← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وروى قيس بن عاصم عن أنس قال: "لم يكن بلال يؤذن حتى يطلع الفجر" (١)، ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة، ولا يصح (٢) الدعاء إلى فعل لا يجوز فعله. وجه قول أبي يوسف: حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره، فإنه يؤذن" أو قال: "ينادي ليرجع قائمكم، وليتنبه نائمكم، [وليتسحر صائمكم] " (٣)، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه يبين أنه وقع لغير صلاة الفجر، (والخلاف في الفجر) (٤). ٢٨٩ - [فَصْل: الصلاة بغير أذان ولا إقامة] قال محمد: ومن صلّى في بيته بغير أذان ولا إقامة أجزأه، وإن فعل فحسن. وقال مالك: ليس الأذان إلا في مسجد جماعة، والمواضع التي تجتمع فيها الأئمة، فأما ما سوى ذلك فالإقامة تجزئهم، وإنما قلنا الأفضل أن يؤذن ويقيم؛ لأنها أركان متعلقة بالصلوات، كسائر أركانها، وإذا اكتفى بما يفعله (٥) الناس جاز، وقد روي عن عمر (٦): إذا كنت في قرية يؤذن فيها ويقام، أجزأك ذلك (٧).

стр. 317

وعن النخعي (أن ابن مسعود صلّى في داره بغير أذان ولا إقامة، وقال: يجزئنا إقامة المقيمين حولنا)؛ ولأن أذان الناس وإقامتهم في المساجد تقع (١) لهذه الصلاة، ألا ترى أن لهذا الرجل أن يصلي معهم، فإذا وقع لها لم يحتج إلى غيره، وقد روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف [عن أبي حنيفة] في قوم صلّوا في المصر في منزل، أو في غير مسجد، فأخبروا بأذان الناس وإقامتهم أجزأهم، وقد أساؤوا في ترك ذلك؛ وذلك لأن الأذان إذا وقع لجماعة لم يقع [ذلك] لكل جماعة من الناس، وليس كذلك صلاة الواحد؛ لأن أذان الجماعة أذان لأفراد الناس. ٢٩٠ - فَصْل: [هل يؤذن المسافر ويقيم؟] وأما المسافر فيؤذن ويقيم، وقال مالك: لا أذان إلا في مسجد جماعة. لنا: ما روى أبو قلابة، عن بلال بن الحارث (٢) أن النبي ﷺ قال له ولصاحب له: "إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أحدكما" (٣). وقال ﵊: "من أذّن وصلّى في أرض فلاة صَلّى معه صف من الملائكة، لا يلتقي طرفاه" (٤). وفي حديث أبي ذر قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسير، فأراد بلال

стр. 318

أن يؤذن للظهر، فقال له رسول الله ﷺ : "أبرد" (١). وفي قصة الوادي "أن النبي ﷺ نام حتى أيقظه حرّ الشمس، فقام وخرج من الوادي ثم نزل فأمر بلالًا، فأذن فركع ركعتي الفجر ثم أمره فأقام فصلّى صلاة الفجر" (٢). قال محمد: فإن أقام ولم يؤذن أجزأه، وقد روي عن عليّ أنه قال في المسافر: (إن شاء أذَّن وأقام، وإن شاء أقام). وعن ابن عمر: أنه كان لا يزيد في السفر على الإقامة إلا في صلاة الفجر، فإنه كان يؤذن ويقيم. [وقد روى جبير بن مطعم قال: "كان النبي ﷺ لا يؤذن في شيء من صلاة السفر إلا بإقامة إلا الصبح، فإنه كان يؤذن ويقيم] (٣) "؛ ولأن حال السفر حالة تخفيف، بدلالة أنه يصلي ركعتين ويفطر ويمسح على خفيه ثلاثة أيام، فجاز أن يخفف في باب الأذان. قال: ويكره للمسافر ترك الإقامة؛ وذلك لأنه اقتصر [له] عليها على وجه التخفيف، فلا يجوز له تركها، كما لا يجوز له ترك الركعتين؛ لأن دعاء الناس في مساجدهم لا يقع لصلاته، ألا تري أنه ليس بمأمور بدخوله المصر ليصلي معهم، وإذا لم تقع إقامتهم له، كره [له] أن يصلي بغير إقامة.

стр. 319

٢٩١ - [فَصْل: أذان واحد وإقامة آخر] قال أصحابنا: إذا أذّن واحد، وأقام آخر، فلا بأس به، وروى بكر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: أكره أن يؤذن واحد ويقيم آخر، فإن فعل ذلك أجزأ من الأذان، وهو قول مالك، والثوري، والشافعي (١). وقد روي عن عبد العزيز بن رفيع قال: رأيت أبا محذورة جاء وقد أذّن غيره فأقام هو. وعن علي ﵁: لا بأس بأذان الرجل، والصلاة بإقامة غيره، ومثله عن عائشة. وعن أبي هريرة (٢): لا يقيم إلا من أذّن. لنا: حديث عبد الله بن زيد: أنه حين أُرِي الأذان، أمر النبي ﷺ بلالًا فأذّن، وأمر عبد الله بن زيد فأقام (٣)؛ ولأن الأذان والإقامة ينفرد أحدهما عن الآخر، بدلالة أن العصر يوم عرفة يقام لها ولا يؤذن، فجاز أن يتولاهما اثنان، كالصلاة والأذان؛ ولأن المقصود منهما الإعلام واجتماع الناس، وهذا المعنى موجود في فعل الاثنين. وجه الرواية الأخرى: ما روى زياد بن الحارث الصُدائي أن رسول الله ﷺ قال: "إن أخا صُداء قد أذن، ومن أذن فهو يقيم" (٤)، وهذا الخبر رواه الثوري،

стр. 320

وقال فيه: "إن أخا صُداء هو الذي أذن"، قال الثوري: وكان يقال من أذن فهو يقيم، فهذه الزيادة من قول الثوري (١). ٢٩٢ - فَصْل: [إعادة الجماعة في المساجد] وقال أصحابنا: إن مسجد الجماعة إذا أذّن فيه وصَلّوا، لم يجز لغيرهم أن يؤذن فيه، ويعيد الجماعة، ولكن يصلون وحدانًا، وإن كان مسجدًا على طريق، فلا بأس أن يؤذنوا فيه ويقيموا مرة بعد مرة (٢)، وإنما لم تجز الإعادة، لما روى خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه: "أن رسول الله ﷺ أقبل من بعض نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله فجمع أهله، وصلّى بهم" (٣)، فلو جاز إعادة الجماعة لفعلها؛ ولأن المسجد إذا كان له إمام راتب ومؤذن، ففي فعل غيره للصلاة إسقاط تخصصه بالمسجد، فلا يجوز؛ ولأنه لا يجوز أن يفعل فيه الجماعة في حالة واحدة في موضعين؛ لما يؤدي إلى إبطال تخصص الإمام، وهذا المعنى موجود في جماعة بعد جماعة. والذي روي أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي في المسجد، فقال: "من يقوم فيتصدّق على هذا! " (٤)، فإن خبرنا يفيد المنع، فهو أولى، وأما المسجد

