← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الصيف، [قدّمها] (١) لقصر الليل، وحاجة الناس إلى النوم، فلما اختلفت الأخبار في ثلث الليل ونصفه، بنى الروايتين على الأخبار. ٢٦١ - [فَصْل: الصلاة في حال الغيم] وأما إذا كان غيم (٢)، فالأفضل الإسفار بالفجر، لقوله ﵊: "أسفروا بالفجر" (٣) وهو عام، ويؤخر الظهر، ويعجّل العصر، ويؤخّر المغرب، ويعجّل العشاء، لما روي عن عمر أنه قال: "أخّروا الظهر في يوم الغيم وعجّلوا العصر" (٤)، وروى أبو المهاجر عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "بكّروا بالعصر في يوم الغيم، فمن ترك العصر، حبط عمله" (٥)؛ ولأن يوم الغيم يتفق فيه الموانع عن الجماعة بمطر وغيره، فالواجب أن يصلي الصلاتين في وقت خروج واحد إلى المسجد، وقد روي: "أن النبي ﷺ جمع بين الصلاتين في المدينة من غير مطر ولا سفر" (٦)، وهذا محمول على يوم الغيم: أنه صلّى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها. ٢٦٢ - فَصْل: [وقت صلاة الوتر] وأما الوتر فوقتها عند أبي حنيفة: إذا غاب الشَّفَق، إلا أنه مأمور بتقديم

стр. 282

العشاء عليها، وروى معلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه إذا صلّى الوتر قبل عشاء الآخرة، لم يجزه الوتر، وإن كان ناسيًا أجزأه، وعليه أن يعيد (١) العشاء، وقال أبو يوسف ومحمد: وقتها إذا فرغ من صلاة العشاء [الآخرة]، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر في قولهم. والكلام في أول وقتها فرع على صفتها، فهي عند أبي حنيفة صلاة واجبة، والوقت إذا جمع صلاتين واجبتين فهو [وقت لهما] (٢)، وإن أمر بتقديم إحداهما، كصلاة الوقت والفائتة. وعلى قولهما إنها نافلة، فيدخل وقتها بالفراغ من الفريضة، كسائر النوافل من ظهر وجمعة. وعلى هذا الخلاف إذا صلّى العشاء على غير وضوء، وهو لا يعلم ثم توضأ فأوتر، ثم تذكر، قال أبو حنيفة: يعيد العشاء دون الوتر؛ لأنه صلاها في وقتها، وإنما ترك الترتيب؛ وذلك يسقط بالنسيان. وعلى قولهما: إنه صلاها قبل وقتها، فلا يعتد بها، والدليل على وقتها قوله ﵊: "إن الله زادكم صلاة (٣) ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر" (٤). وأما الفضيلة فيها فقد قال أصحابنا: إن كان الإنسان لا يثق في نفسه بالاستيقاظ أوتر في أول الليل، وإن كان ممن يقوم بالليل للصلاة فالوتر في آخر

стр. 283

الليل أفضل، وقد روي أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: "متى توتر؟ " فقال: أصلّي لربي ما كتب لي، ثم أوتر، ثم أنام، فإن قمت صليت في آخر الليل، وقال لعمر: "متى توتر؟ " فقال: أصلّي ثم أنام، فإذا قمت أوترت، فقال لأبي بكر: "أخذت بالثقة"، وقال لعمر: "أخذت بالقوة" (١). وروي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "من خاف أن لا يقوم آخر الليل فليوتر في أوله، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخر الليل، فإن صلاة الليل مشهودة، وذلك أفضل" (٢)، يعني: تحضره الملائكة. وروي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي ﷺ سئل عن الوتر؟ فقال: "الوتر قبل الصبح" (٣). وروى مسروق عن عائشة قالت: (من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ ، أوتر في أوله، وأوسطه، وآخره، وانتهى واستمر وتره إلى السَّحر، فقبض وهو يوتر بسحر) (٤)، والذي روي عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي أن لا أنام حتى أوتر" (٥)، فمحمول على أنه كان لا يثق من نفسه بالقيام. ٢٦٣ - فَصْل: [وقت صلاة الجمعة] قال: ووقت الجمعة وقت الظهر، لما روي: أن النبي ﷺ كتب من مكة إلى

стр. 284

مصعب بن عمير بالمدينة: "إذا مالت الشمس من اليوم الذي تتجهز فيه اليهود لسبتها فاجمع من قِبَلك من المسلمين، وذكرهم بالله، وازدلف بهم إليه بركعتين (١)؛ ولأنها قائمة مقام الظهر، فصار وقتها وقت الظهر (٢).

стр. 285

بَابْ: الأوقات التي تكره الصلاة فيها قال الشيخ أبو الحسن: الأوقات التي تكره فيها الصلاة خمسة أوقات: ثلاثة يكره فيها التطوع، ولا يجوز فيها الفرض إلا عصر يومه، ووقتان يكره فيها التطوع، ولا يكره فيهما الفرض، فأما الأوقات الثلاث: فعند طلوع الشمس، وعند غروبها إذا احْمَرَّت الشمس، وقائم الظهيرة. وأما الوقتان الآخران: فبعد صلاة الفجر إلى أن تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تصلي المغرب، وهكذا ذكر محمد في الأصل، وقال الحسن (١) قال أبو حنيفة: ثلاث ساعات تحرم فيهن الصلاة، وذكر الطلوع، والزوال، والغروب، وثلاث ساعات تكره فيهن الصلاة: بعد الفجر إلا ركعتي الفجر، وبعد صلاة الفجر النوافل كلها حتى ترتفع الشمس وتبيضّ، وبعد العصر لا تفعل شيئًا من التطوع. ووقت آخر يكره فيه النفل: وهو خروج الإمام إلى أن يفرغ من الخطبة. وأما الكلام في الأوقات الثلاثة، فإنه لا يجوز فيها فرض ولا نفل إلا عصر يومه عند غروب الشمس. وقال الشافعي: يجوز فيها الفرائض والنوافل التي لها أسباب، ويكره من النافلة ما لا سبب له.

