← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وقال ابن رستم عن محمد: في رجل استأجر شاة لترضع جَدْيًا أو صبيًا، قال: لا يجوز؛ وذلك لأن لبن الشاة له قيمة، والعقد وقع عليه وهو مجهول، فلا يجوز؛ ولأن الإجارة لا تستحق بها الأعيان إلا على وجه التبع، وليس كذلك الآدمية؛ لأن لبنها لا قيمة له، فالعقد يقع على الخدمة، واللبن تبع فلا يؤثر جهالته (١). قال هشام عن محمد: لو أن رجلًا استأجر قومًا يحملون [له] جنازة أو يغسلون ميتًا، قال: إن كان في موضع لا يجدون من (يغسله غيرهم) (٢) فلا أجر لهم، وإن كانوا في موضع فيه مجمع الناس فلهم الأجر؛ لأن هذا من فروض الكفاية، فإذا لم يكن إلا هم فقد استأجرهم على ما هو فرض عليهم، فلا يجوز، وإذا كان هناك غيرهم لم يتعين عليهم الفرض فجازت الإجارة (٣). ٢٣١٠ - فَصْل: [ما تجب في الإجارة الفاسدة] وقد قال أصحابنا: إن الإجارة الفاسدة تجب فيها أجر المثل؛ وذلك لأن التسمية إنما تجب بالعقود الصحيحة، فأما الفاسدة فتجب فيها قيمة المعقود عليه لقوله ﵇: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٤)، فإن دخل بها فلها مهر مثلها لا وكس ولا شطط.

стр. 2837

(وقد روي أن أبا يوسف سئل عن هذه المسألة فجعل ينفض كمه في وجه السائل ويقول: (لا وَكس ولا شطط) (١). وقال أصحابنا: الواجب في الإجارة الفاسدة الأقل من أجر المثل ومن المسمى، وقال زفر: يجب أجر المثل بالغًا ما بلغ، وبه قال الشافعي (٢). وهذا مبني على أصلنا: أن المنافع لا قيمة لها إلا بعقد، أو شبهة عقد، وقد قوموها بعقد بمقدار التسمية، فما زاد على ذلك أسقطوا قيمته، فلا تجب قيمته من غير عقد ولا شبهة. وليس كذلك الأعيان؛ لأنها مقومة بأنفسها، فإذا سقط البدل المسمى صار كأنها أتلفت بغير عقد. وعلى الشافعي أن البدل في العقود بدلان: مسمى (٣) وقيمة، فإذا جاز أن يرد المسمى إلى القيمة، جاز أن ترد القيمة إلى المسمى، وإنما يرد المسمى إلى القيمة في المريض إذا اشترى أو استأجر بأكثر من القيمة وعليه دين. وجه قول زفر: أن ما وجب بدله بالعقد الصحيح، فبالفاسد وجبت قيمته بكمالها كالأعيان.

стр. 2838

بَاب الرجل يستأجر من رجل ما له فيه شركة قال أبو حنيفة: في رجلين بينهما طعام استأجر أحدهما من صاحبه دابة، على أن يحمل نصيبه من الطعام إلى مكان كذا، والطعام غير مقسوم، فحمل كل الطعام (١) إلى ذلك الموضع، قال: لا أجر له. قال ابن سماعة عن محمد: في طعام بين رجلين ولأحدهما سفينة، فأرادا أن يخرجا [ذلك] الطعام من بلدهما إلى بلد آخر، فاستأجر أحدهما نصف سفينة صاحبه لحصته بعشرة دراهم، فهو جائز، [وكذلك لو أرادا أن يطحنا الطعام، فاستأجر نصف الرحا التي لشريكه]، وكذلك لو استأجر أنصاف جوالقه ليحمل فيها هذا الطعام إلى مكة، فهو جائز. وجملة هذا: أن كل شيء لا يستحق فيه الأجرة إلا بإيقاع عمل في العين المشتركة إذا استأجر أحد الشريكين الآخر لم يجز، مثل أن يستأجره لينقل الطعام بنفسه، أو بغلامه أو بدابته، أو لقصارة الثوب (٢). وكل ما يستحق [فيه] الأجرة من غير إيقاع [عمل في العين المشتركة] (٣) فالإجارة جائزة، مثل أن يستأجر منه دارًا يحرز فيها الطعام، أو جوالقًا أو

стр. 2839

سفينة أو رحًا. والفرق بينهما: أن ما لا تجب الأجرة فيه إلا بالعمل، لا يمكن إيقاع العمل في العين المشتركة؛ لأن نصيب المستأجر غير متميز من نصيب المؤاجر، وإذا لم يوفِ [العمل] المعقود عليه، لم تجب الأجرة. فأما الدار والسفينة فلا يجب الأجر فيهما بإيقاع العمل في العين، وإنما يجب بوضع العين في الدار وفي الجوالق، وإيقاع عمل في السفينة وفي الرحا، فأمكن التسلم في المعقود عليه، فوجبت الأجرة (١).

стр. 2840

بَاب أُجرة المنافع بالمنافع وهي متفقة أو مختلفة قال: الأصل في [هذا] الباب: أن المنفعة إذا عقد عليها بمنفعة من جنسها لم يجز عندنا، وإن كان بغير جنسها جاز، وقال الشافعي: يجوز في الوجهين جميعًا (١). لنا: أنها منفعة عقد عليها بجنسها، فلم تصح التسمية كنكاح الشغار، ولأن المنافع لا تملك بالعقد، ولا يمكن تسليمها إلا حالًا فحالًا، فإذا عقد عليها بجنسها فقد وجد [النساء] (٢) في الجنس، فلا يجوز عندنا، وبهذه العلة علل محمد أنه قال: وهذا كبيع [القوهي بالقوهي] (٣) نسيئًا. وليس كذلك إذا اختلف جنس المنفعة؛ لأن النِّساء وجد في الجنسين، ولا ربا فيهما، فصار كالمروي [بالهروي] (٤)، فإن قبل النِّساء ما شرط في العقد، فأما ما تأخر قبضه من غير شرط فليس بنسيء. فالجواب [عنه]: أن الإجارة إذا وقعت على مدة معلومة أو عمل معلوم، فالتأخير مشروط بالعقد، ألا ترى أن أنه لا يمكن تسليمها إلا حالًا فحالًا.

стр. 2841

قال أبو يوسف [ومحمد]: إذا استأجر عبدًا ليخدمه شهرًا بخدمة أمة، فإن أبا حنيفة قال: هذا فاسد لا يجوز إجارة خدمة بخدمة، ولا سكنى بسكنى، ولا زراعة أرض بزراعة أرض أخرى، وهذا على ما بيّنا أن النِّساء لا يجوز في الجنس (١). قال: فإن خدم أحدهما ولم يخدم الآخر فليس عليه أجر. قال أبو الحسن: ولا أحفظ سقوط الأجر في العمل المتفق إلا في رواية عن ابن الجعد وبشر بن الوليد عن أبي يوسف، وليس عن غيره خلاف هذا. [وقد ذكر في الأصل: أن الواجب أجر المثل، وهذا هو الظاهر] (٢)؛ لأنه: استوفى المنافع بعقد فاسد، والمنافع مقوّمة بالعقد وإن لم يذكر لها بدل، كمن استأجر ولم يسم عوضًا، فإذا سمى عوضًا (٣) وهو المنفعة أولى. ووجه هذه الرواية: أنه لما جعل (٤) المنفعة بإزاء المنفعة ولا قيمة لها فقد رضي ببدل المنافع بما لا قيمة له، فلم يجز تقويمها؛ ولأنها منفعة بجنسها كالمهايأة، وقد قالوا في عبد مشترك تهايأ الشريكان فيه، [فخدم] (٥) أحدهما يومًا ولم يخدم الآخر أنه لا أجر عليه. قال أبو الحسن في الجامع: وإذا كان عبد واحد بين اثنين فآجر أحدهما

стр. 2842

نصيبه من صاحبه يخيط معه شهرًا على أن يصوغ نصيبه معه الشهر الداخل، فإن هذا لا يجوز في العبد الواحد. وإن اختلف العمل من قبل أن النصيبين في العبد الواحد فقد اتفقت الصفة كخياطة عبد بخياطة عبد، [لا يجوز]، وإنما يجوز في العملين المختلفين إذا كانا في عبدين؛ وذلك لأن العبد المشترك [إذا] آجره أحدهما للآخر [منفعته] (١) مدة بمدة مثلها، فهذا مهاية، ألا ترى أنهما فعلا ما يستحق عليهما بغير إجارة، والمهايأة من حكمها أن تقع على المنافع المطلقة، فأما أن يعين أحد الشريكين على الآخر المنفعة، فلا يجوز ذلك.

