنث على الحالف؛ لأن اليمين إنما هي على الحال التي يملك الحالف [أو المحلف] الإذن، فإذا زالت تلك الحالة سقطت اليمين؛ وذلك لأن غرض المُسْتَحْلِفِ أن لا يخرج من له عليه ولاية إلا بأمره، فإذا زالت الولاية زالت اليمين؛ لأنها مخصوصة بالعادة.
قال: فإن عادت المرأة إلى ملك الزوج، أو العبد إلى ملك مولاه، أو أعيد