عند الخروج: إن خرجت إلا بإذن فلان، وإذنُه معدوم، وعدم المعقود عليه يمنع بقاء اليمين.
فأما أبو يوسف فقال: إن موته يوجب فوات (١) شرط البر، وذلك يؤكد الحنث.
وهذا فرع على اختلافهم فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز وليس في الكوز ماء، لم تنعقد يمينه عند أبي حنيفة ومحمد بفقد (٢) المعقود عليه.
وكذلك في مسألتنا كأنه قال: أنت طالق إن خرجت، وهناك لفلان إذن (مشروط، فإذا) (٣) مات لم يبق له إذن.
٢٢٠٢ - فَصْل: [وقوع الخروج بعد الإذن إلا أنها لم تسمع]
قال: فإن وقع الإذن من حيث لا تسمع فخرجت بعد الإذن، فإنه يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، ولا يحنث في قول أبي يوسف.
وجه قولهما: أن الإذن مأخوذ من الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] فإذا أذن لها بحيث لا تستمع لم يكن ذلك إعلامًا [ولأن] (٤) اليمين يجري مجرى النهي، والإذن كالإباحة فهي كإباحة صاحب الشريعة وحظره، فلا يثبت في حق من لم يعلم الإباحة والحظر، وقد روي أن قومًا شربوا الخمر بعد نزول تحريمها ولم يعلموا بالتحريم، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣] وليس
стр. 2487
كذلك إذا أذن لها بحيث يجوز أن تسمع وهي نائمة [لأنه وجد] (١) فعل الإذن ووصل إلى سمعها، وهناك مانع يمنع من التحصيل، فصار كما لو أذن لها وهي تسمع إلا أنها غافلة.
لأبي يوسف: أنه حلف أن لا يخرج وهو كاره، فإذا أذن وهي لا تعلم فليس بكارِهٍ، فلا يحنث.
وقد حكي عن ابن شجاع أنه قال: لا خلاف في هذه المسألة أنه لا يحنث؛ لأنه قد عقد على فعل نفسه في الإذن وقد أذن.
قال: وإنما الخلاف بينهم في الأمر (٢)، وروى نصير بن يحيى عن أبي مطيع عن أبي حنيفة مثل قول أبي يوسف، إلا أن أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن.
وقال ابن سماعة محمد: لو أن رجلًا قال لعبده: إن خرجتَ من باب عن الدار إلا بإذني فأنت حر، ثم قال لعبده الذي حلف عليه: أطع فلانًا في جميع ما يأمرك به، فأذن فلان للعبد المحلوف عليه في الخروج فخرج، فإن المولى حانث؛ لأنه لم يأذن له في الخروج، وإنما أذن له في طاعة فلان.
ولو قال المولى للرجل (٣): ائذن له في الخروج، فأذن له الرجل فخرج فإن المولى حانث؛ لأنه لم يفعل الإذن وإنما أمر به وهو عقد على فعل نفسه.
وكذلك لو قال له: (قل له يا) (٤) فلان، مولاك قد أذن لك، فخرج فإن
стр. 2488
المولى حانث؛ لأن المولى لم يأذن فقد أمره بكذب.
قال: فلو قال المولى - لعبده بعد يمينه - ما أمرك به فلان فقد أمرتك به، فأمره الرجل بالخروج أو أذن له، فخرج فإن المولى يحنث، لأن (١) مقصود المولى باليمين أن لا يخرج إلا برضاه، فإذا قال: ما أمرك [به] فلان فقد أمرتك به، وهو لا يعلم أنه يأمره بالخروج، فذلك ليس برضًا، فلا يمنع الحنث.
ولو قال المولى للرجل: قد أذنت له في الخروج، فأخبر الرجل به العبد لم يحنث المولى؛ لأن المولى قد أذن [له]، وإنما لم يثبت [له] حكم الإذن في حقه لعدم العلم، فإذا أعلمه به لم يحنث.
قال: ولو قال لامرأته: إن خرجت إلا بإذني، ثم قال لها: إن بعت خادمك فقد أذنت لك، لم يكن منه هذا إذنًا؛ لأنه مخاطرة، ألا ترى أنه يجوز أن تبيع ويجوز أن لا تبيع، فلا يعد ذلك رضًا.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال لها: إن خرجت إلا بأمري (٢)، قال: فالأمر على أن (٣) يأمرها ويسمعها أو يرسل بذلك رسولًا إليها، وإن أشهد قومًا أنه قد أمرها ثم خرجت فإنه حانث؛ وذلك لأن الأمر لا يثبت حكمه إلا بالعلم، كأمر صاحب الشريعة، فأما الإذن فالمقصود به أن لا تخرج مع كراهيته، وهذا المعنى لا يوجد وإن كانت لا تعلم.
وقال مُعَلَّى عن محمد: إذا قال إلا بإذني، ثم قال لها: قد أذنت لك (عشرة
стр. 2489
أيام، فدخلت مرارًا في العشرة، فإنه لا يحنث، وكذلك لو قال: قد أذنت لك) (١) أبدًا أو الدهر كله، فهذا إذن منه لها في كل مرة وهو بمنزلة قوله: قد أذنت لكِ كلما شئت؛ لأنه أذن في كل خروج يوجد منها، فلا فرق بين أن يكون بلفظ واحد أو بألفاظ.
قال محمد: ولو غضبت وتهيأت للخروج فقال: دعوها تخرج، ولا نية له، فلا يكون هذا إذنًا لها، إلا أن ينوي الإذن؛ لأنه لم يأذن لها، وإنما أمرهم أن لا يعارضوها، ويجوز أن تفعل ذلك ليحنث، فإن أراد به الإذن جاز.
قال: ولو قال لها في غضبه: اخرجي، ولا نية له كان على الإذن؛ لأنه صريح الأمر إلا أن يعني: اخرجي حتى تطلقي؛ وذلك لأن الإذن يكون بالقصد فإذا قصد التهديد لم يكن إذنًا.
قال: ولو قال عبده حر إن دخل هذه الدار إلا أن ينسى، فدخلها ناسيًا ثم دخل بعد ذلك ذاكرًا، فقد سقطت اليمين، فلا يحنث بدخوله بهذه اليمين على حاله؛ وذلك لما قدمنا أن (إلا أن) غاية، فإذا وجد سقطت اليمين.
ولو قال: إن دخل هذه الدار إلا ناسيًا، فدخلها ناسيًا ثم دخلها ذاكرًا حنث؛ لأنه عقد على كل دخول واستثنى منه دخولًا بصفة، فما سواه داخل في اليمين فيحنث به.
٢٢٠٣ - فَصْل: [سقوط اليمين بأمر واحد]
قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: عبدي حر إن دخلت هذه الدار
стр. 2490
دخلة إلا أن يأمرني فلان، فأمره فلانٌ فإنه لا يحنث إن دخل هذه الدخلة ولا بعدها، وقد سقطت اليمين وهذا على أمر واحد لما بينا أن (إلا أن) غاية، فإذا وجد الأمر انحلت اليمين.
قال: ولو قال: إن دخلت هذه الدار دخلة (إلا أن) يأمرني بها فلان، فأمره فدخل ثم دخل بعد ذلك بغير أمره، فإنه يحنث؛ وذلك لأنه أضاف الأمر إلى الدخول، فلا بد من أمر في كل دخلة.
قال هشام عن محمد: في رجل حلف لا تخرج امرأته إلا بعلمه، فأذن لها أن تخرج، فخرجت بعد ذلك وهو لا يعلم، قال: جائز؛ لأن قوله إلا بعلمي هو إلا بإذني؛ وذلك لأن الغرض أن لا تخرج بغير رضاه، فإذا أذن لها فخرجت وهو لا يعلم فقد وجد الرضا.