стр. 2843

بَاب الرجل يستأجر الدابة ليحمل عليها شيئًا فحمل عليها غيره قال أبو الحسن: إذا استأجر الرجل دابة ليحمل عليها شيئًا فحمل عليها غيره، فإنك تعتبر ذلك: فإن كان [فيما حمل] ضرر على الدابة في خِفَّة الحمل وثِقَله، اعتبرت الخفة والثقل، فإن كان ما حمل في ثقل ما استأجر له الدابة أو أخف، فليس بمخالف وعليه الأجرة، وإن كان أثقل فهو مخالف وضامن ولا أجر عليه، وإن حمل ما استأجر وزاد فيه من جنسه مثل أن يستأجرها ليحمل عليها عشرة أقفزة شعير، فحمل عليها أحد عشر قفيزًا، فإن سلمت فلها ما سمّى من الأجر، وإن عطبت فهو ضامن لجزء من أحد عشر جزءًا من الدابة، وعليه الأجر الذي سمّى. [قال]: والأصل في هذا: أن من استحق منفعة مقدرة بالعقد واستوفى تلك المنفعة أو مثلها (١) أو أقل منها جاز، فإن استوفى أكثر منها لم يجز؛ وذلك لأن التعيين في المعقود عليه يثبت حكمه إذا كان له فائدة، فإذا لم تكن [فائدة] سقط التعيين، ألا أنه تري لو استأجرها ليحمل عليها قفيزًا من حنطة زيد، فحمل [عليها] قفيزًا من حنطة عمرو وهما متساويان في الثقل (٢) جاز؛ لأن الضرر على الدابة واحد، فإذا استأجرها ليحمل [عليها] حنطة، فحمل مكيلًا آخر ثقله كثقل الحنطة وضرره كضررها جاز؛ لأنه استوفى مثل ما سمّى.

стр. 2844

وكذلك من (١) استأجر أرضًا ليزرع فيها نوعًا فزرع غيره وهما متساويان في الضرر بالأرض، فإن استأجرها ليحمل عليها قفيزًا من حنطة فحمل قفيزًا من شعير جاز؛ لأن ضرر الشعير أقل من ضرر الحنطة بحقه، فقد استوفى أقل مما شرط. وعلى هذا إذا استأجر أرضًا ليزرع فيها نوعًا، فزرع نوعًا آخر ضرره أقل من ضرر المسمى، فإن استأجرها ليحمل عليها قفيزًا من شعير فحمل قفيزًا من حنطة ضمن؛ لأنه أكثر [ضررًا] مما شرط، واستحقاق المنفعة استحقاق لما دونها، وليس باستحقاق لما زاد عليها. وأما ما يختلف منفعته لا للثقل كمن استأجر دابة ليحمل عليها مائة من قطن، فحمل عليها مثل وزنه حديدًا أو أقل ضمن؛ لأن الضرر هاهنا ليس للثقل، لكن للجنس، ألا ترى أن القطن ينبسط على [ظهر] الدابة والحديد مجتمع في مكان واحد، وعلى هذا إذا استأجرها ليركبها، فركبها (٢) من هو مثله في الثقل أو أخف [منه] يضمن؛ لأن اختلاف الركوب (٣) ليس هو بالثقل، وإنما هو [للحذق] (٤) بالركوب، ألا ترى أن ثقيل البدن الذي يحسن الركوب لا يضر بالدابة، والخفيف الذي لا يحسن يضر بها. وأما إذا حمل عليها ما سمّى وزيادة مثل من استأجرها [ليحمل عليها] (٥)

стр. 2845

عشرة أقفزة حنطة، فحمل أحد عشر [قفيزًا]، ضمن بقدر الزيادة، ووجبت عليه الأجرة؛ لأن تلف الدابة بالثقل، [والثقل منقسم عشرة] (١) أجزاء مأذون فيها، وجزء واحد غير مأذون فيه، فيضمن بقدر ذلك (٢). وعلى هذا قال أصحابنا في حائط بين شريكين أثلاثًا مال إلى الطريق، فأشهد على أحدهما دون الآخر، فسقط [الحائط] على رجل فقتله، فعلى الذي أشهد عليه بقدر نصيبه؛ لأنه مات من ثقل الحائط، وهو أثلاث، ولو وقعت منه آجُرَّةٌ فقتلت رجلًا، فعلى الذي أشهد عليه نصف ديته وإن كان نصيبه في الحائط أقل من النصف؛ لأن التلف ليس بالثقل، وإنما هو بالجرح، ويسير الجراحة ككثيرها، فصار كرجل جرح رجلًا جراحتين وجرحه آخر جراحة واحدة، فمات من ذلك، كان الضمان نصفين. وأما إذا استأجر دابة ليركبها [فركبها] وأركب معه غيره، فعطبت فهو ضامن لنصف قيمتها، ولا يعتبر بالثقل لما بيّنا أن الدابة لا تتلف بثقل الراكب، وإنما تتلف لقلة [هدايته و] معرفته بالركوب، فصار تلفها بركوبهما كتلفها بجراحتهما، وركوب أحدهما مأذون والآخر غير مأذون، فيضمن نصفها، وهذا إذا كانت الدابة يمكن أن يركبها اثنان. وإن كان لا يمكن فعليه جميع قيمتها؛ لأنه تعمد إتلافها. وعليه في مسألة الطعام إذا حمل أكثر [منه الأجر المسمّى]؛ لأنه استوفى المنفعة المعقود (عليها، وإنما تعدى في الزيادة، ولا أجرة في الزيادة؛

стр. 2846

لأنه استوفى المنفعة) (١) بغير عقد. فأما إذا استأجرها لركوبه فأركبها غيره، أو يحمل قطنًا فحمل الحديد، فلا أجر عليه؛ لأنه ما (٢) استوفى المنفعة المعقود عليها. وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن استأجر [حمارًا] (٣) بإكاف فأسرجه ونزع الإكاف، فلا ضمان عليه؛ وذلك لأن ضرر السرج أقل من ضرر الإكاف (٤)، ألا ترى أنه يأخذ من ظهر البهيمة أقل. قال: ولو استأجر (٥) حمارًا عاريًا فأسرجه ثم ركبه كان ضامنًا، وقد فَصَّل أصحابنا هذا فقالوا: إذا استأجره ليركبه إلى خارج المصر لم يضمن؛ لأن الحمار لا يركب من بلد إلى بلد بغير سَرْجٍ ولا إِكَافٍ، فلما آجره كذلك، فقد أذن له من طريق المعنى. قال: وإن استأجره [ليركبه في المصر] وهو من ذوي الهيئات، فله أن يسرجه؛ لأن مثله لا يركب بغير سرج، وإن كان من أدوان الناس فأسرجه ضمن؛ لأن مثله يركب في البلد بغير سرج، والسرج أثقل على الدابة. قال: فإن استأجر حمارًا بسرج فأسرجه بغيره، فإن كان [سرجًا] يسرج الحمار بمثله، فلا ضمان عليه، وإن كان لا يسرج بمثله الحمير فهو ضامن،