стр. 286

لنا: ما روى ابن سيرين عن زيد بن ثابت: "أن رسول الله ﷺ نهاه عن الصلاة حين تغرب الشمس وحين تطلع، وقال: إنها تطلع بين قرني شيطان" (١). وروى سمرة بن جندب: "أن رسول الله ﷺ : نهى عن أن يصلى حين تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان، [ونهى أن يصلى حين تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان" (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ قال: "إذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان"] (٣). وفي حديث عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلى فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيّف للغروب" (٤). وروى عبد الرحمن البَيْلَماني عن عمرو بن عبسة قال: قلت يا رسول الله علمني ما تعلم وأجهل! هل من الساعات ساعة أفضل من الأخرى؟ قال: "جوف الليل الأخير، فصلّ فإنها متقبّلة حتى يطلع الفجر، ثم انتهِ حتى تطلع الشمس، ما دامت كالجحفة فأمسك حتى تشرق، فإنها إذا طلعت تطلع بين قرني شيطان، ويسجد لها الكفار، ثم صلِّ فإنها مشهودة متقبّلة حتى يقوم العمود على ظله، ثم انتهِ فإنها ساعة يسجر فيها الجحيم، ثم صلّ إذا زالت إلى العصر، ثم انتهِ فإنها

стр. 287

تغيب بين قرني شيطان ويسجد لها الكفار" (١). وروى ابن مسعود في هذا الخبر: أن النبي ﷺ قال لعمرو بن عبسة: "أما الليل فإذا صليت المغرب فالصلاة مقبولة مشهودة حتى تصلي صلاة الفجر" (٢)، وهذه الأخبار عامة في النهي عن الفرائض والنوافل [جميعًا]؛ ولأنها صلاة شرعية فيمنع من فعلها عند الطلوع، كالنفل المبتدأ؛ ولأن الفرض أحد نوعي الصلاة، فجاز أن يمنع منه في هذه الأوقات، كالنفل. وأما عصر يومه فإنما جازت عند الغروب لقوله ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها" (٣)؛ ولأنه وقت وجوبها، فكان وقتًا لأدائها، وقد قال أصحابنا: إن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة ممنوعة [بمكة] وغيرها. وقال الشافعي: لا بأس بها بمكة. وعموم الأخبار تمنع من ذلك؛ ولأن كل وقت نهي عن فعل العبادة في غير مكة، نهي عن فعلها في مكة، كالصوم يوم النحر، والذي روي أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في الأوقات المكروهة إلا بمكة، فلم تثبت عند أصحابنا؛ ولأن أخبار النهي مستفيضة، فلا تسقط حكمها بخبر الواحد. وقد روي عن أبي يوسف: أن الصلاة تجوز وقت الزوال في يوم الجمعة، رواه بشر عنه، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه وقت نهي عن الصلاة فيه في غير يوم

стр. 288

الجمعة، فنهي عن الصلاة فيه في يوم الجمعة بحال الطلوع والغروب. وجه قول أبي يوسف: ما روي "أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في هذه الأوقات المكروهة إلا يوم الجمعة" (١). ٢٦٤ - فَصْل: [النهي عن الصلاة بعد طلوع الفجر وبعد صلاة العصر] وأما الوقتان الآخران: وهما ما بعد طلوع الفجر، وبعد صلاة العصر، فيجوز فيهما الفرض، (ولا يجوز فيهما النفل) (٢)، ولا يجوز فيهما ما تعلق وجوبه بفعله. وقال الشافعي: يجوز فيهما ما له سبب (٣). لنا حديث ابن عباس قال: شهد عندي رجال رضيتهم، وأرضاهم عندي عمر أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تشرق الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس" (٤)، وقد روى هذا الحديث عن

стр. 289

النبي ﷺ : أبو سعيد الخدري، وعائشة، وأبو أمامة، ومعاذ بن عفراء، وأبو هريرة (١). وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول الله ﷺ قال ذلك في خطبته يوم فتح مكة) (٢)، وكذلك رواه سعد بن مالك (٣)، وأبو أيوب الأنصاري؛ ولأن ما يمنع النفل المبتدأ يمنع النفل الذي له سبب من جنسه، أصله حال اشتغال الإمام بالصلاة، وإنما قلنا إن الفرائض تجوز في هذين الوقتين لقوله ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها" (٤)؛ ولأن هذا الوقت يصلح للفرض، ألا ترى أن من لم يصل فرض وقته، صلّى فيه.

стр. 290

وكذلك يسجد للتلاوة في هذين الوقتين؛ لأن وجوبها لا يقف على فعله، ألا ترى أن من سمع التلاوة يجب عليه السجود، فصارت كالفرائض، وكذلك صلاة الجنازة؛ لأن وجوبها لا يقف على فعله. وأما ركعتا الطواف، فلا يجوز في هذين الوقتين؛ لأن وجوبها يتعلق بفعله. وأما المنذورة فلا يجوز؛ لأنها تتعلق بسبب من جهته، فهي كالصلاة التي شرع فيها. ولا يجوز في الأوقات الثلاثة: صلاة على جنازة، ولا سجدة التلاوة، لحديث عقبة بن عامر: "نهانا رسول الله ﷺ … "؛ ولأن ما تعلق وجوبه بفعله وبفعل الله تعالى، لا يجوز في هذه الأوقات كالفرائض. وإنما اقتصر محمد على ذكر خمسة أوقات؛ لأن النهي فيها يعود إلى الوقت وما سواها، وإن نهى عن الصلاة فيه، فليس لمعنى يعود فيختص بالوقت. وأما ما بعد طلوع الفجر: فيكره فيه كل النوافل إلا نفلًا واحدًا، وهو ركعتا الفجر؛ لأن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، مع حرصه على النوافل، فلو جاز الزيادة عليها لفعله. وأما الذي ذكره الحسن (١) من كراهة التنفل إذا خرج الإمام يوم الجمعة، فليس ذلك لمعنى يعود إلى الوقت، وإنما هو حتى لا يتشاغل عن سماع الخطبة، والكلام هاهنا فيما يختص بالوقت. وأما غروب الشمس فيكره التنفل حتى يصلي المغرب؛ لأن النبي ﷺ لم

стр. 291

يتنفل قبل المغرب، وقال: "بين كل أذانين إلا المغرب" (١)؛ ولأن النفل قبلها يؤدي إلى تأخيرها عن وقتها وذلك منهي عنه، ولم يذكر محمد هذا الوقت؛ لأن النهي عن الصلاة فيه ليس لمعنى يعود إلى الوقت، وإنما هو حتى لا تؤخر الصلاة عن وقت الفرض (٢) المقصود، وهذا كالنهي عن التنفل في المسجد والإمام يصلي الفرض، ليس هو لمعنى يعود إلى الوقت، وإنما هو حتى لا يتشاغل به عن الجماعة. ووقت آخر يكره فيه النفل لبعض الناس دون بعض: وهو من حضر المصلّى في يوم العيد، يكره له أن يتنفل قبل العيد، والأصل فيه حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ خرج يوم العيد فلم يصل قبلها ولا بعدها" (٣). ورُوي أن عليًا ﵁ رأى قومًا يصلون يوم العيد فقال ما هذه الصلاة التي لم نكن نفعلها على عهد رسول الله؟! فقيل له: ألا تنهاهم، فقال: إذًا أكون كما قال الله : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩، ١٠]، ولكني أحدثهم بما شهدنا [مع] رسول الله ﷺ : خرج فلم يصل قبلها ولا بعدها (٤). وروي عن ابن مسعود وحذيفة: "أنهما كانا يقومان يوم العيد فينهيان الناس عن الصلاة قبل العيد" (٥).

