[٥٢] كتاب الإجَارَاتِ
قال رحمه الله تعالى: الإجارة عقد على المنافع بعوض، وهو خلاف النكاح؛ لأنه عقد على استباحة منافع البُضْعِ بعوض، والعقد على المنافع على ضربين: عقد بعوض يسمى إجارة، وعقد بغير عوض: وهو العارية، والوصية بالمنافع.
والأصل في جواز الإجارة قوله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]، وما ثبت في شرائع من قبلنا فهو لازم لنا، إلا أن يدل دليل على نسخه (١)، ولأن النبي ﷺ بُعث والناس يستأجرون ولم ينكر ذلك، وقال ﵊: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (٢)، ومرّ على رافع بن خديج وهو في حائط فأعجبه فقال: "لمن هذا؟ " فقال: لي استأجرته، فقال ﵊: "لا تستأجره بشيء منه" (٣)، فلو كان العقد لا يجوز بكل حال، لما كان للتخصيص معنى.
ولأن المنافع على ضربين: منافع البُضْع، و [منافع] غير البُضْع، فإذا جاز العقد على أحدهما جاز على الآخر، ولا يقال: إنه عقد على المعدوم، وعلى ما لا يملك الإنسان؛ لأن ملك الأصل الذي يتولد منه المنافع جعل كملكها في باب
стр. 2732
جواز العقد (١)، ألا ترى أن المنافع لا توجد سوى المنافع التي تحدث على ملكه.
وذكر أبو الحسن حديث أبي هريرة وأبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، وإنما ذكر هذا الخبر ليستدل به على جواز الإجارة، وعلى أن البدل فيها يجب أن يكون معلومًا، وعلى أن البدل في الإجارة في حكم الثمن في البيع؛ لأنه ﵊ قال: "من أسلم فليسلم في كيل معلوم" (٢)، وقال في الإجارة: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، وهذا خبر طويل ذكره محمد، وإنما اختصره أبو الحسن وذكر منه ما يخص الإجارة.
وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه" (٣)، وهذا يدل على جواز الإجارة، وعلى أن الأجرة لا تجب بالعقد، وإنما تجب بإيفاء العمل؛ لأنه أمر بتسليم (٤) الأجرة عند الفراغ من العمل، فلو كان الوجوب يتعلق بالعقد لأمر بتسليم الأجرة حين الوجوب؛ لأنه هو المقصود.
وذكر حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رَجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله منه ولم يوفه أجره" (٥)، قال:
стр. 2733
وهذا الخبر يدل على جواز الإجارة، وأن الأجر لا يجب بالعقد؛ لأنه ذَمَّه على تأخيرها عند الفراغ من العمل، فدل على أن ذلك ابتداء الوجوب.
فأما قوله: "رجل أعطى بي ثم غدر" فمعناه: من أعطى [الذمة] (١) برسول الله ﷺ ؛ ولهذا كان إذا بعث سَرِيَّةً قال في وصيته: "فإن أرادوكم أن تعطوهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تفعلوا، ولكن أعطوهم ذممكم وذمم آبائكم، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم آبائكم خير من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله" (٢).
وأما قوله: "رجل باع حرًا فأكل ثمنه": فإنما [ذكر] (٣) البيع والثمن على وجه المجاز، بمعنى أنهما قصدا البيع وسميا [بدلًا] على أنه ثمن، وإلا فالبيع باطل ولا ثمن له.
стр. 2734
بَابْ: جامع في الإجارات
قال أبو الحسن: الإجارة عقد على منافع الأعيان، فمنها ما يشترط للمستأجر الانتفاع به، ومنها ما يشترط على المستأجر العمل فيه، وفي كل ذلك لا بد من أن يقع العقد فيه على مستأجَرٍ معلوم وأَجْرٍ معلوم ووقت معلوم، [فيما وقع على الوقت، ومسافة معلومة فيما وقع على المسافة، وعمل معلوم] (١) فيما وقع على وقت العمل.
قال: وهذا التقسيم صحيح؛ لأن العقد إما أن يقع على ما ينتفع به، مثل استئجار الدُّوْرِ والمنازل والحَوَانِيْت والضِّيَاع، وسائر العقارات، وعبيد الخدمة، والدواب للركوب والحمل، والثياب، والحلي للُّبسْ، والأواني والظروف للاستعمال، فالعقد جائز في هذا كله.
وما ذكرناه من الدلالة على جواز الإجارة قد دلّ عليه، وقد دلّ على إجارة العقار حديث رافع بن خديج، وقد دلّ على إجارة الحيوان ما روي أن رجلًا قال للنبي ﵊: إني أكري إبلي إلى مكة، فهل لي من حج؟ فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢) [البقرة: ١٩٨]، فالإجارة في هذا كله واقعة على منافع العين المستأجرة.
стр. 2735
وأما القسم الثاني: فهو استئجار الصُّنَّاع على الأعمال، كالقَصَّار والخَيّاط، والصَّبَّاغ، والنَّجَّار، والإسْكَاف، والبَنَّاء، وسائر من يشترط عليه العمل من سائر الأعمال، فهذا مستأجر على إيقاع العمل في الأعيان، وقد دلّ على جواز هذه الإجارة عموم الأخبار التي قدمناها، وقوله ﵊: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره"، ولأن الناس يعقدون هذه العقود في سائر الأعصار من غير نكير.
قال: ومن استؤجر (على شيء من هذه الأعمال) (١) فلم يشترط عليه أن يعمل بيده، فله أن يعمله بنفسه وأُجَرائِه؛ وذلك لأن المعقود عليه هو العمل، وذلك موجود في فعله وفعل غيره؛ ولأن عمل أُجَرَائه يقع له فكأنه عمل بنفسه.
وليس كذلك إذا اشترط عليه عمله بنفسه؛ لأن العقد وقع على منفعة من عين، فلا يجوز تسليمها من عين أخرى: كمن استأجر بعيرًا بعينه للحمل لم يجبر على أخذ غيره، ولو استأجر على الحمل ولم يعين بعيرًا، [جاز للمؤاجر أن يسلم أيّ بعير شاء] (٢)(٣).
стр. 2736
بَابْ: التسليم فيما وقع عليه عقد الإجارة
قال أبو الحسن: ما وقع عليه عقد الإجارة من عمل أو عين ينتفع بها فهو المبتدئ بتسليمه قبل الأجر منتفعًا به، كان ما وقع العقد عليه [عينًا] أو عملًا؛ وذلك لأن الأجرة لا تجب عندنا بالعقد المطلق، وإنما تجب فيه باستيفاء العمل، أو بوجود التسليم على صفة مخصوصة [فما لم يوجد] ذلك، لم يجز حبس المنافع المعقود عليها ببدل، لم يجب تسليمه، كمن باع عبدًا بثمن مؤجل، لم يجز له حبسه بالثمن.
فأما إذا شرط في عقد الإجارة تعجيل البدل وجب تعجيله عندنا، وكان للمؤجر حبس ما وقع عليه العقد (كما وجب حبس المبيع) (١) إلى أن يستوفي الثمن، [وذكر الحسن في جامعه: أنّ المنافع والأجرة كالثمن، فكما وجب حبس المبيع إلى أن يستوفي الثمن، كذلك يجب حبس المنافع حتى يستوفي الأجرة المعجلة]؛ ولأن في تسليم المنافع قبل قبض الأجرة ضررًا بالمؤجر، ألا ترى أنه يصير أسوة الغرماء، فحل مَحَلَّ البيع، ولا يقال: إن الحبس لا فائدة فيه؛ لأنه إذا عقد على مدة حاضرة، فكل ما حبس بطل العقد في المدة التي تمضي؛ لأن هذا لا يمنع من ثبوت الحبس فيما لا يبطل بالحبس، كمن آجر دابة مسافة معلومة، ولأن هذا يبطل بمن باع ما لا يبقى مثل السمك وما أشبهه للبائع حبسه، وإن كان ذلك يؤدي إلى إبطال العقد بتلفه، ولأن المنافع لا يمكن تسليمها في
стр. 2737
الحال، فلو لم يلزمه تعجيل الأجرة لبطل الشرط (١).
