← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

فلان ويجيء بجوابه، فذهب فوجد فلانًا قد مات فرَدَّ الكتاب، قال: لا أجر له. وقال محمد: له الأجر في الذهاب، أما إذا استأجره ليحمل [عِياله] فالمقصود ليس هو الذهاب والعود، وإنما المقصود الحمل، فإذا مات بعضهم سقط حصته. وأما وجه قول أبي حنيفة في الكتاب فلأنه لما عاد به فقد نقض المنافع التي فعلها (١)، فصار كمن استأجر على حمل طعام إلى البصرة إلى فلان، فحمله فوجده قد مات فرده [فلا شيء له]، ولأن المقصود ليس هو حمل الكتاب، وإنما المقصود إيصاله إلى فلان، ولم يوجد ذلك. لمحمد: أن العمل في الذهاب [إلى البصرة] قد أوقعه على الوجه الذي أمره به، فاستحق حصته ولم يوقع العود على الوجه المأمور به، (فلم يجب له به أجر) (٢)، ولا يجوز أن يقال: إنه نقض المنافع برَدِّ الكتاب؛ لأن الكتاب لا حمل له ولا مؤونة فلا يصير برده ناقضًا [للعمل]. وليس كذلك الطعام؛ لأن له مؤونة في الحمل، فإذا رده نقض ما أوقعه من المنفعة. ٢٢٧٧ - فَصْل: [ضمان الأجير المشترك فيما ليس بمأذون فيه] وقالوا في الأجير المشترك: إذا كان خاصًّا فوطئ على ثوب من القصارة فخرقه ضمن؛ لأن هذا العمل ليس بمأذون فيه، ولو وقع من يده سراج فأحرق ثوبًا من القصارة، فالضمان على الأستاذ ولا ضمان على الغلام؛ لأن

стр. 2767

الذهاب والمجيء بالسراج عمل مأذون فيه. ولو دقّ هذا الغلام ثوبًا فانفلت الكِدّين من يده فخرق ثوبًا من القصارة فالضمان على الأستاذ؛ لأن هذا من عمل القَصَّارِ، فإن كان ثوبًا وديعة عند الأستاذ، فالضمان على الغلام؛ لأن القصار لم يسلطه على عمل هذا الثوب، وكذلك لو وقع من يده سراج عليه فأحرقه. وقال في الأصل: لو أن رجلًا دعا قومًا إلى منزله، فمشوا على بساطه فتخرّق، لم يضمنوا، وكذلك لو جلسوا على وسادة؛ لأنه مأذون في هذا العمل، فما يتولد منه ليس بمضمون، ولو وطئوا إناءً من آنيته ضمنوا؛ لأن هذا لا يؤذن في وطئه، وكذلك لو وطئوا ثوبًا لا يبسط مثله. قال: ولو قلبوا (١) إناءً بأيديهم فانكسر لم يضمنوا؛ لأنه مأذون لهم في استعماله، ولو كان رجل منهم متقلدًا سيفًا فخرق السيف الوسادة لم يضمن؛ لأنه مأذون له في الجلوس على هذه الصفة. قال: فلو جفف القصار ثوبًا على حبل في الطريق فمرّت عليه حمولة فخرقته، فلا ضمان على القصار، والضمان على سائق الحمولة؛ وذلك لأنه جانٍ في السوق، ألا ترى أن المشي في الطريق بشرط السلامة [مأذون فيه لا غير]، فلا يلزم القصار ضمان ذلك، ولزم السائق (٢).

стр. 2768

بَاب إجارة العَقَار قال أبو الحسن: إذا استأجر الرجل دارًا أو حانوتًا، أو غير ذلك من العقار غير المزارع مدة معلومة بأجر معلوم، فله الانتفاع بها كيف شاء من السكنى، [وجعل المتاع فيها] (١) أو غيره، وأن يُسْكِنَ فيها من أحَبَّ، ويؤاجرها ويعيرها، غير أنه لا يجعل فيها حَدَّادًا ولا قَصَّارًا ولا ما يضر بالبناء، ولا تفسد الإجارة، إلا أن لا يسمى ما يعمل فيها (٢). والأصل في ذلك: أن منافع العقار للسكنى غير متفاوتة إذا لم يكن فيها ما يوهن البناء، وذلك مستثنىً، فصارت المنفعة معلومة، (فلا يحتاج إلى تسمية نوعها، ولأنها تصير) (٣) بالعادة، ألا ترى أن من اكترى دكانا في صف البزازين فالظاهر أنه بزاز، وإن كانت [المنافع] غير متفاوتة لم يحتج إلى تسميتها. وليس له أن يجعل فيها قَصّارًا، ولا حَدَّادًا، ولا طَحَّانًا، إلا أن يسمي ذلك؛ [لأن] هذا يوهن البناء ويزيد على مقدار منفعة السكنى، ولا يجوز إلا بتسمية. وإنما كان له أن يسكنها بنفسه وبغيره؛ لأن المنفعة لا تتفاوت بزيادة السكان، إلا تفاوتًا قريبًا غير معتدٍ به، وله أن يؤاجر؛ لأنه يملك المنفعة،

стр. 2769

فجاز أن يعقد على ملكه، وله أن يعير؛ لأنها منافع [تحدث] على ملكه، فجاز أن يبيحها لغيره. وأما إذا استأجر أرضًا للزراعة لم يجز [العقد] حتى يسمي ما يزرع فيها، أو يجعل له أن يزرع ما شاء؛ لأن منافع الزراعة تختلف، فلم يجز العقد مع جهالة المعقود عليه (١).

стр. 2770

بَاب الأوقات التي يقع عليها [عقد] الإجارة قال أبو الحسن: إذا استأجر الرجل دارًا يومًا، أو شهرًا، أو سنةً، وذكر مدة من المدد، فابتداء المدة من حين وقع العقد، وهذا على ما بيّنا أنه حكم تعلق بمدة مطلقة لا على طريق القربة، فكان ابتداؤها عقيب السبب، كالإيلاء. وقد قال أصحابنا: إن العقد يجوز على سَنَةٍ، وعلى ما زاد عليها إذا كانت المدة معلومة. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تجوز الإجارة أكثر من سنة، وفي القول الآخر على قولين: أحدهما لا تجوز أكثر من ثلاثين سنة (١)، والآخر: يجوز أبدًا (٢). لنا: قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]؛ ولأن ما جاز أن يكون أجلًا في الدين، جاز أن يكون أجلًا في الإجارة، كالسنة الواحدة. وقد قال أصحابنا: (إذا أجّر داره سنين معلومةً) (٣) بأجرة معلومة، جاز وإن

стр. 2771

لم يبين أجرة كل سنة. وقال الشافعي على القول الذي جَوَّز الإجارة أكثر من سنة: لا يجوز حتى يبيّن حصة كل سنة. لنا: أنها مدّة معلومة ذكر لها أجرة معلومة، فجازَ وإن لم يبيّن أجرة كل جزء منها كالسنة الواحدة إذا لم يبيّن كل شهر (١). ٢٢٧٨ - فَصْل: [الإجارة وقعت في بعض الشهر لسنة] فإذا آجر شهرًا أو شهورًا ووقعت الإجارة في بعض الشهر، فله الشهر ثلاثون يومًا؛ وذلك لأن الشهر في الإطلاق عبارة عن استهلال الهلال وعن العدد، ولا يمكن اعتبار الهلال في مسألتنا، فلم يبق إلا اعتبار العدد. وأما إذا آجر شهورًا فروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن الشهور كلها بالأيام، وهو قول أبي يوسف، وقال في الأصل: إذا استأجر سنة مستقبلة أولها هذا اليوم، وهذا اليوم لأربعة عشر مضت من الشهر، فإنه يسكن بقية هذا الشهر، وأحد عشر [شهرًا] بالأهلة، وستة عشر يومًا من الشهر الباقي حتى يستكمل اثنا عشر شهرًا منها: بالأيام شهر وأحد عشر شهرًا بالأهلة (٢). وروى ابن رستم عن محمد مثل ذلك. وجه رواية الأصل: أن إطلاق الشهور يقتضي الأهلة، وذلك لا يمكن في الشهر الأول، ويمكن فيما بعده، فما أمكن فيه حمل على الظاهر، وما لم يمكن

