← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ينسب إلى اللحمة دون السدى؛ لأنها هي الظاهرة منه، والسدى ليس بظاهر. قال: ونظير مسائل هذا الباب ما قال في الجامع: فيمن حلف لا يلبس قميصين فلبس قميصًا ثم نزعه ثم لبس آخر، فإنه لا يحنث حتى يلبسهما معًا؛ لأن العادة في ذلك أنه يقال: لبس قميصين إذا جمع بينهما، واليمين المطلقة يعتبر فيها المعتاد، ولو قال: والله لا ألبس هذين القميصين، فلبس أحدهما ثم نزعه ولبس الآخر حنث؛ لأن اليمين هاهنا تعلقت بعين، فاعتبر فيها الاسم دون المعتاد. وقد قالوا: فيمن حلف لا يلبس شيئًا ولا نية له، فلبس درعًا من حديد، أو درع امرأة، أو خفين، أو قلنسوة، فإنه يحنث في لبس [أي] (١) ذلك؛ لأنه حلف لا يلبس شيئًا، وهذا كله يتناوله اسم اللبس، ولو حلف لا يلبس سلاحًا فتقلد سيفًا أو تنكب قوسًا أو ترسًا لم يحنث؛ لأن هذا ليس بلبس، [ألا ترى أنه] (٢) يقال [فلان] تقلد السيف، ولو لبس درعًا من حديد أو غيره حنث؛ لأن السلاح هكذا يلبس. وقالوا: فيمن حلف لا يلبس قطنًا فلبس ثوب قطن حنث؛ لأن القطن لا يلبس بنفسه، فحملت اليمين على المجاز وهو ما يتخذ منه، فإن لبس قِباءً ليس بقطن وحشوه قطن لم يحنث، إلا أن يعني الحشو؛ لأن الحشو ليس بملبوس فلا تتناوله اليمين [إلّا أن ينويه]. ولو لبس ثوبًا من قطن وكتان حنث؛ لأن اليمين على القطن يتناول

стр. 2627

ما يتخذ منه وبعض الثوب يتخذ منه. وقد روى بشر عن أبي يوسف: في رجل حلف ليقطعن من هذا الثوب قميصًا وسراويل، فقطعه قميصًا فلبسه ما شاء الله، ثم قطع من القميص سراويل فلبسه، فإنه يَبَرُّ في يمينه؛ لأن القميص يسمى ثوبًا فقد قطع السراويل، واسم الثوب لم يزل، فلا يحنث في يمينه. ولو حلف على قميص ليقطعن منه قِباءً وسراويل فقطع منه قِباءً فلبسه أو لم يلبسه، ثم قطع من القِباء سراويل، فإنه [قد] حنث في يمينه حينَ قطع القميص قِباءً؛ لأنه قطع السراويل مما لا يسمى قميصًا، ويمينه اقتضت أن يقطع السراويل من قميص لا من قباءٍ. وقال في الزيادات: إذا قال عبده حر إن لم يجعل من هذا الثوب قِباءً (١) وسراويل ولا نية له، فجعله كله قباء وخاطه، ثم نقض القِباءَ وجعله سراويل، [فإنه] لا يحنث إلا أن يكون عنى أن يجعل من بعضه هذا ومن بعضه هذا، وهو على الحالة الأولى وهذا على ما قدمنا. وقال عمرو عن محمد: في رجل حلف لا يلبس هذا الثوب فقطعه سراويلين فلبس سراويل بعد سراويل، قال محمد: لا يحنث. قال محمد: إذا صار سراويلات خرج من أن يكون ثوبًا؛ وذلك لأن لبس الثوب يقتضي لبس جميعه دفعة، (فإذا لبس فإطلاق) (٢) اسم الثوب لا يتناول

стр. 2628

السراويل، فلم يحنث بلبسه؛ لأن اليمين إذا تعلقت بعين في غير الحيوان بقيت ببقاء الاسم. وقال ابن أبي رجاء عن محمد: سمعت أبا يوسف قال: فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب فاتخذ منه قلنسوة فلبسها لم يحنث؛ لأن القلنسوة لا تسمى ثوبًا، وإن قطعه قميصًا ففضلت منه فضلة عن القميص رقعة صغيرة يتخذ منها لَبَبَة وما أشبه ذلك، فإنه يحنث؛ وذلك لأن هذا القدر لا يعتدّ بِهِ، فكان لابسًا، كمن حلف لا يأكل رمانة فأكلها إلا حبة، ولو اتخذ من الثوب جوارب فلبسها لم يحنث؛ لأن اسم الثوب زال عنها (١).

стр. 2629

بَابْ: الحلف على الكلام قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يكلم فلانًا أبدًا، أو لم يقل أبدًا، فاليمين على الأبد في أي وقت كلمه في ليل أو نهارٍ، أو في أي مكان أو على أي حال حنث؛ وذلك لأن اليمين وقعت على النفي، والنفي لا [يختصُّ] (١) بحال ولا بزمان كنهي صاحب الشرع، فوجب أن تحمل على التأبيد، فإن ذكر الأبد فهو تأكيد لما اقتضاه الكلام. قال: فإن نوى شيئًا دون شيء لم يديّن في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، يعني إن نوى يومًا أو وقتًا أو بلدًا أو منزلًا؛ لأنه خصص ما ليس في لفظه، فلا يصدق فيما بينه وبين الله تعالى ولا في القضاء. قال: ولا يحنث حتى يكون منه كلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها، فإن كان موصولًا لم يحنث مثل أن يقول: إن كلمتكِ فأنتِ طالق فاذهبي أو فقومي، فإنه لا يحنث [بقوله] (٢) فقومي؛ لأنه متصل باليمين، قال ذلك أبو يوسف؛ وذلك لأن قوله (لا أكلِّم) أو (إن كلمتكِ) تنعقد على الكلام المقصود، وذلك ما يستأنفه بعد تمام الكلام، فأما ما هو [من] تمام الكلام - وإن كان كلامًا في الحقيقة - فليس بمقصود باليمين، فلا يحنث به، (وإذا قال: إن كلمتكِ فأنتِ

стр. 2630

طالق فاذهبي، فقوله (فاذهبي) إنما هو تمام الكلام فلا يحنث به) (١). وقد قالوا: إنه إذا جاء بحرف العطف فليس بكلام مبتدَأ مثل أن يقول: فاذهبي واذهبي، فإن أراد بقوله فاذهبي الطلاق، فإنها تطلق بقوله فاذهبي ويقع عليها تطليقة باليمين؛ لأنه صار كلامًا مستأنفًا فليس له تعلق بالجملة الأولى، فيحنث به. قال: فإن كان في الحال التي حلف عليها (٢) ما يدل على تخصيص اليمين كانت خاصة مثل أن يكون قال له رجل: كلم لي زيدًا اليوم في كذا، فيقول: والله لا أكلِّمه، أو قال: ستكَلِّمُني اليوم بما أكره، فيقول: والله لا أكلمك، فيكون هذا على اليوم دون غيره؛ وذلك لأن دلالة الحال تؤثر في حكم الكلام فخصَّت عموم كلامه، فحملت اليمين على اليوم خاصة (وعلى هذا قالوا) (٣): إذا قال: ائتني اليوم، فقال: امرأته طالق إن أتيتك، فهذا على اليوم، وكذلك إذا قال: ائتني في منزلي فحلف بالطلاق لا يأتيه، فهو على المنزل، وهذا [ما] (٤) لم [يطل] (٥) الكلام بين دلالة التخصيص وبين اليمين؛ لأنهم قالوا: إذا قال [لو] (٦) لم تلقني في المنزل وقد أشاءت في تركك لقائي، وقد أتيتك غير مرة [فلم ألقكَ] فقال الآخر: امرأته طالق إن أتاك، فهذا على الأبد وعلى كل منزل؛ لأن الكلام كثر

