بَابْ: الرجل يحلف لا يفعل الشيء فيأمر به غيره
قال أبو الحسن: مسائل هذا الباب على ضربين: كل ما يتعلق حقوقه بالفاعل إذا حلف لا يفعله فأمر به غيره، لم يحنث، كالبيع والشراء والإجارة والقسمة؛ وذلك لأن حقوق هذه العقود لمّا تعلقت بعاقدها دون الآمر بها، لم تضف إلى الآمر، وإنما تضاف إلى الفاعل، فصار الحالف كأنه قال: لا ألتزم حقوق هذه العقود، ولم يلتزمها بالأمر.
ولهذا قالوا: إن الوكيل إذا كان هو الحالف، حنث؛ لأنه التزم حقوق العقد.
قالوا: إلا أن يكون الحالف سلطانًا لا يتولى العقود بنفسه، فيمينه على الآمر؛ لأنه إنما يمتنع عما يفعله في العادة، والذي يفعله هو الآمر.
والقسم الثاني: ما لا يتعلق حقوقه بالعاقد، وإنما يتعلق بالآمر، أو ما لا حق له: كالنكاح، والطلاق، والعتاق، والكتابة، والصرف، والهبة، والصدقة، والكسوة، والاقتضاء، والقضاء، والخصومة، والشركة إذا قال: لا أشارك [رجلًا] فأمر من يشاركه، والذبح كذلك.
فإذا حلف لا يفعل هذه الأشياء ففعلها بنفسه أو أمر غيره، حنث؛ وذلك لأنها تضاف إلى الآمِر دون الفاعل، ألا ترى أن الوكيل لا يقول:
стр. 2697
تزوجت، وإنما يقول: [زوّجت] (١) فلانًا، وطلقت امرأة فلان، وإذا كانت الإضافة إلى الآمر، والحقوق تتعلق به فيما له حقوق، صار الآمر كالفاعل يحنث به.
واختلفت الرواية عن أبي يوسف في الصلح: فروى بشر بن الوليد عنه أن من حلف لا يصالح [فَوكّل] (٢) بالصلح لم يحنث؛ لأن الصلح عقد معاوضة كالبيع، وروى ابن سماعة عنه: أنه يحنث؛ لأن الصلح [إسقاط للحق كالإبراء] (٣).
فإن قال فيما لا يتعلق حقوقه بالفاعل: نويت أن [أتولى] (٤) ذلك بنفسي، فإنه قال في الجامع الصغير: يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء (٥)؛ لأنه نوى غير ظاهره، ألا ترى أن الفعل يضاف إليه على وجه واحد.
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا حلف لا يتصرف في عبده أو [لا] يذبح شاته، فأمر إنسانًا ففعل، حنث، ولو قال: عنيت أن [أتولى] (٦) ذلك بنفسي، فلا شيء عليه في القضاء؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
стр. 2698
بَابْ: الرجل يحلف بصدقة ماله ثم يحنث
قال أبو حنيفة وأبو يوسف - في رجل حلف يهدي ما يملك، أو صدقة ما يملك إن فعل كذا، ثم فعله، قال: يمسك بعض ماله ويمضي بقية ماله فيما حلف به، فإذا أفاد مالًا أنفذ مقدار ما حبس في تمام ما لزمه؛ وذلك لأن الملك عبارة عن كل ما يتملك، وهذا موجود في كل جنس، وفي القليل والكثير، إلا أنه يمسك مقدار قوته؛ لأنه لو تصدق به يحتاج [أن يُتَصَدَّقَ عليه، فيتضرر] (١) بذلك، فجاز له أن يَصرف ذلك القدر إلى نفقة (٢) نفسه، فإذا اكتسب مالًا تصدق بمثله؛ لأنه انتفع به مع وجوب إخراجه عن ملكه في الصدقة، فكان عليه عوضه، كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة فيه.
وقد قالوا: إنه يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب.
قال: وإذا قال: مالي صدقة إن فعلت كذا، فحنث فهو على الأموال التي تجب فيها الزكاة، وما لا يكون فيه زكاة فإنه لا يدخل في ذلك، وهذه رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة، وهو استحسان، والقياس: أن يلزمه في الجميع؛ لأن المال عبارة عما يتموّل به، كالملك الذي هو عبارة عما يتملك، فجريا مجرًى واحدًا.
стр. 2699
وجه الاستحسان: أن النذر المعلق بالمال معتبر بالحقوق التي أوجبها الله تعالى متعلقة بالمال: وهى الزكاة، وذلك يتعلق بجنس دون جنس، وكذلك النذور محمولة على أصولها، فيلزمه أن يتصدق بالذهب والفضة وعُرُوْضِ التِّجَارَة والسَّوَائِم، ولا يلزمه أن يتصدق بدُوْرِ السُّكْنى وثِيَاب الْبَدَنِ، والأَثَاثِ، والعَوَامِل، والعروض التي لا يقصد بها التجارة، ولا يلزمه أن يتصدق بأرض الخراج؛ لأنه لا زكاة فيها، ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه؛ لأن ذلك مما يتعلق به الزكاة إذا انضم إليه غيره، فكأنهم اعتبروا الجنس دون القدر.
ولهذا قالوا: إنه إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دَيْنٌ مُحِيْطٌ به، لزمه أن يتصدق به، فلو قضى به دَيْنَه، لزمه التصدق بمثله؛ لأن المعتبر جنس ما يجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبة.
وقد قال أبو يوسف: قياس قول أبي حنيفة إذا حلف لا يملك مالًا ولا نية له، وليس له مال تجب فيه الزكاة، أنه لا يحنث؛ لأن إطلاق اسم المال لا يتناول ذلك.
قال أبو يوسف: ولا أحفظ عن أبي حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك، وَأراه يدخل في نذره، وهذا صحيح؛ لأنه شَدَّدَ على نفسه.
قال أبو يوسف: ويجب عليه أن يتصدق بما دون النصاب، ولا أحفظه عن أبي حنيفة، وإنما [قسته على] (١) قوله، وإذا كانت له ثمرة عُشْرِيَّة، أو غَلَّة (٢) عشرية تصدق بها في قولهم؛ لأن هذا مما (٣) يتعلق به حق الله وهو العشر.
стр. 2700
وقال أبو حنيفة: لا تدخل الأرض في النذر.
وقال أبو يوسف: يتصدق بها.
لأبي حنيفة: أن حق الله تعالى لا يتعلق بها، وإنما يتعلق بالخارج منها.
لأبي يوسف: أنها من جملة الأموال النامية التي يتعلق حقوق الله تعالى بها (١).
٢٢٥٢ - فَصْل: [لزوم الوفاء بالنذور المعلقة بالشروط]
وهذه المسائل مَبْنِيَّة على أن النذر المعلق بالشرط يلزم الوفاء به في رواية الأصول، وروى عامر، عن علي بن معبد، عن محمد بن الحسن: أنه رجع عن ذلك، وقال يجزئ فيه كفارة يمين.
وروي عن عبد العزيز بن خالد قال: قرأت على أبي حنيفة كتاب الأيمان، فلما انتهيت إلى هذه المسألة قال: قف فإن من رأيي أن أرجع إلى الكفارة، قال: فخرجت حاجًا، فلما رجعت وجدت أبا حنيفة قد مات، فأخبرني الوليد بن أبان أن أبا حنيفة ﵀ رجع إلى الكفارة، وهو قول الشافعي (٢).