стр. 2772

حمل على الأيام؛ ولأن كل جزء من الإجارة كالمعقود عليه عقد مبتدأ، فصار عند تمام الشهر كأنه عقد الإجارَة، فيكون بالأهلة. وفرق بين وبين هذا العدة في إحدى الروايتين؛ لأن كل جزء من العدة ليس بعدة مبتدأة، ولأن العدة تجب لحق الله تعالى، فاعتبر فيها الاحتياط، بزيادة العدد، والإجارة حق للآدمي فلا يثبتها بالاحتياط. ووجه الرواية الأخرى: أن ابتداء الإجارة لما اعتبر بالأيام اعتبر بقيتها بذلك؛ لأنها تثبت على وجه واحد؛ ولأنه يكمل الشهر الأول بالأيام [لأن اليوم يكمل من الثاني، والشهر يكمل] من الثاني، فإذا كمل صار أول الشهر الثاني بالأيام فيكمل من الثالث. ٢٢٧٩ - فَصْل: [الإجارة لوقت مستقبلة] وإذا عقد الإجارة على وقت ولم يأت بعد، فالإجارة جائزة، وهو قول أبي يوسف ومحمد والحسن، وهذا مثل أن يقول في رمضان: أجرتك هذه الدار سنة، أولها غرة المحرم. وقال الشافعي: إذا عقد (عقدًا ممتدًا) (١) على مدة مستقبلة ولم يجعل أولها عقيب العقد [فالعقد فاسد، وإن عقد على مدة معلومة ثم أراد أن يعقد ما بعد تلك المدة] مع غير [المستأجر] (٢) لم يجز، وإن عقد مع المستأجر ففيه قولان (٣). لنا: أن كلّ مدة جاز أن يعقد عليها الإجارة مع غيرها، جاز أن يعقد عليها

стр. 2773

منفردة من [أخرى] (١) كالشهر الذي يلي العقد؛ ولأن كل حكم جاز أن يعلق على مدة عقيب السبب، جاز أن يعلق على مدة لا يتعقبه كالإيلاء؛ ولأنه أحد نوعي الإجارة فجاز شرط تأخير (٢) المنفعة فيه، كما لو كانت الإجارة على [باقي المدة] (٣). قال محمد: إن أراد المؤاجر بيع الدار، فللمستأجر أن يمنعه من ذلك، يعني: إذا أراد بيعها قبل [مضي] (٤) وقت الإجارة؛ وذلك لأنه يمنع بالبيع من تعيين حق المستأجر فيها، وقد استحق ذلك بالعقد، فلم يجز له إبطاله من غير عذر. قال: وتسليم ذلك كله أن يُخَلِّي بينه وبينه، ولا مانع من الانتفاع به؛ لأن التسليم الذي يستحق على العاقد هو التخلية التي يتمكن معها [الآخر] (٥) من القبض على ما بيناه في البيع، فأما قبض المستأجر فلا يقدر عليه المؤاجر، فلا يستحق عليه. ٢٢٨٠ - فَصْل: [ما يصح به الإجارة من الأثمان] قال: وما صَحَّ به الشراء من الأثمان فهو كذلك في الإجارة، وما لا فلا (٦)، وإنما اعتبر الأجرة بالثمن؛ لأن النبي ﷺ أجرَاهما مجرى واحدا، فقال في السَّلم

стр. 2774

"من أسلم فليسلم في كل معلوم أو وزن معلوم"، وقال في الإجارة: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (١). وقد قالوا في الأجرة: إذا كانت مكيلًا أو موزونًا بغير عينه فلا بد من معرفة جنسه، وصفته، ونوعه، وقدره، والمكان الذي يسلمه فيه على قول أبي حنيفة؛ لأنه يختلف باختلاف الأماكن لما يلزم عليه من الحمل والمؤونة. وقالا: لا يحتاج إلى تسمية المكان، وتسليم ذلك عند الأرض المستأجرة، فاعتبرا تسليم البدل في المكان الذي ملك فيه المعقود عليه. وقد قالوا في جواز التصرف في الأجرة: إذا وجبت ما قالوا في جواز التصرف في الثمن، فإن لم يجب فعلى الخلاف الذي قدمناه. وقالوا: إذا كانت الأجرة عينًا لم يجز التصرف فيها قبل القبض، كما لا يجوز التصرف في المبيع، فأجروا أحد العقدين مجرى العقد الآخر.

стр. 2775

بَاب الإجارة تقع على أحد شرطين أو أحد شيئين قال أبو الحسن: إذا وَقع عقد الإجارة على أحد شيئين وسمى لكل واحد منهما أجرًا معلومًا فذلك جائز، كرجل قال لآخر قد آجرتك هذه الدار بخمسة دراهم، أو هذه الأخرى بعشرة دراهم، أو كان هذا القول في حانوتين، أو عبدين، أو مسافتين مختلفتين، فقال: قد آجرتك هذه الدابة إلى واسط، أو إلى الكوفة بكذا، فذلك [كله] جائز عند أصحابنا جميعًا. وكذلك إن خيّره بين ثلاثة أشياء، فإن ذكر أربعة لم يجز، وعلى هذا في أنواع الخياطة والصبغ، إن ذكر ثلاثة جاز، ولا يجوز فيما زاد عليها قياسًا على البيع. وقال الشافعي: العقدان جميعًا فاسدان (١)، وهو الظاهر من قول زفر. لنا: أن الإجارة [قد] سومح فيها في باب الحظر والجهالة، (والحظر والجهالة) (٢) أجريا في العقود مجرى واحدًا، فإذا جاز أحدهما جاز الآخر؛ ولهذا المعنى لم يجوّزوا البيع في أحد عبدين إلا بشرط الخيار، وجوّزوا العقد في إحدى المنفعتين من غير شرط الخيار؛ ولأن الأجرة عندنا لا تجب بالعقد، وإنما تجب بالعمل، فإذا قَبِل (٣) في أحد العملين صار البدل (٤) معلومًا عند

стр. 2776

وجوبه، فجهالته قبل ذلك لا تؤثر. وعلى الشافعي: أنه خَيَّره بين عملين معلومين كل واحد منهما ببدل معلوم، فوجب أن يصح كما لو قالوا: إن رددت كما لو قالوا: إن رددت الآبق من الكوفة فلك درهم، وإن رددته من موضع كذا فلك كذا، وهذا قد وافقونا عليه، وسمّوه جُعلًا له؛ ولأنه خيّره بين منفعتين يصح إفراد كل واحدة [منهما] بالعقد، فصار كما لو قال: إن خطت هذا الثوب فبدرهم، وإن خطت هذا الآخر فبدرهمين، وعملهما سواء، أو قال: إن سرت على هذه الدابة إلى موضع كذا، فبدرهم، وإن سرت إلى موضع فبدرهمين، والمسافة سواء. ٢٢٨١ - فَصْل: [خيار الأجير بين منفعتين معلومتين] قال: وإذا دفع إلى خياط ثوبًا فقال: إن خطته فارسيًا فلك درهم، وإن خطته روميًا فلك درهمان، (أو قال لصَبّاغ: إن صبغته بعصفر فلك درهم، وإن صبغته بزَعْفَرَان فلك درهمان) (١)، فذلك أيضًا جائز؛ وذلك لأنه خَيَّره بين منفعتين معلومتين؛ ولأن الأجرة لا تجب إلا بالعمل، وحين يبتدئ بالعمل بأحد العملين تتعين الأجرة. وقد قال زفر: العقد فاسد؛ لأن المعقود عليه مجهول. ٢٢٨٢ - فَصْل: [الإجارة بالخيار بين منفعتين معلومتين] فإن قال: قد آجرتك هذه الدار شهرًا على أنك إن قعدت فيها حدادًا فأجرها