стр. 2847

وذلك لأن السِّرْجِيْن (١) لا يتفاوتان إذا كانا من نوع واحد، فإن كان [سَرْجًا] كبيرًا [مثل] (٢) سروج البراذين فإنه يتلف الحمار فيضمن. قال: وكذلك إذا لم يكن عليه لجام، فألجمه، فلا ضمان عليه إذا كان مثله يلجم بذلك اللجام، وكذلك إن أبدله؛ وذلك لأن الحمار لا [يُحَلِّق] باللجام وغيره ولا يتلف به، فلا يضمن بالجامه. وأما إذا استأجر حمارًا بسرج فأوكفه فقد ذكر في الأصل قال: يضمن بقدر ما زاد الإكاف على السرج، وقال في الجامع الصغير: يجب عليه الضمان عند أبي حنيفة، وفي قولهما يضمن بحساب الزيادة (٣). لأبي حنيفة: أن الإكاف لا يخالف السرج في الثقل، وإنما يخالفه لأنه يأخذ من ظهر الدابة أكثر مما يأخذ [منه] السرج؛ ولأن الدابة التي لم تألف الإكاف يضر بها، والخلاف إذا لم يكن للثقل وجب به جميع الضمان، وليس كذلك إذا أبدل السرج [بسرج] بأثقل منه، أو الإكاف بإكاف أثقل منه؛ لأن التفاوت هاهنا من ناحية الثقل، فيضمن بقدر الزيادة. لهما: أن الإكاف والسَّرْج كل واحد منهما يركب به في العادة، وإنما يختلفان [لثقل الإكاف] (٤)، فوجب أن يضمن بقدر الثقل. قال: ولم يذكر أبو الحسن إذا تعدى المستأجر [في الإجارة] ثم أزال

стр. 2848

التعدي، وقد قال أصحابنا: فيمن استأجر دابة إلى الكوفة فركبها إلى القادسية ثم ردّها إلى الكوفة، فعليه أجرها إلى الكوفة، ولا أجر عليه إلى القادسية، فهو ضامن [للدابة] حتى يردها [إلى الكوفة سالمة، فإن رَدَّها إلى] صاحبها [فلا ضمان عليه]، فإن تلفت في يده ضمن. وقال زفر: إذا ردّها إلى الكوفة سالمةً [ثم تلفت] فلا ضمان عليه (١). وجه قولهم: أن يد المستأجر لنفسه وليست للمؤاجر، بدلالة أنه يمسك العين لاستيفاء منفعة يختص بها كالمستعير، وقد قالوا في المستعير: إذا تعدى ثم أزال التعدي لم يبرأ من الضمان، وليس كذلك المُودَع إذا تعدى ثم أزال التعدي؛ (لأنه يمسك الشيء لمنفعة المودع، فيده قائمة مقام يده، فإذا أزال التعدي) (٢) صار كأنه ردّ العين إلى يد وكيل المالك (٣). وقد اعترض عيسى على مسألة الإجارة فقال: يجب أن يزول الضمان؛ لأن المستأجر إذا لحقه ضمان رجع به على المؤاجر، فدل على أن يده كَيَدِهِ، وصار هذا الوجه كالمودع الذي يرجع بالضمان، وفارق المستعير؛ لأن المستعير لا من يرجع على المعير بالضمان. وهذا ليس بصحيح؛ لأن المستأجر لا يرجع لما ظنه [عيسى]، وإنما يرجع لأنه غره بعقد فيه بدل، والغرور (٤) يعتبر سببًا لوجوب الرجوع.

стр. 2849

وقد روي عن أبي يوسف: فيمن استأجر دابة من الكوفة إلى [الحيرة] (١) ذاهبًا وجائيًا، فتجاوز [الحيرة] ثم رجع إلى الكوفة فهو ضامن، وكذلك قال محمد: فيمن استأجر دابة إلى الكوفة ذاهبًا وجائيًا فبلغ القادسية ثم رجع إلى الكوفة، وهذا صحيح على ما قَدَّمنا أن يد المستأجر لا تقوم مقام يد المالك، فَردُّها إلى اليد الثانية بالإجارة لا يسقط عنه الضمان. وقد روى ابن سماعة عن محمد: فيمن استأجر دابة أيامًا معلومة يركبها في المصر، فخرج عليها من المصر ثم ردّها في تلك الأيام إلى المصر، فنفقت في يده لم يضمن، وصار ذلك بمنزلة من استودع الدابة فركبها بغير أمر صاحبها ثم رَدَّهَا، وهذه الرواية عن محمد مخالفة للرواية التي ذكرناها، فلا بد أن يكون قوله في المسألتين واحدًا؛ لأنه لا فرق بينهما، ووجهه ما ذكرناه في طعن عيسى. ويقول أيضًا: إن المستأجر لا يلزمه ضمان الرد كالمودع، وليس كذلك المستعير؛ لأنه يلزمه ضمان الرد، وقد قال أبو يوسف ومحمد فيمن استأجر دابة إلى مكان بعينه، فلما سار بعض الطريق ادعاها لنفسه وجحد أن يكون استأجرها، وصاحب الدابة يدعي الإجارة، قالا: إن نفقت من ركوبه فلا ضمان عليه، وإن نفقت قبل أن يركبها ضمن، وإن انقضت المسافة فجاء بها يردها على صاحبها فتلفت ضمن، فجعلاه ضامنًا بالجحود حتى لو تلفت الدابة ضمنها، وأسقطا عنه الضمان بالركوب، حتى لو تلفت من الركوب لم يضمنها، وهذا يقتضي أن يكون يد المستأجر قائمة مقام يد المؤاجر. وقد عَلَّلَ محمد لهذا فقال: لأنه ليس لرب الدابة أن يأخذها منه، فلم يكن

стр. 2850

الجحود مانعًا من حق عليه، وليس كذلك المودَع إذا جحد؛ لأن لصاحبها أن يأخذها [منه]، فإذا جحد [ها] فقد منعها منه. وعلل المسألة في موضع آخر فقال: لأن صاحب الدابة أبرأه من الضمان حين ادّعى الأجرة. وعللها في مكان ثالث فقال: هذا فسخ (١)؛ لأن كل مستأجر يجحد الإجارة ويدعي الرقبة فيسقط عن نفسه الأجر، فأما إذا انقضت المدة فيد المستأجر لا تقوم مقام يد المؤاجر، وهو جاحد، فليزمه الضمان إذا تلفت. وقد قال محمد في الموضع الذي علل المسألة [بأن] قال: ليس لصاحبها أخذها، قال: لو انكسرت أو ضعفت حتى لا يمكن ركوبها ضمن قيمتها مكسورة وعاطبة؛ لأن الرد قد وجب، فتعلق بالجحود الضمان. وقد قال ابن سماعة عن محمد: في صاحب الدار إذا قال للغاصب: هذه داري فاخرج منها، فإن نزلتها فهي عليك كل شهر بمائة، فجحدها على حاله، ثم أقام صاحبها بينة بها بعد شهر: فلا أجر له. قال: وهذا إنما يكون إذا كان الساكن مُقِرًّا فقال له: اخرج منها، فإن لم تخرج فهي إجارة عليك كل شهر بكذا، وهذا صحيح؛ لأن الجاحد لا تقوم يده مقام يد المالك، وإنما يدعي [اليد] لنفسه، والإجارة لم تصح فيما قبل، وإنما يجعل رضاه بالسكنى رضاه بالإجارة، ولا يثبت ذلك مع الجحود. وليس كذلك إذا كان مقرًا؛ لأنه لما سكن مع الاعتراف بالملك، صار راضيًا بما سمّى من الأجرة.

