فلا يحنث عند أبي حنيفة بأكله على أصله: أن اليمين تحمل على الحقيقة.
وقد ذكر في الأصل في السويق أبا حنيفة وأبا يوسف، فمن أصحابنا من قال: إنه غلط، فإن أبا يوسف يقول: إنه يحنث، ومنهم من قال: إن أبا يوسف فصل بين الخبز والسويق؛ لأن الخبز يسمى حنطة على وجه المجاز، فيقال خبز الحنطة، والسويق لا يسمى بذلك (١).
٢٢٢٤ - فَصْل: [شرطية الاسم في الحاضر والغائب]
ولو حلف لا يأكل ولا نية له، فأكل قصبًا أو بُسرًا مطبوخًا أو رطبًا، فإنه لا يحنث إلا أن ينوي ذلك؛ لأن اسم التمر لا يتناوله، وقد بينا أن الاسم شرط في الحاضر والغائب، فإن عنى ذلك [فقد] (٢) شدَّدَ على نفسه، ونظير هذا ما قال محمد في الأصل: إذا حلف لا يأكل بُسرًا (٣) فأكل بُسرًا مُذَنِّبًا (٤) حنث، وهذه أربع مسائل:
إذا حلف لا يأكل بُسْرًا فأكل مُذَنِّبًا (٥)، أو حلف لا يأكل رُطبًا فيه بسر [يسير] فإنه يحنث في قولهم، وهذا إذا وافق اسم المأكول اسم المحلوف عليه؛
стр. 2557
لأنه وجد شرط حنثه [إذا كانت] (١) الغلبة للذي حلف عليه، فأما إذا حلف لا يأكل رُطَبًا فأكل بُسْرًا مذنبًا، أو حلف لا يأكل رطبًا، فأكل رطبًا فيه بسر، فإن في قول أبي حنيفة ومحمد يحنث، وقال أبو يوسف: لا يحنث.
وجه قول أبي حنيفة: أنه أكل الرطب [مع] (٢) غيره، فصار كمن جمع بين رطبة وبسرة؛ ولأنه أكل جزءًا من الرطب، واليمين على ترك الأكل يستوي فيه القليل والكثير.
وجه قول أبي يوسف: إن اسم الرطب لا يتناول [المذنب]، فلا يحنث بأكله كالتمر (٣).
стр. 2558
بَابْ: في هذا المعنى في غير الأكل
قال أبو الحسن: قال بشر عن أبي يوسف في رجل حلف لا يدخل دارًا بعينها، فهدمت تلك الدار وبني [في] موضعها دارٌ أخرى، فإن أبا حنيفة قال: إن دخلها حنث، وكذلك إن دخلها وهي مهدومة، وكذلك قال أبو يوسف، وهذا على ما بينا: أن اليمين إذا تعلقت بعين بقيت ببقاء الاسم، واسم الدار يتناول المبنية والمهدومة.
ألا ترى أنه عبارة عما أحاطت به الدائرة، والعرب تسمي موضع النزول دارًا ولا بناء فيها، ويسمون الآثار ديارًا فيقولون: ديار عاد، وقال لبيد: (عفت الديار محلُّها فمقامها) (١)، وإذا كان الاسم باقيًا بعد الهدم وبعد بناء دار أخرى، بقيت اليمين.
قال: ولو كانت اليمين على (٢) بيت، فهدم ثم بني غيره في موضعه فدخله لم يحنث، مهدومًا كان أو بعد أن بني؛ وذلك لأن هدم البيت يزيل الاسم [عنه، ألا ترى أنه عبارة عن موضع البيت المسقف المبني، وذلك لا يكون بعد الهدم، فلم يتناوله الاسم].
قال: ولو كانت اليمين على فسطاط (٣) مضروب في موضع، فقلع
стр. 2559
فضرب في موضع آخر فدخله حنث، وكذلك القبة من العيدان، وكذلك [درج] (١) من عيدان [بدار] أو منبر؛ وذلك لأن الاسم في هذه الأشياء لا يزول بنقلها من مكان إلى مكان.
قال: ولو حلف لا يجلس على هذه الإسطوانة وهي مبنية أو إلى هذا الحائط، فهدما ثم بنيا بنقضهما لم يحنث؛ لأن الحائط إذا هدم زال الاسم عنه، وكذلك الإسطوانة فبطلت اليمين، فإذا عادت [عاد حائط آخر لم يحلف عليه]، فلم يحنث، وكذلك لو حلف لا يكتب بهذا القلم فكسره ثم براه فكتب به؛ لأن القلم إذا لم يكن مبريًّا لم يسم قلمًا، وإنما يسمى أنبوبًا، فإذا كسر زال الاسم فبطلت اليمين، وكذلك لو حلف على مقص فكسر ثم جعل مقصًّا غير ذلك؛ لأن الاسم زال بالكسر، وكذلك كل سكين وسيف [وقِدْرٍ] (٢) كسر ثم صنع مثله.
قال: ولو نزع مسمار المقص ولم يكسره ثم أعاد فيه مسمارًا آخر حنث؛ وذلك لأن الاسم لم يزل بزوال المسمار، وكذلك إن نزع نِصاب السكين وجعل مكانه نصابًا آخر؛ لأن السكين اسم للحديد.
قال: ولو حلف على قميص لا يلبسه، أو قِباء محشو أو مبطن أو جبة مبطنة أو محشوة، أو قلنسوة أو خفين، فنقض ذلك كله ثم أعاده، فإن هذا يحنث؛ وذلك لأن الاسم يتناوله بعد النقض، [يقال] (٣): قميص مفتوق، وجُبَّة
стр. 2560
مفتوقة (١)، وتغير الصفة مع بقاء الاسم لا تبطل اليمين على [العين] (٢).
قال: وكذلك السرج (٣)، ولو حلف لا يركب هذه السفينة، فنقضها ثم استأنف عملها بذلك الخشب، فركبها لم يحنث؛ لأنها لا تسمى سفينة بعد النقض، وزوال الاسم يبطل اليمين (٤)
ولو حلف لا ينام على هذا الفراش ففتقه وغسله ثم حشاه وخاطه ونام عليه، حنث؛ لأنه لا يزول الاسم عنه بالفتق (٥)، ولو حلف لا يلبس شقة خَزّ بعينها، فنقضها وغزلت وجعلت شقة أخرى، فلبسها لم يحنث؛ لأنها إذا نقضت صارت خيوطًا وزال الاسم المحلوف عليه.
قال: وإذا حلف لا يدخل دارًا فهدمت وجعلت بستانًا أو حمامًا أو مسجدًا، فدخله لم يحنث؛ وذلك لأن الاسم زال بالبناء، ألا ترى أنه يسمى حَمَّامًا ولا تسمى دارًا، وزوال الاسم يبطل اليمين، وكذلك لو حلف على قميص لا يلبسه فقطعه جبة محشوة فلبسه، لم يحنث؛ لأن الاسم زال فزالت اليمين.
ونظير مسائل [هذا] الباب ما قالوا: فيمن حلف لا يقرأ في هذا المصحف فخلعه ثم أَلَّفَ ورقه [وجدّد دفّتيه] (٦) ثم قرأ فيه حنث؛ وذلك لأن اسم
стр. 2561
المصحف باقٍ وإن فرقه.
قال: ولو حلف على نعل لا يلبسها فقطع شراكها وشركها بغيره ثم لبسها حنث؛ لأن اسم النعل يتناولها بعد قطع الشراك.
