الصبغ، وكذلك كل صبغ له قيمة، فإن كان الصبغ أسود فالقول قول رب الثوب مع يمينه.
وكذلك كل صبغ ينقص الثوب؛ لأنه لا يمكن القضاء للصباغ بدعواه، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة الصبغ؛ لأنه لا قيمة له، فيرجع إلى قول المستحق عليه.
وقال في الأصل: إذا دفع إلى صباغ ثوبًا ليصبغه صبغًا مسمى أو شرط ليصبغه بزعفران أو و بِبَقَّمٍ (١) أو أسود، فخالف فصبغه بغير ما سمى إلا أنه من ذلك الصبغ، فلرب الثوب: أن يضمّنه قيمة الثوب أبيض [وسلم له الثوب] (٢).، فإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به ما سمّى، وهذا على ما بيّنا.
قال: فإن اختلف الصَّبَّاغ ورب الثوب، فقال رب الثوب: أمرتك بالعصفر.
وقال الصَّبَّاغ: [لا بل] بالزعفران، فالقول قول رب الثوب في قولهم.
ولو أعطى صباعًا ثوبًا ليصبغه بعصفر بربع الهاشمي بدرهم، فصبغه بقفيز عصفر وأَقَرَّ رب الثوب بذلك، فإن رب الثوب بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد العصفر فيه مع الأجر، وهذا على وجهين:
إن كان صبغه أولًا بربع الهاشمي، يعني بربع القفيز، ثم صبغه بثلاثة أرباع القفيز، فصاحب الثوب بالخيار: إن شاء ضَمَّنَه قيمة ثوبه، وإن شاء أخذه وأعطاه الأجر المسمّى وما زاد الثلاثة الأرباع القفيز في الثوب؛ وذلك لأنه وفّى بالمعقود
стр. 2802
عليه حين أفرده [بالربع] (١) ثم صبغه بعد ذلك صبغًا متعديًا، فإذا رضي صاحب الثوب بأخذه فقد سلم له الصبغ المعقود عليه، فوجب عليه المسمّى وما زاد الصبغ الثاني في الثوب، وإن شاء ضمنه قيمة الثوب مصبوعًا بربع القفيز (٢)، فوجب (٣) له الأجر؛ لأن الصبغ في حكم المقبوض من وجه؛ لأنه حصل في ثوبه ولم يكمل القبض فيه؛ لأنه لم يصل إلى يده، فكان له فسخ القبض لتغيير الصفة المقصودة، وله أن [يأخذه] (٤) ويضمن الأجر.
وإن كان صبغه ابتداءً بقفيز، فله ما زاد الصبغ ولا أجر له؛ لأنه لم يوف العمل على الوجه المأذون فيه؛ ولأن العمل في مسألتنا تابع للصبغ، لولا ذلك لم تجز الإجارة، وإذا كان تابعًا وقد ضمن قيمة الصبغ لم يضمن [الأجرة للعمل] (٥) التابع له.
وليس ذلك كما لو دفع إليه خُفًّا لينعله من عنده، ثم اختلفا أنه يضمن ما زاد النعل في الخف والأجر؛ لأن العمل هناك غير تابع للنعل (٦)؛ لأنها عين مال قائم؛ فلذلك ضمن [الأمرين] (٧)، وهذا التفصيل الذي كان أصحابنا يذكرونه، قد ذكره الحاكم عن أبي يوسف في المنتقى.
وروى ابن سماعة عن محمد خلافه، فقال: إذا أمره أن يصبغ ثوبه بمنّ من
стр. 2803
عُصْفُرٍ بدرهم، فصبغه بمنوين ضربة (١) واحدة، لم يصبغه بمنّ ثم بمنّ، قال: رب الثوب بالخيار: إن شاء ضمّنه قيمته أبيض، وإن شاء أخذه وغرم له درهمًا، وما زاد المن العصفر في ثوبه، قال ابن سماعة: قلت لمحمد: ولِمَ يضمن المسمى [وهو لَمْ] (٢) يصبغه بالمن أولًا؟ قال: محمد: لأن لصاحب الثوب أن يقول: أنا عاينت الصباغ فاستأجرته ليصبغه بمن بدرهم، وهو يساوي خمسة، فلا أعطيه قيمة ذلك المَنّ، وقد رضي بالمسمى، وهذا يقتضي التسوية في الجواب بين أن يصبغه متفرقًا أو مجتمعًا (٣).
٢٢٩٢ - فصل: [الاختلاف بين الآمر والصانع]
ومن هذا النوع: إذا أمر المستعمل الصانع بالزيادة من عنده، ثم اختلفا.
قال في الأصل في رجل أسلم غزلًا إلى صانع وأمره أن يزيد في الغزل رطلًا من غزل [من عنده]، فقال: قد زدته، وقال رب الثوب: لم يزده، قال: فالقول قول رب الغزل مع يمينه، والصانع مُدَّعٍ، فإن أقام بينة أخذت بينته، وإن لم تكن له بينة حلف صاحب الغزل على علمه، فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين لزمه مثل الغزل؛ وذلك لأن الصانع يدَّعي على رب الثوب الضمان، فالقول قوله في نفيه، ويحلف على علمه؛ لأنه يمين على فعل الغير.
ولو اتفقا أن غزل المستعمل مَنٌّ، وقال الصانع: قد زدتُ فيه رطلًا فوُزِن الثوب فوجد منوين، فقال رب الثوب: الزيادة من الدقيق (٤)، فالقول قول الصانع
стр. 2804
مع يمينه، ويجبر الرجل على أن يعطيه عوض الغزل إذا لم يعلم أن الدقيق يزيد فيه مثل ما قال رب الثوب؛ وذلك لأن رب الثوب يَدَّعِي خلاف الظاهر، ألا ترى أن وزن الدقيق لا يكون مثل وزن الغزل، فإن كان الثوب مستهلكًا ولم يقر المستعمل أن فيه ما قال الصانع، فالقول قول رب الثوب (١)؛ لأن الصانع يدّعي عليه الضمان، والظاهر يشهد له، فلم يقبل قوله (٢).
وقال هشام عن محمد: في رجل دفع إلى صانع عشرة دراهم فضة، فقال: زد عليها در همين قرضًا عليّ، فصغْه قُلْبًا وأجرك درهمٌ، فصاغه وجاء به محشوًا، فقال الصائغ قد زدتُ عليه درهمين، وقال رب القُلْب: لم تزد شيئًا، قال محمد: يتحالفان، ثم الصائغ بالخيار: إن شاء دفع إليه القلب وأخذ منه أجره خمسة دوانق، وإن شاء دفع عشرة دراهم فضة وأخذ القلب.
أما التحالف فليس هو الموضوع للفسخ، ولكن الصائغ يَدَّعي على صاحب القُلْب القرض، وهو يجحد، فيستحلف، وصاحب القلب يدعي على الصائغ استحقاق القلب بغير شيء، وهو يجحد، فيستحلف، وإذا سقط دعوى الصائغ في القلب حكمنا بأن الوزن عشرة، وإنما بذل له درهما لصياغة اثني عشر درهمًا، فيلزمه للعشرة خمسة دوانق، وللصائغ أن يحبس القلب ويعطيه مثل فضته؛ لأنه لم يرض أن يستحق عليه بغير عوض القرض (٣) وهو في يده ولا يستحق بغير رضاه.