стр. 321

الذي ليس له إمام راتب، فليس له من يختص بإقامة الجماعة فيه، فصار الأول والآخر سواء. قال الحاكم: قول أبي يوسف الآخر أنه لم ير بأسًا أن يصلي في المسجد مرة [بعد مرة] أخرى، إذا لم يقم الإمام في موضع الإمام، ولكن يصلي في ناحية المسجد؛ وذلك لأن هذا لا يبطل تخصيص الإمام به. ٢٩٣ - [فَصْل: الفصل بين الأذان والإقامة] وقد قال أصحابنا: إن المؤذن ينبغي أن يفصل بين الأذان والإقامة بقَعْدة أو بصلاة إلا المغرب في قول أبي حنيفة، فإنه لا يفصل بينهما بجلسة. وقال أبو يوسف ومحمد: يجلس بينهما جلسة خفيفة. وقال محمد في الأصل: أحب إليّ أن يقوم بينهما ولا يقعد (١)، ولم يذكر الكراهة، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنه كان يكره القعدة بينهما. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة قال: وينبغي للمؤذن إذا أذن لصلاة المغرب أن [يجعل] (٢) بين أذان المغرب وبين إقامته قدر ما يقرأ الإنسان فيه ثلاث آيات، وينبغي للمؤذن إذا أذن لصلاة الفجر أن يجلس قدر ما يقرأ القارئ عشرين آية ثم يثوّب (٣)، قال: وإن صلّى ركعتي الفجر بين الأذان والتثويب

стр. 322

فحسن، قال: وفي الظهر يصلي بين الأذان والإقامة أربع ركعات يقرأ في كل ركعة نحوًا من عشر آيات، وبين أذان العصر وبين إقامته ركعتين، في كل ركعة نحوًا من عشر آيات، وبين أذان العشاء وبين إقامته مثل الظهر، وإن لم يصلِّ فليجلس قدر ذلك. وجه قول أبي حنيفة: أن القعدة إن كانت مقدار القيام فبقاؤه على هذه الحالة أولى؛ لأنه مستقبل القبلة متأهب للصلاة، وإن زادت على ذلك لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى تأخير المغرب؛ ولأنه لو جاز الفصل بينهما بقعدة، جاز الفصل بينهما [بصلاة] كسائر الصلوات. [وجه قولهما: أن الفصل إنما يحتاج إليه لاجتماع الناس، وتأهب الجماعة، وليفصل الأذان عن الإقامة كما يفعل في سائر الصلوات]. وقد حكي عن الشافعي جواز التنفل بينهما (١). وهذا مخالف لما روي أن النبي ﷺ قال: "بين كل أذانين صلاة إلا المغرب" (٢)؛ ولأن التنفل بينهما يؤدي إلى تأخير المغرب، وذلك لا يجوز. وأما سائر الصلوات فقد روى مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "للمؤذن بين الأذان والإقامة سكتة" (٣)، وروى مغيرة عن عامر قال: عُلّم عبد الله

стр. 323

بن زيد الأذان والإقامة في النوم، فقيل له: اجعل بين الأذان والإقامة قدر ما يستيقظ النائم. وعن ابن عمر أنه قال لمؤذنه: "إنك في أرض حارة، فأبرد ثم أبرد ثم ناد بالصلوات ثم ثوّب أذانك" (١)، وروي أنه قال لمؤذنه: إذا أذنت بالأولى من صلاة الظهر فأمهل قدر ما يقوم الرجل من أقصى المدينة فيتوضأ أو يغتسل غير عجل، ثم يلبس ثيابه ثم يقبل إلى المسجد يمشي على هيئته ثم يركع أربع ركعات غير عجل ثم أقم الصلاة (٢). ٢٩٤ - فَصْل: [الأذان للفوائت] [قال الشيخ رحمه الله تعالى:] ولم يذكر أبو الحسن الأذان للفوائت، وقد قال محمد في الأصل: في القوم يفوتهم الظهر فلا بأس أن يؤذنوا ويقيموا ويؤمهم بعضهم ولو كان ذلك في ظهر وعصر وأذن مؤذنهم، وأقام فصلوا الظهر، ثم إن مؤذنهم أذّن أيضًا وأقام، فصلوا العصر في جماعة أجزأهم. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: فيمن فاتته صلاة حتى خرج وقتها، فإنه يؤذن ويقيم ويصلي، وإن ترك الأذان والإقامة، فلا بأس، وإن فاتت صلاة أو صلاتان لجماعة من الناس حتى خرج الوقت فاجتمعوا، فإنهم يؤذنون ويقيمون لكل صلاة، وإن اجتزؤوا بالإقامة أجزأتهم [يعني]: الإقامة [لما

стр. 324

بعد الأولى، والأذان والإقامة للأولى]. وقال الحسن: قال أبو حنيفة: وكل صلاة نسيها ثم تذكرها فإن عليه أن يؤذن لها ويقيم إن كان في سفر، وإن كان في حضر فليس عليه ذلك. فجعل الفائت كالأصل. وقال محمد في الإملاء: إذا فاتت صلوات، فإن صلاهنّ بإقامة كما فعل رسول الله ﷺ يوم الخندق فحسن، وإن أذّن لكل واحدة فحسن. وقال محمد في الآثار: لو صلّى بغير أذان وإقامة أجزأه، وهما أفضل، وإن أقام لكل صلاة ولم يؤذن فهو أفضل من ترك الإقامة. قال أبو يوسف في الإملاء: وإن تركهما جاز، وأحبّ إليّ أن يكون (١) بأذان وإقامة. وقال الثوري: ليس في الفوائت أذان ولا إقامة، وقال مالك: إقامة إقامة. وقال الشافعي في الجديد: يقام فحسب، وقال في الإملاء: إن أمّل اجتماع الناس أذّن، وقال في القديم: يؤذن (٢). أما إذا فاتت واحدة، فالسنة أن يؤذن لها ويقيم، لما روى الحسن عن عمران بن الحصين في قصة الوادي إلى قوله: (وأمر بلالًا فأذن فصلينا ركعتين، ثم أمره فأقام فصلّى الغداة)؛ ولأنه ذكر مسنون يتعلق بالصلاة في وقتها، فيتعلق

стр. 325

بها بعد فواتها كالتسبيحات. وأما إذا فاتته الصلوات أذن للأولى وأقام وهو مخير في الثانية: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة. وقد روى أبو عبيدة عن عبد الله: (أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلّى الظهر، ثم أقام فصلّى العصر، فذكر إقامة إقامة لكل صلاة) (١). وروى أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود: "أن النبي ﷺ أمر بلالًا فأذّن وأقام فصلّى الظهر، وأذّن وأقام فصلّى العصر، وأذن وأقام فصلّى المغرب، وأذن وأقام فصلّى العشاء" (٢). وقد روى أبو سعيد الخدري في هذه القصة أنه ﵊: "دعا بلالًا فأمره (فأذن) (٣) فأقام الظهر فصلى ثم أمره فأقام العصر" (٤)، والزيادة في الأخبار أولى؛ ولأن قوله: فأقام، يجوز أن يكون معناه: أذّن وأقام؛ لأنه قال: ثم أقام للعشاء، وهي صلاة مفعولة في وقتها، فلا بدّ من أن يكون لها أذان (٥) وإقامة. ٢٩٥ - فَصْل: [التثويب في الفجر] قال الشيخ رحمه الله تعالى:] ولم يذكر أبو الحسن ﵀ التثويب، وقال