٢٢٦٥ - فَصْل: [تملك الأجرة في الإجارة]
قال: والأجرة لا تملك بعقد (٢) الإجارة، وإنما تملك بأحد معاني ثلاثة: إما أن يشترط تعجيلها في نفس العقد، وإما أن يعجل بغير شرط، وإما بوقوع ما الأجرة [بدل عنه] (٣).
وقال الشافعي: [تجب] (٤) الأجرة بإطلاق العقد (٥).
لنا: أنه مال في مقابلة منفعة، فلا تستحق بنفس العقد، كالربح في المضاربة، ولا يلزم المهر لأنه في مقابلة الاستباحة، ولأنها معاملة لا توجب تسليم أحد البدلين في الحال، فلا يوجب تسليم البدل الآخر بعد المجلس.
أصله: البيع المشروط فيه الخيار لهما والبيع الفاسد، ولا يلزم التسليم؛ لأن تسليم رأس المال لا يجب في المجلس (٦).
وهذه المسألة مبنية: على أن المنافع لا تملك بالعقد؛ لأنها معدومة، والملك من صفة الموجود؛ ولأنها [إنما] (٧) تحدث في ملكه، فلا يملك قبل
стр. 2738
حدوثها كالثمن، وجواز التصرف في المنافع المعدومة لا يدل على ملكها، لكن للضرورة، ألا ترى أنه لو لم يجز العقد عليها مع عدمها لم تجز إجارة أبدًا، ولا [يستدل بجواز] (١) عقد المستأجر عليها على الملك؛ لأنه إنما جاز عقده عليها لأنه يملك التصرف فيها [فهو كالموجود] (٢).
وإذا ثبت أن المنافع لا تملك بالعقد، فكل معاملة لا يملك فيها أحد البدلين بنفس العقد لا يملك البدل الآخر، كالهبة بشرط العوض، والبيع المشروط فيه الخيار.
وإذا ثبت أن الأجرة لا تملك بإطلاق العقد، فإن شرط تعجيلها ملكت بالشرط؛ لأن الشرط يغيّر مقتضى إطلاق العقد، ألا ترى أن التأجيل إذا شرط في الثمن يتغير موجب العقد من الحلول، وكذلك إن عجّل المستأجر [الأجر]؛ لأن العقد سبب في استحقاق الأجرة، فإذا عَجَّلَها بعد وجود سببها استحقت بالتعجيل، كالدين المؤجل يعجله، وأما إذا استوفى المعقود عليه فقد ملك العوض، فاستحقاق ملك العوض في مقابلته.
قال: فإن وقع الشرط في عقد الإجارة أن لا يسلم الأجر إلا بعد انقضاء مدة الإجارة، فذلك جائز، وهذا ظاهر على قول أبي حنيفة الأول: (إن الأجرة لا تجب إلا في آخر المدة، فإذا شرط ذلك فقد شرط موجب العقد، فأمّا على قوله الثاني: الأجرة) (٣) تجب حالًا فحالًا، فقد شرط تأجيل الأجرة، والأجرة
стр. 2739
كالثمن، فإذا جاز التأجيل في أحدهما جاز في الآخر (١).
٢٢٦٦ - فَصْل: [الأجرة في الإجارة التي تقع العقد على المدة]
وأما إذا لم يشرط في العقد شيئًا، فكان قول أبي حنيفة الأول: أن الأجرة لا تجب إلا بعد مضي المدة في الإجارة التي تقع على المدة: مثل استئجار الأرض سنة، أو عشر سنين، ولا تجب تسليم الأجرة إلا بعد مضي جميع المدة، وبه قال زفر، ثم رجع فقال: يسلم الأجر حالًا فحالًا، كلما مضى يوم يسلم أجرته.
وإذا وقعت الإجارة على مسافة: مثل من يستأجر بعيرًا إلى مكة ذاهبًا وجائيًا، فكان قوله الأول أنه لا يلزمه تسليم الأجرة حتى يعود، وهو قول زفر، ثم رجع فقال: يسلم حالًا فحالًا.
قال أبو الحسن: تسلم الأجرة لكلِّ مرحلة إذا انتهى إليها، وهذا قول أبي يوسف ومحمد.
وروي عن أبي يوسف: فيمن استأجر بعيرًا إلى مكة، أنه إذا بلغ ثلث الطريق أو نصفه أعطى من الأجرة بحسابه استحسانًا، قال أبو الحسن: وهذا قوله الآخر.
وجه قول أبي حنيفة الأول: أن الإجارة إذا وقعت على مدة جملة واحدة، فالمعقود عليه ينتفع به بكامل المدة، ولا يلزم تسليم البدل إلا بعد الفراغ: كمن استأجر خياطًا يخيط له ثوبًا، فخاط بعضه لم يستحق الأجرة حتى يفرغ منه، وكذلك إذا استأجر إلى مكة لم ينتفع [بقطع بعض المسافة] (٢) دون بعض،
стр. 2740
فوقعت الأجرة على انتهاء العمل، كالصَّبَّاغ والقَصَّار.
وجه قوله الآخر وهو المشهور من قولهما: أن كل يوم ينفرد بالانتفاع عن الآخر، فلم يقف تسليم البدل [على] جميع المنافع، ولأنه ملك المبدل، فاستحق عليه ما في مقابلته، وقد كان يجب أن يلزمه تسليم الأجرة ساعة فساعة، إلا أنهم استحسنوا فقالوا: يومًا فيومًا؛ لأن إيجاب التسليم في كل ساعة يؤدي إلى الضرر، ألا ترى أنه إذا تشاغل بوزن الأجرة ونقدها (١) مضى زمان [وجبت به] (٢) أجرة، فإن طالب بها فاشتغل بدفعها انقضى (٣) زمانه في دفع الأجرة، فقالوا: يطالبه يومًا فيومًا؛ ولأن اليوم مقصود بالانتفاع، وأخذ بدله لا يؤدي إلى الضرر.
وكذلك إذا سار في الطريق [لو] (٤) طالب بالأجرة في كل حال انقطع بتسليمها عن السير، فقال أبو الحسن: يطالبه في كل مرحلة؛ لأن ذلك سير مقصود، ولا يشق المطالبة ببدله، فهو كاليوم في إجارة الدار.
وجه قول أبي يوسف الآخر: أن السير إلى ثلث الطريق أو إلى نصفه منفعة مقصودة، ألا ترى أن من الناس من يركب مع جَمَّال نصف الطريق ثم ينتقل إلى غيره، فكان ذلك هو المقصود من المنفعة، فإذا وُجِد لزمه تسليم بدله (٥).
стр. 2741
بَابْ: تَصَرُّفِ المُؤَاجِرِ في الأُجْرَةِ
قال أبو الحسن: فإذا وقع عقد الإجارة ولم يشرط تعجيل الأجرة ولم يتسلم ما وقع عليه [العقد] حتى أَبَرَّ المُؤَاجِرُ المُسْتَأْجِرَ منه، أو وهبه، أو تصدَّق به عليه، فإن ذلك لا يجوز في قول أبي يوسف الآخر، عينًا كان الأجر أو دينًا، ولا يكون ذلك [نقضًا للإجارة] (١).
وقال محمد: إذا كان ذلك دينًا جاز.
