← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

باب هلاك مال المضاربة قبل الشراء أو بعد ذلك قال أبو الحسن: إذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم مضاربةً فقبضها المضارب، فلم يتصرف فيها حتى هلكت، بطلت المضاربة في قول أصحابنا جميعًا؛ وذلك لأن المضاربة تقف صحتها على القبض، وتتعين فيما وقعت عليه كالوديعة، فإذا تعينت في المال بطل العقد بهلاكها، (والقول قول المضارب في هلاكها) (١) وإن لم يعلم ذلك؛ لأنه أمين في المال كالمُوْدَعِ، والقول قوله مع يمينه؛ لأن الخصومة تلزمه في ذلك، فكان القول قوله مع يمينه. قال أبو الحسن عن أبي حنيفة: فإن استهلك الألف التي قبضها المضارب وهي رأس المال، أو أنفقها أو أعطاها رجلًا فاستهلكها، لم يكن له أن يشتري عليها شيئًا للمضاربة؛ وذلك لأنه صار ضامنًا للمال بالتعدي، ومن حكم المضارب أن يكون أمينا. قال: فإن أخذها من الذي استهلكها، كان له أن يشتري بها على المضاربة؛ وذلك لأنه لما أخذ العوض عنها، صار كأنه أخذ ثمنها. وقال ابن رستم عن محمد: لو أقرضها المضارب رجلًا فرجعت الدراهم إليه بعينها، رجعت على المضاربة؛ لأنه ضمنها بالتعدي ثم أزال التعدي، فزال الضمان المتعلق به، فإن أخذ مثلها لم ترجع على المضاربة؛ لأن الضمان استقر

стр. 3047

فيها بفوات عينها، وحكم المضاربة لا يجتمع مع الضمان. وقال أصحابنا جميعًا: إذا اشترى المضارب بالألف جارية ولم ينقدها البائع حتى هلكت الألف، إن الجارية على المضاربة، ويرجع على رب المال بألف فيسلمها إلى البائع. وكذلك إذا هلكت الثانية التي قبض، رجع بمثلها على رب المال؛ وكذلك سبيل الثالثة والرابعة وما بعد ذلك أبدًا حتى يسلم إلى البائع، ويكون ما دفعه أولًا رب المال من رأس المال، وما غرمه كله رأس المال؛ وذلك لأن المضارب يتصرف لرب المال، فما يلحقه من الضمان بتصرفه يرجع به عليه كالوكيل، فإذا أخذ مثله فهلك رجع عليه، والوكيل إذا رجع هلك في يده رجع بمثله، فإن هلك [ثانيا] في يده لم يرجع. والفرق بينهما: أن الوكيل إذا اشترى، فقد انتهت الوكالة ووجب له دين على المُوَكِّل، فإذا استوفاه كان مضمونًا عليه، فإذا هلك هلك في ضمانه، فلم يرجع، وفي المضارب (١) لا تنتهي المضاربة بالشراء، فما هلك يرجع به على المضاربة؛ ولهذا يحتسب به من رأس المال، فلم يكن مضمونًا عليه، فإذا هلك رجع بمثله كالأول، ويكون زيادة في رأس المال؛ لأنه غرم لزم رب المال بسبب المضاربة. قال: وإذا قبض المضارب الألف الأولى فعمل بها، فصار في يده ألفان ثم اشترى بهما جارية قيمتها ألفان، فهلكت الألفان قبل أن ينقدها، فإنه يرجع على رب المال بألف وخمسمائة، ويغرم المضارب في ماله خمسمائة، وهي حصته

стр. 3048

من الربح، فيكون ربع الجارية للمضارب خاصة خارجًا عن المضاربة، وثلاثة أرباعها على المضاربة، ورأس المال في هذه الثلاثة الأرباع [ألف] (١) وخمسمائة؛ لأن المضارب لما اشترى بالألفين فقد اشترى الجارية أرباعًا، ألا ترى أن رأس المال ألف، وحصة رب المال من [الربح] (٢) خمسمائة، وحصة المضارب خمسمائة، فما اشتراه لرب المال يرجع به عليه، وما اشتراه لنفسه فضمانه عليه، وإذا ألزمه القاضي ضمان نصيبه من الربح فقد عينه؛ وذلك لا يكون إلا بالقسمة، فخرج الربع من المضاربة وبقي الباقي على ما كان عليه، وقد لزم رب المال ألف وخمسمائة بسبب المضاربة، فصار ذلك زيادة في ر رأس المال. فإن بيعت هذه الجارية بأربعة آلاف، فألف منها للمضارب بحصته من ملكها، وثلاثة آلاف على المضارب لرب المال، منها ألفان وخمسمائة رأس ماله، وبقي ربح خمسمائة، فيكون بينهما نصفين. وقال ابن سماعة عن محمد: في مضارب اشترى جارية بألفي درهم، ألف منها ربح وقيمتها ألف، فضاعت الألفان قبل أن يدفعها إلى البائع: أن على المضارب الربع وهو خمسمائة، وعلى رب المال ألف وخمسمائة، وهذا على ما بيّنا. قال: ولو كانت الجارية تساوي ألفين، والشراء بألف وهي المضاربة، فضاعت، غرمها رب المال كلها.

стр. 3049

قال أبو الحسن: إنما اعتبر محمد المضمون على المضارب الذي يغرمه دون ما وجب عليه من الثمن، وهذا صحيح؛ لأن الشراء إذا وقع بألف فقد وقع بثمن كله رأس المال، وإنما يظهر الربح في الثاني، فيكون الضمان على رب المال. قال محمد: ولو اشترى جارية تساوي ألفين بأمة تساوي ألفًا، وقبض الذي اشترى ولم يدفع أمته حتى ماتتا جميعًا في يده، فإنه يغرم قيمة التي اشترى [وهي ألفان] (١)؛ وذلك لأن من اشترى أمة بأمة فهلك رأس المال قبل القبض فالمضمون عليه قيمة الجارية [التي اشترى] دون قيمة ما خرج من ملكه، وإذا كان المضمون ألفين فكأنه اشترى بألفين فيضمن ربعها. ولو كانت قيمة [الجارية] التي اشترى ألفًا، والأمة التي كانت عنده ألفين، قبض التي اشتراها ولم يدفع أمته حتى ماتتا جميعًا في يده، فإنه يغرم قيمة التي اشترى وهي ألف، يرجع بذلك على رب المال؛ لأن المضمون عليه قيمة الجارية التي اشتراها، ولا فضل في ذلك عن رأس المال. وهذا إنما يجوز أن يشتري جارية قيمتها ألف بألفين إذا كان رب المال قال له: اشترِ بالقليل والكثير، وإلا فشراء المضارب على هذا الوجه لا يصح في قولهم. وقال ابن سماعة [عن محمد] في موضع آخر في نوادره: في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف، فاشترى المضارب وباع حتى صار المال ثلاثة آلاف، فاشترى بثلاثة آلاف ثلاثة أعبد قيمة كل واحد ألف، ولم ينقد المال

стр. 3050

حتى ضاع، قال: فغرم ذلك كله على رب المال، ويكون رأس المال أربعة آلاف؛ وذلك لأن المضارب لم يتعين له [ربح] ملك في واحد من العبيد، ألا ترى أن كل واحد منهم يجوز أن يكون رأس المال، ولهذا لا ينفذ عتقه فيهم، فرجع بجميع ثمنهم. وقد عَلَّلَ محمد لهذا فقال: من قِبَل أن المضارب لم يكن يجوز عتقه في شيء من العبيد، وهذا ترك لما ذكره أبو الحسن: أن المعتبر ما ضمنه المضارب؛ لأنا إذا اعتبرنا الضمان فقد ضمن أكثر من رأس المال، فإما أن تكون هذه رواية أخرى عن محمد، أو يكون شرطًا فيما صار مضمونًا على المضارب أن يتعين حقه فيه، وهاهنا وإن ضمن فإنه لم يتعين حقه فيه. فأما تعليله لعدم نفوذ العتق فهو موجود فيمن اشترى بألفين جارية تساوي ألفًا، أنه قد ضمنه وإن لم ينفذ عتقه فيه، اللهم إلا أن يكون جعل نفوذ العتق في الجارية المشتراة بألفين [وقيمتها ألفان] علة لوجوب الضمان عليه فيما لا ينفذ عتقه فيه، عكس العلة، فلا يلزمه أن يطّرِده في جميع المواضع. وقال محمد: إذا اشترى المضارب عبدًا بألف درهم وهو للمضاربة فنقد المال، فقال رب المال: (اشتريته على المضاربة ثم ضاع، وقال المضارب) (١): اشتريت وأنا أرى أن المال عندي، فإذا هو قد ضاع قبل ذلك، فالقول قول المضارب؛ وذلك لأن الظاهر أن كل من يشتري (٢) مشترٍ لنفسه، فقد ادعى المضارب الظاهر، وادعى رب المال استحقاق الملك عليه، وهو غير الظاهر،