стр. 292

وروي عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنت آخر الناس إسلامًا فحفظت من رسول الله ﷺ : "لا صلاة في العيدين قبل الإمام" (١)؛ ولأن العيدين ليس لهما أذان ولا إقامة، فلو صلّى قبلها، لم يأمن أن يدخل الإمام في الصلاة، فلو [أتمَّ] (٢) النافلة انقطع عن الجماعة، وإن قطعها كان قد دخل في صلاة لا يتمها، فلم يجز (٣). ٢٦٥ - فَصْل: [صلاة الفريضة في الأوقات الثلاثة] وإن صلّى في الأوقات الثلاثة فرضًا، أعاده إلا عصر يومه؛ لأن الفرض استحق عليه على وجه غير منهي عنه، فإذا فعله في وقت منهي عنه فلم يفعله (٤) كما أمر به، فلم يجزه. وأما إذا افتتح النفل في هذه الأوقات الثلاثة [فالأفضل أن يقطعه؛ لأنه إذا مضى عليه أوقعه مع النهي، وإذا قطعه قضاه في وقت غير منهي عنه، فكان أولى، فإن افتتح النفل في هذه الأوقات] ثم أفسده، فالمشهور من الرواية: أن عليه القضاء، وذلك أن إيجابه للصلاة بقوله كالنذر، وليس كذلك الدخول في صوم النحر؛ لأنه إيجاب بالفعل، وليس بالقول؛ ولأن النهي في هذه الأوقات عن فعل الصلاة، والصلاة لا تكون إلا بجنس أفعال: هي القيام والركوع والسجود، فلم توجد الصلاة المنهي عنها في الجزء الأول من فعله، فوقع غير منهي [عنه]،

стр. 293

وهو سبب الوجوب، فتعلق به الوجوب، وليس كذلك الصوم؛ لأنه منع في يوم النحر من الصوم، والجزء الأول من الصوم صوم فوقع على وجه منهي عنه، فلم يتعلق به الوجوب؛ ولأن الدخول في الصلاة يقع بالتحريمة، وليست من الصلاة عندنا، فانعقدت من غير نهي، والدخول في الصوم يقع على وجه منهي عنه، فلم ينعقد (١) به الوجوب. و [قد] قال أصحابنا: إن من دخل في الإحرام على وجه منهي عنه مثل أن يكون لابسًا، أو متطيبًا، أو مُجامِعًا انعقد إحرامه، وهذا لا شبهة فيه إذا دخل بالتلبية؛ لأنه إيجاب بالقول، فإن دخل بسَوْق الهدي، لزمه الإحرام (أيضًا؛ لأنه ليس إيجاب بالقول) (٢)، ولكنه مما لا يلحقه الفسخ، فإذا دخل فيه على وجه منهي عنه لزمه كما يجوز البقاء عليه مع الأفعال المنافية له، وليس كذلك الصوم والصلاة؛ لأن الفسخ يلحقهما، فإذا دخل فيهما بفعل منهي عنه، لم يصح أن يلزمه بالدخول قضاء. وجه الرواية الأخرى: أن القضاء لا يلزمه إذا أفسد صلاته؛ لأنه مأمور بتركها، فإذا فعل المأمور به لم يجب عليه شيء، كمن أفطر بعد الدخول فيصوم يوم النحر، وأما إذا دخل في الوقتين في نافلة، وأفسدها، وجب عليه القضاء؛ لأن النهي في الوقتين ليس لمعنى في نفس الوقت، فلم يكمل النهي، فانعقد الوجوب (٣).

стр. 294

[٧] بَابْ: الأذان قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأصل في ثبوت الأذان: ما روي أن رجلًا من الأنصار مرّ برسول الله ﷺ فرآه حزينًا، وكان الرجل ذا طعام فانطلق حزينًا لما رأى من حزن رسول الله ﷺ فترك طعامه، ثم نعس فنام، فأتاه آت في النوم، فقال: هل علمت حزن رسول الله ﷺ ؟ قال: لا، قال: هو لهذا الناقوس، فأته وقل: فليأمر بلالًا فليؤذّن، فعلّمه الأذان: الله أكبر الله أكبر حتى بلغ لا إله إلا الله. (رواه أبو حنيفة عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة عن أبيه) (١) (٢). وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "اهتم رسول الله ﷺ كيف يجمع الناس للصلاة، فقيل له: انصب راية، فإذا رآها الناس آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه، وقال: لقد هممت أن أبعث رجالًا فيقوم كل واحد منهم على أطم من آطام المدينة، فيؤذن كل رجل منهم من يليه، فانصرف عبد الله بن زيد الأنصاري مهتمًا بهمّ رسول الله ﷺ ، فرأى في المنام الأذان، فلما غدا على رسول الله ﷺ أخبره وذكر الحديث (٣). وروى سالم عن ابن عمر: (أن رسول الله ﷺ استشار المسلمين فيما يجمعهم على الصلاة، فقالوا: البوق، [فكرهه] من أجل اليهود، وذكروا

стр. 295

الناقوس، [فكرهه] من أجل النصارى، فأرِي تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له: عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، فطرق الأنصاري على النبي ﷺ ليلًا، فأمر بلالًا فأذّن به) (١). وقد روي عن معاذ وابن عباس، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي: أن أصل الأذان رؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري. وروي عن ابن الحنفية: أنه أنكر ذلك، وذكر أن رسول الله ﷺ لما عرج به بعث الله إليه مَلَكًا فعلمه الأذان. وروي عن كثير بن مرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن أول من أذن في السماء جبريل"، فسمعه عمر ﵁ (٢). وعن علي ﵁ مثل ذلك يعني مثل قول ابن الحنفية. وعن عتبة بن عمير (٣) أن عمر ﵁ رأى ذلك في منامه، وذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره، وقد جاء الوحي إلى النبي ﷺ فيما رأى عمر. وهذه الأسباب لا تتنافى؛ لأنه يجوز أن يكون رؤيا عمر وعبد الله بن زيد أولًا، ثم جاء الملك فعلّمه ثانيًا. ٢٦٦ - فَصْل: [في حكم الأذان] والأذان عندنا سنة من سنن الصلاة، وقال قوم: هو واجب.

стр. 296

وقد روي عن عطاء بن أبي رباح: فيمن نسي الإقامة أعاد الصلاة، وقال الأوزاعي: يعيد ما دام في الوقت، وقال مجاهد: فيمن نسي الإقامة في السفر أعاد، وروي مثل قولنا عن الحسن والنخعي، وقتادة والزهري، وهو قول عامة الفقهاء (١). والأصل في ذلك: أن وجوب الأذان مما يعم البلوى به، فلا يجوز إثباته بخبر الواحد؛ ولأنه ذِكْر لا يجب في النافلة فلا يجب في الفريضة كالدعاء؛ ولأنه لا يجب في القضاء، فلم يكن واجبًا في المقضي كالتسبيح. وأما الذي روي أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث ولابن عم له: "إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما" (٢)، فالمراد بذلك الاستحباب، ألا ترى أن الأذان لا يجب عليهما؛ ولأنه خبر واحد، فلا يجوز إثبات الواجب به. وقد روى علي بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: في قوم صلوا في مصر في مسجد جماعة الظهر أو العصر بغير أذان ولا إقامة، أنهم أخطؤوا السنة وخالفوا وأثموا، وكذلك قال أبو يوسف، وإن [كانوا] أذّنوا ولم يقيموا فقد أساؤوا؛ وذلك لأن النبي ﷺ أمر بالأذان للصلوات المفروضات، وداوم عليه، والمداومة إنما تكون على الواجبات أو السنن؛ ولأنه فعل الأمة بغير خلاف.