لأبي يوسف: أنّ الأجرة لم تملك بالعقد على ما بَيَّنَّا، فإذا أَبْرَأَ منها أو وهبها، فقد أبرأ من حق لم يجب، والبراءة من الحقوق قبل وجوبها لا يَصِحُّ، وليس كذلك الدَّيْن المُؤَجَّل؛ لأنه قد ملك واستحق، والتأجيل لتأخير المطالبة، ولأنا لو جوّزنا [البراءة] (٢) لا ينتفع المستأجر بما استأجر من غير بدل يستحق في مقابلته، وهذا إخراج له من حكم الإجارة، ويصير في معنى العارية والوصية، ولم يدخلا في هذا العقد، وإنما لم تبطل الإجارة بقبول البراءة؛ لأنها لم تقع، فوجودها وعدمها سواء.
لمحمد: أن العقد سبب في وجوب الأجرة، وإسقاط الحقوق عند وجود أسبابها جائز كالبراءة من الدين المؤجل، والعفو عن القصاص بعد [وجود
стр. 2742
الجراحة] (١)، وأما إذا كانت الأجرة عينًا من الأعيان فوهبها المؤاجر للمستأجر قبل استيفاء المنافع، فإن قَبِلَ المستأجر الهبةَ بطلت الإجارة، وإن رَدَّها لم تبطل؛ لأن الأجرة المعينة في حكم المبيع؛ لأنها عين مملوكة في مقابلتها ما هو في حكم الأعيان، وَهبة المبيع قبل القبض إذا قَبِلَهَا البائع يبطل البيع، فكذلك هذا.
وأما إذا رَدّ المستأجر الهبة لم تبطل الإجارة؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبول، فإذا رَدَّها بطلت، وكأن لم تكن.
٢٢٦٧ - فَصْل: [مصارفة المؤاجر المستأجر بالأجرة]
قال أبو يوسف: إذا صارف المؤاجر المستأجر بالأجرة وأخذ بها دينارًا، فالعقد باطل، وكان قوله الأوَّل أنه جائز، وهو قول محمد.
لأبي يوسف: أن الأجرة لم تجب بالعقد، وإنما يتعلق وجوبها بعقد الصرف، وما [وجب] (٢) بعقد الصرف ولم يوجد فيه التقابض في المجلس بطل العقد فيه، كمن باع دينارًا بعشرة دراهم فلم يتقابضا؛ ولأنه يشتري الدينار بدراهم في [ذمته] (٣)، ثم يجعلها قصاصًا بالأجرة ولا أجرة له، فيبقى ثمنه الصرف في ذمته، فإذا افترقا قبل قبضه بطل العقد.
لمحمد: أن الصرف لما لم يجز إلا ببدل مستحق، صار دخولهما (٤) في الصرف كشرط تعجيل الأجرة، ولو شرط تعجيلها ثم تصارفا جاز، فكذلك إن
стр. 2743
لم يشرط، ألا ترى أنه لو أخذ بالدين المؤجل دينارًا جاز، فكأنه شرط التعجيل ثم [تصارفا به، كذلك هذا] (١).
وحكى أبو الليث عن بعض أصحابنا طريقة أخرى في هذه المسألة، فقال: من أصل أبي يوسف أن الأجرة لا تملك بالعقد عينًا كانت أو دينًا، ومن أصل محمد أنها (٢) إذا كانت عينًا لم تملك، وإذا كانت دينًا تملك بالعقد؛ وذلك لأن المستأجر يملك المطالبة بالمنفعة، فملك عليه الدين [الذي] في مقابلتها وإن تأجل، كما يملك الثمن المؤجل في البيع.
قال: وليس كذلك العين؛ لأنه لا يجوز أن يملك ملكًا مؤجلًا؛ لأن التأجيل في الأعيان لا يصح، وإذا كان من أصله أن الأجرة قد ملكت، جاز [التصرف] (٣) بها كالدين المؤجل.
وهذا الأصل ليس بمروي عن محمد، وإنما قاله هذا القائل لنصرة هذه المسألة، وقد بَيَّنَّا وجهها من غير إثبات أصل لا رواية فيه.
٢٢٦٨ - فَصْل: [شراء المؤاجر من المستأجر عينًا بالأجرة]
وإن اشترى المؤاجر من المستأجر عينًا من الأعيان بالأجرة جاز في قولهم [جميعًا]؛ لأن العقد على الأعيان لا يقتضي قبض البدل في المجلس، فجاز العقد وإن كانت الأجرة غير واجبة.
قال: ولو أخذ بالأجرة رهنًا أو كفيلًا جاز في قولهم [جميعًا]؛ لأن الرهن
стр. 2744
يجوز بدين لم يجب، كما يجوز بالثمن في البيع المشروط فيه الخيار، والكفالة تجوز بدَيْن لم يجب، كما يجوز بالدَّرَك.
قال: ولو وهب بعض الأجرة أو أبرأه منه جاز في قولهم.
[فأما على قول محمد فظاهر؛ لأن الهبة تجوز الجميع فكذلك في البعض] (١)، وأما على أصل أبي يوسف: فهبة البعض حط يلحق بالعقد، فيصير كالموجود في حال العقد، [وهبة الجميع لا تلحق بالعقد] (٢)، فيثبت (٣) في الحال، وليس هناك حق واجب [وإنما تحصل الأجرة في الثاني] فلا يصح.
قال: وإذا وجب الأجر بمضي الوقت فهو دين، فلا بأس بذلك، يعني البراءة والهبة والصرف؛ لأنه دين [واجب، فصار] كسائر الديون (٤).
стр. 2745
بَاب صفة تسليم [الأجرة]
قال أبو الحسن: وإذا وقع عقد الإجارة صحيحًا على مدة أو مسافة معلومة، وجب تسليم ما وقع عليه العقد من ذلك تسليمًا دائمًا باقيًا في طول مدة الإجارة لا مانع من الانتفاع به، فإن عرض في بعض المدة أو بعد قطع بعض المسافة ما يمنع من الانتفاع بالمستأجَرِ، سقط الأجر عن المستأجر بقدر مدة المنع، ولزم فيما كان قبل ذلك.
وهذه الجملة تشتمل على مسائل:
منها: أن العقد إذا وقع على مدة مطلقة كان ابتداؤها عقيب العقد، وقال الشافعي: لا تصح الإجارة حتى يكون ابتداء المدة عقيب العقد، وإنما يكون عقيب العقد بالشرط (١).
لنا: أنه حكم تعلق بمدة لا على طريق القربة، فكان ابتداؤها عقيب السبب، كمدة الإيلاء، وكمن حلف لا يكلم رجلًا شهرًا، وليس كذلك إذا أوجب صوم شهر؛ لأنه حكم تعلق بمدة على طريق القربة، ولأنه إذا أطلق المدة [و] (٢) لم يجعل عقيب السبب، لم يكن مدة بأولى من مدة، فأدى ذلك إلى إبطال العقد، فوجب أن [يحمل] (٣) على الوجه الذي يصح معه العقد.
стр. 2746
والمسألة الثانية: أن المدة المعقود عليها تكون متوالية من حال العقد إلى انقضائها؛ لأنا لو لم نجعلها كذلك صارت مدة مجهولة، فوجب حمل العقد على ما يصح [العقد] عليه.
والمسألة الثالثة: أن التسليم يجب على المؤاجر في طول المدة المعقود عليها، وفي جميع المسافة، فإن حدث مانع بعد التسليم سقطت الأجرة عن المستأجر: كمن استأجر دارًا ليسكنها، أو عبدًا لخدمته شهرًا، أو دابة ليركبها إلى الكوفة، فيسكن أو يستخدم بعض المدة، أو يركب بعض المسافة، ثم يغصب الدابة غاصب، أو العبد، أو يحدث بهما ما يمنع من الانتفاع بهما من مرض أو إباق، أو يغصب الدار، أو تغرق حتى لا يمكن الانتفاع بها، وكالزرع ينقطع عنه الشِّرب، والرحى تنقطع عنها الماء، فإن الأجر ساقط في مدة ذلك، ولازم فيما مضى؛ وذلك لأن المنافع لا تصير مسلمة بتسليم العين التي تحدث منها؛ لأنها معدومة، والتسليم من صفات الموجود، وإنما تحدث المنافع على ملك المؤاجر حالًّا فحالًّا، ولا يصير المستأجر متسَلِّمًا لها كذلك، فإذا حدث المانع فقد تعذر تسليم المنفعة قبل القبض، فسقط البدل كتعذر تسليم المبيع قبل القبض (١).