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل دفع إلى نداف (٤) ثوبًا يندف عليه
стр. 2805
قطنًا، وأمره أن يزيد من عنده ما رأى، ثم أن صاحب الثوب أتاه وقد ندف على الثوب عشرين إستارًا (١) من قطن، فقال صاحب الثوب: دفعت إليك خمسة عشر إستارًا من قطن وأمرتك أن تزيد عليه عشرة وتنقص إن رأيت، فلم تزد إلا خمسة أساتير، وقال النداف دفعت إليّ عشرة [وأمرتني أن أزيد عشرة وقد زدتها] (٢) فرد.
قال: القول قول النداف، وعلى صاحب [الثوب] (٣) أن يدفع إليه عشرة أساتير من قطن كما ادَّعَى؛ وذلك لأن صاحب الثوب لا يدعي على النداف مخالفة ما أمره به، إلا أنه يدعي أنه دفع خمسة عشر إستارًا، فالقول قول النداف في مقدار [ما قبض] (٤) فتبقى العشرة زيادة فيضمنها صاحب الثوب.
وإن كان صاحب الثوب قال: [قد] دفعت إليك خمسة عشر [إستارًا] وأمرتك أن تزيد عليه خمسة عشر، وقال النداف: دفعتَ إليّ عشرة وأمرتني أن أزيد عشرة، وقد زدت عشرة، فصاحب الثوب في هذا بالخيار: إن شاء صدّقه ودَفع إليه عشرة أساتير وأخذ ثوبه، وإن شاء أخذ [مثل] قيمة ثوبه وعشرة أساتير قطن، وكان الثوب للنداف؛ لأن النداف يزعم أنه فعل ما أُمِر، وصاحب الثوب يدعي الخلاف، فالقول قوله فيما أمره به، والقول قول النداف في مقدار ما قبض.
وقال بشر عن أبي يوسف: في رجل أعطى رجلًا ثوبًا ليقطعه قِباءً محشوًا
стр. 2806
ودفع إليه البطانة والقطن، فقطعه وخاطه وحشاه واتفقا على العمل والأجر، فإن الثوب ثوب رب الثوب، والقطن قطنه، غير أن رب الثوب قال: البطانة ليست بطانتي.، فإن القول في ذلك: قول الخياط مع يمينه البتة إن هذه بطانته، ويلزم رب الثوب [ويسع] أن يأخذ البطانة ويلبسها؛ وذلك لأن البطانة أمانة في يد الخياط، فالقول قوله فيها، فإن كانت بطانة صاحب الثوب حل له لبسها، وإن كانت غيرها فقد رضي الخياط بدفعها إليه بدل بطانته، فحل له لبسها.
وروى بشر وابن سماعة عن أبي يوسف فيمن أعطى حمالًا متاعًا ليحمله من موضع إلى موضع بأجر معلوم، فحمله، ثم اختلفا فقال اختلفا فقال رب المتاع: ليس هذا متاعي، وقال الحَمَّال: هو متاعك، فالقول قول الحمال مع يمينه، ولا ضمان عليه، ولا يكون على الآمر الأجر إلا أن يصدقه ويأخذه؛ وذلك لأن المتاع في يد الحَمَّال أمانة، فالقول قوله، فلا يلزم صاحب المتاع الأجر؛ لأنه لم يعترف باستيفاء المنافع، فإن صدقه فقد رجع عن قوله، فوجب عليه الأجر.
قال: والنوع الواحد والنوعان في هذا سواء، إلا أنه في النوع الواحد أفحش وأقبح.
لو حمله طعامًا أو زينًا، فقال الأجير هذا طعامك بعينه، وقال رب الطعام، كان طعامي أجود من هذا، فإن هذا يفحش أن يكون القول قول رب الطعام، ويبطل الأجر، ويحسن أن يكون القول قول الحمال ويأخذ الأجر إن كان قد حمله.
فأما إذا كان نوعان مختلفان فلا أجر للحمال حتى يصدقه فيأخذه.
وإنما قال: إنه يقبح في الجنس الواحد؛ لأن صاحب الطعام يجوز أن يأخذ
стр. 2807
العين عوضًا عن طعامه، لأن الحمال قد بذل ذلك، فإذا حصل [له] العوض سلمت له المنفعة، فأما في النوعين فلا يسعه أن يأخذ النوع الآخر إلا بالتراضي بالبيع، فما لم يصدقه فلا يستحق عليه الأجر.
وقال هشام عن محمد: في رجل أمر إنسانًا ينقش في فص اسمه، فغلط فنقش اسم غيره، فإنه يضمن الخاتم؛ وذلك لأنه فوت الغرض (١) من الخاتم، وهو الختم به، فصار كالمستهلك له.
قال: وإذا أمر رجلًا أن يحمّر له بيتًا فخضره، [فإن] (٢) محمدًا قال: أعطيه ما زاد الخضرة فيه؛ وذلك لأنه استأجره على الحمرة، فإذا عمل الخضرة فهو عمل لم يستأجره عليه، فلا يستحق الأجرة؛ ولكن يستحق قيمة الصبغ ما زاد في البيت (٣)(٤).
стр. 2808
بَاب الإجارة الفاسدة
قال أبو الحسن: إذا كان ما وقع عليه عقد الإجارة مجهولًا في نفسه، أو في أجره، أو [في] مدة الإجارة، أو في العمل المستأجر عليه، فالإجارة فاسدة، وكل جهالة [تدخل في البيع فتفسده من الجهالة] (١) فكذلك هي في الإجارة. والأصل في هذا قوله ﵇: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره" (٢)، فشرط في الأجرة أن تكون معلومةً، كما شرط في البيع أن يكون معلومًا، فدلّ على أنهما يجريان في نفي الجهالة مجرى واحدًا؛ ولأن الإجارة معاوضة لا تصح إلا بتسمية العوض كالبيع.
٢٢٩٣ - فَصْل: [في إِجَارَةِ المُشَاع]
قال: ولا تجوز إجارة المشاع (٣) فيما يقسم وفيما لا يقسم عند أبي حنيفة وزفر، إلا أن يكون المستأجر شريكًا في العقار، فيستأجر نصيب شريكه أو شركائه في صفقة واحدة في قول أبي حنيفة.
стр. 2809
وجملة هذا: أنّ إجارة المشاع من غير الشريك باطلة عند أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: جائزة، وبه قال الشافعي (١).
لأبي حنيفة: أن المنافع المستأجرة لا يمكن استيفاؤها إلا بالمهايأة (٢)، والمهايأة ليست من حقوق الإجارة؛ لأنها عقد بنفسها، [ومتى لم] (٣) يتمكن من استيفاء المنفعة المعقود عليها إلا بمعنى لا يقتضيه العقد، لم يجز إجارته، كمن استأجر عبدًا آبقًا.
وليس كذلك إذا آجر من شريكه؛ لأنه يقدر على استيفاء المنافع بغير مهايأة، فجاز العقد معه وإن لم يجز مع غيره.
كما تجوز إجارة المغصوب من الغاصب، ولا تجوز من غيره؛ ولأن ما آجره غير متميز ما لم يؤاجره، فأشبه إذا آجر أحد عبدين؛ ولأنه لا يتوصل إلى الانتفاع بما آجره إلا بالانتفاع بما لم يؤاجره، [فصار كمن آجر عبدًا بعبدين].
وجه قولهما: أن ما جاز من الشريك جاز من غيره، كالبيع.
وكان الشيخ أبو طاهر الدَّبَّاس يقول: إن الإجارة في المشاع إنما لا تجوز إذا آجر الرجل بعض ملكه؛ لأنه يهايئ المستأجر، فتكون الدار في يد المستأجر مدة وفي يد المؤاجر مدة، ولا يجوز أن يستحق المؤاجر الأجر مع كون الشيء في يده.