٢٢٠٤ - فَصْل: [سقوط اليمين بزوال الحال]
قال: وإذا حلف رجل على زوجته أو مولىً على عبده أن لا يخرج من داره إلا بإذنه، أو سلطان حَلَّف رجلًا أن لا يخرج من كُوره إلا بإذنه، ثم بانت المرأة من الزوج، أو خرج العبد من [ملك المولى] (١)، أو عزل السلطان من عمله، فكان الخروج بغير إذن من واحد منهم، فلا حنث على الحالف؛ لأن اليمين إنما هي على الحال التي يملك الحالف [أو المحلف] الإذن، فإذا زالت تلك الحالة سقطت اليمين؛ وذلك لأن غرض المُسْتَحْلِفِ أن لا يخرج من له عليه ولاية إلا بأمره، فإذا زالت الولاية زالت اليمين؛ لأنها مخصوصة بالعادة.
قال: فإن عادت المرأة إلى ملك الزوج، أو العبد إلى ملك مولاه، أو أعيد
стр. 2491
السلطان إلى ولايته لم تعد اليمين؛ وذلك لما بينا أنها مخصوصة ببقاء الولاية، فإذا زالت الولاية زالت اليمين فلا تعود إلا بحلف.
قال: وكذلك الغريم إذا حلف المطلوب أن لا يخرج من بلده إلا بإذنه، فهو كذلك ما دام له عليه الدين، فإذا قضاه أو أبرأه الطالب سقطت اليمين، فإن عاد عليه ذلك الدين أو غيره، لم تعد اليمين على ما بينا أن غرض المستحلف أن لا يخرج لأجل ذلك الدين الذي له عليه، فإذا سقط الدين زالت اليمين فلا تعود إلا بيمين مستأنفة.
وعلى هذا قالوا في عامل استحلف رجلًا ليرفعنّ إليه كل من علم به من فاسق أو داعر (١) أو سارق في محلته، ولم يعلم شيئًا من ذلك حتى عزل العامل عن عمله، ثم علم، فليس عليه أن يرفعه وقد خرج من يمينه وبطلت عنه، فإن عاد العامل عاملًا بعد عزله، لم يكن عليه أيضًا أن يرفع ذلك إليه، وقد بطلت اليمين أعيد بعد ذلك أو لم يعد؛ وذلك لأن غرض العامل أن يرفع إليه ما دام واليًا (٢)، فإذا زالت الولاية ارتفعت اليمين، ولو أن المستحلف علم ببعض ما استحلفه عليه فأخَّر رفع ذلك حتى عزل العامل، حنث في يمينه ولم ينفعه رفع ذلك إليه بعد عزله؛ لأنه دخل في اليمين وفات شرط البَرّ، قال محمد في الزيادات: إلا أن ([ينوي] (٣) أن يرفعهم إليه) (٤) على كل حال في السلطان
стр. 2492
وغيره، فأُدَيِّنُه فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء؛ وذلك لأنه نوى عموم الكلام، والعموم أحد الظاهرين فإذا نواه صُدِّق فيه. وقال محمد في الزيادات: إذا حلف أن لا تخرج امرأته من هذه الدار ولا عبده، فبانت منه المرأة أو خرج العبد عن ملكه، ثم وجد الخروج حنث؛ لأنه لم يضف الأمر في ذلك إلى إذنه فبقي اللفظ على عمومه.
قال: فإن عنى ما دامت امرأته؛ ديّنته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا أدينه في القضاء؛ لأنه نوى تخصيص كلامه.
قال: وكذلك من طولب بحق فحلف ألا يخرج من داره [إلا بإذن مطالبه] (١) حنث بالخروج، زال ذلك الحق أولم يزل على ما بيّنت لك في الزوج؛ وذلك لأنه أطلق الخروج ولم يعلقه بالإذن [فهو عامٌّ] (٢) (فكان على ما قال)، فإذا أرادت المرأة أن تخرج وقد أخذت في ذلك أو العبد، أو أراد الرجل أن يضرب عبده وقد نهض لذلك فقال [الرجل]: أنت طالق إن خرجت، أو قال المولى: أنت حر إن خرجتَ، أو قال [الرجل: الضارب] (٣) عبدي حر إن ضربته فكفوا عن ذلك؛ فقد سقطت اليمين، فإن خرج المحلوف عليه بعد ذلك أو ضرب الرجل عبده، لم يحنث الحالف؛ وذلك لأن الغرض من هذه اليمين في العادة المنع من الخروج في الحال، ومن الضرب في الحال فوقعت مخصوصة بالعادة فإذا انقضت الحال زالت اليمين، فلا يحنث بالخروج بعد ذلك.
стр. 2493
بَابٌ [آخَرَ] [الشرط يدخل عليه الفعل فيكون صفة له]
قال الشيخ ﵀: ومما لم يذكر أبو الحسن في المختصر الشرط يدخل عليه الفعل فيكون صفة له، قال بشر عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار ولم تعطني ثوب كذا فأنت طالق، فدخلت الدار ثم أعطته الثوب بعد ذلك، فإن الطلاق يقع عليها، ولو كانت أعطته الثوب قبل أن تدخل لم يقع عليها؛ وذلك لأنه طلقها عند وجود الشرط إلا أن تكون على صفة وهي إعطاء الثوب، فصار كقوله: إن دخلت الدار وأنت راكبة فأنت طالق، فدخلتها ماشية أنها لا تكون طالقًا، كذلك لما دخلت في مسألتنا فقد وصفت بإعطاء الثوب، فأما إذا أعطته بعد الدخول فهو كما لو دخلت راكبة ثم نزلت بعد ذلك (١).
قال: ولو قال: إن خرجت ولم تأكلي، أو خرجت وليس عليك إزار، وإن دخلتِ ولم تختمري فإن خَرَجَتْ ولم تفعل طلقت، وإن خرجت بعد الفعل لم تطلق، (لما بينا أن المعتبر وجود الصفة عند الخروج.
ولو قال لها: إن لم تعطني هذا الثوب ودخلتِ هذه الدار فأنت طالق، ولا نية له، فإن الطلاق لا يقع عليها حتى يجتمع الأمران جميعًا، منع الثوب إلى أن يموت أحدهما) أو يحترق الثوب وتدخل الدار، فإذا اجتمع هذان وقع الطلاق، وإن لم يجتمعا على هذا الوجه المختلف لم يقع الطلاق) (٢)؛ وذلك لأنه جعل
стр. 2494
الشرط ترك العطية والدخول، ولا يعلم الترك حتى يتعذر بموت أحدهما أو بهلاك الثوب، فإذا تعذر ودخلت فقد اجتمع الشرطان فيحنث.
ولو قال: والله لا تدخلين هذه الدار أبدًا ولا تعطيني هذا الثوب، فأيهما فعلت حنث؛ وذلك لأن حرف (لا) إذا دخل بين [نفيين] (١) تناول كل واحد منهما على الانفراد، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: لو أن رجلًا قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا ثلاثة أرطال لحمًا، فاشترى ببعض الدرهم لحمًا أقل من ثلاثة أرطال وببقيته غير لحم، حنث؛ لأنه حلف على كل شراء، واستثنى شراء بصفة: وهو أن يشتري ثلاثة أرطال، فما سوى الاستثناء داخل في اليمين، فيحنث به.
ولو قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم إلا لحمًا فلا يحنث حتى يشتري بالدرهم كله غير لحم؛ لأنه حلف على كل شراء يكون بجميع الدرهم إلا أن يكون لحمًا، فإذا اشترى ببعض الدرهم غير اللحم، لم يدخل في اليمين، فلا يحنث.
قال: ولو قال لرجلين: والله لا تبيتان إلا في هذا البيت، فبات أحدهما فيه والآخر في غيره، لم يحنث؛ لأنه شرط الحنث أن [لا] يبيتا في غيره، فقد وجد بعض الشرط، ولو قال: والله لا تبيتان إلا في بيت، فبات أحدهما في بيت والآخر في بيت آخر، حنث من قبل أنهما لم يبيتا [جميعًا] في بيت واحد؛ وذلك لأنه حلف على كل مبيت واستثنى مبيتًا بصفة وهو أن يجتمعا في بيت،
стр. 2495
فإذا تفرقا في بيتين حنث.