وقد اختلف الصحابة في هذه المسألة: فقال عمر وعائشة ﵄: عليه الكفارة، وقال ابن عباس وابن عمر وابن الزبير: عليه الوفاء به (٣).
وجه الرواية المشهورة قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] فمدحهم على
стр. 2701
الوفاء بالنذر، وقوله ﵊: "من نذر نذرًا سماه فعليه الوفاء به" (١)، ولأن كل نذر لو أطلقه لزمه الوفاء به، فإذا علقه بشرط لزمه الوفاء به.
أصله: إذا قال: إن شفى الله مريضي، واحتج أبو يوسف في ذلك، فقال: إن القول بالكفارة يؤدي إلى وجوب الكثير بإيجاب القليل، ووجوب [القليل] بإيجاب الكثير، ألا ترى أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعليّ صوم سنة، أو إطعام ألف مسكين، لزمه صوم ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين، ولو قال: إن فعلت كذا فعلي صوم يوم أو إطعام مسكين، لزمه إطعام عشرة أو صوم ثلاثة أيام.
وجه الرواية الأخرى: أن هذا النذر يقصد به الامتناع كاليمين التي تقصد بها الامتناع، (فيكون موجبًا للكفارة) (٢)(٣).
стр. 2702
بَابْ: الحلف على الركوب
قال أبو الحسن: وإذا حلف الرجل لا يركب دابة فهو على الدّواب التي يركبها الناس في حوائجهم في مواضع إقامتهم، فإن ركب بعيرًا أو بقرة، لم يحنث، وقد كان القياس أن يحنث في ركوب كل الحيوان؛ لأن الدابة عبارة عما يدبّ على [وجه] الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، إلا أنهم استحسنوا وقالوا: تحمل اليمين على ما يركبه الناس في الأمصار لقضاء الحوائج غالبًا: وهو الخيل، والبغال، والحمير؛ لأنا نعلم أنه لم يقصد ركوب كل حيوان، فحمل على ما يركب في العادة، والفيل، والبعير، والبقر لا تركب لقضاء الحوائج في الأمصار غالبًا.
فإن نوى بيمينه الخيل خاصة دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء؛ لأنهم قد يذكرون الدابة ويريدون بها الخيل، إلا أن الظاهر ما ذكرناه.
قال: فإن حلف لا يركب فَرَسًا فركب بِرْذَوْنًا، أو حلف لا يركب بِرْذَوْنًا فركب فَرَسًا لم يحنث؛ لأن الفرس عبارة عن العربي، والبِرْذَوْن عن [العجمي] (١)، فصار كمن حلف لا يكلم رجلًا عربيًا فكلم عجميًا لم يحنث.
قال: ولو حلف لا يركب ولا نية له، وقال: نويت الخيل لم يصدق فيما بينه
стр. 2703
وبين الله تعالى؛ لأنه حلف على الركوب وخصص المركوب، وذلك ليس في لفظه، فإن حلف لا يركب الخيل فركب برذونًا أو فرسًا حنث؛ لأن الاسم يَعُمُّهُمَا، قال النبي ﵊: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" (١)، والمراد به الجميع.
قال: ولو حلف لا يركب دابة وهو راكبها فمكث على حاله ساعة واقفًا أو سائرًا، حنث؛ وذلك البقاء على الركوب يسمى ركوبًا، وكذلك لو حلف لا يلبس وهو لابس، أو لا يجلس على هذا الفراش وهو جالس، فإن [نزل] (٢) عقيب يمينه، لم يحنث، وهذا خلاف زفر وقد قدمناه.
قال: ولو حلف لا يركب دابة لفلان، فركب دابة لعبد فلان وعليه دَيْن أو لا دَيْن عليه، فإنه لا يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ويحنث في قول محمد.
أما إذا كان عليه دين فهو لا يملكها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف هي مضافة إلى العبد دون المولى، [يقال إنها لعبد فلان]، وأما إذا لم يكن عليه دين فهي مضافة إلى العبد، فلم يحنث.
وأما محمد فقال: هي [على] ملك المولى على الحقيقية، فحنث بركوبها قال: ولو حلف لا يركب مركبًا ولا ينوي شيئًا، فركب في سفينة أو مَحْمِل، أو دابة بإكَاف أو سَرْج، حنث؛ وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فسمى ذلك ركوبًا، والسفن تسمى مراكب، وكانت اليمين عامة، فأما الركوب بالسرج والإكاف، فيحنث به؛ لأنه يسمى راكبًا (٣).
стр. 2704
بَابْ: الرجل يحلف لا يكسو فلانًا
قال أبو الحسن: إذا حلف الرجل لا يكسو فلانًا شيئًا ولا نية له، فكساه قَلَنْسُوَةً أو خُفَّيْن أو جَوْرَبَيْن أو نَعْلَيْن، حنث؛ لأنه مما يكسى؛ وذلك لأن الكسوة عبارة عن كل ما يكتسى به، وذلك موجود في القليل والكثير؛ ولأنه حلف على نفي الفعل، فحنث بوجود اليسير [منه]، كقوله: لا آكل ولا أشرب.
وروى عمرو عن محمد: إذا حلف لا يكسو امرأته فبعث إليها مقنعة، قال: لا يحنث، فجعل الكِسْوَة عبارة عما تجزئ في كفارة اليمين، وأجرى ذلك مجرى قوله: لا ألبسن ثوبًا، فما حنثه به هناك حنثه به هاهنا.
قال: ولو حلف لا يكسو فلانًا ثوبًا، فأعطاه دراهم يشتري بها ثوبًا لم يحنث؛ لأنه لم يكسه، وإنما وهب له دراهم وشاوره فيما يفعل بها، ولو أرسل إليه [بثوب] كسوة حنث؛ لأن الحقوق لا تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسل (١).
стр. 2705
بَابْ: الرجل يحلف لا يفعل كذا ما دام كذا
قال هشام: سألت أبا يوسف عن رجل حلف لا يكلم فلانًا مادام بالري، فخرج من الري ثم عاد إليها فكلمه فيها، قال: لا يحنث.
وكذلك لو حلف لا يكلمه مادام في هذه الدار، فخرج المحلوف عليه من الدار بعياله وأثاثه ثم عاد، ثم كلمه، لم يحنث.
وكذلك قال محمد: إذا قال: ما كان فلان فيها، فخرج من الدار بأهله وأثاثه (١) ثم عاد إليها، ففعل ما حلف عليه، لم يحنث.
وكذلك لو حلف فقال: والله لا أكلمه مادام عليه هذا الثوب، أو ما كان عليه هذا الثوب، أو مازال عليه هذا الثوب.
والأصل في هذا: أن قوله مازال، ومادام، وما كان: غايةٌ، ومن حكم الغاية أن يكون ما بعدها بخلاف ما قبلها، فإذا وجدت زالت اليمين، فلم يحنث بفعل المحلوف عليه.
فإن قال: لا أكلمك وعليّ هذا الثوب، فنزعه ثم لبسه فكلمه، حنث، وكذلك إن قال: إن دخلت هذه الدار وهذا فيها، فخرج منها ثم عاد إليها ثم دخلها، حنث؛ وذلك لأن قوله (وعلي هذا الثوب) صفة، فمتى كلمه والصفة موجودة، حنث.
стр. 2706
بَابْ: الرجل يحلف على التوقيت في نفي الفعل وإثباته
قال: الأصل في هذا الباب: أن من حلف على نفي الفعل في زمان مقدر، حنث بوجود الفعل في جزء منه؛ لأن اليمين لما انعقدت على النفي صار (١) شرط البر عدم الفعل في جميع المدة، فإذا فعل في بعضها لم يوجد شرط البر فحنث.
