يمينه، إنما أجاز نكاحًا قبل يمينه أو أجازته المرأة، وهذا صحيح على ما قدمنا: أن شرط يمينه التزويج المستقبل والإجازة ليست بتزويج.
قال ابن سماعة عن محمد: لو قال لا أتزوج فلانة بالكوفة فَزَوَّجها أبوها إياه بالكوفة، ثم أجازت ببغداد كان حانثًا، وإنما جاز الساعة بإجازتها النكاح الذي كان بالكوفة، وكذلك قال في الجامع الكبير، وهذا على ما بَيَّنَّا أن الإجازة ليست بنكاح، وإنما النكاح الإيجاب والقبول، فإذا حَصَلا بالكوفة وانضم إليهما الإجازة، فقد وجد شرط الحنث فحنث.
قال ابن سماعة عن محمد في رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فصار معتوهًا فزوجه (١) إياها أبوه، قال: هو حانث؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالمعقود له فهو المتزوج فحنث.
وقال مُعَلَّى: [سمعت] (٢) محمدًا عن امرأة حلفت أن لا تزوج نفسها من فلان، فَزَوَّجَها رجل منه بأمرها فهي حانثة، وكذلك لو زوجها رجل فرضيت، وكذلك لو كانت بكرًا فزوجها أبوها فسكتت؛ وذلك لأن العقد لما جاز برضاها وحقوقه تتعلق بها صار كأنها عقدت، وهذه الرواية مخالفة لرواية هشام.
وكذلك لو حلف: لا يأذن لعبده في التجارة فرآه يشتري ويبيع، فإنه إن سكت كان حانثًا في يمينه؛ وذلك لأن السكوت إذن منه فكأنه أذِنَ بالنطق.
وروي بِشر ومُعَلَّى عن أبي يوسف: أنه [قال]: لا يحنث؛ لأن السكوت
стр. 2522
ليس بإذن، وإنما هو إسقاط حقه عن المنع من تصرف العبد.
قال: فإن حلف لا يسلم لفلان شفعة، فبلغه أنه اشترى دارًا هو شفيعها فسكت، قال: هذا لا يحنث؛ وذلك لأن الساكت ليس بمسلم وإنما يسقط حقه لتفريطه في طلبه.
قال عمرو عن محمد: في رجل حلف لا يزوج عبده فزوج العبد نفسه ثم أجاز المولى: فإن المولى يحنث، ولو حلف الأب أن لا يزوج ابنته فزوجها عمها وأجاز الأب لم يحنث؛ وذلك لأن غرض المولى باليمين أن لا يعلق برقبة عبده حقوق النكاح، وهذا المعنى موجود وإن أجاز، فأما الأب فغرضه أن لا يفعل ما يسمى نكاحًا، والإجازة ليست بنكاح.
قال عليّ وبِشر عن أبي يوسف: [في رجل] حلف أن لا يؤخر عن فلان حقه شهرًا (١)، فلم يؤخره شهرًا، وسكت [مَن يقاضيه] حتى مضى الشهر: لم يحنث، وهذا قول أبي حنيفة؛ لأن التأخير هو التأجيل، وترك التقاضي ليس بتأجيل.
قال: ولو أن امرأة حنثت لا تأذن في تزويجها وهي بكر، فزوجها أبوها فسكتت، فإنها لا تحنث، والنكاح لها لازم؛ لأن السكوت ليس بإذن وإنما أقيم مقام الإذن بالسُّنَّة.
стр. 2523
بَاب الرجل [يعطف] على اليمين بعد السكوت
قال الشيخ ﵀: الأصل في هذا الباب ما روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا عطف على يمين بعد السكوت [بما يوسع على نفسه لم يقبل قوله، كما لا يقبل في الاستثناء بعد السكوت] وإن عطف بما يشدد على نفسه جاز؛ لأنه يملك الإيقاع، واليمين التي لم تكن حلف بها، فإذا ثبت هذا الأصل:
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف في رجل قال: إن دَخَلَتْ فلانة الدار فهي طالق، ثم سكت سكتة ثم قال: وهذه يعني امرأة له أخرى، فإنها تدخل في اليمين؛ لأن الواو للجمع، فكأنه قال: وهذه طالق إن دخلت هذه الدار [وفي هذا تشديد على نفسه فيُقْبَلُ، وكذلك إن قال بعدما سكت: وإن دخلت هذه الدار، فإنها تطلق إن دخلت الدار الأخرى]؛ وذلك لأنه عطف على الشرط، وهذا يقتضي وقوع الطلاق على الأولى بدخول كل واحدة من الدارين، وفي هذا تشديد على نفسه [فيقبل]، وكذلك لو قال: هذه طالق ثم سكت ثم قال: وهذه، [فإنها تطلق، وكذلك العتق لو] قال لعبده: أنت حر ثم سكت ثم قال: وهذا؛ وذلك لأنه جمع بينهما في الإيقاع، وهذا تشديد على نفسه (١).
قال: ولو قال لامرأته: أنت طالق إن دخلتِ الدار ثم سكت، ثم قال: وهذه، يعني دارًا [له] أخرى، فليس له ذلك، فإن دخلت الأولى طلقت؛ وذلك لأن
стр. 2524
العطف يقتضي زيادة في شرط اليمين الأولى، ألا ترى أنه إذا علق الطلاق بدخول دارين لم يقع بإحداهما، وهو لا يملك تغيير شرط اليمين بعد السكوت؛ و [ذلك] لأن في هذا توسعة على نفسه، فلا يجوز بعد السكوت كالاستثناء.
стр. 2525
بَاب الرجل يحلف على فعل فيقع الحلف على الصحيح منه والفاسد أو على الصحيح دون الفاسد أو على التام منه والناقص
قال ابن سماعة عن أبي يوسف إذا قال الرجل: عبدي حر إن وهبت لفلان شيئًا، أو تصدقت عليه، [أو أعرته، أو نحلته، أو أعطيته، أو أقرضته، ثم وهب له أو تصدق عليه] أو أقرضه أو أعطاه أو نحله أو أعاره، فلم يقبل ذلك المحلوف عليه، فإن الحالف يحنث، وكذلك قال محمد في الجامع [الكبير في الصدقة والهبة والنحلى والعارية، وكذلك قال أبو حنيفة في الجامع] الصغير في الهبة (١)، وقال زفر: لا يحنث في الهبة حتى يقبل الموهوب له ويقبض.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف رواية أخرى في القرض: أنه لا يكون قرضًا إلا أن يقبل ذلك منه المستقرض.
وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره: أنه إذا أقرضه فلم يقبل فليس بمقرض.
أما الهبة والعارية والصدقة فوجه قولهم: أن الهبة من الواهب وليس من الموهوب له، وللمعار عوض مقصود، فصار المقصود فيها من جهة الواهب والمعير، وقد فعل ذلك، وإنما يحتاج إلى القبول [ليستحق] (٢) به ما هو من جهة الآخر، فإذا لم يكن من جهته شيء لم يعتبر قبوله في استحقاق الاسم فحنث.
стр. 2526
وجه قول زفر: أن الهبة لا تتم إلا بالقبول، فالحلف يقتضي الأمرين كالبيع، فأما القرض فوجه قول أبي يوسف أنه يحنث من غير قبول؛ لأن [صحة القرض] (١) لا تقف على تسمية العوض كالهبة.
وجه الرواية الأخرى: أن القرض (٢) تمليك بعوض كالبيع، وقد قال أبو يوسف في هذه الرواية: لو حلف لا يستقرض من فلان شيئًا فاستقرضه فلم يقرضه، قال: فهو حانث، وفرق بين القرض والاستقراض؛ وذلك لأن ستقراض طلب القرض فهو كالسوم في البيع.