وقال محمد في جامع الكبير في رجل قال: إن كنت ضربت هذين الرجلين (١) إلا في دار فلان فعبدي حر، وقد ضرب واحدًا منهما في دار فلان، وواحدًا في غيرها، فإنه لا يحنث؛ لأن شرط الحنث [هو] أن يوجد ضربهما في غير داره، ولو قال: إن لم أكن ضربته هذين السوطين في دار فلان فعبدي حر، والمسألة على حالها حنث؛ لأن شرط البر أن يجتمع السوطان في دار فلان، فإذا لم يجتمعا حنث.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال: والله لا أشتري بهذا الدرهم غير لحم فاشترى بنصفه لحمًا وبنصفه خبزًا، فإنه لا يحنث في القياس؛ لأن شرط الحنث [هو] أن يشتري بجميعه غير اللحم.
قال: وفي الاستحسان: يحنث؛ [وذلك] لأن العادة أنهم يريدون بهذا الشراء بجميع الدرهم اللحم، فحملت (٢) يمينه على عادة الناس.
قال: [فإن] نوى أن يشتري به كله غير اللحم لم يكن حانثًا، ودُيّن في القضاء؛ لأنه نوى ظاهر كلامه.
٢٢٠٥ - فَصْل: في التخيير بين يمينين أو بين إيقاع ويمين
قال ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا أو والله لأضر بن هذا الخادم اليوم، فضرب الخادم من يومه فقد برَّ في يمينه وبطل
стр. 2496
الطلاق؛ لأنه خَيَّر نفسه بين الطلاق وبين الضرب في اليوم، فإذا وجد أحدهما انتفى الآخر.
قال: فإن مضى اليوم قبل أن يضرب الخادم فقد حنث، ويخيّر: فإن شاء أوقع الطلاق، وإن شاء ألزم نفسه اليمين؛ وذلك لأنه حنث في أحد الأمرين وهو الحالف، فكان التعيين إليه، فإن قال في اليوم قبل مضيه: قد اخترت أن أوقع الطلاق، لزمه وبطلت اليمين؛ لأنه خير نفسه بين الإيقاع واليمين، فإذا أوقع سقطت اليمين، ولو قال: قد اخترت التزام اليمين وأبطلت الطلاق، فإن الطلاق لا يبطل، فإن مضى اليوم قبل أن يضرب حنث في يمينه؛ وذلك لأن اليمين لا تجب على الإنسان بالالتزام، فلم يتعين بالاختيار، فبقيت اليمين على حالها، ولو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا أو والله لأضربن فلانة، فماتت فلانة قبل أن يضربها فقد حنث في يمينه، وهو مخير: إن شاء ألزم نفسه الطلاق، وإن شاء الكفارة؛ لأن شرط البر فات بموتها، فحنث في إحدى اليمينين.
قال: ولو كان الرجل: هو الميت والمحلوف على ضربها حية، فقد وقع الحنث على الرجل أو الطلاق، وقد مات قبل أن يبين فلا يقع الطلاق عليها ولها الميراث؛ من قِبَل أن التخيير في هذه المسائل ليس بتخيير الحكم إنما هو تخيير الورع، ولو قال: أختار ولا أخيِّرك، وهو حي لم أجبره على ذلك وخلَّيته وامرأته؛ وذلك لأنه لما كان مخيرًا بين الطلاق والتزام الكفارة لم يجز إيقاع الطلاق بالشك، ومعنى قول أبي يوسف: أن هذا ليس باختيار حكم؛ فلأنه يسقطه عن نفسه باختياره الكفارة وهي معنى يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، فلو كان بدل الكفارة طلاق أخرى، فقال: أنت طالق ثلاثًا، أو هذه، فهو تخيير حكم، يجبره
стр. 2497
الحاكم على أن يبيِّن؛ لأنه لا يقدر على إسقاط ذلك عن نفسه بأمر بينه وبين الله تعالى، وعلى هذا قالوا فيمن قال: أنت طالق، أو عليّ حجة، لم يجبره الحاكم على الخيار، إنما يفتي فتوى في الورع أن يوقع أيهما شاء ويبطل الآخر.
قالوا: فإن قال: أنت طالق ثلاثًا، أو فلانة عَلَيَّ حرام - يعني اليمين - فإنه يخيّر بتخيير الفتوى؛ لما بينا أنه يسقط ذلك عن نفسه بالكفارة، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن يقرب، خيّر بتخيير حكم يقال له: أوقع طلاق الإيلاء على التي حرمتها، أو طلاق الكلام على التي تكلمت بطلاقها؛ وذلك لأن الطلاق لا بد أن يقع على إحداهما، فيخيّر فيها بتخيير الحكم.
وقال محمد في الجامع [الكبير]: إذا قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه [الدار]، فإن دخل إحداهما حنث (١)؛ لأن (أو) إذا دخلت بين (شيئين) (٢) تناولت كل واحد على الإنفراد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ولو قال: والله لا أدخل هذه الدار أبدًا أو لأدخُلَنَّ هذه الدار الأخرى اليوم، فإن دخل الأولى حنث وإن لم يدخلها ولم يدخل الأخرى حتى مضى اليوم حنث؛ وذلك لأنه خير نفسه في يمينين (٣) أن لا يدخل الدار الأولى أو يدخل الأخرى في اليوم، فإن دخل الأخرى في اليوم برَّ في يمينه، وإن مضى اليوم حنث في إحدى اليمينين.
قال ابن سماعة في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل قال: عبده حر إن
стр. 2498
لم يدخل [هذه الدار اليوم، فإن لم يدخلها اليوم دخل هذه] (١)، قال محمد: ليس هذه بالاستثناء واليمين على حالها، ولا أبالي وَصْل هذا الكلام أو فَصْله (٢)، فإن لم يدخل الدار الأولى اليوم حنث؛ وذلك لأن قوله فإن لم يدخلها ليس بلفظ تخيير، فبقيت اليمين الأولى بحالها.
٢٢٠٦ - فَصْل: في الشروط تكون على الفور أو يتأخر
قال ابن سماعة: سمعت محمدًا يقول في رجل قال: إن ضربتني ولم أضربك وما أشبه ذلك فهذا على الفور، قال: وقوله: (ولم) [يكون] على وجهين: على قبل وعلى بعد، فإذا كانت على بعد فهو على الفور، فلو قال: إن كلمتني ولم أجبك فهذا على بعد، وهو على الفور، فإن قال: إن ضربتني ولم أضربك، فهو عندنا على أن يضرب الحالف قبل أن يضرب المحلوف عليه، فإن أراد به بعد ونوى ذلك، فهو على الفور.
وجملة هذا: أن هذه اللفظة قد تدخل على الفعل الماضي [و] على المستقبل، ويتميز ذلك بمعاني كلام الناس ومقاصدهم، فإذا كان اللفظ محتملًا عملت فيه النية، فإذا قال: إن ضربتني ولم أضربك، فالظاهر عند محمد: أنه للماضي، فكأنه قال: إن ضربتني بغير مجازاة ويحتمل المستقبل، فإذا نواه حمل عليه، وأما قوله: إن كلمتني ولم أجبك، فهذا على المستقبل؛ لأن الجواب لا يصح إلا (٣) بتقدم الكلام، فأما الفور الذي ذكره فقد اعتبروا فيه العادة [أيضًا]،
стр. 2499
فما كانت العادة (١) فيه الفور، حملوه عليه والجواب: إنما يكون على الفور، والضرب إذا جازى به الضرب، فإنما يراد به الفور.
وقال مُعَلَّى عن محمد فيمن قال: كل جارية يشتريها (٢) فلا يطؤها فهي حرة، قال: هذا أن يطأها ساعة يشتريها، فإن لم يفعل فهي حرة؛ وذلك لأن الفاء تقتضي التعقيب، ولو كان [مكان (فلا)] (٣) فإن لم أطأها، فهذا على ما بينه وبين الموت، فمتى وطئها برَّ؛ لأن (إن) شرط فلا يقتضي التعجيل.
قال هشام عن أبي يوسف: فإن قال لغلامه: إن [لم] (٤) تأتني حتى أضربك فأنت حر، فجاءه في ساعته فلم يضربه قال: متى ما ضربه فإنه يبر في يمينه ولا يعتق إلا أن ينوي ساعة أمره بذلك؛ لما بَيَّنَّا أن لفظة (إن) شرط فلا يقتضي التعجيل إذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه.