وأما إذا حلف على إيقاع فعل في زمان مُوَقَّتٍ، فهو على وجهين: إن كان يمكن وجود الفعل في كل الوقت فهو على ذلك، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فاقتضى ذلك وجود الصوم في جميعه.
وإن كان الفعل لا يمكن أن يدوم في جميع المدة، فاليمين على المداومة عليه على الوجه الممكن؛ لأن الإنسان يحلف على ما يقدر على الاحتراز منه.
قال أبو الحسن: قال هشام سألت محمدًا عن رجل قال: والله لأَصُوْمَنَّ الأبد، قال: هي على الأبد؛ لأنه حلف على إيجاد (٢) الفعل في مدة، فاقتضى وجوده في جميعها.
فإن قال: والله لا أسكن هذه الدار الأبد، قال: هذا على أن يسكنها ساعة فحنث؛ لأنه عقد على نفي الفعل، فإذا وجد اليسير منه، حنث به.
стр. 2707
يبيّن ذلك أن الله تعالى أمرنا بأفعال، ونهانا عن أفعال، فوجب علينا أن نفعل كل المأمور به، ووجب علينا أن ننتهي عن جميع ما نهى عنه، وعن كل شيء منه، فإن قال: والله لأسكنها الأبد، فهذا على أن يسكنها الأبد؛ لأنه عقد يمينه على وجود الفعل.
فإن قال: والله لأجالسنّ فلانًا الأبد، فجالسه حتى يعرف بمجالسته، يعني إلى الممات؛ وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يجالس غيره أبدًا من غير مفارقة، فعلم أن المراد باليمين مداومة المجالسة [به] في الأوقات التي يجالس في مثلها من غير إعراض عن مجالسته.
فإن قال: والله لأكلمن فلانًا الأبد، قال: هذا على أن لا يمتنع من كلامه إذا التقيا؛ وذلك لأنه لا يقدر على مداومة الكلام أبدًا، فحملت اليمين على إبطال الكلام إذا تلاقيا.
فإن قال: والله لا أكلم فلانًا الأبد، قال: إذا كلمه حنث؛ لأنه عقد (١) على نفي الفعل، فحنث بوجود جزء منه، فإن عنى أن لا يكلمه الأبد دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يدين في القضاء؛ لأنه نوى ما يحتمله كلامه، إلا أنه غير الظاهر، فإن كانت نيته حين قال: لله عليّ أن أصوم الأبد، أن يصوم يومًا واحدًا من الأبد، أو حين قال: [والله] لا أصوم، قال: فهو على ما نوى، قال هشام: يعني فيما بينه وبين الله تعالى، وهذا على ما بينا أنه ترك الظاهر (٢).
стр. 2708
بَابْ: الرجل يحلف لا يفعل كذا بالكوفة والفعل يقع بسببين يكون أحدهما بالكوفة والآخر بغير الكوفة
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال: والله لا أقتل فلانًا [بالكوفة]، أو قال: والله لا أتزوج فلانة بالكوفة، فضربه الحالف ببغداد فمات بالكوفة، أو زوّجه ولي المرأة وهي كبيرة ببغداد، فبلغها بالكوفة فأجازت، حنث في اليمينين (١) جميعًا (٢).
وكذلك الوقت، لو قال: لا أفعل ذلك يوم الجمعة، فأجازت يوم الجمعة أو مات يوم الجمعة، حنث الحالف.
ولو كان حلف ليفعلن ذلك بالكوفة أو يوم الجمعة، فكان ما ذكرنا بَرَّ في يمينه؛ وذلك لأن القتل فعل مُتَعَدٍّ يتضمن الغير، فلا يصح أن يوجد اسم القاتل إلا بوجود المقتول، ومعلوم أنه صار مقتولًا بالكوفة، أو في يوم الجمعة، فصار القاتل قاتلًا حينئذٍ، ولو جعلناه قاتلًا بالجرح لم يكن المفعول مقتولًا، وهذا لا يصح.
وأما النكاح فهو عبارة عما يقع به الاستباحة، وذلك موجود عند الإجازة، فجرى [العقد] الذي لا يتعلق به الاستباحة مجرى الإيجاب من غير قبول.
стр. 2709
قال: وكذلك البيع، إذا اشترى عبدًا بغير إذن مولاه، ثم بلغ المولى فأجاز، فإنه مشترٍ يوم أجاز المولى.
وقال محمد في البيع الموقوف والفاسد: أنه بائع يوم باع، ومشترٍ يوم اشترى، وقال في القتل كما قال أبو يوسف.
لأبي يوسف: أن الأحكام لا تتعلق بالعقد الموقوف، وإنما تتعلق بالإجازة، فصار العقد كالإيجاب.
لمحمد: أن المِلْكَ عند الإجازة يتعلق بالعقد، كما يتعلق عند إسقاط الخيار.
قال أبو الحسن: ويحتاج أن يكون السبب والمسبب جميعًا بعد اليمين، ويقع الفعل في اليوم المحلوف عليه، أو في المكان المحلوف عليه، فإن كان السبب قبل اليمين، لم يحنث، وإن وقع المسبب في غير الوقت، لم يحنث.
ومعنى هذا: أنه إذا حلف لا يقتل فلانًا، فالحنث يتعلق بشرطين: أن يوجد الجرح بعد اليمين، والموت في الوقت المحلوف عليه، فأما إذا حلف لا يقتل فلانًا يوم الجمعة، وقد كان جرحه قبل يمينه فمات من تلك الجراحة يوم الجمعة، لم يحنث؛ لأن اليمين تنعقد على ما يمكن الاحتراز عنه، وهو لا يقدر على الاحتراز من جراحة سبقت، فانعقدت اليمين على جراحة مستقبلة.
стр. 2710
بَابْ: الحلف على الفعل أن يفعل في وقت فيخرج الوقت قبل فعله
قال أبو الحسن: إذا قال الرجل: عبده حر إن لم أدخل هذه الدار اليوم، أو غير ذلك من الأفعال، فمضى الوقت ولم يفعل ما حلف عليه، فإنه يحنث بعد مضي الوقت بلا فصل، ولا يحنث في شيء من الوقت.
وكذلك إن صار في آخر الوقت بحال يعلم أنه لا يقدر معها أن يفعل، فإنه لا يحنث حتى يخرج الوقت؛ وذلك لأن اليمين المؤقتة يتعلق انعقادها بآخر الوقت، فإذا تعذر الفعل قبل الانعقاد، لم يحنث به، وإذا لم يتعذر، انعقدت اليمين في آخر الوقت وعدم شرط البَرِّ، فحنث.
ولو كان الفعل غير مؤقت فقال: والله لأدخلنّ هذه الدار أو لأفعلنّ كذا ولم يذكر وقتًا، فصار في حال يعلم أنه لا يعيش، حنث في آخر أجزاء من الحياة.
وكذلك كل فعل يعلم أنه فاته فعله، فهو يحنث حين يعلم أنه قد عجز عن ذلك الفعل؛ وذلك لأن اليمين المطلقة منعقدة في الحال، فإذا فات شرط البر فيها، حنث.
وعلى هذا قالوا فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم آتِ البصرة، فمات قبل أن يأتيها: وقع الطلاق عليها في آخر جزء من [أجزاء] حياته؛ لأن شرط البر تعذر حينئذٍ في يمين منعقدة، فوقع الطلاق وورثته؛ لأنه في حكم المُطلِّقِ في
стр. 2711
المرض إذا كانت مدخولًا بها.