٢٢٠٩ - فَصْل: [الحنث فيما لم يحصل القبول]
قال أبو الحسن: وإذا حلف على عقد فيه بدل مثل البيع والإجارة، ففعل ما حلف عليه ولم يقبل الآخر، فإنه لا يحنث؛ وذلك لأن المقصود بالبيع حصول العوضين؛ وذلك لا يسلم إلا بالإيجاب والقبول، فما لم يوجد القبول لم يحصل غرض البائع بالبيع، فلم يحنث، قال: فإن وقع العقد وقبل - والعقدُ صحيح [في البيع] أو فاسد يملك به إذا قبض - حنث الحالف؛ وذلك لأن اسم البيع يتناول الصحيح والفاسد، ألا ترى أن العرب وضعت الاسم لهذا النوع من العقد، وهي لا تعرف الأحكام، وإن كان الاسم تناول الفاسد، والغرض من التمليك يحصل به كما يحصل بالصحيح، حنث في يمينه، فأما إذا كان مما لا يملك به كالبيع بالميتة والدم لم يحنث؛ لأنه لا يحصل فيه الغرض من التمليك.
стр. 2527
٢٢١٠ - فَصْل: [الحنث في بيع فيه خيار]
قال: فإن باع بيعًا فيه خيار للبائع أو للمشتري، حنث في قول محمد، ولم يحنث في قول أبي يوسف، لأيّهما كان الخيار، لأبي يوسف: أن شرط الخيار يمنع تعلق الاستحقاق بالعقد، فهو كالإيجاب بغير قبول.
لمحمد: أن اسم البيع يتناول ما شرط فيه الخيار، والملك يتعلق به إذا انضمّ إليه معنى آخر كالبيع الفاسد [مع القبض].
قال محمد: سمعت أبا يوسف قال فيمن قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حر، فاشتراه على أن البائع بالخيار، فمضت (المدة) (١) ووجب البيع [لم] (٢) يعتق؛ وذلك لأن [اسم الشراء قد ورده، وليس في ملكه، فانحلت اليمين، فلا يعتق بعد ذلك بوقوع الملك، وليس كذلك لو كان الخيار للمشتري؛ لأن اسم الشراء لا يتناول] (٣) ما شرط فيه الخيار، وإنما صار مشتريًا بسقوط الخيار، والعبد في ملكه فعتق عليه.
٢٢١١ - فَصْل: [الحلف بعدم الزواج أو الصلاة]
وإذا حلف لا يتزوج أو لا يصلي، فهو على الصحيح في ذلك في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، [إلا أن يعني غير الصحيح]؛ وذلك لأن النكاح لا يملك فساده كما لا يملك تصحيحه، والغرض من النكاح الملك فإذا لم يوجد في الفاسد لم يحنث، وليس، وليس كذلك البيع؛ لأن الغرض منه الملك، وذلك يوجد
стр. 2528
في الفاسد، و [على هذا] الغرض بالصلاة: التقرب إلى الله تعالى، وذلك لا يوجد في فاسدها، فاختصت اليمين بالصحيح.
قال محمد: ولو تدبر الكلام تدبرًا فقال: عبده حرّ إن كان اشترى أو تزوج أو صَلّى فهو على الصحيح منه والفاسد؛ وذلك لأن الماضي لا يقصد منه الملك والقُرْبة، وإنما الغرض الإخبار، والاسم موجود في الصحيح والفاسد [معًا] فتناولهما جميعًا، فإن عنى بذلك الصحيح دُيِّنَ في القضاء؛ لأن الظاهر من الصلاة والنكاح الصحيح، وإنما حملنا اليمين على الفاسد؛ لأنه [لا] غرض في الماضي يحتضن الصحيح، فإذا نواه فقد نوى ظاهر كلامه فيصدق.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا قال: والله لأبيعن أم ولدي، أو هذه المرأة الحرة، أو هذا الحر المسلم، فباعهم بيعًا فاسدًا، بَرَّ في يمينه.
وقال أبو يوسف: في الرجل الحر المسلم مثل ذلك، وخالف في أم الولد والحرة، فقال: اليمين على أن يرتدا فيسبيا، أما الرجل الحر المسلم فلا يتصور عليه إلا بيع باطل، فعلم أن اليمين تناولت ذلك، فأما المرأة فأبو حنيفة يقول: إنه تباع في الحال بيعًا مجازًا، وتباع بعد السبي بيعًا صحيحًا، فالحال أخصّ باليمين فحملت عليه.
وأبو يوسف يقول: إذا أمكن حمل اليمين على الحقيقة كان ذلك أولى من حملها على المجاز، وهذا نظير اختلافهم في العبد إذا قال: كل عبد أملكه فهو حر.
٢٢١٢ - فَصْل: [الحنث بالعقد الفاسد]
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال: إن كنت تزوجت اليوم امرأة
стр. 2529
فعبدي حر، وقد تزوج [في ذلك اليوم تزويجًا] فاسدًا، قال: لا يحنث، (وإن قال: إن لم أكن تزوجت اليوم امرأة فعبدي حر، وقد تزوج في ذلك اليوم تزويجًا فاسدًا، قال: حنث) (١)، وكذلك رجل صَلّى ركعتين بغير وضوء، وقال: إن كنت صليت اليوم ركعتين فغلامي حر، وهو يعني أن صلاته ليست بصلاة، قال: لا يعتق غلامه، ولو قال: إن لم أكن صليت اليوم ركعتين فغلامي حر، ولا نية له، عتق غلامه، فكأنه اعتبر لفظة اليمين، فإذا كانت على الإثبات اختصت بالصحيح، وإن كانت في الماضي فإن كانت بلفظ النفي تناولت الفاسد والصحيح، وقالوا فيمن قال: والله لأتزوجن هذه المرأة اليوم ولها زوج، فهذا على أن يتزوجها تزويجًا فاسدًا؛ وذلك لأنه لا يملك أن يعقد عليها عقدًا صحيحًا، فتناولت يمنيه الفاسد.
٢٢١٣ - فَصْل: [الحنث بالصلاة والصوم]
قال أبو الحسن: ولو حلف لا يصلي فكبَّر ودخل في الصلاة، لم يحنث حتى يركع ويسجد سجدة استحسانًا، والقياس أن يحنث (٢).
وجه القياس: أن اسم المصلي يتناول الداخل في الصلاة، ألا ترى أنهم يقولون فلان قد صَلَّى.
ووجه الاستحسان: أن الصلاة عادة تشتمل على أفعال مختلفة، فما لم يوجد جنسها لم يوجد الاسم، فلا يحنث.
قال: ولو قال والله لا أصلي صلاة [أو أصليَنَّ صلاة]، فإنه لا يحنث حتى
стр. 2530
يصلي ركعتين؛ لأنه لما ذكر المصدر اقتضى ذلك ما هو صلاة في الشرع، وذلك لا يكون أقل من ركعتين.
وقد قالوا فيمن حلف لا يصلي الظهر، أنه لا يحنث حتى يتشهد بعد الأربع؛ وذلك لأن الظهر عبارة عن أربع ركعات، فما لم يوجد جميعها لم يحنث.