стр. 2810
فأما إذا آجر أحد الشريكين نصيبه فالعقد جائز؛ لأن المستأجر يُهايئ غير المؤاجر، وليس يمتنع أن تكون الدار في يد غير المستأجر وأجرتها عليه، كما لو أعارها أو آجرها.
إلا أن أبا الحسن روى في جامعه نصًّا عن أبي حنيفة: [أن إجارة المشاع في الوجهين لا تجوز، وإنما استوى في الإجارة عند أبي حنيفة] ما يقسم وما لا يقسم؛ لأن المنافع من إجارة المشاع لا يقدر على استيفائها إلا بالمهايأة، وهذا المعنى موجود في الوجهين [جميعًا].
وعلى هذا قالوا: لا يجوز رهن المشاع فيما يقسم وفيما لا يقسم؛ لأن المانع من العقد: أن قبض المرتهن يصير مستحقًا في الثاني بمعنى قارن العقد، وهذا المعنى في الوجهين.
وقالوا في الهبة: يجوز في المشاع الذي لا يقسم، ولا يجوز فيما يقسم (١)، لأن المانع من [هبة] (٢) ما يقسم: أن الهبة لو صحت لطالب الموهوب الواهب بالقسمة، فيلزمه بضمان الأجرة، والهبة لا تجوز أن تُؤدي إلى إيجاب الضمان على الواهب للموهوب [له] فيما وهب، وهذا المعنى لا يوجد فيما لا يقسم.
وأما إجارَة المشاع من الشريك فقد روى زفر عن أبي حنيفة: أنها لا تجوز؛ لأن ما لا يجوز مع غير الشريك لا يجوز مع الشريك، كالرهن والهبة، والمشهور أنها جائزة [لما بيّنا]؛ لأن الشريك يستوفي المنافع من غير مهايأة، وأما الرهن فلا يجوز من الشريك؛ لأن الشريك يمسك العين يومًا رهنًا ويومًا غير رهن،
стр. 2811
فيصير قبضه مستحقًا كالأجنبي، وعلى هذا قالوا في الهبة من الشريك لا تجوز؛ لأن المانع من الهبة للأجنبي إن قبضه [يحصل] في مشاع يحتمل القسمة، وهذا المعنى موجود في قبض الشريك [فلم يجز] (١).
٢٢٩٤ - فَصْل: [إجارة الرجلين من رجل ثم موت أحدهما]
وإذا أجر الرجلان دارًا من رجل فمات أحد المؤاجرين، بطلت الإجارة في نصيبه، والإجارَة في نصيب الحي صحيحة على حالها، وكذلك لو استأجر رجلان من رجل واحد فمات أحدهما، وإنما جَوّزنا إجارة الاثنين من الواحد؛ لأن المنافع تدخل في ملكه جملة، فيستوفيها من غير مهايأة.
وكذلك جَوّزنا رهن الاثنين من الواحد، وهبة الاثنين من الواحد، أما إجارَة الواحد من الاثنين، فتجوز أيضًا؛ لأن المنافع تخرج من ملك المؤاجر جملة، ثم المهايأة تثبت إذا انقسمت المنافع في ملك المستأجرين، ولا يصير ذلك من شروط العقد، وإنما هو من حقوق ملكهما، فلذلك جوزوا رهن الواحد من الاثنين؛ لأن الرهن وثيقة، فجميعه وثيقة لكل واحد منهما؛ ولهذا إذا قضى [الراهن] (٢) دين أحدهما لم يكن له أخذ بعض الرهن.
وأما هبة الواحد من الاثنين فلا يجوز عند أبي حنيفة؛ لأن المانع الإشاعة المؤثرة في القبض، فإذا وهب الواحد من اثنين فقد وجدت الإشاعة في القبض، وهو المعنى الذي يقع به الملك، فإذا قارنه ما يؤثر فيه يمنع من وقوع الملك، كالشروط الفاسدة إذا قارنت البيع.
стр. 2812
٢٢٩٥ - فصل: [بطلان الإجارة نصيب الميت من المؤاجرين]
فأمّا بطلان [الإجارة] (١) بموت من يقع العقد له، فهو قول أصحابنا، وقال الشافعي: لا ينقض (٢).
لنا: أنه عقد يقصد به المنفعة حال [الحياة]، فوجب أن لا يبقى بعد موت من عقد له كالنكاح؛ ولأنه معنى ينقضي بانقضاء المدة، فوجب أن ينقطع بموت المستحق، كالآجال والعواري، وإذا ثبت أن الإجارة بطلت في نصيب الميت منهما، لم تبطل في نصيب الآخر في الرواية المشهورة.
المهايأة إذا وجبت لم تستند إلى العقد، وإنما تستند إلى الحال التي انقسمت المنافع فيها، [والمانع] (٣) من العقد كون المهايأة مشروطة فيه؛ ولأن ما يمنع منه الإشاعة إذا حصلت [الإشاعة] في حال البقاء لم تمنع، كمن وهب دارًا ورجع في بعضها، وعلى هذا قالوا في الرهن في الرواية المشهورة: أن الإشاعة [لا] تؤثر في حال البقاء.
وروي عنهم: أن الإشاعة في حال البقاء تبطل الإجارة؛ لأن المستأجر لا يتوصل إلى استيفاء المنفعة إلا بالمهايأة التي ليست من حقوق الإجارة.
٢٢٩٦ - فَصْل [استئجار نصيب في دار غير مُسمّى]
قال في الأصل: قال أبو حنيفة: إن استأجر نصيبًا في دار غير مسمّى فإنه
стр. 2813
لا يجوز، وقالا: يجوز إذا علم النصيب بعد ذلك، وقد ذكر في آخر الشفعة فيمن باع نصيبًا من دار ولم يسمه لم يجز البيع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجور (١).
أما أبو حنيفة: فبنى مسألة الإجارة على مسألة البيع، وقال: إن المبيع مجهول والمؤاجر مجهول، وجهالة المعقود عليه تمنع من صحة العقد، وبناه على أصل آخر: وهو أن إجارة نصيب معلوم عنده لا يجوز، فالمجهول أولى.
فأما أبو يوسف: فالإشاعة عنده لا تمنع، وهذه الإشاعة (٢) لا تمنع البيع على أصله، فلا تمنع الإجارة.
وأما محمد: ففرق بين الإجارة والبيع؛ لأن الأجر لا يجب بالعقد، وإنما يجب باستيفاء المنفعة، فإذا عرف مقدار النصيب فاستوفى [منفعته، فالمعقود] (٣) عليه معلوم عند وجوب البدل، وليس كذلك البيع؛ لأن البدل يجب بعقده، فإذا كان مجهولًا عند العقد لم يجز.
٢٢٩٧ - فصل: [بيع ذراع من دار]
ولا يجوز عند أبي حنيفة: أن يستأجر من عقار مائة ذراع، ولا من أرض جريبًا أو جريبين إذا كانت أكثر من ذلك، ويجوز عندهما، وهذا فرع [على] اختلافهم في البيع.
فعند أبي حنيفة: لا يجوز بيع ذراع من دار؛ لأنه عبارة عن بقعة معينة،
стр. 2814
وليس بقعة أولى من بقعة، وبقاع الدار مختلفة؛ ولأن هذه إجارة مشاع فلا يصح.
فأما على قولهما: فالبيع جائز؛ لأن الذراع عندهما كالسهم، وكذلك إجارة الذراع تجوز كما تجوز إجارة السهم (١).