[وقال هشام عن محمد]: ولو قال: إن لم أشتر اليوم عبدًا فأعتقه فعليّ كذا، فاشترى عبدًا فوهبه ثم اشترى آخر فأعتقه، قال محمد: إنما وقعت يمينه على العبد الأول، فإذا أمسى (٥) ولم يعتقه حنث، وذلك لأن تقدير كلامه: إن اشتريت عبدًا فعلي عتقه فإن لم أعتقه فعلي حجة، وهذا قد استحقه الأول فلم يدخل الثاني في اليمين.
قال هشام عن محمد فيمن قال لآخر: إن مت ولم أضربك فكُلُّ مملوك لي
стр. 2500
حُرٌّ، فمات الحالف ولم يضربه، قال محمد: لا يُعْتَقُون؛ لأن شرط الحنث إنما يكون بوجود الموت، ولا ملك له في ذلك الوقت، [فلا يعتقون].
قال محمد: ولو قال: إن لم أضربك فكل مملوك لي حر، فإن هذا لا يحنث حتى يخرج نفسه، فيحنث قبل خروج نفسه فيعتقون؛ لأن الشرط هاهنا ترك الضرب وقد علمنا فواته في هذه الحالة، [وكذلك] لو قال: إن لم أدخل هذه الدار حتى أموت فغلامي حر، فلم يدخلها حتى مات، لم يعتق.
وكذلك قال محمد فيمن قال: إن لم أضربك فيما بيني وبين أن أموت فعبدي حر، فلم يضربه حتى مات، قال: لا يعتق عبده، ولو قال: إن لم أضربك فعبدي حر، فلم يضربه حتى مات، عتق العبد قبل أن يموت، قال: لأن في الأول حنث بعد الموت [والثاني قبل الموت].
وقال محمد في الزيادات: فيمن قال لرجل امرأته طالق إن لم تخبر فلانًا بما صنعت حتى يضربك أو قال: إن لم أتك حتى [تغديني] (١)، أو إن لم أضربك حتى تضربني، فضربه الحالف أو أخبر الحالف فلانًا، أو أتاه فلم يفعل المحلوف عليه شيئًا مما شرط أن يفعله حتى مات، فإنه [يحنث] (٢)؛ وذلك لأنه عقد يمينه على الخبر والإتيان للغد أو الضرب، وقد وجد ذلك، وما يتوقع من جهة الآخر [ليس بمحلوف عليه] (٣)، وإنما بيّن أن عوضه في فعله.
قال: ولو قال لغريم له: امرأته طالق إن لم يلزمه حتى يقضيه ما له،
стр. 2501
[فلازمه] (١) ثم تركه قبل أن يقضيه، فإنه حانث؛ وذلك لأنه جعل القضاء غاية لليمين، فإذا فارقه قبله وجد شرط الحنث فحنث.
قال: ولو قال عبده حر إن لم يضربك حتى يدخل الليل، أو حتى يشفع لك فلان، أو حتى تشتكي يَدِي (٢) فإن أقلع عن الفعل الأول قبل الثاني حنث؛ لأنه ترك الضرب قبل الغاية، وفي الفعل الأول لم يجعل (حتى) غاية، وإنما جعلها عوض الفعل.
ولو قال: امرأته طالق إن [لم] آتك اليوم حتى أتغدى عندك، أو إن لم آتك حتى أضربك، فأتاه فلم يضربه حتى مضى اليوم حنث؛ وذلك لأن الفعلين جميعًا هاهنا من الحالف، فانعقدت يمينه عليهما، وفي قوله: (حتى) تُغدِّيني أحد الفعلين من غيره فكان [عوض] (٣) فعله، فلم يحنث بعدمه.
قال ابن سماعة عن محمد: إذا قال: إن ركبت دابتك فلم أعطك دابتي فعبدي حر، قال: هذا على الفور إذا ركب دابته، فينبغي له أن يعطيه دابة نفسه ساعتئذٍ.
وكذلك إن قال: إن دخلت دارك فلم أجلس فيها؛ وذلك لأن الفاء للتعقيب، فيقتضي وجود ما دخلت عليه عقيب الشرط.
(قال: ولو قال: إن رأيت فلانًا فلم آتك به فعبدي حر، فرآه أول ما رآه مع الرجل الذي قال له ذلك) (٤)، قال: الحالف حانث الساعة؛ وذلك لأن يمينه على
стр. 2502
أول رؤية، ومستحيل أن يأتيه بمن هو معه [جالس].
وقد كان يجب أن لا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد، كما قالا فيمن قال: إن رأيتُ فلانًا فلم أعلمك بذلك فعبدي حر، فرآه أول ما رآه مع الرجل الذي قال له ذلك، لم يحنث عندهما؛ لأن العلم يستحيل فيمن قد علمه، فكذلك الإتيان [يستحيل فيمن هو معه، فيصير كمن قال: لأشربنَّ الماء الذي في هذا الكوز، ولا ماء فيه].
قال: ولو أن رجلًا قال: إن لقيتك فلم أُسَلِّم عليك، (فإن سلم ساعة يلقاه) (١) وإلا حنث، وكذلك إن استعرتُ دابتك فلم تعرني، قال: لأن هذا جواب إنما هذا على (لم) المجازاة يدًا بيد، وليس هذا مثل قوله: إن دخلت الدار فإن لم (٢) أكلم فلانًا، فهذا متى ما كلمه برَّ.
قال: وقد يجيء في ذلك أمور تشتبه بكون (فإن لم) مثل (فلم)، [فحمل] (٣) ذلك على [مُعْظَم] (٤) معاني كلام الناس (٥).
ولو أن رجلًا قال: إن أتيتني فلم آتك، أو إن زرتني فلم أزرك، أو أكرمتني فلم أكرمك، فهذا على الأبد، وهو في هذا الوجه مثل (فإن لم)؛ وذلك لأن الزيادة لا تتعقب الزيادة في الغالب، فالمقصود منها وجود الفعل.
стр. 2503
قال: فإن قال: إن أتيتني فلم آتك فهو على وجهين: قد يكون إن لم آتك قبل إتيانك، وقد يكون بعد [إتيانك]، وقد يجيء من ذلك أمر بيّن يعرف أنه قبل، وأمر بيّن يعرف أنه بعد، وحال مشتبهة تحتمل الأمرين، فإن كان في ذلك معاني كلام الناس فهو على [معظم] (١) ذلك، فإن لم يكن في ذلك معنى يستدل به فهو على ما نوى، وهو على قبل وبعد، أي ذلك فعل إن لم يكن له نية أجزأ هذا في المشتبه الذي لا يعرف فيه معنى، فأما الذي يعرف أنه قبل، أو أنه بعد، فهو على [الذي] يعرف في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى إذا لم تكن له [نية، فإن نوى خلاف ما يعرف، لم يدُيَّن في الحكم، وديّن فيما بينه وبين الله تعالى] وفسّرنا الظاهر منه قبل كقوله: إن خرجت من باب الدار ولم أضربك، وما ظاهره بعد كقوله: إن أعطيتني كذا ولم أكافئك بمثله، والمحتمل إذا قال: إن كلمتُك ولم تكلمني، فهذا يحتمل أن يكون قبل وبعد، فأيهما فعل ولم يكن للحالف نية برَّ، وإن نوى أحد الفعلين فهو على ما نوى، وإن كان قبل ذلك [فنطق]، فكان هذا جوابًا له فهو على الجواب (٢).
٢٢٠٧ - فَصْل: [العطف على الشرط بأو]
وإن عطف على الشرط بـ (أو) فقال: عبده حر إن دخل هذه الدار أو هذه، فأيّ الدارين دخل عتق عبده.