стр. 2851

بَاب فسخ الإجارة بالعذر قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: إذا وقع عقد الإجارة صحيحًا فليس لواحد من المتعاقدين أن يفسخها قبل مضي وقتها إلا من عذر. وإنما قلنا: إن الإجارة عقد لازم خلاف ما حكي عن شريح؛ لأنه عقد معاوضة يتعلق به اللزوم كالبيع، والدليل على أنها تفسخ بالعذر خلاف ما قاله الشافعي (١)؛ [لأنه] (٢) لا يمكنه استيفاء المعقود عليه على ما أوجبه العقد، فكان له الفسخ كما لو استأجر [عبدًا فأبق، أو استأجر] رجلًا يقلع ضرسه فسكن وجعه؛ ولأن المؤاجر أحد متعاقدي الإجارة، فجاز أن يثبت الخيار في فسخها بسبب [فلسه] (٣). أصله: إذا أفلس المستأجر؛ ولأن إمساك المستأجر مع بقاء العقد أحد موجبي العقد، كردها بعد انقضاء العقد، فإذا جاز مخالفة أحد موجبيها بالعذر: وهو أن تنقضي الإجارة وفي الأرض زرع أمسكها المستأجر، كذلك يجوز أن يخالف الموجب الآخر بالعذر، فلا يمسكها مع بقاء العقد (٤). قال: والعذر في المستأجر: [أن يحدث] ما يمنع الانتفاع به أو ينقص

стр. 2852

الانتفاع به، وهذا الذي ذكره من نوع العيوب، وليس من نوع العذر، والفسخ به ثابت بالاتفاق، مثل أن ينهدم بيت من الدار أو يسقط (١). قال: وكذلك لو أراد المستأجر أن ينتقل عن البلد، فله أن ينقض الإجارة في العقار وفي غيره مما لا توجب له الإجارة إخراجه معه؛ وذلك لأنه إذا أراد الانتقال لحقه ضرر بالبقاء على العقد، وليس بمستحق عليه استيفاء المنفعة بالضرر. وكذلك إذا اكترى حانوتًا لعمل ما، فيدع ذلك العمل أو التجارة وينتقل إلى غيره؛ وذلك لأن الإنسان لا ينتقل من عمل [إلى عمل] إلا لرغبة عنه، فلو أبقينا الإجارة مع انتقاله عن العمل، لم تسلم له المنافع، وإن منعناه عن الانتقال أضررنا به. وكذلك إن أفلس؛ لأن المفلس لا ينتفع بالدكان، فيلزمه الأجرة من غير أن تسلم له منفعة. قال: فإن أراد أن ينتقل عنه ليعمل ذلك [العمل في غيره، لم يكن له ذلك، وكذلك إن] (٢) وجد أرخص منه أو أوسع عليه (لم يكن له أن يفسخ) (٣)؛ لأن هذا يتمكن من استيفاء المنفعة من غير ضرر، وإنما ينتقل لزيادة المنفعة، وهو قد رضي بالمقدار الموجود منها. قال: وكذلك ليس للمؤاجر أن يفسخ الإجارة إذا وجد زيادة على الأجرة

стр. 2853

التي آجرها بها، وإن كانت أضعافًا؛ وذلك لأنه عقد معاوضة، فالغُبْنُ فيه لا يثبت الخيار؛ ولأنه رضي بمقدار من الأجرة، فيلزمه ما رضي به. قال: فإن كان ما استأجره لا يصل إلى الانتفاع [به] إلا بأن يستهلك ماله، أو يدخله ضرر في بدنه] (١) أو [في] ملكه فله أن يفسخ الإجارة: مثل أن يستأجر رجلًا ليقصر له ثيابًا، أو يقطعها، أو يخيطها، أو ينقض [له] داره، أو يقطع شجرة أو نخلة، أو يحدث في ملكه شيئًا من بناء أو نِجَارَةٍ، أو حَفْرٍ، أو ليَحْتَجِمَ، أو ليَفْصِدَ، أو يَقْلَع ضِرْسًا [له]، أو ليزرع أرضًا، ثم بدا له أن لا يفعل، فله في ذلك أن يفسخ الإجارة، ولا يجبر على شيء من ذلك؛ وذلك لأن القِصَارَةَ والخِيَاطَة نقص عاجل في المال بالقطع والغسل، فله أن يمتنع منه، ونقض الدار وقطع الشجر والنخل إتلاف لماله، فإن كان يفعل لغرض، فإذا بدا له فقد زال ذلك الغرض، فلم يجز استهلاك المال من غير غرض (٢). وأما البناء فهو استهلاك للآلة، وإنما يفعل لغرض، فإذا بدا له فقد زال الغرض، وكذلك الحفر إتلاف لجزء من الأرض. فأما الحَجَامَةُ والفَصْدُ وقَلْعُ الضِّرْس فهو إتلاف لجزء من البدن، [وفعله] (٣) لغير غرض معصية، فإذا بدا له لم يجز [أن يجبر عليه] لعدم الغرض، وقد قال في المنتقى: إن الحجّام يجبر على العمل؛ لأنه يمكنه إيفاء العمل من غير ضرر يلحقه، وأما الزراعة فهي إتلاف للبذر؛ فلا يجبر عليها مع كراهته.

стр. 2854

قال: وكذلك إن استأجر إبلًا إلى مكة ثم بدا للمستأجر أن لا يخرج، فله ذلك، ولا يجبر على السفر؛ لأن في ذلك ضررًا عليه، فلا يلزمه استيفاء المنفعة مع الضرر، وعلى هذا كل من استأجر دابة ليسافر [بها] ثم قعد عن السفر، فله الفسخ. وكذلك من استأجر دارًا في المصر وخادمًا يخدمه في المصر ثم أراد السفر، فله الفسخ؛ لأن تركه السفر مع العزم عليه فيه ضرر، وتبقية الإجارة مع مفارقة المصر ضرر (١). وقد قالوا: إن الجمّال إذا قال للحاكم: إن هذا لا يريد أن يترك السفر، وإنما يريد فسخ الإجارة، قال له الحاكم انتظره، فإن خرج [فقُدْ] الجِمَالَ معه، فإذا فعلت ذلك، فلك الأجر (٢). فإن قال صاحب الدار: هذا لا يريد سفرًا ولكنه يقول ذلك ليفسخ الإجارة، استحلفه بالله أنه يريد السفر الذي عزم عليه؛ لأنه لا يقبل [قوله] في سبب الفسخ إلا مع يمينه. وقالوا: لو خرج من المصر فراسخ ثم رجع، فقال صاحب الدار: إنما أظهر الخروج لفسخ الإجارة، وقد عاد، استحلفه الحاكم: بالله لقد خرجت قاصدًا إلى هذا الموضع الذي ذكرت؛ لأن المؤاجر يدعي أن الفسخ وقع لغير عذر، وعزم المسافر (٣) وقصده لا يعلم إلا من جهته، فكان القول قوله مع يمينه.

стр. 2855

فأما الجمّال إذا بدا له في الخروج، فليس له فسخ الإجارة؛ لأن خروجه مع الجِمَالِ ليس بمستحق [عليه]، فقعوده لا يكون عذرًا، وخروج المستأجر مستحق [عليه] فقعوده يكون عذرًا. قال محمد: لا يكون للمؤاجر عذر في فسخ الإجارة في الإبل إلا من دَيْنٍ فَادح يلحقه لا يجد قضاءه إلا من ثمن الإبل، وكذلك العَقَار يؤاجره الرجل فلا يكون له عذر في فسخ الإجارة إلا بأن يلحقه دين كما وصفنا؛ وذلك لأن الدين في تبقية الإجارة معه ضرر، ألا ترى أن القاضي يحبسه فلم يلزمه إيفاء المنفعة مع الضرر. ولا يقال: إن القاضي لا يجوز أن يحبسه وهو لا يقدر على القضاء؛ لأن القاضي لا يصدقه أنه لا مال له غيره. قال: وإن أراد المؤاجر السفر أو النقلة عن البلد وقد آجر عقارًا له، فليس ذلك بعذر؛ لأن استيفاء منفعة [العقار] مع غيبته لا ضرر عليه فيه. وقال أبو يوسف: إنْ مرض المؤاجر أو أصاب إبله داءٌ، فله أن يفسخ إذا كانت بعينها، أما إذا أصاب الإبل داء فاستعمالها مع ذلك فيه ضرر على مالكها لم يستحق بالعقد، فثبت له الفسخ، وكذلك ثبت للمستأجر؛ لأن المنافع تنقص بمرض الإبل، فصار ذلك عيبًا [في المعقود عليه] (١). وأما إذا مرض الجمّال فظاهر رواية الأصل يقتضي أن لا يكون عذرًا؛ [وقد ذكر الحسن في إملائه: أنه يكون عذرًا]؛ لأن خروجه مع الجمال ليس بمستحق