ولو ماتت هي والمسألة على حالها لم يقع الطلاق؛ لأن شرط البر لم يتعذر بموتها، ولو كان قال لها: أنت طالق إن لم تأتِ البصرة، فمات الزوج قبل أن تأتيها، لم يقع الطلاق؛ لأن شرط البر منتظر، فإن ماتت هي قبل الزوج وقع الطلاق عليها في آخر جزء من [أجزاء] حياتها، ولم يرث الزوج منها؛ لأنه أسقط حقه بالطلاق (١).
стр. 2712
بَابْ: في الهَدْم
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال في رجل قال: والله لأهدِمَنّ هذه الدار، قال: فإن هدم سقوفها برّ؛ لأنه لا يقدر أن يزيل عنها اسم الدار بالهدم، ألا ترى أنه إذا هدم جميع بنائها سميت دارًا، فحملت اليمين على الكسر.
قال محمد: إذا حلف لينقضَنَّ هذا الحائط أو ليهدِمَنَّه اليوم، فنقض بعضه أو هدم بعضه، ثم لم يهدم ما بقي حتى مضى اليوم، حنث.
قال: والهدم عندنا: أن يهدمه حتى يبقى منه ما لا يسمى حائطًا؛ وذلك لأن الحائط يمكن هدمه حتى يزول الاسم عنه، فانعقدت اليمين على ذلك، [قال]: فإن نوى هدم بعضه صُدِّقَ؛ لأن ذلك يسمى هدمًا، بمعنى الكسر.
قال: ولو حلف ليكسِرَنَّ هذا الحائط فكسر بعضه برّ؛ لأنه يقال: حائط مكسور، فلم يعتبر [ما لم يزيل] (١) اسم الحائط عنه (٢).
стр. 2713
بَابْ: الحلف على المعرفة
قال أبو الحسن: من عرف إنسانًا بوجهه ولم يعرف اسمه، فحلف أنه لا يعرفه: برّ في يمينه [ولم يحنث؛ وذلك] لأن المعرفة هي معرفة العين والاسم والنسب بدلالة: ما روي أن النبي ﷺ سأل رجلًا عن رجل فقال: "هل تعرفه؟ " قال: نعم، فقال: "هل تدري ما اسمه؟ " قال: لا، قال: "فإنك لا تعرفه" (١)، ولأنه إن كان يعرفه من وجه فإنه لا يعرفه من وجه، فلم يكن عارفًا به في الحقيقة.
قال خلف بن أيوب، عن محمد: في رجل تزوج امرأة ودخل بها ولا يدري ما اسمها، (فحلف أنه لا يعرفها) (٢)، قال: لا يحنث؛ قال: لأن المعرفة قد بَيَّنَّا أنها على العين والاسم والنسب.
قال: ولو أن رجلًا ولد له مولود فأخرجه إلى جار له ولم يكن سَمَّاه بعد، فحلف جاره هذا أنه لا يعرف هذا الصبي، قال: هذا [يحنث] (٣)؛ لأن معرفة الصبي هكذا تكون؛ وذلك لأن قبل التسمية لا يمكن معرفة اسمه، ويجوز له أن يشهد بنسبه في هذه الحال، ويستحيل أن يشهد بنسبه وهو لا يعرفه.
стр. 2714
بَابْ: الرجل يحلف على الشيء فيكون بعضه على ما حلف عليه وبعضه على غير ما حلف عليه
قال ابن سماعة وبشر وعلي، عن أبي يوسف ومحمد بن أبي رجاء، عن محمد، عن أبي يوسف في رجل حلف فقال: إن كانت هذه الحملة حنطة فامرأته طالق ثلاثًا، فإذا هي حنطة وتمر، فإنه يبر ولا يحنث.
قال ابن أبي رجاء: وهو قول محمد؛ وذلك لأن شرط الحنث أن يكون الحملة حنطة، فإذا كان بعضها حنطة فوجود بعض شرط الحنث لا يقع به الحنث.
وقال أبو يوسف: إن قال: إن كانت هذه الحملة إلا حنطة فامرأته طالق ثلاثًا، فكانت تمرًا وحنطة، فإنه قد حنث، وإن كانت حنطة كلها برّ، قال: محمد بن رجاء: قال محمد: لا يحنث.
لأبي يوسف: أنه عقد على [كل] حملة واستثنى منها حملة واحدة، وهي أن تكون حنطة، فإذا كانت غيرها، حنث.
لمحمد: أن قوله إلا حنطة استثنى من اليمين، والمستثنى لا يعتبر وجوده؛ لأنه خارج عن اليمين، وهذا كما قال في الجامع: إن كان لي إلا عشرة دراهم فامرأته طالق، فكان له أقل من عشرة، لم يحنث؛ لأن العشرة مستثناة فلا يعتبر وجودها (١).
стр. 2715
قال ابن سماعة وبشر، عن أبي يوسف في رجل حلف: إن كانت هذه الحملة إلا حنطة، فكانت حنطة وتمرًا، فإن كان الحلف بطلاق أو عتاق أو حَجّ أو عُمْرة، أو قال: [على] كذا، حنث، وإن كانت بالله لزمه الكذب فيها، ولا كفارة عليه؛ وذلك لأن هذا حلف على أمر موجود [أو لأنه يمين على الماضي، فكانت غموسًا، فلا كفارة عليه] (١)، فإن كان بطلاق أو عتاقٍ أو نذر لزمه، وإن كان بقسم لم ينعقد يمينه.
وكذلك إن حلف فقال: إن كانت الحملة سوى حنطة أو غير حنطة، فهو مثل الباب الأول؛ وذلك لأن سوى وغير من ألفاظ الاستثناء كـ: إلّا.
стр. 2716
بَابْ: يجمع مسائل شتى لم يذكرها أبو الحسن
قال أصحابنا: إذا قال: والله لأكلمنك أحد يومي، أو لأخرجن أحدَ يومي، أو قال: أحد اليومين، أو قال: لأخرجن أحد أيّامي، فهذا كله على أقل من عشرة أيام، إن كلمه قبل العَشرة أو خرج قبل العشرة، لم يحنث، ويدخل في ذلك الليل والنهار؛ [وذلك] لأن هذا يذكر على طريق التقريب، ولا يراد به يومان بأعيانهما، وما دون العشرة في حكم الزمان الحاضر.
فإن قال: والله لأخرجن أحد يومي هذين، فهذا على يومه ذلك والغد؛ لأنه أشار إلى اليومين، والإشارة تقع إلى مُعَيَّن.
٢٢٥٣ - فَصْل: [الحنث في الاستثناء]
وإذا حلف لا يكلم فلانًا وفلانًا هذه السنة إلا يومًا، فإن جمع كلامهما في يوم، فله استثناؤه؛ لأن اليوم الذي يكلِّمهما فيه خارج عن اليمين، فإن [كلم] (١) أحدهما في يوم والآخر في يوم، حنث؛ وذلك لأن المستثنى أن يجمع كلامهما في يوم واحد، فإذا كلمهما في غير اليوم المستثنى، حنث، فإن كلم أحدهما ثم كلمهما في يوم، لم يحنث؛ وذلك لأن اليوم الذي كلمهما فيه مستثنى، والحنث يقع في غيره بكلامهما لا بكلام أحدهما، فإن كلمهما في يوم آخر لم يحنث؛ لأن الاستثناء وقع على يوم منكر وكلمهما فيه، فكأنه قال: إلا يومًا أكلمهما فيه.