وكذلك لو أخر الجزاء (٣) فقال: إن دخلتُ هذه الدار أو هذه الدار فعبدي
стр. 2504
حر، وكذلك لو أعاد الفعل مع أو فقال: عبده حر إن دخل هذه [الدار] أو دخل هذه الدار؛ وذلك لأن حرف أو إذا دخل بين نفيين يتناول كل واحد منهما على الانفراد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] قال ابن سماعة: قال محمد: إذا قال لامرأته: إن دخلت هذه الدار أو هذه الدار وإن دخلت هذه [الدار] فعبدي حر، فإن اليمين على أن تدخل إحدى الأوليين، وتدخل الثالثة؛ فأيّ الأوليين دخلت ثم دخلت الثالثة حنث؛ وذلك لأنه جمع الثالثة إلى إحدى الأوليين، فكانتا شرطًا.
стр. 2505
بَاب (في) إذا جعل ظرفًا
قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل لعبده أو لامرأته: أنت حر في كذا، أو أنت طالق في كذا، فإن كان ذلك الشيء الذي أوقع الطلاق فيه موجودًا وقع الطلاق والعتاق، كان العبد والمرأة فيه أو لم يكونا، فإذا كان ذلك الشيء غير موجود، لم يقع شيء من ذلك حتى يوجد.
والأصل في هذا: أن (في) للظرف، فإما أن يدخل على ظرف أو على فعل، والظرف على ضربين: ظرف زمان وظرف مكان، فإن أدخلها على ظرف مكان وقع الطلاق في ذلك المكان وفي غيره، مثل أن يقول: أنت طالق في الدار، أو في مكة، فتطلق في سائر المواضع وإن لم تكن في الدار ولا في مكة؛ لأن الطلاق لا يختص بمكان دون مكان، فإذا أوقعه عليها في مكان وقع في سائر الأماكن.
وأما ظرف الزمان، فإن كان ماضيًا وقع الطلاق في الحال مثل أن يقول: أنت طالق في أمس أو في العام الماضي؛ وذلك لأن الإنسان لا يملك إيقاع الطلاق في زمان ماض إلا أنه وصفها في الحال بطلاق وقع عليها فيما مضى، وهي ممن توصف به في الحال [فيقع الطلاق] (١) عليها.
وكذلك إن كان ظرف الزمان حاضرًا، وقع في الحال مثل أن يقول: أنت طالق في هذا الوقت أو في هذه الساعة؛ لأن الطلاق قد وصفه بصفة موجودة
стр. 2506
فوقع، وإن كان الزمان مستقبلًا لم يقع عليها طلاق حتى يأتي، كمن قال: أنت طالق في غد أو في (١) الشهر الآتي؛ لأن الطلاق يجوز أن يختص بوقت دون وقت، فإذا وصفه بزمان لم يقع قبله، وأما إذا أدخل حرف الظرف على الفعل صار شرطًا كقوله: أنت طالق في دخولك الدار وفي قيامك؛ لأن الفعل لا يكون ظرفًا، وهذه الحروف التي هي الأدوات يقوم بعضها مقام بعض، فكأنَّه قال: أنت طالق مع قيامك ومع دخولك، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: مع عبادي.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا قال لها: أنت طالق في ذهابك إلى مكة، فهذا على الذهاب؛ لأنه أدخل (في) على فعل فصار شرطًا، وكذلك بذهابك؛ لأن (٢) الباء للإلصاق، فاقتضت إلصاق الطلاق بالفعل.
ولو قال: أنت طالق في الشمس، وهي في الظل كانت طالقًا مكانها؛ لأن الشمس ليس بفعل فيكون شرطًا، فأما أن يقول ليست بمكان، فتكون ظرفًا فلغا ذكرها، أو يقول المراد به: في مكان الشمس، والمُطَلَّقَة في مكان مُطلَّقَةٌ في كل مكان.
ولو قال: أنت طالق في صومك، كانت طالقًا حتى يطلع الفجر؛ وذلك لأن الصوم فعل فصار شرطًا، وهو عبارة عن الإمساك مع النية في زمان مخصوص من شخص مخصوص، وهذا المعنى موجود في الجزء الأول، فوجد [به] الشرط.
قال: ولو قال: في صلاتك، لم تطلق حتى تركع وتسجد سجدة؛ لأن
стр. 2507
الصلاة عبارة عن أفعال مختلفة، فما لم يوجد جنسها لم تستحق الاسم، فلا يقع الطلاق.
قال: ولو قال لها: في حيضك أو في طهرك، فإن كان موجودًا وقع وإلّا لم يقع؛ وذلك لأن الحيض والطهر فعل الله تعالى، والطلاق إذا عَلَّقَه بفعل الله تعالى توقف على وجوده.
ونظير مسائل الباب ما قال محمد في الجامع: إذا قال: أنت طالق في ثلاثة أيام، طلقت حين تكلَّم (١)؛ وذلك لأنه جعل الأيام ظرفًا ولا يمكن أن يكون كلها ظرفًا للإيقاع، فصار [الظرف جزءًا] منها، وقد وجد عقيب كلامه.
قال: ولو قال في مجيء ثلاثة أيام، وقال ذلك عند طلوع الشمس، لم يحتسب بهذا اليوم، فإذا طلع الفجر من اليوم الرابع منذ يوم حلف طلقت؛ وذلك لأنه عَلَّق الطلاق بمجيء الأيام الثلاثة، وذلك لا يوجد إلا بمجيء كل واحد منها، ومجيء اليوم يكون بطلوع الفجر.
ولو قال في مُضِيِّ ثلاثة أيام؛ لم تطلق حتى يكون مثل تلك الساعة في اليوم الرابع، وكذلك مُضيِّ يوم، وكذلك الحلف بالليل حتى يمضي ثلاثة أيام ولياليها إلى الساعة التي حلف؛ وذلك لأن مضي الأيام عبارة عن انسلاخها، فإذا كان مثل تلك الساعة من اليوم الرابع، فقد تمت ثلاثة أيام (٢) فوقع الطلاق.
وقال محمد في الجامع: إذا قال إن شتمتك في المسجد فعبدي حر، فإنه
стр. 2508
يحنث إذا كان الشاتم في المسجد، كان المشتوم في المسجد أو لم يكن، فإن قال: إن ضربتك (١) [في المسجد]، فمتى كان المفعول به في المسجد حنث وإلا لم يحنث؛ وذلك لأن الشتم (٢) طريقه طريق الأقوال فهو غير متصل بالمفعول، فاعتبر وجود الشاتم في المسجد، فأما القتل والضرب فهو عبارة عن وقوع الفعل بالمفعول، فإن كان في المسجد تناوله الاسم وإلا فلا (٣).
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف إن قال: والله لا أدل على صيد في الحرم فدل عليه، والدال خارج الحرم والصيد في الحرم فهو حانث؛ وذلك لأن الامتناع في الدلالة لحرمة الصيد؛ وذلك لا يكون إلا في صيد الحرم.
стр. 2509
بَاب الشرط يحلف به فلا يتعلق اليمين بلفظه ويتعلق على معنى الكلام المقصود إليه
قال معلى: سألت (١) محمدًا عن رجل حلف بطلاق امرأته ليضربنها حتى يقتلها، أو قال: حتى ترفع ميتة ولا نية له، قال: إذا [ضربها] ضربًا شديدًا كأشد الضرب برَّ في يمينه؛ وذلك لأن العادة [قد جرت] أنهم يريدون بهذا القول شدة الضرب دون الموت، ومن حكم الأيمان أن تحمل على العادة دون الحقائق (٢)، ألا ترى أن العادة عرف طارئ على اللغة، فوجب حمل اللفظ عليه، وقد قال الشافعي: إن الأيمان محمولة على الحقائق، وهذا ليس بصحيح لما بينا: أن العرف اصطلاح حادث، فالظاهر أن المتكلم يقصد بكلامه ذلك، يبين هذا أن الغريم يقول لغريمه إذا اقتضاه: والله لأجرَّنَّك على الشوك.
إنما يعني بذلك: شدة المطل، ولا يقول أحد إنه يحمل على الحقيقة لوجود العرف بخلافها.