٢٢٩٨ - فَصْل [استحقاق الماء بالإجارة]
ولا تجوز إجارة ماء في نهر، ولا بئر، ولا قناة، ولا عين، فإن استأجر القناة أو العين أو البئر مع الماء لم يجز أيضًا؛ وذلك لأن استئجار الماء عقد على عين، والأعيان لا تستحق بعقد الإجارة إلا تابعة للعمل.
وأما إذا استأجر النهر لم يجز أيضًا؛ لأنها منفعة لا يمكن سكناها كالهواء، ولأن المقصود منه العين، قد بيّنا أن الأعيان لا تستحق بالإجارة بأنفسها.
ولا تجوز إجارة المراعي؛ لأن الحشيش عين، والأعيان لا تستحق بالإجارة، ولأنه على أصل الإباحة، فليس المؤاجر به (٢) أحق من المستأجر، ولا تجوز إجارة الآجام (٣) التي فيها الماء، فإن استأجرها مع الماء فهو أفسد وأخبث، وهذا على ما بيّنا أن الماء لا يستحق بالإجارة؛ لأنه عين، ولأنه على أصل الإباحة.
والبقعة التي فيها الماء لا يجوز استئجارها؛ لأنه لا يمكن سكناها.
стр. 2815
ولا تجوز إجارة القصب ولا صيد الآجام (١)؛ لأن هذه أعيان فلا تستحق بالإجارة، ولأن السمك والقصب على أصل الإباحة، فلا يكون المؤاجر أولى من المستأجر.
قال: ولو استأجر نهرًا ليسوق (٢) فيه الماء إلى أرض له يسقيها لم تجز الإجارة، أرأيت (٣) لو استأجر ميزابًا ليسيل فيه ماء المطر على سطح المؤاجر ألم يكن هذا فاسدًا (٤)؟
وذكر هشام عن محمد: فيمن استأجر موضعًا من أرض معروفة مؤقتًا ليسيل فيه ماؤه، قال: [هو جائز] (٥).
وجه الرواية المشهورة: أن العقد يقع على مجهول؛ لأن مقدار ما يسيل من الماء يقل ويكثر، وبعضه أضر على النهر والمسيل (٦) من بعض، فلم تجز [الإجارة].
لمحمد: أن المانع من استئجار [المسيل] (٧) جهالة البقعة، ألا ترى أنه لا يدري أن يسيل من سطحه، فيجوز أن يأخذ مكانًا يسيرًا، ويجوز أن
стр. 2816
يأخذ كثيرًا، فإذا عَيَّنَ الموضع زالت الجهالة، فجاز العقد.
قال: ولو استأجر ميزابًا يركبه في داره كل شهر بشيء مسمى كان جائزًا؛ وذلك لأن الميزاب لا يختلف منفعته بكثرة ما يسيل فيه ولا بقلَّتِه، فجاز إجارته.
قال: ولو استأجره وهو في الحائط ليسيل فيه الماء، لم يجز، وهذا كله رواية عن أبي يوسف؛ وذلك لأن الحائط يضر به قليله وكثيره (١).
وقال في الأصل: إذا استأجر نهرًا يابسًا ليجري فيه الماء إلى أرضه أو رحاله، إنه لا يجوز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وهذا على ما قدمنا (٢).
قال: وكذلك لو استأجر بالوعة ليصب فيها وضوءًا؛ وذلك لأن مقدار ما يصب فيها من الماء (٣) مجهول، والضرر يختلف بقلته وكثرته (٤).
قال: ولو استأجر بَكْرَةً ودَلْوًا ليسقى غنمه لم يجز؛ فإن استأجر ذلك شهرًا جاز؛ وذلك لأن مقدار ما يسقي الغنم مدته مجهولة، فلا يجوز العقد عليها، فإذا سمّى شهرًا فالعقد يقع على مدة معلومة، وذلك يجوز.
قال أبو الحسن: وكذلك لو استأجر شِرْبًا من نهر أو مسيل ماء في أرض، وقد بيّنا ذلك.
قالوا: إن استأجر حائطًا ليضع عليه جذوعًا أو يبني عليه سُتْرَة (٥) أو يضع
стр. 2817
فيه ميزابًا لم يجز.
قال: وإن استأجر في الحائط مَوضع كُوَّة (١) ليدخل عليه الضوء أو موضعًا من الحائط ليوتد فيه وَتَدًا، لم يجز.
والأصل في ذلك: أن كل بقعة لا يمكن الانتفاع بها للسكنى، فلا يجوز استئجارها كالهواء.
وقال الشافعي: يجوز استئجار الحائط ليضع عليه الخشب (٢).
لنا: أنها بقعة لا تصلح للسكنى، فلا يجوز إجارتها، كما لو استأجر كوة يدخل فيها الضوء؛ فلأن الخشب يختلف بما يحمل عليه من الثقل، وكذلك السُّتْرة، وذلك يضر بالحائط، فصار مجهولًا، فلم يجز.
قال: ولو استأجر نخلًا أو شجرًا ليبسط عليه ثيابه، لم يجز؛ لأنها بقعة لا يمكن سكناها، فلم يصح إجارتها.
ولو اشترى ثمرة نخل أو شجرٍ أو أطراف رطبة، ثم استأجر النخل أو الشجر لتبقية (٣) ذلك فيه، أو استأجر الأرض كذلك (٤)، فإن ذلك لا يجوز.
وكذلك [كل] ما استأجر له الأرض مما [يفصل] بينه وبين الأرض مما لم
стр. 2818
يقع عليه عقد الإجارة، ولا ملك له على الفاصل بينهما، [لم يجز] (١)، فإن كان ما بينه بينه وبين الأرض [للمستأجر] (٢) فهو جائز؛ وذلك لأنه إذا [اشترى] (٣) الثمرة أو استأجر الشجر لسقيه الثمرة، فقد استأجر بقعة لا يمكن سكناها، وكذلك لو استأجر الأرض، [لم يجز]؛ لأن النخلة تصير مستأجرة، والنخل لا يجوز دخولها في الإجارة.
وكذلك إذا [اشترى] (٤) أطراف الرَّطْبَة (٥) فاستأجر الأرض؛ لأن أصل الرطبة ليس على ملكه، فقد حال بين ملكه وبين الأرض ملك المؤاجر، واستئجار بقعة مشغولة بمال المؤاجر، لا يصح.
ولو اشترى نخلة فيها ثمرة على أن يقلعها، ثم استأجر الأرض [لتبقيتها] (٦) فيها جاز، (وكذلك لو اشترى الرَّطْبَة بأصلها ليقلعها ثم استأجر الأرض فبقّاها فيها جاز) (٧)؛ لأن الأرض مشغولة بمال المستأجر؛ وذلك لا يمنع الإجارة، كما لو استأجر ما هو في يده.
قال محمد: وإن استعار الأرض في ذلك كله فهو جائز؛ لأن العارية إباحة للمنافع، ليس بعقد يتعلق به استحقاق، فإذا أباح المالك ملكه الذي
стр. 2819
يحل الانتفاع به جاز (١).
٢٢٩٩ - فَصْل: [استئجار ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر]
قال: [أبو الحسن] (٢): وإن استأجر أرضًا فيها رطبة سنة، فإن أبا حنيفة وأبا يوسف قالا: الإجارة فاسدة، فإن [قلع] (٣) رب الأرض الرطبة ثم قال للمستأجر اقبض الأرض بيضاء، فإن هذا جائز في قول أبي يوسف [وهو] قياس قول أبي حنيفة؛ وذلك لأنه استأجر ما لا يمكن تسليمه إلا بضرر، وهو قطع الرطبة، فصار كمن اشترى جِذْعًا في سقف، فإن قلع الرطبة فقد زال [المعنى] المانع من صحة العقد، فجاز العقد، كما لو قلع الجِذْع وسلمه.