стр. 2856

[عليه]، فمرضه إنما يمنع خروجه. وجه هذه الرواية: أن الجَمَّال يقوم على جِماله بنفسه، فإذا مرض لم يقم غيره مقامه إلا بضرر، وليس كذلك إذا بدا له في الخروج، لأنه يقدر على الخروج، فإذا ترك ذلك باختياره كان عليه أن يقيم مقامه غيره. ٢٣١١ - فَصْل: [أثر موت المستأجر أو المؤاجر في الإجارة] قال: فإن مات المستأجر أو المؤاجر بطلت الإجارة، وقد بيّنا هذه المسألة [فيما مضى]. قال الشيخ: وجملة هذا: أن كلَّ من وقع له عقد الإجارة إذا مات بطلت الإجارة، ومن لم يقع له العقد لم يبطل بموته وإن كان عاقدًا؛ وذلك لأن من وقع له العقد إن كان المؤاجر: فإنما اقتضى العقد استيفاء المنافع من ملكه، فلو بقيناه بعد موته استوفيت من ملك غيره، وهذا خلاف مقتضى العقد، وإن كان [ذلك] المستأجر: فإن العقد يقتضي استحقاق الأجرة من ماله، فلو بقيت الإجارة بعد موته استحقت الأجرة من مال غيره، وهذا خلاف مقتضى العقد. (وليس كذلك العاقد إذا لم يقع العقد له كالوكيل؛ لأن العقد لم يوجب استحقاق المنافع ولا الأجرة من ملكه، فموته لا يغير موجب العقد) (١). وكذلك الولي في الوقف إذا عقد ثم مات؛ لأن العقد لم يقع له، فموته لا يغير حكمه، وليس هذا كمن زوج أمته ثم مات؛ لأن عقد النكاح لا يقع على المنافع، وإنما يقع على ملك الاستباحة، وذلك يملك بالعقد دفعة، وإنما استوفى

стр. 2857

الزوج ما ملكه [بالعقد]، فلا يتغير موجب العقد بموت المولى. قال: فإن وقعت الإجارة على شيء بعينه فهلك، بطلت الإجارة؛ وذلك لأن المعقود عليه تلف، وتلف ما تعين بالعقد يبطل العقد (١). قال: [فإن وقعت الإجارة على دوابّ بعينها فحكمها ما بيّنا]، فإن وقعت الإجارة على دواب بغير عينها استأجر دوابًا وإبلًا ليحمل عليها هذا المتاع، فالإجارة جائزة، فإن سلَّم إليه دوابًّا قبضها فماتت، فعلى المؤاجر أن يأتيه بغيرها ليحمل المتاع، وليس له أن يفسخ الإجارة بموت ما سلّمه. والأصل في جواز استئجار إبل بغير عينها: أن المنافع معلومة، فيجوز العقد عليها وإن لم يعين ما يستوفي منه، كما يجوز (٢) العقد على صبغ الثوب وإن لم يشترط عمل الصَّبّاغ بنفسه؛ ولأن هذا مما يدعو إليه الحاجة، ألا ترى أن المسافر إذا استأجر دابةً بعينها فماتت في الطريق بغير حمولة، فاضطر إلى أن يعقد على دابة بغير عينها؛ ليلزم الجَمال أن يقيم له عوضًا عنها، وإذا دعت الحاجة إليه جاز، فإذا هلك [ما سلّمه إليه] فقد هلك ما لم يقع عليه العقد، ألا ترى أنه وقع على منافع في الذمة، وإنما سَلَّم العين ليقيم منافعها مقام ما في ذمته، فإذا هلكت بقي ما في ذمته بحاله، فكان عليه أن يعين غيرها. ٢٣١٢ - فَصْل: [موت أحد الطرفين قبل انقضاء الإجارة] قال: وإذا مات أحدهما قبل انقضاء الإجارة وفي الأرض المستأجرة زرع

стр. 2858

لم يستحصد، فللمستأجر ولورثته أن يَدعوا ذلك في الأرض، ويكون عليهم ما سمي من الأجرة؛ وذلك لأن العقد قد انفسخ بالموت، وفي قلع الزرع ضرر، وأمكن أن (١) يوفى الحقان من غير ضرر، فيبقى الزرع حتى يستحصد، ويحصل المالك الأجرة، وإيفاء الحقين أولى من إسقاط أحدهما. وقد كان القياس: أن يجب أجر المثل؛ لأن العقد ارتفع، وإنما تستوفى المنافع بحكم العقد، فصار كاستيفائها بعد انقضاء المدة. واستحسنوا وأوجبوا المسمى؛ لأنه لما وجب تبقية الزرع بعوض، كان إثبات العوض الذي وقع التراضي به أولى. وأما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يستحصد، ترك إلى بلوغه بأجر المثل؛ لأن الترك (٢) لما وجب ولا تسمية في هذه المدة، لم يكن إلا إيجاب القيمة، وليس هذا كما إذا انقضت المدة وفي الأرض غَرْسٌ أَو رَطْبَةٌ؛ لأنه لا مدة لانتهائها، فكان في تبقيتها ضرر بالمالك، وأما الزرع فلقطعه غاية فأمكن التبقية من غير ضرر. ٢٣١٣ - فَصْل: [ترك العامل عمله قبل الوفاء بعمله] قال: وإذا آجر صانع من الصناع أو عامل من العمال لنفسه لعمل أو صناعة ثم قال: قد بدا لي أن أترك هذا العمل وانتقل إلى غيره، قال محمد: ليس له ذلك، ولو كان حجّامًا فقال: قد أنفت من عملي وأريد تركه لم يكن له ذلك،

стр. 2859

ويقال له: أوف العمل وانتقل إلى ما شئت من العمل؛ وذلك لأن العقد قد لزمه، ولا عار عليه فيه؛ لأنه من أهل تلك الحرفة، وإنما يريد أن يترفع عنها، ويقدر على ذلك بعد انقضاء العمل (١). قال محمد: وإن كان ذلك العمل ليس من عمله ولا صنعته أسلم نفسه فيها وذلك مما يعاب به، أو كانت امرأة فآجرت نفسها ظئرًا وهي ممن تعاب بذلك، فلأهلها أن يخرجوها [من ذلك العمل]، وكذلك إن أبت هي أن ترضع؛ وذلك لأن من لم يكن من أهل الصنائع الدنيئة إذا دخل فيها لحقته عارها، فإذا أراد الترك فهو لا يقدر على إيفاء المنافع (٢) إلا بضرر. وكذلك الظئر إذا لم تكن ممن ترضع مثلها، فلأهلها الفسخ؛ لأنهم يُعَيِّرُون بذلك، ألا ترى أنه يقال في المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، فإذا لم تكن تبقية العقد إلا بضرر الأهل كان لهم أن يفسخوا العقد، وكذلك إذا أبت هي؛ لأن العار يلحقها، فلم تقدر على تسليم المنفعة إلا بضرر. ولا يقال فهلَّا كان ذلك كمن زَوَّجَتْ نفسها بغير كُفْءٍ لم يكن لها الفسخ، وإن ثبت ذلك لأوليائها؛ لأن النكاح لا ينفسخ إلا للأعذار وقد لزمها العقد، والإجارة تفسخ بالأعذار وإن لزمت قال: فإذا آجر شيئًا اشتراه ثم اطلع على عيب فله ردّه بالعيب، وتفسخ الإجارة؛ لأنه لا يقدر على البقاء [عليها] إلا بضرر، وهو التزام البيع المعيب، وقد قالوا في العبد المستأجر للخدمة إذا كان سارقًا، فهو عذر في الفسخ؛ لأن