стр. 2631

فيما بين ابتدائه بذكر المنزل وبين الحلف، فانقطعت اليمين عنه، وصارت كالمبتدأة، فإن نوى هذا الإتيان في المنزل ديِّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء؛ لأنه وجد في الحال ما يحتمل أن يكون اليمين انصرفت إليه وإن كان غير ظاهر (١). ٢٢٤٢ - فَصْل: [هل بعد الفتح على قراءة الإمام كلامًا؟] ولو صلى الحالف خلف المحلوف عليه فسها الإمام، فسبح فيه الحالف أو [فتح] (٢) عليه بالقراءة لم يحنث؛ وذلك لأن هذا لا يسمى كلامًا في الإطلاق وإن كان كلامًا في الحقيقة، ألا ترى أن الكلام يبطل الصلاة وهذا لا يبطلها. وقد قالوا: فيمن حلف لا يتكلم فصَلَّى، فالقياس: أن يحنث؛ لأن التكبير والقراءة كلام، والاستحسان: أن لا يحنث؛ لأنه غير مراد باليمين؛ ولأنهم يقولون: فلان لم يتكلم في صلاته، وإن كان قرأ فيها. قال: ولو فتح عليه في غير الصلاة حنث؛ لأنه كلام وإنما لم يحمل عليه اليمين إذا وقع في الصلاة بدلالة، فإذا وقع في غيرها حمل على القياس، فإن كان الإمام هو الحالف والمحلوف عليه خلفه، فسلم لم يحنث؛ لأن السلام في الصلاة ليس بكلام كتكبيرها والقراءة فيها. وإذا مَرَّ الحالف على جماعة فيهم المحلوف عليه فسَلَّم عليهم حنث؛ وذلك لأنه مُكَلِّم لجماعتهم بالسَّلام، فإن نوى القومَ دونه لم يحنث فيما بينه

стр. 2632

وبين الله تعالى؛ لأنه إنما يكون مكلمًا له بالقصد ولم يقصده ولا يديَّن في القضاء؛ لأن الكلام في الظاهر للجماعة، وما نواه لا يَطَّلِع عليه الحاكم. قال: ولو نَبَّه الحالف المحلوف عليه من النوم، حنث وإن لم ينتبه؛ لأنه مكلم له وقد وصل الكلام إلى سمعه، وهناك مانع من الفهم فصار كما لو كلمه وهو غافل. قال: وإن دَقَّ عليه الباب فقال: من هذا؟ أو مَنْ أنت؟ فحنث؛ لأنه مكلم له بالاستفهام (١). قال: وإذا دعاه أو كَلَّمه وهما في مكانين، فإن كان [مثل ذلك] (٢) يسمع حنث، وإن كان في موضع لا يسمع في مثله؛ لبعد ما بينهما لم يحنث؛ لأن الموضع إذا كان قريبًا وصل الصوت إلى سمعه (وإن لم يفهم) (٣)، فإذا كان بعيدًا [فالصوت] لا يصل إليه فلا يكون مكلمًا؛ ولهذا يُعَدُّ مَنْ فعل هذا هاذيًا، ولا يعد من فعل الأول كذلك. قال: ولو حلف لا يتكلم فقرأ في الصلاة أو سَبَّح أو كَبَّر لم يحنث، وكذلك جميع الذكر يفعله في الصلاة، وقد بينا القياس والاستحسان في ذلك. وقد قالوا: فيمن حلف لا يكلم إنسانًا فكلَّم غيره وهو [لا] يقصد أن يسمع لم يحنث؛ لأنه لم يقصده بالكلام، وإن حلف لا يكلم امرأته فدخل داره وليس فيها غيرها فقال: من وضع هذا، أو أين هذا؟ حنث؛ لأنه مكلم لها حين استفهم

стр. 2633

وليس هناك غيرها. قال: [فإن] كان في الدار غيرها لم يحنث؛ لأنه يحتمل أن يكون استفهم من سواها، (فإن قال: ليت شعري من وضع هذا؟ لم يحنث؛ لأن هذا مخاطبة لنفسه وليس بمكلم لها) (١) (٢).

стр. 2634

بَابْ: الحلف على الكلام المؤقَّت قال أبو الحسن: إذا قال الرجل ليلًا: والله لا أكلم فلانًا يومًا، أن اليمين من حين حلف إلى أن تغيب الشمس من الغد، فدخل في يمينه بقية الليل، فإن كلّمه فيما بقي من الليل، أو من الغد حنث في يمينه؛ وذلك لأن اليمين إذا تعلقت بوقت مطلق فابتداؤها عقيب اليمين، ألا ترى أن الله تعالى حكم بصحة الإيلاء وأجمعت الأمة عليه، وصفته (١): أن يحلف على ترك الوطء أربعة أشهر فصاعدًا، فلو لم يختص اليمين بعقيب السبب لم يكن موليًا، كمن حلف لا أقربك أربعة أشهر في عمري، ولأن كل حكم تعلق بمدة لا على طريق القربة اختص بعقيب السبب كالإجارة، وإذا ثبت هذا كانت اليمين على عقيب الحال فيدخل بقية الليل [فيها]. قال: وكذلك لو حلف بالنهار لا يكلمه (٢) ليلة، فإنه يحنث بكلامه من حين حلف إلى طلوع الفجر، وهذا على ما بينا، فإن حلف في بعض النهار لا يكلمه يومًا، فاليمين على بقية اليوم والليلة المستقبلة إلى مثل تلك الساعة التي حلف فيها من الغد، وكذلك إذا حلف في بعض (٣) الليل لا يكلمه ليلة فاليمين من تلك الساعة إلى أن يجيء مثلها من الليلة المقبلة، فيدخل النهار الذي بينهما في ذلك؛

стр. 2635

لأنه حلف على [يوم منكر] (١) فلا بد من استيفائه (٢)، ولا يمكن استيفاء يوم إلا بإتمامه من اليوم الثاني فدخل الليل على طريق التبع. قال: فإن قال في بعض اليوم: والله لا أكلمك اليوم، فاليمين على باقي اليوم، فإذا غربت الشمس سقطت اليمين؛ وذلك لأنه حلف على زمان معيّن فلا يمكن نقل اليمين إلى غيره، فتعلقت بما بقي منه، فإن قال: والله لا أكلمك اليوم ولا غدًا، فاليمين على بقية اليوم وعلى الغد، ولا تدخل الليلة التي بينهما في اليمين، روى ذلك ابن سماعة عن أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن [لا] إذا دخلت بين [نفيين] (٣) تناولت كل واحد منهما على الانفراد بدلالة قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] فاقتضت [اليومين] (٤) جميعًا، فلا يدخل الليل؛ لأنه أفرد كل واحدٍ منهما بيمين، ألا ترى أن تقديره لا أكلمك اليوم ولا أكلمك غدًا، فلا يدخل الليل في ذلك، قاله ابن سماعة عنهما. ولو قال: والله لا أكلمك اليوم وغدًا، إذًا دخلت الليلة التي بين اليوم والغد في يمينه؛ وذلك لأنها يمين واحدة؛ لأن الواو للجمع فكأنه قال: لا أكلمك يومين. وروى بشر عن أبي يوسف: أن الليل لا يدخل؛ لأنه عقد على النهار وليس بنا ضرورة إلى إدخال الليل فلم يدخل. قال: فأما إذا قال: والله لا أكلمك يومًا ولا يومين، فهو مثل قوله:

стр. 2636

لا أكلمك ثلاثة أيام في قول أبي يوسف ومحمد، وكذلك رواه بشر عن أبي يوسف، وذكر محمد في الجامع الكبير: أنه على يومين، فإن كلمه اليوم الثالث لم يحنث. وجه الرواية الأولى: أنه عطف اليومين على اليوم، والعطف غير المعطوف عليه فاقتضى يومين غير الأول. وجه رواية محمد: أن كل واحد منهما يمين منفردة، فكانت الثانية عقيب السبب كالأولى، فصار على اليوم الأول يمينان، وعلى اليوم الثاني يمين واحدة. وقال بشر عن أبي يوسف: ولو قال والله لا أدخل الدار يومًا ويومًا، فهو مثل حلفه على يومين، ولا يشبه قوله لا أدخلها اليوم وغدًا؛ وذلك لأن قوله يومًا [ويومًا] عقد على زمان منكر، فصار كقوله: يومين، وقوله: اليوم وغدًا عقد على زمان معين، لا ضرورة بنا إلى إدخال الليل فيه، فلا يدخل. قال أبو الحسن: فإن قال: والله لا أكلم زيدًا يومًا، والله لا أكلمه يومين، والله لا أكلمه ثلاثة أيام، فاليوم الأول من حين فرغ من اليمين الثالثة عليه ثلاثة أيمان، واليوم الثاني عليه يمينان الثانية والثالثة، واليمين الثالث عليه يمين واحدة وهي الثالثة؛ وذلك لأن كل يمين ذكرها تختص بعقب السبب، فكانت اليمين الأولى على يوم عقيب اليمين، و [اليمين] الثانية على يومين عقيب اليمين، و [اليمين] الثالثة على ثلاثة أيام عقيب اليمين، فعلى اليوم الأول ثلاث أيمان، وعلى الثاني يمينان، وعلى الثالث واحدة (١).