قال: فإن اختصما قبل ذلك فأبطل الحاكم الإجارة ثم قلع الرطبة بعد ذلك، لم يصح؛ وذلك لأن العقد كان مراعى، فإذا زال [المعنى] المفسد مع بقاء المراعاة صَحّ، وإن أبطله الحاكم زالت المراعاة وانفسخ العقد، ولا يصح بعد ذلك إلا باستئناف.
قال: فإن مضى من مدة الإجارة يوم أو يومان قبل أن يختصما، ثم قلع الرَّطْبَةَ [بعد ذلك]، فالمستأجر بالخيار: إن شاء قبضها على تلك الإجارة وطرح عنه أجر ما لم يقبض، وإن شاء لم يقبض (٤)؛ وذلك لأن العقد على الأرض مدة يقف بعضها على بعض، ألا ترى أن الزراعة يمكن في وقت ولا يمكن في وقت،
стр. 2820
وتختلف بالتقديم والتأخير، فإذا رضي بمدة سَمَّاها فمضى بعضها تغيّر عليه صفة العقد، فكان له الخيار.
وليس كذلك الدار إذا لم يسلمها بعض المدة؛ لأن السكنى فيها لا تقف في بعض الأيام على بعض [ولا تختلف]؛ فلذلك لم يكن له خيار.
قال: ولو استأجر طريقًا في دار ليمرَّ فيها وقتًا معلومًا لم يجز في قياس قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف [ومحمد]: ذلك جائز، وهذا فرع على اختلافهم في إجارة المُشَاع؛ لأن البقعة المستأجرة غير متميزة من بقية الدار.
وقال في الأصل: إذا استأجر علو منزل ليبني عليه، فإن هذا لا يجوز في قياس قول أبي حنيفة، ويجوز في قياس قول أبي يوسف ومحمد (١).
لأبي حنيفة أن العلو يختلف البناء عليه؛ [لأنه إذا قلّ لم يضر] فإذا كثر استضر، فصار المعقود عليه مجهولًا، وليس كذلك إذا استأجر أرضًا ليبني عليها؛ لأنها لا تختلف بكثرة البناء وقلته.
لهما: أن البناء يصير معلومًا بالعادة.
قال: ولو استأجر ظهر بيت [ليبيت] (٢) عليه شهرًا، أو ليضع متاعه عليه جاز؛ لأن هذه بقعة يمكن سكناها، فجاز استئجارها (٣).
وقد ذكر في بعض نسخ الأصل: إذا استأجر سطح بيت ليبيت عليه لم يجز،
стр. 2821
والصحيح أنه ليمُرَّ عليه، وكذلك هو في بعض النسخ.
٢٣٠٠ - فَصْل: [أخذ الأجرة على البيع والشراء]
قال: ولا يجوز عندهم جميعًا: أخذ الأجرة على البيع والشراء؛ وذلك لأن الشراء والبيع لا يقدر على إيقاعه بنفسه حتى ينضم إليه فعل غيره، ومن استؤجر ليعمل عملًا لا يقدر أن يعمله بنفسه، لم تصح الإجارة، كمن استأجر رجلًا ليحمل له خشبة بنفسه وهو لا يقدر على حملها.
وأما إذا استأجره شهرًا ليبيع له أو يشتري جاز؛ لأن العقد يقع على المدة دون العمل، والمدة معلومة، فإن استأجره ليبيع ويشتري فباع واشترى، فله أجر مثله؛ لأنه استوفى منفعته بعقد فاسد
٢٣٠١ - فصل: [وقوع العقد على منفعة مجهولة]
وإذا استأجر دابة ولم يسم ما يحمل عليها، أو استأجر عبدًا [يومًا] ولم يسم ما استأجره له، فإن اختصموا في ذلك حين وقعت الإجارة فسخت الإجارة (١)، وإن مضى الوقت فعليه الأجر المسمى استحسانًا؛ وذلك لأن العقد وقع على منفعة مجهولة، ألا ترى أن الدابة تختلف منافعها باختلاف المحمول عليها، وجهالة المعقود عليه يوجب فساد العقد، فإن اختلفا، فسخ (٢) العقد؛ لأنه ليس ما يلتمس أحدهما أولى من الآخر (٣)، فإن حمل عليها فالقياس أن يجب أجر المثل؛ لأنه استوفى المنفعة بعقد فاسد، والاستحسان يجب المسمى؛ لأنه
стр. 2822
لما حمل عليها تَعَيَّنَ ذلك، فكأنه تعيّن بالعقد (١)(٢).
٢٣٠٢ - فَصل: [إجارة الدراهم والدنانير]
قال: ولا تجوز إجارة الدراهم و [لا] الدنانير ولا تبرهما، وكذلك تِبْر النُّحَاس والرَّصَاص (٣)، وكذلك لو استأجر حنطة ليعير بها مكيلًا، أو استأجر زيتًا ليعير به أرطالًا أو [أمناء] (٤).
أما إجارة ذلك مطلقًا فلا يجوز؛ لأن الإجارة تقع على المنفعة المقصودة من الأعيان (٥)، والمنفعة المقصودة من المكيلات والموزونات استهلاك أعيانها، والإجارة لا تقع على الأعيان.
وأما إذا استأجرها ليعير بها ميزانًا أو مكيالًا، فقال محمد في الأصل: يجوز، وقال أبو الحسن: لا يجوز، وهو قول الشافعي (٦).
لنا: أنها منفعة معلومة يحل استيفاؤها من العين مع بقائها، فجاز العقد عليها كسائر المنافع؛ ولأنها عين سيباح الانتفاع بها، فإذا استأجرها ليزن بها جاز، كالحجر.
قال: وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: ما ذكره محمد في الكتاب
стр. 2823
محمول على أنه استأجرها ليعير بها (ميزانًا بعينه، أو مكيالًا بعينه) (١)، وما ذكره أبو الحسن محمول على أنه استأجرها ليعير بها (ميزانًا) (٢) غير معين.
وجه ما ذكره أبو الحسن: أن هذه منفعة [غير] (٣) مقصودة من العين، فإذا لم يجز استئجار العين للمنفعة المقصودة منها، فما ليس بمقصود أولى.
٢٣٠٣ - فَصْل: [الجهالة اليسيرة في الإجارة]
قال هشام: سألت محمدًا عن الإطلاء بالنَّوْرَةِ (٤)، إذا قال: أطليك بدائق ولا يعلم ما يطليه في غلظ ذلك [وثخانته] (٥)، قال: هو جائز؛ وذلك لأن مقدار النورة معلوم بالعادة، ولأن الناس يعقدون على ذلك مع الجهالة في سائر الأعصار من غير نكير.
[مسائل في هذا الباب مشهورة]
٢٣٠٤ - [فَصْل: الاستئجار بطحن قفيز من حنطة بجزء من دقيقها]
قال محمد في الأصل: إذا استأجر رجلًا ليطحن له قفيزًا من حنطة بربع من دقيقها، أو يعصر له قفيز سمسم بمَنٍّ من دهنه، لم يجز؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ : "أنه نهى عن قفيز الطحان" (٦)، وقال في حديث رافع بن خديج: "لا
стр. 2824
تستأجرها بشيء منها"، ولأن جواز هذا العقد يؤدي إلى فساده؛ لأنه يصير شريكًا بأول جزء من العمل، فيعمل بعد ذلك فيما هو شريك فيه، فلا يصح استحقاق الأجرة بعمله (١).