٢٢٦٩ - فَصْل: [الاختلاف في تسليم الأجرة]
فإن اختلفا بعد انقضاء [مدة] الإجارة، فقال المستأجر: لم تسلم إليّ ما أجرتني، وقال المؤاجر: قد سلّمت، فالقول: قول المستأجر مع يمينه؛ وذلك لأن المؤاجر يدّعي دخول الشيء في ضمان المستأجر، فالقول قول من ينفي الضمان، كمن ادعى عليه الغصب فجحد [ذلك]، وكل من جعلنا القول
стр. 2747
قوله فيما يلزمه فيه الخصومة، والشيء مما يصح، بدله، فالقول قوله مع يمينه، فإن أقام المؤاجر البينة أنه سَلَّم، قُبلت بينته واستحق الأجر؛ لأنه أقام البينة على الضمان.
٢٢٧٠ - فَصْل: [النظر إلى حال الشيء إذا وجد المانع في الاستلام]
فإن اتفقا أنه سَلَّمَها في أول المدة أو أول المسافة، فقال المستأجر: عرض لي ما يمنعني من الانتفاع به، وادّعى مرضًا أو غصبًا أو إباقًا، وجحد ذلك المُؤَاخِر، فإنه ينظر إلى حال الشيء الذي وقعت عليه الإجارة في وقت ما اختصما، فإن كان المانع موجودًا في المستأجر فالقول: قول المستأجر مع يمينه البتة، وإن لم يكن موجودًا في وقت خصومتهما فالقول: قول المؤاجر مع يمينه على علمه، والبينة بينة المستأجر؛ وذلك لأنهما إذا اختلفا في دوام التسليم، فوجب تحكيم الحال، فإن كان المانع موجودًا فالظاهر يشهد للمستأجر، فالقول قول من يشهد له الظاهر، وإن لم يكن هناك مانع، [فالظاهر] (١) يشهد للمؤاجر، فكان القول قوله.
ولا يقال: إن المنافع دخلت في ضمان المستأجر بالتسليم، فلا يقبل قوله في سقوط الضمان؛ لأن المنافع لا تصير مسلمة بالتسليم الأول، فلا يكون اعترافه بالقبض اعترافًا بقبض جميع المنافع.
وإنما استحلف المستأجر على البتات؛ لأنه يدّعي عليه فعله وهو التسليم، ومن حلف على فعل نفسه حلف على البتات، وإنما استحلف المؤاجر على العلم؛ لأنه يحلف على فعل غيره، وهو المنع، ومن حلف على فعل غيره استحلف على
стр. 2748
العلم كاليمين في القَسَامة.
٢٢٧١ - فَصْل [المنع عَرَضَ بعد القبض]
فإن اتفقا أن المنع كان قد عرض بعدما قبض، فقال المستأجر: كان المنع في المدة حين قبضت إلى أن بقي من المدة يوم أو يومان، وقال المؤاجر: كان المنع يومًا واحدًا ثم زال، فالقول قول: المستأجر في ذلك؛ لأنهما اتفقا على أن المنافع لم يدخل جميعها في ضمان المستأجر، فكان القول قوله في مقدار ما ضمنه؛ ولأنهما اتفقا على زوال القبض الأول، فالقول قول المستأجر في القبض الثاني.
стр. 2749
بَاب متى يصح تسليم العامل ويخرج من ضمانه
قال أبو الحسن: كل من استؤجر على عمل في شيء، أو عمل شيء، وذلك الشيء في يده، مثل الصَّبَّاغ والخَيَّاط والقَصَّار والصائغ والنَّجَّار وسائر الصُّنَّاع، فعمله ذلك مضمون عليه ما دام في يده بالأجر المسمى له، لا يبرأ منه إلا بتسليمه إلى صاحبه، فإن لم يسلمه حتى هلك، بطل أجرُه، ويكون العمل مضمونًا بالأجر.
قال: وجملة هذا أن المستأجر على عمل في شيء أو عمل شيء [فهو] على وجهين:
أحدهما: أن يكون المعمول فيه في يده، والثاني: أن يكون في يد المستأجر. فإذا كان المعمول فيه في يده، فهو على وجهين: إن كان لعمله أثر في العين كالصباغ والقصار، فالعمل مضمون عليه، فإن هلك في يده قبل التسليم سقط الأجر، وما لم يكن لعمله [تأثير في العين] (١) كالحمّال والملّاح، وجب الأجر إذا فرغ من العمل، وإن لم يُسَلِّمْ.
وقالوا: ما لم يحط المتاع من رأسه لم يجب الأجر؛ [لأن] الحَطَّ من تمام العمل؛ وإنما كان كذلك لأن العمل الذي له أثر [في العين كالمعقود عليه] (٢)،
стр. 2750
ألا ترى أن البدل في مقابلة ذلك الأثر، فصار كالمبيع إذا هلك قبل التسليم سقط بدله.
وأما ما لا أثر له، فليس هناك عين معقود عليها، وإنما يصير الحَمَّالُ مسلمًا للمنفعة حالًا فحالًا، فإذا انتهت فقد وَفَّى العمل، فلم يبق منه شيء يجب بدله، وهلاك العين لا يسقطه.
وقد قالوا: في كل عمل له أثر في العين، للعامل أن يحبس العين حتى يستوفي، كما للبائع حبس المبيع [حتى يستوفي الثمن]، وما ليس له أثر لا يثبت فيه حق الحبس؛ لأن العمل المعقود عليه ليس بموجود في العين، فلم يجز حبسها، كما لا يجوز حبس الوديعة بالدين.
وأما ما يوقعه من العمل في عين في يد المستأجر، فقد ذكره في الباب الذي يلي هذا.
قال محمد فإن حبس الحَمَّالُ المتاعَ في يده فهو غاصب؛ وذلك لأنه لا أثر لعمله في العين حتى يثبت له الحبس، وإنما العين أمانة في يده، فإذا حبسها بدينه صار غاصبًا كالوديعة.
وقال أبو يوسف في الحمّال: يطلب أجره بعد ما بلغ المنزل قبل أن يضعه، فليس له ذلك، وهذا على ما بيَّنّا أن الوضع من تمام العمل (١).
стр. 2751
بَاب ما يكون الأجر مسلمًا له مع الفراغ منه
قال أبو الحسن: إذا استأجر رجلًا ليبني له بناءً في داره، أو فيما هو يده، أو يعمل له سَاباطًا، أو جَنَاحًا (١)، أو يحفر له [في ذلك] بئرًا، أو قناةً، أو نهرًا، أو ما أشبه هذا، فعمله العامل فلم يفرغ منه حتى انهدم البناء، أو انهارت البئر، أو سقط السَّاباط، فله أجر ما عمل بحصة ذلك؛ لأن ذلك صار في يد المستأجر قبل هلاكه.
وإن استأجره على عمل شيء من ذلك في غير ملكه، ولا ما هو في يده، فلا أجر له حتى يفرغ منه ويُسَلِّمَهُ إليه؛ وذلك لأنه إذا استأجره على عمل في منزله صار مسلمًا العمل إليه جُزْءًا فجزءًا، فوجب عليه بدله [بالفراغ منه]، فلم يسقط بالهلاك.