стр. 297

والذي روي عن محمد: أن أهل بلد لو اجتمعوا على ترك الأذان لقاتلتهم، فليس ذلك لوجوبه؛ ولكن لأنه سنة ظاهرة، وقد روي عن محمد أنه قال: لو أنّ أهل كورة تركوا سنةً من سنن رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها، فإن ترك ذلك رجل واحد ضربته عليه وحبسته. وقال أبو يوسف فيما رواه ابن سماعة: فيمن امتنع عن أداء الزكاة، فإني آمره بها، فإن امتنع ضربته، وإن كانوا جماعة قاتلتهم عليه، وكذلك صلاة الجماعة والفرائض. فأما السنن [مثل] (١) صلاة العيد وصلاة الجماعة فإني آمرهم وأضربهم، ولا أقاتلهم وإن كانوا جماعة ممتنعين، والذي قاله أبو يوسف أصَحّ؛ لأن السنن لا يجب القتال بتركها، ألا ترى أن صفة السنة: ما استحق الثواب بفعله، ولم يستحق العقاب بتركه، والواجب: ما يستحق الثواب بفعله والعقاب بتركه، فلم تجز التسوية بينهما، وأما محمد فقد قال: وجوب القتال لظهور هذه السنن في الشرع، فإن سمحوا بتركها أدّى ذلك إلى ترك الواجبات، ومن أصحابنا من قال: إن الذي قاله محمد يدل على مذهبه؛ أنه جعل الأذان من فروض الكفاية، فإن تركوه جميعًا قاتلهم. ٢٦٧ - فَصْل: [في صفة الأذان] وأما الكلام في صفة الأذان فيقول في ابتدائه: الله أكبر أربع مرات. وروى الحسن عن أبي يوسف أنه يقوله: مرتين، وبه قال مالك (٢).

стр. 298

قال أبو الحسن: رجع أبو يوسف عن هذا القول، وروي عن عمر أنه كان يقول ذلك ثلاثًا. لنا: ما روي في حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الذي رأى [في منامه الأذان] (١) أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إنه طاف بي في هذه الليلة طائف إلى أن قال: "ألا أدلك على خير من ذلك؟ " قلت: وما هو؟ قال: "تقول الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر" (٢). وروى مكحول عن عبد الله بن مُحَيْرِيز أن أبا محذورة حدثه: "أن النبي ﷺ علّمه الأذان تسع عشرة كلمة في أوله: الله أكبر أربع مرات" (٣)؛ ولأنه فعل المسلمين في سائر الأعصار [من غير نكير]؛ ولأن التكبير في آخره مرتين، فكان في أوله على الضعف، ألا ترى أن الشهادة لما كانت في أوله مرتين، كانت في آخره مرة. وأما الذي روي عن عمار (٤) بن سعد عن أبيه سعد القرظ أنه سمعه يقول: "هذا أذان بلال الذي أمره رسول الله ﷺ به وهو: الله أكبر الله أكبر مرتين" (٥)، فما ذكرناه أزيد، فهو أولى؛ لأن خبر عبد الله بن زيد أصل الأذان، فالرجوع إليه أولى، وأبو محذورة أخذ ذلك تلقينًا من رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن يقال: إن

стр. 299

هذا فعل أهل المدينة؛ لأنهم رجعوا إلى أذان سعد القرظ؛ ولأن فعل المسلمين في سائر الأعصار والأمصار أولى من فعلهم. ٢٦٨ - فَصْل: [الشهادة في الأذان] ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين، ولا ترجيع في ذلك. وقال مالك، والشافعي: يرجّع، والترجيع: أن يبتدئ بالشهادتين يخفض بهما صوته، ثم يرجع إليهما فيرجع بهما صوته (١). لنا: ما روي في حديث عبد الله بن زيد: أنه ذكر الأذان من غير ترجيع، ثم قال: وأقام فقال مثل ذلك، إلا أنه زاد فيه قد قامت الصلاة مرتين، والإقامة لا تكون مثل الأذان إلا مع عدم الترجيع؛ ولأن الترجيع لو كان في أذان بلال، لنقل نقلًا مستفاضًا، فلما لم ينقل، دل على أنه لم يكن في أذانه؛ ولأن كل ذِكْرٍ في الأذان سن تكراره أربع مرات، لم يفصل بينهن بذكر آخر كالتكبير؛ ولأن الشهادة من حكمها في الأذان أن يترتب على التكبير، أصله ابتداء الأذان وانتهاؤه، ولو رجّع لرتّب الشهادة على غير التكبير، وأما خبر أبي محذورة أن النبي ﷺ قال له: "ارجع فمُدّ بها صوتك"؛ فلأن حال التلقين يردد الكلام على الصبي [ما يلقنه] حتى يأتي به على وجهه، فظن أبو محذورة أنه من نفس الأذان. ٢٦٩ - فَصْل: [الحيعلة في الأذان] ثم يقول بعد ذلك: حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، ولا

стр. 300

خلاف في ذلك، وقد دل عليه حديث عبد الله بن زيد وأبي محذورة، وسعد القرظ] (١). ٢٧٠ - فَصْل: [في عدد التكبيرات في آخر الأذان] ثم يقول: الله أكبر مرتين؛ لما روى عطاء عن أبي محذورة أنه كان يقول في آخر أذانه: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله (٢). وعن الأسود: كان آخر أذان بلال الله أكبر مرتين. وروى سويد بن غَفَلة قال: كان بلال يقول في صلاة الصبح: حيّ على الفلاح مرتين، لا إله إلا الله والله أكبر. وعن النخعي أنه كان يقول في آخر أذانه: الله أكبر مرتين (٣)، وقد روي عن بلال أنه كان يقول: الله أكبر مرتين. [وروي ذلك في حديث عبد الله ابن زيد، وسعد القرظ]. ٢٧١ - [فَصْل: في آخر الأذان] وآخر الأذان: لا إله إلا الله؛ لما روى الأسود بن يزيد قال: سألت أبا محذورة كيف تؤذن لرسول الله ﷺ ؟ وأي شيء كنت تجعل آخر أذانك؟ قال: كنت أجعل آخر أذاني: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله (٤).