стр. 2717
ولو استثنى يومًا معروفًا فكلم أحدهما فيه والآخر في الغد، لم يحنث؛ لأنه لا يحنث في غير اليوم المستثنى إلا بكلامهما.
وقال محمد: إذا قال: لا أكلمهما إلا يومًا، لم يحنث بكلامهما في يوم واحد، فإن كلمهما في يوم آخر، حنث؛ لأنه لم يستثن إلا يومًا واحدًا، وقد وجِدَ، فصارت اليمين بعده مطلقة.
وروى هشام عن محمد: إذا قال: لا أكلِّمهما إلا شهرًا إلا يومًا أو غير يوم، أنه على ما نوى، وإن لم يكن له نية فله أن يتحرى أي يوم شاء؛ لأنه استثنى يومًا منكرًا، فكل يوم من الشهر يصلح للاستثناء.
فإن قال: نقصان يوم، فهذا على تسعة وعشرين يومًا؛ لأن نقصان الشيء يكون من آخره.
٢٢٥٤ - فَصْل: [تخصيص العام في الحنث]
روى الفضل بن غانم عن أبي يوسف: في رجل حلف لا يأكل حرامًا، فاضطر إلى ميتة فأكلها، قال: لا يحنث، وقال معلى عن أبي يوسف: هو حانث في اليمين، وإثمه موضوع [عنه].
وجه الرواية التي قال يحنث، وهو المشهور من قولهم (١): إن اليمين قد تناولت الميتة، بدلالة أنه لو أكلها في غير حال الضرورة حنث، فإذا أبيحت للضرورة لم تخرج من كونها محلوفًا عليها، كالفعل المكره عليه.
وجه الرواية الأخرى: أن الميتة عند الضرورة كالطعام المباح،
стр. 2718
فصارت كسائر الأطعمة.
قال خلف بن أيوب: سألت أسد بن عمرو عمّن حلف لا يأكل حرامًا فأكل لحم كلب، أو قرد، أو حدأة، أو غراب، قال: إن قال: لم أعنه ديّنته، وإن عناه حنث؛ وذلك [لأنّ] إطلاق التحريم يتناول ما لا يسوغ فيه الاجتهاد، وما دليله مقطوع به، وهذا لا يوجد في هذه اللحوم.
قال خلف: وسألت الحسن فقال: هذا كله حرام؛ لأن الدلالة قد دلت على تحريمه، فلا يعتبر بالاختلاف.
وقد روى مُعَلَّى عن أبي يوسف ومحمد: فيمن حلف لا يركب حرامًا، قال: هذا على الزنا؛ لأن الركوب المحرم بمعنى يعود إلى عينه، هو الزنا.
قال محمد: وإن كان الحالف خصيًّا أو مَجْبوبًا، قال: هذا على القبلة الحرام وما أشبهها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: فيمن حلف لا يطأ امرأة وَطْئًا حرامًا، فوطئ امرأته وقد ظاهر منها، أو وهي حائض، قال: لا يحنث، إلا أن ينوي ذلك؛ لأن إطلاق التحريم لا يتناول التحريم العارض، كما لا يتناوله وطء المريضة.
٢٢٥٥ - فَصْل: [لزوم الغريم حتى يستوفيه]
وقالوا: إذا حلف لا يفارق غريمه حتى يستوفي ما عليه، فاشترى منه شيئًا على أن البائع بالخيار ثم فارقه، حنث؛ لأن الثمن لم يستحق على المشتري، فلم يصر مستوفيًا.
قال: فإن أخذ به رهنًا أو كفيلًا من غير براءة المكفول عنه ثم فارقه، فإنه
стр. 2719
يحنث؛ لأن الحق في الذمة بحاله، فإن هلك الرهن قبل الافتراق (برّ في يمينه؛ لأنه صار مستوفيًا من طريق الحكم، وإن هلك بعد الافتراق) (١) لم يبر؛ لأنه فارقه قبل الاستيفاء.
وقال أبو يوسف في رجل له على امرأة دين، فحلف أن لا يفارقها حتى يستوفي، ثم تَزَوَّجَها عليه وَفارقها، وكانت عقدة النكاح جائزة، فإنه قد برّ في يمينه؛ لأنه وجب في ذمته مثل دينه، وصار قصاصًا، وإن كان بالنكاح فاسدًا ولم يدخل بها، حنث؛ وذلك لأن المهر لا يجب بالنكاح الفاسد، فلم يصر مستوفيًا، فإن دخل بها قبل أن يفارقها ومهر مثلها مثل الدين أو أكثر، لم يحنث؛ لأن المهر وجب عليه بالدخول، فصار مستوفيًا، فإن كان العقد صحيحًا فوقعت الفرقة بسبب من جهتها وسقط مهرها وفارَقها، لم يحنث؛ وذلك لأن الدين سقط بالعقد، وإنما عاد له بدين بالفرقة بعد انحلال اليمين، فلا يحنث.
وقالوا: إذا حلف ليزِنَنَّ ما عليه، فأعطاه عددًا فكانت وِزَانه، حنث؛ لأنه حلف على الوزن ولم يفعل الوزن.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا قال: والله لا أقبض ما لي عليك إلا جميعًا، وله [عليه] عشرة دراهم، وعلى الطالب لرجل خمسة، فأمر الذي له [عليه] الخمسة هذا الحالف، أن يحتسب المطلوب بالخمسة التي عليه ويجعلها قصاصًا، ودَفع [فلان] المطلوب إلى الحالف خمسة، فكأنه قال: إذا كان متواترًا فهو جائز؛ وذلك لأن الاستيفاء دفعه يقع على القبض في حالة واحدة وإن تفرق الوزن، ألا ترى أن الدين يكون مالًا كثيرًا، فلا يمكن وزنه (في كفة) (٢) واحدة.
стр. 2720
وقد روى ابن رستم، عن محمد فيمن قال: والله لا آخذ مالي عليك إلا ضربة [واحدة]، فوزن خمسمائة وأخذها، ثم وزن خمسمائة وأخذها، قال: قد أخذها ضربة؛ لأن هذا لا (١) يعد متفرقًا، قال: وكذلك لو جعل يزنها درهمًا درهمًا.
قال محمد في الجامع: إذا كان له عليه ألف [درهم] فقال: عبده حر إن أخذ [تها] منك اليوم درهمًا دون درهم، فأخذ منه خمسمائة (٢) ولم يأخذ ما بقي، لم يحنث؛ لأن يمينه على أخذها متفرقة في اليوم، ولم يأخذها، وإنما أخذ بعضها (٣).
ولو قال: عبده حر إن أخذها (٤) اليوم منك درهمًا دون درهم، فأخذ منها خمسة دراهم، ثم لم يأخذ ما بقي حتى غربت الشمس، حنث حين أخذ الخمسة؛ لأن يمينه على أخذ بعضها متفرقًا.
ولو قال: عبده حر إن أخذها اليوم درهمًا دون درهم، فأخذ في أول النهار بعضها وفي آخره الباقي، حنث؛ لأنه قد أخذها في يومه متفرقة.
وقال أصحابنا: إذا حلف لا [يفارق غريمه حتى] (٥) يستوفي ماله عليه، فهرب أو كابره على نفسه أو منعه منه إنسان كرهًا حتى ذهب، لم يحنث الحالف؛ لأنه حلف على فعل نفسه، ولم يوجد منه مفارقة.
ولو كان قال: لا تفارقني حتى آخذ مالي عليك حنث؛ لأنه حلف على فعل
стр. 2721
الغريم وقد وجد [منه] (١).
