← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

الضمان عن نفسه، ولا يقبل قوله في التسليم إلى غيره؛ ولأنه يَدَّعِي خلوص ما بقي من المال للربح، ورب المال يجحد ذلك، فلا يُقْبَلُ قول المضارب في الاستحقاق. فإن أقاما بينة، فالبينة بينة المضارب؛ لأنه يثبت إيفاء رأس المال، ورب المال يجحد ذلك. فإن قيل: قسمتهما للربح ظاهرة فيما ادعاه المضارب من إيفاء رأس المال؛ إذ الربح لا يكون إلا بعد الإيفاء، قلنا: قد جرت عادة التجار بالمقاسمة مع بقاء رأس المال في يد المضارب. قال ابن سماعة عن أبي يوسف في نوادره: في رجل دفع [إلى رجل] ألف درهم مضاربة صحيحة، ثم جعل رب المال يأخذ الخمسين والعشرين لنفقته، والمضارب [يعمل] ببقية المال ويربح فيما يشتري ويبيع، ثم احتسبا، فإنهما يحتسبان برأس المال ألف درهم يوم يحتسبان، والربح بينهما نصفان، ولا يكون ما أخذ رب المال من النفقة نقصانا من رأس المال، ولكنهما يحتسبان رأس المال ألفًا من جميع المال، وما بقي فهو بينهما نصفان؛ وذلك لأنا لو جلعنا المقبوض من رأس المال أدّى ذلك إلى إبطال المضاربة؛ لأن رب المال متى استرجع رأس ماله بطلت المضاربة، وهما لم يقصدا إبطالها، فلم يبق إلا أن يجعل رأس المال فيما بقي (١).

стр. 3082

باب في جحود المضارب مال المضاربة [قال أبو الحسن]: قال ابن سماعة في نوادره: سمعت أبا يوسف قال في رجل دفع إلى رجل مالًا مضاربة ثم طلبه منه، فقال: لم تدفع إلي شيئًا، ثم قال: بلى أستغفر الله، قد دفعت إلي ألف درهم مضاربةً، ثم اشترى بها بعد ذلك أو ضاعت من المضارب بعد ذلك، فإن اشترى بها فعلى المضاربة، وإن ضاعت قبل أن يشتري فهو ضامن، أما ثبوت الضمان بالجحود فلأنه أمين، فإذا جحد الأمانة ضمن كالمودع؛ ولأَنَّ مَنْ في يده شيء فالظاهر أنه مالكه، فإذا جحد أن يكون لغيره حكمنا له فيه بحكم الملك، ويستحيل أن يحكم له (في ملك غيره بالملك) (١) إلا بعد إيجاب الضمان عليه؛ ولأنه بالجحود قد رد الأمر بالحفظ، فصار متمسكا بغير أمر المالك، فضمن (٢). وأما إذا اشترى بها مع الجحود فالشراء لنفسه؛ لأنه ضامن للمال، ومن حكم المضارب أن يكون أمينًا، فإذا ضمن انتفى حكم المضاربة بوجوب الضمان، وأما إذا أقرّ بعد الجحود لم يرتفع الضمان؛ لأنه رد الأمر بالجحود، فلا يعود بالإمساك إلا بسبب آخر. فإن اشترى بها بعد الإقرار فالقياس أن يكون ما اشتراه لنفسه؛ لأنه ضمن المال بجحوده، فلا يبرأ منه بفعله.

стр. 3083

والاستحسان: أن يكون ما اشتراه على المضاربة، ويبرأ من الضمان؛ وذلك لأن الأمر بالشراء عام فيما قبل الجحود وبعده، فإذا اشترى فقد زال التعدي حين فعل ما أمر به المالك فيبرأ من الضمان، وصار المشترى للمضاربة، [وليس هذا] كما لو قال له: اشترِ لي بالدين الذي في ذمتك؛ لأن المضمون في الذمة لا يبرأ منه بفعله، والعين المضمونة يجوز أن يبرأ منها بفعله، ألا ترى أنه لو قال له: اجعلها في موضع كذا، برئ من الضمان بذلك، بخلاف الدين. وكذلك رجل دفع إلى رجل ألف درهم وأمره أن يشتري بها عبدًا فجحده الألف ثم أَقرَّ بها ثم اشترى جاز الشراء، وكان للآمر، وبرئ الجاحد من الضمان. وإن اشترى بها عبدًا ثم أقرَّ لم يبرأ من الضمان، وكان الشراء (١) له، وهذا على ما ذكرنا في المضارب. قال: ولو [كان] دفع إليه ألفًا وأمره أن يشتري بها عبدًا بعينه، ثم جحد الألف، ثم اشترى العبد ثم أقرّ بالألف، فإن العبد للآمر؛ وذلك لأن التوكيل بشراء عبد بعينه لا يملك أن يشتريه لنفسه، فبقي أن يكون [الشراء] للآمر، فكأنه أقر ثم اشترى. وليس كذلك المضارب؛ لأنه يملك أن يشتري لنفسه، فلا يحمل على الشراء لرب المال إلا أن يقر بالمال قبل الشراء. وقال أبو يوسف: لو دفع إليه عبدًا ليبيعه ثم جحده إياه فادّعاه لنفسه، ثم أقر له به فباعه، فإن البيع جائز، وهو بريء من ضمانه، وكذلك لو دفع إليه عبدًا

стр. 3084

وأمره أن يهبه [لفلان] (١)، فجحده وادعاه لنفسه، ثم أقر به فوهبه فهو جائز، وكذلك إن أمره بعتقه فجحده [وادّعاه لنفسه] (٢)، ثم أقر [به] فأعتقه، جاز عتقه؛ وذلك لأن الأمر بالبيع والهبة والعتق عام فيما قبل الجحود وبعده، فإذا جحد ثم أقر ثم باع فقد تصرف بأمر المالك، فزال بتصرفه الضمان. قال ابن سماعة: وينبغي في قياس قوله هذا في الألف إذا أمره أن يشتري بها عبدًا بعينه، أنه إذا أمره أن يبيع له عبدًا أو دارًا أو يهبه لرجل، أو يعتقه، ثم جحد ذلك فادعاه لنفسه، ثم باع العبد أو وهبه أو أعتقه أو باع الدار، ثم أقرّ بذلك بعد البيع، أنه جائز، ويلزم الآمر، وهذا صحيح؛ لأنه لا يملك أن يبيع [العبد] لنفسه، وإنما باعه للآمر، وذلك يسقط الضمان المتعلق بالجحود. وقال هشام: سمعت محمدا قال في رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة، فجاء بألف وخمسمائة فقال: هذه الألف رأس المال، وهذه الخمسمائة ربح، ثم سكت، ثم قال: عَلَيَّ دين فيه لفلان كذا وكذا، قال محمد: يقبل قول المضارب؛ لأنه يقول هذا ربح وَعلَي دين؛ وذلك لأن المضارب أقر بالدين في حال تملك الإقرار به، فينفذ إقراره، وليس يمتنع أن يقول: قد ربحت ولزمني دين، فيقبل قوله. قال: ولو جاء المضارب بألفين فقال: ألف رأس المال وألف ربح، ثم قال: لم أربح إلا خمسمائة ثم هلك المال كله في يد المضارب، فإن المضارب يغرم الخمسمائة التي جحدها، ولا ضمان عليه في باقي المال؛ وذلك لأن الربح أمانة

стр. 3085

في يده، فإذا جحده صار غاصبًا فيضمنه بالهلاك. ولو قال المضارب لرب المال: قد دفعت إليك رأس مالك، والذي بقي في يدي ربح، ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك ولكن هلك، فإنه يضمن ما ادّعى دفعه إلى رب المال؛ لأنه صار جاحدًا بدعوى الدفع، فيضمن بالجحود، وكذلك لو اختلفا في الربح ثم رجع فقال: لم أدفعه إليك ولكنه هلك، فإنه يضمن ما ادعى دفعه إلى رب المال لما بيّنا. ولو اختلفا في الربح فقال رب المال: شرطتُ لك الثلث، وقال المضارب: شرطت لي النصف، ثم هلك المال في يد المضارب، قال محمد: فإن المضارب يضمن السدس من الربح ويؤديه إلى رب المال من ماله خاصة، ولا ضمان عليه فيما سوى ذلك؛ [وذلك] لأنا قد قدمنا أن القول في شرط الربح قول رب المال، وإذا كان كذلك فنصيب المضارب الثلث، وقد ادعى النصف، ومن ادعى أمانة في يده ضمنها، فكذلك يضمن سدس الربح (١). وقال الحسن: إذا أقرَّ المضارب أنه قد عمل بالمال وأن في يده عشرة آلاف على أنّ فيها دينًا ألفًا أو ألفين، فقال ذلك في كلام متصل، كان القول قوله مع يمينه، فيدفع الدين منه سمّى صاحبه أو لم يسمّه، وإن سكت سكتة ثم أقرّ بعد ذلك، وادعى صاحبه أو لم يسمه لم يصدق. وكذلك إذا قال: منه وديعة لفلان ألف، ثم قال: غصبت ذلك، وهذا قياس قول أبي حنيفة، وهو مخالف لما ذكره في أول الباب عن محمد.