стр. 2777

عشرة، وإن بعت فيها البَزّ فبخمسة (١)، فالإجارة جائزة في قول أبي حنيفة الأخير. وقال أبو يوسف ومحمد: الإجارة فاسدة. لأبي حنيفة: أنه خيره بين منفعتين معلومتين، فصار كالخياطة الرومية والفارسية. لهما: أن الأجرة لا تجب بالسكنى، وإنما تجب بالتخلية، وحال التخلية لا يُدرى أيهما يسكن، فكان البدل مجهولًا عند وجوبه، فلم يصح العقد، وليس كذلك الرومي والفارسي؛ لأن البدل يجب بابتداء العمل، فلا بد من أن يبتدئ بأحد العملين، فيتعين البدل معلومًا عند وجوبه. وعلى هذا الخلاف كل ما كان أجره يجب بالتسليم ولا يعلم الواجب به، فهو باطل عندهما، وعند أبي حنيفة: العقد جائز، وأيّ المنفعتين استوفى وجب عليه أجر ذلك ما سمى، فإن أمسك الدار ولم يسكن فيها حتى مضت المدة، فعليه أقل المسمّيين (٢)؛ وذلك لأن الزيادة إنما تستحق باستيفاء منفعة زائدة، ولم توجد ذلك، فوجب بالتخلية أقلّ الأمرين. ٢٢٨٣ - فَصْل: [الجمع بين شرط فاسد وصحيح في عقد واحد] قال محمد: وإذا استأجر دابة من بغداد إلى القصر بخمسة، وإلى الكوفة بعشرة، فإن كانت المسافة إلى القصر نصف الطريق إلى الكوفة، فالإجارة

стр. 2778

جائزة، وإن كانت أقل أو أكثر فهي فاسدة، وهذا على أصله؛ لأن المسافة إذا كانت النصف فحال ما يسير (١) يصير البدل معلومًا؛ لأنه إن سار إلى القصر أو إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر خمسة، وأما إذا كانت المسافة [إلى القصر] أقل أو أكثر من النصف، فحال ما يسير [تصير] الأجرة مجهولة؛ لأنه إن سار إلى القصر فالأجرة خمسة، وإن سار إلى الكوفة فالأجرة إلى القصر بحصته من المسافة، وجهالة الأجر عند سبب وجوبها يفسد العقد عنده. فأما على أصل أبي حنيفة: فالعقد جائز في الوجهين [جميعًا]؛ لأنه سمّى منفعتين معلومتين لكل واحدة منها بدل معلوم. قال: ولو استأجر خياطًا يخيط له ثوبًا، فقال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غدًا فلك نصف درهم، فالشرط الأول عند أبي حنيفة صحيح، والثاني فاسد. وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان [جميعًا] جائزان. وقال زفر: باطلان، وهو قول الشافعي (٢). أما اليوم الأول فلأنه سمى منفعة معلومة وبدلًا معلومًا، ففساد الشرط الثاني لا يؤثر فيه، كمن عقد إجارة صحيحة وإجارة فاسدة. وعلى الشافعي: أنه سمى عملًا معلومًا وبدلًا معلومًا، فلا يفسد بضم شرط منفعة أخرى [إليه]، كما لو قال: إن رددت الآبق اليوم فلك درهم، وإن رددته

стр. 2779

غدًا فلك [نصف درهم] (١). وأما [الشرط] (٢) الثاني، فوجه قول أبي حنيفة: أن العقد الأول قد صحّ وموجبه أجر المثل إن لم يقع الوفاء به، فإذا شرط في اليوم الثاني [نصف درهم] فقد نفى موجب العقد الأول، والعقد إذا صح لم يجز نفي موجبه، وليس كذلك الخياطة الرومية والفارسية؛ لأن العقد الأول قد صح ولم ينف موجبه بالشرط الثاني؛ لأنه لو خاطه فارسيًا وقد شرط [عليه] روميًّا لم يستحق شيئًا، فلما لم ينف موجب الأول صح الثاني. وجه قولهما: أن العمل في كل واحد من اليومين فيه [غرض صحيح]، ألا ترى أن الإنسان يقصد أن يتعجل الثوب ليتجمّل به، أو يبيعه، وإذا اختلف الغرض في يومين صار كالنوعين [من العمل]. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة إذا خاطه في اليوم الثاني: فقال في إحدى الروايتين: له أجر مثله، لا يزاد على ذلك ولا ينقص عن نصف درهم، وهذه رواية الأصل والجامع الصغير، ورواية محمد في الإملاء وإحدى الروايتين عن ابن سماعة، عن أبي يوسف في نوادره، وإحدى روايتي ابن سماعة أيضًا، عن محمد في نوادره (٣). وروى ابن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة في نوادره رواية أخرى: أن له في اليوم الثاني أجر مثله لا يزاد على نصف درهم، وهي الرواية

стр. 2780

الصحيحة، ووجهها: أن الإجارة الفاسدة تجب فيها أجر المثل، لا يزاد على المسمى، والمسمى في [اليوم] الثاني نصف درهم، فأما الدرهم فهو مسمى في اليوم الأول، وذلك عقد آجر، فلا يعتبر به. ووجه رواية الأصل أن العمل في اليومين عمل واحد، وقد رضي الخياط بالدرهم مع تعجيل العمل، فلا يزاد عليه مع التأخير، وقد بذل صاحب الثوب نصف درهم فلا ينقص منه. ٢٢٨٤ - فَصْل: [تكملة المسألة السابقة في الجمع بين الشرطين] فإن خاط في اليوم الثالث، روى ابن سماعة عن محمد عن أبي حنيفة: أن له أجر مثله لا يجاوز به نصف درهم، [لأن صاحب الثوب لم يرض] وقالا: له أجر مثله لا يجاوز به درهم. والصحيح عن أبي حنيفة: أنه لا يجاوز به نصف درهم؛ لأن صاحب الثوب لم يرض بتأخيره إلى الغد بأكثر من نصف [درهم]، فإذا أخره إلى الثالث أولى (١)، والذي ذكره من قولهما خلاف ما في الأصل، والصحيح عنهما: أنه ينقص من نصف درهم مثل الرواية الأخرى عن أبي حنيفة. ٢٢٨٥ - فَصْل [اشتراط الأجر في اليوم الأول ونفيه في الثاني] قال: فإن قال: إن خطته اليوم فبدرهم، وإن خطه غدًا فلا أجر لك، فإن محمدًا قال في إملائه: إنه إن خاطه في اليوم الأول فله الدرهم، وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجر مثله لا يزاد على درهم؛ وذلك لأنه نفى [موجب] العقد

стр. 2781

الأول (حين لغى الثاني، فوجب له أجر المثل) (١)، كما لو شرط [بغير عوض فوجب] عوضًا آخر، ولا يجوز أن يقال: إنّ المنفعة لا [تتقوم] إلا بالشرط، وقد شرط أن لا عوض لها في اليوم الثاني؛ لأنه نفى بهذا الشرط (٢) موجب العقد الأول، ونفيه لا يصح؛ ولأنه استأجره بغير عوض، فهو (٣) كمن باع بغير عوض أن القيمة واجبة. ٢٢٨٦ - فَصْل: [ربط استحقاق المسمى بالوفاء بالشرط] وقال محمد في إملائه (٤): قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا دفع إلى خياط ثوبًا يقطعه ويخيطه قميصًا على أن يفرغ منه في يومه هذا، أو اكترى منه إبلًا إلى مكة على أن يدخله إلى عشرين ليلة، فكل بعير بعشرة دنانير، ولم يزد على هذا، فالإجارة جائزة، فإن وَفَّى بالشرط أخذ الأجرة التي شرط، وإن لم يفِ بالشرط فله أجر مثله لا يزاد على ما شرط، وهذا قول أبي يوسف وقولنا؛ وذلك لأنه لما ابتدأ بذكر العمل والمسير، صار هو المقصود بالعقد، وذكر المدة من بعده لتعجيل العمل. فإن عَجَّله فقد وفّى بالشرط واستحق المسمى، وإن لم يعجله ولم يف بالشرط، فكان له أجر المثل. وقال بشر عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إذا استأجر الدابة إلى الكوفة

