على غير الصفة المستثناة، فإن دخل لا يريد الجلوس ثم بدا له بعد ما دخل فجلس، لم يحنث؛ لأنه لم يحنث بدخوله، فإذا بدا له بعد ذلك، فلم توجد الصفة المحلوف عليها؛ لأن البقاء على الدخول ليس بدخول، فلا يحنث به.
وقال في الأصل: إذا حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل، فدخلها ليقعد فيها أو ليعود مريضًا فيها أو ليطعم فيها، ولم يكن له نية حين حلف، فإنه يحنث، ولكن إن دخلها مجتازًا ثم بدا له فقعد فيها، لم يحنث؛ لأن عابر سبيل هو المجتاز، فإذا دخلها لغير اجتياز حنث.
قال: إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول فيها، فإن نوى ذلك فإنه يسعه؛ لأنه قد يقال: دخلت عابر سبيل بمعنى لم أدم على الدخول، ولم أستقر، وقد نوى ما يحتمله كلامه.
وقال هشام، عن محمد، عن أبي حنيفة: في رجل حلف لا يطأ هذه الدار بقدمه فدخلها راكبًا، قال: يحنث؛ لأن هذا إنما هو على الدخول، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد؛ وذلك لأن المراد باليمين ليس هو مباشرة قدمه الأرض، ألا ترى أنه لو كان في رجله حذاء نعل حنث، فعلم أن المراد [به] الدخول.
وقال ابن سماعة، عن محمد: في رجل حلف إن وضع قدمه في هذه الدار فعبده حر، فدخلها راكبًا فإنه يعتق، وهو قول أبي حنيفة؛ وهذا لما بينا، فإن كان نوى أن لا يضع قدمه ماشيًا فهو على ما نوى؛ لأنه نوى حقيقة كلامه [في الأصل] (١).
стр. 2662
وقال في الأصل: إن دخلها راكبًا أو ماشيًا عليه حذاء أو لا حذاء عليه، فإنه يحنث، وهذا على ما بيّنا (١).
٢٢٥٠ - ومما يلحق بمسائل هذا الباب: [دخول حانوت من حلف لا يدخل دار فلان]
ما روى هشام، عن أبي يوسف: فيمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل حانوتًا مشرعًا من هذه الدار إلى الطريق، وليس له باب في الدار، فإنه يحنث؛ لأنه من جملة ما أحاطت به الدائرة.
قال هشام: وسألت أبا يوسف: إن دخل بستانًا في تلك الدار؟ قال: لا يحنث، وهذا محمول على بستان متصل بالدار، وأما إذا كان في وَسَطها فإنه يحنث بدخوله؛ لأنه مما أحاطت به الدائرة، هكذا روي عن محمد.
وقال ابن سماعة، عن محمد في نوادره: في رجل حلف لا يدخل دار فلان فحفر سَرَبًا (٢) فبلغ داره، وحفر تحت دار فلان حتى جاوزها، فدخل الحالف ذلك السَّرَب ومضى فيه تحت دار فلان، قال: لا يحنث، إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي منه أهل الدار، فدخل الحالف القناة وبلغ ذلك المكشوف، فإنه يحنث، وإن لم يبلغه لا يحنث، ولو كان المكشوف [شيئًا] قليلًا لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء فمر الحالف بالقناة حتى بلغ ذلك الموضع فليس بحانث؛ وذلك لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن منها منفذ لم يُعَدّ
стр. 2663
من الدار، ألا ترى أن المقصود (١) بدخول داره إمّا لكرامة أو هتك حرمة، وذلك لا يوجد فيما لا منفذ منه، فإن كان هناك منفذ يستسقى منه الماء فبلغ إليه فهو كمن دخل في بئر في داره، وإن كان لا ينتفع به إلا للضوء لم يصر داخلًا في الدار، فلا يحنث.
قال: ولو اتخذ فلان سَرَبًا تحت داره وجعله بيوتًا، وجعل لها أبوابًا إلى الطريق، فدخلها رَجل قد حَلف لا يدخل دار فلان، فإنه حانث؛ وذلك لأن السَّرَبَ تحت الدار من بيوتها.
قال: ولو عمد فلان إلى بيت من داره أو بيتين فسَدَّ أبوابها من [قِبَل] داره، وجعل أبوابها إلى دار الحالف على دخول الدار، فدخل الحالف هذين البيتين، فإنه لا يحنث؛ لأنها صارت منسوبة إلى [الدار] الأخرى، فلم يحنث بها.
وقال ابن سماعة [عن محمد]: في سِرْداب (٢) يكون بابه إلى دار محتفرة في دار أخرى: إنه من الدار التي مدخله إليها وبابه إليها؛ وذلك لأنه بيت من بيوتها.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل حلف لا يدخل بغداد فانحدر من الموصل في سفينة فمَرَّ ببغداد، قال: لا يحنث، فإن خرج فمشى على الجسر حنث، وإن قدم إلى الشَّطِّ ولم يخرج لم يحنث، ولم يكن مقيمًا إن كان أهله ببغداد، وإن خرج إلى الشط حنث.
وقال ابن سماعة عن محمد، إذا انحدر في سفينة مِنَ الموصل إلى البصرة
стр. 2664
فمر في وَسَط الدِّجْلة، قال: هو حانث.
لأبي يوسف: أن دخول البلد يكون بالاستقرار فيه، وموضع الدجلة ليس بموضع الاستقرار، فلا يقصد بالدخول.
ومحمد يقول: إن الدجلة من البلد، ألا ترى أنه لو عقد عليها جسرًا كان من البلد، وكذلك إذا حصَل في هذا الموضع وهو في السفينة (١)(٢).
стр. 2665
بَابْ: الحلف على السكنى
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يسكن هذه الدار [قال]: فالسكنى أن يسكنها بنفسه، وينقل إليها من متاعه ما يتأثث به ويستعمله في منزله، فإذا فعل ذلك فهو ساكن، وهو حانث [في يمينه]؛ وذلك لأن السكنى هي للكون في المكان على طريق الاستقرار والمداومة، وذلك يكون بما يسكن به في العادة، ألا ترى أن من جلس في المسجد وبات فيه لم يكن ساكنًا للمسجد، ولو أقام فيه بما يتأثث به وصف بسكنى المسجد، فوجب اعتبار ذلك في اليمين.
قال: وإن كان فيها ساكنًا وحلف لا يسكن فيها، فإنه لا يَبَرُّ حتى ينتقل عنها بنفسه وأهله وولده الذين معه، ومتاعه، ومن كان يأويها لخدمته والقيام بأمره في منزله، فإن لم يفعل ذلك و [لم] يأخذ في النقلة من ساعته وهي ممكنة، حنث.
والكلام في هذا في فصلين: أحدهما: أنه إذا حلف لا يسكن فانتقل بأهله ومتاعه في الحال، لم يحنث، وقال زفر: يحنث.
وعلى هذا الخلاف، إذا حلف الراكب [أن لا يركب]، فنزل في الحال، وإذا حلف اللابس أن لا يلبس فنزع في الحال.
وجه قولهم: أن اليمين تعقد على ما يمكن الاحتراز منه، ولا تعقد على ما لا يمكن الاحتراز منه، ألا ترى أن الإنسان يحلف ليبر لا ليحنث، ومعلوم أن ما بين الحلف والنزول والانتقال لا يمكن الاحتراز منه، فكانت اليمين على ما سواه.
стр. 2666
وجه قول زفر: أنه قد وجد عقيب اليمين جزءًا من السكنى [وإن قلَّ] لو حصل [ذلك] من الحالف على السكنى وليس هو في الدار، حنث، فكذلك إذا حصل ممن هو فيها.