وقد قالوا في البئر: إذا حفر بعضها ثم انهارت وجب [له من الأجر] (٢) بحساب ما حفر؛ لأنه سلم تلك المنافع بنفس العمل، فأما إذا كان الحفر والبناء في غير ملكه فلم يصر مسلمًا له بالعمل، فما لم يخلِّ [بينه وبين المستأجر] (٣) لم يصر قابضًا له، فإذا أفسد قبل ذلك سقط بدله (٤)، كهلاك المبيع قبل القبض.
стр. 2752
وقال الحسن: إذا أراه موضعًا من الصحراء يحفر فيه بئرًا، فهو بمنزلة ما في ملكه ويده، وقال في آخر الكلام وهذا قياس قول أبي حنيفة.
وقال محمد: لا يكون قابضًا إلا بالتخلية، وإن أراه الموضع.
والصحيح ما قاله محمد؛ لأن الموضع وإن عينه لم يصر في يده، فلا يكون مسلمًا له بنفس العمل، وليس كذلك إذا كان في ملكه؛ لأن ملكه يده، فيصير متسلمًا للمنافع حالًا فحالًا.
وجه روَاية الحسن: أنه لما عين الموضع يثبت يده عليه بالتعيين، فصار كفنائه وملكه.
قال: وإن كان في غير ملكه وقد عمل بعضه والمستأجر قريب من العامل، فخلى بينه [وبين العمل] (١)، فقال المستأجر: لا أقبضه منك حتى تفرغ (٢)، كان قابضًا وعليه الأجر، وهذا عطف على رواية الحسن؛ لأن التعيين كالملك، وأما على ما قال محمد فلم يصر مسلمًا بالعمل، فللمستأجر أن يمتنع من التسليم حتى يتمم البئر؛ لأنه لا ينتفع ببعض عملها دون بعض (٣).
٢٢٧٢ - فَصْل [ما يعتبر من تمام عمل العامل]
وإذا استأجره ليضرب له لَبِنًا في ملكه، فإن رَبَّ اللَّبِن لا يكون قابضًا حتى يجف اللبن وينصبه في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: حتى يشرجه (٤).
стр. 2753
لأبي حنيفة: أنه استؤجر على عمل اللبن فإذا جف وأقامه فقد وجد ما يتناوله اسم اللبن فاستحق الأجرة، فتشريجه كنقله إلى مكان البناء، فلا يلزم المستأجر، وليس كذلك إذا ضربه ولم يقمه؛ لأن اسم اللبن لا يتناوله، ألا ترى أنه أرض ما لم يقلبه عن مكانه.
وجه قولهما: أن العادة أنَّ ضرَّاب اللَّبِن هو الذي يشرج ليؤمن عليه الفساد، فكان ذلك من تمام العمل، كإخراج الخبز من التنور.
وقال: فإن هلك اللبن قبل الحد الذي حَدَّه كل واحد منهما في قوله، فلا أجر له؛ لأنه هلك قبل تمام العمل، وإن كان بعده، فله الأجر؛ لأن العمل قد تم فصار مسلمًا [له]؛ لأنه في ملكه، فهلاكه بعد ذلك لا يسقط البدل.
قال: فإن كان ذلك في غير يده و [لا] ملكه، لم يكن له الأجر حتى يسلمه منصوبًا عند أبي حنيفة، ومشرَّجًا عندهما؛ لأنه لم يحصل في يده، فلا بد من التخلية بعد الفراغ من العمل (١).
٢٢٧٣ - فَصْل: [ما يضمنه الأجير المشترك]
ومما يلحق بهذا الباب ما رواه ابن سماعة عن محمد: في رجل استأجر خَبَّازًا ليخبز له قفيزًا من دقيق بدرهم، فخبز فاحترق الخبز في التنور قبل أن يخرجه، قال: هو ضامن، وكذلك لو ألزقه (٢) في التنور ثم أخذه ليخرجه فوقع من يده في التنور فاحترق، فإنه ضامن، وهذا على أصل محمد في تضمين الأجير جير المشترك، إلا أن الذي يحتاج إليه في هذا الباب أنه لا أجرة له؛ لأنه هلك قبل تمام العمل، ألا
стр. 2754
ترى أن الأجرة يستحقها [بالعمل: وهو الخبز] (١)، وقبل إخراجه من التنور ليس بخبز، فهو كهلاك اللبن قبل أن [يقيمه] (٢).
قال: وإذا أخرجه من التنور ووضعه وهو يخبز في منزل المستأجر فقد فرغ، فإن احترق من غير جنايته فله الأجر، ولا ضمان عليه في قول أبي حنيفة؛ لأنه فرغ من العمل فصار مسلمًا له بإخراجه من التنور؛ لأنه في ملك المستأجر، وهلاك الشيء من غير عمل الأجير المشترك لا يتعلق به الضمان عنده.
فأما على قول من يضَمِّن الأجير المشترك، فإنه ضامن له دقيقًا مثل الدقيق الذي دفعه إليه، ولا أجر له، وإن شاء ضمنه قيمة الخبز مخبوزًا وأعطاه الأجر؛ وذلك لأن قبض الأجير عندهما مضمون، فلا يبرأ منه بوضعه في منزل مالكه، كما لا يبرأ من ضمان المغصوب بذلك.
فإذا وجب عليه الضمان كان صاحب الدقيق بالخيار: إن شاء ضمنه دقيقًا وأسقط الأجر؛ لأنه لم يسلم له العمل، وإن شاء ضمنه خبزًا [وأعطى الأجر؛ لأن العمل صار] (٣) مسلمًا له، فوجب عليه الأجرة.
قال: ولا أضمنه القصب والحطب ولا الملح؛ لأن ذلك صار مستهلكًا قبل وجوب الضمان عليه، [ووجب عليه الضمان وهو رماد وما يذوب] (٤) فلا قيمة.
قال: وكذلك الخياط يخيط له في منزله قميصًا، فإن خاط بعضه لم يكن له
стр. 2755
أجر؛ لأن هذا العمل لا ينتفع ببعضه دون بعض، فلا يلزم الأجرة إلا بتمامه، فإذا فرغ منه ثم هلك، فله الأجرة في قول أبي حنيفة؛ لأنه صار مسلمًا للعمل عنده.
فأما على قولهما: فالعين مضمونة لا يبرأ من ضمانها إلا بتسليمها إلى مالكها (١)، فإذا هلك الثوب: فإن شاء ضمنه قيمته صحيحًا (غير مخيط) (٢) ولا أجرة له، وإن شاء ضمنه قيمته مخيطًا وله الأجرة على ما قدمنا.
قال: ولو استأجر حَمَّالًا ليحمل له دَنًّا (٣) من السوق إلى منزله، فحمله حتى إذا بلغ به باب الدار الذي استأجره كسره إنسان، فلا ضمان على الحمّال في قول أبي حنيفة، وله الأجرة من قِبَلِ أنه وفَّاه العمل إلى الموضع الذي بلغ، وهذا على [ما قدمنا] أن من لا أثر لعمله يصير مسلمًا للمنافع حالًا فحالًا.
وقال محمد في الأصل في الحمّال: إذا وقع في بعض الطريق فانكسر ما حمله، فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمته في ذلك الموضع واحتسب له من الأجرة بحساب ما حمل، وإن شاء ضمنه قيمته من الموضع الذي حمله ولا أجرة له؛ وذلك لأن التلف حصل من عمله، وهو وقوعه، وما تلف بعمل الأجير المشترك مضمون في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، إلا أن المنافع لم تسلم بكمالها، فصار ذلك عيبًا فيها، فإن شاء رضي بها وضمنه قيمته في ذلك الموضع وأعطاه الأجرة، وإن شاء فسخ العقد فيها حين لم يكمل على مقصودها، وضمنه القيمة في الموضع الذي حمل منه (٤).