قال: ولو حلف لا يصوم فأصبح ينوي الصوم ثم أفطر حنث (١)؛ وذلك لأن الصوم هو الإمساك مع النية في زمان مخصوص، وهذا المعنى موجود في الجزء الأول [في كونها صومًا] وما بعده تكرار مثله، فلا يعتبر كما لا يعتبر تكرار مثل الركعة الأولى [في كونها صلاة]، ولو حلف لا يصوم صومًا، لم يحنث حتى يصوم يومًا؛ لأنه ذكر المصدر فاقتضى ذلك صومًا شرعيًا؛ وذلك لا يكون في أقل من يوم، وكذلك لو حلف لا يصوم يومًا، ولو حلف لا يحج حجة، أو قال: لا أحج ولم يقل حجة، لم يحنث حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأن الحجة عبارة عن أجناس من الفعل فتناولت اليمين جميعها؛ وذلك لا يوجد إلا بأكثر الطواف، قال: فإن جامع فيها لم يحنث؛ لأن المقصود من الحج القربة، فتناول اليمين الصحيح كالصلاة.
قال: ولو حلف لا يعتمر، فأحرم وطاف أربعة أشواط حنث؛ وذلك لأنه قد وجد ما هو ركن في العمرة، فصار كوجود أركان الحج (٢).
стр. 2531
بَاب الرجل يحلف أن لا يحلف
قال الشيخ ﵀: أصل هذا الباب أن الحلف في الشرع جملة تتضمن شرطًا وجزاءً، يقصد بها الامتناع إذا لم تجر العادة بخلاف ذلك، وقد بينا هذا.
وقد قالوا فيمن قال لامرأته: إن شئتِ فأنت طالق، أنه ليس بحالف؛ لأن هذ تفسير التخيير، والتخيير ليس بحلف بدلالة أن النبي ﵇ خيّر نساءه.
وقد روي عن بعض الصحابة مسندًا وموقوفًا: "ملعونٌ من حلف بالطلاق ومن حلف به" (١) وهذا يمنع من أن يكون تخييره حلفًا.
وقد قالوا فيمن قال لامرأته: إذا حضتِ حيضةً فأنتِ طالق ليس بحلف؛ لأن هذا تفسير طلاق السنة، ولو قال لها: أنت طالق للسنة (٢) لم يكن حالفًا، وكذلك إذا أتى بتفسيره.
ولهذا قالوا لو قال لها: إذا حضتِ فأنت طالق كان حالفًا؛ لأنه يقتضي وقوع الطلاق في الحيض، وذلك ليس بتفسير الطلاق السنة.
وقد قالوا فيمن طلق امرأته طلاقًا مؤقتًا فقال: أنت طالق غدًا أو رأس الشهر فليس بحالف؛ لأنه طلاق موصوف ولم يعلقه بشرط، وقد قال الشافعي: إن الحلف ما تعلق بشرط يقدر على الامتناع منه، فإن قال: إذا طلعت الشمس أو
стр. 2532
جاء غد فأنت طالق (١)، فليس بحلف؛ لأنه لا يقدر على الامتناع مِن هذا الشرط. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه أخرج كلامه مخرج الامتناع فكان حالفًا، وإن لم يدخل ذلك في قدرته.
قال أبو الحسن: الحلف عندنا ما تعلق بشرط يقع به الحنث بوجود الشرط، كان ذلك في المجلس الذي حلف فيه أو غيره، فأما ما يقع بالجواب عنه [خارجًا عن] المجلس، أو كان معلقًا بوقت فليس بحلف، وقد بينا هذا وقد فسره بقوله: إن أكلت أو شربت أو قطرت (٢) السماء أو جاء غد فعبدي حر أو امرأتي طالق، وهذا حلف (٣) على ما قدمنا.
وأصل آخر يعتبر في الباب: وهو أن المحلوف به من جاء بعد حرف الجواب، ومن جاء بعد حرف الشرط فليس بمحلوف عليه، ألا ترى أن من قال لعبده: إن دخلت الدار فامرأتي طالق (٤)، فهو حالف بطلاق امرأته؛ لأنها جاءت بعد حرف الجواب، وليس بحالف بعتق العبد؛ لأنه دخل في الشرط.
وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: إن قال أنت طالق في نفر الحاج أو ذبح الناس فهو يمين؛ لأنه أدخل حرف الظرف على [الفعل] (٥) فصار شرطًا.
ولو قال في الأضحى لم يكن يمينًا؛ لأنه أدخل حرف الظرف على الوقت، فصار مطلقًا بصفة.
стр. 2533
قال: وإذا قال: والله لا أحلف بطلاق عَمْرة، فالحلف بطلاقها أن يدخل في الجواب، فإذا قال بعد ذلك: إن دخلتْ زينب الدار فعَمْرة طالق حنث، ولو قال: إن دخلتْ عَمْرة الدار فزينب طالق لم يحنث، وهذا على ما قدمنا أن المحلوف [به] من جاء بعد حرف الجواب دون من دخل في الشرط.
٢٢١٤ - فَصْل: [وقوع الطلاق إن حلف بالطلاق]
ومن مسائل هذا الباب
ما ذكر في جامع الكبير فيمن قال لامرأته إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، كرر ذلك ثلاثًا، وقعت عليها تطليقتان وانعقدت يمين إن كانت مدخولًا بها؛ وذلك لأنه لما قال لها أول مرة، فقد انعقد عليها يمينٌ شرطها أن يحلف بطلاقها، وجوابها أن يقع الطلاق عليها، فلما قال لها ثانيًا: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، فقد وجد شرط اليمين الأولى؛ لأنه حلف بطلاقها، ألا ترى أنها دخلت في الجواب فوقعت عليها تطليقة، فانحلت اليمين الأولى وانعقدت الثانية، فلما قال لها ثالثًا، فقد وجد شرط اليمين الثانية، فوقعت عليها [تطليقة] أخرى وانحلت اليمين الثانية، وانعقدت [اليمين] الثالثة فإن أعاد القول رابعة وقعت عليها تطليقة ثالثة، وانعقدت عليها يمين أخرى؛ لأن الطلاق قد يقع بتمام الكلام، واليمين تنعقد قبل وقوع الطلاق (١).
٢٢١٥ - فَصْل: فيما يصل الرجل بكلامه فيكون قطعًا للاستثناء عن اليمين أو لا يكون
قال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن قال لامرأته: إن خرجت من الدار
стр. 2534
فأنت طالق ثلاثًا فاعلمي ذلك، إلا بإذني، أو إن شاء الله، فإنها لا تطلق، وهذا كلام واحد؛ وذلك لأن قوله فاعلمي ذلك يقتضي تعلق الكلام الثاني بالأول بحرف العطف، فصار كلامًا واحدًا فعمل فيه الاستثناء.
ولو قال اعلمي ذلك أو اذهبي انقطع الاستثناء؛ لأنه لم يعلقه بالكلام الأول فصار كلامًا مبتدأً فقطع الاستثناء، وينبغي على قول أبي حنيفة: أن يقع الطلاق في الفصلين على أصله فيمن قال أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إن شاء الله.
قال ابن سماعة عن محمد: فيمن قال لامرأته (أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار) (١) أو قال أنت طالق ثلاثًا يا زانية إن دخلت الدار، لم تطلق إلا بالدخول، وعليه اللعان؛ لأن قوله يا زانية، صفة لها فهو كقوله: أنت طالق يا زينب ويا قائمة فلا يفصل، ولا يجوز أن يكون في حكم من علق القذف بالشرط؛ لأن القذف جعله صفة للمطلقة، وصفات المطلقة لا تقف على الشرط، وإنما يقف الطلاق (٢).
وقال محمد في الجامع الكبير: إذا قال لها أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار، فدخلت الدار وقع الطلاق، ولاحَدّ ولا لِعان، فجعله في حكم [القذف المعلق] (٣) بالشرط فلا يكون قاذفًا.