стр. 326

محمد في الأصل: ولا يثوّب في شيء من الصلوات إلا الفجر (١)، وقال الشافعي في الجديد: ولا أحب التثويب في الصبح (٢)، ولا في غيرها. لنا: ما روى الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال أن النبي ﷺ قال له: "يا بلال ثوب في الفجر، ولا تثوب في العشاء" (٣). وروى زيد بن أسلم أن بلالًا أتى النبي ﷺ يؤذنه بالصلاة، فوجده نائمًا فقال: الصلاة خير من النوم، فقال النبي ﷺ : "ما أحسن هذا، اجعله في أذانك" (٤). وقال عطاء: كان أبو محذورة مؤذن رسول الله ﷺ بمكة، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ولا يثوّب إلا في صلاة الصبح (٥). وروى أبو بكر بن عياش، عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يقول: كنت غلامًا مراهقًا صبيًا فأذّنت عند رسول الله ﷺ يوم خيبر (٦)، فلما انتهيت إلى حيّ على الفلاح، قال لي: ألحق به "الصلاة خير من النوم" (٧).

стр. 327

وروى عطاء عن أبي محذورة أنه أذّن لرسول الله ﷺ ولأبي بكر ولعمر، فكان يختم أذانه بلا إله إلا الله، وكان لا يثوّب إلّا في صلاة الفجر (١). وروى ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان التثويب على عهد رسول الله: الصلاة خير من النوم (٢). وروى الزهري عن ابن المسيب قال: جاء بلال إلى النبي ﷺ ليؤذنه بالصلاة، فقيل هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك (٣). وعن أبي الأسود: أن أبا أمامة بن سهل بن حنيف أخبره أن عمر ﵁ سمع عمارًا يقول في الصبح: حَيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، فلم ينهه عن ذلك (٤). وعن سويد بن غفلة قال: جاورت بلالًا سنين، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ولا يثوّب إلّا في صلاة الصبح (٥). وهذه أخبار مستفيضة في التثويب، فلا يجوز مخالفتها؛ ولأن هذه الصلاة تقع في حال نوم وغفلة، فجاز أن يختص بزيادة إعلام (٦).

стр. 328

٢٩٦ - [فَصْل: التثويب في العشاء] ولا يثوّب في العشاء، وقال الحسن بن حي: يثوّب. لنا: حديث بلال أن النبي ﷺ قال له: "ثوّب في الفجر، ولا تثوّب في العشاء" (١)، ويروى: "نهاني رسول الله ﷺ أن أثوّب في العشاء" (٢)؛ ولأن هذه الصلاة لا تقع في حال نوم وغفلة، كسائر الصلوات. ٢٩٧ - فَصْل: [في صفة التثويب] وأما صفة التثويب فقد روى بشر عن أبي يوسف: أنه سأل أبا حنيفة عن التثويب فقال: حدثنا حماد عن إبراهيم: أن التثويب الأول في صلاة الصبح ولم يكن في غيرها، وكان الصلاة خير من النوم، فأحدث الناس حي على الصلاة [مرتين] حي على الفلاح مرتين، قال إبراهيم: وهو حسن، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف. وعن أبي يوسف: أنه لا بأس بذلك في سائر الصلوات، ويقول معه: الصلاة رحمك الله، وذكر في الجامع الصغير عن أبي حنيفة أنه قال: الذي يثوب الناس بين الأذان والإقامة حي على الصلاة مرتين حسن (٣)، وروى المعلى عن أبي يوسف أنه قال: التثويب الثاني أحبّ إليّ من أن يقول الصلاة خير من النوم، وروي مثله عن أبي حنيفة.

стр. 329

وقال أبو يوسف (١): لا بأس أن يقال للأمير: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله حَيّ على الصلاة. أما التثويب الأول فقد ذكرنا ما روي فيه من الأخبار، وأما التثويب الثاني فقد ذكر الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: "كان بلال إذا أذن الأذان الأول أتى رسول الله ﷺ فوقف على الباب وقال: الصلاة يا رسول الله [صلّى الله عليك، الصلاة خير من النوم]، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح"، وذكر أبو يوسف عن كامل بن العلاء السعدي قال: كان بلال إذا أذن أتى رسول الله ﷺ فيسلّم عليه ثم قال: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح رحمك الله. وروى زهير عن عمران بن مسلم قال: أرسلني سويد إلى [مؤذننا] (٢) لأعلّمه أو فعلمته الأذان قال: قل له لا يثوب إلا في صلاة الغداة، وإذا فرغ من الأذان فليقل: الصلاة خير من النوم [الصلاة خير من النوم]، فإذا كان قبيل (٣) الإقامة فليقل: حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، ويختم الأذان بلا إله إلا الله، فإنه أذان بلال، وسويد بن غفلة [من وجوه التابعين]، وقد علّمه الأذان كما ذكرنا، فدل ذلك على وجوده في زمن الصحابة والتابعين؛ ولأن الصحابة أحدثت التثويب الثاني، وقد قال ﵊: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن" (٤)؛ ولأن التثويب عبارة عن الرجوع إلى

стр. 330

الشيء، يقال منه ثاب فلان عن سفره أي رجع، والفلاح والصلاة موجودان في الأذان، فكان التثويب هو الرجوع إلى ما هو موجود فيما تقدم فهو أولى وأخص بالاسم. ٢٩٨ - [فَصْل: في موضع التثويب] أما الكلام في موضع التثويب (١) فقد ذكر في الأصل: أن التثويب الأول بعد الأذان "الصلاة خير من النوم" (٢). وهذا يفيد أنه لا يفعل في نفس الأذان. وذكر في الآثار عن إبراهيم: أنه سئل عن التثويب، فقال: هو ما أحدثه الناس، [وهو حسنٌ مما أحدثوا] وإن تثويبهم الأول كان حين يفرغ المؤذن من أذانه: الصلاة خير من النوم، قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبي حنيفة. روى ابن شجاع عن أبي حنيفة: أن التثويب إذا فرغ (٣) من الأذان فقال: لا إله إلا الله، قال: الصلاة خير من النوم، وكان يقول: هذا هو التثويب. قال أبو الحسن: هذا غير معروف (٤) عنه، ويحتمل أن يكون قوله هذا هو التثويب يعني: الأول. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه قال: وينبغي أن يكون التثويب في الفجر بعدما يفرغ من الأذان قدر ما يقرأ الإنسان عشرين آية، ثم يثوّب فيقول: حَيَّ على الصلاة، حَيّ على الفلاح مرتين مرتين، وروى ابن سماعة عن أبي