والفصل الثاني: إذا انتقل بنفسه ولم ينقل متاعه وأهله، قال أصحابنا: يحنث، وقال الشافعي: لا يحنث (١).
لنا: أن السكنى إنما تكون بما يسكن به [في] العادة على ما بيّنا، فإذا حلف على نفيها اقتضى إزالة ما صار به ساكنًا، فإذا لم يفعل حنث؛ لأن قوله: لا أسكن هذه الدار [أي: لا أسكنها] تنزُّهًا عنها وصيانة لنفسه وكراهة لها، وذلك مما يقصده الإنسان في أهله كما يقصده في نفسه، فكانت اليمين عليهما.
وقد تكلم الشافعي محتجًا في هذه المسألة [قال]: إذا خرجت من مكة وخلفت دفترات بها أفأكون ساكنًا بمكة؟ وهذا غلط؛ لأن الدفاتر لا يسكن بها في البيوت، فبقاؤها لا يوجب بقاء السكنى.
وعلى أن من أصحابنا من قال: إذا حلف لا يسكن هذه الدار، فخرج منها وفيها أهله أو متاعه، حنث؛ لأنه يسمى ساكنًا، ألا ترى أنه يقال للرجل وهو في السوق: أين تسكن؟ فيقول: في موضع كذا، فدل على أنه ساكن وإن لم يكن فيها.
قالوا: ومن حلف لا يسكن في بلد فخرج منه وترك أهله فيه لم يحنث، لأنه لا يقال لمن بالبصرة [أنه] ساكن بالكوفة، أما إذا انتقل بنفسه وأهله ومتاعه وترك
стр. 2667
من أثاثه شيئًا يسيرًا، فإن أبا حنيفة قال: يحنث، وقال أبو يوسف: إذا كان المتاع المتروك لا يشغل بيتًا ولا بعض الدار، لا يحنث، [ولست أجد] (١) في هذا حدًا، وإنما هو على الاستحسان، وعلى ما يعرفه الناس.
وكان أصحابنا يقولون: معنى قول أبي حنيفة: إذا ترك شيئًا يسيرًا، يعني: ما يعتد به في التأثث، ويسكن بمثله، فأما إن خلف فيها وتدًا أو مكنسة، لم يحنث.
لأبي حنيفة: أن اليمين لما اقتضت خروجه من الدار وإخراج ما صار به ساكنًا، فمتى بقي منه شيء فلم يوجد شرط البر بكماله، فحنث.
لأبي يوسف: أن اليسير من الأثاث غير معتد به، ألا ترى أنه لا يسكن (٢) بمثله، فصار كالوتد.
٢٢٥١ - فَصْل: [الحنث إذا منع من التحول والخروج]
قال: فإن منع من التحول وأن يخرج بنفسه، ومنعوا متاعه وأوثقوه وقهروه، فإنه لا يحنث وإن أقام على ذلك أيامًا؛ وذلك لأن البقاء على السكنى يجري مجرى الابتداء، ومعلوم أن من حلف لا يسكن هذه الدار، فحمل إليها مكرهًا لم يحنث به، وكذلك البقاء إذا كان بإكراه لم يحنث به؛ لأنه ليس بساكن، وإنما هو مسكن.
وقال محمد: إذا خرج من ساعته وخلف متاعه كله في المسكن فمكث في طلب منزل أيامًا ثلاثًا (٣) فلم يجد ما يستأجر، وكان يمكن أن يخرج من المنزل
стр. 2668
أو يضع متاعه خارجًا من الدار، قال: لا يحنث؛ لأن هذا من عمل النَّقَلَةِ؛ وذلك لأن النقلة محمولة على العادة، والمعتاد أن ينتقل من منزل إلى منزل، فأما أن يلقي متاعه على الطريق فليس بمعتاد؛ ولأنه مادام في طلب المنزل فهو متشاغل بالانتقال، كما لو خرج يطلب من يحمل (١) رحله.
قال محمد: إن كان الساكن موسرًا وله متاع كثير وهو يقدر على أن يستأجر من ينقل متاعه في يوم فلم يفعل، وجعل ينقل بنفسه الأول فالأول فمكث في ذلك سنة، قال: إذا كان النقل (٢) لا يغير، فإنه لا يحنث؛ وذلك لأن الحنث يقع بالاستقرار في الدار، ومن تشاغل بالانتقال فليس بمستقر؛ ولأنه لا يلزمه الانتقال على أسرع الوجوه، ألا ترى أن الانتقال المعتاد لا يحنث به وإن كان غيره أسرع منه.
قال: فإن تحول ببدنه وقال ذلك أردت، وقد كان حلف لا يسكن هذه الدار وهو ساكن فيها فهو كما نوى؛ وذلك لأنه إذا حلف [لا يسكن هذه الدار] (٣) لم يكن ساكنًا إلا بنفسه وأثاثه، فإذا قال: أردت السكنى بنفسي فقد شدد على نفسه.
قال: فإن كان الحلف [وُجد] وهو ساكن وقال: نويت الانتقال ببدني، دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يديّن في القضاء؛ لأنه نوى غير ظاهر كلامه، فلم يصدق في القضاء (٤).
قال: وإذا كان رجل ساكنًا مع رجل في دار، فحلف أحدهما لا يساكن
стр. 2669
صاحبه، فإن أخذ في النقلة وهي ممكنة على المكان وإلا حنث، والنقل على ما وصفنا لك إذا كان ساكنًا في الدار فحلف لا يسكنها؛ وذلك لأن المساكنة أن يجمعهما منزل واحد، فإذا لم ينتقل في الحال فالبقاء على المساكنة مساكنة، فحنث.
قال: فإن وهب الحالف متاعه للمحلوف عليه، أو أودعه، أو أعارهُ ثم خرج في طلب منزل، فلم يجد منزلًا أيامًا ولم يأت الدار التي فيها صاحبه، قال محمد: إن كان وهب المتاع وأقبضه منه وخرج من ساعته وليس من رأيه العود إليه، فليس بمساكن له، وكذلك إن أودعه المتاع ثم خرج لا يريد العود إلى ذلك المنزل، وكذلك العارية؛ لأنه إذا وهب المتاع وأقبضه وخرج، فليس بساكن بنفسه ولا بماله، وإذا أودعه فليس بساكن له، وإنما هو في يد المودَع، وكذلك إذا أعاره فلم يحنث.
قال: ولو كان له في الدار زوجة فأرَادَها على الخروج، فأبت وامتنعت وحَرّض على خروجها واجتهد فلم [تخرج] (١)، فإنه لا يحنث إذا كانت هذه حالها؛ وذلك لأنه لو بقي في الدار مكرهًا لم يحنث لعدم اختياره للسكنى، وإذا بقي فيها ما يسكن به بغير اختياره فهو كذلك.
стр. 2670
بَابْ: السكنى في الأماكن
قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل لا يساكن فلانًا، فساكنه في دار أو بيت أو غرفة، حنث؛ وذلك لأن المساكنة هي القرب والاختلاط، فإذا سكنا في موضع يصلح للسكنى فقد وجد الفعل المحلوف عليه، فحنث.
قال: فإن ساكنه في دار، هذا في حجرة وهذا في حجرة، أو هذا في منزل وهذا في منزل، حنث، إلا أن تكون دارًا كبيرة.
قال أبو يوسف: مثل دار الرقيق ونحوها، ودار الوليد بالكوفة، فإن هذا لا يحنث، وكذلك كل دار عظيمة فيها مقاصير ومنازل.