стр. 2782

أيامًا مسماة فالإجارة فاسدة، وكذلك إذا قال: استأجرتك اليوم لتخيط هذا الثوب، أو لتخبز قفيز دقيق، فالعقد فاسد عند أبي حنيفة، وجائز عندهما (١). لأبي حنيفة: أنه لما ابتدأ بالمدة صارت مقصودة، وقد ذكر العمل وهو مقصود، فجمع في العقد بين أمرين يجوز أن يكون كل واحد منهما معقودًا عليه، وحكمهما مختلف في العقد، ألا ترى أن العقد على المدة يقتضي وجوب الأجرة من غير عمل، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجرة [عند وجود العمل] به (٢). ولأنه إذا استأجره عشرة أيام على أن يحمله إلى مكة، فإن حمله في أقلّ منها فقد بقي بعض المدة المعقود عليها، وإن حمله في أكثر منها فقد استعمله في مدة لم يعقد عليها، وهذا فساد العقد. وليس كذلك الفصل الأول الذي حكاه محمد في الإملاء؛ لأنه عقد على العمل؛ لأنه ابتدأ بذكر المدة بشرط التعجيل. لهما: أن العمل هو المقصود، وإنما ذكر المدة لشرط التعجيل، فلا يفسد ذلك العقد.

стр. 2783

بَاب أنَّى يجب تسليم الدابة المستأجرة قال أبو الحسن: وإذا اكترى الرجل دابة يركبها في حوائجه في المصر وقتًا معلومًا، فمضى الوقت فليس عليه أن يسلّمها إلى صاحبها بأن يمضي بها إليه، وعلى الذي أجّرها أن يقبض من منزل المستأجر؛ وذلك لأن الدابة في يد المستأجر أمانة يمسكها لمنفعة المؤاجر، وهي سلامة الأجر [له]، ولم يكن عليه الرد، كالوديعة. فإن أمسكها أيامًا فهلكت [في يده] لم يضمنها؛ لأنه لم يتعد في إمساكها، كالمودع، (فإن حملها إلى منزله فأمسكها حتى عطبت ضمن؛ لأنه تعدى في حملها إلى غير موضع العقد) (١). وأما الوديعة فلا يلزم المُوْدَع ردها؛ لأنه تبرع بالحفظ، فلا يلزمه أن يتبرع بالرد، وأما [العارية] (٢) فعلى المستعير الرد؛ لأنه أمسكها لمنفعة نفسه، وقد تبرع عليه المالك بمنفعتها، فكان الرد إلى يده عليه. وكذلك المغصوب؛ لأن الغاصب أزال يد المالك بغير حق (٣)، فكان عليه رد اليد على الوجه الذي أزال.

стр. 2784

قال: وإن كان قد استأجره من موضع مسمى في المصر ذاهبًا وجائيًا، فإن على المستأجر أن يأتي بها ذلك الموضع الذي قبضها فيه؛ وذلك لأن انتهاء الإجارة إلى هذا الموضع، فلزمه أن يصير إليه ليس لأجل الرد، ولكن [لأجل المسافة] (١) التي تناولها العقد. فإن حملها إلى منزله أو أمسكها حتى عطبت ضمن قيمتها؛ لأنه تعدى في حملها إلى غير موضع العقد، فإن [قال] (٢) المستأجر أركبها من هذا الموضع إلى موضع كذا وأرجع إلى منزلي، فليس على المستأجر أن يردها إلى منزل المؤاجر؛ لأن الإجارة انقضت لما عاد إلى منزله، وبقيت أمانة في يده لم يتبرع [المالك] بتسليمها كالوديعة (٣).

стр. 2785

بَاب ما يستأجر فيحدث فيه ما يوجب الفسخ [أو لا يوجب] قال أبو الحسن: وإذا استأجر الرجل عبدًا لخدمته، أو دابةً يركبها، أو دارًا [يسكنها]، فحدث بذلك عيب يضر بالانتفاع [بما استأجر]، فالمستأجر بالخيار: إن شاء مضى على الإجارة، وإن شاء فسخ، فإن مضى على ذلك فعليه الأجر تامًّا لا ينقص منه شيء؛ وكذلك إن كان الحدث سقوط بيت منها فمضى على الإجارة، فعليه جميع الأجر. [قال]: والأصل في ذلك أن العيب إذا حدث بالعين المستأجرة فهو على ضربين: أحدهما: أن لا يؤثر ذلك في المنافع، فلا يثبت الخيار كالعبد المستأجر إذا ذهبت إحدى عينيه، فذلك لا يضر بالخدمة، أو سقط شعره. وكالدار إذا سقط منها حائط لا ينتفع به في السكنى؛ وذلك لأن العقد على المنفعة دون العين، وهذا النقص حصل في العين دون المنفعة، والنقص في غير المعقود عليه لا يثبت الخيار. فأما إذا كان النقص يؤثر في المنافع كالعبد إذا مرض، والدابة إذا [دَبِرَت] (١)، والدار إذا انهدمت بعض بنائها، فالمستأجر بالخيار؛ لأن كل جزء من [المنفعة كا] لمعقود عليه عقد ابتداءً، فحدوث العيب به يوجب الخيار؛ لأن المنافع تحصل في قبض المستأجر حالًا فحالًا، فما حدث من عيب بها فهو

стр. 2786

حادث قبل القبض، فيثبت [له] الخيار كالمبيع إذا عاب قبل القبض. [وإذا ثبت] (١) أن للمستأجر الخيار فاستوفى المنفعة، فقد رضي بالمعقود عليه مع العيب، فيلزمه جميع البدل كالمشتري إذا رضي بالمبيع المعيب. قال: فإن بنى المؤاجر ما سقط في الدار فلا خيار للمستأجر؛ لأن العيب زال، والخيار إذا ثبت للعيب، ولم ينفسخ العقد حتى زال العيب سقط الخيار. وقال: فإن كان المؤاجر غائبًا فحدث [له] ما يوجب الفسخ، فليس للمستأجر أن يفسخ ذلك؛ لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضور المتعاقدين، أو من قام مقامهما. قال: وإن سقطت الدار كلها فله أن يخرج، كان صاحب الدار شاهدًا أو غائبًا، وهذه المسألة تكلم أصحابنا فيها على طريقين: فمنهم من قال: إن الإجارة تنفسخ بوقوع الدار وانقطاع الماء عن [الرحا] (٢)، وانقطاع الشِّرب عن الأرض إذا كان [لا] (٣) يمكن أن يزرع عذبًا، واستدل من قال بهذه الطريقة (٤): لأنه يجوز له الخروج من الدار مع غيبة المؤاجر، فلو لم يكن انفسخت وقف الفسخ على حضوره، والدليل على ذلك أن منفعة الدار بعد سقوطها قد بطلت، ألا ترى أنه لا يمكن أن ينتفع بها الجنس الأول من الانتفاع، وإنما ينتفع بها بوجه آخر وهو أن يضرب فيها خيمة، وتَلَفُ المعقود عليه يوجب فسخ العقد.