وقد قال مالك: إن الأيمان محمولة على ألفاظ القرآن.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن من حلف لا يجلس في سراج، فجلس في الشمس لم يحنث، وإن كان الله تعالى سماها في القرآن سراجًا (٣)، ولو حلف
стр. 2510
لا يجلس على بساط فجلس على الأرض لم يحنث، وإن كان الله تعالى سماها [في القرآن] بساطًا (١)، ولو حلف لا يمس وتدًا فمسَّ جبلًا لم يحنث، وإن كان الله تعالى سمّى الجبال أوتادًا (٢).
وقال محمد: فإن حلف ليضربنها حتى يغشى عليها، أو [حتى] تبول، (فما لم يوجد ذلك لم يبر في يمينه) (٣)؛ وذلك لأن هذا المعنى يحدث عند الضرب في الغالب، وقد جعله غاية، فما لم يوجد لم يبر في يمينه، وليس كذلك الموت والقتل؛ لأنه لا يقصد بالضرب غالبًا، فإذا قصده الحالف لم يذكر الضرب وذكر القتل؛ فلهذا لم يعتبر وجوده.
قال: ولو حلف ليضر بن غلامه في كل حق وباطل، [ولا نية له] فمعنى ذلك: أن يضربه كلما شكى [إليه] بحق أو بباطل، [فإن لم يفعل فهو حانث] ولا يكون الضرب في هذا عند (٤) الشكاية إلا يعني ذلك، وإن لم يعن ذلك لم يحنث حتى يموت العبد أو المولى؛ وذلك لما بينا أن اليمين محمولة على العرف، ومعلوم أنه [لو] أراد ضربه عند كل حق وباطل، لزمه ضربه أبدًا؛ لأنه لا يخلو من فعل حق أو باطل، وهذا غير مراد باليمين (٥) فحملت على الشكاية للعرف.
فأما قوله: إن الضرب لا يحمل على الفور؛ لأن اليمين إذا وقعت على
стр. 2511
الفعل لم [تختص] (١) بزمان دون زمان، فما دام يرجو [شرط البرِّ] لم يحنث إلا أن يعني الحال، فيكون قد شدد على نفسه.
قال: فإن شكى إليه فضربه ثم شكى في ذلك الشيء مرة أخرى، والمولى يعلم أنه في ذلك الشيء أو لا يعلم فذلك سواء، وليس عليه أن يضربه للشكاية [الثانية]؛ لأنه قد ضربه فيها مرة؛ وذلك لأن اليمين لما اقتضت الضرب عند الشكاية لم تتعلق بالفعل الواحد الذي وقعت الشكاية عنه أكثر من [ضرب] واحدٍ، كما لو قال: إن أخبرتني بكذا فلك درهم، فأخبره به مرة بعد مرة، لم يجب إلا درهم واحد.
٢٢٠٨ - فَصْل: [ما يُراد به التشديد لا التكرار]
قال معلى: سألت (٢) محمدًا عن رجل حلف ليقتلن فلانًا ألف مرة، فقتله ثم قال: إنما نويت أن آتي على نفسه بالقتل، قال: أدينه في القضاء؛ وذلك لأن العادة [جرت] أنهم يريدون بهذا تشديد القتل ولا يريدون تكراره، والمعتبر في اليمين العادة.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: إن لم أضربك حتى أتركك لا حية ولا ميتة، فهذا على أن يضربها ضربًا يوجعها فإذا فعل ذلك فقد بَرَّ؛ وذلك لأن المراد بهذا اللفظ أنه يتركها لا حية سليمة ولا ميتة، وهذا يكون في الضرب الشديد.
وقال محمد فيمن حلف بالطلاق: لقد سمع فلانًا يطلق امرأته ألف مرة،
стр. 2512
وقد سمعه طلقها ثلاثًا، فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن حكم الثلاث حكم الألف في الإيقاع [والتحريم]، ولو قال امرأته طالق إن لم يكن لقي فلانًا ألف مرة، وقد لقيه مرارًا كثيرة إلا أن ذلك لا يكون ألف مرة، وإنما أراد كثرة اللقاء ولم يرد العدد، فإنّي أدينه؛ لأن هذا يذكر في العادة على طريق التكثير دون العدد المحصور.
стр. 2513
بَابٌ الرجل يحلف فيخرج من يمينه بنيته بعض ما حلف عليه بصفة أو جنس
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب: أن من ذكر لفظًا عامًا ونوى تخصيص ما في لفظه، صُدِّق فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق في القضاء؛ وذلك لأن المتكلم بالعموم قد نوى (١) به الخصوص، فإذا نوى ذلك صارت النية دلالة على التخصيص، كالدلالة الشرعية على تخصيص العموم، إلا أنه لا يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر من اللفظ العموم، فإذا نوى غير الظاهر لم يصدق، فأما إذا نوى تخصيص ما ليس في لفظه فلا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الخصوص يتبع الألفاظ دون المعاني، فما ليس له لفظ (٢) لا يصح تخصيصه، [ومتى ما] (٣) نوى حقيقة كلامه صدق في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان ذلك خلاف الظاهر؛ لأن الحقيقة أحد الظاهرين فإذا نواها صُدّق فيها.
قال هشام عن أبي يوسف عن أبي حنيفة في رجل قال: إن أكلت فعبدي حر، وهو ينوي طعامًا بعينه فأكل غيره، فإن عبده يعتق [ولا يُديَّنُ] في القضاء [ولا] فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأن يمينه على الأكل، والمأكول ليس في لفظه، فقد نوى ما ليس في لفظه فلم يصدق، وهذا يدل من قول أبي حنيفة أن
стр. 2514
التخصيص في الأحوال والمعاني لا يصح، خلاف ما قاله أبو بكر الرازي.
قال: ولو قال إن أكلت طعامًا فعبدي حر، وقال: عنيت اللحم أو الخبز فأكل غيره، فإن أبا حنيفة قال: لا يصدق في القضاء ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك قال أبو يوسف إذا قال: والله، وهو قول محمد؛ وذلك لأنه خصص ما في لفظه فعملتْ نيّته فيما بينه وبين الله تعالى ولم تعمل في القضاء؛ لأنه خصص العموم وذلك خلاف الظاهر.
قال أبو الحسن: وأصل هذا: أنه إذا ذكر الفعل ولم يذكر المفعول فيه، فنوى بعض المفعول فيه دون بعض، لَمْ يُديَّنْ في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا ذكر المفعول فيه في كلامه ثم قال: نويت بعضه دون بعض دُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء، وذلك على ما قدمنا.
قال أبو الحسن: فأما التخصيص في الصفة [فإنّ] بشرًا حكى عن أبي يوسف في رجل قال: والله لا أكلم هذا الرجل وهو قائم، يعني: ما دام قائمًا ولم يتكلم بالقيام، كانت نيته باطلة، وحنث إن كلمه؛ وذلك لأنه نوى تخصيص الحال وذلك ليس في لفظه، ولو حلف لا يكلم هذا القائم يعني ما دام قائمًا، وسعه فيما بينه وبين الله؛ لأنه خصص ما في لفظه، وكذلك إذا قال: والله لأضربن فلانًا خمسين، وهو ينوي بسوط بعينه فبأي (١) [سوط ضربه خمسين]، فقد خرج من يمينه والنية باطلة؛ وذلك لأنه نوى تخصيص ما لا لفظ له.
ونظير هذا ما حكى ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل حلف: والله لا يتزوج امرأة، وهو ينوي كوفية أو امرأة بصرية، قال: ليس في هذا نية فيما بينه
стр. 2515
وبين الله تعالى ولا في القضاء، ولو قال: والله لا أتزوج [امرأة]، يعني امرأة كان أبوها يعمل كذا وكذا، فهذا كله لا يجوز فيه النية، ولو قال: لا أتزوج امرأة، يعني [امرأة] عربية أو حبشية، قال: هذا جائز هذا جنس قد نواه؛ وذلك لأن صفة المرأة ليس في لفظه فلا يعمل تخصيصه فيها، فأما الجنس فقوله: لا أتزوج امرأة يعني لكل امرأة، فيعمل نيته في جنس دون جنس (١).
وقال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: والله لا أتزوج امراة على ظهر الأرض، ينوي امرأة بعينها، قال: يصدق فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل أن يريد بهذا امرأة موصوفة بصفة، فلا يكون اللفظ عامًا فيرجع إلى نيته في التخصيص.