وقال هشام عن محمد: إذا حلف لا يساكن فلانًا ولم يسم دارًا، فسكن هذا حجرة وهذا حجرة لم يحنث، إلا أن يساكنه في حجرة واحدة.
قال هشام: قلت [لمحمد]: فإن حلف لا يساكنه في هذه الدار فسكن هذا في حجرة منها وهذا حجرة، قال: يحنث.
لأبي يوسف: أن المساكنة هي الاختلاط والقرب، فإذا كانا في حجرتين في دار صغيرة فالقرب موجود، فهو كبيتين من دار، وإذا كانا في حجرتين من دار عظيمة، فالقرب لا يوجد، فهو كدارين في محلة.
لمحمد: أن الحجرتين المختلفتين كالدارين، بدلالة أن السارق من أحدهما
стр. 2671
إذا نقل إلى الأخرى قطع، وليس كذلك إذا حلف لا يساكنه في دار؛ لأن اليمين على أن يجمعهما دار واحدة، وقد جمعهما، وإن كانا في حجرها.
فأما إذا سكن هذا في بيت من دار وهذا في بيت، وقد حلف لا يساكنه ولم يسم دارًا، حنث في قولهم؛ لأن بيوت الدار الواحدة كالبيت الواحد، ألا ترى أن السارق إذا نقل من أحد البيتين إلى الآخر [لم] (١) يقطع.
وقال أبو يوسف: فإن ساكنه في حانوت في السوق يعملان فيه عملًا أو يبيعان تجارة، فإنه لا يحنث، وإنما اليمين على المنازل التي إليها المأوى وفيها الأهل والعيال، وأما حوانيت البيع والعمل فليس اليمين عليها، إلا أن ينويها أو يكون كلامٌ بينهما قبل اليمين يدل عليها، فتكون اليمين على ما تقدم من كلامهما ومعانيهما (٢)؛ وذلك لأن السكنى عبارة عن المكان الذي يأوي إليه الناس في العادة، ألا ترى أنه لا يقال: فلان يسكن السوق وإن كان يتجر فيها، فإن جعل السوق مأواه قيل إنه يسكن السوق، فإن كان هناك دلالة تدل على أنه أراد باليمين ترك المساكنة في السوق، حملت اليمين على ذلك، فإن لم يكن هناك دلالة (٣) فقال: نويت المساكنة في السوق أيضًا، فقد شدَّدَ على نفسه.
قال: وإذا حلف لا يساكن فلانًا بالكوفة، ولا نية له، فسكن أحدهما في دار والآخر في دار أخرى في قبيلة واحدة، أو محلة واحدة، أو درب، فإنه لا يحنث، حتى يجمعهما السكنى في دار؛ وذلك لأن المساكنة هي المقارنة (٤)
стр. 2672
والمخالطة، وذلك لا يوجد إذا كانا في دارين، فأما ذكر الكوفة فلتخصيص اليمين لها، حتى لا يحنث بمساكنته في غيرها.
فإن قال: نويت أن لا أسكن الكوفة والمحلوف عليه بالكوفة، حنث؛ لأنه شدد على نفسه، وكذلك إن حلف لا يساكنه في الدنيا، فاليمين على المساكنة في دار واحدة على ما بيّنا.
قال: ولو أن مَلّاحًا حلف لا يساكن فلانًا، فساكنه في سفينة مع كل واحد منهما أهله ومتاعه واتخذها منزلًا، فإنه يحنث، وكذلك أهل البادية إذا جمعهم خيمة، فإن تفرقت الخيام لم يحنث وإن تقاربت؛ لأن السكنى محمولة على العادة، وعادة الملاحين السكنى في السفن، وعادَة البادية السكنى في الأخبية (١)، فيحمل يمنيهم على عادتهم (٢).
стр. 2673
بَابْ: [الحلف بالإيواء] والبيتوتة
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يأوي (١) مع فلان أو لا يأوي في مكان، أو دار، أو بيت، فالإيواء: الكون ماكثًا في مكان، ومع فلان في مكان قليلًا كان المكث أو كثيرًا، ليلًا كان أو نهارًا، وهو قول أبي يوسف الأخير وقول محمد إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يومًا أو أكثر، فيكون على ما نوى.
روى هذا ابن رستم: في رجل حلف بالطلاق لا يأويه وفلانًا بيت؛ وذلك لأن الإيواء عبارة عن المصير في الموضع، قال الله تعالى: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣] يعني: ألتجئ، وذلك [موجود] (٢) في قليل الوقت وكثيره.
وقد كان قول أبي يوسف الأول: إن الإيواء مثل البيتوتة، وأنه لا يحنث حتى يقيم في المكان أكثر الليل؛ لأنهم يذكرون الإيواء كما يذكرون البيتوتة، فيقولون: فلان يأوي في هذه الدار، كما يقولون: يبيت فيها.
فأما إذا نوى أكثر من ذلك، فالأمر على ما نوى؛ لأن اللفظ محتمل، ألا ترى أنهم يذكرون الإيواء ويريدون به السكنى والمقام.
وقد روى ابن رستم عن محمد في رجل قال: إن آواني وإياك بيت أبدًا،
стр. 2674
أنه على طرفة عين في قول أبي يوسف الآخر، وقولنا: إلا أن يكون نوى أكثر من ذلك يومًا أو أكثر.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا حلف لا يؤوي فلانًا، وقد كان المحلوف عليه في عيال الحالف وَمنزلهِ، فلا يحنث الحالف إلا أن يعيد المحلوف عليه مثل ما كان عليه، وإن لم يكن المحلوف عليه في عيال الحالف، فهذا على نية الحالف، إن نوى أن لا يعوله فهو كما نوى، وكذلك إن [حلف] (١) أن لا يدخله عليه بيته [فهو كما نوى] (٢)؛ وذلك لأن قوله: لا آويه يذكر ويراد به ضمه إلى نفسه في منزله، وقد يريد به القيام بأمره، فإن كان في اللفظ دليل على عكسه وإلا رجع (٣) إلى نيته.
قال: فإن دخل المحلوف عليه بغير إذنه فرآه فسكت، لم يحنث، وذلك لأنه حلف على فعل نفسه، وإذا لم يأمره لم يوجد فعله.
قال عمرو عن محمد: الإيواء عندي الكينونة (٤) والسكنى، فإن نوى المبيت فهو على ذهاب الأكثر من الليل، وإن لم ينو شيئًا فهو على ذهاب ساعة.
قال أبو الحسن: وإذا حلف أن لا يبيت مع فلان، أو لا يبيت في مكان كذا، فالمبيت بالليل حتى يكون ذلك منه أكثر من نصف الليل، وإن كان أقل، لم يحنث، وسواء نام في الموضع أو لم ينم؛ وذلك لأن البيتوتة عبارة عن الكون
стр. 2675
بالمكان (أكثر الليل) (١)، ألا ترى أن الإنسان يدخل على غيره ليلًا ويقيم عنده قطعة من الليل فلا يقال: بات عنده، فإن أقام أكثر الليل قيل: بات عنده، ويقال: بات فلان في منزله وإن كان في أول الليل في غيره، ولا يعتبر بالنوم؛ لأن اللفظ لا يقتضيه، كما لا يقتضي اليقظة، فلم يكن شرطًا فيه.
قال ابن رستم عن محمد: في رجل حلف لا يبيت الليلة في هذه الدار وقد ذهب ثلثا الليل ثم بات بقية الليل، قال: لا يحنث؛ وذلك لأن البيتوتة إذا كانت أكثر الليل فقد حلف على ما ليس بموجود، فلم تنعقد يمينه (٢).