стр. 2637

٢٢٤٣ - ونظير مسائل [هذا] الباب ما روى دواد بن رشيد عن محمد فيمن قال: والله لا أكلمك اليوم سنة أو لا أكلمك اليوم شهرًا، فعليه أن يدع كلامه في ذلك اليوم شهرًا وفي ذلك اليوم سنة حتى تكمل كلما دار ذلك اليوم في ذلك الشهر أو في السنة التي حلف عليها؛ وذلك لأن اليوم الواحد لا يكون شهرًا ولا سنة، فعلم أن المراد باليمين أنه لا يكلمه في مثله شهرًا أو سنة. فإن قال: لا أكلمك اليوم عشرة أيام وهو في يوم السبت، فهذا على سبتين؛ لأنه لا يدور في عشرة أيام أكثر من سبت واحد، وكذلك لو قال: لا أكلمك يوم السبت يومين كان على سبتين؛ لأن السبت لا يكون يومين ولا يدور سبتان في يومين، فعلم أن المراد به ما بين (١) ذلك، [وكذلك] لو قال: لا أكلمك يوم السبت ثلاثة أيام، كان كلها يوم السبت لِمَا بَيّنا. ولو قال: لا أكلمك يومًا ما أو لا أكلمك يوم السبت يومًا، فله أن يجعله [في] أي يوم شاء؛ لأنه عقد على يوم شائع في الأيام، فكان له تعيينه متى شاء. وقال ابن سماعة عن محمد فيمن قال: لا أكلمك يومًا بين يومين ولا نية له، قال: [فكلّ] (٢) يوم بين يومين وهذا عندي بمنزلة قوله: لا أكلمك يومًا، فيكون على يوم من ساعة حلف.

стр. 2638

٢٢٤٤ - فَصْل: [اليمين على الأوقات المبهمة] ولم يذكر أبو الحسن اليمين على الأوقات المبهمة، وهذه المسائل مذكورة في الأصل وفي غيره. قال: وإذا حلف لا يكلم فلانًا زمانًا، أو حينًا، أو الزمان أو الحين، ولا نية له، فإنه على ستة أشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن الحين يعبَّر به عن الوقت القريب قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وأراد بذلك صلاة الصبح والعصر، ويعبر بذلك عن أربعين سنة، قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] ويعبر به عن ستة أشهر قال الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] قال ابن عباس: [أراد به] النخلة؛ لأن بين إطلاعها [وبين] انتهاء ثمرتها ستة أشهر (١)، وكل واحد منهما مأكول، ولا يجوز أن تحمل اليمين على الوقت اليسير؛ لأن من أراد ذلك امتنع منه بغير يمين، ولا يحمل على أربعين سنة؛ [لأنَّ مَن أراد ذلك قال: لا أكلِّمك أبدًا، فلم يبقَ إلا أن يحمل على ستة أشهر] (٢). ورُوي عن ابن عباس: أنه حملها على ذلك، والزمان يذكر ويراد به بما يراد بالحين، فصار أحدهما كالآخر، فإن كانت للحالف نية فهو على ما نوى؛ لما بينا أن اللفظ محتمل للجميع؛ إلا أنهم قالوا يصدق في الوقت اليسير إذا قال حينًا؛ لأنه عبارة عن الوقت اليسير بدلالة قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] ولا يصدق في الزمان.

стр. 2639

ومن أصحابنا من قال: لا يصدق في الزمان على الوقت اليسير؛ لأنه لم يثبت استعمال اللفظ فيه. وقد ذكر أبو الحسن في الجامع عن أبي حنيفة (١): أنه يدين في الزمان والحين في كل ما نوى من قليل أو كثير، وذكر عن أبي يوسف: أنه لا يدين فيما دون ستة أشهر في القضاء. ٢٢٤٥ - فَصْل: [اليمين بأن لا يكلِّمه دهرًا] وأما إذا قال: لا أكلِّمك دهرًا أو الدهر، فقال أبو حنيفة: إن كانت له نية فهو على ما نوى، فإن لم تكن له نية فلا أدري ما الدهر. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قال: دهرًا فهو [على] ستة أشهر، وإذا قال: الدهر فهو على الأبد، ومن أصحابنا من قال: لا خلاف في الدهر أنه الأبد، وإنما قال أبو حنيفة: إذا قال دهرًا لا أدري ما هو. وقد روى بشر، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة: في قوله: دهرًا، أو الدهر، أنّهما سواء (٢). لأبي حنيفة: أن الدهر يعبر به عن أشياء مختلفة قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] فجعل الحين بعض الدهر، وقال النبي ﷺ : "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" (٣) يعني: هو خالق الدهر.

стр. 2640

وروي عن النبي ﷺ أنه قال حاكيًا أن الله تعالى يقول: "استقرضت من عبدي فما أقرضني، وشتمني عبدي وهو لا يدري، يسب الدهر فيقول وادهراه وإنما أنا الدهر" (١) فإذا لم يثبت أنه عبارة عن شيء معين رجع فيه إلى نيته، فإن لم تكن له نية وقف فيه، ولا عيب (٢) على العالم أن يقول فيما لم يثبت عنده: لا أدري. وقد روي عن ابن عمر أنه سُئِل عن شيء فقال: لا أدري، وحق لابن عمر أن يقول لشيء لا يدري لا أدري. وعن علي ﵁ أنه قال: لا يستحي جاهل أن يتعلم ما لا يعلم، ولا يستحي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم (٣). وسئل النبي ﷺ عن أفضل البقاع فقال: لا أدري، فلما نزل عليه جبريل سأله فعرج إلى السماء ثم هبط فقال: "سألت ربي عن أفضل البقاع فقال: المساجد، وأفضل أهلها من جاءها أولًا وانصرف آخرًا، وشر أهلها من جاءها آخرًا وانصرف أولًا" (٤). وجه قولهما: أن الدهر يذكر كما يذكر الحين، يقول ما رأيته مذ دهر وما

стр. 2641

رأيته مذ حين، فكان أحدهما كالآخر، فإذا أدخل عليه الألف واللام صار عبارة عن جميع الزمان. ٢٢٤٦ - فَصْل: [الحلف في وقت مبهم] قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: إذا قال يوم أدخل هذه الدار فعليّ كذا، ولا نية له في ليل ولا نهار، فإن دخلها ليلًا أو نهارًا حنث؛ وذلك لأن اليوم إذا أضيف إلى الفعل تناول وقتًا مبهمًا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] ولم يرد به النهار دون الليل. قال: فإن نوى النهار دُيّن في القضاء، وقال بشر عن أبي يوسف: لا أدينه، وروي محمد عنه: أنه يدينه. لنا: أن حقيقة اليوم عبارة عن بياض النهار، ومن نوى حقيقة كلامه صدق. لأبي يوسف: أن اللفظ في الظاهر للوقت، فإذا نوى غير الظاهر لم يصدق في القضاء، وقد قالوا فيمن قال: ليلة يقدم فلان فأنت طالق، فقدم [فلان] نهارًا لم تطلق؛ لأن الليلة لم تستعمل في الوقت المبهم فتحمل على سواد الليل خاصة، وإنما استعملوا الليالي إذا ذكرت على طريق الجمع في الوقت المبهم، فقالوا: لَيَالِيَ لاقينا جُذَامَ وَحِمْيَرًا (١) ٢٢٤٧ - فَصْل: [فيمن قال: لا يكلمه الجمعة] قال محمد في الجامع الكبير: إذا قال: والله لا أكلِّمك الجمعة، فله أن