ولو حلفت امرأة لا تلبس هذه المِلْحَفَة، فخيط جانباها فجعلت درعًا وجعلت لها جيبًا ثم لبستها لم تحنث؛ لأنها درع وليست بملحفة.
قال: فإن أعيدت ملحفة، فلبستها حنثت؛ وذلك لأنها عادت ملحفة بغير تأليف ولا زيادة ولا نقصان فهي على ما كانت عليه.
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل حلف لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه طائفة، فدخلها لم يحنث؛ لأن اليمين وقعت على بقعة معينة فلا يحنث بغيرها.
ولو قال: مسجد بني فلان ثم زيد فيه، فدخل ذلك الموضع الذي زيد فيه حنث، وكذلك الدار؛ وذلك لأنه عقد يمينه على الإضافة وذلك موجود في الزيادة (١).
стр. 2562
بَابْ: الرجل يحلف على الشيء فيغلب عليه غيره
قال بشر عن أبي يوسف: في رجل حلف لا يذوق من هذا اللبن شيئًا فصبَّ فيه ماء فذاقه، فهذا على وجهين: إذا كان اللبن [هو] الغالب حنث؛ لأنه يسمى لبنًا وإن كان فيه ماء، [وإن كان الماء هو الغالب، وقد ذهب طعم اللبن ولونه لم يحنث؛ لأن هذا ماء]، وكذلك لو حلف لا يذوق من هذا النبيذ فصبّ فيه خَلًّا، وكذلك الماء الملح إذا صب في [الماء العذب] فإن كان المحلوف عليه هو الغالب حنث، وإن كان ليس بغالب وكان يستبين لونه أو طعمه، حنث إن ذاقه، وإن كان لا يستبين له لون ولا طعم وكان الغالب الأكثر، فلا يحنث، فاعتبر أبو يوسف ظهور اللون أو الطعم غالبًا كان أو مغلوبًا.
[وذكر محمد هذه المسألة في الأصل فقال] (١): إن كان مغلوبًا لم يحنث، فظاهره يقتضي عليه الأجزاء (٢).
لأبي يوسف: أن اللون والطعم إذا كانا باقيين فالجملة تنسب إلى ذلك، ألا ترى أنه يقال لبن مغشوش وخل مغشوش، فحنث بتناوله، وإذا لم يبق له لون ولا طعم زال الاسم، وإنما يقال: ماء فيه لبن وماء فيه خل فلم يحنث.
لمحمد: إن الحكم يتعلق بالأكثر، والأقل تبع فسقط حكم [التبع] (٣).
стр. 2563
قال أبو يوسف: فإن كان طعمهما واحدًا أو لونهما واحدًا فأشكل عليه، فالقليل المخالط لما حلف عليه يحيط العلم أنه [ليس بغالب] (١) حنث، وإن كان الذي لم يحلف عليه كثيرًا غالبًا لا يشك في ذلك منه، لم يحنث إن ذاقه، وإن كان [أمرًا] (٢) بين ذلك، فشك فيه ولا يدري، فالأخذ في ذلك بالثقة أفضل، والقياس أن لا يحنث حتى يعلم أن الذي حلف عليه [هو] الغالب، ولكن لا يؤخذ في هذا بالقياس (إذا دخل الشك كَفَّر حتى يستيقن، فإذا استبان لم يحنث.
وجه) (٣) القياس: أنه إذا احتمل الحنث وغير الحنث، لم تثبت الكفارة بالشك.
وجه الاستحسان: أن الموجب والمسقط لما تساويا، كان الموجب أولى؛ لأنه يؤدي إلى براءة الذمة بيقين.
قال أبو الحسن: وكذلك رواية الأصل في حدِّ الغلبة، وهذا الذي ذكره إنما قاله في الأصل في غير المائع في السويق إذا لُتَّ بالسمن، وأما المائع فلم يذكر هذا فيه (٤).
٢٢٢٥ - فَصْل: [اختلاط المحلوف عليه بجنسه]
فأما إذا اختلط المحلوف عليه بجنسه كاللبن المحلوف عليه إذا اختلط بلبن آخر، قال أبو يوسف: هذا [هو] كالجنسين إذا غلب غير المحلوف عليه لم
стр. 2564
يحنث، وقال محمد: يحنث وإن كان مغلوبًا.
لأبي يوسف: أن المحلوف عليه مغلوب، فلم يحنث به كما لو اختلط بغير جنسه.
[لمحمد]: أن الشيء لا يصير مستهلكًا بجنسه، وإنما يصير مستهلكًا بغير جنسه، فصار كأنه غير مغلوب.
وروى مُعَلَّى عن محمد: في (١) رجل حلف لا يأكل سمنًا، فأكل سويقًا ملتوتًا بسمن ولا نية له، قال: إن كان يستبين السمن في السويق وكان إذا عصر سالَ السمن حنث، وإن كان على غير ذلك لم يحنث [وإن] (٢) كان يجد طعمه.
وقد ذكر في الأصل هذه المسألة، وذكر أن أجزاء السمن إذا كان يستبين في السويق ويوجد طعمه حنث؛ وذلك لأنه إذا استبان فليس بمستهلك فكأنه أكله بنفسه، وإذا لم يستبن فقد استهلك أجزاءه فلم يعتد به، والذي اعتبره محمد في [الانعصار] (٣) فكأنه يقول: إذا أمكن أن يتميز أجزاء السمن فليس بمستهلك، وإذا لم يمكن ذلك فهو مستهلك (٤).
وقال معلى عن محمد: في رجل حلف لا يشرب من هذه الخمر فصبها في ماء فغلب عليها (٥) حتى ذهب لونها وطعمها فشربه لم يحنث، وهذا مثل قول أبي يوسف.
стр. 2565
قال: ولو حلف على قدر ذلك من ماء زمزم [أن] لا يشرب منه شيئًا، فصب عليه ماء من غيره كثيرًا قدر الماء الذي غلب على الخمر أو أكثر فشربه، فإنه يحنث، وهذا على ما بينا من أصله أن الشيء لا يصير مستهلكًا بجنسه.
قال: ولو أخذ ذلك الماء المحلوف عليه فصبه في بئر أو في حوض عظيم لم يحنث؛ لأني لا أدري لعل عيون البئر تغور بما صُبّ فيها، ولا أدري لعل اليسير من الماء الذي صب في الحوض العظيم لم يختلط به كله، ولو حلف لا يشرب هذا الماء العذب، فصَبَّه في ماء ملح فغلب عليه ثم شربه لم يحنث، فجعل الماء مستهلكًا بجنسه إذا كان على غير صفته.
قال: وكذلك لو حلف لا يشرب لبن ضأن، فخلط بلبن معز، فإنه يعتبر الغلبة؛ لأنهما نوعان كالجنسين.
قال أبو الحسن: وإذا [حلف لا يشرب] (١) لبن هذه الشاة معزٍ أو ضأن ثم خلط بغيره من لبن الضأن أو معزٍ، حنث إذا شَرِبَه، ولا يعتبر الكثرة والغلبة.
قال أبو الحسن: لأنه ليس في يمينه ضأن ولا معز، وهذا صحيح؛ لأن اليمين وقعت على [اللبن] (٢)، واختلاطه بلبن آخر لا يخرجه عن كونه لبنًا، واليمين في المسألة الأولى وقعت على لبن الضأن، فإذا غلب عليه لبن المعز استهلك من صفته فيه.