стр. 2860

المنافع لا تستوفى إلا بضرر. وقالوا فيمن اكترى إبلًا إلى مكة ذاهبًا وجائيًا، فمات الجَمَّال في بعض الطريق، فللمستأجر أن يركبها إلى مكة وعليه المسمى؛ [وذلك] لأن في فسخ الإجارَة في الطريق إلحاق الضرر بالمستأجر؛ لأنه لا يجد من يحمله، وإلحاق الضرر بالورثة إذا كانوا غيبًا؛ لأن المنافع تسقط عوضها، فكان في تبقية الإجارة منفعة لهما، فإذا وصل إلى مكة دفعها إلى الحاكم؛ لأنه لا ضرر عليه في فسخ الإجارة في هذه الحال؛ لأنه يقدر أن يستأجر من جمّال آخر، ثم ينظر الحاكم في الأصلح، فإن رأى بيع الجِمَال وحفظ الثمن للورثة فعل ذلك، وإن رأى أيضًا الإجارة إلى الكوفة فعل ذلك؛ لأنه منصوب للاحتياط، وقد يكون الأحوط أحد الأمرين دون الآخر. قالوا: والأفضل إذا كان المستأجر ثقة أن يمضي القاضي الإجارة، والأفضل إذا كان غير ثقة أن يفسخها، فإن فسخها وقد عَجَّل المستأجر الأجرة سمع القاضي بيّنته عليها، وقضى الأجرة من ثمنها؛ لأن الإجارة إذا انفسخت فللمستأجر إمساك العين حتى يستوفي جميع الأجرة، فلم يجز أخذها منه من غير أجرة، ويقام القاضي مقام الغائب، فينصب له خصمًا ويسمع البينة عليه (١). وقال هشام عن أبي يوسف: في امرأة ولدت يوم النحر قبل أن تطوف، فأبى الجمّال أن يقيم معها، قال: هذا عذر، وأنقض الإجارة؛ وذلك لأنها لا تقدر على الخروج مع ترك الطواف، فلا يمكن إلزام الجمّال أن يقيم مدة النفاس؛ لأن

стр. 2861

ذلك قدر لم تجر العادة به، ففسخت الإجارة لدفع الضرر عنهما، فإن كانت ولدت قبل ذلك وقد بقي من مدة نفاسها كمدة الحيض أو أقل، أُجبر الجمَّال على المقام معها؛ لأن هذه المدة قد جرت العادة بمقام الحاج فيها بعد الفراغ من الحج. وقال هشام عن محمد: فيمن استأجر أرضًا سنة يزرعها شيئًا ذكره، فزرعها فأصاب الزرع آفة من بردٍ أو غيره، فذهبت وقد تأخر وقت زراعة ذلك النوع، فلا يقدر أن يزرع، قال: إن أراد أن يزرع شيئًا غيره مما ضرره على الأرض أقل من ضرره أو مثل ذلك فله ذلك، وإلا فسخت الإجارة وألزمته أجر ما مضى؛ وذلك لأنه إذا لم يقدر على زراعة النوع الذي قصده ففي تبقية الإجارة ضرر عليه. قال: وإذا نقص الماء عن الرحا حتى صار يطحن أقل من نصف طحنه فذلك عيب (١)؛ لأنه لا يقدر على البقاء على العقد إلا بضرر، وهو نقصان الانتفاع المعتاد.

стр. 2862

بَاب الصبي يؤاجر الأب أو غيره قال أبو الحسن: إذا كان للصبي أب فآجره في عمل من الأعمال فهو جائز، [وكذلك الجد]، وكذلك وَصيّ الأب ووصي الجد؛ [وذلك] لأن الأب يلي على الصبي بنفسه كولايته على نفسه، فإذا ملك أن يؤاجر نفسه فكذلك يملك أن يؤاجر ابنه، ولأن في ذلك منفعة؛ لأنه يجعل منافعه التي ليست بمال مالًا. قال: ولا يجوز إجارة غيرهم له إذا كان له أحد ممن ذكرنا؛ لأن هؤلاء لهم ولاية عليه، ومن سواهم من أقاربه كالأجانب، فإن لم يكن له أب (ولا جد أب أب) (١)، ولا وصي أب، ولا وصي جد، فاجره ذو رَحِم مَحْرم منه وهو في حجره [جازت الإجارة] (٢) في قولهم؛ لأنه إذا كان في حجره فله عليه ضرب من الولاية، ألا ترى أنه يُربيه ويؤدبه، وفي إيجاره في الصنعة نوع من التأديب (٣). فإن كان في حجر ذي رَحِم مَحْرم فآجره ذو رَحِم آخر هو إليه أقرب كصبي في حجر عمه وله أم فآجرته الأم، فقال أبو يوسف: يجوز إجارتها، وقال محمد: لا يجوز. لأبي يوسف: أنه لما جاز أن يؤاجر بالرحم، فمن هو أقرب [إليه]

стр. 2863

في الرحم أولى، ألا ترى أنه لما عقد عليه بالأبوة كان الأب أولى من الجد. لمحمد: أن هؤلاء لا ولاية لهم، وإنما يعقدون إذا كان في حجرهم؛ لِمَا لهم من ولاية التربية، فإذا لم يكن في حجرهم فهم كالأجانب. قال محمد: وللذي آجره أن يقبض الأجرة؛ لأنه هو الذي تولى العقد، وقبض الأجرة من حقوق العقد. قال: وليس له أن ينفقها عليه؛ لأنها مال الصبي، فلا يجوز إنفاقها إلا بولاية، وكذلك إذا وهب له هبة فله أن يقبضها، وليس له أن ينفقها على الصبي؛ لأن في قبض الهبة منفعة للصبي، وهو مأذون في اجتلاب المنافع إليه؛ ولأن الصبي لو قبضها جاز، فقبض من هو في حجره كقبضه، فأما النفقة من ماله فلا تجوز إلا بولاية. قال: وإذا بلغ الصبي في هذا كله فله الخيار: إن شاء أمضى الإجارة، وإن شاء فسخ؛ وذلك لأن في البقاء على الإجارة بعد البلوغ ضررًا عليه، ألا ترى أنه يأنف من خدمة الناس، وقد قال أبو حنيفة: أرأيت لو تفقه فولي القضاء أكنت أتركه يخدم الناس وقد آجره أبوه، فهذا قبيح؛ ولأن المنافع تستوفى من ملكه حالًا فحالًا، فإذا بلغ استوفيت بعقد لم يعقده، فصار كأن الأب عقد عليها ابتداءً بعد البلوغ. قال: وللأب وللجد ووصيهما إجارة عبد الصغير وعَقَاره؛ وذلك لأن لهم ولاية التصرف في ماله بالبيع، فكذلك بالإجارة، فأما غير هؤلاء ممن هو في حجره فلا يجوز أن يؤاجر عبده؛ لأنه تصرف في المال، فلا يستحق بغير ولاية كبيع المال.

стр. 2864

وقال ابن سماعة عن محمد: أستحسن أن يؤاجروا عبده؛ لأنهم يملكون إجارته، ومن وليَ على الصغير في نفسه، ولي في عبده، وكذلك أستحسن أن ينفقوا عليه ما لا بد له منه؛ لأن في تأخير ذلك ضررًا، ولهم أن يفعلوا ما [يعود نفعه إلى] (١) الصغير. قال: وكذلك أحد الوصيين يملك أن يؤاجر اليتيم في قول أبي حنيفة، وقال في قياس قول أبي حنيفة: ولا يؤاجر عبده [وقال محمد: يؤاجر عبده]. أما أبو حنيفة فقال: إن لكل واحد من الوصيين التصرف فيما يخشى الضرر بتأخيره، وفي ترك إجارة الصبي ضرر؛ لأنه لا يتأدب، وليس كذلك إجارة عبده. وأما محمد فقال: من ملك التصرف عليه ملك على عبده. قال: وإذا آجر عبده سنة، فلما مضت ستة أشهر أعتقه، فهو بالخيار: إن شاء مضى على الإجارة، وإن شاء فسخها. أما جواز العتق [فلأنه على ملكه، وعتق المكلف في ملكه جائز؛ ولأن حق المستلم يؤثر في المنع] في التسليم، فلأن العتق لا يقف على إمكان التسليم [كعتق الآبق]، وأما الخيار: فلأنه ملك نفسه بالحرية بعد تمام العقد في منافعه، فصار كالأمة المزوجة إذا أعتقت. قال: فإن فسخ بطل ما بقي من الإجارة، وكان أجر ما مضى للمولى؛ لأنه عوض منافع استوفيت من ملكه بعقده، وإن مضى على الإجارة وأجازها، فليس