٢٣٠٥ - فَصْل: [الاستئجار على تعليم القرآن وتعليم الصنائع]
وقد ذكرنا ما ذكره أبو الحسن في الباب وما يتعلق به، ونحن نلحق به.
قال: ولا يجوز الاستئجار على تعليم القرآن ولا تعليم الصنائع؛ لما روى عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، أن النبي ﷺ قال: "اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به" (٢)، وروي أن أبي بن كعب أقرأ رجلًا فأعطاه قوسًا، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فقال: "أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار"، قال: لا، قال: "فرده" (٣)(٤)؛ ولأن العقد تناول عملًا لا يقدر على إيفائه بنفسه، فلم يجز، كما
стр. 2825
لو استأجره على حمل شيء لا يقدر على حمله.
стр. 2826
وقالوا فيمن استأجر عبدًا وشرط على المستأجر طعامه: لم يجز، وكذلك لو استأجر دابة وشرط على المستأجر علفها؛ لأن مقدار ذلك مجهول، [والبدل المجهول لا] (١) يجوز العقد به.
وقال محمد في الأصل: إذا دفع إليه أرضًا ليغرسها على أن الأرض بينهما (والغرس بينهما) (٢) فالعقد باطل، فإن غرسها فالغرس لصاحب الأرض وعليه قيمة الغرس وأجر مثل الغارس؛ وذلك لأنه باع نصف الأرض بنصف الغرس، واستأجره على العمل فيه، فصار البيع مشروطًا في الإجارة، والإجارة مشروطة في البيع، وإنما كان الغرس لصاحب الأرض؛ لأنه عقد عليه عقدًا فاسدًا وقبضه بحصوله في أرضه وملكه.
وقالوا في الإجارة على الإقامة والأذان: إنها لا تجوز؛ لقوله ﵇ لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا" (٣)، ولأن هذا من شرطه أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز [أخذ] الأجر عليه كالصلاة والصيام.
وقال: إذا استأجر ليغزو عنه لم يجز؛ لأن الأجير إذا حضر الوقعة [والعدوّ]، فما يفعله فرض عليه، فلا يجوز أن يأخذ أجرته من غيره.
وقد روي أن النبي ﷺ قال: "مثل من يغزو من أمتي ويأخذ الجعل عليه
стр. 2827
كأم موسى ترضع ولدها وتأخذ عليه أجرًا" (١)(٢).
٢٣٠٦ - فَصْل: [فيما آجر الوصيُّ نفسه للصّبي]
قال في الأصل: لو آجر الوصي نفسه للصبي (٣) لم يجز، وهذا ظاهر على أصل أبي يوسف ومحمد؛ لأن عندهما (٤) لا يجوز عقد الوصي مع نفسه في حق الصغير.
فأما على قول أبي حنيفة فيجوز إذا باع منه أو اشترى ما فيه الحظ للصغير، إلا أنه يقول: إذا آجر نفسه من الصبي (٥) فقد جعل المنافع التي ليست بمال مالًا، فلم يكن في ذلك حظ للصغير [لنفسه]، فلا تجوز، فأما إذا استأجر الصغير فينبغي أن يجوز على قول أبي حنيفة إذا كان بأجرة لا يتغابن في مثلها؛ لأنه يملك العقد في حق بنفسه، (وقد جعل المنافع التي ليست بمال مالًا، فيجوز.
فأما الآن إذا آجر نفسه للصغير أو استأجر الصغير لنفسه جاز؛ لأنه يملك العقد في حقه بنفسه) (٦)، وإن لم يكن [له نفع] (٧) كما لو اشترى من ماله بمثل القيمة، أو باعه، فكذلك الإجارة.
стр. 2828
٢٣٠٧ - فَصْل: [إجارة الصبي نفسه]
وقال في الأصل: في الصبي إذا آجر نفسه، لم يجز؛ لأن الإجارة طريقها طريق الأقوال، والصبي محجور عليه في أقواله، فإن عمل فالقياس أن لا يجب له الأجر؛ لأن المستأجر كان ضامنًا له، والأجر والضمان لا يجتمعان، إلا أنهم استحسنوا فقالوا له الأجر؛ لأنه لما سَلِمَ من الضمان صار كأنه لم يكن، والصبي مأذون في اجتلاب النفع لنفسه، كما لو قَبِل الهبة.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف فيمن استأجر حانوتًا بنصف ما يربح فيه، قال: الإجارة فاسدة؛ لأنه بدل مجهول.
وروى بشر عن أبي يوسف: في رجل دفع إلى رجل دابة ليعمل عليها بالنصف، قال: إن [تقبل] (١) الطعام عليها كان الأجر كله [للمتقبل] (٢)، ولهذا أجر مثل دابته؛ لأنه استحق الأجرة بعقده، واستوفى منفعة الدابة [بعقد فاسد، وإن تقبل ليحمل عليها، فالأجر لصاحب الدابة] (٣)، وله أجر مثله.
وكذلك قال محمد؛ وذلك لأنه آجر دابته بأمره ووفّاه منافعها بعقد فاسد، فكان له الأجرة.
٢٣٠٨ - فَصْل: [الاستئجار مشاهرة]
قال الفضل بن غانم: سمعت أبا يوسف قال: لا بأس أن يستأجر القاضي
стр. 2829
رجلًا مشاهرة على أن يضرب الحدود بين يديه، وإن كان غير مشاهرة فالإجارة فاسدة؛ [وذلك] لأنه إذا استأجره مشاهرة، فالعقد يقع على المدة عمل أولم يعمل، والمدة معلومة، وإذا استأجره على الضرب فذلك مجهول، فلا يجوز؛ ولأن إقامة الحدود فرض.
وقال محمد في السِّيَر الكبير: إذا استأجر الإمام رجلًا ليقتل المرتدين والأسارى، لم يجز عند أصحابنا، وإن استأجره ليقطع اليد جاز، ولا فرق بينهما عندي، والإجارة فيهما جائزة، وإنما عنى بأصحابه: أبا حنيفة وأبا يوسف.
لهما: أن القتل يقع الضرب فيه مع التجافي عن المضروب، وفيه مباح ومحظور، ألا ترى أنه إذا ضربه من غير تعذيب ولا عدول عن العنق كان مباحًا، وإن [عذب] (١) كان محظورًا، وذلك لا [يمكن تمييزه من غيره] (٢)، فلم يجز العقد.
وليس كذلك ما دون النفس؛ لأن قطعه يكون بإمرار السكين، وذلك عمل معلوم كذبح الشاة يقع بإمرار السكين، ولا يلزم تشقيق الحطب؛ لأن ذلك وإن وقع مع التجافي فجميعه مباح.
وربما قال أصحابنا: إن القتل إخراج الروح، وذلك من غير فعله، ولا يصِحّ الاستئجار عليه، ولا يلزم الذبح (٣)؛ لأن الاستئجار على قطع [الحلقوم و] العروق لا على خروج الروح.
стр. 2830
لمحمد: أن القتل هو ضرب العنق، وذلك عمل معلوم كذبح الشاة وقطع اليد.