قال محمد -مستشهدًا على الفرق بين المسألتين-: ولا تشبه الشاة إذا حلف عليها بعينها حلفه على لبن المعز، ألا ترى أنه لو قال: والله لا أشتري رُطَبًا
стр. 2566
فاشترى كِباسة (١) بُسْرٍ فيها رطبتان أو ثلاثًا لم يحنث؛ لأن هذا إنما هو للغالب.
ولو قال: والله لا أشتري هذه الرُّطْبة لرطبة في كِباسَةٍ، ثم اشترى الكباسة حنث.
ونظير هذا ما ذكر ابن سماعة عن محمد في رجل قال: والله لا آكل مما يجيء به فلان، يعني: مما يجيء به من طعام أو لحم أو غير ذلك مما يؤكل، فدفع الحالف إلى المحلوف عليه لحمًا ليطبخه، فطبخه وألقى فيه قطعة من كرش بقر، ثم طبخ القدر فأكل الحالف من المرق، قال محمد: لا أراه يحنث إذا ألقي فيه من اللحم ما لا يكون بطبخ وحده ويتخذ منه مرقة تقل عن ذلك، وإن كان مثل ذلك يطبخ ويكون له مرقة فإنه يحنث؛ وذلك لأنه جعل اليمين على اللحم الذي يأتي به فلان وعلى مرقه، ألا ترى أن المرق لا تكون إلا بدسم اللحم الذي جاء به، فإذا اختلط به لحم لا يكون له مرقة لقلته، [فلم] (٢) يأكل مما جاء به فلان، وإذا كان مما ينفرد بالطبخ ويكون له مرق، والمرق جنس واحد، فلا يعتبر فيه الغلبة وحنث به.
وقد قال محمد: فيمن قال لا آكل مما يجيء به فلان، فجاء فلان بلحم فشواه وجعل تحته خبزًا للحالف، فأكل الحالف من جواريه حنث.
وكذلك لو جاء المحلوف عليه بحمّص فطبخه، فأكل الحالف من مرقه وفيه طعم الحمّص حنث، وكذلك لو جاء برطب فسال منه رُبّ فأكل منه، أو جاء بزيتون فعصر فأكل من زيته حنث (٣).
стр. 2567
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل الشيء فيقع على بعضه أو جميعه
قال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال: والله لا آكل من تمرة هذا البستان، وفيه نخل تحصى، أو لا آكل من تمرة هذا النخل وهي عشر أو ثلاث، أو لا آكل من تمرة هاتين النخلتين أو من هاتين الرطبتين، أو من هذه الثلاث التفاحات، أو من هذين الرغيفين، أو لا أشرب من لبن هاتين الشاتين، فأكل بعض ذلك أو شرب بعضه، فإنه يحنث؛ وذلك لأن (مِنْ) للتبعيض فاقتضت يمينه المنع من تناول الجملة وأبعاضها، فإذا أكل أو شرب البعض حنث.
قال أبو يوسف: ولو قال والله لا أشرب لبن هاتين الشاتين ولم يقل مِنْ، فإنه لا يحنث حتى يشرب من لبن كل شاة؛ وذلك لأنه حلف عليهما فلا يحنث بفعل أحدهما، فإذا شرب جزءًا من لبن كل واحدة منهما حنث؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يستوفي جنس لبن الشاة فانعقدت يمينه على البعض، كقوله: لا أشرب ماء البحر.
قال: وإن كان لبن قد حُلب فقال: والله لا أشرب لبن هاتين الشاتين للبن بعينه، فإن كان لبنًا يقدر على شربه (في) (١) مرة واحدة، لم يحنث بشرب بعضه، وإن كان لا يستطيع شربه في مرة واحدة، فإنه يحنث بشرب بعضه؛ وذلك لأنه إذا استطاع شربه دفعة، فحقيقة اليمين يقتضي شرب الجميع، وقد أمكن ذلك
стр. 2568
فحمل على الحقيقة، فإذا لم يكن شربه في دفعة حملت يمينه على [الجزء] (١) كماء البحر، وعلى هذا إذا قال لا آكل هذا الطعام وهو لا يقدر أن يأكله دفعة.
ونظير هذا ما قالوا: فيمن قبض من رجل دينًا عليه، فوجد فيه درهمين زائفين فقال: والله لا آخذ منهما شيئًا، فأخذ أحدهما حنث؛ لأن (من) للتبعيض.
وقال ابن رستم عن محمد: إذا قال والله لا آكل لحم هذا الخروف (٢) فهذا على بعضه؛ لأنه لا يمكن استيعابه بالأكل مرة.
وقال في الأصل فيمن قال: لا آكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث في الاستحسان؛ لأن ذلك القَدْر لا يعتد به [ولا يمكنه الاحتراز عنه؛ لأنه يقال]: إنه أكل رمانة في العادة، وإن ترك [حبة أو حبتين] منها (٣)، [فإن ترك] نصفها أو ثلثها أو أكثر مما يجري في العرف أن يسقط من الرمانة لم يحنث؛ لأنه ليس بآكل لجميعها.
قال: ولو قال والله لا أبيعك لحم هذا الخروف (٤) أو هذه الخابية [من] الزيت، فباع بعضها لم يحنث؛ لأن البيع يمكن أن يأتي على الكل، فحملت اليمين على الحقيقة.
وقد قال ابن سماعة فيمن قال: [والله] لا أشتري من هذين الرجلين، فإنه
стр. 2569
لا يحنث حتى يشتري منهما، ولا يشبه هذا قوله: لا آكل مِنْ هذين الرغيفين؛ لأن (مِنْ) يمكن حملها في الأكل (١) على التبعيض ولا يمكن حملها في الشراء على التبعيض؛ لأن البيع لا يتبعض فلم يبق إلا أن يحمل على [ابتداء] الغاية.
وقد قال في الجامع: والأصل فيمن حلف لا يتزوج النساء، ولا يكلم بني آدم، أنه على الواحد؛ لأن الاستيعاب لا يمكن.
قال محمد: فإن كان يعني بقوله أن يكلمهم جميعًا لم يحنث أبدًا، ولم يذكر أن ذلك في القضاء أو فيما بينه وبين الله تعالى، وكان أصحابنا يقولون: إنه مصدق القضاء؛ لأنه نوى الجنس الذي هو حقيقة الكلام.
وروي عن أبي يوسف: أنه لا يدين في القضاء؛ لأنه نوى غير ظاهر كلامه.
стр. 2570
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل من كسب فلان
قال أبو الحسن: الكسب ما صار للإنسان بفعله، أو بقبول مثل البيع والشراء، والإجارة، والهبة، والصدقة، والوصية؛ لأن ذلك أجمع إنما يكون بقبوله مَن صار له فهو مكتسبه، فأما الميراث فلا يكون كسبًا؛ وذلك لأن كسب فلان ما له صنع في اكتسابه؛ وذلك لا يكون إلا فيما يملكه بفعله كالقبول في العقود وأخذ المباحات، فأما الميراث فيدخل في ملكه بغير فعله، فلا يضاف إليه بأنه كسبه، فلا يحنث به.
قال: ولو مات المحلوف عليه وقد كسب شيئًا، فورثه رجل فأكل الحالف منه حنث؛ لأن الوارث يملك على حكم ملك الميت، فما في يده كسب الميت، فحنث الحالف بأكله.
قال: ولو انتقل عنه إلى غيره بغير الميراث لم يحنث؛ لأنه الآن قد صار كسب الثاني؛ وذلك لأن المشتري والموصى له لا يملك الشيء على حكم ملك [الميّت] الأول.
وقال أبو يوسف في الميراث: هو كسب الأول حتى يحدث [فيه] كسب آخر؛ لأنه إذا حدث كسب آخر، بطلت الإضافة الأولى وثبتت الإضافة الثانية.