(وقال بِشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة) (٤): وذلك لأن اللعان تعلق
стр. 2535
بقذفه وبانت بدخول الدار، فسقط اللعان من طريق الحاكم، فلم يجب الحد.
وقال بشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إذا قال لامرأته ولم يدخل بها أنت طالق يا زانية ثلاثًا؛ قال: لا حَدَّ عليه ولا لِعَان، وكذلك قال أبو يوسف، فلم يفصلا بقوله يا زانية بين الإيقاع والعدد؛ لأنه صفة لها فوجب اللعان بقذفه، وبانت بقوله ثلاثًا، فسقط اللعان من طريق الحكم.
قال: وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا قال لها - ولم يدخل بها -: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، فماتت بعد قوله أنت طالق قبل قوله إن دخلت الدار، فهذا باطل لا يلزمه به طلاق؛ لأن الطلاق يقع بآخر الكلام (١) وقد حصل ذلك وهي أجنبية.
قال: ولو قال: أنت طالق ثلاثًا يا عَمْرةُ فماتت قبل أن يقول يا عمرة فالطلاق لها لازم؛ لأن قوله يا عمرة ليس بشرط ولا عدد فلا يقف الوقوع عليه، فإذا وقع الطلاق بقوله أنت طالق لم ينفه الموت.
قال: وقال أبو حنيفة: لو قال لامرأته ولم يدخل بها: أنت طالق يا زانية ثلاثًا، فهي ثلاث، ولا حد ولا لعان.
وقال أبو يوسف: هي طالق واحدة وعليه الحد.
لأبي حنيفة: ما قدمنا أن قوله يا زانية [قذف] (٢) فلا يفصل بين العدد والإيقاع، فيقف الوقوع على آخر الكلام فيصير قاذفًا في حال الزوجية، فيجب
стр. 2536
عليه اللعان، وإذا بانت سقط اللعان من طريق الحكم.
أبي يوسف أن قوله يا زانية لما لم يكن شرطًا، فصل بين الطلاق والعدد فبانت بقوله أنت طالق، وصار قاذفًا لأجنبية، فيجب عليه الحد.
قال أبو يوسف ألا ترى أن أبا حنيفة قال: لو قال لها أنتِ طالق [طالق] ثلاثًا، لم يلزمها إلا واحدة، فقوله يا زانية كلام قد تعلق به حد أشد من ذلك، فهو أولى أن يفصل، قال: ولو كان قال لها: أنت طالق يا زانية إن دخلت الدار، كانت طالقًا ولا حد ولا لعان؛ لأن قوله يا زانية لما فصل بين الشرط والإيقاع، تعلق القذف بدخول الدار، فلم يكن قاذفًا، قال أبو يوسف: ولا يُشبه هذا المدخول بها: إذا قال لها أنت طالق يا زانية ثلاثًا، أنها تبين بثلاث ولا حد ولا لعان؛ لأنه لو قال لها أنت طالق وسكت، فقيل له: كم؟ فقال: ثلاثًا؛ كانت ثلاثًا، فكذلك إذا فصل بقوله يا زانية، لا يكون أكثر من الفصل سكوته.
٢٢١٦ - فَصْل: فيما يخرج الحالف عن يمينه أو لا يخرج
قال الشيخ ﵀: جملة هذا الفصل مبنية على أن حكم (١) الحالف إذا وقع في اليمين بكناية أو ذكر المحلوف عليه، كان الداخل فيها بكناية خارجًا من الشرط، وإن كان بغير [كناية] (٢) دخل إلا أن يكون الحلف وقع على بعض الحالف أو المحلوف عليه، فلا يدخل في اليمين على وجه، وهذا الأصل على ظاهر الرواية.
وإن كان قد روي عن أبي يوسف خلاف فيه، فإذا ثبت هذا.
стр. 2537
فإذا قال: إن دخل داري هذه أحد، أو ركب دابتي، أو ضرب غلامي، ففعل ذلك الحالف لم يحنث؛ لأن قوله (أحد) نكرة، وقد صار الحالف [بالإضافة معرفة] (١) فلا يدخل تحت النكرة، وكذلك لو قال لرجل: إن دخل دارك هذه أحد، أو لبس ثوبك، أو ضرب غلامك، فضربه المحلوف عليه لم يحنث؛ لأن المحلوف عليه [معرفة] فلا يدخل في النكرة، (فإن ضربه الحالف حنث؛ لأنه ليس بمعروف، فجاز أن يدخل تحت النكرة) (٢).
ولو قال: إن ألبست هذا القميص أحدًا، فلبسه المحلوف عليه لم يحنث؛ لأنه صار معرفة بالمخاطبة، فإن ألبسه المحلوف عليه الحالف حنث؛ لأنه نكرة فدخل تحت النكرة.
ولو قال: إن مَسَّ هذا الرأس أحد وأشار إلى رأسه، لم يحنث إن فعل ذلك الحالف أضافه بكناية أو لم يضفه، وإن فعله غيره حنث؛ لأن إضافة الرأس إليه بالخلقة أكثر من إضافته بحرف الإضافة.
وإن قال: إن كلم غلام عبد الله بن محمد أحد فعبدي حر، فكلمه الحالف وهو غلامه حنث؛ لأنه أضافه إلى نفسه بصريح ولم يضفه بكناية وليس بجزء منه فدخل في اليمين.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال لآخر: والله لا يدخل دارك هذه اليوم أحد، فهذا على غير رب الدار، إن دخل غير رب الدار حنث، وإن دخل رب الدار لم يحنث، وإن دخلها الحالف بنفسه حنث، وهذا
стр. 2538
على ما قدمنا أنه أضاف الدار إليه بكناية ولم يدخل في اليمين.
وقال ابن سماعة عنه في [رجل] (١) إذا قال: والله لا يدخل داري هذه أحد، أو قال: والله لا يدخل هذه الدار أحد (٢)؛ قال: هذا كله على غيره وليس عليه، وهذا على خلاف ما قال محمد، وخلاف الرواية الأولى عن أبي يوسف؛ لأنه إذا قال لا يدخل هذه الدار أحد، فالحالف وصاحب الدار كل واحد منهما نكرة، فدخل في اليمين على ما قدمناه.
ووجه هذه الرواية: أنه جعل صاحب الدار معرفة بملكها، وإن لم تكن مضافة إليه كقوله: هذا الرأس، وهذا الذي (٣) استثناه في الأصل.
٢٢١٧ - فَصل: فيمن حلف على شيء فقال آخر علي مثل ذلك
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: لو أن رجلًا طلق امرأته، فقال آخر: عليّ مثل ذلك، فإن هذا لا يلزم الثاني، وكذلك لو قال علي مثل هذا الطلاق؛ وذلك لأن قوله عَلَيّ [مثل ذلك] إيجاب للطلاق على نفسه، وذلك مما لا يصح إيجابه.
قال: ولو حلف رجل بطلاق امرأته لا يدخل هذه الدار، فقال آخر: عليَّ مثل ذلك إن دخلها، فإن دخلها الثاني لم يلزمه طلاق امرأته؛ لأنه أوجب على نفسه الطلاق إن دخل الدار، والطلاق [لا يحتمل الإيجاب والإلزام؛ لأنه] (٤) ليس بقربة ليجب بالنذر، فإن أراد بهذا الإيجاب اليمين فليست بطلاق حتى
стр. 2539
يطلق، فإن لم يفعل حتى يموت أحدهما حنث؛ لأن النذر إذا أريد به اليمين صار كأنه قال: والله لأطلقنها.