وقال ابن رستم، عن محمد في رجل قال لرجل: اقتل هذا الذئب، أو هذا الأسد، أو هذا الخنزير، ولك درهم [أو بدرهم]، فقتله، قال: له أجر مثله، ولا أجاوز به درهمًا، والأسد والذئب للمستأجر؛ وذلك لأن قتل الذئب والأسد يقع (١) وليس هو في يده، فالعمل مجهول لأجل المعالجة، والاستئجار على عمل مجهول لا يصح، وإذا وفاه المنفعة وجب [له] أجر المثل، وإنما كان الصيد للمستأجر؛ لأن قتل الصيد سبب لتملكه، وعمل الأجير يقع للمستأجر، فكأنه هو الذي فعل (٢).
٢٣٠٩ - فضل: [أجرة من حمل خمرًا]
قال عمرو عن محمد: فيمن استأجر حَمَّالًا يحمل له خمرًا، فله الأجر في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف [ومحمد]: لا أجر له.
لأبي حنيفة: أن العقد لا يتعين لحمل الخمر، ألا ترى أنه لو أمره لحمل مثلها خَلا جاز، وإذا لم يتعين العقد في [حمل] الخمر، صار كأنه استأجره على حمل أرطالٍ [مسماة] مطلقة؛ ولأن حمل الخمر جائز، لإراقتها، ومن [استؤجر] (٣) على حمل عين يجوز حملها، جازت الإجارة، كالاستئجار على حمل جلد الميتة.
لهما: أن حمل الخمر معصية لقول النبي ﷺ (٤): "لعن حاملها والمحمول
стр. 2831
إليه" (١)، والاستئجار على المعاصي لا يجوز (٢).
قال محمد: ابتلينا بمسألة ميت مات من المشركين، فاستأجر والده من يحمله إلى موضع يدفنه فيه غير الموضع الذي مات فيه، قال أبو يوسف: لا أجر له.
وقلت أنا: إن كان الحَمَّال الذي حمله [يعلم] (٣) أنه جيفة فلا أجر له وإن لم يعلم فله الأجر، وهذا إنما يعني به إذا استأجروا من ينقله من بلد إلى بلد.
فأما إذا استأجروا من ينقله إلى مقبرة [في] البلد جاز؛ ولأن [ذلك] دفع [لأذيته] (٤) عنهم، وأما [من بلد] إلى بلد آخر فوجه قول أبي يوسف: أن الجيفة إنما يجوز نقلها لدفع أذيتها، فأما من بلد إلى بلد فلا يحتاج إلى ذلك لدفع الأذية، فصار كنقل الميتة من بلد إلى بلد.
لمحمد: أن الأجير إذا علم أنها جيفة، فقد نقل ما لا يجوز له نقله، فلا يستحق الأجر، وإذا لم يعلم فقد غرّوه بالتسمية، والغرور يوجب الضمان.
[قال]: وسألت محمدًا عن الرجل يستأجر القوم للّعب واللهوِ، قال: لا أجر لهم، وهذا كالمُغَنِّي والنائحة؛ لأن ما [يفعلونه] (٥) معصية، والاستئجار
стр. 2832
على المعاصي لا يجوز.
وقال ابن رستم عن محمد: لا بأس بأجرة الكَنَّاس، أرأيت لو استأجره ليخرج له حمارًا ميتًا أمَا يجوز ذلك؛ ولأن نقل هذه النجاسات يحتاج إليها لدفع أذيتها، فلو لم يجز الاستئجار عليها أضر ذلك بالناس.
وقال أبو حنيفة: أكره أن يستأجر الرجل امرأة حرة ليستخدمها ويخلو بها، وكذلك الأمة، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن الخلوة بالأجنبية منهي عنها، والاستخدام لا يؤمن معه الاطلاع عليها.
قال: وإذا استأجر الرجل امرأته لتخدمه كل شهر بأجر مسمى، فإنه لا يجوز؛ وذلك لأن خدمة البيت تلزم المرأة فيما بينها وبين الله تعالى؛ بدلالة أن النبي ﵇ جعل على فاطمة ﵂ ما كان من خدمة البيت، وعلى عَلِيّ ما كان من وراء البيت (١). وإذا كان [ذلك] يلزمها لم يجز أخذ الأجرة عليها.
ولا يقال: لو لزمها أجبرت عليه؛ لأنه يلزمها فيما بينها وبين الله تعالى كالعبادات؛ ولأن خدمة البيت نفع لها وللزوج، فكأنه استأجرها على شيء مشترك (٢).
قال: ولو استأجرت امرأة زوجها ليخدمها بأجر مسمى، فهذا جائز، وكذلك
стр. 2833
لو استأجرته لرعي غنمها؛ لأن خدمة البيت لا تلزم الزوج، فقد استأجرته على ما لا يجب عليه.
ولو استأجرها لرعي غنمه جاز؛ لأن ذلك العمل لا يجب عليها.
وإذا استأجر الرجل ابنه وهو بالغ ليخدمه في بيته فليس عليه أجر؛ لأن خدمة الأب واجبة على الابن فقد استأجره على ما هو [واجب] (١) عليه.
وإن كان الابن هو الذي استأجر الأب للخدمة فإن ذلك لا يجوز، فإن عمل كان له الأجرة؛ لأن الابن مأمور بتعظيم أبيه، وفي استخدامه استخفاف به.
قال: ولو كان الابن مكاتبًا فاستأجره أبوه لخدمته وهو حر غني عن خدمته، أو محتاج [إليه] فهذا جائز، وعليه الأجر؛ لأن المكاتب لا يلزمه خدمة الأحرار، فصار كالأجنبي.
ولو كان الأب من أهل الذمة والابن مسلم، أو الابن كافر والأب مسلم، لم يجز ذلك في الخدمة؛ لأن الولد مأمور بتعظيم أبيه مع اختلاف الدين.
وإن كان الولد عبدًا والأب حرًا فاستأجره من مولاه كان جائزًا؛ وذلك لأن العبد لا يلزمه خدمة غير المولى.
وإن كان الأب عبدًا والابن حرًا فاستأجره [من] مولاه ليخدمه، أبطلت ذلك ولم أجزه؛ لأن الأب لا يجوز أن يخدم ولده وإن كان عبدًا.
قال: وإذا استأجر الذِّمِّيُّ المسلم ليخدمه فهو جائز، وأكره للمسلم خدمة
стр. 2834
الذمي؛ وذلك لأن الاستخدام استذلال، ولا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه للكافر، فأما جواز العقد؛ فلأنه معاوضة، فجاز مع اختلاف الدِّيْنِ كالبيع.
قال: وإذا استأجر (الذِّمِّيُّ من المسلم) (١) بيعةً يصلي فيها، فإن ذلك لا يجوز، وكذلك لو استأجر ذمي من ذمي؛ لأن هذا استئجار على معصية (٢).
وقد ذكر في الأصل: أن من آجر داره من ذمي ليتخذها مُصَلّى، فإن كان ذلك في المصر لم يجز، وإن كان في السواد جاز؛ لأن السواد في وقت أبي حنيفة كان لأهل الذمة.
وكان أبو بكر [الرازي] (٣) يقول: المسألة محمولة على أن ذلك لم يشرط في العقد، فوقع العقد على منافع مطلقة، والبلاد كانت لهم، فكانوا لا يمنعون من اتخاذ البيع في السواد، فأما الآن فالسواد للمسلمين، فلا يجوز اتخاذ مصلى فيه لم يكن، وإنما يبقون (٤) على ما أُقِرُّوا عليه بالأمان، لأن النبي ﷺ قال: "لا خصي في الإسلام ولا كنيسة" (٥).