стр. 3051

فلا يلتفت إلى قوله؛ ولأن الظاهر يشهد للمضارب وهو هلاك المال. وقال محمد في المضاربة الكبيرة: إذا اختلفا فقال رب المال: ضاع قبل أن تشتري الجارية، وإنما اشتريتها لنفسك، وقال المضارب: ضاع المال بعدما اشتريت، وأنا أريد أن آخذك بالثمن، ولا يعلم متى ضاع، قال: فالقول قول رب المال مع يمينه، وعلى المضارب البينة أنه اشترى [الجارية] والمال عنده، وإنما ضاع بعد الشراء؛ وذلك لأن رب المال ينفي الضمان عن نفسه، والمضارب يدعي عليه الضمان، فالقول قوله في نفيه؛ ولأن الحال وهي الهلاك يشهد لرب المال، فإن أقاما جميعًا البينة، فالبينة بينة المضارب؛ لأنه يثبت ببينته (١) الضمان، وبينة رب المال تنفي ذلك (٢).

стр. 3052

باب المضارب يدفع المال إلى غيره مضاربة قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: إن المضارب إذا دُفِع إليه مالٌ مضاربة بالنصف أو أكثر من ذلك أو أقلّ ولم يقل له: اعمل في ذلك برأيك، فليس له أن يدفع إلى (١) غيره مضاربة؛ وذلك لأن العقد لا يستفاد بحكم مثله وإنما يستفاد ما دونه، ولهذا لم يجز للوكيل أن يوكل، ولأنه يثبت للمضارب الثاني شركة في المال لم يرض بها رب المال فلا يجوز. قال: فإن قيل له: اعمل في ذلك برأيك، فله أن يدفع المال مضاربة إلى غيره؛ لأنه لما فوض إليه الرأي في التصرف، فالمضاربة بما قدراه، فيجوز؛ ولأن له أن يشارك في المال إذا قيل له: اعمل برأيك، وله أن يبضع، فإذا دفع مضاربة فقد أثبت [للمضارب] (٢) شركة في المال وهو يملك ذلك (٣). قال: وما [شرط] (٤) الأول للثاني فإنما يكون في نصيب الأول، ولا يجوز أن يشرط من نصيب رب المال شيئًا، وهذا على وجهين: أحدهما: يدفع إليه مضاربة على أن ما رزق الله من شيء فهو بينهما نصفان، أو ما كان من ربح، فإذا دفع المضارب مضاربة فهو على ثلاثة أوجه:

стр. 3053

[إمَّا] أن يشترط للمضارب الثاني أقل مما شرط له، مثل أن يشترط له الثلث جاز؛ لأنه يملك نصف الربح، فإذا عقد على بعض ما يستحق جاز عقده، ويكون لرب المال نصف الربح، وللمضارب الثاني الثلث، وللأول السدس، ويطيب له ذلك؛ لأن عمل المضارب الثاني وقع له، فكأنه عمل بنفسه، وهذا كثمن استؤجر على خياطة ثوب بدرهم، فاستأجر من خاطه بنصف درهم طاب له الفضل؛ لأن عمل أجيره وقع له، فكأنه عمل بنفسه. والثاني: أن يدفع [المضاربة] بالنصف، فيجوز [ذلك]؛ لأنه عقد على جميع حقه من الربح، وهو يملك العقد على حقه، ويكون الربح بين رب المال والمضارب الثاني نصفين، ولا شيء للمضارب الأول؛ لأنه أوجب للمضارب الثاني جميع حقه، فصار كمن استؤجر على خياطة ثوب بدرهم فاستأجر من خاطه بدرهم. والفصل الثالث: إن شرط المضارب الأول للثاني بثلثي الربح، فتجوز التسمية بينهما، ويكون لرب المال نصف الربح، وللمضارب الثاني النصف، ويغرم المضارب الأول للثاني مثل سدس الربح، وإنما لم يجز شرطه؛ للزيادة في حق رب المال؛ [لأن رب المال] لم يرض لنفسه بأقلَّ من نصف الربح، فإذا شرط المضارب الأول للثاني الثلثين فقد شرط من حق رب المال السدس، فلا ينفذ شرطه، ولا يصير بذلك مخالفًا؛ لأن المخالفة إنما تكون لو [نفذ] (١) شرطه في حقه، فإذا سمّى تسمية لم يتعلق بها استحقاق لم يضمن منها، كمن باع ملك غيره فهلك قبل تسلميه، وإنما ضمن المضارب الأول للثاني؛ لأنه غَرَّه بالتسمية،

стр. 3054

والغرور في العقود يتعلق به الضمان؛ ولأنه عقد على ملك غيره، فدخل في العقد وخرج لعدم الإجازة، فلزمه مثله، كمن استأجر بمال غيره (١). ونظير هذا من الإجارة: أن يستأجر على خياطة ثوب بدرهم، فيستأجر هو من يخيطه بدرهم ونصف، فإنه يضمن زيادة الأجر. وأما القسم الثاني من القسمين الأولين: فهو أن يقول رب المال للمضارب: على أن ما زرق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان، أو على أن ما ربحتَ من شيء، فدفع المضارب مضاربة بالثلثين جاز، (وكان للمضارب الثاني ما شرطه بالثلث بين رب المال والمضارب الأول) (٢) على ما شرط؛ لأن رب المال فوض إليه الرأي، وجعل لنفسه نصف ما رزق [الله تعالى] للمضارب، [وهو] (٣) نصف ربح المضارب، فإذا دفع المضارب بالثلثين فذلك مما رآه، والذي رزقه الله الثلث، والذي ربحه هو الثلث، فلم يكن متعديًا في الشرط. وليس كذلك الفصل الأول؛ لأن [رب] المال شرط لنفسه نصف جميع الربح، ونصف جميع ما رزق الله تعالى، وذلك ينصرف إلى كل الربح. قال: وإذا لم يقل رب المال للمضارب: اعمل في ذلك برأيك، فدفع المضارب المال مضاربة بالنصف، فذكر ابن شجاع عن الحسن عن أبي حنيفة: (أنه لا ضمان على الأول حتى يعمل به الثاني ويربح، فإذا عمل فربح كان ضامنًا حين يربح، فإن عمل بالمال فلم يربح أولم يعمل به حتى ضاع من

стр. 3055

يده فلا ضمان عليه. وروى محمد، عن أبي يوسف) (١): أنه لا ضمان عليه حتى يعمل الثاني، فإذا عمل ضمن، رَبح [الثاني] أولم يربح، وهو قوله. وروى ابن سماعة والفضل بن غانم عن أبي يوسف [مثل ذلك، قال ابن سماعة: وروى بعض أصحابنا عن أبي يوسف]: أنه رجع عن ذلك وقال: هو بمنزلة الوديعة في يده، فإذا دفعه ضمن، عمل به الثاني أو لم يعمل، وهذا قول زفر. وروى بشر وعلي بن الجعد، عن أبي يوسف في تعليله هذه المسألة قال: وإنما ضمن الأعلى لأن الأسفل أوجب [له] شركة في طائفة من المال شائعة فيه غير مقسومة، وليس له أن يشارك به ولا يخلطه بغيره. قال أبو الحسن: هذا التعليل من أبي يوسف يدل على أنه قال بقول أبي حنيفة. لأبي حنيفة: أن المضارب [يملك الإيداع، ويملك الإبضاع، فإذا دفعه مضاربة لم يضمن بالدفع؛ لأن المضارب] الثاني في حكم المودع، ولم يضمن بالعمل؛ لأنه ما لم يربح في حكم المبضع، ولا يجوز أن يضمن بالشرط؛ لأن مجرد القول في ملك الغير لا يتعلق به ضمان، فإذا ربح فقد ثبت له حق الشركة في المال، فصار كما لو خلط المضارب المال بغيره أو شارك به. وجه قولهما: أن الدفع لا يتعلق به ضمان؛ لأن المضارب أمين في المال كالمودع، فإذا تصرف على وجه المضاربة، فقد حصل [له] العمل في المال على