стр. 2787

ومن أصحابنا من قال: إن ذلك العيب لا يوجب فسخ العقد؛ لأنهم قالوا في كتاب الصلح: إذا صالح على سكنى دار فانهدمت، لم ينفسخ الصلح. وروى هشام عن محمد: فيمن استأجر بيتًا وقبضه ثم انهدم، فبناه الآجر، [فقال المستأجر] بعدما بنى الآجر: لا حاجة لي فيه. قال محمد: ليس للمستأجر ذلك، وكذلك لو قال المستأجر: [آخذه وأبى الآجر] (١)؛ لأن للمستأجر أن يقول: أنا أرضى أن يكون معي أرض البيت، وهذا نص في أن الإجارة لم تنفسخ. ووجه ذلك: أن الدار بعد الهدم يمكن الانتفاع بها بالسكنى، بأن يضرب فيها خيمة، وما دام شيء من المعقود عليه بحاله لم ينفسخ العقد. والصحيح: أن العقد قد انفسخ؛ لأن هذا الضرب من الانتفاع ليس هو الجنس المعقود عليه، فلا يعتبر بقاؤه، والذي قاله في البيت إذا بناه فليس يمتنع أن يكون الفسخ مُراعى، فإذا عاد البناء عاد العقد، كالشاة ماتت في يد البائع بطل البيع فيها، فإن دبغ جلدها بقي العقد فيه. وقد قال محمد في السفينة إذا نقضت فصارت ألواحًا ثم بناها: لم يجبر على تسليمها إلى المستأجر؛ لأن العقد انفسخ فيها، والألواح تابعة للصناعة، بدلالة أن الغاصب يملك الخشب (٢) إذا عمله سفينة فصارت كسفينة أخرى، وعرصة الدار لا تتبع البناء، فإذا بناها فهي تلك الدار بعينها. وقد قال محمد: فيمن استأجر رحا ماء سنة، فانقطع الماء بعد ستة أشهر، فأمسك الرحا حتى مضت السنة، فعليه الأجر لستة أشهر ولا شيء عليه فيما

стр. 2788

بقي؛ لأن الرحا بطلت منفعتها فانفسخ العقد. قال: فإن كان البيت ينتفع به لغير الطحن، فعليه من الأجرة بحصته؛ لأنه بقي جزء من المعقود عليه له حصة بالعقد، فإذا استوفاه لزمه حصته (١). ٢٢٨٧ - فَصْل: [استيفاء بعض المعقود عليه دون بعض] فإن كان لمّا آجره الدار سَلَّمها إلا بيتًا منها، ومنعه رب الدار أو غيره بعد ذلك منه، فلا أجر على المستأجر في البيت؛ وذلك لأنه استوفى بعض المعقود عليه دون بعض، فسقط حصة ما لم يستوف. قال: وللمستأجر أن يمتنع من قبول الدار بدون البيت، وأن يفسخ الإجارة إن حدث ذلك بعد قبضه؛ وذلك لأن الصفقة في المنافع تفرقت عليه، وتفريق الصفقة يثبت الخيار. قال: وتطيين الدار وإصلاح ميازيبها ومائها من بنائها على رب الدار دون المستأجر؛ لأنها على ملكه، وإصلاح الملك على مالكه، ولا يجبر على ذلك؛ لأن المالك لا على إصلاح ملكه؛ ولأن هذا عيب بالمعقود عليه فلا يلزم العاقد إزالة العيب، وللمستأجر أن يخرج إن لم يعمل المؤاجر؛ وذلك لأنه عيب بالمعقود عليه. وإن كان استأجرها وهي كذلك ورآها فلا خيار له؛ لأنه عقد على معيب مع علمه بالعيب. قال: وإصلاح بئر الماء والبالوعة والمخرج على رب الدار، ولا يجبر على

стр. 2789

ذلك؛ وإن كان امتلأ من فعل المستأجر، وهذا على ما قدمنا وقد قالوا في المستأجر إذا انقضت مدة الإجارة وفي الدار تراب من كنسه، فعليه أن يرفعه؛ لأنه حدث بفعله، فصار كمتاع وضعه فيها، فإن كان امتلأ خلاؤها ومجراها من فعله، فالقياس: أن يلزمه نقله؛ لأنه حدث بفعله، والاستحسان: أن لا يلزمه؛ لأن العادة أن كل ما كان معيبًا في الأرض فنقله على صاحب الدار، فحملوا ذلك على العادة. قال: فإن أصلح المستأجر شيئًا من ذلك لم يحتسب له بما أنفق؛ لأنه أنفق على ملك غيره بغير أمره، (ولا ولاية له عليه) (١) (٢). ٢٢٨٨ - فَصْل: [منع المؤاجر تسليم الدار حتى مضى بعض المدة] وإذا استأجر دارًا شهرًا فسمّى، فلم يسَلِّم إليه الدار حتى مضى بعض المدة، ثم أراد أن يُسَلِّم الدار فيما بقي من المدة، فله ذلك، وليس للمستأجر أن يأبى ذلك، ويجبر على قبض الدار. وكذلك لو كان المستأجر طلبها من المؤاجر (٣) فمنعه [إياها] (٤) ثم أراد أن يسلمها فذلك له؛ لما قدمنا أن كل جزء من المنافع كالمعقود عليه عقدًا مبتدأً، وما ملك بعقدين فتعذر التسليم في أحد العقدين لم يؤثر في الآخر (٥).

стр. 2790

قال: فإن استأجر دارين فسقطت إحداهما، أو منعه مانع من إحداهما، أو حدث بإحداهما عيب ينقص السكنى فله أن يتركهما جميعًا؛ وذلك لأنه عقد عليهما صفقة واحدة، فتفرقت الصفقة عليه، فله الخيار.

стр. 2791

بَاب اختلاف المؤاجر والمستأجر في عقد الإجارة قال أبو الحسن: وإذا استأجر الرجل من رجل دارًا، أو دابة أو غير ذلك، فاختلفا بعد وقوع العقد قبل أن يتصرف المستأجر فيما استأجر، والإجارة واقعة على [الصحة وإن] (١) اختلفا في الأجر، فقال المستأجر: بخمسة، وقال المؤاجر: بعشرة، فإنهما يتحالفان وتنفسخ الإجارة، ومن نَكَلَ عن اليمين منهما لزمه دعوى صاحبه، ومن أقام منهما بينة قبلت بينته، وإن أقاما البينة، فالبينة بينة المؤاجر. فإن اختلفا في المدة، أو في المسافة، أو فيما وقع عليه العقد، فقال المستأجر: [استأجرت شهرين بعشرة، وقال المؤاجر شهرًا واحدًا بعشرة، أو قال]: استأجرت إلى الكوفة بعشرة، وقال الآجر إلى القصر [بعشرة]، فهو مثل الأول في التحالف والنكول وإقامة، البينة، فإن أقاما جميعًا البينة، فالبينة بينة المستأجر. قال: والأصل في ذلك: أن الاختلاف إذا وقع في البدل في الإجارة، أو في المبدل قبل استيفاء المنافع، تحالفا؛ وذلك لقوله ﵇: "إذا اختلف المتبايعان، والسلعة قائمة بعينها، تحالفا" (٢)، وهذا يقتضي أن من باع عينًا

стр. 2792

بمنفعة واختلفا فيها تحالفا؛ لأن الاختلاف وقع في عقد معاوضة ليس فيه معنى التبرع، فلحقه الفسخ، فيثبت فيه التحالف كالبيع. ولا يقال: إن التحالف في البيع استحسان، فكيف [قستم] (١) عليه؛ لأنا بيّنا أن خبر التحالف فيه اقتضى نوع من الإجارَة، وإذا ثبت التحالف بذلك الخبر في نوع ثبت في كل نوع؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما، ولأن كل من أثبت التحالف في البيع أثبته في الإجارَة. وعندنا يقاس على المخصوص إذا اجتمعوا على القياس عليه، ولم يبين أبو الحسن من يبتدأ به في اليمين. وقد قال أصحابنا: إن الخلاف إذا وقع في الأجرة يبدأ بيمين المستأجر، وإذا وقع في المنفعة يبدأ بيمين المؤاجر، فكأنهم ابتدوا بيمين من لا يقضى ببيِّنَتِه مع بينة الآخر؛ ولأن اليمين تطلب لفائدة النكول، فإذا اختلفا في الأجرة فنكول المستأجر دخل في باب الفائدة، فالابتداء به أولى [وإذا اختلفا في المنفعة فنكول المؤاجر دخل في باب الفائدة، فالابتداء به أولى] (٢). قال: فإن نكل أحدهما لزمه دعوى الآخر؛ لأن النكول بذل، وبذل الأجرة والمنافع يجوز من طريق الحكم. فإن أقام أحدهما بَيِّنَة قضي بها؛ لأنها بَيِّنَة قابلها الدعوى فهي مقدمة عليها، فإن أقاما البينة والخلاف في الأجرة فبينة المؤاجر أولى؛ لأنها تثبت الزيادة، وإن كان الخلاف في المنافع فبينة المستأجر أولى؛ لأنها تثبت الزيادة.