стр. 3086

ووجهه: أنه إذا قال: في يدي عشرة آلاف ربح، ثم سكت، ثم قال: عَلَيَّ دين ألف درهم، فقد رجع عمّا أقر به؛ لأن الربح لا يكون إلا بعد قضاء الدين، والإقرار إذا صَحَّ لم يقبل رجوع المقر عنه، وليس كذلك إذا [كان] قاله متصلًا؛ لأن الإقرار لم يستقر، فصار كالاستثناء.

стр. 3087

باب مضاربة الحربي والمرتد قال أبو الحسن: وإذا دفع المسلم إلى المسلم مالًا مضاربةً ثم ارتد رب المال، فباع المضارب واشترى بالمال بعد الردة، فذلك كله موقوف في قول أبي حنيفة، فإن رجع إلى الإسلام جاز ذلك كله، وكان في جميع أحكام المضاربة كأنه لم يرتد، وكذلك إن لحق بدار الحرب ثم رجع مسلما قبل أن يحكم بلحاقه. (فإن مات أو قُتِلَ على ردته أو لحق بدار الحرب فحكم بلحاقه) (١)، بطلت المضاربة من يوم ارتد، وهذا فرع على أصل أبي حنيفة: أن ملك المرتد مراعى، فإن مات على ردته [أو قُتِلَ] أو لحق بدار الحرب، فحكم بلحاقه زال ملكه من حين ارتد، وانتقل إلى ورثته، وصار كأنه في ذلك الوقت، فبطل تصرف المضارب بأمره، وصار كأنه تصرف في ملك الورثة، فإن كان المال يومئذٍ [قائمًا] في يده لم يتصرف فيه ثم اشترى بعد ذلك، فما اشتري له، وربحه عليه [وضيعته]، فإنه انعزل عن المضاربة وزال [ملك] الأمر عن المال، فصار متصرفًا في ملك الورثة بغير أمرهم. وإن كان المال متاعًا أو عروضًا أو غير الدراهم والدنانير من سائر الأموال، فبيع المضارب فيه وشراؤه جائز حتى يحصل (٢) رأس المال؛ وذلك لأن المضارب في هذا الحال لا ينعزل بالعزل، ولا بموت رب المال، وكذلك بردته.

стр. 3088

فإن حصل في يد المضارب دنانير ورأس المال دراهم [أو دراهم ورأس المال] دنانير، فالقياس أن لا يجوز له التصرف؛ لأنها من جنس الأثمان، فكأنها غير (١) رأس المال، إلا أنهم استحسنوا فقالوا: إن باعها بجنس رأس المال جاز؛ لأن على المضارب أن يبيع ما في يده حتى يرد مثل (٢) رأس المال، فصارت كالعروض. فأما إذا أسلم أو عاد من دار الحرب مسلمًا قبل الحكم بلحاقه، جاز تصرف المضارب؛ لأن حكم الردة ارتفع، وصار كأنه لم يزل مسلمًا. وأما على أصل أبي يوسف ومحمد: فالردة لا تؤثر في حكم الأملاك، فتصرف المضارب يجوز بعد الردة، كما يجوز تصرف رب المال، فإن مات [المرتد] رب المال أو قُتِلَ، صار كموت المسلم في بطلان المضاربة، وكذلك إن لحق وحُكِمَ بلحاقه؛ لأن الحكم باللحاق يجري مجرى الموت؛ بدلالة أن ماله ينتقل إلى ورثته، فبطل أمره في المال (٣). ٢٣٤٢ - فَصْل: [المضاربة في حال ردة المضارب وحده] فإن كان المضارب هو المرتد ولم يرتد رب المال، فالمضاربة على حالها في قولهم جميعًا؛ وذلك لأن المرتد يقف تصرفه عند أبي حنيفة لوقوف أملاكه، والمضارب يتصرف في منافعه، وملكه ثابت عليها، فصار كالمسلم، إلا أن العهدة في قياس قول أبي حنيفة على رب المال؛ لأنه لما لم يملك التصرف في

стр. 3089

المال حتى لا يضرّ بورثته، كذلك لا يملك التزام العهدة؛ لأنه يضرّ بهم، ومن تصرف للغير وهو ممن لا تلزمه عهدة كانت العهدة على الآمر، كمن وكَّل صبيًا محجورًا. وعلى قولهما: العهدة عليه؛ لأن تصرفه كتصرف المسلم، فجاز أن يضمن العهدة بالتصرف. قال: فإن مات المضارب أو لحق بدار الحرب، فحكم بلحاقه أو قتل، بطلت المضاربة؛ وذلك لأن موته مرتدًا كموته قبل الردة، والحكم بلحاقه كموته في بطلان تصرفه (١). قال: فإن لَحِقَ المُضَارِبُ بدار الحرب بعد رِدَّتِه، فباع واشترى هناك ثم رجع مسلمًا، فله جميع ما اشترى وباع في دار الحرب [ذلك كله له]، ولا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ لأنه لما لحق بدار الحرب بطلت الأمانة؛ لأن دار الحرب ليست بدار ائتمان، ولا يثبت أمر رب المال فيها مع الاختلاف، فصار متعديًا بالتصرف، والمرتد إذا تَعَدَّى في دار الحرب في مال المسلمين لم يضمن بالتعدي، ويكون ما غلب عليه له، كذلك هذا. قال: وارتداد المرأة وغير ارتدادها سواء في قولهم جميعًا، كان المال لها، وكانت هي العاملة به مضاربة، والمضاربة صحيحة على حالها حتى تموت أو تلحق بدار الحرب ويحكم بلحاقها؛ وذلك لأن ردة المرأة لا تؤثر في أملاكها، فلا تؤثر في تصرفها، فأمَّا إذا ماتت بطلت المضاربة بموتها كما لو ماتت قبل

стр. 3090

الرِّدَّة، وكذلك إذا حكم بلحاقها؛ لأنه يجري مجرى الموت (١). قال: وإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان فدفع [الحربي] إلى المسلم مالًا مضاربة، أو دفع إليه مسلم مالًا مضاربة فهو جائز؛ لأن المستأمن في دارنا كالذِّمِّيِّ، ومعاملة المسلم مع الذمي مضاربة جائزة، فإن كان المضارب هو المسلم فدخل دار الحرب بأمان، فعمل بالمال فهو جائز؛ وذلك لأنه دخل إلى دار الحرب وهي دار رب المال، ولم يوجد بينهما اختلاف، فكأنهما في دار واحدة. فإن كان المضارب هو الحربي، فرجع إلى دار الحرب بإذن رب المال، فعمل بالمال فذلك جائز، ويكون على المضاربة، ويكون الربح على ما شرطا إن رجع إلى دار الإسلام مسلمًا أو معاهدًا أو بأمان استحسانًا (٢). وجه القياس: أنه لما عاد إلى دار الحرب بطل أمانه، وعاد إلى حكم [دار] الحرب، فبطل [أمر رب المال مع اختلاف الدارين، فإذا تصرف فقد تعدى بالتصرف، فملك] ما تصرف فيه. ووجه الاستحسان: أنه لما خرج بأمر رب المال، صار كأن رب المال معه، ولو دخل رب المال معه إلى دار الحرب لم تبطل المضاربة، كذلك إذا دخل بأمره، وليس هذا كما لو دخل بغير أمره؛ لأنه لما لم يأذن له في الدخول انقطع حكم رب المال عنه، فصار تصرفه لنفسه. وقد قالوا في المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان، فدفع إليه حربي مالًا