стр. 3056

وجه لم يرض به المالك، فيتعلق به الضمان. وجه قول زفر، وهو رواية عن أبي يوسف: أن الدفع على وجه المضاربة لا يملكه المضارب، فصار كالمودع إذا أودع. ٢٣٣٩ - فَصْل [الربح فيما إذا ضارب الأول مع مضارب ثان] وإذا ثبت وجوب الضمان على اختلافهم فيه، فالمالك بالخيار: إن شاء ضمَّن الأول وإن شاء ضَمَّن الثاني، وهذا ظاهر على قول أبي يوسف ومحمد؛ لأن الأول تعدى بالدفع، والآخر تعدى بالقبض، فصار عندهما كالمودع إذا أودع [غيره]. فأما على أصل أبي حنيفة: فالضمان يجب على المودع الأول، ولا يجب على الثاني؛ لأن الأول ضمن بقبض الثاني، فلا يجب بالقبض الواحد الضمان على اثنين، كل واحد منهما يضمن جميع المقبوض، إلا أنه يقول في مسألة المضاربة: إن المضارب الثاني يعمل في المال لمنفعة نفسه، وهو طلب الربح، فجاز أن يضمن لذلك، والمودع الثاني لا يقبض لمنفعة نفسه، وإنما يقبض لمنفعة الأول، فإن ضمن المضارب الأول صحت المضاربة بين الأول والثاني، وكان الربح على ما شرطا؛ لأنه لما ضمن ملك بالضمان، فصار كأن المضارب دفع ملك نفسه. وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالضمان؛ لأنه غَرَّه بالعقد، فصار كمودع المودع. وصحت المضاربة؛ لأن حاصل الضمان على [المضارب] الأول، وكأنّ

стр. 3057

رب المال ضمنه، وليس هذا كالرهن إذا غصب من رجل شيئًا فرهنه، فهلك في يد المرتهن، فضمنه المالك فاستحق، رجع على الراهن بالضمان، ولم يصح الرهن؛ لأن تضمين المرتهن إبطال لقبضه حين استحق، وصحة الرهن يتعلق بالقبض (١). فإذا هلك الرهن (٢) لم يصح مع بطلان قبضه، وأما المضاربة فتضمين الثاني إبطال للقبض بعد وجوده؛ وذلك لا يبطل المضاربة. ألا ترى أن المضارب لو باع المال من رب المال، زال قبضه ولم تبطل المضاربة، ولو رد المرتهن الرهن [على الراهن] بطل الرهن. وقال ابن سماعة عن محمد: يطيب الربح للأسفل؛ لأنه يرجع بما ضمن، ولا يطيب للأعلى في قياس قول أبي حنيفة؛ لأن المضارب الأول يستحق الربح برأس المال، وقد حظر عليه التصرف فيه، والربح إذا حصل على مال محظور وجب التصدق به، وأما المضارب الثاني فإنما استحق بدلًا عن عمله، وليس ذلك بمحظور عليه. وقال محمد في النوادر: فإذا دفعت إلى رجل مضاربة فاسدة ولم تكن قلت له: اعمل برأيك، فدفعها إلى رجل مضاربة بالنصف، فعمل فيها فربح ألفًا، فإنه لا شيء للثاني؛ لأن الثاني إنما هو أجير بنصف الربح، ولم يضمن له الأول شيئًا من الربح، وإنما هو أجير له بأجر مثله، ورب المال يأخذ المال كله وربحه، ويرجع الأسفل إلى الأول بمثل نصف الربح.

стр. 3058

قال: وهذا على وجوه: أولها: أن يكون الشرط الأول والثاني جائزين، وهي المسألة التي قدمناها أن المضارب الأول ضامن، وتصح المضاربة بينه وبين الثاني. والفصل الثاني: إذا كانت المضاربة الأولى فاسدة والثانية جائزة، فلا ضمان على واحد من المضاربين؛ وذلك لأن المضارب الأول أجير في المال لا حق له في الربح، فلا ينفذ شرطه فيه، فلا يلزمه الضمان؛ لأن الضمان إنما يلزم بإثبات الشركة. ويكون لرب المال جميع الربح؛ الربح؛ لأنه ربح في مضاربة فاسدة، وللمضارب الأول أجر مثله؛ لأن عمل الثاني وقع له، فكأنه عمل بنفسه. وللثاني على الأول مثل ما شرط له من الربح؛ لأنه عمل بمضاربة صحيحة، [فاستحق ما سمّى له، وأما إذا كانت المضاربة الأولى جائزة، والثانية فاسدة]، فلا ضمان على واحد من المضاربين؛ لأن المضارب الثاني لا يستحق الشركة في المال، وإنما له أجر مثله، وكأنّ المضارب الأول استأجر من يعمل في المال. وأما إذا كانت الأولى والثانية فاسدتين، فلا ضمان على واحد منهما؛ لأن المضارب الأول أجير في المال، والثاني أجير للأول، فصار كمن استأجر رجلًا يعمل في ماله، واستأجر الأجير رجلًا. [قال]: وهذه الفصول الأربعة جوابها في الأصل [على الوجوه]، وقد ذكر أبو الحسن عن ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، على أن للمضارب مائة درهم من الربح، وما بقي فلرب المال، فدفعها

стр. 3059

المضارب إلى رجل مضاربة بالنصف، قال: فالأول ضامن للمال، ودفعه إلى الثاني جائز، وهي مضاربة بينهما، وهذا يخالف رواية الأصل، والأول هو الصحيح. ووجه هذه الرواية: أن المضارب يضمن بالدفع على إحدى الروايات عن أبي يوسف، كما يضمن المودع بالإيداع، وهذا موجود في المضاربة الصحيحة والفاسدة (١).

стр. 3060

باب المرابحة بين رب المال والمضارب في بيع أحدهما من صاحبه من المضاربة قال أبو الحسن: ذكر في الجامع الصغير عن أبي حنيفة: في رجل دفع إلى رجل [ألف] درهم مضاربة، فاشترى رب المال عبدًا بخمسمائة فباعه إياه بألف، فإن للمضارب أن يبيعه مرابحة على خمسمائة (١)؛ وذلك لأن المضارب اشترى مال رب المال بماله، ألا ترى أنه مالك للمالين، وإنما جاز العقد بينهما لتعلق حق المضاربة بالمال؛ وذلك إنما صار بفعلهما فيكون عقدًا في حقهما، ولا يكون عقدا في حق غيرهما، فلذلك باع على أقل الثمنين؛ ولأن المرابحة أمانة وتنفيها التهمة والمضارِب متهم في حق رب المال، فإذا أسقط الربح زالت التهمة. قال: فإن اشترى المضارب عبدًا بألف المضاربة، فباعه من رب المال بألف ومائتين، باعه رب المال مرابحة بألف ومائة (٢) إن كانت المضاربة بالنصف؛ [وذلك] لأن الربح منقسم بين رب المال والمضارب، فحصة المضارب لا تهمة فيها، فكأنّ رب المال ابتاع ذلك من أجنبي، وحصة رب المال هو ماله بعينه [في بعض]، فكأنه اشترى من نفسه فيسقط حقه من الربح (٣).