стр. 2865

له بعد ذلك أن ينقضها (١)؛ وذلك لأنه كان بالخيار بين فسخ العقد و [بين] إمضائه، فإن اختار العقد سقط الفسخ، فلم يعد إلا بسبب آخر، وأجر ما بقي من المدة للعبد؛ لأنه بدل منافع على ملكه. (قال: وليس للعبد أن يقبض الأجرة إلا بوكالة المولى؛ وذلك لأن القبض من حقوق العقد، وحقوق العقد تتعلق بالعاقد) (٢)، وإن كان المولى قبض الأجرة [سلفًا] ثم أعتق العبد فاختار المضي على الإجارة، فالأجرة كلها للمولى؛ وذلك لأنه ملكها بالتعجيل، وثبت حق الفسخ للعبد، فإذا لم يفسخ استحقت الأجرة على الوجه الذي اقتضاه [العقد] (٣). قال: وإن كان المولى أذن للعبد أن يؤاجر نفسه سنة، فأجرها ثم أعتقه بعدما مضى ستة أشهر، فالعبد بالخيار، وهذا والأول سواء؛ (لأن عقده بإذن المولى كعقد المولى، إلا أن الذي يقبض الأجرة من المستأجر العبد؛ لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقد) (٤). ٢٣١٤ - فَصْل: [المكاتب آجر عبده ثم عجز] ولو آجر المكاتب عبده ثم عجز، فالإجارة باقية عند أبي يوسف، وقال محمد: انتقضت، فلو استأجر عبدًا ثم عجز، بطلت الإجارة في القولين. لأبي يوسف: أن [كسب] (٥) المكاتب موقوف عليه وعلى مولاه، وهو

стр. 2866

أخص بالتصرف فيه مع بقاء الكتابة، فإذا عجز استقر ملك المولى فيه، فكان ملك المكاتب [إذا] استقر بالعتق؛ ولأن المكاتب استفاد التصرف بأمر المولى. فإذا عجز مَلَك المولى كسبه والعقد عليه بأمره، فكأنه أذن له [إجارة ملكه، وليس كذلك إذا استأجر لأنه أذن له] في أن يستأجر بأجرة من كسبه، وقد فات الكسب، فلم يجز أن يستحق الأجرة من مال المولى. لمحمد: أن المولى يستحق كسب المكاتب لبطلان تصرفه بالعجز، كاستحقاق الوارث مال الميت لبطلان تصرفه بالموت، فتبطل الإجارة.

стр. 2867

بَاب إجارة الظئر قال في الأصل: في جواز إجارة الظئر (١) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وهذا مذكور في المطلقة؛ ولأن النبي ﷺ استرضعت له حليمة السعدية فأرضعته في بني سعد (٢)، وبُعث والناس على ذلك فأقرهم عليه؛ ولأن الناس يفعلون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير. وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في حكم هذا العقد، فمنهم من قال: إن العقد يقع على المنافع: وهي خدمة الصبي والقيام به، واللبن [يدخل] على طريق التبع؛ [لأن اللبن عين من الأعيان، والأعيان لا تستحق بعقد الإجارة إلا على وجه التبع] كالصبغ، ومنهم من قال: إن العقد يقع على اللبن والخدمة تبع؛ بدلالة أنها لو أرضعته بلبن شاة لم تستحق الأجر وإن حصلت الخدمة. وهذا ليس بصحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يقع العقد على خدمة (٣) مخصوصة: وهي خدمة الرضاع، فإذا أرضعته بلبن الشاة لم توجد المنافع على الصفة المشروطة، هذا [كالصباغ] إذا [أصبغ الثوب] (٤) لونًا غير المشروط.

стр. 2868

وقد نص محمد على الطريقة الأولى فقال مستدلًا على أن لبن الآدمية لا يجوز بيعه: أن الإجارة تقع عليه، فلو كان له قيمة لم تستحق بالإجارة، فلما استحق دل على أن العقد وقع على الخدمة واللبن تبع، ألا ترى أن لبن الشاة لما كان مقومًا لم يجز استئجارها للشرب ولا للرضاع. وقد ذكر أن استئجار الزوجة على رضاع ولدها لا يجوز، وكذلك المطلقة الرجعية، فأما المبتوتة فقال: يجوز استئجارها، وقال الحسن: لا يجوز. قال: ويجوز استئجار الزوجة لترضع ولده من غيرها، وقد بيَّنَّا هذه الفصول في باب الرضاع، وقد قالوا: إن الأب لو استأجر الأم لإرضاع ابنها من مال الولد وللولد مال، جاز؛ وذلك لأن المانع من استئجارها أنها مستحقة للنفقة عليه، وأجرة الرضاع تجري مجرى النفقة، فلا تستحقها من وجهين، فإذا [كان] العقد يقع للصغير ولا نفقة [لها] عليه، جاز استئجارها كالأجنبية، روى هذه المسألة ابن رستم عن محمد (١). قال: وإن استأجر لولده من ذوات الرَحِمِ المَحْرَمِ الآتي [لها] لبن حضانة جاز؛ وذلك لأنه لا نفقة لَهُنَّ على الأب، ولا يلزمهن خدمة البيت كالأجانب. قال: وإذا استؤجرت الظئر فيبغي أن تستأجر على وقت معلوم، وما جاز في استئجار العبد للخدمة جاز في الظئر، وما بطل في ذلك بطل في الظئر، إلا أن أبا حنيفة استحسن في الظئر [أن يستأجرها] بطعامها وكسوتها، وإن لم يوصف من ذلك شيء، ويكون لها الوَسَط [من ذلك]، وهي تجري مجرى النفقة من وجه (٢).

стр. 2869

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز، وبه قال الشافعي (١). وجه القياس: أنه بدل عن [المنفعة]، فلم يصح مع الجهالة كالبدل في سائر الإجارات. وجه الاستحسان قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذا مذكور في المطلقات؛ [وذلك لا يكون إلا على وجه الأجرة، ولهذا جعله على الوارث بقوله:] ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، ولأنها نفقة يجبر عليها الأب لتربية الولد، فجاز أن يكون طعامًا غير موصوف كنفقة الولد؛ ولأن الإجارة نوع عقد يقصد به المنفعة، فجاز أن يكون سببًا لاستحقاق طعام وكسوة غير موصوف كالنكاح والمضاربة، وعكسه البيع؛ ولأن الظئر من جملة أهل البيت، فيستنكف الناس من تقدير ما تأكل كما يستنكفون من تقدير ذلك [للأهل]، فدعت الحاجة إلى جوازه غير مقدر. وإنما ثبت لها الوسط منه؛ لأن البدل إذا ثبت في الذمة مطلقًا وجب الوسط منه كالمهر والدية. قال: وليس لها أن تؤاجر نفسها من غير الأولين؛ وذلك لأنها في حكم الأجير الخاص، ومن استؤجر (٢) للخدمة، لم يجز أن يخدم غيره. قال: والذي يجب عليها بعقدة الإجارة: الرضاع، والقيام بأمر الصبي فيما يصلحه من رضاعه، وغسل ثيابه، وما يعالج به الصبيان من الريحان والدهن فهو

стр. 2870

على الظئر، وطعام الصبي على أهله وعليها أن [تهيئه] (١)؛ وذلك لأن العقد [إنما وقع] على القيام [بأمر الصبي] (٢)، وذلك إنما يكون: بإرضاعه، وطبخ طعامه، وغسل ثيابه، فكان ذلك عليها، وإنما جعل الدهن والريحان عليها والطعام عليهم؛ لأن المعاملة في بلده (٣) كانت كذلك، وقد قالوا في توابع العقود التي لا تشترط: إن المرجع فيها إلى عادة كل بلد (٤). وعلى هذا قالوا فيمن استأجر رجلًا ليضرب له لَبِنًا أن الزنبيل والملبن علي صاحب اللِّبِن؛ لأن العادة هكذا جرت عندهم، وإذا كانت [العادة] في بلد آخر بخلاف ذلك حُمِل على العادة. وقد قالوا في الخياط: إن السلوك (٥) عليه؛ لأن العادة بذلك جرت، وقالوا في الدقيق الذي يصلح به الحَائِكُ الثَّوْبَ: إنه على صاحب الثوب. قالوا: وإن كان أهل بلد يعملون غير ذلك، فهو على ما يتعاملون به، وقالوا فيمن استؤجر على حفر قبر: إنّ حتى التراب عليه إن كان أهل تلك البلاد يتعاملون به، وتشريح اللِّبَن على اللَّبَّان، وإخراج الخُبْزِ من التَّنُّورِ على الخَبَّاز؛ لأن هذا من تمام العمل. وقالوا في الطَّبَّاخ إذا استؤجر في عُرْسٍ (٦): [إن إخراج المَرَقَة من القدر] (٧)