стр. 301

٢٧٢ - [فَصْل: في ألفاظ الإقامة] وأما الإقامة: فهي مثنى مثنى مثل ألفاظ الأذان، إلا أنه يزيد في آخرها: قد قامت الصلاة مرتين، وهو قول الأسود، وعطاء، والثوري. وقال مالك والشافعي: تفرد الإقامة، وهو قول الزهري، ومكحول والحسن وابن سيرين (١). لنا: ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد مؤذن النبي ﷺ أنه كان يشفع الأذان والإقامة. وعن ابن أبي جحيفة عن أبيه قال: "أذّن بلال ورسول الله ﷺ بمنى بصوتين صوتين، وأقام مثل ذلك" (٢). وفي حديث عبد الله بن زيد وهو أصل الأذان، وذكر الإقامة والأذان واحدًا. وقال سويد بن غفلة: سمعت بلالًا يؤذن مثنى مثنى (٣)؛ ولأنه ذكرٌ من أذكار الإقامة، فكان مثنى كقوله قد قامت الصلاة. ٢٧٣ - فَصْل: [في عدد الإقامة للصلاة] ويقول: قد قامت الصلاة مرتين، وهو قول الحسن، ومكحول، والزهري، وقال مالك: هو مرة (٤).

стр. 302

لنا: حديث ابن عمر قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مثنى مثنى، والإقامة واحدة، غير أنه يقول [في آخره]: "قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة مرتين" (١)، وفي حديث أبي محذورة: "أن النبي ﷺ لقّنه الأذان سبع عشرة كلمة" (٢)، والذي روي في حديث سعد القرظ: أنه كان يقول في إقامته: قد قامت الصلاة مرة واحدة، فالرجوع إلى الزائد من الأخبار أولى. ٢٧٤ - فَصْل: [في صفة الأذان] وأما صفة الأذان فينبغي للمؤذن: أن يترسل (٣) في الأذان، ويحدر (٤) الإقامة، وروى ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: أن يرسّل فيهما، أو [حذم] (٥) فيهما فلا بأس، وأحسن ذلك أن يترسّل في الأذان، ويحدر الإقامة، وذلك لما روى عطاء عن جابر أن النبي ﷺ قال لبلال: "إذا أذنت فترسّل، وإذا أقمت فاحدر" (٦).

стр. 303

وعن سعيد بن علقمة عن علي قال: "كان رسول الله ﷺ يأمر بلالًا أن يترسّل في الأذان ويحدر في الإقامة" (١). وعن أبي الزبير مؤذن بيت المقدس قال: جاءنا عمر فقال: "إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحذم" (٢)؛ ولأن المؤذن إذا فصل بينهما في الصفة، عرف السامع عند ابتداء الأذان أنه الأذان أو الإقامة. قال: ويحذف التكبير ولا يطوله، لما روي عن النخعي أنه قال: كانوا يجزمون التكبير؛ ولأنه إذا طوّله دخل في حَدّ الاستفهام، وقد روي عن مالك: أنه كره اللحن في الأذان. وروى يحيى البكاء قال: قال رجل لابن عمر: والله إني لأحبك في الله، فقال له: والله إني لأبغضك في الله، قال: لم؟، قال: لأنك تغنّي في أذانك. وروي أن مؤذنًا أذّن فطرّب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذِّنْ أذانًا سمحًا وإلّا فاعتزلنا (٣). وإذا [رتّلهما] (٤) أو حدرهما، أو حدر الأذان ورتل الإقامة، أجزأه ذلك؛ لأن المقصود بالأذان الإعلام، وقد فعل، وإنما ترك صفته فلا يمنع

стр. 304

[ذلك] في المقصود به. ٢٧٥ - [فَصْل: وضع المؤذن في الأذان] وأما الصفة التي ينبغي أن يكون المؤذن عليها: فيستقبل القبلة بأذانه حتى إذا انتهى إلى الصلاة والفلاح حوّل وجهه يمينًا وشمالًا، ولم يحول قدميه، وإن كان في صومعته، فأراد أن يخرج رأسه من نواحيها، لم يضره أن يحوّل قدميه منها. قال ابن شجاع: قال الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: ولا بأس بأن يدور في صومعته في قوله: [حَيّ على الصلاة]، حَيّ على الفلاح يَمْنَةً ويَسْرَةً، ولا يستدبر القبلة. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: إذا كان المؤذن في صومعته، فكان لا يمكنه أن يدور إلى الكواء يمنة ويسرة إلا أن يدور ببدنه في قوله حي على الصلاة حي على الفلاح، ويدير قدميه فلا بأس. والأصل في استقبال القبلة في الأذان: ما روي في حديث عبد الله بن زيد أنه قال: "رأيت رجلًا على جذم (١) من أجذم المدينة، عليه ثوبان أخضران مستقبل القبلة يقول: الله أكبر الله أكبر" (٢)؛ ولأنه فعل المسلمين من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا. وأما الاستدارة فلخبر أبي جحيفة: أن بلالًا أذّن لرسول الله ﷺ بالأبطح فجعل يستدير (٣).

стр. 305

وفي حديث أبي هريرة: (أنه أمر أبا محذورة القرشي أن يستدير في أذانه) (١)؛ ولأن الأذان يشتمل على أذكار يقصد بها الدعاء إلى الصلاة، وعلى أذكار الله تعالى، فما كان من ذكر الله تعالى كان إلى القبلة، وما كان للدعاء كان يمينًا وشمالًا؛ لأنه أمكن، ولأن من كان في الصومعة، لا يمكنه أن يأتي بالإعلام إلا بالاستدارة، غير أنه لا يستدبر القبلة؛ لأنه لا ضرورة به إلى ذلك. وأما إذا كان في غير الصومعة، اكتفى بتحويل وجهه ولم يحول قدميه؛ لأنه لا حاجة به إلى ذلك (٢). ٢٧٦ - [فَصْل: في الأذان بغير استقبال القبلة] فإن لم يستقبل القبلة أجزأه، ويكره له ذلك؛ لأن المقصود منه الإعلام، وذلك يوجد وإن استدار، ويكره [له ذلك]؛ لأن الاستقبال سنة في الأذان [لم ينقل الأذان إلا عليها]، فكره تركها. ٢٧٧ - [فَصْل: في جعل المؤذن إصبعيه في أذنيه] ويجعل المؤذن إصبعيه في أذنيه، وإن ترك لم يضره، قال الحسن عن أبي حنيفة: وأحسن له أن يجعل إصبعيه في أذنيه في الأذان والإقامة، وإن جعل يديه (٣) على أذنيه فهو حسن.