قال: ولو قال: عبدي حر إن دخلت هذه الدار، فقال آخر: عليّ مثل ذلك إنْ دخلت هذه الدار، فدخل الثاني لم يعتق عبده؛ وذلك لأنه أوجب على نفسه بدخول الدار عتقًا غير معين، فكان له الخروج منه بشراء عبد يعتقه، فلم يجز أن يتعلق العتق بعبده، وإذا لم يتعلق به لم يلزمه عتق في ذمته؛ لأن ذلك ليس بمثل لما أوجب الحالف، ولو أن رجلًا قال: الله علي نسمة إن دخلت هذه الدار، فقال آخر: عليّ مثل يمينك إن دخلت، فهذا لازم للأول ولازم للثاني، وأيهما دخل لزمه نسمة؛ لأن الأول أوجب عتقًا في ذمته، وذلك مما يجب بالنذر، فإذا أوجب الآخر مثله وجب عليه، وليس كذلك الفصل الأول؛ لأنه أعتق ولم يوجب، ولا يكون على الثاني إيجاب؛ لأنه ليس بمثل له، ولو قال: كل مال لي هدي، فقال آخر: وعلَيّ مثل ذلك، لزمه أن يهدي جميع ماله، سواء كان أقل من مال الأول أو أكثر إلا أن يعني بمثل قدره، فيلزمه مثل ذلك إن كان مال الثاني أكثر منه، ويلزمه في ذمته تمام مال الأول إن كان مال الثاني أقل؛ لأن إطلاق الإيجاب ينصرف إلى هدي جميع ماله كما أوجب الأول، فإذا أراد القدر فقد نوى ما يحتمله الكلام فيحمل عليه.
فإن قال رجل: كل مال أملكه إلى سنة فهو هدي، فقال آخر: عليَّ مثل ذلك، لم يلزمه شيء؛ لأن الثاني لم يضف الهدي إلى الملك، فلا يثبت الإضافة بالإضمار.
٢٢١٨ - فَصْل: [في قول الرجل: الطلاق عليّ واجب أو لازم]
قال محمد في الأصل: إذا قال رجل عَلَيّ المشي إلى بيت الله، وكل مملوك
стр. 2540
لي حُرٌّ، وكل امرأة لي طالق إذا دخلت الدار، فقال رجل آخر: وعليَّ مثل [جميع] ما جعلت على نفسك [من هذه الأيمان] (١) إن دخلت الدار، ثم دخل الثاني الدار فإنه يلزمه المشي، ولا يلزمه العتاق والطلاق، ثم قال: ألا ترى أنه لو قال عليّ طلاق امرأتي، فإن الطلاق لا يقع عليها، وهذا يستدل به على أن من قال: الطلاق علَيَّ واجب أو لازم، لا يقع طلاقه.
وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال الطلاق لي لازم [أنّه] يقع طلاقه لعرف الناس أنهم يريدون به الطلاق.
وكان محمد بن سلمة يقول: إن الطلاق يقع به بكل حال.
وحكى الهندواني عن علي بن أحمد (٢) [عن] نصير بن يحيى عن محمد بن مقاتل أنه قال: المسألة على الخلاف، قال أبو حنيفة: إذا قال الطلاق لي لازم، أو عليّ واجب، لم يقع (٣).
وقال محمد: يقع في قوله لازم، ولا يقع في قوله واجب.
وحكى ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي، أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا، قال: إن نوى به الطلاق والعتاق فهو واقع، وإلا لم يلزمه.
وكذلك لو قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إن دخلت الدار، أو عتق
стр. 2541
عبدي هذا، فدخل الدار وقع العتاق والطلاق إن نوى ذلك، وإذا لم ينوِ فليس بشيء.
لأبي حنيفة: أن الطلاق لا يصح إيجابه، فلم يتعلق بالتزامه حكم، فسقط.
لمحمد: أن العادة [جرت] أنهم يذكرون لفظ اللزوم في الإيقاع، فوقع بالعادة، ولا عادة في الإيجاب، فلم يقع به شيء.
لأبي يوسف: أن الظاهر من الأمرين (١) النذر، ويحتمل أن يريد به التزام حكم الطلاق الواقع، فوقف ذلك على النية (بمنزلة كنايات الطلاق) (٢).
٢٢١٩ - فَصْل: فيمن عقد على غيره يمينًا فأجازها المعقود عليه
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال رجل امرأة زيد طالق ثلاثًا ورقيقه أحرار، وعليه المشي إلى بيت الله إن دخل هذه الدار، فقال زيد: نعم، كان حلفه بذلك كله؛ وذلك لأن (نعم) جوابه لا يستقل بنفسه، فما خرجت عليه مُضْمَر فيها، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] تقديره نعم [وجدنا، ويقرأ الشهود على المشهود عليه كتاب الوثيقة، ويقولون: نشهد عليك بما فيه، فيقول، نعم] اشهدوا علي بما فيه من البيع.
قال: ولو لم يكن قال نعم ولكنه قال: قد أجزت ذلك، فهذا لم يحلف على شيء؛ لأن قوله قد أجزت ذلك ليس بإيجاب ولا التزام، فلا يلزمه به شيء.
فإن قال: قد أجزت ذلك علَيّ إن دخلت الدار وقال: قد ألزمت نفسي ذلك
стр. 2542
إن دخلت الدار، وكان لازمًا له؛ وذلك لأنه التزم ما أشار إليه بقوله ذلك، فلزمه.
ولو أن رجلًا قال: امرأة زيد طالق، فقال: زيد قد أجزت، لزمه الطلاق، وكذلك لو قال: قد رضيت ما قال، أو ألزمته نفسي؛ وذلك لأن هذا ليس بيمين وإنما هو إيقاع، فوقف على الإجازة، وأما اليمين فتحتاج إلى الالتزام ليجوز على الحالف، فلا بد من لفظ الالتزام.
ولو أن رجلًا قال: إن بعت هذا المملوك من زيد فهو حر، فقال زيد: قد أجزت ذلك (١) أو رضيت ذلك، ثم اشتراه لم يعتق؛ لأن الحالف أعتق عبده بشرط، فوُجِد الشرط في غير ملكه، فلم يحنث، ولا يتعلق بالإجازة حكم؛ لأن البائع لم يوقع (٢) اليمين، وإنما حلف في ملك نفسه.
ولو كان البائع قال: إن اشترى زيد هذا العبد فهو حر، فقال زيد: نعم، ثم اشتراه زيد عتق عليه العبد؛ لأن البائع لما لم يعقد اليمين في ملك نفسه وإنما أضافها إلى ملك المشتري، صار عاقدًا ليمين موقوفة أجازها من وقعت عليه، فتعلق بها الحكم.
стр. 2543
بَاب الرجل يحلف لا يبدأ فلانًا بكلام أبدًا
قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل لآخر: والله لا ابتدأك (١) بكلام أبدًا، فالتقيا فسلم كل واحد منهما على صاحبه معًا، لم يحنث الحالف في قول أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن الابتداء: وجود الشيء قبل غيره، فإذا وجد الكلامان معًا فلم يبدأ [هو] بالكلام، فلا يحنث.
قال محمد: وكذلك لو قال: عبدي حر إن كلمته قبل أن يكلمني؛ لأنه لما كَلَّمَه مع كلامه إياه، فليس أحد الكلامين قبل الآخر (٢).
٢٢٢٠ - فَصْل [الحنث في الغاية بـ (حتى)]
ولو قال: عبدي حر إن كلمتك حتى تكلمني، فتكلما معًا، لم يحنث عند أبي يوسف، وقال محمد: يحنث.