стр. 2871

عليه، وإن طبخ قِدْرًا خاصة ففرغ منها، فله الأجر، وليس عليه من إخراج المرق شيء، وهذا مبني على العادة. وقالوا في رجل تكارى دابة يحمل عليها حنطة إلى منزله، فلما انتهى إليه أراد ربها أن يحمل المكاري ذلك، فيدخله منزله فأبى المكاري، قال أبو حنيفة: عليه ما يفعله الناس ويتعاملون عليه، فإن أراد أن يصعد بها إلى السطح والغرفة، فليس ذلك عليه؛ إلا أن يكون اشترطه، ولو كان حمالًا على ظهره فعليه إدخال ذلك، وليس عليه أن يصعد به إلى علو البيت إلا أن يشرط. وإذا تكارى دابة فالإكاف على صاحب الدابة، فأما الحبال والجوالق فعلى ما تعارفه أهل [تلك] الصنعة، وكذلك اللِّجام. وأما السرج فعلى رَبِّ الدَّابَّة، إلا أن تكون سُنَّة البلد بخلاف ذلك، فيكون على سنتهم، فقد بنو (١) هذه المسائل على التوابع التي لا تشترط، يرجع فيها إلى العادة. قال: وليس لهم أن يحبسوا الظئر في منزلهم إذا لم يشترطوا ذلك عليها، ولها أن تأخذه (٢) إلى منزلها؛ لأنهم استحقوا عليها العمل، ولم يستحقوا العمل في مكان مخصوص. قال: وهي مؤتمنة فيه وفيما عليه من كسوة أو حلي، فإن سرق منه شيء لم تضمن؛ لأنها أجير خاص، فلا تضمن إلا لمخالفة، فأما الثياب والحلي فقد

стр. 2872

حصل في يدها بأمر مالكه من غير تمليك ولا وثيقة (١). قال: وليس للظئر ولا للمسترضع أن تفسخ الإجارة إلا من عذر؛ لما بيَّنَّا أن عقد الإجارة لازم لا يفسخ إلا بعيب أو عذر. قال: والعذر لأهل الصبي أن لا يأخذ الصبي من لبنها، أو يكون تَقَيّأ من لبنها؛ لأنه إذا لم يأخذ لم تُسَلَّم المنفعة المقصودة [للصبي]، وكذلك إذا تقيأ؛ لأنه يستضر به، وإذا حبلت فهو عذر؛ لأن لبن الحامل يضر بالصبي، أو تكون سارقة؛ لأنهم يخافون على متاعهم ويستضرون بالبقاء على العقد، أو تكون فاجرة بينة الفجور؛ لأنها تتشاغل بالفجور عن حفظ الصبي، وإن أرادوا سفرًا بصَبيَّهم فأبت أن تخرج معهم فهذا عذر؛ لأنا لو ألزمناهم ترك السفر أضررنا بهم، قال: فإن مَرِضَتْ فلها أن تفسخ ولهم أن يخرجوها؛ لأن الصبي يستضر بلبن المريضة، وهي تستضر بالإرضاع، فثبت الفسخ لهما. قال: وللزوج أن يخرجها من الرضاع إن لم يكن سلم الإجارة، فمن أصحابنا من قال: هذا على وجهين: إن [كان] ممن يشتبه أن ترضع زوجته فله الفسخ؛ لأنها تلحق به ضرر، وإن كان ممن لا يشتبه ذلك، لم يكن له الفسخ؛ لأنه عقد على منافع بضعها، ولم يعقد على منافع بدنها. ومن أصحابنا من قال: له الفسخ في الوجهين؛ لأنها إن أرضعت [الصبي] في بيتهم فله منعها من الخروج من منزله، وإن أرضعت في بيتها فله أن يمنعها

стр. 2873

من إدخال الصبي إلى بيته. قال: وإن كانوا يؤذونها بألسنتهم كفّوا عنها، فإن لم يكفوا كان لها أن تخرج؛ لأن الأذية ظلم فوجب عليهم تركه، وإن لم يكفوا [عنها] لم تقدر على البقاء على العقد إلا بضرر، فثبت لها الفسخ. قال: وليس يحل لهم أن يمنعوا زوجها من غشائها مخافة الحبل؛ وذلك لأن الوطء حق للزوج، فلا يجوز المنع منه (١) قال: وكل ما يضر بالصبي فلهم أن يمنعو [ها منه؛ لأن] (٢) من ذلك نقص في الرضاعة، وإن أرضعته بلبنها أو لبن غيرها فلها الأجر كاملًا؛ لأن عمل غيرها يقع لها، فكأنها هي المرضعة، فإن أرضعته بلبن شاة، أو غذته بطعام حتى مضت المدة فلا أجر لها؛ لأن المستحق عليها بالعقد ما يسمى رضاعًا، فإذا فعلت ما ليس من جنسه لم تستحق العوض. قال: وليس للرجل أن يجبر المرأة على رضاع ولدها بائنة كانت أو غير بائنة لقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ولأن الرضاع مؤنة للصبي كالنفقة. قال: وإن استأجر [خادم امرأته على رضاع ولدها] (٣) فخادمها بمنزلتها، ما جاز فيها جاز في خادمها، وما لم يجز فيها لم يجز في خادمها؛ لأنها هي المستحقة لمنفعة خادمها، فصار كمنفعتها.

стр. 2874

فإن [استأجر] (١) مكاتبتها جاز بكل حال؛ لأنها لا تملك منافع المكاتبة، فهي كالأجنبية، وأما مدبرتها، [كأمتها، لأنها] (٢) تملك منافعها. قال: وإذا استأجر الأب الظئر لولده وأبت أمه أن تأخذه فقالت: ترضعه الظئر عندي، قيل للأب: استأجر للصبي من ترضعه عندها؛ لأن الحضانة حق لها، فلم يكن (٣) للأب إسقاط حقها، وإذا كانت الظئر من ذوات الرَحِمِ المَحْرَمِ اللاتي لهن الحضانة [لا تعرف إلا بالإرضاع] (٤)، فإن أرادت أن تدع الرضاع، فهذا عذر لها لما بيّنا أنه يلحقها بالبقاء على العقد شَيْن (٥). قال: وإن أخذت الظئر صبيًا آخر فأرضعته مع الأول، فقد أساءت وأثمت إن كانت قد أضرَّت بالصبي، ولها الأجر على الأولين والآخرين جميعًا؛ وذلك لأنها إذا أرضعت [بلبنها] صبيين أضرت بأحدهما لنقصان اللبن وقد استحق عليها كمال الرضاع، وإنما استحقت الأجرة؛ لأنها فعلت ما يتناوله الاسم. قال: فإن استأجرت ظئرًا أخرى فأرضعته، فلها الأجر استحسانًا. وجه القياس: أن العقد وقع على عملها، ومن استأجر أجيرًا يعمل بنفسه لم يجز أن يقيم غيره مقامه. وجه الاستحسان: أن عمل الظئر الثانية يقع للأولى، فكأنها هي التي عملت.

стр. 2875

قال: وإذا التقط الرجل لقيطًا استأجر له ظئرًا، فالأجر عليه، وهو متطوع؛ وذلك لأنه لا ولاية له عليه، فلا يملك إيجاب الدين في ذمته. ورضاع اليتيم على من يجب عليه نفقته لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ ولأنه مؤنة الصغير كنفقته، فإن [كان] اليتيم لا وارث له، ولم يتطوع عليه أحد بشيء، فرضاعه على بيت المال؛ لأنه من المسلمين، فنفقته في بيت المال إذا لم يكن له من يقوم بنفقته (١). فإن مات الظئر انتقضت الإجارة؛ لأن المعقود عليه تلف، وإن مات الصبي انتقضت؛ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة.
следующие страницы →