٢٢٥٦ - فَصْل: [تحرير أول عبد يشتريه]
وإذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر، فالأول الواحد المنفرد الذي ليس قبله عبدٌ مشترى، فإن اشترى بعد يمينه عبدًا آخر، عتق؛ وذلك لأنه استحق الأول وهو المنفرد الذي لا يتقدمه غيره، فإن اشترى عبدًا ونصف عبد عتق العبد الكامل؛ لأن العبد منفرد عن [نصف] عبد في الشراء، ألا ترى أن نصف العبد لا يسمى عبدًا، فهو كما لو اشترى عبدًا وثوبًا.
وليس كذلك إذا قال: أول كرّ أشتريه صدقة، فاشترى كُرًّا ونصفًا، لم يتصدق بشيء؛ لأن الكر ليس بأول، ألا ترى أنا إذا عزلنا كرًّا فالنصف الباقي مع نصف المعزول يسمى كرًّا، فلم يكن هذا أولًا.
فإن كان أول ما اشترى عبدين لم يعتق واحد منهما، ولم يعتق ما يشتري بعدهما؛ لأن كل واحد منهما ليس بمنفرد، فلا يكون أولًا، وما بعدهما ليس بسابق فلا يستحق الصفة.
فإن قال: آخر عبد أشتريه فهو حرٌّ، فهذا على أن يشتري عبدًا واحدًا منفردًا بعد غيره؛ لأن الآخر في الزمان هو المنفرد الذي تقدمه غيره، وليس كذلك القديم سبحانه [وتعالى أنّه] يوصف بالأول والآخر؛ لأنه كان موجودًا ولا زمان، وإنما يوصف بالأول لتقدمه الأشياء، وبالآخر لبقائه بعدها، ويعرف الآخر (٢).
стр. 2722
بموت الحالف، فإذا مات قبل أن يشتري غيره (١) استحق الاسم، وما لم يمت لا يعلم أنه الآخر؛ لجواز أن يشتري غيره، ولا يدخل الأول في هذه اليمين؛ لأنه استحق اسم الأول فلا يستحق اسم الآخر في الزمان.
واختلف أصحابنا متى يعتق هذا العبد الآخر؟ فقال أبو حنيفة: إذا مات [الحالف] حكمت بعتقه [من] يوم اشتراه؛ لأنه استحق صفة الآخر عند الشراء، وإنما لم أحكم بوقوع العتق لجواز أن يزول عنه الصفة، فإذا لم تزل عتق في تلك الحالة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يعتق في آخر جزء من [أجزاء] حياته؛ لأنه لم يصر آخرًا إلا عند عجز المولى عن شراء غيره.
وفائدة هذا الخلاف: أن عند أبي حنيفة يعتق من جميع المال، وعندهما: من الثُلُث. فإن قال: أوسط عبد أشتريه حرّ؛ فالأوسط واحد ما قبله من العدد مساوٍ لما بعده، وهذا أيضًا يعرف بموت الحالف، ولا يكون الأول ولا الآخر أوسطًا أبدًا، ولا يكون الأوسط إلا في وتر، ولا يكون في شفع، فإذا اشترى عبدًا ثم عبدًا ثم عبدًا، فالثاني هو الأوسط، وإن اشترى رابعًا خرج الثاني من أن يكون أوسط، فإن اشترى خامسًا صار الثالث هو الأوسط، فإن اشترى سادسًا خرج من أن يكون أوسط، وعلى هذا كلما صار العدد شفعًا فلا وسط له، وكل مَنْ حصل في النصف الأول خرج من أن يكون وسطًا (٢).
стр. 2723
٢٢٥٧ - فَصْل: في الأيمان يكذب بعضها بعضًا
قال بشر عن أبي يوسف فيمن قال: والله ما دخلت هذه الدار، ثم قال: عبده حر إن لم يكن قد دخلها، فإن عبده لا يعتق ولا كفارة عليه في اليمين، وهذا قول محمد، (ثم رجع أبو يوسف) (١)؛ وذلك لأنه لما قال: والله ما دخلتها، فإن كان صادقًا فلا كفارة [عليه]، وإن كان كاذبًا فهي يمين الغموس، وإن كان جاهلًا فهي يمين اللغو فلا كفارة فيها، ولا يعتق عبده؛ لأن الحنث في اليمين الأول ليس مما يحكم به الحاكم حتى يصير الحكم به [إكذابًا للثانية] (٢)، فلا يعتق العبد.
فإن كانت اليمين الأولى بعتق أو طلاق، حنث في اليمينين جميعًا في قول أبي يوسف الأول، وهو قول محمد، ثم رجع أبو يوسف فقال: إذا قال بعدما حلف بالأولى: أوهمت أو نسيت، وحلف بطلاق آخر وعتاق أنه دخلها، لزمه الأول ولم يلزمه الآخر.
وجه قوله الأول: أنه أكذب نفسه في كل واحدة من اليمينين بالأخرى، واعترف بوقوع ما حلف به، فحنث.
وجه قوله الآخر: أنه أكذب نفسه في اليمين الأولى بالآخرة، ولم يكذب نفسه في الثانية بعدما عقدها، فالإكذاب قبل عقدها لا يتعلق به حكم فلا يحنث فيها، وإن رجع وحلف ثالثًا لم يعتق الثالث وعتق الثاني؛ لأنه أكذب نفسه بعدما حلف عليه (٣).
стр. 2724
٢٢٥٨ - فَصْل: [الاستثناء بإن شاء الله في الحلف بالطلاق]
قال أصحابنا: إذا حلف بطلاق أو عتاق واستثنى بإن شاء الله، سقطت اليمين، وقد بينا ذلك.
قالوا: وكذلك إذا قال: ما شاء الله، أو فيما شاء الله، وكذلك لو قال: بقضاء الله، أو بقدر الله، أو بما أحب الله، أو بما أراد الله.
ولو قال: إن أعانني الله، أو بمعونة الله، يريد بذلك الاستثناء فهو مستثنٍ فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن الوقوع لا يحتاج إلى إعانة، فلم يتعلق ذلك بشرط، إلا أنه يصدق فيما بينه وبين الله تعالى.
(ولو قال: لا أكلمك إن يسر الله، كان مستثنيًا، ولو قال بتيسير الله، فهذا محال، وإن نوى به الاستثناء كان مستثنيًا فيما بينه وبين الله تعالى) (١)(٢).
٢٢٥٩ - فَصْل: [الحلف بالبيع بسعر معين ثم البيع بأقل من ذلك]
روى بشر عن أبي يوسف: إذا حلف لا يبيع عبده إلا بعشرة فباعه بخمسة ودينار، حنث؛ لأنه منع نفسه من كل بيع واستثنى بيعًا بصفة، وهو أن يكون بعشرة، فإذا لم يوجد عشرة، حنث، فإن باعه بعشرة ودينار، لم يحنث؛ لأنه صار بائعًا بالعشرة وإن كان معها غيرها.
وروى هشام عن أبي يوسف في رجل قال: والله لا أبيعك هذا الثوب بعشرة حتى تزيدني، فباعه بتسعة، قال: لا يحنث في القياس، وفي الاستحسان يحنث،
стр. 2725
وبالقياس نأخذ.
وجه القياس: أنه حلف أن لا يبيعه بالعشرة حتى يزيده عليها، فإذا باعه بتسعة فلم يبعه بالعشرة، فلا يدخل ذلك في اليمين.