لأبي يوسف: أن الحالف منع نفسه أن يكلم المحلوف عليه قبل كلامه، ولم يوجد ذلك فهو كقوله: إن بدأتك.
لمحمد: أن حتى للغاية، فاقتضت أن يكون كلام المحلوف عليه غاية لانحلال اليمين، فإذا كلمه قبل الغاية حنث.
стр. 2544
وعلى هذا الخلاف إذا قال: والله لا أكلمك إلا أن تكلمني؛ [فتكلما معًا]؛ لأن (إلا أن) إذا دخلت على ما يتوقف بمنزلة حتى، قال تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠].
قال أبو الحسن: وكذلك سائر الأفعال التي يحلف عليها، فهي على هذا المثال؛ وذلك لأن الحكم يتعلق بلفظ الشرط، فلا فرق بين أن يدخل على كلام أو فعل، وهذا مثل أن يحلف لا يدخل هذه الدار حتى يدخلها فلان وحلف الآخر على مثل ذلك، فدخلا جميعًا، لم يحنثا عند أبي يوسف، وحنثا عند محمد.
стр. 2545
بَابْ: الحلف على الأكل والشرب
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يأكل شيئًا ولا يشرب شيئًا، فإنما يكون أكلًا بأن يوصل [الحالف] (١) إلى جوفه ما يتأتى فيه المَضْغ والهَشْم بفيه، مهشومًا [أوصله] أو غير مهشوم، مثال الخبز والفاكهة والتمر [وسائر ما يتأتى فيه المَضْغ والهَشْم بالفم]، وسواء مَضَغَه ثم بَلَعَه أو بلعه غير ممضوغ.
قال: والأصل في ذلك: أن الأكل والشرب فعلان مختلفان، قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] والمعطوف (٢) غير المعطوف عليه، فإذا حلف لا يأكل [فأوصل] (٣) إلى جوفه ما يتأتى فيه الأكل، فقد فعل ما يتناوله الاسم، فحنث في يمينه، ولا فرق بين أن يمضغه أو يبتلعه من غير مضغ؛ لأن الأكل قد يكون على الوجهين جميعًا، [فأما الشرب بأن] (٤) يوصل إلى جوفه ما لا يتأتّى فيه الهشم في حال وصوله مثل الماء والنبيذ والعسل المخوض والسويق المخوض واللبن وغير ذلك؛ لأن هذا يسمى شربًا في العادة، فحنث في يمينه (٥).
стр. 2546
٢٢٢١ - فَصْل: [الحلف بما لا يتأتى فيه المضغ بنفسه]
فإن حلف لا يأكل شيئًا وهو مما لا يتأتى فيه المضغ بنفسه فأكله مع غيره فهو على وجهين: إن كان مما يؤكل بالخبز غالبًا حنث، مثل أن يحلف لا يأكل هذا اللبن، فأكله بخبز أو تمر، أو يحلف لا يأكل هذا العسل فأكله كذلك؛ لأن هذا يسمى أكلًا في العادة، وكذلك الخَلُّ لأنه من جملة الإدام، فإن صب على ذلك الماء ثم شربه، لم يحنث في قوله (لا آكل) وحنث في حلفه أن لا يشرب؛ لأن هذا شرب وليس بأكل.
قال: وكذلك لو حلف لا يأكل هذا الخبز فجفَّفه ثم دقه وشربه [بماءٍ] لم يحنث؛ لأن هذا شرب، والشرب غير الأكل، فإن أكله مبلولًا أو غير مبلول حنث؛ لأن الخبز يؤكل على هذه الصفة في العادة، وكذلك السويق إن شربه بالماء فهو شارب وليس بآكل.
قال هشام سألت محمدًا عن رجل حلف لا يأكل هذه البيضة أو لا يأكل هذه الجوزة فابتلعها، قال: قد حنث، وهذا على ما بيَّنَّا: أن الأكل هو إيصال ما يتأتى فيه المضغ إلى الجوف مضغ أو لم يمضغ.
قال: وإن حلف لا يأكل عنبًا أو رمانًا (فمصه ورمى ثفله وبلع ماءه) (١) لم يحنث في الأكل ولا في الشرب؛ لأن هذا ليس بآكل ولا شارب؛ وإنما يسمى ذلك مَصًّا.
قال: وإن عصر ماء العنب فلم يشربه فأكل قشره [وحِصرمه] فإنه يحنث؛
стр. 2547
وذلك لأن العنب اسم لتلك الجملة فذهاب الماء منها لا يخرجه من أن يكون أكلًا له، ألا ترى أنه إذا مضغ العنب ابتلع الماء وليس بآكل بابتلاع الماء، ويصير أكلًا بابتلاع ذلك، فدل على أن هذا أكل للعنب.
وقال هشام عن محمد: في رجل حلف لا يأكل سُكّرًا، فأخذ سكرة فجعلها في فيه وجعل يبلع ماءها حتى ذابت، قال: لم يأكل، وهذا صحيح لأنه حِين أوصلها إلى جوفه وصلت وهي مما لا يتأتى فيه المضغ، (وكذلك روى الفضل بن غانم عن أبي يوسف: فيمن حَلف لا يأكل رمانة، فمصَّ رمانة، قال: لا يحنث) (١)(٢).
стр. 2548
بَابْ: الحلف على الذوق
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الذوق حقيقته أن يوصل الشيء إلى فِيْهِ فيستطعمه (١) أو يجد طعمه من غير أن يتطعمه؛ وذلك لأن الذوق [مَعْرِفة] (٢) طعم المذوق، وهذا المعنى موجود فيما ذكره، فكل أكل فيه ذوق، والذوق ليس بأكل، فإذا حلف لا يذوق طعامًا، فتطعمه بفمه حنث.
فإن قال: أردت [بقولي لا أذوقه] لا آكله، ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يديّن في القضاء، وسواء كان المحلوف عليه مأكولًا أو مشروبًا؛ وذلك لأنه قد يذكر الذوق ويراد به الأكل والشرب.
(يقول القائل: ما ذقت اليوم شيئًا، وما ذقت إلا الماء، ويريد به الأكل والشرب) (٣)، فإذا نوى ذلك، لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى حتى يأكل أو يشرب، ولا يُصَدَّق في القضاء؛ لأنه عدل عن الظاهر (٤).
قال هشام: سألت محمدًا عن رجل حلف لا يذوق في منزل فلان طعامًا ولا شرابًا، فذاق منه شيئًا أدخله فاه ولم يصل إلى جوفه، قال محمد: فهذا على
стр. 2549
الذوقِ إلا أن يكون تقدمه كلام، قلت: فإن كان قال له المحلوف عليه: تغدَّ عندي (١) اليوم، فحلف لا يذوق في منزله طعامًا ولا شرابًا، قال محمد: هذا على الأكل ليس على الذوق، وهذا [يدل] على ما بَيَّنَّا: أن حقيقة الذوق معرفة طعم المذوق بفيه ولهواته، وقد يستعمل ذلك في الأكل والشرب، فإذا تقدم دلالة حالٍ، خرج الكلام عليها فحملت اليمين على الأكل الذي اقتضته الدلالة، وأما إذا تمضمض للصلاة وقد حلف لا يذوق الماء لم يحنث؛ لأن المقصود التطهير وليس المقصود معرفة الطعم، فإذا لم يسم ذلك ذوقًا [في] العادة لم يحنث (٢).