قال: ولو قال: لا أشتري جارية ونوى مولدة فإن نيته باطلة؛ لأن هذا ليس بتخصيص جنس، وإنما هو تخصيص صفة، ولم يذكر في الباب مثال الأصل الثالث: وهو وهو [أنه] [أنه إذا نوى حقيقة كلامه، وذلك مثل أن يقول: والله لا أتزوج النساء، فيمينه محمولة على الواحدة، فإن قال: أردت جنس النساء صدق في القضاء، وكذلك إذا قال: لا أشرب الماء، وقال: أردت جنس الماء؛ وذلك لأنا حملنا اليمين على الأقل؛ لأن الجنس لا يمكن استيعابه، فإذا نوى الجنس فقد نوى حقيقة الكلام وهو أمر ظاهر فتقبل (٢) نيته فيه.
стр. 2516
بَاب الرجل يعلق الطلاق أو العتاق بما يحتمل الحال أو الاستقبال
قال بشر عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته وهي حائض: إذا حضتِ فأنت طالق، أو قال وهي مريضة: إذا مرضتِ فأنت طالق، فهذا على حيض مستقبل ومرض مستقبل (١)، فإن قال: عنيت ما يحدث من هذا الحيض فهو كما نوى؛ وذلك لأن ظاهر (٢) اللفظ يقتضي حدوث الحيض وحدوث المرض، وذلك لا يكون إلا فيما يستقبل منه، فتناولت يمينه حيضة مستقبلة ومرض ومرضًا مستقبلًا.
قال: فإن قال عنيت بما يحدث من هذا الحيض وما يزيد من هذا المرض، فهو كما نوى؛ لأن الحيض ذو أجزاء يحدث حالًا فحالًا، وكذلك المرض، فإذا نوى جزءًا حادثًا من ذلك صدق، فإن قال: إن حضت غدًا فأنت طالق، وهو يعلم أنها حائض، فهذا على هذه الحيضة إذا دام الحيض بها إلى أن ينشق الفجر من الغد بعد أن تكون تلك الساعة تمام الثالثة أو أكثر؛ وذلك لأنه إذا علم بحيضها استحال أن يعني بيمينه حدوث حيضة أخرى في غد؛ لأن ذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يريد استمرار (٣) هذه الحيضة، وإنما اعتبر أن تكون تلك الساعة تمام الثالثة أو أكثر؛ لأن الحيض إذا انقطع فيما دونها فليس بحيض، فلا يوجد شرط اليمين.
стр. 2517
قال: فإن كان لا يعلم بحيضها، فهو على حيض مستقبل، ويُدَيَّن في القضاء؛ لأنه إذا لم يعلم بحيضها، فالظاهر أنه قصد حدوث الحيض.
قال أبو الحسن: وكذلك قال في هذه الوجوه في المرض، وكذلك المحموم قال إن حممت، أو المصدوع قال إن صدعت، أو مشتك لبعض جسده [فهو على هذا الوجه]، وكذلك الرعاف، وهذا على ما قدمنا أنه معنى ذو أجزاء، فإذا نوى ما يتجدّد من أجزائه صدق.
قال: وإن كان صحيحًا فقال: إن صححتُ فامرأتي طالق (١)، طلقت امرأته حين سكت، وهو كبصير قال: إن أبصرت، أو كسميع قال: إن سمعت؛ لأن الصحة هي الأصل، وليست بمعنى يحدث، فيتعلق اليمين بوجودها وقد وجدت، قال: فأما القائم والقاعد والراكب فهو على الركوب والقيام والجلوس، إذا مكث ساعة بعد اليمين حنث، وهذا يريد به إذا قال القائم: إن قمت، والقاعد إن قعدت، والراكب إن ركبت؛ وذلك لأن البقاء على هذه الأفعال يسمى باسم الابتداء، فقد وجد ما تناوله الاسم عقيب اليمين، وكذلك السكني إذا لم يأخذ في النقلة؛ لأن البقاء على السكنى يسمى سكنى.
قال: فأما الدخول إذا حلف وهو داخل أن لا يدخل، فلا يكون إلا على دخول مستقبل، وإن نوى الذي هو فيه لم يحنث؛ لأن الدخول هو الانفصال من خارج إلى داخل، وهذا المعنى لا يوجد في البقاء، وكذلك إذا حلف لا يخرج وهو خارج؛ لأن الخروج الانفصال من داخل إلى خارج، وهذا لا يوجد في البقاء، وكذلك الحَبَل إذا قال للحبلى: إذا حبلت، تناولت اليمين حبلًا مستقبلًا؛
стр. 2518
لأن الحَبَل هو ابتداء العلوق، فأما الضرب والأكل فهو على الحادث، فكل شيء أكله بعد يمينه أو ضربه بعد يمينه فهو حانث؛ لأن الضرب ذو أجزاء كل جزء منه ابتداء، فأما اللبس فهو مثل الركوب؛ لأن البقاء عليه يسمى لبسًا. يوضح ذلك أنه يقول: لبست يومًا وركبت يومًا، ولا يقول دخلت الدار يومًا.
وقال في الأصل: إذا قال لامرأته: أنت طالق ما لم تحيضي أو ما لم تحبلي وهي حبلى أو حائض في حال الحلف، فهي طالق حين سكت إلا أن يكون ذلك منها حين سكت؛ لأنه جعل حدوث الحيض والحبل شرط البر، فما لم يوجد عقيب اليمين حنث، فإن كان يعني ما هي فيه من الحيض، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لما بينا أن الحيض ذو أجزاء فصح أن يسمي ما يحدث من أجزائه باسم الابتداء، فأما في الحبل فلا يصدق، لأنه ليس بمعنى ذي أجزاء، وإنما هو معنى واحد، ألا ترى أنّ ما يتزايد من الحيض حيض، والحَبَل ليس بمعنى يتزايد، فلا يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا في القضاء.
стр. 2519
بَاب الحلف على التزويج بشروط مختلفة
قال الشيخ ﵀: هذا الباب ذكره أبو الحسن في جامعه فأوردناه للحاجة إلى ما فيه من المسائل.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال: إن تزوجت امرأة بعد امرأة فهي طالق، فتزوج واحدة ثم اثنتين في عقدة فإنه وقع الطلاق على إحدى الأخريين؛ لأنه قد تزوج امرأة بعد امرأة، وإن كان معها غيرها فقد وقع الطلاق على إحداهما فكان له (١) التعيين، ولو تزوج امرأتين في عقدة ثم تزوج امرأة بعدهما طلقت الآخرة؛ وذلك لأنه قد تزوجها بعد امرأة، والأوليان كل واحدة منهما لا توصف أنها بعد الأخرى، فكانت الآخرة هي المستحقة للشرط.
ولو قال: إن تزوجت امرأة فهي طالق، فتزوج صبية طلقت؛ لأن الغرض باليمين الامتناع من النكاح وهذا يفيد الجنس، فصار قوله امرأة كقوله: أنثى.
وقال ابن سماعة عنه: إن قال إن تزوجت امرأتين في عقدة فهما طالقان، فتزوج ثلاثًا في عقدة فإنه تطلق امرأتان من نسائه يوقع على اثنتين من الثلاث؛ من لأنه قد تزوج باثنتين، وإن كانت معهما ثالثة، وليس إحداهن بالطلاق بأولى من الأخرى فرجع إلى تعيينه.
стр. 2520
قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال: والله لا أُزَوِّجُ ابنتي الصغيرة [ثم أمر رجلًا] فَزَوَّجَها [أو زوّجها] رجل بغير أمره، فأجاز، قال: هو حانث لأن حقوق العقد لا تتعلق بالعاقد فتعلقت بالمجيز، ولو حلف لا يزوج ابنًا له [صغيرًا] فأمر رجلًا فزوجه، ثم بلغ الابن وأجاز، أو زوجه رجل فأجاز الأب ورضي الابن لم يحنث؛ وذلك لأن حقوق العقد لما لم تتعلق بالعاقد، تعلقت بالمجيز فنسب العقد إليه.