стр. 2793

قال: فإن ادّعى المؤاجر فضلًا فيما يستحقه من الأجر، وادعى المستأجر فضلًا فيما يستحقه على المؤاجر، فقال المؤاجر: آجرتك إلى القصر بعشرة، وقال المستأجر: إلى الكوفة بخمسة، أو قال آجرتك الدار شهرًا بعشرة، وقال المستأجر: استأجرتها شهرين بخمسة، فهما أيضًا في التحالف والنكول كما ذكرنا، وفي إقامة أحدهما البينة. فإن أقاما جميعًا البينة قبلت بينة كل واحد منهما على الفضل الذي يستحقه بعقد الإجارة، فيكون إلى الكوفة بعشرة، وشهرين بعشرة؛ وذلك لأنهما اختلفا في العوض، والخلاف في كل واحد منهما يوجب التحالف، ففيهما أولى، فإن أقام أحدهما بينة فهي مقدمة على الدعوى، فإن أقاما بينة: فبينة المؤاجر تثبت زيادة الأجرة، وبينة المستأجر تثبت زيادة المنفعة، فتقبل بينة كل واحد منهما في الزيادة التي تضمنت. قال: فإن لم تكن بينة، وقد سار بعض الطريق، أو ركب بعض المسافة، كان القول قول المستأجر فيما مضى مع يمينه، ويتحالفان وتفسخ الإجارة فيما بقي؛ وذلك لأن كل جزء من [المنفعة] (١) كالمعقود عليه عقدًا مبتدأً، فصار ما بقي من المدة كالمنفرد (٢) بالعقد، فيتحالفان فيه، وليس كذلك إذا هلك بعض المبيع على قول أبي حنيفة؛ لأن كل جزء من المبيع ليس بمعقود عليه عقدًا ابتداءً، وإنما الجملة مملوكة بعقد واحد، فإذا تعذر الفسخ في الهالك سقط فيما بقي (٣).

стр. 2794

٢٢٨٩ - فصل [ثبوت التحالف في المبيع الهالك] قال: وإن كان اختلافهما بعد مضي وَقت الإجارَة وبعد بلوغ الغاية التي استأجر إليها، فالقول قول المستأجر مع يمينه، ولا يمين على المؤاجر؛ وذلك لأن التحالف يثبت الفسخ والمنافع [التي استوفيت معدومة] (١)، لا يمكن فسخ العقد فيها (٢)، فلم يثبت التحالف الموضوع للفسخ. وهذا ظاهر على أصل أبي حنيفة وأبي يوسف: أن التحالف لا يثبت في المبيع الهالك، فأما محمد: فأثبت التحالف في المبيع الهالك ولم يثبت في المنافع المتلفة؛ لأن البيع إذا فسخ بالتحالف بقيت العين متقومة بنفسها في يد المشتري، فيقضي عليه بقيمتها، ولو انفسخت الإجارة بالتحالف بقيت المنافع مستوفاة بغير عقد، فلا تتقوم. فلو ثبت التحالف أسقط عوضها، فكان الرجوع إلى قول المستأجر أولى، وإنما يرجع إلى قول المستأجر؛ لأنه المستحق عليه، والخلاف إذا وقع في الاستحقاق، فالقول قول المستحق عليه. قال: فإن كان الأجر من نوعين، فقال المستأجر: استأجرت هذه الدابة إلى موضع كذا بعشرة، وقال الآجر: بدينار، فهو في التحالف والنكول وإقامة أحدهما البينة كما ذكرت لك، فإن أقاما البينة فالبينة بينة المؤاجر؛ لأن الأجرة تستحق بقبول المستأجر، فقد تعارضت البينتان في قول إحداهما له والأخرى عليه، فالتي عليه أولى.

стр. 2795

قال: وإن كان اختلافهما بأن قال المؤاجر: آجرتك [هذه] الدابة إلى القصر بدينار، وقال المستأجر: إلى الكوفة بعشرة دراهم، وأقاما البينة، فهي إلى الكوفة بدينار وخمسة دراهم؛ وذلك لأنهما اختلفا في أجرة الدابة إلى القصر، وأقام المؤاجر البينة أنها دينار، وأقام المستأجر البينة أنها خمسة دراهم، فالبينة بينة المؤاجر على ما قدمنا، ثم ادعى المستأجر الإجارة من القصر إلى الكوفة بخمسة؛ لأن القصر نصف الطريق، وجحد المؤاجر ذلك، فالبينة المثبتة للإجارة أولى من النافية؛ فلذلك قضي بها إلى الكوفة بدينار وخمسة دراهم. وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل استأجر من رجل دارًا سنة، فأقام المستأجر البينة: أنه استأجرها أحد عشر شهرًا منها بدرهم وشهرًا بتسعة، وأقام رَبُّ الدار البينة: أنه آجره إياها بعشرة، قال: فإني آخذ بينة رب الدار؛ وذلك لأنه يدعي فضل أجرة في أحد عشر شهرًا وقد أقام على ذلك بينة، فتقبل بينته، والشهر الثاني عشر قد أَقَرَّ المستأجر للمؤاجر فيه بفضل الأجرة [مما ادَّعَى] (١)، فإن صدقه على ذلك وإلا سقط [الفضل] بتكذيبه. ٢٢٩٠ - فَصْل: [وقوع عمل الأجير على غير وجه المأمور به] ومن نوع الاختلاف [بين المستأجر والمؤاجر] مما لم يذكره أبو الحسن: إذا اختلف الخياط ورب الثوب، فقال رب الثوب: أمرتك أن تقطعه قِبَاءً، وقال الخياط: أمرتني أن أقطعه قَمِيْصًا، فالقول قول رب الثوب (٢) عندنا،

стр. 2796

والخياط ضامن، فإن شاء رب الثوب أخذه وأعطاه أجر مثله. وقال ابن أبي ليلى: القول قول الخياط. وقال الشافعي في اختلاف العراقيين: مثل قولنا، وفي موضع آخر: يتحالفان (١)، فإذا حلفا سقط الضمان عن الخَيَّاط، وسقط الأجر. لنا: أن الإذن مستفاد من جهة صاحب الثوب، فكان القول قوله في صفة الإذن؛ ولأنه لو قال: لم آذن في القطع كان القول قوله، فكذلك إذا قال: لم آذن في القباء، فالقول قوله. وجه قول ابن أبي ليلى: أن صاحب الثوب اعترف بالإذن [في القطع]، وادعى زيادة صفة ليسقط بها الأجرة، فلا يقبل قوله، وليس هذا بصحيح؛؛ لأن صاحب الثوب لم يعترف للخياط بالأجرة، فلا يجوز إثبات الضمان عليه بغير اعترافه. فأما الكلام على الشافعي: فلأن التحالف موضوع للفسخ، ولا يمكن الفسخ هاهنا، فلا معنى لإثبات التحالف؛ ولأن صاحب الثوب يَدَّعِي على الخياط الغصب، والخياط يدعي الأجر، وذلك لا يثبت فيه التحالف. وإنما قلنا: إنّ لرب الثوب تضمين الخياط قيمة الثوب؛ لأنه لما حلف على دعوى الخياط فقد صار الخياط متصرفًا في ثوبه بغير أمره، ومن قطع ثوبًا لغيره وخاطه بغير أمره، ضمن قيمته. وإنما قلنا: إن لصاحب الثوب أخذ القباء؛ لأنه أذن في القطع والخياطة،

стр. 2797

وقد فعلها الخياط على غير الوجه المأمور به، فقد وجد المعقود عليه مع تغير الصفة، فكان لصاحب الثوب الرضا به. وقد كان أصحابنا يقولون: إن منافع القميص والقباء متقاربة، ألا ترى أنه يمكن الانتفاع بالقباء على الوجه الذي [يمكنه الانتفاع] بالقميص، وإنما تختلف الأغراض فيهما، فقد وجد المعقود عليه مع العيب، وكانوا يقولون: [إنه] لو قطعه سراويل لم يجب له أجره (١)؛ لأنه نوع آخر من المنفعة، فلم يوجد المعقود عليه، إلا أن الرواية بخلاف هذا. وروى هشام، عن محمد: في رجل دفع إلى رجل شَبَهًا (٢) ليضرب له طستًا موصوفة معروفة، فضربها كوزًا، قال: إن [شاء] ضَمَّنَه مثل شَبَهه ويصير الكوز [للعامل] (٣)، وإن شاء أخذه وأعطاه أجر مثل عمله فيما عمل، لا يجاوز به ما سمّى، وهذا مخالف لما كانوا يقولون، وإن كان ظاهرًا. ووجه هذا: أن العقد وقع على الضرب، والصياغةُ صفةٌ، وقد فعل المعقود عليه وخالف في صفته، فيثبت للمستعمل الخيار. وإنما وجب في هذه المسائل أجر المثل؛ لأن المستعمل لم يرض بدفع المسمى إلا على منفعة موصوفة، ولم تسلم له بكمالها. وإنما لا يجاوز به المسمى؛ لأنّ الصائغ رضي به بدلًا عن المنفعة المقصودة، فلا يجوز أن يستحق فيما دونها أكثر منه (٤).