стр. 2550
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل طعامًا
قال أبو الحسن: الطعام ما أكل بنفسه، أو كان معتادًا أن يؤكل مع غيره، فإذا حلف الرجل لا يأكل طعامًا فأكل خبزًا أو لحمًا أو فاكهة أو تمرًا حنث؛ وذلك لأن الطعام في الأصل كلُّ ما (١) يتطعم، وقد اختص في العرف ببعض الأشياء دون بعض، ألا ترى أنهم لا يسمون الهَليلج طعامًا، وكذلك السَّقَمُونياء (٢)، وإذا اختص الاسم ببعض المطعومات، وجب اعتبار العرف فيه، وفي العادة أن الإدام يسمى طعامًا فحنث فيه.
قال: فإن حلف لا يأكل من طعام فلان، فأخذ من خَلِّه أو زيته أو [من] كامخه أو [من] [ملحه] (٣) فأكله بطعام نفسه حنث؛ لأن هذا مما جرت العادة بأكله مع الخبز إدامًا له فهو طعام.
وقد قال النبي ﵇: "نعم الإدام الخَلّ" (٤).
قال: فإن أخذ من نبيذ فلانٍ أو مَائِهِ فأكل به خبزًا لم يحنث؛ وذلك لأن
стр. 2551
العادة لم تجر بأكل ذلك بالخبز فلا طعامًا.
قال أبو يوسف: الخَلُّ طعام، والنبيذ والماء شراب.
وقال محمد: الخل والملح طعام، وهذا، على ما قدمنا: أن الطعام ما يؤكل بنفسه، أن يؤكل مع غيره (١).
стр. 2552
بَابْ: الرجل يحلف على الشيء فيتغير عن حاله
قال بشر: سمعت أبا يوسف قال في رجل حلف لا يأكل من هذا الكُفَرَّى شيئًا فصار بُسْرًا، أو حلف لا يأكل من هذا البُسْر شيئًا فصار رطبًا أو تمرًا، فإن أبا حنيفة قال: لا يحنث.
وكذلك لو حلف لا يأكل من هذا اللبن، فأكل من جبن صنع منه أو مَصْل، أو أَقِط، أو شيراز.
وكذلك لو حلف لا يأكل من هذه البيضة، فصارت فرخًا فأكل من فرخ خرج منها، أو حلف لا يذوق هذه الخمر، فصارت خلًّا. [فإنّ أبا حنيفة قال: لا يحنث] وكذلك قال أبو يوسف.
والأصل في هذا: أن اليمين إذا تعلقت بعين بقيت ببقاء الاسم وزالت بزواله إلا في الحيوان. هكذا كان أصحابنا [يستثنون] (١)، ويحترزون بذلك عمن حلف لا يكلم هذا الشاب فصار شيخًا، أو لا يأكل من لحم هذا الحمل فصار كبشًا، أنه يحنث في الوجهين [جميعًا]، وهذا إنما قالوه على طريق البيان وإلا فلا يحتاج إليه في الحال؛ لأنه إذا قال لا أكلِّم هذا الشاب فصار شيخًا، فاسم العين لم يزل وإنما زالت الصفة، وتغير الصفة في الأعيان لا يعتبر، وإنما يعتبر زوال الاسم، وكونه شابًّا أو حملا صفة وليس باسم.
стр. 2553
قالوا: متى كانت اليمين مطلقة اعتبر فيها الصفة المعتادة ولم يعتبر بقاء الاسم، فربّما عبّر عن هذه الجملة بأن الصفة في العين لغو وفي الغائب شرط، [والاسم شرط] فيهما.
وإنما قلنا: إن اليمين في العين تبقى ببقاء الاسم؛ لأنه عقد يمينه على العين المسماة وتغير الصفات لا يؤثر فيها ولا في المقصود بها، فعلى أي وجه وجد الفعل حنث.
فأما الحيوان: فالغرض من قوله لا أكلم هذا الشاب الاستخفاف به، وذلك يختص بكونه شابًّا، وكذلك المقصود من قوله لا آكل هذا الحَمَل الامتناعُ من لحمه، وهذا المعنى موجود وإن صار كَبشًا، يبين هذا أنه لو قال: والله لا أكلم صاحب هذا الطيلسان، فباعه ثم كلمه حنث؛ لأن امتناعه من كلامه لا يجوز أن يكون لملكه الطَّيْلَسَان، فلم يبق إلا أن يكون حلف على العين وعرفها بالإضافة.
فأما اليمين المطلقة فيعتبر فيها الصفة؛ لأنه ليس هناك عين مشار (١) إليها، فصارت الصفة هي المقصودة، فكانت شرطًا في اليمين.
قال أبو يوسف في الفصول المتقدمة: إن نوى ما يكون من ذلك حنث؛ لأنه شدد على نفسه.
قال: ولو حلف لا يأكل من لحم هذا الجَدْي، فأكل من لحمه بعد أن صار تَيْسًا، أو حلف [أن] لا يجامع هذه الصبية فجامعها بعد ما صارت امرأة، فإنه يحنث.
قال أبو يوسف: ولا يشبه الحيوان ما ذكرنا؛ لأن هذا هو ذاك بعينه،
стр. 2554
وما ذكرناه قبله قد تغير فخرج عن تلك الحال، وهذا على ما قدمنا (١).
٢٢٢٢ - فَصْل: [الأيمان محمولة على العادة]
قال: وإذا حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه ولم تكن له نية حنث؛ لأن الدقيق هكذا يؤكل، وذلك لأن الدقيق في أكله حقيقة غير متعارفة وهو أن يَسَفَّه (٢).
ومجازه متعارف: وهو أن يأكل مِمّا يتخذ منه، فتحمل اليمين على المجاز المتعارف؛ لأن الأيمان عندنا محمولة على العادة.
قال: فإن نوى أن لا يأكل [هذا] الدقيق بعينه لا يحنث؛ لأنه نوى حقيقة كلامه (٣).
٢٢٢٣ - فَصْل: [فيمن حلف أن لا يأكل من هذه الحنطة]
ولو حلف لا يأكل من هذه الحنطة، يعني: أن [لا] يأكلها حَبًّا كما هي، فأكل مما يخبز منها أو من سويقها لم يحنث، وإن [لم] تكن له نية، فهو كذلك عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث.
قال: وجملة هذا أن عند أبي حنيفة إذا كان لليمين حقيقة متعارفة ومجاز متعارف، فإن اليمين تحمل على الحقيقة ولا تحمل على المجاز، وإن كانت
стр. 2555
الحقيقة غير متعارفة والمجاز متعارف، حملت على المجاز المتعارف.
وقالا: يحمل اليمين عليهما [إذا كانا متعارفين].
لأبي حنيفة: أن الحقيقة: هي اللفظ المستعمل في موضوعه، والمجاز (١): معدول عن موضوعه، ومستحيل أن يكون اللفظ في حالة واحدة مستعملا في موضوعه ومعدولًا عنه، وإذا لم يجز حمله عليهما وقد تساويا في العرف كانت الحقيقة أولى؛ لأنها أصل الكلام، وليس كذلك إذا كانت الحقيقة غير متعارفة؛ لأن اليمين تحمل على المعتاد، فإذا تعذر ذلك في الحقيقة [حملت] على المجاز إذا ثبت هذا.
قال أبو حنيفة: الحنطة يعتاد أكلها كما هي مطبوخة [في هريسة وغيرها] مَقْلُوَّة (٢)، فكان حمل الاسم على الحقيقة أولى.
وجه قولهما: أن الاسم يصلح للأمرين والإرادة لا تتنافى، فيحمل عليهما كلفظ العموم.