قال: وإذا استأجر المسلم من المسلم مسجدًا يُصلي فيه، فإن هذا باطل لا
стр. 2835
يجوز؛ وذلك لأنه استأجر موضعًا يؤدي فيه عبادة، فصار كمن استأجر موضعًا من عرفات يقف فيه؛ ولأنه استأجر بقعة لعمل شرط الأجرة عليه (يفسده، فلا يجوز الاستئجار له) (١).
قال: ومن استأجر فحلًا لينزيه فإن هذا باطل (٢)؛ (لأن النبي ﷺ نهى عن عسب التيس) (٣)، ولم يرد به نفس العمل، فلم يبق إلا أن يريد به أخذ الأجرة عليه.
وقال أبو يوسف: فيمن استأجر ثيابًا ليبسطها في بيت [ليزيّن بها] ولا يجلس عليها، قال: الإجارة فاسدة؛ لأن بسط الثياب من غير استعمال ليس بمنفعة مقصودة [عادة] (٤).
وقال عمرو عن محمد: في رجل استأجر دابة ليجنبها يتزين بها فلا أجر [للآجر] لها؛ وذلك لأن قود الدابة [للتزين] ليس باستيفاء منفعة [مقصودة] (٥).
ولو استأجر كلبًا معلمًا ليصيد به أو بازيًا فلا أجر له؛ وذلك لأن المنفعة المعقود عليها لا يمكن إجبار الكلب عليها ليستوفي منه، [وتحصل في يده] فلا يصح العقد عليها (٦).
стр. 2836
وقال ابن رستم عن محمد: في رجل استأجر شاة لترضع جَدْيًا أو صبيًا، قال: لا يجوز؛ وذلك لأن لبن الشاة له قيمة، والعقد وقع عليه وهو مجهول، فلا يجوز؛ ولأن الإجارة لا تستحق بها الأعيان إلا على وجه التبع، وليس كذلك الآدمية؛ لأن لبنها لا قيمة له، فالعقد يقع على الخدمة، واللبن تبع فلا يؤثر جهالته (١).
قال هشام عن محمد: لو أن رجلًا استأجر قومًا يحملون [له] جنازة أو يغسلون ميتًا، قال: إن كان في موضع لا يجدون من (يغسله غيرهم) (٢) فلا أجر لهم، وإن كانوا في موضع فيه مجمع الناس فلهم الأجر؛ لأن هذا من فروض الكفاية، فإذا لم يكن إلا هم فقد استأجرهم على ما هو فرض عليهم، فلا يجوز، وإذا كان هناك غيرهم لم يتعين عليهم الفرض فجازت الإجارة (٣).
٢٣١٠ - فَصْل: [ما تجب في الإجارة الفاسدة]
وقد قال أصحابنا: إن الإجارة الفاسدة تجب فيها أجر المثل؛ وذلك لأن التسمية إنما تجب بالعقود الصحيحة، فأما الفاسدة فتجب فيها قيمة المعقود عليه لقوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٤)، فإن دخل بها فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط.
стр. 2837
(وقد روي أن أبا يوسف سئل عن هذه المسألة فجعل ينفض كمه في وجه السائل ويقول: (لا وَكس ولا شطط) (١).
وقال أصحابنا: الواجب في الإجارة الفاسدة الأقل من أجر المثل ومن المسمى، وقال زفر: يجب أجر المثل بالغًا ما بلغ، وبه قال الشافعي (٢).
وهذا مبني على أصلنا: أن المنافع لا قيمة لها إلا بعقد، أو شبهة عقد، وقد قوموها بعقد بمقدار التسمية، فما زاد على ذلك أسقطوا قيمته، فلا تجب قيمته من غير عقد ولا شبهة.
وليس كذلك الأعيان؛ لأنها مقومة بأنفسها، فإذا سقط البدل المسمى صار كأنها أتلفت بغير عقد.
وعلى الشافعي أن البدل في العقود بدلان: مسمى (٣) وقيمة، فإذا جاز أن يرد المسمى إلى القيمة، جاز أن ترد القيمة إلى المسمى، وإنما يرد المسمى إلى القيمة في المريض إذا اشترى أو استأجر بأكثر من القيمة وعليه دين.
وجه قول زفر: أن ما وجب بدله بالعقد الصحيح، فبالفاسد وجبت قيمته بكمالها كالأعيان.
стр. 2838
بَاب الرجل يستأجر من رجل ما له فيه شركة
قال أبو حنيفة: في رجلين بينهما طعام استأجر أحدهما من صاحبه دابة، على أن يحمل نصيبه من الطعام إلى مكان كذا، والطعام غير مقسوم، فحمل كل الطعام (١) إلى ذلك الموضع، قال: لا أجر له.
قال ابن سماعة عن محمد: في طعام بين رجلين ولأحدهما سفينة، فأرادا أن يخرجا [ذلك] الطعام من بلدهما إلى بلد آخر، فاستأجر أحدهما نصف سفينة صاحبه لحصته بعشرة دراهم، فهو جائز، [وكذلك لو أرادا أن يطحنا الطعام، فاستأجر نصف الرحا التي لشريكه]، وكذلك لو استأجر أنصاف جوالقه ليحمل فيها هذا الطعام إلى مكة، فهو جائز.
وجملة هذا: أن كل شيء لا يستحق فيه الأجرة إلا بإيقاع عمل في العين المشتركة إذا استأجر أحد الشريكين الآخر لم يجز، مثل أن يستأجره لينقل الطعام بنفسه، أو بغلامه أو بدابته، أو لقصارة الثوب (٢).
وكل ما يستحق [فيه] الأجرة من غير إيقاع [عمل في العين المشتركة] (٣) فالإجارة جائزة، مثل أن يستأجر منه دارًا يحرز فيها الطعام، أو جوالقًا أو
стр. 2839
سفينة أو رحًا.
والفرق بينهما: أن ما لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، لا يمكن إيقاع العمل في العين المشتركة؛ لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤاجر، وإذا لم يوفِ [العمل] المعقود عليه، لم تجب الأجرة.
فأما الدار والسفينة فلا يجب الأجر فيهما بإيقاع العمل في العين، وإنما يجب بوضع العين في الدار وفي الجوالق، وإيقاع عمل في السفينة وفي الرحا، فأمكن التسلم في المعقود عليه، فوجبت الأجرة (١).
стр. 2840
بَاب أُجرة المنافع بالمنافع وهي متفقة أو مختلفة
قال: الأصل في [هذا] الباب: أن المنفعة إذا عقد عليها بمنفعة من جنسها لم يجز عندنا، وإن كان بغير جنسها جاز، وقال الشافعي: يجوز في الوجهين جميعًا (١).
لنا: أنها منفعة عقد عليها بجنسها، فلم تصح التسمية كنكاح الشغار، ولأن المنافع لا تملك بالعقد، ولا يمكن تسليمها إلا حالًا فحالًا، فإذا عقد عليها بجنسها فقد وجد [النساء] (٢) في الجنس، فلا يجوز عندنا، وبهذه العلة علل محمد أنه قال: وهذا كبيع [القوهي بالقوهي] (٣) نسيئًا.
وليس كذلك إذا اختلف جنس المنفعة؛ لأن النِّساء وجد في الجنسين، ولا ربا فيهما، فصار كالمروي [بالهروي] (٤)، فإن قبل النِّساء ما شرط في العقد، فأما ما تأخر قبضه من غير شرط فليس بنسيء.
فالجواب [عنه]: أن الإجارة إذا وقعت على مدة معلومة أو عمل معلوم، فالتأخير مشروط بالعقد، ألا ترى أن أنه لا يمكن تسليمها إلا حالًا فحالًا.