стр. 2798

٢٢٩١ - فَصْل: [فيمن دفع غزلًا لينسجه ثوبًا على صفة فنسجه على صفة أخرى] قال محمد في الأصل: في رجل أسلم غزلًا إلى حائك ينسجه له سبعًا في أربع، فعمله أكبر من ذلك أو أصغر، فإن الرجل بالخيار: إن شاء ضمنه مثل غزله وسَلَّم له الثوب، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه الأجر، إلا في النقصان، فإنه يعطيه من الأجر بحساب ذلك لا يجاوز به ما سمّى. وكذلك لو شرط عليه صفيقًا فجاء به رقيقًا، أو شرط [عليه] رقيقًا فجاء به صفيقًا، وهذه المسألة بين جوابها ابن سماعة في نوادره عن محمد، فقال: إذا أمره ثمان في ثمان، فنسجه ستًا في ثمان، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء سَلَّم له الثوب وضَمَّنه مثل غزله، وإن شاء أخذه وأعطاه بحساب ثلاثة أرباع الأجر الذي سمّاه؛ وذلك لأن غرض صاحب الثوب لم يسلم له، ألا ترى أنه ينتفع بالثوب الطويل ما لا ينتفع بالقصير، فكان له الخيار، فإن اختار الأخذ فقد عمل ثلاثة أرباع المسمى، فكان له ثلاثة أرباع الأجر، كمن استأجر رجلًا يضرب له لبنًا معدودًا، فضرب بعضه وَفات وقت الضرب، استحق من الأجر بحساب ما عمل. ويجوز أن يقال في مسألة الثوب: له أجر مثله لا يجاوز به ثلاثة أرباع ما سمّى، ويفرق بينه وبين اللَّبن؛ لأن العمل الأذرع مع غيرها زيادة قيمة لا توجد إذا انفردت، وليس كذلك اللَّبِن؛ لأنه لا يعلق بعضه ببعض، وأما إن وفّاه الذرع وأفسد الصفة فجاء به رقيقًا وقد أمره بالصفيق، أو جاء به صفيقًا وقد أمره بالرقيق، فصاحبه بالخيار: إن شاء ضَمَّنه مثل غزله، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر

стр. 2799

(مثله، لا يجاوز به ما سمّي) (١)؛ لأنه أتى بالمعقود عليه وخالفه في صفته، فيثبت للعاقد الخيار. وأما إذا وفّى بالذرع والصفة وزاد فيه، فقد روى هشام، عن محمد: أن صاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضَمَّنه مثل غزله وصار الثوب للصانع، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه المسمى، ولا يزيد للذرع الزائد [شيئًا]، وإنما يثبت الخيار؛ لأن الصفة تغيرت عليه، ألا ترى أنه قد يحتاج إلى الثوب القصير ولا يحتاج إلى [الثوب] الطويل؛ ولأنه إذا زاد في طوله استكثر من الغزل، فإن أخذه فلا أجر له في الزيادة؛ لأنه تطوع بعملها بغير أمر صاحب الثوب (٢). وروى ابن سماعة وبشر عن أبي يوسف: في رجل أمر رجلًا أن ينزع له ضرسًا متأكلًا بأجر [معلوم]، فنزع ضرسًا متأكلًا، فقال الأمر: [إنما] أمرتك بغير هذا بهذا الأجر، وقال المأمور بل أمرتني بالذي نزعت، فإن أبا حنيفة قال في ذلك: القول قول الآمر مر مع يمينه، وكذلك لو أمره بقطع شيء من جسده، أو ببطِّ قرحة، أو يحجم عبدًا له، أو يختنه، فقال الآمر: أمرتك [بغير هذا] (٣)، وقال المأمور بهذا، فالقول قول الآمر مع يمينه لما قدمنا أن الأمر يستفاد من جهة الآمر خاصة، فالقول قوله في صفته. وقال في الأصل: في رجل دفع إلى صَبَّاغ ثوبًا ليصبغه أحمر فصبغه أحمر على ما وصفه له بالعُصْفُرِ، ثم اختلفا في الأجر، فقال الصباغ عملته (٤) بدرهم،

стр. 2800

وقال رب الثوب بدانقين (١)، فإن قامت لهما بينة أخذت ببيّنة الصَّبَّاغ، فإن لم تقم بينة، فإني انظر إلى ما زاد العُصْفُر في قيمة الثوب، فإن كان درهمًا أو أكثر أعطيته درهمًا بعد أن يحلف الصباغ ما صبغه بدانقين، وإن كان ما زاد في الثوب من العصفر أقل من دانقين، أعطيته دانقين بعد أن يحلف رب الثوب ما صبغته إلا بدانقين؛ وذلك لأن الصباغ إذا حلف ما صبغته بدانقين والعصفر يساوي درهمًا، فهو عين مال حصل في ثوبه بأمره، فوجب عليه قيمته لا يزاد على درهم؛ لأن الصباغ رضي بإسقاط الزيادة، وإن كانت قيمته دانقين، وحلف رب الثوب ما صبغته إلا بدانقين، سقط دعوى الصباغ، فوجب على صاحب الثوب قيمة الصبغ لا ينقص من دانقين؛ لأنه بذل (٢) ذلك، ولأن الصبغ يجري مجرى السلعة المستهلكة من وجه، وهو أنه لا يمكن نقله من الثوب، [ويجرى] مجرى العين القائمة من وجه؛ لأنه عين لها قيمة (٣). فلو ألحقناه بالهالك لكان القول قول صاحب الثوب، ولو ألحقناه بالسلعة القائمة لكان القول قول الصباغ، ([فحكمنا] (٤) بالصبغ، واستحلفناهما بتعيين البيئة جميعًا) (٥). وإن كان يزيد [الصبغ] في الثوب نصف درهم، أعطيت الصباغ ذلك بعد أن يحلف [بالله] ما صبغه بدانقين؛ لما بينا أن الدعوى إذا سقطت وجب قيمة

стр. 2801

الصبغ، وكذلك كل صبغ له قيمة، فإن كان الصبغ أسود فالقول قول رب الثوب مع يمينه. وكذلك كل صبغ ينقص الثوب؛ لأنه لا يمكن القضاء للصباغ بدعواه، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة الصبغ؛ لأنه لا قيمة له، فيرجع إلى قول المستحق عليه. وقال في الأصل: إذا دفع إلى صباغ ثوبًا ليصبغه صبغًا مسمى أو شرط ليصبغه بزعفران أو و بِبَقَّمٍ (١) أو أسود، فخالف فصبغه بغير ما سمى إلا أنه من ذلك الصبغ، فلرب الثوب: أن يضمّنه قيمة الثوب أبيض [وسلم له الثوب] (٢).، فإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به ما سمّى، وهذا على ما بيّنا. قال: فإن اختلف الصَّبَّاغ ورب الثوب، فقال رب الثوب: أمرتك بالعصفر. وقال الصَّبَّاغ: [لا بل] بالزعفران، فالقول قول رب الثوب في قولهم. ولو أعطى صباعًا ثوبًا ليصبغه بعصفر بربع الهاشمي بدرهم، فصبغه بقفيز عصفر وأَقَرَّ رب الثوب بذلك، فإن رب الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد العصفر فيه مع الأجر، وهذا على وجهين: إن كان صبغه أولًا بربع الهاشمي، يعني بربع القفيز، ثم صبغه بثلاثة أرباع القفيز، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضَمَّنَه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه وأعطاه الأجر المسمّى وما زاد الثلاثة الأرباع القفيز في الثوب؛ وذلك لأنه وفّى بالمعقود