стр. 2642

يكلمه في غير الجمعة، وكذلك لو قال: لا أكلِّمك جُمَعًا، كان له أن يكلمه في غير يوم الجمعة (١). وروى بشر عن أبي يوسف: فيمن حلف لا يدخل هذه الدار الجُمَع ولا نية له، فهذا على جمع الأبد؛ وذلك لأن الجُمَع جَمْع ليوم الجمعة، ولو حلف لا يكلمه يوم الجمعة لم يتناول غيره، فكذلك إذا جمع اليوم، يبين ذلك إن نذر صوم الجُمَع، لم يلزمه صوم ما بينهما. وقد قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى في قوله: لا أكلمك الجُمَع، إنه على عشر جمع، وإن قال: جُمَعًا فهو على ثلاث. وقال أبو يوسف ومحمد: في جمع مثله وفي الجمع [بالتعريف] على الأبد. لأبي حنيفة: أن جُمَع ثلاثة، فإذا دخل عليها الألف واللام اقتضى ذلك جنس ما يسمى جُمَعًا، وذلك عشرة، وما زاد عليها يقال إحدى عشرة جمعة فوجب أن يحمل اليمين على العشرة (٢). وجه قولهما: أن [الألف و] اللام للجنس أو للعهد، وليس هاهنا جمع معهود، فيحمل على جنس الجمعة، وذلك في الأبد، وعلى هذا إذا قال: لا أكلمك الأيام، فهو على عشرة أيام عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: سبعة أيام. لأبي حنيفة: أن الألف واللام للجنس فيقتضي ذلك جنس ما يسمى أيامًا

стр. 2643

وذلك عشرة أيام، وما زاد عليها يقال أحد عشر يومًا. وجه قولهما: أن اللام للعهد، والمعهود في الأيام أيام الأسبوع فتحمل اليمين عليها، وأما إذا قال: لا أكلمك أيامًا فقد ذكر في الجامع الكبير: أنه على ثلاثة أيام في قولهم؛ لأن أدنى الجمع ثلاثة، وقد ذكر لفظ جمع، وذكر في كتاب الأيمان إذا قال: لا أكلمك أيامًا أنه على عشرة أيام عند أبي حنيفة وسوّى بينه وبين الأيام، والصحيح ما في الجامع الكبير، وعلى هذا: إذا قال لا أكلمك الشهور فهو على عشرة أشهر عند أبي حنيفة؛ لما ذكرنا أن جنس ما يسمى شهورًا عشرة. وعلى قولهما: يحمل على اثني عشر شهرًا لأنها الشهور المعهودة، ولو حلف لا يكلمه السنين فهو على عشر سنين [عند أبي حنيفة، وعندهما: على الأبد؛ لأنه لا عهد في السنين] ولو قال: لا أكلمك سنين فهو على ثلاث سنين في قولهم (١). ٢٢٤٨ - فَصْل: [الحلف بأن لا يكلّمه عاجلًا] وقال أبو حنيفة: إذا حلف لا يكلمه عاجلًا ولا نية له، فهو على أقل من شهر؛ وذلك لأن الشهر في حكم الكثير؛ لأنه يجعل أجلًا في الدين، فصار بعيدًا وما دونه عاجل، ولو قال: والله لأهجرنك مليًا فهذا على شهر وأكثر، فإن نوى أقل من ذلك لم يدين في القضاء؛ لأنه جاء في تفسير قوله ( ): ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] أي: طويلًا، وهذا يقتضي ما زاد على الشهر، ولو قال: لا أكلمك أيامًا كثيرة فهذا على عشرة أيام في قياس (٢) قول أبي حنيفة (٣).

стр. 2644

وقال أبو يوسف مثله؛ لأنه أدخل الكثرة على اسم الجمع، فصار كإدخال لفظ الجنس، ولو قال: والله لا أكلمك كذا وكذا يومًا فهو على أحد وعشرين يومًا]؛ لأنه أقل عدد يعطف على عدد تفسيره يومًا، ولو قال: كذا كذا فهو أحد عشر يومًا، ولو حلف لا يكلمه بضعة عشر يومًا فهو على ثلاثة عشر [يومًا]؛ لأن البضع من ثلاثة إلى [تسعة] (١) فيحمل على أقلها. قال أبو يوسف: ولو حلف لا يكلمه عمرًا فهو مثل الزمان [والحين؛ لأنه ليس له مقدار بعينه، وإنما يعبّر عن قطعة مبهمة من الزمان]. وقال بشر عن أبي يوسف: فيمن حلف لا يكلم رجلًا الشتاء، فأول ذلك إذا لبس الناس الحشو والفراء، وآخر ذلك إذا ألقوها في البلد الذي حلف فيه. وكذلك الصيف: يعني من حين إلقاء الحشو إلى لبسه، والفصل: إذا استثقل الناس ثياب الشتاء واستخفوا ثياب الصيف، وإذا حلف لا يكلمه الربيع فهذا في آخر الشتاء وفي مستقبل الصيف إلى أن ييبس البقل يعني: العشب، وإذا حلف لا يكلمه الخريف فهو فصل ما بين الصيف والشتاء. وقال خلف بن أيوب: سألت محمدًا عن رجل حلف لا يكلم رجلًا إلى الموسم، قال: يكلمه إذا أصبح يوم النحر؛ وذلك لأنه أول الموسم. وقال أبو يوسف: يكلمه إذا زالت الشمس من يوم عرفة: لأنه قد فرغ [مِن] ركن الحج في هذا الوقت، وقال عمرو عن محمد: غُرّة الشهر ورأس الشهر: أول

стр. 2645

ليلة ويومها، وأوله: إلى ما دون النصف، وآخره إذا مضى خمسة عشر. وقد روي عن أبي يوسف فيمن قال: لله عليَّ أن أصوم أول يوم من آخر الشهر، وآخر يوم من أول الشهر، فعليه صوم يوم خامس عشر وسادس عشر، لأن الخامس عشر آخر أوله، وسادس عشر أول آخره (١).

стр. 2646

بَابْ: الحلف على كلام أحد الرجلين أو أحد الوقتين قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل: والله لا أكلم فلانًا أو فلانًا، أو قال والله لا أكلم فلانًا ولا فلانًا، فكلم أحدهما حنث؛ لأن لفظة (أو) إذا دخلت بين [نفيين] (١) تناولت كل واحد منهما على الانفراد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ولفظة (لا) إذا دخلت بين نفيين تناولت كل واحد منهما قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: فإن قال: والله لا أكلم فلانًا وفلانًا لم يحنث حتى يكلمهما؛ لأن الواو للجمع، فكأنه قال: لا أكلمهما، واليمين إذا تعلقت بشرطين لم يحنث بأحدهما، فإن قال: والله لا أكلم فلانًا وفلانًا أو فلانًا، فإن كَلَّم أحد الأولين لم يحنث ما لم [يكلِّمهما جميعًا]، وإن كَلَّم الثالث [ولم يكَلِّمْ أحد الأولين] حنث؛ وذلك لأنه منع نفسه من كلام الأولين أو الثالث، فأيّ الأمرين فعل حنث، وإن قال: والله لا أكلم هذا [أو] هذا وهذا، فإن كلم الأول حنث، وإن كلم أحد الآخرين لم يحنث؛ وذلك لأنه خير نفسه بين الأول والآخرين.