стр. 306

وقال ابن أبي مالك، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: وإن جعل إحدى يديه على أذنه فهو حسن، وإن ترك لم يضره؛ وذلك لما روي عن أبي جحيفة عن أبيه: أن بلالًا أذن لرسول الله ﷺ بالأبطح فجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: هي السنة (١). وقال سعيد بن المسيب: لما أمر رسول الله ﷺ بلالًا أن يؤذن، جعل أصبعيه في أذنيه، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فلم ينكر ذلك، فمضت سنة يومئذ (٢)؛ ولأن هذا أبلغ في رفع الصوت، فكان أولى. وأما جواز تركه؛ فلأنه ليس من الأذان، وإنما يفعل للمبالغة في رفع الصوت، ويمكن ذلك بغيره، وقد قال أصحابنا: الأفضل للمؤذن أن يرفع صوته ولا يجهد نفسه؛ لما روي أن النبي ﷺ قال: "يشهد للمؤذن كل ما يسمع صوته" (٣)؛ ولأن المقصود به الإعلام، فالمبالغة فيه أولى. ولا يجهد نفسه فيضر [بها] (٤)؛ لما روي عن عمر أنه سمع مؤذنًا يجهد نفسه، فقال: أما خشيت أن ينقطع مُريطاؤك. ٢٧٨ - فَصْل: [الكلام في الأذان والإقامة] وقد قالوا: إن المؤذن لا يتكلم في الأذان والإقامة، قال معلى عن أبي

стр. 307

يوسف عن أبي حنيفة: لا يرد السلام ولا يتكلم، وقال الثوري: لا بأس أن يرد السلام. لنا: أن المقصود بالأذان الإعلام، فإذا رَدَّ السلام خرج من كونه إعلامًا؛ ولأنه ذِكْر يتقدم على الصلاة فيكون فيه رد السلام كالخُطبة. ٢٧٩ - فَصْل: [في الأذان على وضوء] روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: أحبّ إليّ أن يكون المؤذن على وضوء، وإن لم يكن لم آمره بالإعادة، وفي كتاب الآثار عن النخعي: لا بأس أن يؤذن المؤذن على غير وضوء، قال محمد: وبه نأخذ، ولا نرى بذلك بأسًا، ويكره أن يكون جنبًا، وهو قول أبي حنيفة. وروى الحسن عن أبي حنيفة: فيمن أذّن على غير وضوء فقد أساء، قال، وكان يقول: أكره الأذان والإقامة على غير وضوء. قال الشيخ رحمه الله تعالى: والحاصل من هذا أن الأفضل أن يؤذن ويقيم طاهرًا (١)، فإن ترك الوضوء في الأذان، لم يكره في رواية محمد، ويكره في رواية الحسن. وأما الإقامة فيكره ترك الوضوء فيها في الروايتين جميعًا. ويكره أن يؤذن أو يقيم جنبًا في الروايات. والوجه في ذلك: أن الأذان يتقدم الصلاة فهو معتبر بها، و [الطهارة]

стр. 308

مشروعة في الصلاة، فكذلك في الأذان، وأما إذا ترك ذلك لم يكره في الرواية المشهورة؛ لما روي أن النبي ﷺ عرض عليه الوضوء فقال: "إني لا أريد صلاة" (١)، وهذا يقتضي جوازه (٢)؛ ولأن قراءة القرآن أفضل من الأذان، فإذا جاز ذلك [لقارئ القرآن] (٣) بغير وضوء، فجواز الأذان أولى. وأما الإقامة فيكره ذلك فيها؛ لأن من حكمها أن يليها الدخول في الصلاة من غير فصل، فإذا كان على غير وضوء، فصل بين الإقامة والصلاة بالطهارة، فيكره لذلك لا لعدم الوضوء؛ ولأنه يدعو إلى خير لا يفعله، فدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤]. وأما الجنابة فتكره فيهما، قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: إن أذّن وأقام على غير وضوء أجزأه ولم يُعِد، ولو كان جنبًا فأحب إليّ أن يعيد، وإن لم يعد أجزأه. والوجه في ذلك: أن الأذان والإقامة يفعلان في المسجد أو فيما هو في حكمه، والجنب لا يجوز له دخول المسجد؛ ولأنه ذِكْر يتقدم الصلاة كالخطبة؛ ولأنه يذكر الله فهو كقراءة القرآن، وأما قوله إنه يعيد؛ فلأن النقص بالجنابة نقص كثير، فيمنع من وقوع الأذان المأمور به، فإن لم يعد أجزأه؛ لأن الإعلام (٤) حصل.

стр. 309

٢٨٠ - [فَصْل: في الأذان قاعدًا] وقد قالوا: يكره لمؤذن الجماعة أن يؤذن قاعدًا لغير عذر، فإن فعل فليس عليه إعادة، وإن أذّن الرجل لنفسه قاعدًا فلا بأس. وعن الحسن: ليس من السنة أن يؤذن قاعدًا لغير عذر، وعن عطاء كراهة ذلك، قال مالك: لم أسمع أحدًا فعله. والأصل فيه: أن الأذان مأخوذ من قصة عبد الله بن زيد، وقد قال: إني رأيت رجلًا قائمًا، وهو فعل المؤذنين من لدن رسول الله إلى يومنا [هذا]؛ ولأن المقصود منه الإعلام، وهذا لا يحصل من القاعد، والذي روي عن أبي زيد الأنصاري، أنه أذن وهو قاعد (١)، فقد ذكر في الخبر: أن رجله أصيبت مع رسول الله ﷺ . وأما إذا أذن لنفسه فليس المقصود الإعلام، وإنما المقصود سنة الصلاة؛ فلذلك جاز قاعدًا. ٢٨١ - فَصْل: [في الأذان راكبًا] وقد قالوا: يجوز للمسافر أن يؤذن راكبًا؛ لأن الأذان يقصد به الإعلام، فإن فعل في حالة الركوب فهو أبلغ، وقد روي عن أبي يوسف: أن الراكب يؤذن حيث كان وجهه؛ لأنه يصلي كذلك، قال: وأحبّ إليّ أن ينزل إذا أراد أن يقيم؛ وذلك لأنه إذا نزل لم يفصل بين الإقامة والدخول في الصلاة بشيء آخر، وأما في حال الحضر فظاهر الأصل أنه يكره أن يؤذن راكبًا، وعن أبي يوسف: أنه لا

стр. 310

بأس به، وهذا على أصله أن صلاة التطوع في المصر على الراحلة (١) جائزة. ٢٨٢ - [فَصْل: في أذان العبد والأعرابي] وقد قال أصحابنا: يجوز أذان العبد والأعرابي وولد الزنا، والأولى أن يكون المؤذن عالِمًا بالسنة، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنه قال: أكره أن يكون المؤذن فاجرًا، وإن صلوا بأذانه أجزأهم، وإبداله بمؤذن صالح أفضل. والأصل في ذلك: ما روى صفوان بن سليم قال: قال رسول الله ﷺ : "الإمام ضامن، والمؤذن أمين، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين" (٢). وروي أنه ﵊ قال: "يؤمكم، أقرؤكم، ويؤذن لكم خياركم" (٣)؛ ولأنه إذا كان عالمًا بالسنة عرف أوقات الأذان، وما يلزم تقديمه عليه وتأخيره عنه، فأما أذان العبد والأعرابي؛ فلأن المقصود الإعلام وذلك يوجد بأذانهما، ويفارق في هذه الإمامة؛ لأنه لا يتولاها إلا الأفضل، فإذا تقدم هؤلاء نَفَرَ الناس عن الجماعة. وأما ولد الزنا، فهو من أهل الجماعة، وأذانه يقع به الإعلام، وإنما تكره إمامته؛ لأن الناس يستخفون به، وهذا لا يوجد في الأذان.