قال أبو يوسف: وكذلك إذا قال لا آكل مما تملك [أو مما ملكت] أو من ملكك، فإذا خرج من ملك المحلوف عليه إلى ملك غيره، فأكل منه الحالف لم
стр. 2571
يحنث؛ لأن الملك (١) إذا تجدد على الملك بطلت الإضافة الأولى وصار ملكًا للثاني.
قال: وكذلك إذا حلف لا يأكل مما يشتري فلان أو مما يُشترى له، فاشترى المحلوف عليه لنفسه أو لغيره، فأكل منه الحالف حنث، فإن باعه المحلوف عليه من غيره بأمر المشترى له، ثم أكل منه الحالف لم يحنث؛ لأن الشراء إذا طرأ على الشراء بطلت الإضافة الأولى المحلوف عليها، وتجددت إضافة أخرى لم يتناولها اليمين.
فأما قوله: إن ما اشتراه لغيره ولنفسه سواء؛ فلأن حقوق العقد تتعلق بالمشتري فالإضافة إليه دون المشترى له.
قال: وكذلك لو حلف لا يأكل من ميراث فلان شيئًا، فمات فلان، فأكل من ميراثه حنث، فإن مات وارثه فأورث ذلك الميراث يأكل منه الحالف لم يحنث، ونسخ الميراثُ الآخرُ الميراثَ الأولَ، وهذا على ما بينا أن الميراث إذا طرأ على الميراث بطلت الإضافة الأولى (٢).
٢٢٢٦ - فَصْل: [أثر تغير الملكية في الحلف]
ومما يجري مجرى مسائل الباب: ما قالوا فيمن حلف لا يأكل مما زرع فلان، فباع فلان زرعه، فأكله الحالف عند المشتري حنث؛ وذلك لأن الإضافة لا تبطل بالبيع، فإن بَذَرَه المشتري وزَرَعَه فأكل الحالف من هذا الزرع فإنه لا يحنث؛ وذلك لأن الإضافة بالزرع إنما تكون إلى الثاني دون الأول، وعلى هذا لو حلف لا يأكل
стр. 2572
من طعام يصنعه فلان أو من خبز يخبزه فلان، فتناسخته الباعة ثم أكل منه الحالف، فإنه يحنث؛ [لأنه] (١) [يقال: هو] (٢) من خبز فلان ومن طبيخه وإن باعه.
وكذلك لو حلف لا يلبس ثوبًا من نسج فلان، فنسج فلان ثوبًا وباعه؛ لأن البيع لا يبطل الإضافة.
قال: ولو كان ثوب خز فنقض ([ثم غزل] ونسج) (٣) ثم لبسه الحالف، لم يحنث؛ لأن النسج الثاني أبطل الإضافة الأولى.
قال: ولو حلف لا يشتري ثوبًا مسَّه فلان فمسَّه فلان، وتناسخته الباعة فإنه يحنث إذا اشتراه؛ لأن الإضافة بالمس لا تبطل بالبيع، فصار كأنه قال: لا أشتري ثوبًا كان فلان مسَّه.
وقال بشر عن أبي يوسف في نوادره: في رجل حلف أن لا يأكل هذه الدراهم فاشترى بها طعامًا فأكله حنث، وإن أبدلها بغيرها واشترى بما أبدل طعامًا فأكله، لم يحنث؛ لأن الدراهم (٤) لا يمكن أكلها، فاليمين على المعتاد فيها: وهو أن يأكل ما اشترى بها، فإذا أبدلها واشترى بالبدل، فليس بمشترٍ بتلك الدراهم، فلا يحنث.
(وكذلك إذا حلف لا يأكل من تمر هذا العبد، فاشترى بثمنه طعامًا فأكله) (٥).
стр. 2573
ولو حلف لا يأكل من ميراث أبيه شيئًا وأبوه حي، فمات أبوه فورث منه مالًا فاشترى به طعامًا فأكله ففي القياس: لا ينبغي أن [لا] (١) يحنث ولكني أستحسن أن يحنث؛ وذلك لأن الطعام المشترى ليس بميراث ولكنهم استحسنوا؛ لأن المواريث هكذا تؤكل، واليمين على العادة، فإن اشترى بالميراث شيئًا فاشترى بذلك الشيء طعامًا فأكله لم يحنث؛ لأنه يشتري بكسبه وليس بمشترٍ بميراثه.
وقال أبو يوسف في الميراث بعينه: إذا حلف عليه فغَيَّرَهُ واشترى به، لم يحنث لما قدمنا.
قال: فإن كان قال: لا آكل ميراثًا يكون لفلان، فكيفما غيره وأكله حنث؛ لأن اليمين المطلقة تعتبر فيها الصفة المعتادة، وفي العادة أنهم يقولون لما ورثه (٢) الإنسان: إنه ميراث، وإن غَيّره.
وقال مُعَلَّى عن أبي يوسف: إذا حلف لا يطعم فلانًا مما ورث من أبيه شيئًا، فإن كان ورث طعامًا فأطعمه (٣) منه حنث، فإن اشترى بذلك الطعام طعامًا فأطعمه منه لم يحنث؛ لأن اليمين وقعت على الطعام الموروث، فإذا باعه بطعام آخر فالثاني ليس بموروث، وقد أمكن حمل اليمين على الحقيقة فلا تحمل على المجاز، وإن كان ورث دراهم فاشترى بها طعامًا فأطعمه حنث؛ لأنه لا يمكن حمل اليمين على الحقيقة فحملت على المجاز.
стр. 2574
وقال هشام: سمعت محمدًا يقول: في رجل معه دراهم حلف أن لا يأكلها فاشترى بها دنانير أو فلوسًا، ثم اشترى بالدنانير أو بالفلوس [فاكهة] (١) فأكلها، قال: يحنث.
قال: فإن حلف لا يأكل هذه الدراهم فاشترى بها عَرَضًا ثم باع ذلك العرض بطعام فأكله لم يحنث؛ وذلك لأن العادة في قوله لا أشتري بهذه الدراهم، الامتناع من إنفاقها، في الطعام والنفقة تارة تكون بالابتياع بها وتارة بتصريفها لما ينفق، فحملت اليمين على العادة، فأما ابتياع العروض بالدراهم فليس بنفقة في الطعام عادة، فلم تحمل يمينه عليه، وهذا خلاف ما حكاه عن أبي يوسف.
وقال ابن رستم عن محمد: فيمن قال والله لا آكل من طعامك وهو يبيع الطعام، فاشترى منه فأكل حنث؛ وذلك لأن العادة أن هذه اليمين [تعقد] على المنع بالابتياع.
قال محمد: ولو قال (٢): والله ما آكل من طعامك هذا الطعام بعينه، فأهداه له فأكله قال: لا يحنث في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويحنث [على قول محمدٍ] (٣).
وهذا فرع على اختلافهم فيمن قال: لا أدخل دار فلان هذه، فباعها فلان ثم دخلها، والمسألة تجيء فيما بعد.
قال محمد: ولو حلف لا يأكل من طعامه فأكل من طعام مشترك
стр. 2575
بينهما حنث؛ لأن كل جزءٍ من الطعام يسمى طعامًا، فقد أكل من طعام المحلوف عليه.