وقال هشام عن محمد في نوادره في رجل حلف بطلاق امرأته ثلاثًا أن لا يزوج بنتًا له صغيرة، فزوجها رجل من أهله أو غريب والأب حاضر ذلك (١) المجلس حيث زوجت، إلا أنه ساكت حتى قال الذي زوّج للذي خطب: قد زوجتكها، وقال الآخر: قد قبلت، والأب ساكت، ثم قال بعد ما وقع (٢) العقد وهو في ذلك المجلس: قد أجزت النكاح، فزعم محمد أنه لا يحنث؛ لأن الذي زوج غيره وأجاز هو، وكذلك إذا حلف على أمته؛ وذلك لأن الإجازة لا تسمى نكاحًا وهو حلف على التزويج، فإذا فعل ما لا يتناوله الاسم لم يحنث.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره في رجل تزوج امرأة بغير أمرها [وزوجه وليها] (٣)، ثم حلف المتزوج أن لا يتزوجها أبدًا، ثم بلغها فرضيت بالنكاح، أو كان زوَّجها رجل (٤) منه وهو لا يعلم، ثم حلف بعد ذلك أنه لا يتزوجها، ثم بلغه النكاح فأجاز، لم يحنث في أحد الوجهين؛ لأنه لم يتزوج بعد
стр. 2521
يمينه، إنما أجاز نكاحًا قبل يمينه أو أجازته المرأة، وهذا صحيح على ما قدمنا: أن شرط يمينه التزويج المستقبل والإجازة ليست بتزويج.
قال ابن سماعة عن محمد: لو قال لا أتزوج فلانة بالكوفة فَزَوَّجها أبوها إياه بالكوفة، ثم أجازت ببغداد كان حانثًا، وإنما جاز الساعة بإجازتها النكاح الذي كان بالكوفة، وكذلك قال في الجامع الكبير، وهذا على ما بَيَّنَّا أن الإجازة ليست بنكاح، وإنما النكاح الإيجاب والقبول، فإذا حَصَلا بالكوفة وانضم إليهما الإجازة، فقد وجد شرط الحنث فحنث.
قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فصار معتوهًا فزوجه (١) إياها أبوه، قال: هو حانث؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالمعقود له فهو المتزوج فحنث.
وقال مُعَلَّى: [سمعت] (٢) محمدًا عن امرأة حلفت أن لا تزوج نفسها من فلان، فَزَوَّجَها رجل منه بأمرها فهي حانثة، وكذلك لو زوجها رجل فرضيت، وكذلك لو كانت بكرًا فزوجها أبوها فسكتت؛ وذلك لأن العقد لما جاز برضاها وحقوقه تتعلق بها صار كأنها عقدت، وهذه الرواية مخالفة لرواية هشام.
وكذلك لو حلف: لا يأذن لعبده في التجارة فرآه يشتري ويبيع، فإنه إن سكت كان حانثًا في يمينه؛ وذلك لأن السكوت إذن منه فكأنه أذِنَ بالنطق.
وروي بِشر ومُعَلَّى عن أبي يوسف: أنه [قال]: لا يحنث؛ لأن السكوت
стр. 2522
ليس بإذن، وإنما هو إسقاط حقه عن المنع من تصرف العبد.
قال: فإن حلف لا يسلم لفلان شفعة، فبلغه أنه اشترى دارًا هو شفيعها فسكت، قال: هذا لا يحنث؛ وذلك لأن الساكت ليس بمسلم وإنما يسقط حقه لتفريطه في طلبه.
قال عمرو عن محمد: في رجل حلف لا يزوج عبده فزوج العبد نفسه ثم أجاز المولى: فإن المولى يحنث، ولو حلف الأب أن لا يزوج ابنته فزوجها عمها وأجاز الأب لم يحنث؛ وذلك لأن غرض المولى باليمين أن لا يعلق برقبة عبده حقوق النكاح، وهذا المعنى موجود وإن أجاز، فأما الأب فغرضه أن لا يفعل ما يسمى نكاحًا، والإجازة ليست بنكاح.
قال عليّ وبِشر عن أبي يوسف: [في رجل] حلف أن لا يؤخر عن فلان حقه شهرًا (١)، فلم يؤخره شهرًا، وسكت [مَن يقاضيه] حتى مضى الشهر: لم يحنث، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن التأخير هو التأجيل، وترك التقاضي ليس بتأجيل.
قال: ولو أن امرأة حنثت لا تأذن في تزويجها وهي بكر، فزوجها أبوها فسكتت، فإنها لا تحنث، والنكاح لها لازم؛ لأن السكوت ليس بإذن وإنما أقيم مقام الإذن بالسُّنَّة.
стр. 2523
بَاب الرجل [يعطف] على اليمين بعد السكوت
قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا الباب ما روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا عطف على يمين بعد السكوت [بما يوسع على نفسه لم يقبل قوله، كما لا يقبل في الاستثناء بعد السكوت] وإن عطف بما يشدد على نفسه جاز؛ لأنه يملك الإيقاع، واليمين التي لم تكن حلف بها، فإذا ثبت هذا الأصل:
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف في رجل قال: إن دَخَلَتْ فلانة الدار فهي طالق، ثم سكت سكتة ثم قال: وهذه يعني امرأة له أخرى، فإنها تدخل في اليمين؛ لأن الواو للجمع، فكأنه قال: وهذه طالق إن دخلت هذه الدار [وفي هذا تشديد على نفسه فيُقْبَلُ، وكذلك إن قال بعدما سكت: وإن دخلت هذه الدار، فإنها تطلق إن دخلت الدار الأخرى]؛ وذلك لأنه عطف على الشرط، وهذا يقتضي وقوع الطلاق على الأولى بدخول كل واحدة من الدارين، وفي هذا تشديد على نفسه [فيقبل]، وكذلك لو قال: هذه طالق ثم سكت ثم قال: وهذه، [فإنها تطلق، وكذلك العتق لو] قال لعبده: أنت حر ثم سكت ثم قال: وهذا؛ وذلك لأنه جمع بينهما في الإيقاع، وهذا تشديد على نفسه (١).
قال: ولو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلتِ الدار ثم سكت، ثم قال: وهذه، يعني دارًا [له] أخرى، فليس له ذلك، فإن دخلت الأولى طلقت؛ وذلك لأن
стр. 2524
العطف يقتضي زيادة في شرط اليمين الأولى، ألا ترى أنه إذا علق الطلاق بدخول دارين لم يقع بإحداهما، وهو لا يملك تغيير شرط اليمين بعد السكوت؛ و [ذلك] لأن في هذا توسعة على نفسه، فلا يجوز بعد السكوت كالاستثناء.
стр. 2525
بَاب الرجل يحلف على فعل فيقع الحلف على الصحيح منه والفاسد أو على الصحيح دون الفاسد أو على التام منه والناقص
قال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال الرجل: عبدي حر إن وهبت لفلان شيئًا، أو تصدقت عليه، [أو أعرته، أو نحلته، أو أعطيته، أو أقرضته، ثم وهب له أو تصدق عليه] أو أقرضه أو أعطاه أو نحله أو أعاره، فلم يقبل ذلك المحلوف عليه، فإن الحالف يحنث، وكذلك قال محمد في الجامع [الكبير في الصدقة والهبة والنحلى والعارية، وكذلك قال أبو حنيفة في الجامع] الصغير في الهبة (١)، وقال زفر: لا يحنث في الهبة حتى يقبل الموهوب له ويقبض.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رواية أخرى في القرض: أنه لا يكون قرضًا إلا أن يقبل ذلك منه المستقرض.
وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره: أنه إذا أقرضه فلم يقبل فليس بمقرض.
أما الهبة والعارية والصدقة فوجه قولهم: أن الهبة من الواهب وليس من الموهوب له، وللمعار عوض مقصود، فصار المقصود فيها من جهة الواهب والمعير، وقد فعل ذلك، وإنما يحتاج إلى القبول [ليستحق] (٢) به ما هو من جهة الآخر، فإذا لم يكن من جهته شيء لم يعتبر قبوله في استحقاق الاسم فحنث.