стр. 311

٢٨٣ - فَصْل: [في أذان الصبي] وأما الصبي فقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: أكره أن يؤذن من لم يحتلم، وهذا قول مالك والثوري. ورخّص فيه عطاء بن أبي رباح، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والشعبي. والأصل فيه قوله ﵊: "اجعلوا مؤذنيكم أفضلكم في أنفسكم" (١)؛ ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة، والصبي ليس من أهلها، فلا يدعو إلى ما لا يؤمر بفعله، فإن أذَّن جاز؛ لأنه من أهل الجماعة، وإن لم يكن من أهل الفرض فصار كمن صلّى فرضه، ثم أذَّن لقوم. ٢٨٤ - [فَصْل: كراهة أذان المرأة] وأما المرأة إذا أَذَّنت فروى معلى، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: إذا أذنت المرأة فأحب إليّ أن يعيدوا، فقد قال في الأصل: يكره أذان المرأة ويجزيهم. [وأما] وجه الكراهة فلأنها منهية عن رفع الصوت، فإذا رفعت صوتها كره ذلك (٢)، وإن لم ترفعه تركت سنة الأذان، فكره. وأما قوله: ويجزيهم؛ فلأنهم لو صلّوا بغير أذان جاز، كذا هذا (٣). قوله: أحب إليّ أن (٤) يعيدوا؛ فلأن فعلها لم يقع على الوجه المأذون فيه؛

стр. 312

[لأنها ليست من أهل الجماعة]، فلا يعتد بأذانها كالمجنون، بخلاف (١) الصبي؛ لأن الصبي من أهل الجماعة، وقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة قال: وإن أذّنت امرأة، أو مجنون لا يعقل، أو صبي أعيد ذلك، وإن كان غلامًا مراهقًا يعقل الأذان، أجزأهم، وأحبّ إليّ أن يكون رجلًا مدركًا. ٢٨٥ - [فَصْل: الأذان للنساء] قال أصحابنا: ليس على النساء أذان ولا إقامة، وهو قول ابن عمر، والحسن، وابن المسيب، [وعامر]، والزهري، وقتادة، ومكحول. وقال مالك: لم أسمع أحدًا كان يرى ذلك، وقال الأوزاعي: تقيم ولا أذان عليها، وقال الشافعي: لا ترفع صوتها بالأذان مخافة أن تُشتهى (٢). لنا: ما روى القاسم بن محمد، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس على النساء أذان ولا إقامة" (٣)؛ ولأن الأذان من سنة الجماعة، وليس على النساء جماعة؛ ولأن من سنة الأذان رفع الصوت، فإذا لم تثبت سنته في حقهن، لم يثبت (٤) أصله كالمجنون.

стр. 313

والذي قاله الشافعي، فإن كان يعني به [الأذان] في المساجد [فالمقصود به] (١) الإعلام، وإذا لم ترفع به صوتها لم يحصل به المقصود، وإن كان يعني به في البيوت فمن لا يُسن الأذان في حقه في المسجد، لا يسن أيضًا في البيوت (٢). والذي قاله الأوزاعي أيضًا ليس بصحيح؛ لأن من لم يثبت في حقه الأذان، لا يثبت في حقه الإقامة. ٢٨٦ - فَصْل: [أذان الأعمى] قال محمد: والبصير أحبّ إليّ من الأعمى، وقد روي أنه كان للنخعي مؤذن أعمى يقال له معبد، فقال له: لا تكن في أول من يقوم ولا في آخرهم (٣)، وكره ابن عباس أن يؤذن الأعمى. وعن علي ﵁: أنه كان له مؤذن أعمى، فجعل معه مؤذنًا بصيرًا. وعن ابن مسعود قال: (لا أحب أن يكون مؤذنوكم من عميانكم)؛ وذلك لأن الأعمى لا يتوصل إلى معرفة الوقت بنفسه، وإنما يرجع إلى غيره، فكان من يعرف الوقت بنفسه أولى، والذي روي [أن] ابن أم مكتوم: كان يؤذن لرسول الله ﷺ وكان أعمى؛ فلأن بلالًا كان يؤذن قبله، فإذا نزل صعد ابن أم مكتوم فكان يعرف الوقت بأذان بلال (٤).

стр. 314

٢٨٧ - فَصْل: [الصَّلَواتُ التي يُؤَذَّنُ لها] وأما الصلوات التي يُؤَذَّنُ لها: فهي الصلوات الخمس، [والجمعة] إن علمه؛ وذلك لأن النبي ﷺ أذّن لهذه الصلوات وداوم على ذلك. وأما الجمعة فقد روى ابن شهاب عن السائب بن يزيد: أن الأذان كان أوله حين يجلس الإمام على المنبر، يعني يوم الجمعة في عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر وعمر، فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس، أمر عثمانُ يوم الجمعة بالأذان الثالث على الزوراء (١). وأما في العيدين فلا يؤذن لهما، لما روى عطاء عن جابر قال رسول الله ﷺ : "العيدين بلا أذان ولا إقامة" (٢). وأما الوتر فلا يؤذن لها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ صلوها في جماعة حين جمعهم عمر بن الخطاب على أُبيّ بن كعب في قيام الليل ولم يؤذنوا لها؛ ولأن الأذان يتعلق بالصلاة التي تفعل في الجماعة، والوتر في غير رمضان لا يتعلق بالجماعة. ومن أصحابنا من قال: إن أذان العشاء يقع [لها و] للوتر. وليس بصحيح، والصحيح أن الأذان للعشاء خاصة. وأما النوافل فلا يؤذن لها؛ لأن النبي ﷺ والصحابة من بعده لم يؤذنوا لنافلة مع كثرة صلواتهم؛ ولأنها لا تفعل في جماعة، وقد صلّى رسول الله ﷺ

стр. 315

صلاة الاستسقاء والكسوف بغير أذان؛ لأنهما نافلتان. وأما صلاة الجنازة فلا أذان لها؛ وذلك لأنها ليست بصلاة في الحقيقة، وإنما هي دعاء؛ ولأنها ركن مفرد كسجود التلاوة. ٢٨٨ - فَصْل: [الأذان للصلاة قبل دخول الوقت] ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها؛ لأن الأذان دعاء إلى الصلاة، ولا يصح أن يدعى الإنسان [إلى صلاة لا يجوز فعلها فيه] (١)، وهذا لا خلاف فيه إلا في الفجر، فقال أبو حنيفة ومحمد: لا يؤذن لها قبل طلوع الفجر. وقال أبو يوسف: يؤذن لها في النصف الأخير من الليل، وبه قال الشافعي (٢). لنا: ما روى شداد مولى عياض بن عامر قال: دخل بلال إلى النبي ﷺ يؤذنه لصلاة الفجر، فوجده يتسحر في مسجده الذي في بيته ليس عنده إلا الأسودان الماء والتمر، فقال: "يا بلال لا تؤذن حتى تنظر إلى الفجر"، ثم أتاه من الغد فوجده على مثل ذلك فقال: "يا بلال لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر"، ثم أتاه من الغد فوجده على مثل ذلك، فقال: "لا تؤذن حتى تنظر إلى الفجر، هكذا ومد يديه [عرضًا] " (٣). وروى عدي بن حاتم الحمصي عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "وأذن إذا كان الصبح ساطعًا في السماء" (٤).