وقال علي بن الجعد وابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل حلف لا يأكل من غَلَّة أرضه ولا نية له، فأكل من ثمن الغلة حنث؛ لأن هذا في العادة يقال: إنه [يراد به] من استغلال الأرض، فإذا نوى أكل نفس ما يخرج منها [فأكل من ثمنه]، دُيِّنَ فيما بينه وبين الله تعالى ولم أدينه في القضاء. وهذا على أصله فيمن حلف لا يشرب الماء ونوى الجنس، فإنه لا يصدق في القضاء، فأما على الرواية الظاهرة فيصدق؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
وقال محمد في الجامع الكبير: إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئًا فأكل من ثمرها أو جُمّارِها، أو طَلْعِها، أو بُسْرها، أو دِبْسِها فإنه يحنث (١)؛ وذلك لأن النخلة [لا يتأتّى (٢) أكلها، فحملت] اليمين على ما يتولد منها، [والدبس: استم لما يسيل من الرطب، لا المطبوخ منه.
ولو حلف لا يأكل من هذا الكرم شيئًا، فأكل من عنبه، أو زبيبه، أو عصيره، حنث؛ لأن المراد: هو الخارج من الكرم؛ إذ عين الكرم لا تحتمل الأكل كما في النخلة، بخلاف ما] (٣) لو نظر إلى عنب فقال (عبده حر إن أكل) (٤) من هذا العنب، فأكل من زبيبه أو عصيره لم يحنث؛ لأن العنب يتأتى أكله، فلم
стр. 2576
تحمل اليمين على ما يتولد منه.
وكذلك لو حلف لا يأكل من هذه الشاة شيئًا، فأكل من لَبَنِها أو زُبدها أو سَمْنِها لم يحنث؛ لأن الشاة مأكولة في نفسها، فحملت اليمين على أجزائها ولم تحمل على ما يتولد منها.
قال محمد: ولو أكل من ناطف جعل من تمر النخلة أو [نبيذ نبذ من تمرها] (١) لم يحنث؛ لأن [كلمة] (من) للابتداء، وقد خرج هذا عن حال الابتداء بحدوث الصنعة فيه، فلم يتناوله اليمين (٢).
стр. 2577
بَابْ: الرجل يحلف على ما يضيفه إلى غير ملك أو نسب أو غير ذلك
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يأكل طعام فلان، ولا يشرب شراب فلان، ولا يدخل دار فلان، ولا يلبس ثوب فلان، ولا يركب دابة فلان، فهذا على ما يكون في ملك فلان يوم يفعل ما حلف عليه، كان الذي أضافه إلى ملك فلان في ملكه يوم حلف أو لم يكن، هذا قول محمد في الزيادات وهي رواية الأصل، ورواية هشام عن أبي يوسف (١).
وقال أبو يوسف: إن نوى ما في ملكه يومئذٍ، فيسعه ذلك فيما بينه وبين الله تعالى ولا يسعه في القضاء.
قال محمد في الزيادات: فإن كان في ملكه يوم حلف ثم خرج من ملكه لم يحنث.
قال: وهذا بمنزلة قوله: لا أكلم عبد فلان، قال: فإن قال لا أكَلِّم زوج فلانة أو امرأة فلان، أو صديق فلان، أو ابن فلان، أو أخ فلان، ولا نية له، فهذا على ما كان (٢) يوم حلف إن زال عن ملكه أو لم يزل، فلا يكون على زوج يحدث ولا (٣) ولد يحدث.
стр. 2578
وقال في نوادر ابن سماعة: هما سواء ولا يحمل على ما يستفاد (١)، وإنما يحمل على ما في ملكه.
ففرق في الزيادات [بين إضافة النسب وإضافة غيره، وسوّى بينهما في النوادر.
وجه ما ذكر في الزيادات]: أنه عقد على عبد مضاف إلى فلان بالملك، أو إلى دار مضافة إليه بالملك، وقد وجد هذا عند الدخول فحنث في يمينه، وأما الزوج والزوجة والابن فإضافتهم إضافة نسب، فالمقصود أعيانهم، فتنعقد اليمين على الموجود، كما لو ذكرهم بأسمائهم. وأما رواية النوادر: فحمل (الجميع على ما في ملكه يوم الحلف) (٢)؛ لأن [حقيقة الإضافة] (٣) تقتضي ما كان موجودًا في الحال، وما سيوجد ليس بحقيقة، ولأنه عقد على الدار وعَرَّفها بالإضافة، [فصار] كمن عقد على الابن وعرَّفه بالإضافة، وإنما قال في رواية الزيادات: إن الزوجية إذا زالت ثم كلمها حنث؛ لأن المقصود باليمين المحلوف عليه دون المضاف إليه، فلم يعتبر بقاء الإضافة.
والذي قال أبو يوسف: إن نوى ما في ملكه لم يصدق في القضاء؛ فلأن ظاهر اليمين تقتضي ما يضاف إليه عند الفعل، فإذا نوى خلاف ذلك لم يصدق في القضاء.
وقد روى عليّ بن الجعد ومحمد ابن أبي رجاء، عن أبي يوسف خلاف ذلك (٤)، وقال ما معناه: إن اليمين إذا عقدها على الإضافة فيما يتجدد الملك فيه
стр. 2579
حالًا فحالًا في العادة، فإن اليمين تقع على ما يكون في ملكه يوم فعل (١)، كالطعام والشراب والدهن، وما لا يتجدد الملك فيه في كل حال وإنما يستدام ملكه، فاليمين على ما كان ملكه في يوم حلف، كالدار والعبد والثوب؛ وذلك لأن الطعام يحدث في ملكه في كل حال، ولا يستدام ملكه، فعلم أن المقصود باليمين ما يملكه عند الفعل (٢)، فأما الدار (٣) والعبد فيستدام الملك فيهما [فلا يتجدد]، فما يتجدد وليس بمقصود فلا يحنث به.
٢٢٢٧ - فَصْل: [الإضافة مقصودة في الأيمان]
وأما إذا قال: لا أدخل دارًا لفلان، ولا أكلم عبدًا لفلان، فهو على ثلاثة أوجه:
أحدها: يحنث في قولهم، وهو أن يدخل دارًا كانت على ملك فلان عند اليمين وبقيت على ملكه إلى حين الفعل (٤) فحنث؛ لأن الإضافة موجودة في الحالين.
[والوجه الثاني] (٥): لا يحنث في قولهم (٦)، وهو أن يدخل دارًا يملكها وقت اليمين ولا يملكها وقت الفعل (٧)؛ لأنها لا تضاف إلى فلان وقت الدخول، والإضافة مقصودة باليمين.
стр. 2580
والوجه الثالث: على الخلاف، وهو أن يدخل دارًا في ملكه عند الدخول (١) ولم تكن في ملكه عند اليمين، فيحنث عند أبي حنيفة ومحمد لوجود الإضافة.
وقال أبو يوسف: لا يحنث؛ لأن ملك الدار لا يتجدد، فاليمين تنعقد فيها على ما كان وقت اليمين.
٢٢٢٨ - فَصْل: [اليمين باقية ببقاء الإضافة]
وأما إذا قال: لا أكلم عبد فلان هذا، أو لا أدخل دار فلان هذه، أو لا أركب دابة فلان هذه، أو لا ألبس ثوب فلان هذا، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: اليمين باقية ببقاء الإضافة، فإذا زالت سقطت إلا أن يعني سكنى هذه الدار خاصة.
وقال محمد: يحنث وإن زال ملك فلان، إلا أن يعني ما دامت ملكًا لفلان.