стр. 2676
بَابْ: الحلف على الخروج
قال أبو الحسن: الخروج من الشيء: هو الانفصال من داخله إلى خارجه، وهو عكس الدخول، فإذا حلف لا يخرج من شيء فاعتبره بالدخول على ما بيّنت لك في الدخول، فإذا كان انفصاله من موضع إلى الشيء المحلوف عليه دخولًا فيه، فانفصاله من الموضع الذي يكون به داخلًا إلى الموضع الذي يبتدئ منه الدخول خروج، وهذا في البلدان، والدور والمنازل، والسفن، والأخبية والفساطيط والخيم؛ وذلك لأن الخروج هو الانفصال من داخل إلى (١) خارج، فإذا حصل ذلك وقد حلف عليه، تناولته اليمين.
فإن حلف لا يخرج إلا على صفة، فاعتبر تلك الصفة عند الانفصال، كما لو حلف لا يدخل إلا على صفة، أن تلك الصفة تعتبر حال الدخول.
قال: والخروج من الدور المسكونة: أن يخرج الحالف بنفسه ومتاعه وعياله كما يفعل إذا حلف أن لا يسكن، وإذا كان الحلف على الخروج من البلدان والقرى، فهو على خروج الحالف ببدنه خاصة؛ وذلك لأن حلفه على الخروج من الدار لكراهتها، ومن كره شيئًا لنفسه كرهه لأهله، فأما يمينه على الخروج من البلد فقد حمله على الخروج ببدنه خاصة؛ لأنه يقال: خرج من البلد وإن [كان] فيه عياله، ويقال: لم يخرج من الدار إذا كان فيها عياله [وثَقَله] (٢)، وقد خرج منها لحاجة [سفرًا وغيره]، وهذا يشهد لقول من قال من أصحابنا أن من حلف
стр. 2677
لا يسكن في بلد فخرج بنفسه دونَ عياله، برّ.
وقد ذكر هذا الفصل في الخروج ابن سماعة، عن أبي يوسف ومحمد، في الرقيات، وقال هشام: سمعت أبا يوسف قال: إذا قال: والله لا أخرج - وهو في بيت - من الدار فخرج إلى الدار لم يحنث، إلا أن يكون نيته ألا يخرج من البيت، فإذا خرج من الدار حنث.
فإن قال: نويت بالخروج إلى مكة، أو خروجًا من البلد، فإنه لا يصدق في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ وذلك لأن البيت والدار في حكم البقعة الواحدة، فاليمين على الخروج المطلق، يقتضي الخروج منها.
فإن قال: أردت الخروج من البيت، فقد شَدَّدَ على نفسه، وإن قال: أردت الخروج إلى مكة، فقد خصص ما ليس في لفظه، ألا ترى أنه خصص الجهات التي يقع إليها الخروج.
وعلى هذا قال محمد في الجامع الكبير: لو قال: إن خرجت فعبدي حر، وقال: عنيت السفر إلى بغداد دون ما سواها، لم يُدَيَّن (١) في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى تخصيص (٢) الجهات، وذلك ليس في لفظِه.
وقال هشام: سألت محمدًا عن رجل حلف لا يخرج من الرَّي إلى الكوفة، فخرج من الريّ يريد مكة وطريقه على الكوفة، قال محمد: إن كان حين خرج من الريّ نوى أن يمر بالكوفة فهو حانث، وإن كان حين خرج نوى أن لا يمر بها ثم بدا له بعد ما خرج، فصار من الري في الموضع الذي يقصد فيه الصلاة أن يمر
стр. 2678
بالكوفة فمر بها، لم يحنث؛ وذلك لأنه لما نوى أن يخرج إلى مكة ويمر بالكوفة فقد نوى الخروج إلى الكوفة وإلى غيرها، فيحنث، [وإذا نوى أن لا يمر بالكوفة، فلم ينو الخروج إليها، وما بعد ذلك ليس بخروج، فلا يحنث] (١)
وإن كانت نيته أن لا يخرج إلى الكوفة خاصة ليس إلى غيرها، ثم بدا له في الحج فخرج ونوى أن يمر بالكوفة، قال محمد: هذا لا يحنث فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى تخصيص ما في لفظه.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل قال لامرأته: إن خرجتِ من هذه الدار إلا إلى المسجد فأنتِ طالق، فخرجت تريد المسجد، ثم بدا لها فذهبت إلى غير المسجد لم تطلق؛ وذلك لأن الخروج حصل إلى المسجد، فصار مستثنىً من اليمين، فإذا [خرجت، ثم] قصدت غير المسجد [فهو بقاء على الخروج]، فالبقاء على الخروج ليس بخروج، فلم يحنث.
وقال عمرو: سألت محمدًا عن رجل حلف ليخرجنّ من الرِّقة، ما الخروج؟ قال: إذا جعل البيوت خلف ظهره؛ وذلك لأن من حصل في هذا الموضع جاز له القصر، فعلم أنه خرج من البلد.
وقال عمرو: وسئل محمد عن رجل قال لامرأته: إن خرجتِ في غير حق فأنت طالق، فخرجت في جنازة والدٍ أو أخٍ، قال: لا تطلق، وكذلك كل ذي رَحِمٍ مَحْرَم، وكذلك خروجها إلى العِرس أو خروجها فيما يجب عليها؛ وذلك لأن الحق ليس يراد به الواجب في العادة، وإنما يراد به ما يستحق في العادة، وهذا مستحق في العادة (٢).
стр. 2679
بَابْ: الرجل يحلف لا يدخل على فلان
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يدخل على فلان، ولم يسم شيئًا، فدخل عليه بيته، فإنه يحنث إذا كان يقصده بالدخول، فإن لم يقصده لم يحنث، وكذلك إن دخل عليه بيت رجل آخر؛ وذلك لأنه يكون داخلًا عليه بالقصد إليه، فإذا دخل وهو لا يقصده فليس بداخل عليه؛ ولأنه حلف لا يدخل عليه استخفافًا به وتركًا، لا كرامة، وهذا لا يكون إلا مع القصد.
وقد ذكر أبو الحسن في هذا الباب، عن ابن سماعة في نوادره ضد هذا، فقال في رجل قال (١): والله لا أدخل على فلان بيتًا، فدخل بيتًا على قوم وفيهم فلان ولا يعلم به الحالف، فإنه حانث بدخوله؛ وذلك لأنه حلف على الدخول عليه، والعلم (بشرط الحنث) (٢) ليس بشرط في الحنث، كمن حلف لا يكلم زيدًا وكلمه وهو لا يعرفه، إلا أن ظاهر المذهب ما قدمناه.
قال: ولو علم أنه فيه فدخل ينوي الدخول على القوم غيره، لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى؛ [وذلك] لأنه ليس بداخل عليه إذا قصد غيره، إلا أنه لا يصدق في القضاء؛ لأن الظاهر دخوله على الجماعة، وما في اعتقاده لا يعرفه الحاكم.
стр. 2680
قال أبو الحسن: فإن دخل عليه في مسجدٍ أو ظُلّة، أو سقيفة (١)، أو دهليز (٢) دار، لم يحنث؛ وذلك لأن دخول المسجد ليس بدخول عليه، لأن المقصود هو الدخول المعتاد الذي يدخل الناس بعضهم على بعض، وذلك يكون في البيوتِ خاصة، فإن دخل عليه في فسطاط أو خيمة أو بيت شعر، لم يحنث، إلا أن يكون الحالف من أهل البادية؛ وذلك لأن الدخول المعتاد في غير أهل البادية إنما يكون في البيوت والدور، والدخول في البادية يكون على العمد (٣)، فحمل ذلك على العادة.