стр. 2756
بَاب ضمان أجير المشترك
قال أبو الحسن: الأجير المشترك: القَصَّار، والصَّبَّاغ والخَيَّاط، والصَّائِعُ، وكل من يستحق الأجر بعمله دون تسليم نفسه، فإذا سَلَّم إليه ما استؤجر عليه وقبضه، فهو أمانة في يده عند أبي حنيفة وزفر، ورواية الحسن بن زياد، وهو قول حماد بن أبي سليمان.
وقال أبو يوسف ومحمد: هو مضمون عليه بالقبض إلا من شيء غالب لا يحتاط (١) من مثله، مثل حريق غالب، (أو عدو مكابر، أو سارق كذلك) (٢).
قال: أما الكلام في حد الأجير المشترك، فهو على [كل] من يستحق الأجر بعمله، ومعنى قولنا: مشترك: أن عمله لا يختص بواحد دون آخر (٣)، وله أن يعمل لمن يشاء.
فأما وجه قول أبي حنيفة: في أنه لا ضمان عليه فيما هلك بغير فعله، وهو أحد قولي الشافعي: أنها عين قبضها بإذن مالكها لا على وجه التمليك والوثيقة، فصار كالوديعة (٤)، ولأن قبضه لو تعلق به الضمان لاستوى فيه ما يحترز عنه وما لا يحترز كالغاصب، ولأنها عين خلصت في يده لإيقاع العمل فيها، كما يحصل
стр. 2757
في يد الأجير الخاص.
وجه قولهما - وهو استحسان -: ما روي عن عمر ﵁: (أنه ضمن الأجير احتياطًا لأموال الناس)، ولأن الغالب عليهم الخيانة، فلو لم يضمنوا هلكت الأموال، وهذا لا يصح.
فأمّا الحريق الغالب واللصوص الغالبون فلا تهمة فيه؛ [فلهذا لم] (١) يضمنوا.
٢٢٧٤ - فَصْل: [التلف من عمل الأجير المشترك]
فأما ما تلف من عمل الأجير المشترك مثل القصَّار إذا دقَّ الثوب فتخرق، أو ألقاه في التنور فاحترق، والملاح إذا غرقت السفينة من عمله، والحمال إذا سقط وفسد ما حمله، قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إنه مضمون عليهم، وقال زفر: لا ضمان عليهم، وقال الشافعي في القول الذي قال لا ضمان عليه فيما هلك: إنه لا يضمن ما كان من فعله، وفي القول الذي قال هو ضامن: يضمن (٢) في الوجهين [جميعًا] (٣).
لنا: أن العمل مضمون عليه بدلالة أنه يجبر عليه ويستحق الأجر في مقابلته، وما تولد من العمل المضمون مضمون، أصله من ألقى رجلًا في بئر فمات، أو جرحه فَسَرَت الجراحة إلى النفس، فليس كذلك ما تلف بعمل الأجير الخاص؛ لأن العمل ليس بمضمون عليه، ألا ترى أنه يستحق الأجرة بتسليم نفسه وإن لم
стр. 2758
يعمل، وكذلك من استعان برجل في دَقَّ الثوب فعمله ليس بمضمون؛ لأنه لا بدل عنه.
ولا يلزم البزّاغ (١) والحَجَّام؛ لأن العمل ليس بمضمون عليهما؛ بدلالة أنه لا يجبر عليه إذا امتنع منه، ولأنا لا نعلم أن الموت تولد من البزغ، ونعلم أن التخريق تولد من الدَّقّ، ولأن التخريق حصل من قبل تسليم العمل إلى صاحبه، فكان مضمونًا عليه، والتلف يحصل بالبزغ والحجامة بعد تسليم العمل؛ لأن الحجام إذا جرح فقد وَفَّى العمل، والبَزَّاغ في العادة يبزغ بالمبزغ، والسَّائِسُ (٢) مع الدابة، ونظير مسألتنا ما تلف من الثوب بعد تسليمه إلى صاحبه.
ولأن القَصَّار مأذون في [دَقِّ] القصارة، [وهو الدَّق المصلح للثوب دون المفسد] (٣)، فكان عمله على شرط السلامة، والبزغ جراحة، فيستحيل أن يبزغ على شرط السلامة؛ لأن ذلك لا يكون، ولأن الخرق لا يكون إلا بالتجاوز في الدق عمّا يعتاد، والموت يكون [في البزغ] المعتاد، وذلك مأذون فيه، [وإن تجاوز الموضع المعتاد، فهو ضامن كالقصَّار إذا تجاوز] (٤) فلم يجاوز الموضع المعتاد، فلا يضمن كالقصار إذا لم يتجاوز.
وجه قول زفر: أنه مأذون في العمل كالأجير الخاص، وكمن استعان برجل يدق له ثوبًا فخرقهُ (٥).
стр. 2759
٢٢٧٥ - فَصْل [التلف بغير عمل الأجير]
وإذا كان صاحب المتاع معه راكبًا في السفينة، أو راكبًا على الدابة التي عليها الحمل فعطب الحمل، فلا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ وذلك لأن متاعه في يده، والضمان عندهما إنما يجب باليد، فما دام [الشيء] في يد صاحبه لا يضمن كالغصب.
وكذلك إذا كان صاحب المتاع والمكاري رَاكِبَيْن على الدابة أو سَائِقَيْن أو قَائِدَيْن، قال أبو الحسن: وهذا عندي قياس قول أبي يوسف؛ وذلك لأن الشيء في أيديهما، فلم ينفرد الأجير باليد، فلا يلزمه ضمان اليد، وهذا فيما تلف بغير عمل الأجير، فأما ما تلف بعمله مثل المَلَّاح إذا جنحت السفينة، أو [الحَمَّال إذا] انقطع الحبل، أو المكاري إذا عثرت الدابة من سوقه، فهو ضامن؛ لأن هذا متولد من عمله، فلا يعتبر [فيه] انفراده باليد، وإن كان حَمَّالًا يحمل بنفسه ورَبَّ المتاع يمشي معه فعثر؛ ففسد المتاع، ضمن وهذه رواية عن أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن هذا متولد من عمله فلا فرق بين أن يكون صاحبه حافظًا أو غير حافظ.
قال بشر عن أبي يوسف: إن سُرِق المتاع من رأس الحمال فلا ضمان عليه؛ لأن صاحب المتاع لم يخلِّ بينه وبينه، وإنما هو في يده فلا يضمنه الحَمَّال باليد.
قال: وأجمع أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا كان المستأجر على حمله عبيدًا صغارًا أو كبارًا، فلا ضمان على المكاري فيما عطب من سياقه أو قوده، ولا [يضمن] بني آدم من وجه الإجارَة؛ [وذلك] لأن ضمان الآدمي بالأسباب يجري مجرى الجناية، وذلك تتحمله العاقلة، ولا يجوز [أن تتحمل العاقلة ما
стр. 2760
يتعلق بالعقود كالأثمان وأجرة الإجارة] (١).
قال: فإذا وجب ضمان المتاع المحمول فصاحبه بالخيار: إن شاء ضَمَّنَه قيمته في الموضع الذي سَلَّمه إليه، وإن شاء في الموضع الذي فسد أو هلك فيه، وأعطاه الأجرة إلى ذلك الموضع.
وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف ومحمد؛ لأن القبض عندهما مضمون، والفعل مضمون، فله أن يضمنه [بالقبض] (٢)، وله أن يضمنه بالإتلاف.
فأما على أصل أبي حنيفة: قال بشر بن غياث: ينبغي أن لا يثبت الخيار؛ لأن الضمان عنده إنما يجب بالعمل المفسد، فأما العقد فلم يوجب ضمانًا، فكيف يضمنه في حال العقد.
والجواب عن هذا: أن القبض وإن لم يقع مضمونًا عنده، فالعقد هو الموجب للضمان بالعمل، فصار للعمل تأثير في إيجاب الضمان، فكذلك كان له أن يضمنه في ذلك الوقت؛ لأن الصفقة في المنافع تفرقت عليه، فكان بالخيار بين أن يلتزمها وبين أن يفسخ العقد فيها، وهذا لا يكون إلا بالتخيير في حال الضمان.