стр. 3091

مضاربة، فربح مائة درهم، فإن هذا، فإن هذا في قياس قول أبي حنيفة ومحمد جائز. وإن اشترى المضارب على هذا فربح أو وضع، فالوضيعة على رب المال، والربح على ما اشترطا، ويستوفي المضارب مائة درهم، والباقي لرب المال. وإن لم يكن في المال من الربح إلا مائة، فهي كلها للمضارب، وإن كان أقلّ من مائة فذلك للمضارب أيضًا، ولا شيء للمضارب على رب المال؛ لأن رب المال لم يشترط المائة [درهم] إلا من الربح. فأما في قول أبي يوسف: فالمضاربة فاسدة، وللمضارب أجر مثله، وهذا فرع على اختلافهم في جواز الربا في دار الحرب، وأن المسلم يجوز أن يتوصل إلى أخذ مالهم بكل سبب يحصل معه الرضا، حتى لا يكون خفرًا للأمان (١).

стр. 3092

بَابُ الرجل يدفع مالًا إلى رجل بعضه مضاربة وبعضه غير مضاربة وذلك مشاع في المال قال أبو الحسن: وإذا دفع الرجل إلى الرجل ألف درهم، فقال نصفها عليك قرض ونصفها مضاربة بالنصف، فذلك جائز، فإن ضاع المال في يد المضارب قبل أن يعمل فهو ضامن لنصف المال، وإن لم يضع واشترى [به] وعمل فنصفه مضاربة، ووضيعته على رب المال، وربحه على ما شرطا، والنصف الآخر كله للمضارب، له ربحه وعليه وضيعته (١). والوجه في هذا: أنه لو أقرضه كل المال جاز، ولو أعطاه جميعه مضاربة جاز، فإذا جعل بعضه مضاربة وبعضه قرضًا جاز، ولأنه عقد معاوضة مال بمال، فلم يؤثر فيه الإشاعة كالبيع، ولا يلزم هبة (٢) المشاع بعوض؛ لأن عقدها تبرع وليس بمعاوضة، ولا يلزم الإجارة؛ لأنها ليست بتمليك مال بمال. وأما المضاربة فإنما جازت مع الإشاعة؛ لأن المضارب يتمكن من التصرف إذا ملك بقية المال، كما يملك التصرف إذا كان الجميع مضاربة، وجواز المضاربة موقوف على إمكان التصرف في المال؛ ولأن الشركة مع المضارب لا تمنع من المضاربة، بدلالة أنه إذا ربح صار شريكًا في المال، وجاز تصرفه بعد ذلك على المضاربة، فكذلك يجوز ابتداء تصرفه مع الشركة، [وإذا ثبت] (٣)

стр. 3093

جواز القرض والمضاربة كان نصف الربح للمضارب؛ لأنه ربح ملكه، والنصف الآخر بينه وبين رب المال على ما شرطا؛ لأنه ربح مستفاد بمال المضاربة. قال: ولا يجوز قسمة أحدهما دون الآخر؛ وذلك لأنه مال مشترك، فلا يملك أحد الشريكين قسمته بنفسه. قال: ولو كان قال له: خذ هذه الألف على أن نصفها عليك قرض، وعلى أن تعمل بالنصف الآخر مضاربة على أن الربح لي، فإن هذا مكروه، فإن عمل على هذا فربح أو وضع فالربح بينهما نصفان. أما وجه الكراهة: فلأنه شرط لنفسه منفعة في مقابلة القرض، ويكره أن ينتفع المُقْرِضُ بسبب القَرْضِ، وإنما كان الربح بينهما؛ لأن المضارب ملك نصف المال بالقرض، والنصف الآخر بضاعة في يده، فربحه لصاحبه، وأما الوضيعة فهي جُزْءٌ هالك من المال، وهو مشترك، فالوضيعة على قدره. ولو قال: خذ هذه الألف نصفها مضاربة بالنصف، ونصفها هبة، وقبضها المضارب على ذلك غير مقسومة، فالهبة فاسدة، فإن هلك المال في يد المضارب قبل أن يعمل أو بعدما عمل، فهو ضامن لنصف المال، وهى الهبة، فإن عمل في المال فربح، كان نصف الربح للمضارب حصة الهبة، ونصف الربح بينهما على ما اشترطا، والوضيعة عليهما (١). وإنما فسدت الهبة؛ لأنها هبة المشاع فيما يحتمل القسمة، فإذا قبضها ملكها بعقد فاسد، فكان ربحها له، وإن هلكت ضمنها؛ لأن الهبة الفاسدة قبضها

стр. 3094

[الموهوب له لنفسه على حكم عقد فاسد] (١)، وكانت مضمونة عليه كالبيع الفاسد. قال: ولو كان دفع نصف المال بضاعة ونصفه مضاربة، فقبضه المضارب على ذلك فهو جائز، والمال على ما سَمَّيا من المضاربة والبضاعة، والوضيعة على رب المال، ونصف الربح لرب المال، ونصفه على ما شرطا؛ لأنه لو دفع جميع المال بضاعة جاز، ولو دفعه مضاربة جاز، فإذا جمع بينهما جاز، والوضيعة على رب المال؛ لأن المبضع لا ضمان عليه في البضاعة ولا في المضاربة، وحصة البضاعة من الربح لرب المال خاصة، وحصة المضاربة بينهما على ما شرطا (٢). ولو كان دفع إليه على نصفها وديعة في يد المضارب، ونصفها مضاربة بالنصف، فذلك جائز، والمال في يد المضارب على ما سميا؛ وذلك لأن الوديعة والمضاربة كل واحد منهما أمانة، فلا ينفي أحدهما الآخر، إلا أن التصرف لا يجوز إلا بعد القسمة؛ لأن كل جزء من المال بعضه وديعة وبعضه مضاربة، والتصرف في الوديعة لا يجوز. فإن قسم المضارب المال نصفين، ثم عمل بأحد النصفين على المضاربة، فربح أو وضع، فالوضيعة عليه وعلى رب المال نصفان: ونصف الربح للمضارب، ونصفه على ما شرطا؛ وذلك لأن [قسمة] (٣) المضارب في المال لا تَصِحّ؛ لأن المالك لم يأذن فيها، فإذا أفرد بعضه فقد تصرف في مال الوديعة ومال المضاربة، فما كان من حصة [الوديعة، فهو غصب، وربحه للغاصب، وما

стр. 3095

كان من حصة المضارب فهو على الشرط (١). ومن] هذا النوع إذا دفع إليه متاعًا فباع نصفه من المدفوع إليه بخمسمائة [درهم]، ثم أمره أن يبيع النصف الباقي ويعمل بالثمن كله مضاربة على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بينهما نصفان، فباع المضارب نصف المتاع بخمسمائة، ثم عمل بها وبالخمسمائة التي عليه، فربح في ذلك أو وضع، فالوضيعة عليهما نصفان، والربح بينهما نصفان؛ لأن من أصل أبي حنيفة: أن من كان له على أحد دين، فأمره أن يشتري بذلك الدين شيئًا [أو يبيع ففعل]، فالشراء لنفسه ولا يكون للآمر، ويكون الدين على حاله. وفي مسألتنا: صاحب المال أمره أن يعمل بالدين وبنصف [ثمن] المتاع، فما ربح في نصيب (٢) الدافع هو للدافع، وما ربح في حصة الدين فهو للمدفوع إليه؛ لأنه تصرف في مال نفسه، والوضيعة عليهما؛ لأن المال مشترك بينهما، فالهالك بينهما. وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد: فمقدار ما ربح في الخمسمائة التي أمره أن يبيع نصف المتاع بها، فهو بينهما نصفان على ما شرطا، وما ربح في [النصف] الذي عليه من الدين يكون الربح لرب المال؛ لأنّ من أصلهما: أنه إذا أمره أن يشتري بالدين الذي عليه، ويعمل به مضاربة، جاز أمره بالشراء، وتكون المضاربة فاسدة؛ لأنها تقع بالعروض؛ فكذلك هاهنا صارت [المضاربة] جائزة في النصف، فاسدة في النصف.