وقال ابن سماعة عن محمد: إذا حلف لا يدخل على فلان هذه الدار، فدخل الدار وهو في بيت في الدار، قال: فإنه لا يحنث؛ لأن فلانًا ليس في الدار، وإن كان في صحن الدار حنث؛ وذلك لأنه لا يكون داخلًا عليه إذا لم يكن يشاهده، ألا ترى أن السَّقَّاء يدخل دار الأمير فلا يقال إنه دخل على الأمير.
قال: فإن قال: والله لا أدخل على فلان هذه القرية، فدخل القرية، فإنه لا يحنث؛ وذلك لأنه إنما يكون داخلًا عليه إذا دخل في بيته، وتخصيص القرية حتى لا يقع الحنث بالدخول عليه في غيرها.
وقال ابن رستم عن محمد: إذا قال: والله لا أدخل على فلان، ولم يذكر بيتًا ولا غيره، فدخل عليه فسطاطًا أو دارًا حنث، وهذا محمول على أن عادة فلان أن يدخل عليه في الفسطاط، وإلا لم يحنث [كما في الباب الأول، فإن
стр. 2681
دخل عليه في حَمّام، أو في مسجد، أو في الكعبة، فإنه لا يحنث]؛ وذلك لأن المقصود باليمين الامتناع من الدخول في الموضع الذي يكرم الناس بالدخول عليه فيه، وهذا لا يوجد في الحَمَّام والمساجد.
قال محمد: ولو دخل على فلان بيته وهو يريد [رجلًا زائرًا عنده] (١) لم يحنث، فإن دخله وهو يريده أو لا نية له حنث؛ وذلك لأنه إذا نوى الدخول على غيره فلم يقصده بالدخول فلا يحنث، وإنْ أطلق الدخول فهو داخل على كل من في الدار، فحنث، وهذا كالسلام إذا حلف لا يسلم على رجل فسَلَّم على جماعة وهو فيهم، حنث، وإن لم يرده بالنية، لم يحنث (٢).
стр. 2682
بَابْ: الحلف على اقتضاء الدراهم
قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل ليأخذنَّ من فلان حقه، أو ليقتصن من فلان حقه، فأخذ منه بنفسه، أو أمر من أخذها منه، أو أخذها من ضامن عنه، أو محتال عليه بأمر المطلوب، بَرَّ؛ وذلك لأنه إذا أخذ من وكيله أو كفيله بأمره فقد أخذ منه، ألا ترى أن حقوق القضاء لا تتعلق بالفاعل، وتتعلق بالآمر.
قال: فإن قبض من رجل لم يأمره المطلوب، أو محتال عليه، أو ضامن بغير أمره، حنث في يمينه ولم يبرَّ؛ وذلك لأن القبض ليس من المحلوف عليه، ألا ترى أن الدافع لا يرجع عليه بما أعطاه، فلم يوجد شرط البر فحنث.
وكذلك لو كان الحالف الذي عليه المال، [فقال] (١): ليعطين فلانًا حقه، فأعطاه بنفسه، أو برسول، أو أحاله، أو أمر من ضمنه له فأخذه (٢) الطالب، برَّ الحالف في يمينه لما بيَّنا أن حقوق الدفع لا تتعلق بالدافع، فتتعلق بالآمر، فكأنه دفع بنفسه.
ولو كان ذلك بغير أمره حنث الحالف؛ لأن الدفع المحلوف عليه لم يوجد، ألا ترى أن الدافع لا يرجع عليه.
فإن قال الحالف في هذين الوجهين: أردت أن يكون ذلك بنفسي، كان كما
стр. 2683
قال، فإن لم يفعل بنفسه حنث؛ لأنه شدد على نفسه.
فإن كان المطلوب حلف أن لا يعطيه، فأعطى على أحد هذه الوجوه حنث، فإن قال: إنما أردت أن لا أعطيه أنا بنفسي، لم يُدَيَّن في القضاء، ودُيّن (١) فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن العطاء بفعله وَفعل غيره سواء في القصد، فيتناولهما اليمين، فإذا نوى غير الظاهر لم يصدق في القضاء.
ولو أخذ به ثوبًا أو عوضًا فقبض العوض فهو بمنزلة قبض المال؛ وذلك لأنه يصير مستوفيًا بأخذ العوض، كما يصير مستوفيًا بأخذ نفس الحق.
قال: ولو كان الطالب حلف ليأخذنّ ماله منه، أو ليقبضنّه، أو ليستوفيه، ولم يوقت، فأبرأه من المال، أو وهبه له حنث في يمينه؛ وذلك لأن شرط البر فات في يمين منعقدة، ألا ترى أن البراءة ليس بقبض ولا استيفاء.
قال: لو كان وقَّت وقتًا، فقال: اليوم، أو إلى كذا وكذا، فأبرأه قبل ذلك أو وهبه له، لم يحنث عند أبي حنيفة ومحمد إذا جاوز ذلك الوقت، ويحنث عند أبي يوسف؛ لأن اليمين الموقّتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت، فكأنه قال: في آخر الوقت لأقضينه دينه، ولا دين له [عليه]، فلا تنعقد اليمين عندهما، وتنعقد عند أبي يوسف، ويحنث.
قال: فإن قبض الدين فكان زيوفًا أو بهرجة فهو قبض، ويبرّ من حلف على القبض أو على الدفع؛ لأنها من جنس الجياد، ألا ترى أنه يجوز أخذها في ثمن الصرف، فوقع بها الاقتضاء.
стр. 2684
وإن كانت ستوقة فليس هذا بقبض؛ لأنها ليست من جنس الدراهم، ولا يجوز التجوز بها في ثمن الصرف.
وكذلك لو ردّ الثوب الذي أخذ عن الدين بعيب أو استحق، كان قد برّ في يمينه، وهذا قبض؛ لأن المعيب قد صَحَّ قبضه عن الحق، وإنما ينفسخ قبضه بعد الاستيفاء، والمستحق يصح قبضه، وإنما يبطل فيه القبض لعدم الإجازة.
وقد قالوا: إذا اشترى بدينه بيعًا فاسدًا وقبضه، فإن كان في ثمنه (١) وفاء بالحق فهو قابض لدينه، ولا يحنث، وإن لم يكن فيه وفاء، حنث؛ لأن المضمون في البيع الفاسد القيمة دون المسمى.
ولو غصب الحالف مالًا مثل دينه، برَّ؛ لأن الاقتضاء يقع به، وكذلك لو استهلك له دنانير أو عروضًا؛ وذلك لأن القيمة تجب في ذمته، فتصير قصاصًا.
وقال محمد: إذا قال: إن لم أتزن من فلان ما لي عليه، أو [قال]: إن لم أقبض ما لي عليه في كيس، أو قال: إن لم أقبض ما لي عليه دراهم، أو بالميزان، أو قال: إن لم أقبض دراهم فضامن الدراهم التي لي عليه، فأخذ بذلك عوضًا أو شيئًا مما يوزن من الزعفران أو غيره، فهو حانث؛ وذلك لأنه لما ذكر الوزن وذكر الكيس والدراهم وقعت يمينه على جنس حقه، فإذا أخذ عوضًا عنه، حنث (٢).
стр. 2685
بَابْ: الحلف على الاستخدام
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يستخدم جارية (١) قد كانت تخدمه ولا نية له، فجعل الخادمة تخدمه من غير أن يأمرها، حنث؛ وذلك لأنه مستخدم لها بالمعنى وإن لم يستخدمها [بالعبارة] (٢)، ألا ترى أنه باقٍ على استخدامها السابق.