стр. 2802

عليه حين أفرده [بالربع] (١) ثم صبغه بعد ذلك صبغًا متعديًا، فإذا رضي صاحب الثوب بأخذه فقد سلم له الصبغ المعقود عليه، فوجب عليه المسمّى وما زاد الصبغ الثاني في الثوب، وإن شاء ضمنه قيمة الثوب مصبوعًا بربع القفيز (٢)، فوجب (٣) له الأجر؛ لأن الصبغ في حكم المقبوض من وجه؛ لأنه حصل في ثوبه ولم يكمل القبض فيه؛ لأنه لم يصل إلى يده، فكان له فسخ القبض لتغيير الصفة المقصودة، وله أن [يأخذه] (٤) ويضمن الأجر. وإن كان صبغه ابتداءً بقفيز، فله ما زاد الصبغ ولا أجر له؛ لأنه لم يوف العمل على الوجه المأذون فيه؛ ولأن العمل في مسألتنا تابع للصبغ، لولا ذلك لم تجز الإجارة، وإذا كان تابعًا وقد ضمن قيمة الصبغ لم يضمن [الأجرة للعمل] (٥) التابع له. وليس ذلك كما لو دفع إليه خُفًّا لينعله من عنده، ثم اختلفا أنه يضمن ما زاد النعل في الخف والأجر؛ لأن العمل هناك غير تابع للنعل (٦)؛ لأنها عين مال قائم؛ فلذلك ضمن [الأمرين] (٧)، وهذا التفصيل الذي كان أصحابنا يذكرونه، قد ذكره الحاكم عن أبي يوسف في المنتقى. وروى ابن سماعة عن محمد خلافه، فقال: إذا أمره أن يصبغ ثوبه بمنّ من

стр. 2803

عُصْفُرٍ بدرهم، فصبغه بمنوين ضربة (١) واحدة، لم يصبغه بمنّ ثم بمنّ، قال: رب الثوب بالخيار: إن شاء ضمّنه قيمته أبيض، وإن شاء أخذه وغرم له درهمًا، وما زاد المن العصفر في ثوبه، قال ابن سماعة: قلت لمحمد: ولِمَ يضمن المسمى [وهو لَمْ] (٢) يصبغه بالمن أولًا؟ قال: محمد: لأن لصاحب الثوب أن يقول: أنا عاينت الصباغ فاستأجرته ليصبغه بمن بدرهم، وهو يساوي خمسة، فلا أعطيه قيمة ذلك المَنّ، وقد رضي بالمسمى، وهذا يقتضي التسوية في الجواب بين أن يصبغه متفرقًا أو مجتمعًا (٣). ٢٢٩٢ - فصل: [الاختلاف بين الآمر والصانع] ومن هذا النوع: إذا أمر المستعمل الصانع بالزيادة من عنده، ثم اختلفا. قال في الأصل في رجل أسلم غزلًا إلى صانع وأمره أن يزيد في الغزل رطلًا من غزل [من عنده]، فقال: قد زدته، وقال رب الثوب: لم يزده، قال: فالقول قول رب الغزل مع يمينه، والصانع مُدَّعٍ، فإن أقام بينة أخذت بينته، وإن لم تكن له بينة حلف صاحب الغزل على علمه، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين لزمه مثل الغزل؛ وذلك لأن الصانع يدَّعي على رب الثوب الضمان، فالقول قوله في نفيه، ويحلف على علمه؛ لأنه يمين على فعل الغير. ولو اتفقا أن غزل المستعمل مَنٌّ، وقال الصانع: قد زدتُ فيه رطلًا فوُزِن الثوب فوجد منوين، فقال رب الثوب: الزيادة من الدقيق (٤)، فالقول قول الصانع

стр. 2804

مع يمينه، ويجبر الرجل على أن يعطيه عوض الغزل إذا لم يعلم أن الدقيق يزيد فيه مثل ما قال رب الثوب؛ وذلك لأن رب الثوب يَدَّعِي خلاف الظاهر، ألا ترى أن وزن الدقيق لا يكون مثل وزن الغزل، فإن كان الثوب مستهلكًا ولم يقر المستعمل أن فيه ما قال الصانع، فالقول قول رب الثوب (١)؛ لأن الصانع يدّعي عليه الضمان، والظاهر يشهد له، فلم يقبل قوله (٢). وقال هشام عن محمد: في رجل دفع إلى صانع عشرة دراهم فضة، فقال: زد عليها در همين قرضًا عليّ، فصغْه قُلْبًا وأجرك درهمٌ، فصاغه وجاء به محشوًا، فقال الصائغ قد زدتُ عليه درهمين، وقال رب القُلْب: لم تزد شيئًا، قال محمد: يتحالفان، ثم الصائغ بالخيار: إن شاء دفع إليه القلب وأخذ منه أجره خمسة دوانق، وإن شاء دفع عشرة دراهم فضة وأخذ القلب. أما التحالف فليس هو الموضوع للفسخ، ولكن الصائغ يَدَّعي على صاحب القُلْب القرض، وهو يجحد، فيستحلف، وصاحب القلب يدعي على الصائغ استحقاق القلب بغير شيء، وهو يجحد، فيستحلف، وإذا سقط دعوى الصائغ في القلب حكمنا بأن الوزن عشرة، وإنما بذل له درهما لصياغة اثني عشر درهمًا، فيلزمه للعشرة خمسة دوانق، وللصائغ أن يحبس القلب ويعطيه مثل فضته؛ لأنه لم يرض أن يستحق عليه بغير عوض القرض (٣) وهو في يده ولا يستحق بغير رضاه. وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل دفع إلى نداف (٤) ثوبًا يندف عليه

стр. 2805

قطنًا، وأمره أن يزيد من عنده ما رأى، ثم أن صاحب الثوب أتاه وقد ندف على الثوب عشرين إستارًا (١) من قطن، فقال صاحب الثوب: دفعت إليك خمسة عشر إستارًا من قطن وأمرتك أن تزيد عليه عشرة وتنقص إن رأيت، فلم تزد إلا خمسة أساتير، وقال النداف دفعت إليّ عشرة [وأمرتني أن أزيد عشرة وقد زدتها] (٢) فرد. قال: القول قول النداف، وعلى صاحب [الثوب] (٣) أن يدفع إليه عشرة أساتير من قطن كما ادَّعَى؛ وذلك لأن صاحب الثوب لا يدعي على النداف مخالفة ما أمره به، إلا أنه يدعي أنه دفع خمسة عشر إستارًا، فالقول قول النداف في مقدار [ما قبض] (٤) فتبقى العشرة زيادة فيضمنها صاحب الثوب. وإن كان صاحب الثوب قال: [قد] دفعت إليك خمسة عشر [إستارًا] وأمرتك أن تزيد عليه خمسة عشر، وقال النداف: دفعتَ إليّ عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة، وقد زدت عشرة، فصاحب الثوب في هذا بالخيار: إن شاء صدّقه ودَفع إليه عشرة أساتير وأخذ ثوبه، وإن شاء أخذ [مثل] قيمة ثوبه وعشرة أساتير قطن، وكان الثوب للنداف؛ لأن النداف يزعم أنه فعل ما أُمِر، وصاحب الثوب يدعي الخلاف، فالقول قوله فيما أمره به، والقول قول النداف في مقدار ما قبض. وقال بشر عن أبي يوسف: في رجل أعطى رجلًا ثوبًا ليقطعه قِباءً محشوًا
следующие страницы →