وقد روي عن محمد: أن بيت الأجير إن احترق بسراج ضمن؛ لأن هذا مما يمكن حفظه، ألا ترى أنه لو علم [به] لأطفأه، وإنما الحريق الذي لا يضمن فيه؛ الحريق الغالب الذي لا يقدر على استدراكه لو علم به ابتداءً.
ومما يلحق بمسائل الباب ما قالوا في الطعام: إذا كان (٣) في سفينتين
стр. 2761
وصاحبه في إحداهما مقرونتان أو غير مقرونتين، إلا أن سيرهما جميعًا وحبسهما جميعًا، فلا ضمان على الملاح فيما هلك من ذلك.
وكذلك القِطَار إذا كانت عليه الحمولة ورب الحمولة على بعير [منها]، فلا ضمان على الحمّال؛ لأن يد صاحب المتاع ثابتة على جميع ذلك، ألا ترى أنه هو الحافظ له.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف في رجل استأجر حَمَّالًا ليحمل له فَرَقًا (١) من سمن، فحمله صاحب الفرق والحَمَّال جميعًا ليضعه على رأس الحمّال فوقع فانخرق الزَّق وذهب ما فيه، قال أبو يوسف: لا يضمن؛ وذلك لأنه لم يسلمه إليه، وإنما هو في يده، والحمال يضمن بالتسليم.
قال: ولو حمله إلى بيت صاحبه ثم أنه أنزله الحمال من رأسه وصاحب الفرق فوقع من أيديهما، فالحمال ضامن، وهو قول محمد الأول، ثم رجع فقال: لا ضمان على الحمال.
لأبي يوسف: أن الضمان وجب على الحمال بثبوت يده [عليه]، فلا يبرأ إلا بالتسليم، فإذا خطَّأه جميعًا فيد الحَمَّال لم تزل، فلا يزول الضمان.
لمحمد: أن الشيء قد وصل إلى يد صاحبه، فلا يتعلق به الضمان، كما لو حملاه ابتداءً ليرفعاه إلى رأس الحمال [فهلك].
وقال بشر في نوادره، عن أبي يوسف: في قصار استعان بصاحب الثوب
стр. 2762
ليدقه معه فتخرق، فلا يدري من أي الدقين [تخرق]، وقد كان صحيحًا قبل أن يدقاه، قال: على القصار نصف القيمة.
وقال ابن سماعة عن محمد: كل الضمان على القصار حتى يعلم أنه تخرق من دق صاحبه أو [من] دقهما.
لأبي يوسف أن التلف يجوز أن يكون من فعل القصار، ويجوز أن يكون من فعل صاحب الثوب، فوجب النصف على القصار على اعتبار الأحوال.
لمحمد: أن الثوب في ضمان القصار بالقبض، فما حدث فيه من ضمانه، إلا أن يعلم أنه من فعل غيره.
وقال هشام عن محمد: فيمن دفع إلى رجل مصحفًا ليعمل فيه، ودفع الغلاف معه، أو دفع سيفًا إلى صقيل (١) ليصقله بأجر ودفع الجفن معه، قال محمد: يضمن المصحف والغلاف، والسيف والجَفْن (٢)؛ وذلك لأن السيف لا يستغني (٣) عن الجفن، وكذلك المصحف عن الغلاف، فصارا كالشيء الواحد.
قال: فإن أعطاه مصحفًا يعمل له غلافًا، أو سكينًا يعمل لها [نِصَابًا] (٤)، فضاع المصحف أو السكين، لم يضمن؛ لأنه لم يستأجره على إيقاع العمل فيهما، وإنما استأجره على غيرهما (٥).
стр. 2763
بَاب ضمان الأجير الخاص
قال أبو الحسن: الأجير من يستحق الأجر بالوقت دون العمل، كرجل استأجر رجلًا ليخدمه شهرًا بخمسة دراهم، أو ليَقْصِر (١) معه، أو ليخيط معه، أو ليعمل عملًا من الأعمال.
وإنما يسمى خاصًّا، لأنه لا يصح أن يعمل في المدة إلا لمن استأجره، وحَدُّه: الذي يستحق البدل بتسليم نفسه في المدة، عمل أو لم يعمل.
وحكمه: أن ما [هلك] في يده لا ضمان عليه فيه.
أما على قول أبي حنيفة: فلأنها عين قبضها بإذن مالكها على وجه التمليك والوثيقة.
وأما على أصلهما: فلأنهما استحسنا في تضمين الأجير المشترك احتياطًا لأموال الناس، والأجير الخاص يسلم نفسه في العادة ولا يتسلم المال، فما هلك عمله فلا ضمان عليه فيه؛ لأن العمل ليس بمضمون عليه، بدلالة أنه يستحق البدل من غير عمل، وما يتولد من فعل غير مضمون لم يكن مضمونًا، وإن تعمد الفساد في شيء من ذلك ضمن كما يضمن المُودَعُ إِذا تَعَدَّى؛ لأنه مؤتمن في المال والتصرف كالمودع، وعلى هذا أجير القَصَّار والصَّبَّاغ إذا استؤجروا مشاهرة، لم يضمنوا لمن استأجرهم إلا (٢) ما تعدوا فيه.
стр. 2764
ويضمن القَصَّار والصَّبَاغ؛ لأنّ عملهم [وقع] له، فكأنه عمل بنفسه، ولا يرجع عليهم بما يضمن؛ لأنه إذا ضمن ملك [العين]، فكأنه استعمل أجيرًا خاصًّا في ماله [فلم يضمنه].
٢٢٧٦ - فَصْل: [الضمان فيما إذا سرق بعد عمل الأجير]
وقد قالوا في الأجير المشترك: إذا فرغ من العمل ثم سُرِقَ ما عمل [فيه]، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة، ولا أجر له؛ لأن عمله له أثر في العين [فصار] (١) كالعين المبيعة؛ ولهذا ثبت له حق الحبس فيه، فإذا تلف قبل التسليم سقط البدل.
وقال أبو يوسف ومحمد: الأجير ضامن، والمستأجر بالخيار: إن شاء ضمَّنه قيمته معمولًا ويغرم الأجر، وإن شاء ضمنه قيمته غير معمول ولا أجر له، وهذا على ما بيّناه.
فأما الجَمَّال والحَمَّال إذا بلغ الغاية ثم سُرِق ما حمله؛ فله الأجر عند أبي حنيفة ولا ضمان عليه؛ لأن العمل لا أثر له [في العين] فصار مُسَلِّمًا حالًا فحالًا.
وقال ابن سماعة، عن محمد: في رجل دفع ثوبًا إلى خياط يخيطه بدرهم قميصًا، فخاطه ثم جاء رجل ففتقه [قبل أن يقبض رب الثوب، فلا أجر للخياط؛ وذلك لأن المنافع تلفت] قبل التسليم، فسقط بدلها، قال: ولا أجبر الخياط على أن يعيد العمل؛ لأنه فرغ من العمل المعقود عليه وانقضى العقد، فلا يلزمه (العمل ثانيًا) (٢).
стр. 2765
وإن كان الخياط هو الذي فتق الثوب فعليه أن يعيده؛ لأنه لما فتقه فقد فسخ المنافع التي عملها، فكأنه لم يعمل، وإذا فتقه الأجنبي فقد أتلف المنافع بدلالة أنه يلزمه الضمان.