стр. 331

يوسف في التثويب بعد الأذان بساعة. وفي الجامع الصغير: بين الأذان والإقامة، قال الحسن بن زياد: وإن صلوا ركعتي الفجر فيما بين الأذان والتثويب فلا بأس، وهو قول أبي حنيفة. قال: ويثوّب وهو قائم كما يؤذن في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، قال الحسن في كتاب الصلاة: قال أبو حنيفة: التثويب إذا فرغ من الأذان قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الصلاة خير من النوم مرتين [قال الحسن: وفيها قول آخر؛ أنه يؤذن ويمكث ساعة، ثم يقول: حي على الصلاة مرتين، وبه نأخذ]. قال أبو يوسف في الجوامع: التثويب بين الأذان والإقامة، لا يجعله في قلب (١) الأذان، وذكر الطحاوي في التثويب الأول: أنه يقوله في نفس الأذان، وذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة: أن التثويب الأول يقوله في نفس الأذان، والثاني فيما بين الأذان والإقامة. وجه الرواية التي جعل التثويب الأول بعد الأذان: ما روى أبو يوسف عن كامل بن العلاء، عن صالح عن أبي محذورة قال: كان التثويب مع الأذان: الصلاة خير من النوم مرتين. وقوله معه، لا يفهم أنه كان مفعولا فيه، وكذلك خبر بلال، "أنه كان يؤذن، فلما فرغ من أذانه مشى إلى رسول الله ﷺ ، فقال: الصلاة خير من النوم" فلما أقرّ على فعله بعد الأذان، وجب أن يكون هناك موضعه؛ ولأنه إذا كان بعد الأذان فهو أبلغ في الإعلام، والخبر الذي روي "فاجعل ذلك في أذان الفجر" معناه: أنه خص (٢) بالتثويب [كما روي: فأقر ذلك في صلاة الفجر وإن لم يفعل ذلك

стр. 332

في نفس الصلاة]. وأما رواية الحسن في اعتبار مقدار عشرين آية، فقال ابن شجاع: وفسر الحسن في ذلك سببًا لم نسمعه من غيره، قال: وينبغي للمؤذن في صلاة الفجر أن يجلس قدر ما يقرأ القارئ عشرين آية ثم يثوّب. وهذا التقدير غير معتبر، فيما ذكره لا محالة، وإنما يحتاج أن يفعل بين الذكرين؛ ليقع بالإعلام زيادة على ما وقع بالأذان، والأولى أن يقال: إن التثويب الأول يفعل في نفس الأذان على ما قاله الطحاوي (١)، والتثويب الثاني يفعل بينهما؛ لأن ذلك أقرب إلى ظواهر الأخبار] (٢). ٢٩٩ - [فَصْل: صلاة من فاتته الجمعة] وقد قالوا: فيمن فاتته الجمعة صلّى الظهر فرادى بغير أذان ولا إقامة، وكذلك أهل السجن والنساء والعبيد والمرضى، والمسافرون؛ لأن الناس في سائر الأعصار اتفقوا على ترك الأذان يوم الجمعة في مساجدهم، فلا يخلو من أن يكون فيهم من لا جمعة عليه، فلو جاز الأذان لفعلوه؛ ولأن الظهر في هذا الوقت يكره فعلها في جماعة، فلا يؤذن لها، كالنوافل (٣).

стр. 333

بَابْ: التحري في استقبال القبلة قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: الفرض على المصلي استقبال القبلة، وإصابة عينها إذا قدر عليها، والجهة إذا لم يقدر على عينها. قال الشيخ رحمه الله تعالى جملة هذا: أن التوجه من شرائط الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وقد كانت الصلاة بمكة فرضت إلى بيت المقدس، فكان رسول الله ﷺ يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس (١) ويصلي، فلما هاجر إلى المدينة اضطر إلى ترك استقبال الكعبة، وكان يحب أن تكون قبلته؛ لأنها قبلة أبيه إبراهيم ﵇، فسأل جبريل أن يسأل الله تعالى فيجعل قبلته إلى الكعبة، فكان يصلي إلى بيت المقدس وينتظر نزول جبريل، فنزل بقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، واتفق الشيخان أبو الحسن وأبو بكر الرازي: أن فرض القبلة لمن غاب عن الكعبة الجهة، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: فرضه العين (٢)، وأما المشاهد للكعبة ففرضه عينها بالإجماع لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]؛ ولأنه قادر على التوجه إليها. وأما الغائب فوجه [ما قاله أبو الحسن وأبو بكر الرازي] (٣) أنه: غير قادر

стр. 334

على إصابة العين في الغيبة، ففرضه ما قدر عليه. ووجه قول أبي عبد الله قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]، ولم يفصل؛ ولأن [استقبال البيت] (١) ثبت لحرمة البقعة، وهذا موجود في العين دون الجهة؛ ولأن الفرض لو كان الجهة لكان إذا اجتهد فأخطأ، يلزمه الإعادة؛ لأنه انتقل من اجتهاد إلى يقين، فلما لم يلزمه الإعادة، دل على أن فرضه العين، وقد انتقل من اجتهاد إلى اجتهاد. ٣٠٠ - [فَصْل: التحري في القبلة إذا اشتبهت الجهة] قال: فإن اشتبهت الجهة عليه تحرى. والأصل في جواز التحري في القبلة: أن أصحاب رسول الله ﷺ اجتهدوا فأخطؤوا، ولم ينكر النبي ﷺ عليهم، ونزل قوله (٢) تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]؛ ولأن الأمة أجمعت على جواز الاجتهاد في القبلة، وجعلوه أصلًا للاجتهاد في الأحكام. ٣٠١ - [فَصْل: الصلاة بالاجتهاد إلى غير القبلة] وأما إذا اجتهد فصلّى إلى بعض الجهات، ثم تبين أنه أخطأ بعد الفراغ في صلاته، فلا إعادة عليه، ويستوي في ذلك أن يكون صلّى إلى يمين القبلة أو يسارها أو عكسها، وقال الشافعي: عليه الإعادة (٣).