وجه الاستحسان: أن قوله: لا أبيعك بعشرة حتى تزيدني، المراد في العادة: لا أبيعك إلا بأكثر من عشرة.
وقال مُعَلَّى عن محمد: إذا حلف لا يبيع هذا الثوب بعشرة إلا بزيادة، قال: إن باعه بأقل من عشرة أو بعشرة، فإنه حانث، وهذا بمنزلة قوله: إلا بزيادة على العشرة؛ لأنه منع نفسه من كل بيع واستثنى بيعًا واحدًا: وهو الذي يزيد ثمنه على العشرة.
ولو قال: حتى أزداد، فباعه بعشرة، حنث، وإن باعه بأقل أو أكثر، لم يحنث؛ لأنه حلف على بيع بصفة، وهو أن [يبيع] (١) بعشرة، فإذا باع بتسعة لم يوجد المحلوف عليه.
ولو قال: عبده حر إن اشتراه باثني عشر، فاشتراه بثلاثة عشر وباثني عشر ودينارٍ حنث؛ لأنه مشترٍ بما حلف عليه وإن كان معه زيادة.
٢٢٦٠ - فَصْل: [تعليق اليمين على المشي إلى بيت الله تعالى]
قال أصحابنا: إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ المشي إلى بيت الله، أو الكعبة، أو مكة، فالقياس: أن لا يلزمه شيء، والاستحسان: أن يلزمه حجة أو عمرة.
وجه القياس: أن المشي ليس بقربة، والقربة في الإحرام، وذلك ليس في لفظه.
стр. 2726
وجه الاستحسان: ما روي أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافية حاسرة، فذكر عقبة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "مرها فلتركب ولتهد شاة وتحرم إن شاءت بحجة وإن شاءت بعمرة" (١)، ولأن هذا اللفظ يذكر في العادة ويراد به إيجاب الإحرام، فصار المعتاد كالمنطوق، والإحرام يكون بالحج أو بالعمرة، فلزمه أحدهما.
وقد قال أصحابنا: إنه يلزمه في ثلاثة ألفاظ بلا خلاف: إذا قال: [عليّ] المشي إلى مكة، أو بيت الله؛ لأن العادة جرت بإيجاب الإحرام بهذين اللفظين، [وكذلك الكعبة؛ لأنها هي بيت الله.
واختلفوا في قوله]: إذا قال إلى الحرم، أو إلى المسجد الحرام.
قال أبو حنيفة: لا يلزمه شيء؛ لأن العادة لم تجر بالإيجاب بهذا اللفظ، فبقي على أصل القياس، وقالا: يلزمه؛ لأنها بقعة تشتمل على البيت كمكة.
ولم يوجبوا عليه [شيئًا] في لفظين بالإجماع: إذا قال: عَليّ الذهاب إلى مكة، أو الركوب، أو السفر [لم يلزمه شيء]؛ وذلك لأن العادة لم تجر بإيجاب الإحرام بهذا اللفظ؛ ولأنه لم يذكر لفظًا يتضمن زيادة صفة في الإحرام، وإذا ذكر المشي فقد ذكر زيادة صفة.
وإذا ثبت أنه يلزمه الإحرام فإن خرج (٢) ماشيًا، لزمه المشي حتى يطوف طواف الزيارة؛ لأنه فرغ من أركان الإحرام، وإن ركب فعليه شاة؛ لما روي أن
стр. 2727
النبي ﵊ قال لعقبة بن عامر: "إن الله غني عن غنى أختك، قل لها تركب، ولتهد شاة، ولتحرم إن شاءت بحجة وإن شاءت بعمرة" (١).
٢٢٦١ - فَصْل: [النذر بنحر ولده]
قال أبو حنيفة ومحمد: إذا نذر بنحر (٢) ولده، لزمه ذبح شاة استحسانًا، وقال أبو يوسف: لا يلزمه شيء.
وجه قولهما: أن ذبح الولد في الشرع عبارة عن ذبح شاة، بدلالة أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ حين نذر ذبح ولده أن يفي بنذره ثم أمره بذبح شاة، وقال: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٥]، فدل على أن الأمر بالذبح تناول ما قام مقامه، وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء بإبراهيم فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وروي أن النبي ﷺ قال: "أنا ابن الذبيحين" (٣) يعني إسماعيل ﵇ حين نذر إبراهيم ﵇ ذبحه، وأباه عبد الله حين نذر عبد المطلب ذبحه، فسميا ذبيحين حين ذبح [عنهما] ما قام مقامهما.
وقد روي أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني نذرت نحر ولدي، فقال: عليك مائة بدنة، واسأل ذلك الشيخ، فأشار إلى مسروق بن الأجدَع، فأتاه
стр. 2728
فسأله، فقال: عليك شاة، فقال ابن عباس: وأنا أرى مثل ذلك (١).
وجه قول أبي يوسف: قوله ﷺ : "لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم" (٢)؛ ولأنه نذر ما لا يلزمه الوفاء به، فصار كنذر المعصية.
وأما إذا نذر نحر عبده فقال أبو حنيفة: لا يلزمه شيء؛ لأن القياس أن لا يلزمه بحال، وإنما تركنا القياس في الولد للأثر، فما سواه على أصل القياس.
قال محمد: يلزمه شاة؛ لأنه أملك لعبده منه لابنه [وأكثر ولاية عليه من ولده] (٣).
وأما إذا نذر نحر نفسه: فروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا يلزمه شيء لما ذكرنا في العبد.
وروي عن محمد: أنه يلزمه شاة؛ لأن ما جاز أن يلزمه عن ابنه، جاز أن يلزمه عن نفسه: كالأضحية [وصدقة الفطر] (٤).
٢٢٦٢ - فَصْل [الحلف بالمعصية]
قال أصحابنا: إذا حلف على معصية، لزمه أن يحنث وعليه الكفارة، وقال الشعبي: لا شيء عليه.
لنا ما روي في حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﵊ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه"،
стр. 2729
وحُكي أن أبا حنيفة سأل الشعبي عن هذه المسألة فقال: لا كفارة عليه، فقال أبو حنيفة: أليس جعل الله تعالى الظهار منكرًا من القول وزورًا وأوجب فيه الكفارة، فقال [له] الشعبي: أنت من الأوّابين.
٢٢٦٣ - مَسْألة: [تعليق طلاق الأمة بموت المولى]
وإذا تزوج الرجل بأمة فقال: إذا مات مولاك فأنت طالق اثنتين، فمات المولى وهو وارثه لا وارث له غيره، طلقت اثنتين وحرمت عليه عند أبي يوسف، وقال محمد: لا تطلق ولا تحرم.
لأبي يوسف: أن شرط الطلاق الموت، فيقع الطلاق (١) عقيبه، وعقيب الموت يزول ملك الميت وينتقل إلى الوارث في الحالة الثانية، فيصادف الطلاق النكاح؛ لأن الملك لا يقع في الحالة الثانية، فيقع الطلاق وتحرم، فلا تحل له [أن ينكحها] (٢) وإن ملكها.
لمحمد: أن عقيب الطلاق النكاح غير مستقر؛ [لأنه يفضي إلى الزوال، والطلاق لا يقع إلا في نكاح مستقر] (٣).
قال الزوج: إذا مات مولاك فأنت حرة، فلم تعتق في قولهم؛ لأنه عتق في غير ملك، ولا مضاف إلى ملك.
فإن قال: إذا مات مولاك فملكتك فأنت حرة، ثم مات المولى والزوج وارثه عتقت؛ لأنه عتق مضافًا إلى الملك.