стр. 3096

ولو كانت المسألة بحالها وقد اشترط الدافع لنفسه الثلث وللمضارب الثلثين؛ فإن في قول أبي حنيفة: ثلثا الربح للمضارب على ما شرطا، نصف الربح من نصيب المضارب، وسدسه من نصيب الدافع، فكأنه قال: اعمل في نصيبك على أن الربح لك، و [اعمل] في نصيبي على أن ثلثي الربح لي، وثلثه لك. وأما في قياس قول أبي يوسف ومحمد: فقد دفع إليه نصفه مضاربة جائزة، ونصفه مضاربة فاسدة، فما ربح في النصف الذي كان دينًا فهو لرب المال؛ لأنه مضاربة فاسدة، وما ربح في النصف الذي [كان دينًا] هو ثمن المتاع، فالربح بينهما على ما شرطا، فصار لرب المال ثلثا الربح، وللمضارب الثلث. ولو كان شرط لرب المال ثلثي الربح وللمضارب الثلث، فالربح بينهما نصفان في قول أبي حنيفة؛ لأن رب المال شرط النصف من نصيب نفسه، والزيادة من نصيب المضارب، وشرط الزيادة من نصيب المضارب باطل، فيكون الربح على قدر المال. وفي قياس قول أبي يوسف ومحمد: نصف الربح لرب (١) المال خاصة؛ لأن المضاربة فيه فاسدة، وللمضارب ثلث ربح النصف الآخر (٢). ٢٣٤٣ - فَصْل: [الشركة مع جهالة قدر الربح] ومما يلحق بهذا الكتاب من المسائل المشهورة التي لم يذكرها أبو الحسن: قال أصحابنا: إذا دفع [الرجل إلى الرجل] ألف درهم على أنهما شريكان

стр. 3097

في الربح، ولم يبين مقدار الربح جاز ذلك؛ والربح بينهما نصفان؛ لأن الشركة تقتضي التساوي، قال الله تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]. ولو قال: على أن للمضارب شركًا في الربح، جاز في قول أبي يوسف، والربح بينهما نصفان. وقال محمد: المضاربة فاسدة. لأبي يوسف: أن الشرك اسم مشتق من الشركة، وقد اتفقوا أنه لو [ذكر بلفظ الشركة] (١) اقتضت المساواة، فكذلك [إذا ذكر بلفظ الشرك]. لمحمد: أن الشرك عبارة عن النصيب، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]، فكأنه حصل له نصيبٌ من الربح. ٢٣٤٤ - فَصْل: [مضاربة المريض] قال أصحابنا: إذا دفع المريض مضاربة على أن للمضارب نصف الربح أو أكثر من ذلك جاز؛ لأن الربح كسب للمضارب، فلا يحصل فيه مغابنة في مال المريض؛ ولأنه لو أقرضه المال كان له جميع الربح، أو أكثر من ذلك جاز؛ لأن الربح كسب للمضارب فلا يحصل فيه مغابنة في مال المريض، ولأنه لو أقرضه المال كان له جميع الربح، فإذا جعل لنفسه بعضه أولى (٢). ٢٣٤٥ - فَصْل: [ظهور العيب في مال المضاربة] قال: ولو اشترى المضارب عبدًا معيبًا قد علم ربُّ المال بعيبه ولم يعلم به

стр. 3098

المضارب، فللمضارب ردّه؛ لأن حقوق العقد تتعلق به دون رب المال، فعلم رب المال لا يعتبر، ولو كان المضارب علم بالعيب ولم يعلم رب المال به لم يكن للمضارب رده؛ لأن الشراء مع العلم بالعيب رضًا بالعيب؛ فكأنه أفصح بذلك. قال: ولو اشترى عبدًا معيبًا فقال رب المال بعد الشراء: قد رضيت بالعيب، بطل الرد؛ لأن الملك لرب المال، فإذا رضي فقد أبطل حق نفسه. ولو أن رَبَّ المال دفع إليه ألف درهم مضاربة على أن يشتري عبدَ فلان بعينه ثم يبيعه، فاشتراه المضارب ولم يره، فليس له أن يرده بخيار الرؤية، ولا بخيار العيب؛ لأن أمره بالشراء بعد العلم [به] رضًا منه بذلك العيب، فكأنه قال بعد الشراء: قد رضيت، وليس كذلك إذا أمره بشراء عبد [غير معيّن] (١)؛ لأنه لا يعلم أنه يشتري العبد المعيب حتى يكون علمه رضي به. ٢٣٤٦ - فَصْل: [بيع ربّ المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أقل] قال أصحابنا: إذا باع رَبُّ المال مال المضاربة بمثل قيمته أو أكثر، جاز بيعه، وإن باع بأقل من قيمته بما يتغابن [الناس] فيه أو ما لا يتغابن، لم يجز بيعه، إلا أن يجيز [هـ المضارب]؛ لأن بيع رب المال إعانة للمضارب، وليس من الإعانة إدخال النقص عليه. وأما إذا باع بالقيمة أو أكثر فالبيع على وجه الإعانة، وهو مأذون في إعانته من طريق الدلالة، وإن لم يكن مأذونًا من طريق الإفصاح.

стр. 3099

وعلى هذا: لو كان المضارب اثنين فباع أحدهما بإذن رب المال لم يجز إلا بمثل القيمة أو أكثر، إلا أن يجيزه [المضارب] الآخر؛ لأن بيعه بإذن رب المال كبيع رب المال، ولا يقال: إن المضارب الآخر لو أجاز البيع بالنقصان القليل جاز، وهو إنما استفاد التصرف من جهة رب المال؛ وذلك لأن الوصي استفاد الإذن من جهة الميت، ولو باع [الوصيّ] بنقصان قليل جاز، ولو باع الميت في مرضه بنقصان قليل وعليه دين لم يجز، [كذلك هذا] (١) (٢). ٢٣٤٧ - فَصْل: [امتناع المضارب من بيع مال المضاربة] قال: ولو اشترى المضارب متاعًا بمال المضاربة وفيه فضل أو لا فضل فيه، فأبى المضارب أن يبيعه وأراد أن يمسكه حتى يجد ربحه، وأراد رب المال بيعه، فإن المضارب يجبر على بيعه إلا أن يشاء أن يدفعه إلى رب المال؛ لأن لرب المال ملكًا، وللمضارب حقًا، فإذا [كان] رب المال لو امتنع من البيع لم يكن له ذلك، وهو صاحب الملك، فالمضارب الذي ليس له ملك أولى [أن لا يجوز منعه من البيع]، ولكن يقال له: إن أردت [المنع] (٣) فرد عليه ماله، وإن [كان] فيه ربح، قيل له: ادفع إليه رأس ماله وحصته من الربح، ويسلم لك المتاع. ٢٣٤٨ - فَصْل: [عمل الأب في مضاربة ابنه] قال: وإذا أخذ الرجل لابنه مالًا مضاربة فهو على وجهين: إن كان الابن لا يعقل البيع فأخذ الأب المال ليعمل لأجل ابنه، فالمضاربة

стр. 3100

للأب ولا شيء للابن من الربح فيه؛ لأن الربح في المضاربة يستحق بالمال أو بالعمل، وليس للابن واحد منهما. وإن الابن يقدر على العمل، فالمضاربة للابن [والربح له]، فإن عمل الأب بأمر الابن فهو متطوع، وإن عمل بغير إذنه صار بمنزلة الغاصب؛ لأنه ليس له أن يعمل فيه بغير أمره فصار كالأجنبي. ٢٣٤٩ - فَصْل: [حقوق المضارب ورب المال في مال المضاربة] وقالوا في المضارب إذا اشترى جارية فليس لرب المال وطؤها سواء كان فيه ربح أو لم يكن؛ لأنه إذا كان فيه ربح فهي مشتركة، ووطء الجارية المشتركة لا يجوز، وإن لم يكن فيه ربح فللمضارب حق يشبه الملك، ألا ترى أن رب المال لو مات كان للمضارب أن يبيعها، فصارت كالجارية المشتركة. ٢٣٥٠ - فَصْل: [انتقاض المضاربة بتصرف المضارب] قال: وإذا اشترى المضارب جارية ثم اشتراها من رب المال لنفسه جاز ذلك، وخرجت من المضاربة؛ لأن الثمن صار دينًا عليه، والمضاربة أمانة، فإذا زالت الأمانة وصار المال مضمونًا انتقضت المضاربة، ولو أن المضارب باعها من رب المال، فالمضاربة على حالها؛ لأن المال صار دينًا على رب المال؛ [لأن] رب المال مخيّر بين دفعه وتركه، وذلك [لا يبطل] المضاربة كما قبل الشراء أنه مخير: إن شاء ترك المال في يد المضارب، وإن شاء لم يترك (١).