стр. 335

لنا: حديث عبد الله بن عامر قال: كنا مع أصحاب رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فاشتبهت علينا القبلة، فصلّى كل [واحدٍ] منا إلى جهة وخطَّ بين يديه خطًّا، فلما أصبحنا وجدنا تلك الخطوط لغير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فقال: "تَمّت صلاتكم" (١)، ويروى أنه قال: "لا إعادة عليكم" (٢)؛ ولأنها جهة جازت الصلاة إليها لعذرٍ، فإذا زال العذر (بعد الفراغ منها) (٣)، لم يجب عليه الإعادة، كالخائف. وأما إذا اجتهد بمكة فبان خطؤه، فقد كان أبو بكر الرازي يقول: يعيد لأنه انتقل من اجتهاد إلى يقين، وكذلك يجب أن يكون بالمدينة؛ لأن قبلتها معلومة بيقين (لإخبار النبي ﷺ بذلك) (٤)، وذكر ابن رستم عن محمد فيمن بان له الخطأ بمكة: أنه لا إعادة عليه. وهو الأقيس، وأما إن استبان [له] الخطأ وهو في الصلاة [استدار إلى القبلة] (٥)؛ لأن فرضه تعين حين علم بالقبلة، فكان عليه التوجه في الصلاة إليها؛ لما روي: أن أهل قُباء بلغهم نسخ القبلة وهم في صلاة الفجر فاستداروا إليها. ٣٠٢ - [فَصْل: السؤال عن القبلة] وقد قالوا: فيمن كان بحضرته من يسأله عن القبلة، لم يجز له أن يجتهد؛

стр. 336

لأنه يقدر على الوصول إلى الحكم بالخبر، فلم يجز [له] الاجتهاد، كالحاكم إذا اجتهد مع النصّ. قال أبو الحسن: ويلزمه الإعادة إذا علم أنه أخطأ؛ لأنه ترك الفرض مع القدرة عليه، وقد قال أبو حنيفة ومحمد: فيمن أدّاه اجتهاده إلى جهة، فصلّى إلى غيرها، فصلاته فاسدة، وإن علم أنه أصاب القبلة. وقال أبو يوسف: صلاته جائزة إذا أصاب القبلة. وجه قولهما: أنه ترك فرضًا كان لزمه عند الافتتاح، فصار كمن ترك النية أو الوضوء. وجه قول أبي يوسف: أن المقصود بالاجتهاد إصابة الجهة من القبلة، وقد حصّله (١) فصار كمن شك في إناءين، فتوضأ بالطاهر بغير اجتهاد وهو لا يعلم، وعلى هذا الخلاف إذا ترك [أن يسأل] من بحضرته فأصاب القبلة، وجب أن لا تجوز صلاته؛ لأنه ترك فرضًا من فروضها. ٣٠٣ - [فَصْل: سقوط التوجه إلى القبلة] ولا [يجوز] (٢) أن يترك التوجه إلى الجهة مع العلم بها، إلا عند الخوف على نفسه، وسواء كان الخوف عدوًا أو سبعًا، أو قطاع طرق، أو كان على خشبة في البحر يخاف إن انحرف إلى القبلة أن يغرق، أو المريض لا يجد من يحوّله إلى القبلة؛ وذلك لأن شرائط الصلاة تسقط بخوف الضرر، كالوضوء والركوع والسجود (٣).

стр. 337

بَابْ: افتتاح الصلاة ٣٠٤ - فَصْل: [الدخول في الصلاة] قال الشيخ رحمه الله تعالى: الدخول في الصلاة لا يجوز إلا بذكر مع القدرة عليه، وعن ابن عُلَيَّة والأَصَمّ: أنه يدخل فيها بمجرد النية. لنا: قوله ﵊: "وتحريمها التكبير" (١)، وفي حديث الأعرابي: أن النبي ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، [إلى أن قال: ثم يكبر] ثم يقول الله أكبر" (٢)؛ ولأن الصلاة تشتمل على أفعال وأذكار، فإذا كان في [أفعالها] (٣) ما هو واجب، فكذلك في [أذكارها]. وحكي (٤) عن الحسن، وعطاء: فيمن نسي [تكبيرة الافتتاح]، أن تكبيرة الركوع تقوم مقامها. وهذا فاسد؛ لأن القيام ركن، فلا يجوز أن يتأخر عنه التكبير كالركوع؛ ولأن هذه التكبيرة ليست بشرط، فلا تنوب مناب ما هو شرط. ٣٠٥ - [فَصْل: هل التكبيرة من الصلاة؟] وكان أبو الحسن رحمه الله تعالى يقول: إن التكبيرة ليست من الصلاة،

стр. 338

وإنما يقع بها الدخول في الصلاة عقيبها. وقال الشافعي: هي من الصلاة (١). لنا: قوله ﵊: "تحريمها التكبير" (٢) [فجعله تحريمًا لجميعها]، وهذا يقتضي تأخرها عنه؛ ولأنه لا يخلو إما أن يكون داخلًا في الصلاة بأول جزء منها (٣)، فيكون داخلًا [في الصلاة] بغير ذكر، أو داخلًا بالفراغ من التكبير، وهو قولنا. أو يكون دخوله مراعىً، فإذا أتمّ التكبير صار داخلًا بأوله، وهذا لا يصح؛ لأن ما ليس بصلاة لا ينقلب حتى يصير صلاة؛ ولأنه ذكر لا يتأدّى (٤) به جزء من أجزاء الصلاة، فلم يكن (٥) منها، كالخطبة والإقامة. ٣٠٦ - [فَصْل: الذِّكْر الذي يَدْخُلُ به في الصَّلَاة] وأما صفة الذكر الذي يدخل به في الصلاة، فقد قال أبو حنيفة ومحمد: يدخل في الصلاة بكل ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى، مثل قوله: الله أكبر، وأجل، وأعظم، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، ويجوز بأي أسمائه سمى (٦) كقوله الرحمن الرحيم. وقال أبو يوسف: لا يدخل فيها إلا [بالتكبير، والتكبير: الله] (٧) أكبر،

стр. 339

والكبير، أو الأكبر. وقال مالك: لا يجوز إلا بالله أكبر، وقال الشافعي: يجوز بأكبر والأكبر (١). لنا: قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] (ولم يفصل) (٢)؛ لأنه ذكر يقصد به تعظيم الله تعالى: [كقوله: الله أكبر] (٣)؛ ولأنه ذَكَر اسمًا لله تعالى على جهة (٤) التعظيم، كقوله: الله أكبر. وجه قول أبي يوسف: قوله ﵊: "وتحريمها التكبير"، وقوله للأعرابي: ثم تكبر. [قال]: ولو افتتح الصلاة بالدعاء مثل قوله: اللهم اغفر لي، لم تجز صلاته؛ لأنه ليس بتعظيم الله تعالى خالصًا، وإنما يقصد بهذا: الطلب والمسألة. ٣٠٧ - [فَصْل: ذكر الأسماء فقط] وأما إذا ذكر الاسم من غير صفة فقال: الله، أو الرحمن، صَحّ دخوله فيها في رواية الحسن، وظاهر كلام محمد في الأصل: يقتضي أن الصفة شرط؛ لأنه قال: إذا قال: الله أكبر، أو أجل، أو أعظم، جاز (٥). ووجه ذلك أن التعظيم لا [يقع] بمجرد الاسم حتى تنضم إليه الصفة،

стр. 340

والمقصود من الاسم (١): التعظيم. وجه رواية الحسن: أن الاسم فيه ضرب من التعظيم؛ لأنه مأخوذ من التأله، [فلم يحتج مع قوله: الله، إلى الصفة] (٢). ٣٠٨ - [فَصْل: ما يقال في افتتاح الصلاة] و [قد] ذكر ابن شجاع في المجرد عن أبي حنيفة قال: أكره أن تفتتح الصلاة إلا بقوله الله أكبر؛ وذلك لأن النبي ﷺ دخل بلفظ التكبير وداوم عليه، وأقل أحوال المداومة أن تفيد الفضيلة. ٣٠٩ - [فَصْل: الدخول في الصلاة بلفظ غير العربية] وأما الدخول بلفظ [غير] العربية: فيجوز عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز ذلك إذا كان يحسن العربية (٣). لأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]؛ ولأنه ذِكْرٌ يقع به الدخول في العبادة كالتلبية؛ ولأنه ذِكْرٌ واجب فلا يختص بالعربية، كالتسمية على الذبيحة. لهما: قوله ﵊: "ثم تكبر"، وأما إذا لم يحسن العربية، جاز بلا خلاف؛ لأن هذا عذر، والأعذار لها تأثير في إسقاط الواجبات.