стр. 2730
(فإذا قال: إذا مات مولاك فملكتك فأنت طالق، لم يقع الطلاق في قولهم؛ لأنه إذا ملكها زال النكاح) (١).
٢٢٦٤ - فَصْل: [تعليق الحرية بموت فلان]
وإذا قال الرجل لأمته: إذا مات فلان فأنت حرة، ثم باعها من فلان، ثم تَزَوَّجَها، ثم قال لها: إذا مات مولاك فأنت طالق اثنتين، ثم مات المولى وهو وارثه، قال أبو يوسف: يقع الطلاق، ولا يقع العتاق، وقال محمد: لا يقعان جميعًا، وقال زفر: يقع العتاق ولا يقع الطلاق.
أما وقوع الطلاق على قول أبي يوسف: فقد بينا وجهه، وأما امتناع وقوع الطلاق عند محمد: فقد بيناه.
وأما العتق فقال أبو يوسف ومحمد: لا يقع؛ لأن عند أبي يوسف عقيب الموت لا يملكه الوارث، فقد علق العتق بحالةٍ لا يملكها فيها، وكذلك يقول محمد.
وأما زفر فيقول: [علّق] (٢) على العتق في ملكه، ووجد الشرط في الملك، فما بين ذلك لا يعتبر، كمن قال لأمته: إن دخلت الدار فأنت حرة، ثم باعها، ثم اشتراها فدخلت الدار [عتقت] (٣).
[تمّ كتاب الأيمان، فلله الحمد والامتنان، والصلاة [والسلام] على نبيه محمد وآله. يتلوه كتاب الإجارات] (٤).
стр. 2731
[٥٢] كتاب الإجَارَاتِ
قال رحمه الله تعالى: الإجارة عقد على المنافع بعوض، وهو خلاف النكاح؛ لأنه عقد على استباحة منافع البُضْعِ بعوض، والعقد على المنافع على ضربين: عقد بعوض يسمى إجارة، وعقد بغير عوض: وهو العارية، والوصية بالمنافع.
والأصل في جواز الإجارة قوله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وما ثبت في شرائع من قبلنا فهو لازم لنا، إلا أن يدل دليل على نسخه (١)، ولأن النبي ﷺ بُعث والناس يستأجرون ولم ينكر ذلك، وقال ﵊: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (٢)، ومرّ على رافع بن خديج وهو في حائط فأعجبه فقال: "لمن هذا؟ " فقال: لي استأجرته، فقال ﵊: "لا تستأجره بشيء منه" (٣)، فلو كان العقد لا يجوز بكل حال، لما كان للتخصيص معنى.
ولأن المنافع على ضربين: منافع البُضْع، و [منافع] غير البُضْع، فإذا جاز العقد على أحدهما جاز على الآخر، ولا يقال: إنه عقد على المعدوم، وعلى ما لا يملك الإنسان؛ لأن ملك الأصل الذي يتولد منه المنافع جعل كملكها في باب
стр. 2732
جواز العقد (١)، ألا ترى أن المنافع لا توجد سوى المنافع التي تحدث على ملكه.
وذكر أبو الحسن حديث أبي هريرة وأبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، وإنما ذكر هذا الخبر ليستدل به على جواز الإجارة، وعلى أن البدل فيها يجب أن يكون معلومًا، وعلى أن البدل في الإجارة في حكم الثمن في البيع؛ لأنه ﵊ قال: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم" (٢)، وقال في الإجارة: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، وهذا خبر طويل ذكره محمد، وإنما اختصره أبو الحسن وذكر منه ما يخص الإجارة.
وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (٣)، وهذا يدل على جواز الإجارة، وعلى أن الأجرة لا تجب بالعقد، وإنما تجب بإيفاء العمل؛ لأنه أمر بتسليم (٤) الأجرة عند الفراغ من العمل، فلو كان الوجوب يتعلق بالعقد لأمر بتسليم الأجرة حين الوجوب؛ لأنه هو المقصود.
وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رَجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله منه ولم يوفه أجره" (٥)، قال:
стр. 2733
وهذا الخبر يدل على جواز الإجارة، وأن الأجر لا يجب بالعقد؛ لأنه ذَمَّه على تأخيرها عند الفراغ من العمل، فدل على أن ذلك ابتداء الوجوب.
فأما قوله: "رجل أعطى بي ثم غدر" فمعناه: من أعطى [الذمة] (١) برسول الله ﷺ ؛ ولهذا كان إذا بعث سَرِيَّةً قال في وصيته: "فإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تفعلوا، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله" (٢).
وأما قوله: "رجل باع حرًا فأكل ثمنه": فإنما [ذكر] (٣) البيع والثمن على وجه المجاز، بمعنى أنهما قصدا البيع وسميا [بدلًا] على أنه ثمن، وإلا فالبيع باطل ولا ثمن له.
стр. 2734
بَابْ: جامع في الإجارات
قال أبو الحسن: الإجارة عقد على منافع الأعيان، فمنها ما يشترط للمستأجر الانتفاع به، ومنها ما يشترط على المستأجر العمل فيه، وفي كل ذلك لا بد من أن يقع العقد فيه على مستأجَرٍ معلوم وأَجْرٍ معلوم ووقت معلوم، [فيما وقع على الوقت، ومسافة معلومة فيما وقع على المسافة، وعمل معلوم] (١) فيما وقع على وقت العمل.
قال: وهذا التقسيم صحيح؛ لأن العقد إما أن يقع على ما ينتفع به، مثل استئجار الدُّوْرِ والمنازل والحَوَانِيْت والضِّيَاع، وسائر العقارات، وعبيد الخدمة، والدواب للركوب والحمل، والثياب، والحلي للُّبسْ، والأواني والظروف للاستعمال، فالعقد جائز في هذا كله.
وما ذكرناه من الدلالة على جواز الإجارة قد دلّ عليه، وقد دلّ على إجارة العقار حديث رافع بن خديج، وقد دلّ على إجارة الحيوان ما روي أن رجلًا قال للنبي ﵊: إني أكري إبلي إلى مكة، فهل لي من حج؟ فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٨]، فالإجارة في هذا كله واقعة على منافع العين المستأجرة.
стр. 2735
وأما القسم الثاني: فهو استئجار الصُّنَّاع على الأعمال، كالقَصَّار والخَيّاط، والصَّبَّاغ، والنَّجَّار، والإسْكَاف، والبَنَّاء، وسائر من يشترط عليه العمل من سائر الأعمال، فهذا مستأجر على إيقاع العمل في الأعيان، وقد دلّ على جواز هذه الإجارة عموم الأخبار التي قدمناها، وقوله ﵊: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، ولأن الناس يعقدون هذه العقود في سائر الأعصار من غير نكير.
قال: ومن استؤجر (على شيء من هذه الأعمال) (١) فلم يشترط عليه أن يعمل بيده، فله أن يعمله بنفسه وأُجَرائِه؛ وذلك لأن المعقود عليه هو العمل، وذلك موجود في فعله وفعل غيره؛ ولأن عمل أُجَرَائه يقع له فكأنه عمل بنفسه.
وليس كذلك إذا اشترط عليه عمله بنفسه؛ لأن العقد وقع على منفعة من عين، فلا يجوز تسليمها من عين أخرى: كمن استأجر بعيرًا بعينه للحمل لم يجبر على أخذ غيره، ولو استأجر على الحمل ولم يعين بعيرًا، [جاز للمؤاجر أن يسلم أيّ بعير شاء] (٢)(٣).