стр. 3101

٢٣٥١ - فَصْل: [إقرار المريض بمال المضاربة] وإذا مات المضارب وعليه ديون، ومال المضاربة في يده معروف، فربُّ المال أحق برأس ماله وحصته من الربح، لقوله ﵊: "من وجد عين ماله فهو أحق به" (١). [قال]: فإن قال المريض: هذا المال مضاربة في يدي، ولا يعرف ذلك إلا بقوله فهو على ثلاثة أوجه: إما أن يكون لا دين عليه، أو عليه دين في الصحة، أو دَين في المرض. فإن كان لا دين عليه جاز إقراره؛ لأنه أقرَّ على نفسه بما لا تهمة فيه، وإن كان عليه دين في الصحة لم يصدق، والغريم أحق بالمال؛ لأنه لما مرض وجب للغريم حق الاستيفاء من ماله، فلا يصدق على إبطاله، وإن كان عليه دين في المرض فإنه ينظر: إن كان بدأ المضاربة ثم بالدين فصاحب المضاربة أولى؛ لأن رب المال ملك عين المال بإقراره، فلا يجوز إقراره بعد ذلك في ملك غيره، فإن أَقَرَّ بالدين ثم بالمضاربة تحاصّا؛ لأنه أقر بما (٢) تعلق به حق الغرماء، فلم ينفذ إقراره في عينه، فصار مقرًا بدين آخر. وإذا أقر المضارب في مرضه أنه ربح ألفًا ولم يوجد ذلك، فلا ضمان عليه في الربح؛ لأنه لا يعلم وصوله إلى يده، ولو أقرّ أنه ربح وأن الربح قد وصل إليه

стр. 3102

ثم مات، فلرب المال أن يأخذه من تركته؛ لأنه أقرّ بحصوله في يده، وقد ضيّع الحفظ فيه حين لم يُبَيِّنْهُ بِعَيْنِه. ٢٣٥٢ - فَصْل: [شفعة رب المال في دار المضاربة] وقالوا في المضارب إذا اشترى دارًا بألف ورب المال شفيعها بدار له أخرى، فله أن يأخذها بالشفعة؛ لأن شراء المضارب إن اعتبر بشراء الأجنبي [فإن لرب المال] (١) الشفعة، وإن اعتبر بشراء رب المال فله فيما يشتريه بنفسه الشفعة (٢). ولو أن المضارب باع دارًا من المضاربة ورب المال شفيعها فلا شفعة له، سواء كان في الدار ربح أو لم يكن، أما حصة رب المال فلأن المضارب باعها بأمره، فصار كوكيله في البيع، وأما حصة الربح، فلأنا لو أوجبنا فيه الشفعة تفرقت الصفقة على المشتري، ولأن الربح تابع لرأس المال، فإذا لم تجب الشفعة في المتبوع لم تجب في التبع. ولو باع رب المال دارًا لنفسه والمضارب شفيعها بدار أخرى من المضاربة، فإن كان في يده من مال المضاربة وفاء بثمن الدار لم تجب الشفعة؛ [لأن الشفعة وجبت للمضاربة، والمضاربة لرب المال، وربّ المال هو البائع، فلا تجب الشفعة فيما] باعه، وإن لم يكن في يده وفاء فهو على وجهين: إن لم يكن في الدار ربح فلا شفعة؛ لأنه يأخذها لرب المال، وإن كان فيه ربح فللمضارب أن يأخذها لنفسه بالشفعة؛ لأن له في الدار شركة (٣) فجاز أن يأخذها لنفسه.

стр. 3103

ولو أن أجنبيًا اشترى دارًا إلى جانب دار المضاربة، فإن كان في يد المضارب وفاء بالثمن فله أن يأخذها بالشفعة للمضاربة، فإن سلم الشفعة بطلت، وليس لرب المال أن يأخذها لنفسه؛ لأن الشفعة وجبت للمضاربة، والتصرف في المضاربة يملكه المضارب، فإذا سلم جاز تسليمه على نفسه وعلى رب المال، وإن لم يكن في يده وفاء، فإن كان في الدار ربح فالشفعة وجبت للمضارب ولرب المال جميعًا، فإن سلم أحدهما فللآخر أن يأخذها جميعها لنفسه بالشفعة، كدار بين شريكين وجبت الشفعة لهما، وإن لم يكن في [الدار] (١) ربح فالشفعة لرب المال خاصة؛ لأنه لا نصيب للمضارب فيها (٢). ٢٣٥٣ - فَصْل: [دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة] قال أبو يوسف: إذا استأجر الرجل أجيرًا كل شهر بعشرة دراهم ليشتري له ويبيع، ثم دفع المستأجر إلى الأجير دراهم مضاربة فالمضاربة فاسدة، والربح كله للدافع، ولا شيء للأجير (٣) سوى الأجرة. وقال محمد: المضاربة جائزة، ولا شيء للأجير (٤) في الوقت الذي يكون مشغولًا بعمل المضاربة فيه. لأبي يوسف: أنه لما استأجره فقد ملك عمله، وصار كالمملوك له، فإذا دفع مضاربة وشرط للمضارب ربحًا [للعمل الذي] (٥) ملكه رب المال، [لم يجز

стр. 3104

أن يستوجب المضارب لنفسه ربحًا لعمل قد ملكه رب المال]؛ ولأن المضارب يعمل لنفسه، فلا يجوز أن يستوجب الربح والأجر، ولا يجوز أن يفسخ الإجارة بالمضاربة، لأن الإجارة أقوى [من المضاربة]، ألا ترى أنها لازمة والمضاربة غير لازمة، فلا ينتقض الشيء بما هو أضعف منه. لمحمد: أنه لما دفع إليه المضاربة فقد اتفقا على ترك الإجارة ونقضها (١)، فما دام يعمل بالمضاربة فلا أجرة له؛ ولأن المضاربة شركة، ولذلك لا تقتصر إلى التوقيت، ولو شاركه بعدما استأجره جازت الشركة وكذلك المضاربة. والجواب: أن الشريك يستحق الربح بالمال، والمضارِب بالعمل، ورب المال قد ملك العمل، فلا يجوز أن يستحق المضارب به الربح؛ لأن الشريك يعمل لنفسه، فكأنه امتنع من عمل الإجارة، فيسقط عنه الأجر بحصته، والمضارب يعمل لرب المال فبقي عمله به على الإجارة. ٢٣٥٤ - فَصْل: [المضاربة بالخيار بين عملين مختلفين] قال ابن سماعة: سمعت محمدًا قال في رجل دفع إلى رجل مالًا مضاربة فقال: إن اشتريت به الحنطة فلك من الربح النصف ولي النصف، وإن اشتريتَ به الدقيقَ فلك الثلث ولي الثلثان، قال: هذا جائز، وله أن يشتري أيّ ذلك [شاء] على ما سمى له رب المال؛ لأنه خيره بين عملين مختلفين، فصار (٢) كالمخير بين الخياطة الرومية والفارسية. وقال أبو غسان عن محمد: في رجل دفع إلى رجل [مالًا] مضاربة على أنه