وليس كذلك إذ حلف على جارية (٣) لا يملكها فخدمته بغير أمره، أنه لا يحنث؛ لأنه لم يستخدمها بالنطق ولا بالمعنى، فلم يحنث في يمينه.
[وعلى هذا] (٤) ينبغي أن يقال: إذا نهى خادمته عن خدمته ثم خدمته بغير أمره لم يحنث؛ لأنه قطع استخدامها السابق بالنهي، فصارت خادمة له بغير استخدام.
قال: ولو حلف لا تخدمه فلانة، فخدمته بأمره أو بغير أمره وهي خادمه أو خادم غيره، حنث؛ لأنه عقد على فعلها، ولم يعقد على فعل نفسه، وفعلها موجود، وكل شيء من عمل بيته فهو خدمته (٥)؛ لأن الخدمة عبارة عن عمل
стр. 2686
البيت الذي يحتاج إليه في الغالب.
قال: ولو حلف لا يستخدم خادمًا لفلان فسألها وضوءًا أو شرابًا أو أومأ بذلك إليها، ولم يكن له نية حين حلف، حنث إن فعلت ذلك أو لم تفعل، إلا أن يكون عنى حين حلف أن يستعين بها فتعينه، فلا يحنث حتى تعينه؛ وذلك لأنه عقد على فعل نفسه، وهو الاستخدام، وقد فعل ذلك، وإن لم تجبه.
فإن عنى (١) أن تخدمه فقد نوى ما يحتمله كلامه، فيصدق فيما بينه وبين الله تعالى.
قال: وإذا حلف لا يخدمني خادم لفلان، فهو على الجارية والغلام، والصغير الذي يخدم والكبير في ذلك سواء؛ لأن اسم الخادم يجمع الذكر والأنثى، والصغير والكبير، إذا كان الصغير ممن يقدر على الخدمة (٢).
стр. 2687
بَابْ: الرجل يحلف لا يشتري شيئًا يسميه فيقع اليمين على جميع ما سمى أو على بعضه
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يشتري ذهبًا ولا فضة، فما اشترى من دنانير، أو دراهم، أو آنية، أو تِبْرٍ (١)، أو مصوغ حِلْية، أو غير ذلك مما هو ذهب أو فضة، فإنه يحنث في قول أبي يوسف، وقال محمد مثله إلا في الدراهم والدنانير، فإنه لا يحنث.
لأبي يوسف: أن اسم الذهب [والفضة] يقع على المضروب وغيره؛ بدلالة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، وأراد به الأمرين، ولأن الضرب صفة فيها، كما لو اتخذ آنية أو حُلِيًّا.
وجه قول محمد: أن الدراهم والدنانير لهما اسم يخصهما، فاسم الذهب والفضة لا يتناولهما على الإطلاق، فلم يحمل عليهما.
قال: ولو حلف لا يشتري حديدًا فهو على مضروب ذلك وتبره، سلاحًا كان أو غير سلاح بعد أن يكون حديدًا.
وقال محمد: لا يحنث إذا اشترى شيئًا من الحديد لا يسمى بائعه حدادًا، وإن اشترى شيئًا يسمى بائعه حدادًا، حنث.
لأبي يوسف: أن الحديد جنس يتناول المعمول وغير المعمول.
стр. 2688
وجه قول محمد: أن الإِبرة لا يتناولها اسم الحديد على الإطلاق، ولا يسمى بائعها حدادًا، وإنما لها اسم يخصها، فلم تدخل في اليمين.
قال أبو يوسف في باب الذهب والفضة: فإن كانت له نية دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، والنية في هذا واسعة؛ لأنه خصص ما في لفظه، وقال في باب الحديد: لو قال: عنيت التبر فاشترى إناء، لم يحنث، ولو قال: عنيت قمقمًا (١) فاشترى سيفًا، أو إبرًا، أو سكاكين، أو شيئًا من السلاح لم يحنث، ويديّن في القضاء. وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن الاسم [عنده] (٢) عام، فإذا نوى شيئًا منه فقد عدل عن ظاهر العموم، فلم يصدق في القضاء، وإن صدق فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال محمد في الزيادات: لو حلف لا يشتري حديدًا ولا نية له فاشترى درع حديد، أو سيفًا، أو سِكِّينًا، أو ساعدين، أو بيضة (٣) لم يحنث، وإن اشترى شيئًا [غير مضروب] (٤)، أو إناء من آنية الحديد، أو مسامير، أو أقفالًا، أو كانون (٥) حديد، حنث، وإن اشترى إبرًا أو مسالًا، لم يحنث.
قال: لأن الذي يبيع السلاح والإبر والمسال لا يسمى حدادًا، والذي يبيع
стр. 2689
ما وصفت لك يسمى حدادًا.
وقال أبو يوسف: إن اشترى باب حديد، أو كانون حديد، أو إناء حديد مكسورًا، أو نصل سيف مكسورًا، حنث، وهذا حديد، ألا ترى إلى كلام العرب: [كبّل] (١) في الحديد، وجاؤونا مدججين في الحديد، وقوله ﵊: "لا قود إلا بحديدة، ومن قتل بحديدة قتل" (٢)، وقول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
قال أبو يوسف: ولو حلف لا يشتري صُفْرًا فاشترى طست صُفْرٍ (٣)، وكوزٍ، أو تورًا (٤)، حنث؛ لأن أيمان الناس في هذا على الآنية لا على التبر، فإن اشترى تبرًا، حنث.
وقال محمد: وإن اشترى إناء، حنث؛ لأن الناس يسمون الذي يبيع ذلك صفارًا.
قال محمد: وإن اشترى فلوسًا لم يحنث؛ لأن الفلوس ليست من الصفر في كلام الناس.
قال أبو الحسن: فإذا حلف لا يشتري شيئًا ما، فاشترى غيره، فدخل المحلوف عليه في البيع على وجه التبع، لم يحنث، وإن لم يكن تبعًا حنث، وهذه مثل أن يحلف لا يشتري صوفًا فاشترى شاة على ظهرها صوف؛
стр. 2690
[لأن الصوف يدخل في العقد بغير تسمية] (١)، فلم يكن مقصودًا به.
وكذلك لو حلف لا يشتري آجُرًّا (٢)، أو خشبًا، أو قصبًا، فاشترى دارًا فإنه لا يحنث؛ لأن البناء يدخل [فيه] بغير تسميته، فلم يكن مقصودًا بالعقد.
ولو حلف لا يشتري ثمرة نخل، فاشترى أرضًا فيها نخل وفي النخل ثمر، وشرط المشتري الثمرة فإنه يحنث؛ لأن الثمرة معقود عليها لا على وجه التبع، ألا ترى أنه لو لم يسمها لم تدخل في البيع.
وكذلك لو حلف لا يشتري بقلًا، فاشترى أرضًا فيها بقل، واشترط المشتري البقل، فإنه يحنث؛ لما بينا أن البقل دخل بالتسمية لا على طريق التبع.
قال: وإن كان الاسم [لا] (٣) يقع عليه، لم يحنث، مثل أن يحلف لا يشتري لحمًا فاشترى شاة حية، فإنه لا يحنث؛ لأن العقد لم يتناول لحمها، ألا ترى أنه محرم (٤) لا يجوز العقد عليه.
وكذلك إن حلف لا يشتري زيتًا فاشترى زيتونًا؛ لأن العقد لم يقع على الزيت، ألا ترى أنه ليس في ملك البائع.