وقالوا في المَلَّاح إذا حمل الطعام إلى موضع، فردّ السفينة إنسان فلا أجر للملاح، وليس عليه أن يعيد السفينة، فإن كان هو الذي ردّها لزمه إعادة الحمل إلى الموضع الذي شرط عليه، وإن كان الموضع الذي رجعت إليه السفينة لا يقدر فيه رب الطعام على قبضه [منه، فعلى الملاح أن يسلِّمه في موضع يقدر رب الطعام على حمله وقبضه]، فيكون له أجر مثله فيما زاد من هذا المسير؛ وذلك لأنا لو جَوَّزْنا للملَّاح تسليمه في مكان لا ينتفع به، تلف [الطعام] (١) على صاحبه، فأمكن إيفاء حقهما: بأن يكلف الملاح حمله بالأجر إلى أقرب المواضع التي يمكن القبض فيها.
قالوا: ولو اكترى بغلًا إلى موضع فركبه، فلما سار بعض الطريق جَمَحَ به فردّه إلى موضعه الذي خرج منه، قال: فعليه الكراء بقدر ما سار؛ لأن الراكب صار مستوفيًا للمنافع بنفسه، فلا يسقط عنه الضمان بعد التسليم.
وقال في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في رجل استأجر رجلًا ليذهب إلى البصرة ليجيء بعياله، فذهب فوجد بعضهم قد مات، فجاء بمن بقي، قال: له من الأجر بحسابه (٢).
وعن أبي حنيفة: في رجل استأجر رجلًا ليذهب بكتاب إلى البصرة إلى
стр. 2766
فلان ويجيء بجوابه، فذهب فوجد فلانًا قد مات فرَدَّ الكتاب، قال: لا أجر له.
وقال محمد: له الأجر في الذهاب، أما إذا استأجره ليحمل [عِياله] فالمقصود ليس هو الذهاب والعود، وإنما المقصود الحمل، فإذا مات بعضهم سقط حصته.
وأما وجه قول أبي حنيفة في الكتاب فلأنه لما عاد به فقد نقض المنافع التي فعلها (١)، فصار كمن استأجر على حمل طعام إلى البصرة إلى فلان، فحمله فوجده قد مات فرده [فلا شيء له]، ولأن المقصود ليس هو حمل الكتاب، وإنما المقصود إيصاله إلى فلان، ولم يوجد ذلك.
لمحمد: أن العمل في الذهاب [إلى البصرة] قد أوقعه على الوجه الذي أمره به، فاستحق حصته ولم يوقع العود على الوجه المأمور به، (فلم يجب له به أجر) (٢)، ولا يجوز أن يقال: إنه نقض المنافع برَدِّ الكتاب؛ لأن الكتاب لا حمل له ولا مؤونة فلا يصير برده ناقضًا [للعمل].
وليس كذلك الطعام؛ لأن له مؤونة في الحمل، فإذا رده نقض ما أوقعه من المنفعة.
٢٢٧٧ - فَصْل: [ضمان الأجير المشترك فيما ليس بمأذون فيه]
وقالوا في الأجير المشترك: إذا كان خاصًّا فوطئ على ثوب من القصارة فخرقه ضمن؛ لأن هذا العمل ليس بمأذون فيه، ولو وقع من يده سراج فأحرق ثوبًا من القصارة، فالضمان على الأستاذ ولا ضمان على الغلام؛ لأن
стр. 2767
الذهاب والمجيء بالسراج عمل مأذون فيه.
ولو دقّ هذا الغلام ثوبًا فانفلت الكِدّين من يده فخرق ثوبًا من القصارة فالضمان على الأستاذ؛ لأن هذا من عمل القَصَّارِ، فإن كان ثوبًا وديعة عند الأستاذ، فالضمان على الغلام؛ لأن القصار لم يسلطه على عمل هذا الثوب، وكذلك لو وقع من يده سراج عليه فأحرقه.
وقال في الأصل: لو أن رجلًا دعا قومًا إلى منزله، فمشوا على بساطه فتخرّق، لم يضمنوا، وكذلك لو جلسوا على وسادة؛ لأنه مأذون في هذا العمل، فما يتولد منه ليس بمضمون، ولو وطئوا إناءً من آنيته ضمنوا؛ لأن هذا لا يؤذن في وطئه، وكذلك لو وطئوا ثوبًا لا يبسط مثله.
قال: ولو قلبوا (١) إناءً بأيديهم فانكسر لم يضمنوا؛ لأنه مأذون لهم في استعماله، ولو كان رجل منهم متقلدًا سيفًا فخرق السيف الوسادة لم يضمن؛ لأنه مأذون له في الجلوس على هذه الصفة.
قال: فلو جفف القصار ثوبًا على حبل في الطريق فمرّت عليه حمولة فخرقته، فلا ضمان على القصار، والضمان على سائق الحمولة؛ وذلك لأنه جانٍ في السوق، ألا ترى أن المشي في الطريق بشرط السلامة [مأذون فيه لا غير]، فلا يلزم القصار ضمان ذلك، ولزم السائق (٢).
стр. 2768
بَاب إجارة العَقَار
قال أبو الحسن: إذا استأجر الرجل دارًا أو حانوتًا، أو غير ذلك من العقار غير المزارع مدة معلومة بأجر معلوم، فله الانتفاع بها كيف شاء من السكنى، [وجعل المتاع فيها] (١) أو غيره، وأن يُسْكِنَ فيها من أحَبَّ، ويؤاجرها ويعيرها، غير أنه لا يجعل فيها حَدَّادًا ولا قَصَّارًا ولا ما يضر بالبناء، ولا تفسد الإجارة، إلا أن لا يسمى ما يعمل فيها (٢).
والأصل في ذلك: أن منافع العقار للسكنى غير متفاوتة إذا لم يكن فيها ما يوهن البناء، وذلك مستثنىً، فصارت المنفعة معلومة، (فلا يحتاج إلى تسمية نوعها، ولأنها تصير) (٣) بالعادة، ألا ترى أن من اكترى دكانا في صف البزازين فالظاهر أنه بزاز، وإن كانت [المنافع] غير متفاوتة لم يحتج إلى تسميتها.
وليس له أن يجعل فيها قَصّارًا، ولا حَدَّادًا، ولا طَحَّانًا، إلا أن يسمي ذلك؛ [لأن] هذا يوهن البناء ويزيد على مقدار منفعة السكنى، ولا يجوز إلا بتسمية.
وإنما كان له أن يسكنها بنفسه وبغيره؛ لأن المنفعة لا تتفاوت بزيادة السكان، إلا تفاوتًا قريبًا غير معتدٍ به، وله أن يؤاجر؛ لأنه يملك المنفعة،
стр. 2769
فجاز أن يعقد على ملكه، وله أن يعير؛ لأنها منافع [تحدث] على ملكه، فجاز أن يبيحها لغيره.
وأما إذا استأجر أرضًا للزراعة لم يجز [العقد] حتى يسمي ما يزرع فيها، أو يجعل له أن يزرع ما شاء؛ لأن منافع الزراعة تختلف، فلم يجز العقد مع جهالة المعقود عليه (١).
стр. 2770
بَاب الأوقات التي يقع عليها [عقد] الإجارة
قال أبو الحسن: إذا استأجر الرجل دارًا يومًا، أو شهرًا، أو سنةً، وذكر مدة من المدد، فابتداء المدة من حين وقع العقد، وهذا على ما بيّنا أنه حكم تعلق بمدة مطلقة لا على طريق القربة، فكان ابتداؤها عقيب السبب، كالإيلاء.
وقد قال أصحابنا: إن العقد يجوز على سَنَةٍ، وعلى ما زاد عليها إذا كانت المدة معلومة.
وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تجوز الإجارة أكثر من سنة، وفي القول الآخر على قولين: أحدهما لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة (١)، والآخر: يجوز أبدًا (٢).
لنا: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]؛ ولأن ما جاز أن يكون أجلًا في الدين، جاز أن يكون أجلًا في الإجارة، كالسنة الواحدة.
وقد قال أصحابنا: (إذا أجّر داره سنين معلومةً) (٣) بأجرة معلومة، جاز وإن