стр. 2647

بَابْ: الإشارة والخبر والإظهار والإفشاء والكلام وما في معنى ذلك قال أبو الحسن: وإذا قال الرجل: عبده حر إن أظهر سرك لفلان أو أفشى سرك لفلان، أو حلف ليكتمنّ سره أو ليسترنه أو ليخفينه، وكتب إلى فلان بذلك فانتهى إليه الكتاب، أو بكلام أو برسالة، أو سأله فلان عن ذلك، فقال: أكان من الأمر، فأشار الحالف برأسه أي: نعم، فهو حانث؛ لأن الغرض بهذه اليمين الامتناع من إظهار السر، وذلك يظهر بالكتابة والإشارة والرسالة، كما يظهر بالكلام، فوقعت اليمين على جميع ذلك. قال محمد: فإن كان ينوي الكلام [بالكتابة] (١) دون الإيماء ديّن في ذلك؛ وذلك لأن الإخفاء والكتمان إذا كان يزول بالكلام والإشارة، فقد خصص ما في لفظه، فيدين فيما بينه وبين الله تعالى. قال: ولو حلف لا يعلم فلانًا بمكان فلان، فقال له المحلوف عليه: أفلان في موضع كذا (٢) فأومأ برأسه أي نعم، وهو في ذلك الموضع فهو حانث؛ لأن الإعلام هو أن يفعل ما يقع لفلان به العلم الظاهر، وليس المراد به حقيقة العلم، وذلك يحصل بالإشارة، فإن نوى الخبر بالكتاب أو الكلام دُيّن على ما قدمنا، ولو كان [مكان] الإعلام في هذه المسألة الإخبار، لم يحنث إلا بكتاب أو رسالة

стр. 2648

أو كلام، ولا يحنث بالإيماء؛ لأن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب، وذلك لا يوجد في الإشارة، فإن عنى أن لا يخبره بالإيماء ولا غيره، حنث إن أومأ؛ لأنه شدَّدَ على نفسه في نيته. قال: ولو حلف لا يخبره بمكان فلان، فذهب به حتى أوقفه على رأس فلان وأشار إليه ولم يخبره بكلام، لم يحنث، لما بينا أن الإشارة ليست بخبر. قال: ولو حلف لا يتكلم بسر فلان ولا بمكانه، فكتب أو أشار لم يحنث؛ لأن الكتابة والإشارة ليست بكلام وإنما تقوم مقامه، ألا ترى أن الله تعالى أنفذ إلينا كتابًا وليس بمكلم لنا، قال: فإن سئل عنه، فقال: نعم، فقد تكلم؛ لأن نعم لا تستقل [كلامًا] بنفسها، والسؤال مضمر فيها، فقد أتى بكلام يدل على المراد. قال: ولو حلف على شيء مما قدمت لك، فقيل للحالف أما فلان [إنا نذكر] (١) أمكنة أو أشياء من الأسرار، فإن لم تتكلم بمكان فلان ولا بسره فقل لنا: ليس [كما تقولون] (٢)، وإن تكلمنا بسره أو بمكانه فاسكت ولا تقل شيئًا! فقال: نعم، فذكر له أشياء من الأماكن أو الأسرار، فقال: ليس كما تقولون، ثم ذكر له السر بعينه أو المكان بعينه فسكت، فليس هذا بإظهار ولا إفشاء ولا إعلام، ولا يحنث في شيء مما وصفت لك، وكذلك لو حلف لا يدلهم [ففعل] (٣) مثل ذلك، فليس هذا بدلالة؛ لأن الحالف حلف على فعل نفسه، ولم يوجد منه فعل الإفشاء ولا الإظهار ولا الدلالة وإنما استدلوا هم، ويمينه لا تتناول فعلهم.

стр. 2649

ولو أومأ برأسه أو أشار إليهم كانت هذه دلالة، إلا أن يعني (١) بالدلالة الخبر باللسان أو بالكتاب، فيكون على ما عنى؛ وذلك لأن الدلالة تتناول الأفعال كما تتناول الأقوال، ألا ترى أن أفعال الله تعالى دلالة عليه، وقوله دليل على الأحكام، فحمل لفظ الدلالة عليهما، فإن نوى أحدهما فقد خصص ما في لفظه. قال: والبشارة مثل الخبر؛ لأنها خبر بصفة وهو ما يتغير عنده بشرة الوجه، فلا يتناول إلا الكلام أو الكتاب (٢). قال: وكذلك [الإقرار] لو حلف لا يقر لفلان بحق، فهو مثل الخبر، ولا يحنث بالإشارة؛ لأن الإقرار خبر عن الماضي أو الحال. قال: ولو حلف: والله لا أستخدم فلانة، فاستخدمها بكلام أو أمرها بشيء من الخدمة (٣) أو أشار إليها بالخدمة إشارة، أو أومأ إليها، فقد استخدمها وهو حانث؛ لأن الاستخدام استدعاء الخدمة، فكُلُّ فعل يستجلب به خدمتها فهو استخدام ويحنث به. قال: فإن كانت هذه الأيمان كلها وهو صحيح ثم خرس، فصار لا يقدر على الكلام، كانت [أيمانه] في هذا كله على الإشارة والكتابة في جميع ما وصفت لك، إلا في خصلة، أن تقول: لا أتكلم بسر فلان، فلا يحنث حتى يتكلم؛ وذلك لأن الكلام من [العِباد] حروف منظومة تدل على معنى، وذلك لا يوجد في الإشارة، فأما الخبر والإفشاء والإظهار فلا يوجد في الأخرس إلا

стр. 2650

بالإشارة فحنث بها. قال: وكل شيء من هذا حنثناه فيه بالإشارة والإيماء، فقال: أشرت أو أومأت وأنا لا أريد الذي حلفت عليه، فإن كان فعل ذلك جوابًا لشيء مما سئل عنه مما حلف عليه، لم يصدق في القضاء؛ وذلك لأن الإشارة فيها احتمال، فإن كانت هناك دلالة حالٍ، زال الاحتمال، وإن لم تكن رجع إلى نيته. قال: وإذا قال: والله لا أعلّمه، أو لا أَبَشِّرُهُ، أو لا أخبره، فكتب إليه بذلك، أو أرسل رسولًا، فإنه يحنث في ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] وإنما أرسل إليه بذلك، وقد أخبرنا الله تعالى عن الأمم الماضية بالكتاب، فدل على أنه بشارة وخبر، وكذلك أعلمنا به الأحكام، فدل على أن الكتاب (١) إعلام. وقال ابن سماعة في نوادره عن محمد فيمن قال: والله لا أقول لفلان كذا، قال: فهو عندي مثل الخبر والبِشارة، ألا ترى أن رجلًا لو قال: والله لا أقول لفلان صَبَّحَك الله بخير ثم أرسل إليه رسولًا فقال: قل لفلان يقول لك فلان: صَبَّحك الله بخير، فإنه حانث، ألا ترى أن القائل هو المرسل، وأن الرسول غير قائل ذلك لفلان، [لو كان هو] (٢) الذي حلف عليه لم يحنث، ألا ترى أن الرجل يقول: قال الله تعالى لنا في كتابه كذا، فأما إذا قال والله لا أكلم فلانًا بهذا الأمر، فهذا على الكلام بعينه، لا يحنث بكتاب ولا رسول، ألا ترى أنك لا تقول كلمنا الله تعالى بكذا. وقال في الأصل: إذا قال: أيّ غلماني حدثني فهو على المشافهة؛ لأن ما

стр. 2651

سوى الكلام ليس بحديث. وقال في الأصل: إذا قال أيّ عبيدي بَشَّرني بكذا فهو حر فبشَّرُوه جميعًا عُتِقُوا؛ لأن كلَّ واحد منهم مبشر، ألا ترى أن كل واحد منهم أخبر بخير تغيرت عنده بشرة الوجه، [قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]،] ولو بشره واحد بعد واحد لم يعتق الثاني؛ لأنه مخبر وليس بمبشر؛ لأن البشرة لا تتغير عند خبره. فإن أرسل إليه أحدهم رسولًا فقال الرسول: إن عبدك فلان يخبرك بكذا، عُتِقَ العبد؛ لأن المرسل هو المبشر، وإن أخبره الرسول ولم يضف ذلك إلى العبد، لم يعتق العبد؛ لأنه لا تعلق له بالخبر (١). وقال هشام: أخبرني محمد قال: سألني هارونُ أمير المؤمنين عن إنسان حلف لا يكتب إلى فلان فأمر غيره فكتب، فقلت له: أما إذا كان سلطانًا يأمر بالكتاب ولا يكاد هو يكتب، فإنه يحنث. وهذا صحيح؛ لأنه إذا كان لا يباشر الكتابة فيمينه على الغالب من حاله وهو الأمر. قال هشام: قلت لمحمد: فما تقول إذا حلف لا يقرأ لفلان كتابًا، فنظر في كتابه حتى أتى على آخره، وفهمه ولم ينطق به. قال: سأل هارون أبا يوسف وقد كان ابتلي بذلك، فقال: لا يحنث، قال محمد: ولا أرى أن ذلك، ثم ندم محمد فقال: لا أقول فيه شيئًا.