وعلى هذا قالوا فيمن حلف لا يشتري قصبًا ولا حَوْصًا، فاشترى بوريًا أو زنبيلًا من حَوص، لم يحنث؛ لأن الاسم لا يتناوله، وكذلك لو حلف لا يشتري جَدْيًا فاشترى شاةً حاملًا بجَدْي، أو حلف لا يشتري مملوكًا صغيرًا فاشترى أَمَةً
стр. 2691
حاملًا، وكذلك لو حلف لا يشتري لبنًا فاشترى شاة في ضرعها لبن، وكذلك لو حلف لا يشتري دقيقًا فاشترى حنطة.
وقالوا: لو حلف لا يشتري شعيرًا، فاشترى حنطة فيها شعير لم يحنث؛ لأن الشعير ليس بمعقود عليه، وإنما دخل في البيع على وجه التبع، وليس كذلك إذا حلف لا يأكل شعيرًا فأكل حنطة فيها شعير؛ لأن الأكل فعل، فإذا وقع في العينين لم يتبع إحداهما الأخرى، وأما الشراء فهو عقد، فبعض العين مقصود بالعقد، وبعضها غير مقصود.
وقد كان قول أبي يوسف الأول: إذا حلف لا يشتري صوفًا فاشترى شاة عليها صوف، أنه يحنث، ولو حلف لا يشتري لبنًا فاشترى شاة في ضرعها لبن، لم يحنث؛ قال: لأن الصوف ظاهر فتناوله العقد، واللبن باطن فلم يتناوله [العقد]، ثم رجع فسوى بينهما.
قال أبو الحسن: وإذا حلف لا يشتري دُهْنًا، فهو على كل دُهن جرت عادة الناس أن يدّهنوا به، وإن كان مما ليس في العادة أن يدهنوا به مثل الزيت والبزر، ودهن الخِرْوَع، ودهن الكارع، لم يحنث؛ وذلك لأن الدهن عبارة عما يدّهن به، والأيمان محمولة على العادة، فحملت اليمين على ما يقصد به الأدهان المطيبة.
قال: وإن حلف لا يدّهن بدهن ولا نية له، فادهن بزيت، حنث، وإن ادّهن بسمن، لم يحنث؛ لأن الزيت لو طبخ بالطيب صار دُهْنًا؛ فعلم أنه من جملة الأدهان، فأجراه بمجراها من وجه، ولم يجره مجراها من وجه، فقال: إن اشتراه لم يحنث، وإن ادّهن به حنث، فأما السمن فلا يُدّهن به بحال، فلم يحنث في الوجهين، وكذلك دهن الخِرْوَع والبزر.
стр. 2692
قال: ولو اشترى زيتًا مطبوخًا ولا نية له حين حلف، فإنه يحنث؛ لأن الزيت المطبوخ بألبان والزنبق (١) دهن يدهن به كسائر الأدهان.
قال: وإذا حلف لا يشتري بَنَفْسَجًا أو خِيْرِيًا (٢)، أو حلف لا يشمهما، فهو على الدهن والورَق في البابين جميعًا، وقد ذكر في الأصل: إذا حلف لا يشتري بنفسجًا، أنه على الدهن دون الورَق، وهذا على عادة أهل الكوفة أنهم إذا أطلقوا البنفسج أرادوا به الدهن، فأما الآن في غير الكوفة فالاسم للورَق، فيحمل عليه.
وقد حمله أبو الحسن عليهما، وهذا رواية عن أبي يوسف على أصله: أن اليمين تحمل على الحقيقة والمجاز.
وأما الحِنَّاءُ والوَرْدُ فهو على الورَق دون الدهن، إلا أن ينوي الدهن فيديَّن فيما بينه وبين الله تعالى، وفي القضاء إن كان ذلك يحنث به؛ وذلك لأن الورد والحناء يطلق على الورق دون الدهن، فحملت اليمين على الإطلاق.
وقد ذكر في الجامع الصغير: أن البنفسج على الدهن، والورد على [ورق الورد] (٣)، وجعل في الأصل الخيرى مثل الورد والحِنّاء، فحمله على الورَق.
قال: ولو حلف لا يشتري بزرًا، فاشترى دهن بزر حنث، فإن اشترى حَبًّا لم يحنث؛ لأن الإطلاق يتناوَل الدهن دون الحب (٤).
стр. 2693
بَابْ: الرجل يحلف لا يقعد على الشيء
قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل لا يجلس على الأرض، فإنه لا يحنث إلا أن يجلس على الأرض وليس بينه وبينها شيء غير ثيابه، فإن كان بينه وبين الأرض حصير، أو بوري، أو بساط، أو كرسي، أو شيء بسطه، لم يحنث؛ وذلك لأن الجالس على الأرض من باشر الأرض، ولم يَحِل بينه وبينها ما هو منفصل عنه، ألا ترى أنهم يقولون: جلس على الأرض وإن حال بينه وبينها ثيابه، فإذا حال بينهما ما هو منفصل عنه قالوا: جلس على بساط (١) أو حصير، والمعتبر في الأيمان العادة.
قال: وإن حلف لا يجلس على هذا الفراش، أو هذا الحصير، أو هذا البساط، فجعل عليه مثله، ثم جلس، لم يحنث؛ لأنه ينسب إلى الجلوس على الثاني دون الأول، ألا ترى أن الطَنْفَسَة (٢) إذا جعلت على البوري لم يقل إنه جلس على البوري، وكذلك إذا جعل الفراش على الفراش، أو البساط على البساط.
وخالف أبو يوسف في الفراش خاصة، فقال: إذا حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه فراشًا آخر ونام عليه، حنث؛ لأنهما مقصودان بالنوم، ألا ترى أنه يفعل ذلك لزيادة التوطئة.
стр. 2694
واتفقوا أنه إذا حلف لا ينام على هذا الفراش فجعل فوقه قِرَامًا (١) أو محشيًا (كلاهما واحد) (٢)، حنث؛ لأن ذلك لا يمنع أن يقال: نام على الفراش.
قال: وإن حلف لا يجلس على هذا السرير أو هذا الدكان، أو لا ينام على هذا السطح، فجعل فوقه مصلى أو فراشًا أو بساطًا، ثم جلس عليه، حنث؛ لأنه يقال: جلس الأمير على السرير، وإن كان فوقه فراش، ويقال: نام على السطح وإن كان نام على فراش.
قال: فلو جعل فوق السرير سريرًا، أو بنى فوق الدكان دكانًا، أو فوق السطح سطحًا، لم يحنث؛ لأن الجلوس يضاف إلى الثاني دون الأول.
قال محمد: وإن كان نوى مباشرته ليس فوقه شيء لم يُدَيَّن في القضاء، يعني: إذا حلف لا ينام على السرير فنام على فراش فوق السرير؛ لأنه نوى غير ظاهر كلامه.
ولو قال: والله لا أنام على ألواح هذا السرير، أو ألواح هذه السفينة، ففرش على ذلك فراشًا، لم يحنث؛ لأنه لم يتم على [الألواح] (٣).
وقال في الأصل: إذا حلف لا يمشي على الأرض فمشى عليها وفي رجليه خف أو نعل يحنث؛ لأن المشي على الأرض هكذا يكون، ألا ترى أنه لم يحل بينه وبين الأرض ما هو منفصل عنه، وإن مشى على بساط، لم يحنث؛ لأنه يقال: مشى على البساط، وجاء في الشعر:
стр. 2695
نحن بناتُ طارِق … نمشي على النَّمَارِق (١)
قال: ولو مشى على سطح حنث؛ لأنه لا يقال: هذه أرض السطح، ويقال لمن [نام] على السطح [لم تنام] على الأرض (٢).