وجه قولهما: أن الدار والثوب والدابة لا يمتنع منها لمعنى يعود إلى أعيانها، وإنما يمتنع منها تركًا لمباسطة مالكها، فصار كأنه قال: ما دامت (في ملك فلان) (٢)، وكما لو أطلق الإضافة من غير تعيين، وكذلك العبد لا يعاد لمعنًى يعود إليه، وإنما يمتنع من كلامه لأجل مولاه، وليس كذلك زوجة فلان وأبو (٣) فلان؛ لأنهم يعادون ويوالون لأنفسهم، فعلم أنهم قصدوا باليمين والإضافة على وجه التعريف.
وجه قول محمد: أن اليمين المعينة مخالفة لليمين المطلقة، أصله: إذا قال لا أكلم زوجة فلان هذه.
стр. 2581
وقال محمد في الزيادات: إذا حلف لا يركب دواب فلان، أو لا يلبس ثيابه، أو لا يكلم غلمانه، فاشترى فلان دوابًّا فركب منها ثلاثًا، حنث.
وكذلك لو قال: لا آكل أطعمة فلان، ولا أشرب أشربة فلان، كان هذا على ثلاثة أطعمة وعلى ثلاثة أشربة؛ وذلك لأن قوله دوابّ فلان أو أطعمة فلان، عقد على الإضافة، فيدخل فيه ما يستفيد من الملك كقوله: عبدًا لفلان، وإنما حمل اليمين على ثلاثة؛ لأن ظاهر لفظه الجمع وأقله ثلاثة، فإن قال: أردت جميع ما في ملكه الأطعمة لم أدينه في القضاء؛ لأنه عدل عن ظاهر كلامه، فإن قال: لا أكلم إخوة فلان، فهذا على من كان يوم الحلف، وهذا على ما قدمناه.
وقال أبو يوسف: إن كان ذلك مما يحصى، فاليمين على جميع ما في ملكه؛ لأنه صار مُعَرَّفًا بالإضافة ويمكن استيعابه، فهو كالمعرَّف بالألف واللام.
قال: وإن كان لا يحصى إلا بكتاب حنث بالواحد منهم؛ لأن الجنس يتعذر استغراقه به، فيحنث بأدناه كقوله: لا أتزوج النساء.
٢٢٢٩ - فَصْل: [إلحاق الفرع بالأصل في الأيمان]
ومما يشبه مسائل الباب ما قال خلف بن أيوب: سألت أسدًا عن رجل حلف لا يتزوج بنت فلان، أو بنتًا لفلان، فولدت له بنت فتزوّجها، أو قال: والله لا أتزوج من بنات فلان ولا بنات له ثم ولد له، أو قال: والله لا أشرب من لبن بقرة فلان ولا بقرة له، ثم اشترى بقرة فشرب من لبنها، أو قال لصبي صغير: والله لا أتزوج من بناتك، فبلغ وولد له، فتزوج منهن أيحنث أم لا؟ أو قال: لا آكل من ثمر شجر فلان ولا شجرة لفلان، ثم اشترى شجرة فأكل من ثمرها.
стр. 2582
قال: أما إذا حلف لا يتزوج بنت فلان، أو لا يشرب من لبن بقرة فلان، أو لا يأكل من ثمر شجرة فلان، فلا يحنث في شيء [منها] (١)، وأما إذا قال: لا أتزوج بنتًا من بنات فلان أو بنتًا لفلان، فإنه يحنث وتلزمه اليمين في قول أبي حنيفة.
وأما أنا فأقول: لا يحنث؛ لأنه حلف يوم حلف على ما لم [يخلق] (٢).
قال خلف: وسألت الحسن فقال مثل قول أبي حنيفة.
لأبي حنيفة: أن قوله لا أتزوج بنت فلان، يقتضي بنتًا موجودة في الحال؛ لأنه لم يعقد اليمين على الإضافة.
وإذا قال: بنتًا لفلان، فقد عقد اليمين على الإضافة، فيعتبر وجودها يوم الحنث كقوله: عبدًا لفلان.
وأما أسد: فاعتبر وجود المحلوف عليه لينعقد عليه اليمين، فما كان معدومًا لم يصح الإضافة فيه، فلم يحنث.
قال خلف: سألت أسدًا عن رجل حلف لا يتزوج امرأة من [أهل] هذه الدار، وليس للدار أهل، ثم سكنها قوم فتزوج منهم، قال: يحنث في قول أبي حنيفة، ولا يحنث في قولي، وهذا على ما قدمنا من اعتبار الإضافة.
٢٢٣٠ - فَصْل: [إضافة الدار بالسكنى]
وقد قالوا: فيمن حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا [يسكنها] (٣) فلان
стр. 2583
بملك أو إجارة أو عارية فهو سواء، ويحنث في يمينه، وذكر ذلك أبو يوسف.
وذكر محمد في الأصل: في المستأجر؛ وذلك لأن الدار تضاف بالسكنى إلى المستأجر والمستعير، كما تضاف إلى المالك.
فأما إذا حلف لا يدخل دارًا لفلان فدخل دارًا له قد آجرها لغيره.
فروى هشام عن محمد: أنه قال: لا يحنث في يمينه؛ لأن هذه الدار تضاف إلى الساكن [بالسكنى]، فتسقط إضافة الملك.
قال: فإن قال: لا أدخل حانوتًا لفلان، فدخل حانوتًا له قد آجره، فإن كان فلان ممن له حانوت يسكنه، فإنه لا يحنث بدخول هذا الحانوت؛ لأنه يضاف إلى ساكنه ولا يضاف إلى مالكه.
قال: وإن كان المحلوف عليه لا يعرف بسكنى حانوت، حنث بدخول هذا الحانوت؛ لأنه إذا لم يعرف بسكنى حانوت، فالمقصود إضافة الملك وهي موجودة وإن آجر.
[ألا ترى] (١) أنه لو حلف لا يدخل حانوت الأمير، أن هذا على [الحوانيت] (٢) التي آجرها الأمير؛ لأن الأمير لا يضاف إليه الحانوت بالسكنى (٣).
стр. 2584
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل فاكهة
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في هذا الباب: أن الفاكهة عند أبي حنيفة كل ما يقصد بأكله التفكُّه دون الشبع، وعندهما: الفاكهة ما يتفكه به.
ويتعين الخلاف بينهم في الرمان، والعنب، والرُّطَب:
(قال أبو حنيفة: ليس بفاكهة؛ لأن الرمان لا يقصد أكله وإنما يمص، وكذلك العنب والرطب) (١) [لا] يؤكل للشبع (٢).
وقال أبو يوسف ومحمد: كل ذلك فاكهة (٣).
لأبي حنيفة قال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] فعطف النخيل والرمان على الفاكهة، وقال في آية أخرى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١] فعطف الفاكهة على العنب والرطب والرمان، والعطف غير المعطوف عليه، ولأن الآية خرجت مخرج الامتنان، والحكم إذا امتن بالشيء مرة [لا يعيد المنة] به، فدل على أن
стр. 2585
ذلك لم يدخل في الفاكهة، وربما قال أصحابنا: إن الفاكهة عنده ما كان فاكهة [يابسة] ورطبة (١).
وقد أجمعوا: أن الزبيب والتمر وحَبّ الرمان ليس بفاكهة، فرطبه لا يكون فاكهة؛ ولأن الرطب يؤكل للشبع فلا يكون فاكهة كالتمر.
وجه قولهما: أن هذا مما يتفكه به في العادة كسائر الفواكه، وربما قال أصحابنا: المعتبر فيه ما يسمى [بائعه] فاكهاني.
وجملة هذا: أن الأيمان محمولة على العادة، فإن سمي هذا في العادة فاكهة فالجواب ما قالاه.