стр. 341

٣١٠ - [فَصْل: تكبير المؤتمّ مع تكبيرة الإمام الإحرام] وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أن المؤتم إذا كبّر مع تكبيرة الإمام جاز، وكذلك روى ابن رستم عن محمد، وهو قول زفر. وقال أبو يوسف: لا يكبّر إلا بعد تكبيرة الإحرام. وجه قول أبي حنيفة: أنه ركن من أركان الصلاة، فجاز للمؤتم مشاركة الإمام فيه، كالسجود والركوع. وجه قول أبي يوسف: قوله ﵊: "فإذا كبّر فكبّروا" (١)، والفاء للتعقيب؛ ولأنه دخل فيها [مع] (٢) دخول الإمام فصار كما لو سبقه. وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف قال: إن مَدَّ الإمام التكبير وحذف (٣) رجل خلفه ففرغ منه قبل أن يفرغ الإمام، قال: يعيد إذا كبّر، ولا يجزيه التحريم، و [ظاهر] هذا يقتضي أنه إذا مدّ حتى فرغ مع الإمام أجزأه. وقال الحسن في إثر مسائل حكاها عن أبي حنيفة: فإن أفصح المؤتم بقول (الله) تعالى قبل أن يقول الإمام ذلك، لم يكن داخلًا مع الإمام [في الصلاة حتى يفصح بذكر الله مع الإمام، كما يفصح الإمام] (٤) (٥).

стр. 342

٣١١ - فَصْل: [شرطية النية] والنية شرط في جواز الصلاة؛ لأنها من العبادات المقصودة كالإيمان، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١). ٣١٢ - فَصْل: [محل النية] وأما محل النية فقد ذكر أبو الحسن: أنه يكبّر ناويًا للصلاة التي دخل فيها. وذكر الطحاوي: أنه يكبر تكبيرة مخالطة لنيته إياها (٢). وهذا ليس [بصحيح] على طريق الشرط؛ لأنه يجوز تقديم النية على التحريم. وقد ذكر ابن مقاتل عن أبي يوسف: فيمن خرج من منزله يريد صلاة الظهر، أو صلاةً من الصلوات الفرائض ليصليها مع الإمام في جماعة، [فلما] انتهى إلى الإمام ودخل معه في صلاته تلك، لم تحضره النية في تلك الساعة أنها تلك الصلاة التي قصد من منزله لها، ويجزيه منها. قال: لا أعلم أحدًا من علمائنا خالف أبا يوسف في ذلك، وذكر ابن شجاع في نوادره مثل ذلك. وقد حكي عن الشافعي: أن تقديم النية لا يجوز (٣).

стр. 343

لنا: قوله ﵊: "الأعمال بالنيات" (١)، ولم يفصل؛ ولأنها عبادة، فجاز تقديم النية عليها كالصوم، وليس هذا كما لو [قدم النيّة وقطعها] (٢) عن الافتتاح بعمل؛ لأن ذلك لا تدعو الحاجة إليه، والتقديم يجوز منه مقدار ما تدعو إليه الحاجة، ولهذا لما احتيج في نية الصوم إلى التقديم على وجه ينقطع عن طلوع الفجر [جوّز] (٣) ذلك. ٣١٣ - [فَصْل: النية على ضربين] والنية على ضربين: فإن كانت الصلاة فرضًا أو كانت في الذمة، فلا بد من تعيينها بالنية؛ وذلك لأن الفعل يصلح أن يقع للفرض، ويصلح أن يكون عن غيره، فلم يتخصص بأحد الأمرين إلا بالنيّة. وحكي عن الشافعي: أنه يحتاج مع نية التعيين إلى نية الفرض (٤). وهذا لا يصح؛ لأن في مضمون نية الظهر نية الفرض؛ لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضًا، فصار كمعتقد الإيمان إذا لم ينو أنه واجب، يجوز. وأما إذا كانت الصلاة نافلة فلا يحتاج إلى أكثر من نية الصلاة؛ لأنه ليس للنافلة صفة زائدة على كونها صلاة، حتى يحتاج إلى [أن ينويها] (٥)، وإنما

стр. 344

يشترط النية حتى يصير الفعل قُربة، وهذا [يكتفى] (١) فيه بنية الصلاة (٢). ٣١٤ - [فَصْل: رفع اليدين في التكبير] قال: ويرفع يديه بالتكبير حذو (أذنيه)، أما الرفع فهو سنة، (وبه قال الثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي) (٣)، وقال أبو القاسم: رفع اليدين ضعيف في كل شيءٍ عند مالك. والأصل في ذلك: ما روي في حديث أبي حُميد الساعدي أنه كان في عشرة رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم: "ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ "، فقالوا: هات، قال: "رأيته إذا كبّر عند فاتحة الصلاة رفع يديه" (٤). وروى الرفع مالك بن الحويرث (٥)، ووائل بن حجر (٦)، وأنس (٧)، وعائشة (٨)، وابن الزبير (٩)، وهو اتفاق السلف، وروى نافع عن ابن عمر: أنه كان إذا رأى رجلًا يصلّي ولا يرفع يديه حذو منكبيه حصبه (١٠)، وقال الأسود:

стр. 345

كان عمر يرفع يديه في صلاته. ٣١٥ - [فَصْل: حكم رفع اليدين في الافتتاح] وهذا الرفع عندنا ليس بواجب؛ لأن النبي ﵊ قال للأعرابي: "ثم كبّر"، ولم يأمره برفع اليدين؛ لأنه رفع لأجل الذكر، فصار كالرفع في تكبيرات العيدين، ليس بواجب. ٣١٦ - [فَصْل: صفة رفع اليدين] وصفة الرفع: أن يرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أذنيه، وهو قول أبي موسى الأشعري، وقال أبو ميسرة: كان أصحابنا إذا استفتحوا الصلاة رفعوا أيديهم إلى آذانهم، وروي عن ابن عمر: الرفع إلى المنكبين، وكذلك عن عمر، وأبي هريرة. لنا: حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر قال: "كان النبي ﵊ يرفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه شحمة أذنيه" (١)، ويُروى: "قريبًا من أذنيه" (٢)، ويروى (٣): "كان يرفع يديه عند شحمة أذنيه" (٤)، وكذلك روى أبو مسعود الأنصاري (٥)، وروى مالك بن الحويرث فقال: "حتى يحاذي بها فروع