стр. 2696
بَابْ: الرجل يحلف لا يفعل الشيء فيأمر به غيره
قال أبو الحسن: مسائل هذا الباب على ضربين: كل ما يتعلق حقوقه بالفاعل إذا حلف لا يفعله فأمر به غيره، لم يحنث، كالبيع والشراء والإجارة والقسمة؛ وذلك لأن حقوق هذه العقود لمّا تعلقت بعاقدها دون الآمر بها، لم تضف إلى الآمر، وإنما تضاف إلى الفاعل، فصار الحالف كأنه قال: لا ألتزم حقوق هذه العقود، ولم يلتزمها بالأمر.
ولهذا قالوا: إن الوكيل إذا كان هو الحالف، حنث؛ لأنه التزم حقوق العقد.
قالوا: إلا أن يكون الحالف سلطانًا لا يتولى العقود بنفسه، فيمينه على الآمر؛ لأنه إنما يمتنع عما يفعله في العادة، والذي يفعله هو الآمر.
والقسم الثاني: ما لا يتعلق حقوقه بالعاقد، وإنما يتعلق بالآمر، أو ما لا حق له: كالنكاح، والطلاق، والعتاق، والكتابة، والصرف، والهبة، والصدقة، والكسوة، والاقتضاء، والقضاء، والخصومة، والشركة إذا قال: لا أشارك [رجلًا] فأمر من يشاركه، والذبح كذلك.
فإذا حلف لا يفعل هذه الأشياء ففعلها بنفسه أو أمر غيره، حنث؛ وذلك لأنها تضاف إلى الآمِر دون الفاعل، ألا ترى أن الوكيل لا يقول:
стр. 2697
تزوجت، وإنما يقول: [زوّجت] (١) فلانًا، وطلقت امرأة فلان، وإذا كانت الإضافة إلى الآمر، والحقوق تتعلق به فيما له حقوق، صار الآمر كالفاعل يحنث به.
واختلفت الرواية عن أبي يوسف في الصلح: فروى بشر بن الوليد عنه أن من حلف لا يصالح [فَوكّل] (٢) بالصلح لم يحنث؛ لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع، وروى ابن سماعة عنه: أنه يحنث؛ لأن الصلح [إسقاط للحق كالإبراء] (٣).
فإن قال فيما لا يتعلق حقوقه بالفاعل: نويت أن [أتولى] (٤) ذلك بنفسي، فإنه قال في الجامع الصغير: يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء (٥)؛ لأنه نوى غير ظاهره، ألا ترى أن الفعل يضاف إليه على وجه واحد.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا حلف لا يتصرف في عبده أو [لا] يذبح شاته، فأمر إنسانًا ففعل، حنث، ولو قال: عنيت أن [أتولى] (٦) ذلك بنفسي، فلا شيء عليه في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
стр. 2698
بَابْ: الرجل يحلف بصدقة ماله ثم يحنث
قال أبو حنيفة وأبو يوسف - في رجل حلف يهدي ما يملك، أو صدقة ما يملك إن فعل كذا، ثم فعله، قال: يمسك بعض ماله ويمضي بقية ماله فيما حلف به، فإذا أفاد مالًا أنفذ مقدار ما حبس في تمام ما لزمه؛ وذلك لأن الملك عبارة عن كل ما يتملك، وهذا موجود في كل جنس، وفي القليل والكثير، إلا أنه يمسك مقدار قوته؛ لأنه لو تصدق به يحتاج [أن يُتَصَدَّقَ عليه، فيتضرر] (١) بذلك، فجاز له أن يَصرف ذلك القدر إلى نفقة (٢) نفسه، فإذا اكتسب مالًا تصدق بمثله؛ لأنه انتفع به مع وجوب إخراجه عن ملكه في الصدقة، فكان عليه عوضه، كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة فيه.
وقد قالوا: إنه يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب.
قال: وإذا قال: مالي صدقة إن فعلت كذا، فحنث فهو على الأموال التي تجب فيها الزكاة، وما لا يكون فيه زكاة فإنه لا يدخل في ذلك، وهذه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو استحسان، والقياس: أن يلزمه في الجميع؛ لأن المال عبارة عما يتموّل به، كالملك الذي هو عبارة عما يتملك، فجريا مجرًى واحدًا.
стр. 2699
وجه الاستحسان: أن النذر المعلق بالمال معتبر بالحقوق التي أوجبها الله تعالى متعلقة بالمال: وهى الزكاة، وذلك يتعلق بجنس دون جنس، وكذلك النذور محمولة على أصولها، فيلزمه أن يتصدق بالذهب والفضة وعُرُوْضِ التِّجَارَة والسَّوَائِم، ولا يلزمه أن يتصدق بدُوْرِ السُّكْنى وثِيَاب الْبَدَنِ، والأَثَاثِ، والعَوَامِل، والعروض التي لا يقصد بها التجارة، ولا يلزمه أن يتصدق بأرض الخراج؛ لأنه لا زكاة فيها، ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه؛ لأن ذلك مما يتعلق به الزكاة إذا انضم إليه غيره، فكأنهم اعتبروا الجنس دون القدر.
ولهذا قالوا: إنه إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دَيْنٌ مُحِيْطٌ به، لزمه أن يتصدق به، فلو قضى به دَيْنَه، لزمه التصدق بمثله؛ لأن المعتبر جنس ما يجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبة.
وقد قال أبو يوسف: قياس قول أبي حنيفة إذا حلف لا يملك مالًا ولا نية له، وليس له مال تجب فيه الزكاة، أنه لا يحنث؛ لأن إطلاق اسم المال لا يتناول ذلك.
قال أبو يوسف: ولا أحفظ عن أبي حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك، وَأراه يدخل في نذره، وهذا صحيح؛ لأنه شَدَّدَ على نفسه.
قال أبو يوسف: ويجب عليه أن يتصدق بما دون النصاب، ولا أحفظه عن أبي حنيفة، وإنما [قسته على] (١) قوله، وإذا كانت له ثمرة عُشْرِيَّة، أو غَلَّة (٢) عشرية تصدق بها في قولهم؛ لأن هذا مما (٣) يتعلق به حق الله وهو العشر.
стр. 2700
وقال أبو حنيفة: لا تدخل الأرض في النذر.
وقال أبو يوسف: يتصدق بها.
لأبي حنيفة: أن حق الله تعالى لا يتعلق بها، وإنما يتعلق بالخارج منها.
لأبي يوسف: أنها من جملة الأموال النامية التي يتعلق حقوق الله تعالى بها (١).
٢٢٥٢ - فَصْل: [لزوم الوفاء بالنذور المعلقة بالشروط]
وهذه المسائل مَبْنِيَّة على أن النذر المعلق بالشرط يلزم الوفاء به في رواية الأصول، وروى عامر، عن علي بن معبد، عن محمد بن الحسن: أنه رجع عن ذلك، وقال يجزئ فيه كفارة يمين.
وروي عن عبد العزيز بن خالد قال: قرأت على أبي حنيفة كتاب الأيمان، فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال: قف فإن من رأيي أن أرجع إلى الكفارة، قال: فخرجت حاجًا، فلما رجعت وجدت أبا حنيفة قد مات، فأخبرني الوليد بن أبان أن أبا حنيفة ﵀ رجع إلى الكفارة، وهو قول الشافعي (٢).
وقد اختلف الصحابة في هذه المسألة: فقال عمر وعائشة ﵄: عليه الكفارة، وقال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير: عليه الوفاء به (٣).
وجه الرواية المشهورة قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] فمدحهم على