стр. 2652

وقال هشام في توضيح آخر، قال محمد: زعم أبو يوسف أنه لم يقرأه [وأنا بريءٌ من ذلك] (١). وقد روى خلف بن أيوب، وداود بن رشيد، وابن رستم عن محمد: أنه يحنث. وحكى ابن رستم عنه قال: قال أبو يوسف يقرأ في نفسه ولا يتكلم بلسانه، قال محمد: هو حانث؛ لأن معاني كلام الناس هكذا. لأبي يوسف: أن القراءة ليست عبارة عن التفكر، وإنما هي تحريك اللسان بالحروف، ألا ترى أن الله تعالى أوجب علينا القراءة في الصلاة، فلو لم نحرك بها ألسنتنا لم يجز، وقد أجمعوا: أنه لو حلف لا يقرأ سورة من القرآن فنظر فيها ولم يحرك لسانه، لم يحنث. لمحمد: أن اليمين محمولة على العادة، وفي العادة إنما يراد بهذه اليمين الامتناع من الوقوف على ما في الكتاب، فحنث بذلك، وليس كذلك اليمين على قراءة القرآن؛ لأن الغرض من قراءته الثواب، وذلك يكون بتحريك اللسان. وقال هشام عن محمد: إذا قرأ الكتاب إلا سطرًا، قال: كأنه قرأه، قال: قلت: فإن قرأ نصفه؟ قال: [لا] (٢)، يعني: لم يقرأه. قال محمد: إذا قرأ المعاني يعني: التي يحتاج إليها، فكأنه قد قرأه؛ لأن الغرض الوقوف على ما فيه. قال: وإذا حلف لا يقرأ سورة، [فقرأها] وترك منها [نحو] الحرف حنث،

стр. 2653

وإذا كان كآية طويلة لم يحنث؛ لأن ترك الحرف لا يغير معنى السورة. وقال ابن رستم عن محمد: [قال]: لا أبلغك مثل لا أخبرك، وكذلك [لا] أذكرك بشيء، [ولا أذكر لك] (١) شيئًا، فإنه يحنث في الكتاب. قال: الذكر والإخبار والإعلام والإبلاغ على الكتاب، والقول والكلام على الكلام، قال عمرو: سألت محمدًا: عن رجل حلف لا يتمثل بشعر فتمثل بنصف بيت، قال: لا يحنث، [قال] قلت: فإن كان نصف البيت بيتًا من شعر آخر، قال: لا أدري ما هذا، لا يحنث؛ لأن الشعر ما ظهر فيه النظم، وذلك لا يكون إلا في بيت (٢). قال: وسألت محمدًا: عن رجل فارسي حلف أن (٣) يقرأ (الْحَمْدُ) بالعربية فقرأها فلحن، فقال: لا يحنث، وإن حلف رجل فصيح أن (٤) يقرأ (الحمد) بالعربية، فقرأها فلحن حنث؛ إذا لم يكن لأحدهما [نيّة]؛ لأن [العربي] (٥) إنما أراد بيمينه أن يقرأ بموضوع العرب، وذلك المُعَرَّب دون الملحون، فأما [العجمي] (٦) فإنما يريد اللغة العربية دون العجمية والملحون يعد من العربية (٧).

стр. 2654

بَابْ: الحلف على الدخول قال أبو الحسن: إذا حلفَ الرجل لا يدخل دارًا أو بيتًا أو مسجدًا أو حمامًا، فالدخول هو: الانفصال من خارج ذلك الشيء إلى داخله، وليس المكث فيه دخولًا. لو حلف لا يدخل دارًا وهو فيها، فمكث فيها بعد يمينه، لم يحنث، ألا ترى أنه لو دَخَل الدار يومَ الخميس فمكث فيها إلى يوم الجمعة فقال: والله ما دخلت هذه الدار يوم الجمعة، وإنما دخلتها يوم الخميس، بَرَّ في يمينه. والأصل في ذلك: أن الدخول ما ذكر من الانفصال من خارجه إلى داخله، والبقاء على الدخول لا يسمى دخولًا، ألا ترى أنك لا تقول: دخلتها يومًا، ولو كان البقاء يسمى باسم الابتداء جاز أن يضاف إلى الوقت الممتد، ألا ترى أن البقاء على الركوب لما سُمِّي ركوبًا، والبقاء على اللبس لما سُمي لبسًا، جاز أن يقول: ركبت يومًا ولَبِسْتُ يومًا. قال: وسواء دخلها راكبًا أو ماشيًا أو محمولًا بأمره؛ وذلك لأن اسم الدخول يتناول الجميع، وقد قالوا فيمن حلف لا يدخل، فأمر غيره فأدخله، حنث؛ لأن فعل الدخول بأمره، فصار كما لو دخلها راكبًا، وأما إذا احتمله غيره فأدخله بغير أمره لم يحنث؛ لأنه ليس بداخل، وإنما هو مدخل. وَروى محمد بن أبي رجاء، عن محمد، عن أبي يوسف أنه قال: إذا احتمله

стр. 2655

غيره وهو يهوى ذلك، لم يحنث؛ لأنه ليس بفاعل للدخول، واليمين منعقدة على الفعل دون الإرادة. واختلف أصحابنا المتأخرون إذا احتمله غيره وهو يقدر على الامتناع فلم يمتنع، فمنهم من قال: يحنث؛ لأنه لما لم يمتنع مع القدرة صار كأنه فعل الدخول، ومنهم من قال: لا يحنث، وهو الصحيح؛ لأنه ليس بداخل وإن كان ترك الممانعة. قال: وسواء دخلها من بابها أو غيره؛ لأنه عقد [يمينه] على الدخول، فالباب وغيره سواء، فإن نزل إلى سطحها حنث؛ لأن سطح الدار منها، ألا ترى أن الدار ما أحاطت به الدائرة. قال: ولو قام على حائط من حيطانها حنث؛ لأن الحائط مما يدور عليه الدائرة، فهو كسطحها. قال: ولو قام على ظُلَّة لها شارعة أو كنيف شارعة، فإن أبا يوسف قال: إن كانت الظلة مسكنًا للدار المحلوف عليها حنث، يعني إذا كانت مفتوحة إليها؛ لأنها كبيت من بيوتها ومنسوبة إليها. قال: فإن قام على أُسْكُفَّة (١) الباب تحت الطاق فهو على وجهين، إن كان الباب إذا أغلق كانت الأُسْكُفَّة خارجة منه، لم يحنث؛ لأنها خارج الدار، ألا ترى أن الباب ينغلق على ما في الدار، وإن كان الباب إذا أغلق كانت الأُسْكُفَّة داخل الباب حنث، كما يحنث في سائر بقاع الدار.