стр. 346

أذنيه" (١)، وروى البراء: "حذاء أذنيه" (٢). وقال أنس: "كان رسول الله ﷺ إذا كبّر رفع يديه فلم يحاذِ أذنيه" (٣)؛ ولأن ما تعلق بافتتاح الصلاة فالمبالغة فيه أولى، كرفع الصوت بالتكبير، ولا يلزم مجاوزة الأذن؛ لأن الأولى يدخل من شيئين جائزين، والمجاوزة لا تجوز. ٣١٧ - [فَصْل: حدّ الرفع في التكبير] وعن طاووس: أنه يرفع يديه حتى يخلف الرأس. وهذا غلط؛ لحديث أنس: "كان رسول الله ﷺ إذا كبّر رفع يديه فلم يجاوز أذنيه، وقال: إن الشيطان حين أخرج من الجنة رفع يديه فوق رأسه" (٤). ٣١٨ - فَصْل: [إتمام التكبير وحذفه] وأما قول أبي الحسن: وحَذَفَ التكبير ولم يطوله، فقد روى علي بن الجعد عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن التكبير فقال: احذف التكبير (الله أكبر) واجزمه (٥)، قال مُعَلَّى: وكان يعقوب [يحذف] وكذلك محمد إذا صلّى بنا في

стр. 347

بيته، لما روى عبد الرحمن بن أبزى قال: "صليت خلف النبي ﷺ فكان لا يتم التكبير" (١). وعن النخعي: أنهم كانوا يجزمون التكبير؛ ولأنه إذا طوله دخل في خبر الاستفهام. ٣١٩ - [فَصْل: في التكبير قائمًا] وأما قول أبي الحسن: يفعل ذلك قائمًا مستقبل القبلة، إذا كان قادرًا على القيام، فإن لم يقدر كبّر كما وصفت لك على الحال التي يصلي عليها؛ ولأن القيام شرط في الصلاة حالة القدرة، لقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وهذه الآية نزلت في الصلاة، وقال ﵊: "صلّ قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك تومئ إيماءً" (٢). ٣٢٠ - [فَصْل: طهارة البدن] وأما قوله على شرائط الطهارة التي وصفنا لك في نفسه، وفيما يصلي عليه؛ وفيه فلأن طهارة البدن والثوب والمكان شرط في الصلاة: أما الثوب فلقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، وقوله ﵊: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول" (٣).

стр. 348

وأما طهارة المكان، فلنهيه ﵊ عن الصلاة في المزبلة والمجزرة (١) والمقبرة (٢). وأما طهارة البدن؛ فلأن الأصل في الطهارة تعلقها بالبدن، بدلالة طهارة الحدث، فإذا تعلقت هذه الطهارة بغير البدن، فتعلقها بالبدن أولى. ٣٢١ - [فَصْل: افتتاح النفل قاعدًا] قال: ويجوز أن يفتتح التطوع المبتدأ قاعدًا، وإن كان قادرًا على القيام، حاضرًا كان أو مسافرًا، لحديث عائشة: "أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة قاعدًا، فإذا بقي من القراءة قدر ثلاثين آية قام فقرأ وركع" (٣)، فدل على جواز النفل قاعدًا مع القدرة على القيام؛ ولأن التطوع يفعل لاستحقاق الثواب، فإذا فعل أدنى ما يتقرب به، استحق به الثواب؛ ولأن الإنسان يداوم على النافلة ويشق عليه القيام في غالب حاله، فيجوز له القعود حتى لا يقطع الصلاة. ٣٢٢ - [فَصْل: الاختلاف في نية الإمام والمأموم] وإذا كان المصلي مأمومًا، لم يصح له الدخول في صلاة الإمام إلا بما ذكرنا، وأن ينوي مع ذلك الدخول في صلاة الإمام إذا كانت مثل صلاته، فإن

стр. 349

كانت غيرها لم يصح دخوله في صلاة الإمام في ذلك أجمع إلا في وجه واحد: أن يكون المأموم متطوعًا والإمام في فرض، فيصِحّ دخوله معه بنية الدخول في صلاة الإمام؛ لأن صلاة [الجماعة والانفراد] (١) فرضان مختلفان؛ بدلالة وجوب القراءة في إحداهما دون الأخرى، فلا يتعين أحد الفرضين إلا بالنية؛ ولأن المأموم يصح أن يصلي منفردًا و [يصح أن يصلي] مع الإمام، فلا يتعين أحد الأمرين إلا بالنية. ٣٢٣ - [فَصْل: اختلاف النية في الصلاتين] فأما اختلاف الصلاتين، فكل صلاة جاز أن يؤديها بنية صلاة الإمام جاز أن يقتدي فيها بالإمام، كالمفترض خلف المفترض فرضًا واحدًا، والمتطوع خلف المفترض؛ لأن التطوع يؤدى بنية الفرض: وهو (٢) أن يدخل في فرض يظن أنه عليه، ثم بان أنه لا فرض عليه يصير تطوعًا. وما لا يجوز أن يؤديه بنية الإمام، لا يصح أن يقتدي فيه بالإمام كالمفترض خلف مصلٍّ فرضًا آخر، والمفترض خلف متنفل، ويجوز أن يقال: كل صلاتين تجوز أن تبنى إحداهما على الأخرى في حق نفسه، جاز أن تبنى إحداهما على الأخرى في (الجماعة) (٣)، كالنفل مع الفرض، وكل صلاتين لا تجوز أن تبنى إحداهما على الأخرى في حق نفسه [فكذلك] في (حق غيره) (٤)، كالجمعة على الظهر.

стр. 350

وهذا يشتمل على مسألتين، إحداهما: أن صلاة المتطوع خلف المفترض تجوز، قال مالك: لا تجوز (١). لنا: قوله ﵊ لأبي ذر: "كيف بك يا أبا ذر إذا كان أمراء السوء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فقال: الله ورسوله أعلم، قال: إذا كان كذلك فصلِّ في بيتك، ثم اجعل صلاتك معهم سبحة" (٢) (٣)؛ ولأن هذه الصلاة يجوز أداؤها بنية الفرض، فجاز أن يقتدي فيها بمن يصلي بتلك النية، كمصلي الظهر خلف مصلي (٤) ذلك الظهر. ٣٢٤ - [فَصْل: صلاة المفترض خلف المتنفل] والفصل الثاني: أن المفترض لا يصلي خلف [المتنفل عندنا، وكذلك من يصلي فرضًا لا يقتدي بمن يصلي فرضًا آخر] (٥)، وقال الشافعي: يجوز (٦). لنا: قوله ﷺ : "إنما جعل الإمام إمامًا ليؤتم به ولا تختلفوا عليه" (٧)؛ ولأن