стр. 3105

إن عمل به في البلد فله ثلث الربح، وإن سافر به فله نصف الربح [ما حاله] (١) إن اشترى متاعًا وهو مقيم فباعه في السفر؟ أو اشترى في السفر فباعه في كوره وهو مقيم؟ أرأيت إن كان يعمل بالمال سنة وهو مقيم، فربح، ثم عمل به مسافرًا سنة فربح؟. قال: إنما المضاربة في هذا على الشراء [فيه]، فإذا اشترى في المصر فما ربح في ذلك المتاع، فهو على ما شرط في المصر إن باعه في المصر أو غيره؛ وذلك لأن الربح يستحقه المضارب بالعمل، والعمل يحصل بالشراء، فإذا اشترى في المصر تعين أحد العملين، فلا يتغير ربحه بالسفر، وأما إذا عمل ببعض المال في السفر ثم عمل في الحضر، فلكل واحد من المالين ربحه على ما شرطا. [تم كتاب المضاربة ولله الحمد والمنة والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وأهل بيته الذين ارتضى]

стр. 3106

[٥٥] كتاب الصّرف قال الشيخ رحمه الله تعالى: الصرف (١) اسم للعقد الواقع على جنس الأثمان، وهو من جملة البيع، لكنه اختص بأحكام لا تعتبر في البيع، واختص باسم. والدليل على جوازه: قوله عليه الصلاة السلام: "الذهب بالذهب مثلًا بمثل، والفضة بالفضة مثلًا بمثل" (٢)، وفي حديث ابن عمر أنه سأل النبي ﷺ فقال: "إنا نبيع الإبل بالبقيع، فنأخذ مكان الدراهم الدنانير، ومكان الدنانير الدراهم"، فقال: "لا بأس إذا افترقتما وليس بينكما لبس" (٣)؛ ولأنه فعل الأمة من غير خلاف.

стр. 3107

والأحكام التي يختص بها عقد الصرف من بين سائر العقود: وجوب التقابض في بدليه في المجلس، وأن يتفرقا وليس لواحد منهما خيار شرط، وأن لا يكون فيه أجل (١). والدليل على وجوب التقابض في المجلس: قوله ﵊: "الفضة بالفضة مثلًا بمثل يداً بيد" (٢)، وقال: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم (٣) يدًا بيد، ولا خير فيه نسيئة"، وقال في حديث ابن عمر: "لا بأس إذا افترقتم وليس بينكم لبس" (٤)، وعن ابن عمر أنه قال في الصرف: وإن استنظرك إلى وراء هذه السارية فلا تنظره. وأما التأجيل، فلا يجوز في بدل الصرف لما ذكرنا من الأخبار، ولأن التقابض شرط، والأجل [شرط تأخير] (٥) القبض. وأما شرط الخيار فيبطل الصرف؛ لأنه يمنع من وقوع الملك بفعل العاقد، [وعدم القبض يمنع] (٦) من صحة العقد، فما شرط لنفي الملك، أولى [أن يمنع]. قال أبو الحسن بإسناد ذكره، قال: جمع المنزل بين عبادة بن الصامت ومعاوية إما في بيعةٍ، أو قال في كنيسة، وقال عبادة: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 3108

يقول: "الذهب بالذهب، والورق بالورق، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر"، وقال أحدهما: "الملح بالملح"، ولم يقل الآخر: "سواء بسواء عينًا بعين"، وقال: "فمن زاد وازداد فقد أربى" (١)، ولم يقلد الآخر. وأمرنا أن نبيع الذهبَ بالوَرِقِ، والورِقَ بالذهب، والبُرَّ بالشَّعِير، والشعير بالبر، يدًا بيد، كيف شئنا. وسئل محمد بن سيرين: عن الحديد بالحديد؟ فقال: (الله أعلم، قد كان الرجل يبيع الدرع بالأدرع) (٢). وهذا الخبر قد تكلمنا عليه في كتاب البيوع، وذكرنا أنه وإن كان خبر واحد فهو في حيز أخبار الاستفاضة؛ لأن الأمة عملت بموجبه لأجله، فعلم أنه صحيح في الأصل بالإجماع. وذكر أنه لا خلاف في ثبوت الربا في الأشياء الستة المذكورة في الخبر إلا ما روي عن ابن عباس قال: (لا ربا إلا في النسيئة) (٣)، وقد تكلمنا عليه وبيّنا أن الصحابة لم يسوّغوا له الاجتهاد، فقال عليّ: (إنك رجل تائه) (٤) ومشى إليه أبو سعيد الخدري، فقال له: أَصَحِبْتَ رسول الله ﷺ ما لم نصحب؟ فقال: لا، قال: أَفَسَمَعْتَ ما لم نسمع؟ قال: لا، قال: فو الله لا آواني وإياك ظل بيت أبدًا وأنت على هذا القول، فقال ابن عباس: لا أفتي به بعد هذا أبدًا.

стр. 3109

وقال الشعبي: حدثني بضعة عشر من أصحاب ابن عباس الخبر، فالخبر منهم: أن ابن عباس لم يمت حتى رجع عن قوله في الصرف. وقال جابر بن زيد: نزل ابن عباس عن قوله في الصرف والمتعة، وإن لم يحك الخلاف إلا عنه ورجع عن قوله، سقط الخلاف. فأما قوله [في الخبر]: "وأمرنا النبي ﷺ أن نبيع الذهب بالوَرِق، والوَرِق بالذهب" (١)، فقد دل على جواز التفاضل بين الجنسين، وقوله: "إذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم"، وقوله: "البُرَّ بالشعير" (٢) قد دل على أن البر والشعير جنسان، خلاف ما قاله مالك. وأما قول ابن سيرين: قد كان الرجل يبيع الدرع بالأدرع، فلا يدل على أن الربا لا يدخل في الحديد؛ لأن الدرع لا يوزن، والحديد يثبت فيه الربا إذا بيع وزنًا، وذكر حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز" (٣)، وهذا يدل على اعتبار المماثلة؛ لأنه منع من الشفوف الذي هو الزيادة، والمراد بذلك الزيادة المتحققة، فأما الرجحان الذي لا يتحقق أنه زيادة فلا يمنع من صحة العقد؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.

стр. 3110

وقوله: "لا تبيعوا غائبًا بناجز" يدل على اعتبار التقابض في الحال؛ لأن الغائب لا يمكن قبضه، وذكر حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبُرُّ بالبر ربًا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء" (١)، وهذا يدل [على] وجوب التقابض، وأن النَّساء في الأثمان ربًا؛ لأن الربا اسم شرعي؛ لأنه في اللغة اسم للزيادة، والنَّساء لا زيادة فيه، فدل على أن الاسم نقل من اللغة إلى الشرع. وذكر عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان أنه أخبره أنه التمس صرفًا بمائة دينار، قال: فرآني طلحة بن عبيد الله وأخذ الذهب يقلبه في يده ثم قال: حتى يأتي خازني (٢) من الغابة، وعمر يسمع، فقال عمر: والله لا تفارقه حتى تأخذ منه، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : "الذهب بالورق ربًا إلا هاءَ وهاءَ، والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاءَ، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء" (٣)، وهذا يدل على وجوب التقابض قبل الافتراق، سواء كان في المجلس أو لم يكن؛ لأن عمر اعتبر المفارقة، وقد تقابضا في (٤) المجلس قبل الافتراق. ذكر حديث ابن عمر قال: كنت أبيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب، فقال ﵊: "إذا بايعت رجلًا فلا تفارقه، وبينك وبينه لَبْس" (٥) (٦) وهذا يدل على