قال أبو الحسن: ثمر الشجر كله فاكهة، وكذلك ثمر النخل، وكذلك الأعناب كلها في قول أبي يوسف ومحمد، وكذلك قال أبو حنيفة: إلا ثمر النخل، وما يخرج الكَرْم والرمان فإنه عنده ليس بفاكهة، وقد بينا الخلاف في ذلك.
فأما ما سواه من ثمر الشجر كالتفاح والسفرجل والكُمَّثْرَى والإجّاص والمِشْمِش، والخوخ، والتين فهو فاكهة؛ لأنّ هذا مما يؤكل للتفكه (دون الشبع، ولأن ما يجفف منه ويابسه فاكهة، وكذلك البطيخ؛ لأنه يؤكل للتفكه) (٢) ولا يقصد به الشبع.
قال محمد: والتوت فاكهة لأنه يتفكه به.
стр. 2586
وقال هشام عن محمد: فإن صار الرطب تمرًا، والعنب زبيبًا، والرمان حبًّا، فأكل منه لم يحنث؛ لأن التمر والزبيب إدام، وليس بفاكهة في العادة، وكذلك حب الرمان يطبخ كما تطبخ المأكولات، فأما القثاء والخيار [والجَزَر] والباقِلاء الرطب فليس بفاكهة؛ لأن القِثَّاء والخِيَار والبَاقِلاء من جملة الحبوب فلا يؤكل ذلك للتفكه.
وقال في الأصل: إن عنى بقوله لا آكل فاكهة العنب والرطب والرمان، فأكل من ذلك شيئًا حنث؛ وذلك لأنه شدد على نفسه، ولأن هذه الأشياء مما يتفكه بها، وإن لم يطلق عليها الاسم.
وقال محمد: بُسْر السكر والبسر الأحمر فاكهة؛ لأن ذلك مما يتفكه به.
وقال أبو يوسف: اللوز والعُنَّاب فاكهة، رطب ذلك من الفاكهة الرطبة، ويابسه من الفاكهة اليابسة؛ لأن ذلك يؤكل على وجه التفكه.
قال: والجوز رطبه فاكهة (١) ويابسه إدام (٢).
وقال في الأصل: وكذلك الفاكهة اليابسة يدخل فيها الجَوْز واللوز وأشباه ذلك (٣).
وروى معلى عن محمد: أن الجوز اليابس ليس بفاكهة؛ لأنه يؤكل مع الخبز غالبًا، فأما رطبه فلا يؤكل إلا للتفكه.
стр. 2587
والذي ذكر في الأصل أنه فاكهة؛ فلأن رطبه ويابسه يجري مجرًى واحدًا؛ لأنه لا يقصد به الشبع، فصار كسائر الفواكه.
وقال معلى عن محمد: في رجل حلف لا يأكل من الثمار شيئًا ولا نية له قال: هذا على الرطب واليابس، فإن أكل تينًا يابسًا أو لوزًا يابسًا حنث، فجعل الثمار كالفاكهة؛ لأن أحد الاسمين (١) كالآخر.
قال معلى: فقلت لمحمد: فإن حلف لا يأكل من فاكهة العام أو من ثمار العام ولا نية له، قال: إن حلف في أيام الفاكهة الرطبة فهذا على الرطب، وإن أكل من فاكهة ذلك العام شيئًا يابسًا لم يحنث، وكذلك الثمر، وإن حلف في غير وقت الفاكهة (٢) الرطبة، كانت يمينه على اليابسة من فاكهة ذلك العام، وكان ينبغي في القياس إن كان في وقت الفاكهة الرطبة أن يحنث في الرطب واليابس؛ لأن اسم الفاكهة يتناولهما، وإنما استحسن؛ لأن العادة في قولهم فاكهة العام، إذا كان في وقت الرطب أنهم يريدون به الرطب دون اليابس، فإذا مضى وقت الرطب فلا يجوز أن يكون اليمين إلا على اليابس فحملت عليه (٣).
стр. 2588
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل لحمًا
قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل لا يأكل لحمًا؛ فأي لحم أكل من سائر الحيوان غير السمك فإنه يحنث، مُحَرَّمَةٌ وغير مُحَرَّمة، طبيخًا أكله أو مشويًّا أو صفيفًا (١)، أو على أي حال أكله؛ وذلك لأن اللحم عبارة عن أجزاء الحيوان الذي يعيش في البر، فوقع الاسم على الجميع، والمُحَرَّمُ والمباح سواء؛ لأن التحليل والتحريم أحكام، فلا يغير الاسم الموضوع فى الأصل.
قال: فإن أكل لحم ميتة، أو خنزير، أو إنسان، أو لحم شاة ترك ذابحها التسمية على ذبحها عمدًا، أو أكل ذبيحة مجوسي، أو أكل لحم صيد ذبحه مُحْرِم، حنث؛ لأن الاسم يتناول الجميع محرمًا كان أو مباحًا؛ [وذلك] (٢) لا يختلف باختلاف صفات اللحم وما عولج به؛ لأن اسم اللحم موجود في الجميع.
فأما لحم ما يعيش في الماء من السمك وغيره، فإنه لا يحنث به؛ لأن إطلاق اسم اللحم لا يتناوله، ألا ترى أن القائل يقول: ما أكلت اللحم مذ كذا وكذا يومًا وإن كان أكل سمكًا، ومن حكم الاسم أن يحمل على الإطلاق دون الحقيقة، ولا معتبر في ذلك بتسميته لحمًا طريًّا في القرآن؛ لأن الأيمان لا تحمل
стр. 2589
على لفظ القرآن، ألا ترى أن من حلف لا يركب دابة فركب كافرًا، [لا] (١) يحنث، وإن كان الله تعالى قال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥] ولو حلف لا يخرب بيتًا فَخَرَّبَ بيت العنكبوت لم يحنث، وإن كان الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١].
قال أبو الحسن: وكذلك إن أكل من سائر ما يكون في الجوف فإنه يحنث، إلا شحم البطن، فإنه لا يحنث إلا أن يكون نواه، وإنما يعني بهذا الكَرِش والكَبِد والفُؤَاد والكُلَى والرِّئَة والأَمْعَاء والطِّحَال (٢)؛ وذلك لأن [هذه الأشياء] (٣) تباع مع اللحم وتتخذ منها ما يتخذ من اللحم، وهذا الجواب على عادة أهل الكوفة في زمن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فأما البلاد التي لا يباع فيها هذا مع اللحم فلا يحنث به، فأما شحم البطن فليس بلحم، ولا يتخذ منه ما يتخذ من اللحم، فإن نواه فقد شدد على نفسه فيحنث.
وكذلك الأَلْيَة لا يحنث بأكلها؛ لأنها ليست بلحم، وإنما هي من جنس الشحم (٤).
قال: فإن أكل شحم الظهر أو ما هو على اللحم حنث؛ وذلك لأن هذا يقال له لحم سمين ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم.
وقال في الأصل: إن أكل لحم غنم أو إبل أو بقر حنث، وهذا على
стр. 2590
ما قدمنا (١).
قال: وكذلك [لحم] رؤوس الحيوان ما خلا السمك؛ لأن الرأس عضو من الحيوان، فلحمه كلحم سائر الأعضاء، وليس هذا كمن حلف لا يشتري لحمًا فاشترى رأسًا، فإنه لا يحنث؛ لأنه لا يسمى مشتري لحم، وإنما يقال: اشترى رأسًا.