стр. 351

فرضه لا يسقط بمثل نية إمامه، فأشبه المفترض خلف [من يصلي] (١) على جنازة؛ [ولأنه لا يجوز أن يبني إحدى الصلاتين على الأخرى في حق نفسه، فكذلك مع إمامه] (٢)، كالظهر مع الجمعة. والذي روي أن معاذًا كان يصلي مع رسول الله ﷺ ثم يصلي بقومه (٣)، فإنه كان يتنفل خلف رسول الله ﷺ [ويؤدي الفريضة بقومه اتباعًا لأمره ﷺ ]، ولهذا قال له: "إما أن تخفف بهم، وإلا فاجعل صلاتك معنا" (٤)، فدل على أن صلاته المفروضة لم تكن معه. ٣٢٥ - [فَصْل: صلاة النذر خلف مصلي النذر] وقد قالوا: في مصلي النذر خلف مصلي النذر أن أسباب الوجوب إذا اختلفت، لم يجز الاقتداء، مثل النذرين من رجلين لا يقتدي أحدهما بصاحبه، وكذلك إن أفسد صلاة دخل فيها، ثم اقتدى برجل يصلي نافلة، لم يجزه؛ وذلك لأن اختلاف النذرين كاختلاف الفرضين [المفترقين]، ومن أفسد ما دخل فيه، وجب عليه، فلم يجز أن يقتدي فيه بالمتنفل ولو اشتركا في نافلة، ثم

стр. 352

أفسداها، فاقتدى أحدهما بصاحبه حال القضاء، جاز؛ لأنها صلاة واحدة وجبت من جهة واحدة. ٣٢٦ - [فَصْل: صلاة البالغ خلف الصبي] وعلى هذا الأصل قالوا: لا يصلي البالغ خلف الصبي؛ لأن أكثر أحوال الصَّبِيِّ أن يكون متنفلًا، وصلاة المفترض لا يجوز خلف مصلي النفل؛ ولأن الصبي لا يصح منه أداء الفرض، كالكافر. ٣٢٧ - [فَصْل: إدراك الإمام والدخول معه] قال: وفي أي حال أدرك الإمام، فينبغي أن يدخل معه فيه، لقوله ﵊: "ما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فاقضوا" (١)، وقال معاذ للنبي ﷺ : "ما كنت لأجدك على حالة إلا اتبعتك عليها". قال: ويفتتح الصلاة قائمًا، ويكبر أخرى للانحطاط إذا لم يكن الإمام قائمًا، أما الافتتاح فإنه لا يحصل داخلًا في الصلاة إلّا به، فإن كان الإمام قائمًا فقد شاركه، ولم يحتج إلى تكبير آخر، وإن لم يكن قائمًا، فعليه أن يشارك الإمام في الحالة التي هو عليها، فينتقل من القيام إلى تلك الحالة بتكبيرة، كالمدرك لأول الصلاة. قال: ويشارك الإمام في الفعل الذي أدركه فيه، ويقول في ذلك الفعل من الذكر ما سُنَّ فيه من تسبيح أو تشهد، لقوله ﵊: "ما أدركتم فصلّوا"، وهذا يفيد الأمر بالمشاركة، وإذا شاركه في الفعل أتى بالذكر الموضوع فيه كالمدرك.

стр. 353

قال: وإن كان فعلًا لا ذِكْرَ فيه لم يذكر شيئًا، مثل أن يدركه [فيما بين] السجدتين أو بعد رفع رأسه من الركوع؛ وذلك لأنه لو كان مدركًا، لم يأت في هذه الحالة بذِكْرٍ، فالمسبوق مثله. قال: إلا أنه لا يزيد في التشهد الأول على قوله: وأن محمدًا عبده ورسوله، ويؤخر الدعاء إلى آخر التشهد الذي يكون منه؛ وذلك لأن من حكم الدعاء أن يؤخر إلى القعدة الأخيرة، وهذه القعدة الأولى لهذا المؤتم، فلا يدعو فيها. قال الشيخ: وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: لا أعرف هذه المسألة إلا في هذا الموضع، ويجوز أن يقال خلاف ذلك؛ لأن المنع من الدعاء في القعدة الأولى؛ لأجل أن (١) المأموم وغيره مأمور بفعل فرائض الصلاة، فالاشتغال بالفرض أولى من الشغل بالدعاء (٢). وأما هذا فممنوع من القيام إلى تتميم الصلاة حتى يفرغ الإمام، فجاز له الدعاء. وكان شيخنا أبو بكر الخوارزمي يحكي عن ابن شجاع: أنه يكرر التشهد - هذا المقتدي - مرة بعد مرة حتى يسلم الإمام؛ لأنه ممنوع من الزيادة عليه فيكرره (٣).

стр. 354

بَابْ: ما يفعله المصلي في صلاته بعد الافتتاح ٣٢٨ - [وضع الأيدي في الصلاة] قال أبو الحسن: وإذا افتتح المصلي الصلاة على ما ذكرت، وضع يمينه على يساره أسفل السرة، روينا ذلك عن علي وابن عباس وإبراهيم (١). وقال مالك: يرسلهما (٢). وقد روى أبو جحيفة عن علي ﵁ أنه قال: (من السنة وضع الأيدي على الأيدي في الصلاة) (٣)، وعن الزبير، والنخعي، والحسن أنهم كانوا يرسلون أيديهم (٤). وقال الأوزاعي: إن شاء فعل، وإن شاء ترك. لنا: ما روى سماك بن حرب، عن قبيصة بن المهلّب (٥) عن أبيه قال: "كان رسول الله ﷺ يضع إحدى يديه على الأخرى في صلاته" (٦).

стр. 355

وروى عطاء عن ابن عباس قال: قال نبي الله ﷺ : "إنا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نقبض بأيماننا على شمائلنا في صلاتنا" (١)، وروى وائل بن حجر وغيره مثل ذلك؛ ولأنه أشبه بالخشوع، وهو فعل المسلمين في سائر الأعصار. ٣٢٩ - [فَصْل: صفة وضع الأيدي في الصلاة] وأما صفة الوضع فقد ذكر في كتاب الآثار: أنه يضع بطن كفه اليمنى على رسغه الأيسر تحت السرة، ويكون الرسغ وسط الكف. [وروي عن النخعي: أنه كان يضع يده اليسرى تحت السرة قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة. قال عمرو بن أبي عمرو: سألت محمدًا عن وضع الرجل يده اليمنى على اليسار في الصلاة أين هو؟ فقال: قال أبو حنيفة: تحت السرة، وروى خلف بن أيوب عن أبي يوسف مثله]. أما صفة الوضع فقد روى وائل بن حجر: "أن رسول الله ﷺ وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، والرسغ والساعد" (٢)، وروي عن أنس عن رسول الله ﷺ مثله، وعن علي أنه كان إذا قام في الصلاة وضع يمينه على رسغه، فلا يزال كذلك حتى يركع متى ما ركع، إلا أنه يصلح ثوبه أو يحك جسده، [وعن عمرو بن ميمون أنه كان يضع يده اليسرى عند المفصل في يمناه في الصلاة، قال
следующие страницы →