стр. 3111

وجوب التقابض، ويدل على أن الحكم يتعلق بالافتراق لا بالمجلس. قال أبو الحسن: والصرف اسم يختص بيع الفضة بالفضة، والذهب بالذهب، أو أحد الجنسين بصاحبه، مفردًا كان ذلك أو مجموعًا مع غيره. قال الشيخ ﵀: قد بيّنا أن الصرف اسم للعقد إذا وقع على جنس الأثمان، فأما قوله: أو مجموعًا مع غيره، فإنما يعني به إذا باع ذهبًا وثوبًا بفضة أو بذهب، فإن حصة الذهب صرف؛ لأنه في مقابلته [ثمنًا]، فيعتبر فيه أحكام الصرف، وحصة الثوب تبع؛ لأن العقد فيه لم يقع على ثمن [من الجنسين]، فيعتبر حكم الصرف في الذهب خاصة، فإذا قبض حصته من الفضة جاز العقد. وإن لم يقبض حصة الثوب قال: وهو مخصوص من سائر البياعات بثلاثة معاني: لا يفترق المتصارفان إلا عن قبض منهما جميعًا، وأن لا يفترقا ولأحدهما خيار، ولا لهما، ولا يكون لهما أجل في البيع، ولا لأحدهما، وقد بيّنا هذه الجملة. قال: ولو اختصرت فقلت: من شرطه أن يتقابضا قبل التفرق، ويفترقا وليس لأحدهما خيار له حلّ التأجيل في ذلك؛ لأن القبض يسقط الأجل. فأما الخيار الذي ذكره أبو الحسن، فإنما يريد به خيار الشرط دون الخيار الحكمي: وهو خيار العيب، وخيار الرؤية. قال: فإن افترقا عن غير قبض منهما، أو تقابضا ولهما أو لأحدهما خيار [أو أجل، فسد البيع، ثم لا يصح ذلك بعد افتراقهما أبدًا؛ وذلك لأنهما إذا افترقا فقد فات شرط صحة العقد: وهو التقابض، فإذا افترقا ولأحدهما

стр. 3112

خيار] (١)، فقد عدم الملك في أحد البدلين بالشرط، وذلك أكثر من عدم القبض. فأما الأجل الذي ذكره فلا يتصور أن يتفرقا عن قبض [وهناك أجل] (٢)؛ لأن من له الأجل إذا قبض سقط الأجل بإقباضه وصَحَّ العقد، وإنما رجع بقوله: إذا كان لأحدهما أجل إلى أصل المسألة لا إلى التقابض. فأما قوله: إنّ العقد لا يصح بعد ذلك أبدًا؛ فلأن المعنى المفسد لا يمكن رفعه من العقد: وهو الافتراق من غير قبض، أو من غير ملك؛ لمعنى يعود إلى الشرط، والمفسد للعقد إذا لم يمكن رفعه من العقد لم يصح العقد إلا بالاستئناف. قال: فإن شرطا أو أحدهما الخيار، ثم أبطلا ذلك قبل الافتراق، أو كان الخيار لأحدهما فأبطله الذي هو له قبل افتراقهما، جاز البيع في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في الاستحسان، والقياس أن لا يجوز العقد بعد وقوعه على فساد، وبالقياس قال زفر، وقد بيّنا هذه المسألة في البيوع. قال: فإن كان لأحدهما أجل فيما عليه أولهما، فأبطلا ما لهما من الأجل أو أبطله صاحب الأجل وهو واحد منهما قبل التفرق، صَحَّ البيع بينهما أيضًا استحسانًا، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف. وروي عن أبي يوسف: أن صاحب الأجل إذا أبطل الأجل لم يجز حتى يرضى صاحبه، وفرق في هذا المعنى بينه وبين الخيار. وجه قولهما: أن العقد فسد بمعنى ملحق: وهو التأجيل، كما فسد بمعنى

стр. 3113

ملحق: وهو الخيار، فإذا صح إسقاط من له الخيار خياره وإن لم يرض الآخر كذلك يصح إذا أسقط صاحب الأجل أجله، ويعود العقد إلى الإطلاق. لأبي يوسف: أن الأجل في الأصل لا يمنع من وقوع الملك، فإذا شرط في الصرف منع من وقوع الملك، فصار كالبيع المشروط فيه الخيار لهما، لا يصح بإسقاط أحدهما، وليس كذلك الخيار؛ لأنه موضوع في الأصل لنفي الملك، [ويتم الملك بإسقاط صاحب الخيار خاصة، فكذلك إذا شرط في الصرف، فمنع من المِلك، صحَّ] العقد بإسقاطه خاصة. وقد قال أبو يوسف: لو أن رجلًا أسلم دراهم مسماة في طَعام معلوم الصفة والكيل إلى غير أجل، فالسَّلَم فاسد، فإن جعل الذي له الطعام أجلًا معلومًا شهرًا أو شهرين، لم يجز السَّلَم حتى يقبل المسَلّم إليه ذلك. فإن قَبِلَ ذلك قبل أن يتفرقا ورضيا بأجل مسمّى، فهو جائز إذا كانت الدراهم غير مستهلكة، وهذا ظاهر على أصله؛ لأن ترك التأجيل يفسد السلم كالأجل في الصرف، فلا يصح إلا بتراضيهما، ولم يذكر في هذا الفصل خلافًا. ويجوز أن يكون قولهم؛ لأن حكم العقد يختلف باختلاف الآجال، ألا ترى أن المسَلَّم إليه يتمكن من دفع السّلم في وقت دون وقت، فلا بد من رضاه بمقدار الأجل، واعتبر بقاء الدراهم حتى يكون العقد بحيث يجوز أن يبتدأ. وقد قالوا فيمن اشترى دينارًا بعشرة دراهم نسيئة ثم نقده إياها قبل أن يفترقا، فقبضُه جائز؛ لأن التعجيل إسقاط للأجل، فكأنهما أسقطاه بالقول قبل الافتراق، قاله عمرو عن محمد.

стр. 3114

إذا اشترى دينارًا بخمسة دراهم نسيئة فنقده قبل أن يفترقا [أربعة] (١)، فالبيع باطل في قول أبي حنيفة في الجميع، وفي قولهما: له أربعة أخماس الدينار جائز. وهذا فرع على اختلافهم في الصفقة إذا تضمنت الصحيح والفاسد: فسد عند أبي حنيفة في الجميع، وعلى قول محمد في الفاسد خاصة. قال: فإن تفرقا ولأحدهما خيار رؤية أو خيار عيب، أو خيار وجب حكمًا بغير شرط بكلام، فالبيع جائز؛ لأن هذا الخيار لا يمنع الملك بالعقد؛ وذلك لأن خيار العيب والرؤية يثبتان من طريق الحكم، فحكمهما أقوى من حكم خيار الشرط، ولهذا لا [يفتقر] (٢) واحد منهما إلى التوقيت؛ فلذلك لم يفسد العقد؛ ولأن خيار الشرط يؤثر في العقد ليفيد الملك بفعل العاقد، وهذا لا يوجد في خيار العيب والرؤية. فأمّا قوله أو خيار وجب حكمًا، فإنما يريد بهذا: خيار الإجازة في البيع الموقوف؛ وذلك لا يمنع من جواز الصرف إذا أجيز؛ لأن المانع من الملك لم يحصل بفعل العاقد، وإنما يثبت حكمًا كخيار العيب. قال: وإن شرط أحدهما أن له خيار الرؤية أو خيار العيب جاز؛ وذلك لأن هذا يثبت من طريق الحكم، فإذا شرطه فقد شرط موجب العقد، وشرط موجب العقد لا يمنع من [صحة العقد] (٣) (٤).

стр. 3115

بَابْ: حَدِّ التَّفَرُّقِ قال أبو الحسن: إذا تفرق المتعاقدان للصرف بأبدانهما عن مجلسهما ذلك، [فأخذ] كل واحد منهما في جهة، أو قام أحدهما فذهب وبقي الآخر في المجلس، فقد وقع التفرق، فإن كانا لم يتقابضا جميعًا بطل الصرف، وكذلك إن كان قبض أحدهما ولم يقبض الآخر؛ وذلك لأنا قد بيّنا أن التقابض قبل الافتراق شرط، فإذا افترقا قبل ذلك فقد فات شرط صحة العقد، فبطل العقد (١). قال: وسواء كان البيع دينًا بدين، أو عينًا بعين، أو عنيًا بدين؛ وذلك لأن العقد إن كان على الدراهم والدنانير فهي لا تتعين بالتعيين، وإنما تتعين (٢) بالذمة، فالتعيين وعدمه سواء. فإن كان العقد على التِّبْرِ والآنية فهي مما تتعين، إلا أنها من جنس الأثمان، فتأكد حكم القبض فيها، وصار التعيين وعدم التعيين سواء؛ ولأن حكم الدراهم والدنانير أقوى في اعتبار التقابض؛ لأنها لا تتعين، فاعتبر التقابض في المجلس لتحصيل التعيين. وما سوى الذهب والفضة يتعين بالإشارة، فلم يفتقر إلى التقابض ليحصل التعيين، وإذا تأكد حكم القبض في الأثمان تأكد في جنسه، فكان ما يتعين [منه] بالعقد ملحقًا به.