قال: ومن حلف لا يأكل شحمًا فأكل شحم الظهر، لم يحنث عند أبي حنيفة، وحنث عند أبي يوسف ومحمد.
وقال في الجامع الصغير: في رجل حلف لا يشتري شحمًا قال: فأي شحم اشترى لم يحنث إلا أن يشتري شحم البطن، وكذلك لو حلف لا يأكل شحمًا (٢).
لأبي حنيفة: أن شحم الظهر لا يطلق عليه اسم الشحم، وإنما يقال له: لحم سمين ويتخذ منه ما يتخذ من اللحم، والمعتبر عنده في الأيمان: إطلاق العرف والعادة.
وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] والاستثناء من [جنس] المستثنى منه.
وقد قالوا: فيمن حلف لا يشتري شحمًا ولا لحمًا فاشترى ألْيَةً لم يحنث؛ لأنها ليست بلحم ولا شحم.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا حلف لا يأكل لحمًا فهو على لحوم الطير
стр. 2591
والبهائم، وإن أكل سمكًا لم يحنث، وكل شيء يسكن الماء فهو بمنزلة السمكة.
وقال عمرو عن محمد: فيمن يأمر رجلًا أن يشتري له شحمًا فاشترى شحم الظهر، قال: لا نجوز على الآمر، وهذا يدل أن إطلاق الاسم لا يتناوله كما قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى.
стр. 2592
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل إدامًا
قال الشيخ ﵀: أصل هذا الباب أن الإدام عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كل ما يصطبغ به مع الخبز في العادة: كاللَّبَن، والزَّيْتِ، والمَرَق، والخَلِّ، والعسل.
وروى العسل عمرو بن أبي عمرو عن محمد عن أبي حنيفة، وما لا يصطبغ به فليس بإدام عند أبي حنيفة مثل: اللحم، والشوي، والجبن، والبيض، وهو قول أبي يوسف في رواية الأصل (١)، وروي عنه في الإملاء وغيره: أن ما يؤكل بالخبز مثل اللحم وغيره فهو إدام.
وروى عنه ابن سماعة: أن الجوز اليابس إدام، وقال محمد: ما كان الغالب عليه أن يؤكل بالخبز مثل الجبن واللحم فهو إدام.
لأبي حنيفة: أن الإدام في اللغة مأخوذ من الموافقة، يقال: آدم الله بينكما، وروي أن النبي ﷺ قال للمغيرة وقد تزوج امرأة: (هل نظرت إليها؟ قال: لا، قال: لو نظرت إليها كان أحرى أن يؤدم بينكما) (٢).
وقالت العرب: البِيضُ [لا يُؤْدِمْنَ إلا مُؤْدَمًا] (٣) يعني: لا يوافق إلا مَن وافقهن، وإذا كان كذلك فكلّ ما احتاج في الأكل إلى موافقة غيره فهو إدام، وما
стр. 2593
أمكن إفراده بالأكل فليس بإدام، وإن أكل مع الخبز كما لو أكل الخبز مع الجبن لم يكن إدامًا.
وجه قولهما: ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: "سيد إدام أهل الجنة اللحم وأخذ لقمة بيده وتمرة بيده الأخرى وقال: هذه إدام هذه" (١)؛ ولأن بائع هذه الأشياء يسمى إدامِيًّا، ومَنْ أكلها يقال: أنه قد ائتدم.
وقال محمد: التمر والجوز ليس بإدام؛ لأن التمر يمكن إفراده بالأكل في الغالب، والجوز يتفكه به.
وقال: والبطيخ ليس بإدام؛ لأنه لا يؤكل غالبًا [بالخبز] (٢)، والبقل ليس بإدام في قولهم؛ لأن بائعه لا يسمى إداميًّا، فآكله لا يقال له مؤتدم.
وسئل محمد عن رجل حلف لا يأكل خبزًا مأدومًا، قال: الخبز المأدوم الذي يثرد فيه ثردًا يعني في المرق والخَلِّ وما أشبهه؛ لأن ذلك يصير صفة له وتابعًا، فقيل له: فإن ثرد في ماء وملح، فلم ير ذلك مأدومًا؛ لأن العرف معتبر، ومن أكل خبزًا بماء، لم يسم مؤتدمًا في العادة.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: وإنما تسمية هذه الأشياء على ما يعرف أهل تلك البلاد في كلامهم (٣).
стр. 2594
بَابْ: الرجل يحلف لا يأكل طبيخًا
قال الشيخ ﵀: الطبيخ عبارة عما يطبخ باللحم خاصة دون غيره؛ لأن هذا [الذي] يسمى في العرف طبيخًا، ألا ترى أنهم لا يقولون لمن أكل الباقلاء أنه أكل الطبيخ، [وإن كان طبخ] (١)، والطبيخ: هو اللحم يجعل في الماء ويطبخ ليسهل أكله، فإن نوى بقوله: لا آكل طبيخًا، ما يطبخ من اللحم وغيره حنث؛ لأنه طبيخ في الحقيقة، وإنما لم يحمل عليه [الاسم]؛ لأنه ليس بمطلق فيه، فإذا نواه فقد شدَّد على نفسه، فإن لم يكن له [نية]، فإنما يقع هذا على اللحم، واللحوم كلها سواء.
قال: والقياس في هذا أن يحنث في اللحم وغيره؛ لأنه طبيخ في الحقيقة، إلا أنهم اعتبروا العرف (٢).
قال: وكذلك إذا حلف لا يأكل شواءً وهو ينوي كل شيء يشوى، فأي ذلك أكل فإنه يحنث، وإن لم تكن نَيّةً فإنما يقع ذلك على اللحم؛ وذلك لأن الشِّواء ما يجعل في النار ليسهل أكله، وذلك موجود في كل نوع إلا أن العرف يختص باللحم، ألا ترى أن الشَّوَّاء اسم لبائع اللحم المشوي، ويقولون لم يأكل الشواء وإن أكل الباذنجان المشوي، فوجب أن يحمل الاسم على المعتاد، فإن أكل سمكًا مشويًا لم يحنث.
стр. 2595
وكذلك إن أكل سمكًا مطبوخًا في اليمين على الطبيخ؛ لأن الاسم غير مطلق فيه. ذكر ذلك ابن سماعة في نوادره عن محمد.
قال: وإن أكل (١) قَلِيَّة (٢) يابسة أو لونًا من الألوان لا مرق فيه لم يحنث؛ لأنه يقال: لحم مقلي، ولا يقال: مطبوخ إلا لما طبخ في الماء.
قال: فإن طبخ في اللحم طبيخًا له مرق، فأكل من لحمه أو مرقه حنث؛ لأنه يقال: أكل الطبيخ وإن لم يأكل لحمه، ولأن المرق فيه أجزاء اللحم.
وقال الحسن بن زياد: في رجل حلف لا يأكل طبيخ فلان، فأكل لحمًا طبخه له مرقة، أو أكل من مرقه، فإنه يحنث، وهذا على ما بينا.
قال ابن سماعة في اليمين على الطبيخ، قال: ينبغي أن يكون على الشحم أيضًا؛ لأنه قد (٣) يسمى طبيخًا في العادة.
قال: فإن طبخ عدسًا بِوَدَك (٤) فهو طبيخ، وكذلك إن طبخه بشحم أو ألية، فإن طبخه بسَمْنِ أو زيت لم يكن طبيخًا.
قال: ولا يكون الأرز طبيخًا، ولا العدس بالسمن ولا بالزيت، ولا يكون الطباهج (٥) طبيخًا، ولا الجوذاب.