стр. 2656

قال: وإن أدخل الحالف إحدى رجليه ولم يدخل الأخرى، لم يحنث؛ لأنا لو جعلناه داخلًا بإحدى رجليه جعلناه خارجًا بالأخرى، فلا يكون في وقت واحد داخلًا وخارجًا، وقد روي عن بريدة أنه كان مع النبي ﵊ في المسجد فقال له: "إني لأعلمك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان بن داود" قال: فقلت: ما هي؟ فقال: "لا أخرج من المسجد حتى أعلمكها" قال: فلما أخرج إحدى رجليه قلت: لعله قد أنسِيَ، فقال: "بم تفتتح القراءة؟ " فقلت: ببسم الله الرحمن الرحيم، فقال: "هي هي" (١)، فدل أنه لم يخرج بإخراج إحدى رجليه، ومن المتأخرين من أصحابنا من قال: هذه المسألة [موضوعة] على أن داخل الدار وخارجها سطح واحد، فإن كانت الدار منهبطة فأدخل إليها إحدى رجليه حنث؛ لأن أكثره حصل فيها. قال: وإن أدخل رأسه ولم يدخل قدميه، لم يحنث، وكذلك إن تناول منها شيئًا بيده، لم يحنث؛ وذلك لأن هذا ليس بدخول، ألا ترى أن السارق إذا فعله بيده، [لم يجب عليه القطع] (٢). قال: وإذا حلف لا يدخل دارًا، فدخل خرابًا قد كان دارًا فذهب بناؤها، لم يحنث. ولو قال: لا أدخل هذه الدار، فذهب بناؤها بعد يمينه ثم دخلها، حنث في قولهم، وهذا على ما قدمنا أن اليمين المطلقة يعتبر فيها الصفة المعتادة، وإذا

стр. 2657

تعلقت بعين يعتبر فيها بقاء الاسم، والدار الخراب تسمى دارًا. وقال أبو يوسف: إذا قال: والله لا أدخل هذا المسجد، فهدم فصار صحراء ثم دخله، فإنه يحنث، قال: وهو مسجد وإن لم يكن مبينًا؛ وذلك لأن المسجد عبارة عن موضع السجود، وذلك موجود في الخراب. ولو حلف: لا يدخل هذا البيت أو بيتًا، فدخله ولا بناء فيه، لم يحنث؛ لما قدمنا أن البيت اسم للبناء [المبني المسقف]؛ ولهذا (١) تسمي العرب الأخبية بيوتًا، فإذا زال البناء زال الاسم. قال: فإن دخل مسجدًا، أو بيعة، أو كنيسة، أو بيت نار، أو دخل الكعبة، أو حمامًا، أو دهليزًا، أو ظلة باب دار، لم يحنث؛ وذلك لأن المساجد لا تسمى بيوتًا، والمعتبر في الأعيان الاسم المعتاد، ولا يقال: إن الله تعالى سماها بيوتًا في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]؛ لأن المعتبر في الأيمان بالاسم المعتاد دون تسمية القرآن. قال: ولو دخل صُفَّةً حنث، وهذا على عادة أهل الكوفة؛ لأن الصفة عندهم بيت بصفة: وهو الذي يسمى ببغداد بيت الجاري يسمونه بالكوفة صفة مُجَنَّحة، وإذا كان بيتًا عندهم حنث، فأما الصفة المعروفة في البلاد فلا يحنث بدخولها؛ لأنها لا تسمى بيتًا. قال: ولو حلف لا يدخل صُفَّةً فدخل بيتًا لم يحنث؛ لأن الصفة عندهم بيت بصفة، فلا يحنث فيما لا يوجد فيه تلك الصِّفَةِ (٢).

стр. 2658

قال أبو يوسف: فإن حلف لا يدخل من باب هذه الدار أبدًا، فدخل من غير الباب لم يحنث؛ وذلك لأنه حلف على عين (١) بصفة، وهو دخولها من الباب. قال: فإن نقب للدار باب آخر، فإن أراد أن يدخل منه فاليمين على وجوه ثلاثة: إن قال: من هذا الباب لم يحنث بالدخول من المحدث؛ لأنه حلف على باب معين، فلا يحنث بغيره. وإن قال: من باب الدار وعنى ذلك الباب، دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يديّن في القضاء؛ لأنه حلف على باب [مضاف إلى الدار] (٢)، وذلك عام في الموجود والمحدث، فإذا نوى أحدهما فقد خصص ما في لفظه، وإن لم يكن له نية فدخل من الباب المحدث حنث؛ لأنه باب مضاف إلى الدار كالباب الأصلي. قال هشام: سألت محمدًا عن رجل حلف لا يدخل لفلان دارًا أو حانوتًا، فدخل دارًا أو حانوتًا لفلان، والساكن فيه غير فلان المحلوف عليه، قال محمد: يحنث، إلا أن يقول: الدار أو الحانوت الذي فيه فلان؛ وذلك لأنه حلف على دار يملكها فلان، وذلك موجود فيما يسكنه وفيما لا يسكنه. قلت: فإن حلف لا يدخل دار فلان ولا حانوته قال: هل كان قبل هذا كلام؟ قلت: لا، قال محمد: فإن هذا على داره التي يسكنها كانت له أو كان فيها ساكنًا، فأما الحانوت فإن كان للمحلوف عليه حانوت هو فيه فهو كقوله: لا أدخل حانوتًا لك، وهذه المسألة قد بيّناها فيما مضى، وذكرنا أنه عقد على دار تضاف إلى فلان، وذلك موجود في إضافة السكنى، وذكرنا في الحانوت أن فلانًا

стр. 2659

إن كان ممن يسكن الحوانيت فهو على ما يسكنه، وإن كان ممن لا يسكن فهو على ما يملكه. قال: وإن حلف لا يدخل دار فلان، فدخل دارًا بين فلان وبين آخر، فإن كان فلان فيها ساكنًا حنث، وإن لم يكن ساكنًا لم يحنث؛ لأنه إذا كان ساكنًا [أضيفت] (١) إليه وإن لم يملك نصفها، فإذا ملك أولى، فإذا كان لا يسكنها فالدار مضافة إليهما، فلا يحنث بدخولها. قال: فإن حلف لا يزرع أرض فلان، فزرع أرضًا بين فلان وبين آخر حنث؛ لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضًا، ولبعض الدار لا يسمى دارًا. قال هشام: قلت لمحمد: فإن حلف لا يدخل بيت فلان ولا نية له، فدخل داره وفلان فيها ساكن، قال: لا يحنث، حتى يدخل البيت، فإن كانت نيته أن لا يدخل بيته، يعني مسكنه قال: يحنث؛ وذلك لأن البيت عبارة عن موضع المبيت، وذلك لا يوجد في صحن الدار، فإن نواه فقد شدد على نفسه. وقال ابن رستم: قال محمد في رجل حلف لا يدخل دار رجل بعينه مثل دار عمرو بن حريث وغيرها من الدور المشهورة (بأربابها، فدخل الرجل، وقد كان باعها عمرو بن حريث أو غيره) ممن تنسب قبل اليمين إليه، ثم دخلها الحالف بعد ذلك، حنث؛ لأن الدار المشهورة تضاف إلى أربابها على طريق النسبة لا على طريق الملك، فزوال الملك لا يوجب زوال اليمين. قال: وإن كانت هذه اليمين على دار من هذه الدور التي ليست لها نسبة

стр. 2660

تعرف بها، لم يحنث في يمينه؛ لأن الإضافة هاهنا يراد بها الملك دون النسبة، فإذا زال الملك زالت الإضافة. وقال ابن رستم، عن محمد في رجل حلف لا يدخل هذه الحجرة فكسرت الحجرة فدخلها، قال: لا يحنث، وليست الحجرة كالدار؛ لأن الحجرة اسم لما حجر بالبناء، فهي كالبيت، فإذا انهدمت زال الاسم. وقال ابن رستم، عن محمد في رجل حلف لا يدخل دار فلان، فصعد السطح، قال: يحنث، إلا أن يكون نوى صحن الدار، فلا يحنث فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأنهم قد يذكرون الدار ويريدون الصحن دون غيره، فقد نوى ما يحتمله كلامه. ولو حلف لا يدخل هذا المسجد فصعد فوقه حنث؛ لأن سطح المسجد منه، ولهذا لا يبطل الاعتكاف بانتقال المعتكف إليه، فإن كان فوق المسجد مسكن فلا يحنث؛ لأن ذلك ليس بمسجد، ولو انتقل المعتكف إليه بطل الاعتكاف بانتقاله إليه. ٢٢٤٩ - ونوع آخر من الدخول: [دخول الدار مجتازًا] قال أبو الحسن: وإذا حلف [الرجل] لا يدخل هذه الدار إلا مجتازًا، فإن ابن سماعة روى عن أبي يوسف: أنه إن دخل وهو لا يريد الجلوس، فإنه لا يحنث؛ لأنه عقد على كل دخول واستثنى دخولًا بصفة، وهو ما يقصد به الاجتياز، وقد حصل ذلك، فلم يحنث. قال: فإن دخل يعود مريضًا ومن رأيه الجلوس عنده، حنث؛ لأنه دخل