وقد ذكر محمد في الأصل عنهما: ما يدل على أنه يحنث بأكل الحنطة؛ لأنه قال: إن اليمين تقع على ما يصنع الناس.
وذكر عنهما في الجامع الصغير (٣): ما يدل [على] أنه يحنث؛ لأنه قال عن أبي حنيفة: لو أكل الحنطة حنث، وقالا: لو أكل الخبز أيضًا حنث، فأما السويق
стр. 2556
فلا يحنث عند أبي حنيفة بأكله على أصله: أن اليمين تحمل على الحقيقة.
وقد ذكر في الأصل في السويق أبا حنيفة وأبا يوسف، فمن أصحابنا من قال: إنه غلط، فإن أبا يوسف يقول: إنه يحنث، ومنهم من قال: إن أبا يوسف فصل بين الخبز والسويق؛ لأن الخبز يسمى حنطة على وجه المجاز، فيقال خبز الحنطة، والسويق لا يسمى بذلك (١).
٢٢٢٤ - فَصْل: [شرطية الاسم في الحاضر والغائب]
ولو حلف لا يأكل ولا نية له، فأكل قصبًا أو بُسرًا مطبوخًا أو رطبًا، فإنه لا يحنث إلا أن ينوي ذلك؛ لأن اسم التمر لا يتناوله، وقد بينا أن الاسم شرط في الحاضر والغائب، فإن عنى ذلك [فقد] (٢) شدَّدَ على نفسه، ونظير هذا ما قال محمد في الأصل: إذا حلف لا يأكل بُسرًا (٣) فأكل بُسرًا مُذَنِّبًا (٤) حنث، وهذه أربع مسائل:
إذا حلف لا يأكل بُسْرًا فأكل مُذَنِّبًا (٥)، أو حلف لا يأكل رُطبًا فيه بسر [يسير] فإنه يحنث في قولهم، وهذا إذا وافق اسم المأكول اسم المحلوف عليه؛
стр. 2557
لأنه وجد شرط حنثه [إذا كانت] (١) الغلبة للذي حلف عليه، فأما إذا حلف لا يأكل رُطَبًا فأكل بُسْرًا مذنبًا، أو حلف لا يأكل رطبًا، فأكل رطبًا فيه بسر، فإن في قول أبي حنيفة ومحمد يحنث، وقال أبو يوسف: لا يحنث.
وجه قول أبي حنيفة: أنه أكل الرطب [مع] (٢) غيره، فصار كمن جمع بين رطبة وبسرة؛ ولأنه أكل جزءًا من الرطب، واليمين على ترك الأكل يستوي فيه القليل والكثير.
وجه قول أبي يوسف: إن اسم الرطب لا يتناول [المذنب]، فلا يحنث بأكله كالتمر (٣).
стр. 2558
بَابْ: في هذا المعنى في غير الأكل
قال أبو الحسن: قال بشر عن أبي يوسف في رجل حلف لا يدخل دارًا بعينها، فهدمت تلك الدار وبني [في] موضعها دارٌ أخرى، فإن أبا حنيفة قال: إن دخلها حنث، وكذلك إن دخلها وهي مهدومة، وكذلك قال أبو يوسف، وهذا على ما بينا: أن اليمين إذا تعلقت بعين بقيت ببقاء الاسم، واسم الدار يتناول المبنية والمهدومة.
ألا ترى أنه عبارة عما أحاطت به الدائرة، والعرب تسمي موضع النزول دارًا ولا بناء فيها، ويسمون الآثار ديارًا فيقولون: ديار عاد، وقال لبيد: (عفت الديار محلُّها فمقامها) (١)، وإذا كان الاسم باقيًا بعد الهدم وبعد بناء دار أخرى، بقيت اليمين.
قال: ولو كانت اليمين على (٢) بيت، فهدم ثم بني غيره في موضعه فدخله لم يحنث، مهدومًا كان أو بعد أن بني؛ وذلك لأن هدم البيت يزيل الاسم [عنه، ألا ترى أنه عبارة عن موضع البيت المسقف المبني، وذلك لا يكون بعد الهدم، فلم يتناوله الاسم].
قال: ولو كانت اليمين على فسطاط (٣) مضروب في موضع، فقلع
стр. 2559
فضرب في موضع آخر فدخله حنث، وكذلك القبة من العيدان، وكذلك [درج] (١) من عيدان [بدار] أو منبر؛ وذلك لأن الاسم في هذه الأشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان.
قال: ولو حلف لا يجلس على هذه الإسطوانة وهي مبنية أو إلى هذا الحائط، فهدما ثم بنيا بنقضهما لم يحنث؛ لأن الحائط إذا هدم زال الاسم عنه، وكذلك الإسطوانة فبطلت اليمين، فإذا عادت [عاد حائط آخر لم يحلف عليه]، فلم يحنث، وكذلك لو حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم براه فكتب به؛ لأن القلم إذا لم يكن مبريًّا لم يسم قلمًا، وإنما يسمى أنبوبًا، فإذا كسر زال الاسم فبطلت اليمين، وكذلك لو حلف على مقص فكسر ثم جعل مقصًّا غير ذلك؛ لأن الاسم زال بالكسر، وكذلك كل سكين وسيف [وقِدْرٍ] (٢) كسر ثم صنع مثله.
قال: ولو نزع مسمار المقص ولم يكسره ثم أعاد فيه مسمارًا آخر حنث؛ وذلك لأن الاسم لم يزل بزوال المسمار، وكذلك إن نزع نِصاب السكين وجعل مكانه نصابًا آخر؛ لأن السكين اسم للحديد.
قال: ولو حلف على قميص لا يلبسه، أو قِباء محشو أو مبطن أو جبة مبطنة أو محشوة، أو قلنسوة أو خفين، فنقض ذلك كله ثم أعاده، فإن هذا يحنث؛ وذلك لأن الاسم يتناوله بعد النقض، [يقال] (٣): قميص مفتوق، وجُبَّة
стр. 2560
مفتوقة (١)، وتغير الصفة مع بقاء الاسم لا تبطل اليمين على [العين] (٢).
قال: وكذلك السرج (٣)، ولو حلف لا يركب هذه السفينة، فنقضها ثم استأنف عملها بذلك الخشب، فركبها لم يحنث؛ لأنها لا تسمى سفينة بعد النقض، وزوال الاسم يبطل اليمين (٤)
ولو حلف لا ينام على هذا الفراش ففتقه وغسله ثم حشاه وخاطه ونام عليه، حنث؛ لأنه لا يزول الاسم عنه بالفتق (٥)، ولو حلف لا يلبس شقة خَزّ بعينها، فنقضها وغزلت وجعلت شقة أخرى، فلبسها لم يحنث؛ لأنها إذا نقضت صارت خيوطًا وزال الاسم المحلوف عليه.
قال: وإذا حلف لا يدخل دارًا فهدمت وجعلت بستانًا أو حمامًا أو مسجدًا، فدخله لم يحنث؛ وذلك لأن الاسم زال بالبناء، ألا ترى أنه يسمى حَمَّامًا ولا تسمى دارًا، وزوال الاسم يبطل اليمين، وكذلك لو حلف على قميص لا يلبسه فقطعه جبة محشوة فلبسه، لم يحنث؛ لأن الاسم زال فزالت اليمين.
ونظير مسائل [هذا] الباب ما قالوا: فيمن حلف لا يقرأ في هذا المصحف فخلعه ثم أَلَّفَ ورقه [وجدّد دفّتيه] (٦) ثم قرأ فيه حنث؛ وذلك لأن اسم