стр. 316

وروى قيس بن عاصم عن أنس قال: "لم يكن بلال يؤذن حتى يطلع الفجر" (١)، ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة، ولا يصح (٢) الدعاء إلى فعل لا يجوز فعله. وجه قول أبي يوسف: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن" أو قال: "ينادي ليرجع قائمكم، وليتنبه نائمكم، [وليتسحر صائمكم] " (٣)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه يبين أنه وقع لغير صلاة الفجر، (والخلاف في الفجر) (٤). ٢٨٩ - [فَصْل: الصلاة بغير أذان ولا إقامة] قال محمد: ومن صلّى في بيته بغير أذان ولا إقامة أجزأه، وإن فعل فحسن. وقال مالك: ليس الأذان إلا في مسجد جماعة، والمواضع التي تجتمع فيها الأئمة، فأما ما سوى ذلك فالإقامة تجزئهم، وإنما قلنا الأفضل أن يؤذن ويقيم؛ لأنها أركان متعلقة بالصلوات، كسائر أركانها، وإذا اكتفى بما يفعله (٥) الناس جاز، وقد روي عن عمر (٦): إذا كنت في قرية يؤذن فيها ويقام، أجزأك ذلك (٧).

стр. 317

وعن النخعي (أن ابن مسعود صلّى في داره بغير أذان ولا إقامة، وقال: يجزئنا إقامة المقيمين حولنا)؛ ولأن أذان الناس وإقامتهم في المساجد تقع (١) لهذه الصلاة، ألا ترى أن لهذا الرجل أن يصلي معهم، فإذا وقع لها لم يحتج إلى غيره، وقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف [عن أبي حنيفة] في قوم صلّوا في المصر في منزل، أو في غير مسجد، فأخبروا بأذان الناس وإقامتهم أجزأهم، وقد أساؤوا في ترك ذلك؛ وذلك لأن الأذان إذا وقع لجماعة لم يقع [ذلك] لكل جماعة من الناس، وليس كذلك صلاة الواحد؛ لأن أذان الجماعة أذان لأفراد الناس. ٢٩٠ - فَصْل: [هل يؤذن المسافر ويقيم؟] وأما المسافر فيؤذن ويقيم، وقال مالك: لا أذان إلا في مسجد جماعة. لنا: ما روى أبو قلابة، عن بلال بن الحارث (٢) أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما" (٣). وقال ﵊: "من أذّن وصلّى في أرض فلاة صَلّى معه صف من الملائكة، لا يلتقي طرفاه" (٤). وفي حديث أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسير، فأراد بلال

стр. 318

أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله ﷺ : "أبرد" (١). وفي قصة الوادي "أن النبي ﷺ نام حتى أيقظه حرّ الشمس، فقام وخرج من الوادي ثم نزل فأمر بلالًا، فأذن فركع ركعتي الفجر ثم أمره فأقام فصلّى صلاة الفجر" (٢). قال محمد: فإن أقام ولم يؤذن أجزأه، وقد روي عن عليّ أنه قال في المسافر: (إن شاء أذَّن وأقام، وإن شاء أقام). وعن ابن عمر: أنه كان لا يزيد في السفر على الإقامة إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم. [وقد روى جبير بن مطعم قال: "كان النبي ﷺ لا يؤذن في شيء من صلاة السفر إلا بإقامة إلا الصبح، فإنه كان يؤذن ويقيم] (٣) "؛ ولأن حال السفر حالة تخفيف، بدلالة أنه يصلي ركعتين ويفطر ويمسح على خفيه ثلاثة أيام، فجاز أن يخفف في باب الأذان. قال: ويكره للمسافر ترك الإقامة؛ وذلك لأنه اقتصر [له] عليها على وجه التخفيف، فلا يجوز له تركها، كما لا يجوز له ترك الركعتين؛ لأن دعاء الناس في مساجدهم لا يقع لصلاته، ألا تري أنه ليس بمأمور بدخوله المصر ليصلي معهم، وإذا لم تقع إقامتهم له، كره [له] أن يصلي بغير إقامة.

стр. 319

٢٩١ - [فَصْل: أذان واحد وإقامة آخر] قال أصحابنا: إذا أذّن واحد، وأقام آخر، فلا بأس به، وروى بكر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: أكره أن يؤذن واحد ويقيم آخر، فإن فعل ذلك أجزأ من الأذان، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي (١). وقد روي عن عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت أبا محذورة جاء وقد أذّن غيره فأقام هو. وعن علي ﵁: لا بأس بأذان الرجل، والصلاة بإقامة غيره، ومثله عن عائشة. وعن أبي هريرة (٢): لا يقيم إلا من أذّن. لنا: حديث عبد الله بن زيد: أنه حين أُرِي الأذان، أمر النبي ﷺ بلالًا فأذّن، وأمر عبد الله بن زيد فأقام (٣)؛ ولأن الأذان والإقامة ينفرد أحدهما عن الآخر، بدلالة أن العصر يوم عرفة يقام لها ولا يؤذن، فجاز أن يتولاهما اثنان، كالصلاة والأذان؛ ولأن المقصود منهما الإعلام واجتماع الناس، وهذا المعنى موجود في فعل الاثنين. وجه الرواية الأخرى: ما روى زياد بن الحارث الصُدائي أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخا صُداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم" (٤)، وهذا الخبر رواه الثوري،

стр. 320

وقال فيه: "إن أخا صُداء هو الذي أذن"، قال الثوري: وكان يقال من أذن فهو يقيم، فهذه الزيادة من قول الثوري (١). ٢٩٢ - فَصْل: [إعادة الجماعة في المساجد] وقال أصحابنا: إن مسجد الجماعة إذا أذّن فيه وصَلّوا، لم يجز لغيرهم أن يؤذن فيه، ويعيد الجماعة، ولكن يصلون وحدانًا، وإن كان مسجدًا على طريق، فلا بأس أن يؤذنوا فيه ويقيموا مرة بعد مرة (٢)، وإنما لم تجز الإعادة، لما روى خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ أقبل من بعض نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله فجمع أهله، وصلّى بهم" (٣)، فلو جاز إعادة الجماعة لفعلها؛ ولأن المسجد إذا كان له إمام راتب ومؤذن، ففي فعل غيره للصلاة إسقاط تخصصه بالمسجد، فلا يجوز؛ ولأنه لا يجوز أن يفعل فيه الجماعة في حالة واحدة في موضعين؛ لما يؤدي إلى إبطال تخصص الإمام، وهذا المعنى موجود في جماعة بعد جماعة. والذي روي أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي في المسجد، فقال: "من يقوم فيتصدّق على هذا! " (٤)، فإن خبرنا يفيد المنع، فهو أولى، وأما المسجد
следующие страницы →