стр. 2661

على غير الصفة المستثناة، فإن دخل لا يريد الجلوس ثم بدا له بعد ما دخل فجلس، لم يحنث؛ لأنه لم يحنث بدخوله، فإذا بدا له بعد ذلك، فلم توجد الصفة المحلوف عليها؛ لأن البقاء على الدخول ليس بدخول، فلا يحنث به. وقال في الأصل: إذا حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل، فدخلها ليقعد فيها أو ليعود مريضًا فيها أو ليطعم فيها، ولم يكن له نية حين حلف، فإنه يحنث، ولكن إن دخلها مجتازًا ثم بدا له فقعد فيها، لم يحنث؛ لأن عابر سبيل هو المجتاز، فإذا دخلها لغير اجتياز حنث. قال: إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول فيها، فإن نوى ذلك فإنه يسعه؛ لأنه قد يقال: دخلت عابر سبيل بمعنى لم أدم على الدخول، ولم أستقر، وقد نوى ما يحتمله كلامه. وقال هشام، عن محمد، عن أبي حنيفة: في رجل حلف لا يطأ هذه الدار بقدمه فدخلها راكبًا، قال: يحنث؛ لأن هذا إنما هو على الدخول، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد؛ وذلك لأن المراد باليمين ليس هو مباشرة قدمه الأرض، ألا ترى أنه لو كان في رجله حذاء نعل حنث، فعلم أن المراد [به] الدخول. وقال ابن سماعة، عن محمد: في رجل حلف إن وضع قدمه في هذه الدار فعبده حر، فدخلها راكبًا فإنه يعتق، وهو قول أبي حنيفة؛ وهذا لما بينا، فإن كان نوى أن لا يضع قدمه ماشيًا فهو على ما نوى؛ لأنه نوى حقيقة كلامه [في الأصل] (١).

стр. 2662

وقال في الأصل: إن دخلها راكبًا أو ماشيًا عليه حذاء أو لا حذاء عليه، فإنه يحنث، وهذا على ما بيّنا (١). ٢٢٥٠ - ومما يلحق بمسائل هذا الباب: [دخول حانوت من حلف لا يدخل دار فلان] ما روى هشام، عن أبي يوسف: فيمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل حانوتًا مشرعًا من هذه الدار إلى الطريق، وليس له باب في الدار، فإنه يحنث؛ لأنه من جملة ما أحاطت به الدائرة. قال هشام: وسألت أبا يوسف: إن دخل بستانًا في تلك الدار؟ قال: لا يحنث، وهذا محمول على بستان متصل بالدار، وأما إذا كان في وَسَطها فإنه يحنث بدخوله؛ لأنه مما أحاطت به الدائرة، هكذا روي عن محمد. وقال ابن سماعة، عن محمد في نوادره: في رجل حلف لا يدخل دار فلان فحفر سَرَبًا (٢) فبلغ داره، وحفر تحت دار فلان حتى جاوزها، فدخل الحالف ذلك السَّرَب ومضى فيه تحت دار فلان، قال: لا يحنث، إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي منه أهل الدار، فدخل الحالف القناة وبلغ ذلك المكشوف، فإنه يحنث، وإن لم يبلغه لا يحنث، ولو كان المكشوف [شيئًا] قليلًا لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء فمر الحالف بالقناة حتى بلغ ذلك الموضع فليس بحانث؛ وذلك لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن منها منفذ لم يُعَدّ

стр. 2663

من الدار، ألا ترى أن المقصود (١) بدخول داره إمّا لكرامة أو هتك حرمة، وذلك لا يوجد فيما لا منفذ منه، فإن كان هناك منفذ يستسقى منه الماء فبلغ إليه فهو كمن دخل في بئر في داره، وإن كان لا ينتفع به إلا للضوء لم يصر داخلًا في الدار، فلا يحنث. قال: ولو اتخذ فلان سَرَبًا تحت داره وجعله بيوتًا، وجعل لها أبوابًا إلى الطريق، فدخلها رَجل قد حَلف لا يدخل دار فلان، فإنه حانث؛ وذلك لأن السَّرَبَ تحت الدار من بيوتها. قال: ولو عمد فلان إلى بيت من داره أو بيتين فسَدَّ أبوابها من [قِبَل] داره، وجعل أبوابها إلى دار الحالف على دخول الدار، فدخل الحالف هذين البيتين، فإنه لا يحنث؛ لأنها صارت منسوبة إلى [الدار] الأخرى، فلم يحنث بها. وقال ابن سماعة [عن محمد]: في سِرْداب (٢) يكون بابه إلى دار محتفرة في دار أخرى: إنه من الدار التي مدخله إليها وبابه إليها؛ وذلك لأنه بيت من بيوتها. قال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل حلف لا يدخل بغداد فانحدر من الموصل في سفينة فمَرَّ ببغداد، قال: لا يحنث، فإن خرج فمشى على الجسر حنث، وإن قدم إلى الشَّطِّ ولم يخرج لم يحنث، ولم يكن مقيمًا إن كان أهله ببغداد، وإن خرج إلى الشط حنث. وقال ابن سماعة عن محمد، إذا انحدر في سفينة مِنَ الموصل إلى البصرة

стр. 2664

فمر في وَسَط الدِّجْلة، قال: هو حانث. لأبي يوسف: أن دخول البلد يكون بالاستقرار فيه، وموضع الدجلة ليس بموضع الاستقرار، فلا يقصد بالدخول. ومحمد يقول: إن الدجلة من البلد، ألا ترى أنه لو عقد عليها جسرًا كان من البلد، وكذلك إذا حصَل في هذا الموضع وهو في السفينة (١) (٢).

стр. 2665

بَابْ: الحلف على السكنى قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يسكن هذه الدار [قال]: فالسكنى أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وهو حانث [في يمينه]؛ وذلك لأن السكنى هي للكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة، وذلك يكون بما يسكن به في العادة، ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه لم يكن ساكنًا للمسجد، ولو أقام فيه بما يتأثث به وصف بسكنى المسجد، فوجب اعتبار ذلك في اليمين. قال: وإن كان فيها ساكنًا وحلف لا يسكن فيها، فإنه لا يَبَرُّ حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه، ومتاعه، ومن كان يأويها لخدمته والقيام بأمره في منزله، فإن لم يفعل ذلك و [لم] يأخذ في النقلة من ساعته وهي ممكنة، حنث. والكلام في هذا في فصلين: أحدهما: أنه إذا حلف لا يسكن فانتقل بأهله ومتاعه في الحال، لم يحنث، وقال زفر: يحنث. وعلى هذا الخلاف، إذا حلف الراكب [أن لا يركب]، فنزل في الحال، وإذا حلف اللابس أن لا يلبس فنزع في الحال. وجه قولهم: أن اليمين تعقد على ما يمكن الاحتراز منه، ولا تعقد على ما لا يمكن الاحتراز منه، ألا ترى أن الإنسان يحلف ليبر لا ليحنث، ومعلوم أن ما بين الحلف والنزول والانتقال لا يمكن الاحتراز منه، فكانت اليمين على ما سواه.
следующие страницы →