стр. 3061

وقال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف في مسألة المضاربة، وهو آخر ما قال: إذا اشترى رب المال عبدًا بألف فباعه من المضارب بمائة، ورأس المال ألف في يد المضارب، فإن المضارب يبيعه على مائة، على ما اشترى به. وكذلك لو اشتراه المضارب بألف وباعه من رب المال بمائة، [باعه رب المال بمائة] يبيعه أبدًا على أقل الثمنين؛ وذلك لأن الحطّ لا تهمة فيه، وإنما التهمة في الزيادة، فما لا تهمة فيه يثبت حكمه، وسقط حكم الزيادة بالتهمة. وهذا كما قالوا في البائع إذا حَطَّ عن المشتري، ثبت الحطّ في حق الشفيع [حطه في المرابحة] (١)، ولو زاد [المشتري] (٢) البائع لم تلحق الزيادة في حق الشفيع، ولا في المرابحة. وقال: وسمعت أبا يوسف قال: لو أن رب المال اشترى بثلاثة آلاف ثم باعه من المضارب بألف، باعه المضارب على ألف. وكذلك إن اشتراه بألفين باعه المضارب على ألفين، فإن كان رب المال اشتراه بخمسمائة فباعه من المضارب بألف ومائة، فإن المضارب يبيعه على خمسمائة وخمسين؛ وذلك لأن المائة الزائدة على الألف ربح، فنصفها للمضارب، وما اشتراه المضارب من رب المال لنفسه لا تهمة فيه، فسقطت الخمسمائة؛ لأنها نصيب رب المال، وسقطت خمسون؛ لأنها حق رب المال من الربح. ولو اشترى المضارب بستمائة فإنه يبيعه مرابحة بخمسمائة؛ لأنه لا فضل

стр. 3062

في ثمنه عن رأس المال، فصار كله لرب المال، فيسقط الربح منه، ويباع على أقل الثمنين. قال: ولا يحتسب للمضارب شيئًا من حصته حتى يكون ما نَقَد أكثر من ألف، [فيحتسب من حصته نصف ما زاد على الألف؛ وذلك] لأنه إذا اشترى بمثل (١) رأس المال أو أقلّ منه، وله في المال ربح لم يتعين له في المشترى حق، فكأنه اشترى ولا ربح في يده. قال: ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة ثم باعه [من] المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه بألف وخمسمائة، ألف رأس المال، وخمسمائة حصة المضارب من الألفين؛ وذلك لأن نصيب رب المال من الثمن ألف وخمسمائة، فتسقط الزيادة فيها على رأس المال [وهي ألف، ويبقى من نصيب رب المال خمسمائة، ونصيب المضارب] خمسمائة، ورب المال فيها كالأجنبي، فيبيعه مرابحة على ألف. ولو كان المضارب اشتراه بألف ثم باعه من رب المال بألفين، فباعه رب المال بألف وخمسمائة؛ لأن الألف رأس مال، وخمسمائة نصيب المضارب، ورب المال فيها كالأجنبي، وخمسمائة نصيب رب المال، فيجب إسقاطها (٢). قال ابن سماعة: وروي عن أبي يوسف أنه قال أخيرًا، وهو القول الآخر: إن رب المال إن اشترى عبدًا بعشرة آلاف ثم باعه من المضارب بمائة، فباعه المضارب مرابحة على مائة؛ وكذلك لو اشترى المضارب بعشرة آلاف فباعه من

стр. 3063

رب المال بمائة، باعه رب المال مرابحة على مائة؛ [وذلك] لأن البيع على أقل الثمنين، لنفي التهمة، والواجب في المرابحة نفي مايتهم فيه؛ ولأنه اشتراه بأقل الثمنين، فلا يجوز أن يزيد على (الثمن الذي اشتراه) (١). فإن قيل: كيف يجوز للمضارب على قول أبي يوسف الحط؟ قيل له: إذا باع من رب المال وحَطَّ، فقد رضي رب المال بذلك، وإنما لا يجوز حطه [عند] أبي يوسف ومحمد؛ لحَقِّ رب المال. فأما قول أبي يوسف الأول الذي أشار إليه ابن سماعة، فهو أن الحَطّ لا يجوز؛ لأنه قال: إذا كان رأس المال ألف درهم، فربح فيها ألفا، ثم اشترى بألفين جارية، فباعها من رب المال بألف وخمسمائة، فإن رب المال يبيعها مرابحة على ألف وسبعمائة وخمسين؛ لأن المضارب حط من الثمن خمسمائة، نصفها من نصيبه، ونصفها من مال المضاربة، وهو يملك الحطَّ في حق نفسه، ولا يملك ذلك في مال المضاربة في قول أبي يوسف ومحمد، فلم يصحَّ حطّ نصيب رب المال؛ فلذلك باع مرابحة على ألف وسبعمائة وخمسين. فينبغي على هذا القول: إذا باع مرابحة أن يقول: قامت علي بكذا ولا يقول اشتريتها بكذا؛ لأن الزيادة لحقت بالثمن حكما، والشراء ينصرف إلى ما وقع العقد به (٢). والصحيح قوله الآخر: لأن الحط في مال المضاربة لا يجوز لحق رب المال، فإذا اشترى هو فقد رضي بذلك، فكأنه أذن للمضارب أن يبيع بنقصان لا جنبي.

стр. 3064

وقال محمد في كتاب المضاربة: لو اشترى رب المال عبدا بألف فباعه من المضارب بألفين، ألف رأس المال، وألف ربح، فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف وخمسمائة، يسقط من ذلك ربح رب المال، ويبيع على رأس المال وربح المضارب، وهذا على ما قدمناه. قال: ولو كان رب المال إنما اشترى العبد بخمسمائة، والعبد يساوي ألفين، فباعه من المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه مرابحة على ألف؛ لأن رأس المال خمسمائة، ونصيب المضارب من المال خمسمائة، وما سوى ذلك ملك رب المال، ولا يثبت حكمه. قال: إلا أن يبيّن الأمر على وجهه، فيبيعه كيف شاء؛ وذلك لأن المانع من البيع بجميع الثمن التهمة، [فإذا بين زالت التهمة]، فجاز البيع. قال: وإذا اشتراه رب المال بألف، وقيمته ألف، فباعه من المضارب بألفين، ألف مضاربة وألف ربح، فإن المضارب يبيعه على ألف مرابحة؛ وذلك لأنه لما اشترى ما قيمته ألف ذهب ربحه، فلم يبق له في المال حصة، وصار كله مال رب المال، فباعه على رأس ماله، [فجاز]. ولو كان رب المال اشتراه بخمسمائة، والمسألة على حالها، فإن المضارب يبيعه مرابحة على خمسمائة؛ لأنه لم يبق للمضارب حصة، فصار شراء مال رب المال بعضه ببعض، فيبيعه على رأس المال الأول. ولو كان رب المال اشتراه بألفين وقيمته ألف، فباعه من المضارب بألفين، فإن المضارب يبيعه على ألف ولا يبيعه على أكثر من ذلك؛ لأن قيمته ألف،

стр. 3065

فليس فيه ربح للمضارب يبيعه عليه؛ [وذلك] لأن رب المال لما باعه بألفين ما يساوي ألفًا [فهما متهمان] في حق الغير في العقد، فصار كأنه أخذ ألفًا لا على طريق البيع، وباعه العبد بألف، فلا يبيعه على أكثر من ذلك. قال: ولو كان العبد يساوي ألفًا وخمسمائة، والمسألة على حالها، وقد اشتراه بألف وأراد المضارب أن يبيعه مرابحة، باعه على ألف ومائتين وخمسين؛ وذلك لأن في العبد ربحًا للمضارب، ونصيبه من الربح هو مع رب المال فيه كالأجنبي، فيبيعه على أقلّ الثمنين مع حصة المضارب من الربح. فكأنه اعتبر في هذه المسائل إذا اشترى المضارب المبيع بأقل الثمنين فإن كان للمضارب حصة ضمها إلى أقل الثمنين، واعتبر حصول حصته في الثمن والمثمن؛ لأنه قال: إذا اشترى بألفين ما يساوي ألفًا باعه بألف؛ لأنه لا حصة (١) له في المثمن، وإن كان له في الثمن حصة، وأما إذا اشترى رب المال من المضارب فإنه يبيعه على أقل الثمنين ويضمّ إليه حصة المضارب، ويعتبر حصته في الثمن دون المثمن (٢) (٣). ٢٣٤٠ - فصل: ومما يلحق بهذا الباب مما لم يذكره أبو الحسن: قال محمد في الأصل: إذا اشترى المضارب عبدا بألف درهم مضاربة، فباعه من رب المال بألفين، ثم إن رب المال باعه من أجنبي مساومة بثلاثة آلاف،