стр. 3116

وأما الحنطة إذا بيعت بعضها ببعض وهي عين لم يعتبر فيها التقابض في المجلس لحصول التعيين الذي شرط القبض (١) لأجله، وقد بيّنا هذا في كتاب البيوع. وإذا كان المكيل بالمكيل دينًا بدين، فالعقد فاسد تقابضا أو لم يتقابضا؛ وذلك لأن ما وقع عليه اسم البيع مما يتعين جنسه مبيعٌ، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز، (لنهيه ﵊ لحكيم بن حرام عن بيع ما ليس عنده) (٢)، فإن كان أحدهما عينًا والآخر دينًا، فإن كان الذي وقع عليه لفظ البيع هو العين، فهو جائز إذا قبض الآخر في المجلس، فإن افترقا قبل أن يقبض الدين بطل البيع. وإن كان الذي وقع لفظ البيع عليه هو الدين لم يجز وإن تقابضا؛ وذلك لأن لفظ البيع إذا وقع على العين فبدلها ثمن، والثمن يجوز وإن لم يتعين. وقد كان القياس أن لا يعتبر قبضه في المجلس؛ لأنهما افترقا عن عين بدين فى غير جنس الأثمان، وإنما استحسنوا لقوله ﵊: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل عيناً بعين" (٣). وأما إذا وقع لفظ البيع على غير المعين فهو بيع ما ليس عند الإنسان، فلا يجوز العقد وإن عينه بعد ذلك. فأما الدراهم والدنانير فيجوز العقد عليهما غير معينة؛ لأنها لا تتعين، وإن

стр. 3117

عُيِّنَتْ فوجود التعيين وعدمه سواء، ولا فرق بين أن يقع عليها لفظ البيع وهي عين أو دين؛ لأنها لا تكون مبيعة، وإنما هي ثمن بكل حال، فإن قاما عن مجلسهما فذهبا (١) معًا في جهة واحدة وطريق واحد يمشيان جميعًا، فليس بمتفرقين والبيع بينهما تام على حاله، وأن يكونا تقابضا، وكذلك إن طال قعودهما في المجلس، أو ناما فيه، أو أغمي عليهما. ورَوى النوم والإغماء بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وكذلك روي إذا قاما جميعًا فمشيا جميعًا أنهما على بيعهما؛ وذلك لأن المعنى غير موجود إذا مشيا جميعًا. وقد دل على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: (الذهب بالذهب مثلًا بمثل لا تفضلوا بعضها عن بعض، لا يباع منها غائب بناجز، فإني أخاف عليكم الربا، وإن اسنتظر أن يدخل بيته فلا ينظره) (٢). وعن ابن عمر أنه قال: فإن وثب في سطح وثب معه، وليس هذا كخيار المخيرة إذا مشت والزوج معها؛ لأن تشاغلهما بالمشي يدل على الإعراض عما جذعل إليها، فيبطل خيارها وإن لم تفارق الزوج. وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل له على رجل ألف درهم، وكذلك الرجل عليه خمسون دينارًا، فأرسل إليه رسولًا فقال: قد بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك علي، فقال: قد قبلت، لم يكن ذلك شيئًا، وكان باطلًا من قِبَلِ أنهما تصارفا وهما مفترقان، وإن لم يصح هذا العقد لأنه دين بدين، والدين بالدين لا يصح في الأثمان، إلا أن يتقابضا في المجلس.

стр. 3118

وتعليل أبي الحسن بأنهما تصارفا وهما مفترقان يريد بذلك: أنهما لو تبايعا على هذا الوجه غير الدين لم يصح؛ لأن حقوق العقد لا تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسل، فإذا تعاقدا مع الافتراق قارن العقد ما يفسده لو طرأ عليه، فمنع من صحته قال: وكذلك لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار، أو ناداه من بعيد: لم يجز شيء من ذلك لما بيّنا أن العقد يقارنه الافتراق المانع من صحته، وليس هذا كالبيع لو أرسل رجل إلى رجل رسولًا فقال: قد بعتك عبدي الذي في مكان كذا بكذا كذا درهم، فقبل ذلك، كان البيع جائزًا، وكأنّ الرجل كلمه بالعقد؛ وذلك لأن الافتراق لا يؤثر في البيع، فقام قول الرسول مقام قول المرسل، وحقوق العقد متعلق بالمرسل، فكأنه فارقه عقيب العقد، فلا يفسد العقد. وقال هشام عن محمد: في رجل قال: اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم، ثم قام الأب قبل أن يزن العشرة، قال: باطل؛ وذلك لأنه هو العاقد، فلا يمكن اعتبار القبض بالافتراق، فاعتبر بالمجلس. قال [محمد]: وفي العاقدين: لا يبطل إلا بافتراقهما. وقال هشام عن محمد: في الواحد إذا عقد ونام في مجلسه، قال: إن نام طويلًا فإنه يبطل الصرف، وإن نام يسيرًا فهو على صرفه؛ لأن عقد الواحد لما اعتبر فيه المجلس دون الافتراق، صار كخيار المخيرة، فبطل بالنوم الطويل. وكذلك يجب أن يبطل بما يدل على الإعراض، كما يبطل خيار المخيرة. والله تعالى أعلم (١).

стр. 3119

بَابْ: أحد المتصارفين إذا أخذ بما وجب له كفيلًا أو رهنًا أو احتال به على رجل حاضر أو غائب قال أبو الحسن: إذا احتال أحد المتصارفين بما وجب له على رجل حاضر، أو أخذ به كفيلًا حاضرًا أو قبض به رهنًا، فالصرف بينهما على حاله، فإن قبض المال من المحتال عليه أو من الكفيل قبل الافتراق، أو هلك الرهن في يد المرتهن قبل الافتراق تَمَّ الصرف بينهما (١). وروى الحسن عن زفر: أن الكَفَالة والحوالة بثمن الصرف لا تجوز. [لنا: قوله] (٢) عليه الصلاة السلام: "من أحيل على مَلِيءٍ فليتبع" (٣)، وقوله: "الزعيم غارم" (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأن العاقد أقام الكفيل والمحال عليه مقام نفسه في الإيفاء، فصار كما لو أمر وكيله بالدفع.

стр. 3120

وأمّا الرهن [فلقوله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأن الرهن للاستيفاء، والاستيفاء واجب، فإذا قبض من الكفيل والمحتال عليه قبل الافتراق قام ذلك مقام القبض من وكيل العاقد، وإذا هلك الرهن صار المرتهن مستوفيًا من طريق الحكم، كأنه استوفى بالقبض. وجه قول زفر: أن ما في الذمة الثانية قام مقام ما في الأولى، فكأنه استوفى بالقبض، أخذ الرهن عوضًا عن ثمن الصرف. قال: فإن قام المحيل عليه أو الكفيل عن المجلس أو المتعاقدان في المجلس، فالبيع صحيح على حاله، فإن تقابض المتعاقدان أو رجع المحتال عليه أو الكفيل (جميعًا في المجلس) (١) فأدّيا المال قبل التفرق صَحَّ الصرف؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقدين، فذهاب غيرهما لا يؤثر في العقد إذا حصل التقابض في المجلس. قال: وإن حضر المحتال عليه أو الكفيل فى المجلس [جميعًا] معًا، وافترق المتعاقدان أو قام أحدهما عن المجلس فذهب بطل الصرف، والاعتبار بافتراق المتعاقدين، وهذا على ما بيّنا أن الحقوق تتعلق بهما، فإذا افترقا قبل القبض بطل العقد وإن حضر الكفيل. قال: وكذلك لو أمر كل واحد من المتعاقدين رجلًا أن ينقد عنه، فإن قام الأمر عن المجلس فذهب بطل الصرف وإن كان الوكيل حاضرًا مع الآخر، وإن قام المأمور بالدفع لم يبطل الصرف؛ لأن الحقوق تعلقت بالعاقد دون الوكيل، فإذا افترق العاقدان بطل العقد وإن حضر الوكيلان بمجلس العقد.
следующие страницы →