стр. 3066

ثم اشتراه المضارب من الأجنبي [بألفين] (١)، فأراد أن يبيعه مرابحة، لم يجز له ذلك في [قياس] (٢) قول أبي حنيفة، إلا أن يبين الأمر على وجهه، ويبيعه مرابحة على ألفين في قول أبي يوسف ومحمد (٣). وهذا فرع على مسألة البيوع: إذا اشترى شيئًا فربح فيه ثم ملكه بشراء آخر، فأراد أن يبيعه مرابحة، فإنه يسقط الربح في قول أبي حنيفة. وفي مسألتنا: قد ربح فيه رب المال ألفي درهم؛ لأن المضارب لما اشتراه بألف وباعه من رب المال بألفين، فنصف ذلك الربح لرب المال، وهو خمسمائة، فلما باعه رب المال بثلاثة آلاف فقد ربح فيه ألفًا وخمسمائة؛ لأنه قام عليه بألف وخمسمائة مقدار رأس المال، ونصيب المضارب من الربح إذا ضم إلى ذلك فقد ربح ألفين. فإذا اشتراه المضارب بألفين، وجب أن يطرح [ذلك] الألفين من رأس المال، فلا يبقى شيء؛ فلذلك لم يجز له البيع مرابحة إلا بعد أن يبين. وأما على قولهما: فالربح في العقد الأول لا يحط من الثاني، فيبيعه على جميع الألفين. قال: ولو اشترى المضارب عبدًا بألف، فباعه من رب المال بألف وخمسمائة درهم، ثم باعه رب المال من أجنبي بألف وستمائة، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي بألفي درهم، فأراد أن يبيعه مرابحة، باعه على ألف وأربعمائة

стр. 3067

في [قياس] قول أبي حنيفة؛ لأن ربَّ المال قد ربح فيه ستمائة، ألا ترى أن المضارب لما اشتراه بألف، وباعه من رب المال بألف وخمسمائة، فنصيب رب المال من الربح مائتان وخمسون، [ونصيب المضارب من الربح أيضًا مائتان وخمسون]، (فكأنّ رب المال اشترى بألف ومائتين وخمسين، رأس المال وحصة المضارب) (١)، فلما باعه [رب المال] بألف وستمائة فقد ربح ثلاثمائة وخمسين، فقد كان ربح مائتين وخمسين بربح المضارب، فوجب أن يحط ذلك المضارب من الثمن، فيبقى ألف وأربعمائة (٢). قال: ولو اشترى المضارب عبدًا بألف فوَلَّاه رب المال، ثم إن ربّ المال باعه من أجنبي بألف وخمسمائة، ثم إن المضارب اشتراه من الأجنبي مرابحة بألفين، ثم إن رب المال حَطَّ عن الأجنبي ثلاثمائة، فإن الأجنبي يحط عن المضارب أربعمائة؛ لأن رب المال لما حَطّ عن الأجنبي ثلاثمائة استند ذلك الحط إلى العقد، وكأنّ ذلك المقدار لم يكن، فيطرح من رأس المال، ويطرح حصته من الربح، وقد كان الأجنبي ربح مثل ثلث الثمن، فيحط مع الثلاثمائة ثلثها، فيصير الحط عن المضارب أربعمائة، [فإن أراد المضارب أن يبيع هذا العبد مرابحة، باعه على ألفين ومائتين؛ لأن ربّ المال قد ربح أربعمائة]، ألا ترى أنه باعه من الأجنبي بربح خمسمائة، ثم حَطَّ عنه ثلاثمائة، وهذا الحط من رأس المال والربح جميعًا، مائتين من رأس المال ومائةٍ من الربح، فلما سقط من الربح مائة بقي الربح أربعمائة، فلما اشتراه المضارب بألفين ثم حط عنه أربعمائة صار شراؤه [بألف] (٣) وستمائة، فيطرح عنه مقدار ما ربح فيه رب المال وهو

стр. 3068

أربعمائة، فيبيعه على ما بقي (١) ٢٣٤١ - فَصْل: في المرابحة بين المضاربين قال محمد في الأصل: إذا دفع رجل إلى رجل ألف درهم مضاربة بالنصف، ودفع إلى آخر ألف درهم مضاربة بالنصف، فاشترى أحد المضاربين عبدا بخمسمائة [من المضاربة، فباعه من المضارب الآخر بألف، فأراد الثاني أن يبيعه مرابحة باعه على خمسمائة]، وهو أقل الثمنين؛ لأن مال المضاربين لرجل واحد، فصار بيع أحدهما مع الآخر في حق الأجانب، كبيع الإنسان ماله بماله، فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين. ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة فباعه من الثاني بألفين: [ألف] من المضاربة، وألف من مال نفسه، فإن الثاني يبيعه مرابحة على ألف ومائتين وخمسين؛ لأن الثاني اشترى نصفه لنفسه بألف، وقد كان الأول اشترى ذلك النصف بمائتين وخمسين، فيبيعه الثاني مرابحة على الألف؛ لأنه لا نصيب لواحد منهما في شراء صاحبه، فصارا كالأجنبي. وأما النصف الذي اشتراه الثاني بألف للمضاربة، فقد كان الأول اشتراه بمائتين وخمسين، وهو مال واحد، فيبيعه على أقل الثمنين. ولو كان الأول اشتراه بألف المضاربة، فباعه من الثاني بألفين للمضاربة: ألف رأس المال، وألف ربح، فإن الثاني يبيعه مرابحة بألف وخمسمائة؛ لأنه يبيعه على أقل الثمنين (وعلى حصته من الربح) (٢)، وأقل الثمنين ألف، وحصة

стр. 3069

المضاربة خمسمائة. ولو كان الأول اشتراه بخمسمائة والمسألة على حالها، باعه الثاني على ألف؛ لأن أقل الثمنين خمسمائة، وحصة ذلك المضارب خمسمائة، فيبيعه مرابحة على أقل الثمنين وحصته من الربح (١).

стр. 3070

بَاب ما يجوز للمضارب أن يشتري بمال المضاربة وما لا يجوز قال أبو الحسن: كل ما اشتراه للمضاربة مما لا يجوز بيعه فيه إذا قبضه فالشراء لنفسه، وحقوق البيع لازمة له دون رب المال، وإن أدى فيه شيئًا من مال المضاربة ضمنه. قال الشيخ ﵀: وجملة هذا أن المضارب إذا اشترى ما لا يملك بالقبض أو اشترى ما لا يصح بيعه بعد الشراء، فإنه لا يكون على المضاربة [لأن المضاربة] إذن في التصرف الذي يحصل به الربح، وذلك لا يكون إلا بالشراء والبيع، فما لا يملك لا يحصل فيه الربح، وما يملك ولا يقدر على بيعه لا يحصل فيه الربح، فلم يدخل ذلك تحت الإذن، فإن اشتراه كان مشتريًا لنفسه، فإذا دفع فيه مال المضاربة ضمنه. قال: وهذا مثل أن يشتري خمرًا أو خنزيرًا أو مدبرًا أو مكاتبا أو أُمّ ولد أو ميتة أو دمًا، وذلك لأن هذه الأشياء لا تملك، وإن قبضها لا تدخل تحت الإذن، فإن اشترى عبدًا أو ثوبًا أو عرضًا من العروض بشيء مما ذكرنا غير الميتة والدم، فالشراء على المضاربة؛ لأن البيع يملك بالقبض، ويجوز بيعه، والإذن في الشراء [يتناول الصحيح والفاسد، فأما إذا كان الثمن ميتة أو دمًا، فما اشتراه لا يكون] على المضاربة؛ لأن ذلك لا يملك بالقبض. قال: وإن اشترى ذا رَحِم مَحْرم من رب المال فهو مشترٍ لنفسه؛ لأن هذا لو

стр. 3071

اشتراه على المضاربة عتق على رب المال، فلم يقدر على بيعه، فإن اشترى ذا رحم محرم من نفسه ولا ربح في المال، فالشراء على المضاربة؛ [لأنه] لا ملك له فيه، فقدر على بيعه، وإن كان في المال ربح فالشراء لنفسه، وقد عتق عليه؛ لأنه لا يقدر على بيعه إذا اشتراه للمضاربة وفيها ربح، ألا ترى أن نصيبه منه يعتق، وما لا يقدر على بيعه لا يكون للمضاربة (١).

стр. 3072

باب عتق المضاربة قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: إذا أعتق المضارب عبدا من المضاربة، فإن كان في نفس العبد المعتق فضل عن رأس المال جاز عتقه في قدر حصته من الربح، وهو كعبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، فإن لم يكن في قيمته فضل عن رأس المال لم يجز عتقه؛ وذلك لأن العبد إذا كان بقدر رأس المال لا فضل فيه فلم يتعين للمضارب فيه حق؛ لأنه مشغول برأس المال وإن كان هناك مال آخر، ألا ترى أنه لو هلك ذلك المال صار العبد هو رأس المال، وإذا لم يتعين له فيه حق لم يعتق. وإن كان قيمة العبد أكثر من رأس المال فقد تعين للمضارب فيه حق؛ (لأن المال إذا كان من جنس واحد وهو أكثر من رأس المال) (١) فحق المضارب فيه معين، فإذا أعتقه نفذ عتقه في نصيبه، وصار كعبد بين شريكين أعتق أحدهما. قال: وكذلك إن كاتبه فأدّى أو أعتقه على مال فهو مثل ذلك، وإذا لم يكن فيه فضل لم يجز، وإن كان فيه فضل [جاز]، كان كعبد بين رجلين أعتقه أحدهما على مال، فإذا [قبل] عتق عليه نصيبه وكان [رب] (٢) المال بالخيار. وإن كاتبه فلرب المال فسخ الكتابة، وإن أدى الكتابة قبل أن يفسخ عتق،

стр. 3073

إلا أن رب المال يأخذ مما أَدَّاه المكاتب قدر حصته منه؛ وذلك لأنه إذا كان فيه فضل فقد تعين حقه في الربح، فعتقه على مال كعتقه بغير مال، فنفذ في قدر نصيبه، وأما الكتابة فلرب المال أن يفسخها قبل الأداء؛ لأنه تصرف في المال المشترك (تصرفًا) (١) يلحقه الفسخ، ويضر بالشريك، فكان للشريك دفع ذلك، كما لو بنى في الدار المشترك. فإن أدى المكاتب قبل الفسخ فالأداء شرط في العتق، فصار كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما، ويرجع رب المال على المضارب بمقدار نصيبه من المؤدى؛ لأنه كسب عبد مشترك. قال: وكذلك لو ادعى المضارب عبدًا اشتراه أنه ابنه، لم تجز دعواه إن لم يكن فيه فضل، فإن كان فيه فضل، جازت دعواه وعتق (٢)؛ لأن دعواه الملك كعتاق موقع، فإن كان فيه فضل جازت دعواه وعتق؛ لأنه يملك العتاق فصَحَّتْ دعواه، وإن لم يكن فيه فضل فهو لا يملك العتاق، فلم تنفذ دعواه. فإن زادت قيمة العبد على رأس المال بعد ذلك جازت دعواه، وعتق عليه، وكان كعبد بين شريكين عتق على أحدهما نصيبه بغير فعله؛ وذلك لأنه لما ادعى السبب ولا ملك له فدعوته موقوفة، فإذا ازدادت القيمة [على رأس المال] ملك جزءًا منه فنفذت دعوته [فيه]؛ لأن مَنْ ادَّعَى في غير ملكه ثم ملك، نفذت دعوته. وليس كذلك إذا أعتق ثم زادت قيمته أن العتق لا ينفذ؛ لأن من أعتق ملك

стр. 3074

غيره ثم ملكه لم ينفذ عتقه فيه، ولا ضمان على المضارب في ذلك؛ لأن العبد عتق بغير فعله، ألا ترى أنه لم يعتق بدعوته، وإنما عتق بزيادة القيمة، والعبد المشترك إذا عتق بغير فعل الشريك لم يضمن. قال: وكذلك إذا اشترى أمة قيمتها ألف، ورأس المال ألف، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، فادعى الولد فإنه لا يكون ولده، ولا تكون أمه أم ولد له؛ لأنه ليس في أحدهما فضل عن رأس المال. وكذلك لو كان في يد المضارب عشرون عبدًا قيمة كل واحد ألف، ورأس المال ألف لم يجز عتقه في واحد منهم؛ وذلك لأن المضارب لا يتعين له ملك في واحد منهم؛ لأن كل واحد يجوز أن يكون هو رأس المال، ولأن حق المضارب لا يتعين في الربح قبل تعيين رأس المال، وإذا لم يملك شيئًا منهم لم ينفذ عتقه ولا دعوته. وقد قالوا في هذه المسألة: إن رب المال لو أعتق العبيد نفذ عتقه في جميعهم؛ لأنه لما لم يتعين للمضارب فيهم ملك بقوا على ملك رب المال، فإذا أعقتهم بلفظة واحدة عتقوا جميعًا، ويضمن حصة المضارب منهم موسرًا كان أو معسرًا؛ لأن المضارب وإن لم يملك فقد كان له حق أن يتملك، فأفسده عليه رب المال فيضمن له. وإنما استوى اليسار والإعسار؛ لأنه باشر الجميع بالعتق فينفذ فيه، فصار كأنه أتلف المال، وليس هذا كضمان العتق؛ لأنه يختص بنصيبه، ثم يسري على قول أبي يوسف ومحمد إلى نصيب شريكه حكمًا؛ فلذلك يختلف فيه اليسار والإعسار.

стр. 3075

ومن أصحابنا من بنى مسألة العبدين على أصل أبي حنيفة: أن الرقيق لا يقسم بعضه في بعض، فإذا اشترى عبدين قيمة كل واحد منهما مثل رأس المال (منهما كالجنسين الذي لا يقسم بعضها في بعض، ومتى كان مال المضارب في جنسين كل واحد منهما مثل رأس المال) اشتغل كل واحد منهما برأس المال، وامتنع أن يتعين للمضارب فيه حق. وليس كذلك إذا كان المال من جنس واحد؛ لأن بعضه يقسم في بعض، فيتعين نصيب المضارب فيما زاد على رأس المال. قال أبو الحسن: وكذلك لو كان في يده مع ذلك عشرون ألف درهم، وذلك لما بيّنا أن المال إذا حصل من جنسين فلم يتعين رأس المال في أحدهما، فصار كل واحد من العبيد مشغولًا برأس المال. وكذلك الدراهم مقدار رأس المال فيها مشغول به، وما زاد على ذلك يتعين حق المضارب فيه. وقد قال زفر في مسألة العبدين: إن عتق المضارب ينفذ في نصيبه منهما؛ لأن رأس المال لا يجوز أن يكون أكثر من ألف، فما زاد على ذلك حق المضارب متعلق به، فينفذ عتقه فيه. والذي ذكره أبو الحسن في الجارية إذا ولدت فادعى المضارب [الولد]، محمول على أنها علقت قبل أن يشتريها، فأما إذا كان العلوق بعد الشراء فحكم المسألة يتغيّر؛ وذلك لأن المضارب يغرم العقر، فإذا قدرنا العقر مائة، فإن استوفاها رب المال منه نقص رأس ماله، وصار تسعمائة، فيتعين للمضارب ملك

стр. 3076

فيهما جميعا، فنفذت دعوته. وإذا ثبت النسب ضمن [المضارب] قيمة الأم [تمام] تسعمائة حتى يستوفي رب المال تمام رأس ماله، ثم يغرم خمسين درهمًا وهو تمام ما بقي من الأم، فظهر أن الولد ربح بينهما، فيعتق النصف من المضارب ويسعى في النصف لرب المال، قال عيسى بن أبان: وهذا الجواب هو الصحيح. وقد ذكر محمد في الأصل مسألة أخرى، طعن عيسى عليها، وهي إذا اشترى جارية بألف تساوي ألفًا، فولدت ولدا يساوي ألفًا، فادعاه المضارب لم يثبت نسبه، ويغرم العقر، فإن زادت قيمة أحدهما أو (١) قيمتهما جميعًا، فإن كانت قيمة الولد زادت حتى صارت ألفي درهم ثبت النسب من المضارب؛ لأنه ملك بعضه فعتق ربعه عليه، ولا ضمان عليه؛ لأنه عتق بزيادة القيمة، [ولا فعل له فيه]، ويسعى العبد في ثلاثة أرباع قيمته لرب المال، والجارية على حالها لم تصر أم ولد للمضارب ما لم يستوف رب المال العقد أو السعاية؛ لأن المضارب لم يظهر له الربح في الجارية ما لم يصل إلى رب المال شيء من المال. ولو لم تزد قيمة الولد ولكن زادت قيمة الأم فصارت ألفين، فإن الجارية أم ولد، وعلى المضارب ثلاثة أرباع قيمتها لرب المال؛ لأن ضمانها ضمان نقل، ولهذا يستوي فيه اليسار والإعسار، فيستوي أن يكون بفعله أو من طريق الحكم، ولا يثبت نسب الولد؛ لأن المضارب لم يملك من الولد شيئًا ما لم يأخذ رب المال شيئًا من رأس ماله. فإذا زادت قيمتهما جميعًا فصارت قيمة كل واحد منهما ألفي درهم، فإنه

стр. 3077

يثبت نسب الولد وتصير الجارية أم ولد له؛ لأنه قد ملك بعض كل واحد منهما، ويضمن المضارب لرب المال تمام قيمة الجارية، ألفي درهم، وعقر مائة درهم، وظهر أن رب المال استوفى رأس ماله، واستوفى من الربح ألف ومائة، فللمضارب أن يستوفي من الولد مقدار ألف ومائة، فيعتق الولد منه بذلك المقدار، وبقي من الولد مقدار تسعمائة ربح بينهما، لكل واحد أربعمائة وخمسون، فما أصاب المضارب عتق، وما أصاب رب المال يسعى فيه الولد. قال عيسى: وهذا الجواب خطأ، والصحيح أن يقال: يضمن المضارب من الأم ثلاثة أرباع قيمتها، ويضمن نصف العقر، وبقي الولد ربحًا بينهما، فيسعى في نصف قيمته لرب المال، ويسقط عنه النصف بحصته للمضارب، وهذا الذي ذكره عيسى هو على جواب محمد في المسألة التي قدمناها، إذا لم تزد قيمة كل واحد منهما. وعلى قياس ما قال محمد في مسألة الزيادة يجب أن يقول: إذا لم تزد قيمتهما فينبغي أن يغرم المضارب ألف ومائة، ثم يستوفي المضارب من الولد مائة، وبقي تسعمائة بينهما. فمن أصحابنا من قال: القياس ما أجاب به في المسألة التي قدمناها، إذا لم تزد قيمته. ووجهه: أن المضارب لا يغرم بعدما غرم تمام رأس ماله إلا نصف ما بقى من الأم؛ لأن ما بقي ربح بينهما، فلا يجوز أن يغرم الكل. والذي أجاب به في مسألة الزيادة: هو الاستحسان؛ لأنه في غرم تمام قيمة

стр. 3078

الجارية [تكثر] (١) العتق، والعتق والرق إذا اجتمعا غلبت الحرية الرق. ومن أصحابنا من قال: إنما افترقت المسألتان لوضعهما؛ لأن سبب العتق في مسألة الزيادة قيمة الولد، وفي المسألة الأخرى سبب العتق قبض رب المال إلى العقر، فلما شارك رب المال المضارب في سبب عتقه لم يجز أن يجتمع ربحه في الجارية. وأما في المسألة الأخرى لما كان عتقه بسبب الزيادة صرف نصيب رب المال إلى الجارية؛ لأن المضارب قد ملكها. وقد قيل أيضا: إن في تلك المسألة إنما قصد تكثير العتق، وفي المسألة الأخرى إذا لم تزد القيمة لا يتبين تكثير العتق؛ لأن الفضل فيما بينهما مقدار نصف العشر، فلا يتبين بذلك المقدار تكثير العتق. وقد قالوا في المضارب: إذا اشترى جارية بألف، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، فادعاه رب المال، ثبت النسب وعتق الولد، وصارت الجارية أم ولد له، وانتقضت المضاربة ولا ضمان عليه؛ وذلك لأن دعوته صادفت ملكه، فيثبت النسب، واستندت الدعوة إلى وقت العلوق، ولا قيمة للولد في ذلك الوقت، ولا فضل في المال، فلا يجب عليه القيمة ولا العقر؛ لأنه وطئ ملك نفسه [فلا يلزمه بسبب شيء] (٢).

стр. 3079

بَابٌ قسمة المضاربة قال أبو الحسن: وإذا دفع الرجل [إلى الرجل] ألف درهم مضاربة بالنصف، فربح المضارب ألفًا، فاقتسما الربح، ورأس المال في يد المضارب، لم يقبضه رب المال، فهلكت الألف التي في يد المضارب بعد قسمتهما الربح، أو خسرها المضارب، أو تويت، فإن القسمة الأولى لا تصح، وما قبض رب المال فهو محسوب عليه من رأس المال، وما قبضه المضارب دين عليه يرده حتى يستوفي رب المال رأس ماله، ولا يصح قسمة الربح حتى يستوفي رب المال رأس ماله. وذلك لما روي أن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن مثل التاجر، لا يسلم له ربحه حتى يسلم له رأس ماله، كذلك المؤمن، لا يسلم له نوافله حتى يسلم لف عزائمه" (١)، فهذا يدل على أن الربح لا يثبت قبل أن يتعين رأس المال؛ ولأن المال إذا بقي في يد المضارب فحكم المضاربة بحالها. فلو صححنا قسمة الربح لثبت الفرع قبل أصله، وهذا لا يجوز، وإذا لم تصح القسمة؛ فمتى هلك ما في يد المضارب صار الذي اقتسماه هو رأس المال فوجب على المضارب أن يرد منه تمام رأس المال. قال: فإن قبض رب المال ألف درهم رأس ماله أولًا، ثم اقتسما الربح، ثم

стр. 3080

رد الألف التي قبضها بعينها إلى يد المضارب على أن يعمل بها بالنصف، فهذه مضاربة مستقبلة، وإن هلكت في يده لم تنقض القسمة الأولى؛ لأن رب المال لما استوفى رأس المال زالت المضاربة، وصحت القسمة، فإذا رد المال فهذا عقد آخر، فهلاك المال فيه لا يبطل القسمة في غيره. قال: ولو كان الربح في المضاربة الأولى ألفين، فاقتسما الربح، فأخذ رب المال ألفًا والمضارب ألفًا، ثم هلك ما يد المضارب، فإن القسمة باطلة، وما قبضه رب المال محسوب من رأس ماله، ويرد المضارب نصف الألف التي قبض؛ وذلك لأن [المال] لما هلك قبل صحة القسمة صار ما قبضه رب المال رأس ماله، فتعين الربح فيما قبضه المضارب، ومن حكمه أن يكون بينهما فيجب عليه أن يرد نصفه. وكذلك إن كان قد هلك ما قبضه المضارب فيجب عليه أن يرد نصفه؛ لأنا قد بيّنا أنه قابض نصيب رب المال من الربح لنفسه، فصار ذلك مضمونًا عليه، [وليس كذلك] لو هلك ما قبضه رب المال لم يتعين بهلاكه شيء؛ لأن ما هلك [بعد] القبض يهلك من ضمان القابض، فبقاؤه وهلاكه سواء. قالوا: ولو اقتسما الربح ثم اختلفا، فقال المضارب قد كنت دفعت إليك رأس المال قبل القسمة، وقال رب المال: لم أقبض رأس المال قبل ذلك، فالقول قول رب المال، ويرد المضارب مما قبض لنفسه تمام رأس المال، يحتسب على رب المال بما قبضه من رأس ماله، ويتم له رأس ماله بما يرده المضارب، فإن بقي شيء بعد ذلك مما قبضه المضارب كان بينهما نصفين؛ وذلك لأن المضارب يَدَّعِي إيفاء رأس المال، ورب المال يجحد ذلك، والقول قول الأمين في إسقاط

стр. 3081

الضمان عن نفسه، ولا يقبل قوله في التسليم إلى غيره؛ ولأنه يَدَّعِي خلوص ما بقي من المال للربح، ورب المال يجحد ذلك، فلا يُقْبَلُ قول المضارب في الاستحقاق. فإن أقاما بينة، فالبينة بينة المضارب؛ لأنه يثبت إيفاء رأس المال، ورب المال يجحد ذلك. فإن قيل: قسمتهما للربح ظاهرة فيما ادعاه المضارب من إيفاء رأس المال؛ إذ الربح لا يكون إلا بعد الإيفاء، قلنا: قد جرت عادة التجار بالمقاسمة مع بقاء رأس المال في يد المضارب. قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجل دفع [إلى رجل] ألف درهم مضاربة صحيحة، ثم جعل رب المال يأخذ الخمسين والعشرين لنفقته، والمضارب [يعمل] ببقية المال ويربح فيما يشتري ويبيع، ثم احتسبا، فإنهما يحتسبان برأس المال ألف درهم يوم يحتسبان، والربح بينهما نصفان، ولا يكون ما أخذ رب المال من النفقة نقصانا من رأس المال، ولكنهما يحتسبان رأس المال ألفًا من جميع المال، وما بقي فهو بينهما نصفان؛ وذلك لأنا لو جلعنا المقبوض من رأس المال أدّى ذلك إلى إبطال المضاربة؛ لأن رب المال متى استرجع رأس ماله بطلت المضاربة، وهما لم يقصدا إبطالها، فلم يبق إلا أن يجعل رأس المال فيما بقي (١).

стр. 3082

باب في جحود المضارب مال المضاربة [قال أبو الحسن]: قال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجل دفع إلى رجل مالًا مضاربة ثم طلبه منه، فقال: لم تدفع إلي شيئًا، ثم قال: بلى أستغفر الله، قد دفعت إلي ألف درهم مضاربةً، ثم اشترى بها بعد ذلك أو ضاعت من المضارب بعد ذلك، فإن اشترى بها فعلى المضاربة، وإن ضاعت قبل أن يشتري فهو ضامن، أما ثبوت الضمان بالجحود فلأنه أمين، فإذا جحد الأمانة ضمن كالمودع؛ ولأَنَّ مَنْ في يده شيء فالظاهر أنه مالكه، فإذا جحد أن يكون لغيره حكمنا له فيه بحكم الملك، ويستحيل أن يحكم له (في ملك غيره بالملك) (١) إلا بعد إيجاب الضمان عليه؛ ولأنه بالجحود قد رد الأمر بالحفظ، فصار متمسكا بغير أمر المالك، فضمن (٢). وأما إذا اشترى بها مع الجحود فالشراء لنفسه؛ لأنه ضامن للمال، ومن حكم المضارب أن يكون أمينًا، فإذا ضمن انتفى حكم المضاربة بوجوب الضمان، وأما إذا أقرّ بعد الجحود لم يرتفع الضمان؛ لأنه رد الأمر بالجحود، فلا يعود بالإمساك إلا بسبب آخر. فإن اشترى بها بعد الإقرار فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه؛ لأنه ضمن المال بجحوده، فلا يبرأ منه بفعله.

стр. 3083

والاستحسان: أن يكون ما اشتراه على المضاربة، ويبرأ من الضمان؛ وذلك لأن الأمر بالشراء عام فيما قبل الجحود وبعده، فإذا اشترى فقد زال التعدي حين فعل ما أمر به المالك فيبرأ من الضمان، وصار المشترى للمضاربة، [وليس هذا] كما لو قال له: اشترِ لي بالدين الذي في ذمتك؛ لأن المضمون في الذمة لا يبرأ منه بفعله، والعين المضمونة يجوز أن يبرأ منها بفعله، ألا ترى أنه لو قال له: اجعلها في موضع كذا، برئ من الضمان بذلك، بخلاف الدين. وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم وأمره أن يشتري بها عبدًا فجحده الألف ثم أَقرَّ بها ثم اشترى جاز الشراء، وكان للآمر، وبرئ الجاحد من الضمان. وإن اشترى بها عبدًا ثم أقرَّ لم يبرأ من الضمان، وكان الشراء (١) له، وهذا على ما ذكرنا في المضارب. قال: ولو [كان] دفع إليه ألفًا وأمره أن يشتري بها عبدًا بعينه، ثم جحد الألف، ثم اشترى العبد ثم أقرّ بالألف، فإن العبد للآمر؛ وذلك لأن التوكيل بشراء عبد بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، فبقي أن يكون [الشراء] للآمر، فكأنه أقر ثم اشترى. وليس كذلك المضارب؛ لأنه يملك أن يشتري لنفسه، فلا يحمل على الشراء لرب المال إلا أن يقر بالمال قبل الشراء. وقال أبو يوسف: لو دفع إليه عبدًا ليبيعه ثم جحده إياه فادّعاه لنفسه، ثم أقر له به فباعه، فإن البيع جائز، وهو بريء من ضمانه، وكذلك لو دفع إليه عبدًا

стр. 3084

وأمره أن يهبه [لفلان] (١)، فجحده وادعاه لنفسه، ثم أقر به فوهبه فهو جائز، وكذلك إن أمره بعتقه فجحده [وادّعاه لنفسه] (٢)، ثم أقر [به] فأعتقه، جاز عتقه؛ وذلك لأن الأمر بالبيع والهبة والعتق عام فيما قبل الجحود وبعده، فإذا جحد ثم أقر ثم باع فقد تصرف بأمر المالك، فزال بتصرفه الضمان. قال ابن سماعة: وينبغي في قياس قوله هذا في الألف إذا أمره أن يشتري بها عبدًا بعينه، أنه إذا أمره أن يبيع له عبدًا أو دارًا أو يهبه لرجل، أو يعتقه، ثم جحد ذلك فادعاه لنفسه، ثم باع العبد أو وهبه أو أعتقه أو باع الدار، ثم أقرّ بذلك بعد البيع، أنه جائز، ويلزم الآمر، وهذا صحيح؛ لأنه لا يملك أن يبيع [العبد] لنفسه، وإنما باعه للآمر، وذلك يسقط الضمان المتعلق بالجحود. وقال هشام: سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فجاء بألف وخمسمائة فقال: هذه الألف رأس المال، وهذه الخمسمائة ربح، ثم سكت، ثم قال: عَلَيَّ دين فيه لفلان كذا وكذا، قال محمد: يقبل قول المضارب؛ لأنه يقول هذا ربح وَعلَي دين؛ وذلك لأن المضارب أقر بالدين في حال تملك الإقرار به، فينفذ إقراره، وليس يمتنع أن يقول: قد ربحت ولزمني دين، فيقبل قوله. قال: ولو جاء المضارب بألفين فقال: ألف رأس المال وألف ربح، ثم قال: لم أربح إلا خمسمائة ثم هلك المال كله في يد المضارب، فإن المضارب يغرم الخمسمائة التي جحدها، ولا ضمان عليه في باقي المال؛ وذلك لأن الربح أمانة

стр. 3085

في يده، فإذا جحده صار غاصبًا فيضمنه بالهلاك. ولو قال المضارب لرب المال: قد دفعت إليك رأس مالك، والذي بقي في يدي ربح، ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك ولكن هلك، فإنه يضمن ما ادّعى دفعه إلى رب المال؛ لأنه صار جاحدًا بدعوى الدفع، فيضمن بالجحود، وكذلك لو اختلفا في الربح ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك ولكنه هلك، فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لما بيّنا. ولو اختلفا في الربح فقال رب المال: شرطتُ لك الثلث، وقال المضارب: شرطت لي النصف، ثم هلك المال في يد المضارب، قال محمد: فإن المضارب يضمن السدس من الربح ويؤديه إلى رب المال من ماله خاصة، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك؛ [وذلك] لأنا قد قدمنا أن القول في شرط الربح قول رب المال، وإذا كان كذلك فنصيب المضارب الثلث، وقد ادعى النصف، ومن ادعى أمانة في يده ضمنها، فكذلك يضمن سدس الربح (١). وقال الحسن: إذا أقرَّ المضارب أنه قد عمل بالمال وأن في يده عشرة آلاف على أنّ فيها دينًا ألفًا أو ألفين، فقال ذلك في كلام متصل، كان القول قوله مع يمينه، فيدفع الدين منه سمّى صاحبه أو لم يسمّه، وإن سكت سكتة ثم أقرّ بعد ذلك، وادعى صاحبه أو لم يسمه لم يصدق. وكذلك إذا قال: منه وديعة لفلان ألف، ثم قال: غصبت ذلك، وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو مخالف لما ذكره في أول الباب عن محمد.
следующие страницы →