وأما الحنطة إذا بيعت بعضها ببعض وهي عين لم يعتبر فيها التقابض في المجلس لحصول التعيين الذي شرط القبض (١) لأجله، وقد بيّنا هذا في كتاب البيوع.
وإذا كان المكيل بالمكيل دينًا بدين، فالعقد فاسد تقابضا أو لم يتقابضا؛ وذلك لأن ما وقع عليه اسم البيع مما يتعين جنسه مبيعٌ، وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز، (لنهيه ﵊ لحكيم بن حرام عن بيع ما ليس عنده) (٢)، فإن كان أحدهما عينًا والآخر دينًا، فإن كان الذي وقع عليه لفظ البيع هو العين، فهو جائز إذا قبض الآخر في المجلس، فإن افترقا قبل أن يقبض الدين بطل البيع.
وإن كان الذي وقع لفظ البيع عليه هو الدين لم يجز وإن تقابضا؛ وذلك لأن لفظ البيع إذا وقع على العين فبدلها ثمن، والثمن يجوز وإن لم يتعين.
وقد كان القياس أن لا يعتبر قبضه في المجلس؛ لأنهما افترقا عن عين بدين فى غير جنس الأثمان، وإنما استحسنوا لقوله ﵊: "الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل عيناً بعين" (٣).
وأما إذا وقع لفظ البيع على غير المعين فهو بيع ما ليس عند الإنسان، فلا يجوز العقد وإن عينه بعد ذلك.
فأما الدراهم والدنانير فيجوز العقد عليهما غير معينة؛ لأنها لا تتعين، وإن
стр. 3117
عُيِّنَتْ فوجود التعيين وعدمه سواء، ولا فرق بين أن يقع عليها لفظ البيع وهي عين أو دين؛ لأنها لا تكون مبيعة، وإنما هي ثمن بكل حال، فإن قاما عن مجلسهما فذهبا (١) معًا في جهة واحدة وطريق واحد يمشيان جميعًا، فليس بمتفرقين والبيع بينهما تام على حاله، وأن يكونا تقابضا، وكذلك إن طال قعودهما في المجلس، أو ناما فيه، أو أغمي عليهما.
ورَوى النوم والإغماء بشر بن الوليد عن أبي يوسف، وكذلك روي إذا قاما جميعًا فمشيا جميعًا أنهما على بيعهما؛ وذلك لأن المعنى غير موجود إذا مشيا جميعًا.
وقد دل على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: (الذهب بالذهب مثلًا بمثل لا تفضلوا بعضها عن بعض، لا يباع منها غائب بناجز، فإني أخاف عليكم الربا، وإن اسنتظر أن يدخل بيته فلا ينظره) (٢).
وعن ابن عمر أنه قال: فإن وثب في سطح وثب معه، وليس هذا كخيار المخيرة إذا مشت والزوج معها؛ لأن تشاغلهما بالمشي يدل على الإعراض عما جذعل إليها، فيبطل خيارها وإن لم تفارق الزوج.
وروى ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل له على رجل ألف درهم، وكذلك الرجل عليه خمسون دينارًا، فأرسل إليه رسولًا فقال: قد بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك علي، فقال: قد قبلت، لم يكن ذلك شيئًا، وكان باطلًا من قِبَلِ أنهما تصارفا وهما مفترقان، وإن لم يصح هذا العقد لأنه دين بدين، والدين بالدين لا يصح في الأثمان، إلا أن يتقابضا في المجلس.
стр. 3118
وتعليل أبي الحسن بأنهما تصارفا وهما مفترقان يريد بذلك: أنهما لو تبايعا على هذا الوجه غير الدين لم يصح؛ لأن حقوق العقد لا تتعلق بالرسول، وإنما تتعلق بالمرسل، فإذا تعاقدا مع الافتراق قارن العقد ما يفسده لو طرأ عليه، فمنع من صحته
قال: وكذلك لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار، أو ناداه من بعيد: لم يجز شيء من ذلك لما بيّنا أن العقد يقارنه الافتراق المانع من صحته، وليس هذا كالبيع لو أرسل رجل إلى رجل رسولًا فقال: قد بعتك عبدي الذي في مكان كذا بكذا كذا درهم، فقبل ذلك، كان البيع جائزًا، وكأنّ الرجل كلمه بالعقد؛ وذلك لأن الافتراق لا يؤثر في البيع، فقام قول الرسول مقام قول المرسل، وحقوق العقد متعلق بالمرسل، فكأنه فارقه عقيب العقد، فلا يفسد العقد.
وقال هشام عن محمد: في رجل قال: اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم، ثم قام الأب قبل أن يزن العشرة، قال: باطل؛ وذلك لأنه هو العاقد، فلا يمكن اعتبار القبض بالافتراق، فاعتبر بالمجلس.
قال [محمد]: وفي العاقدين: لا يبطل إلا بافتراقهما.
وقال هشام عن محمد: في الواحد إذا عقد ونام في مجلسه، قال: إن نام طويلًا فإنه يبطل الصرف، وإن نام يسيرًا فهو على صرفه؛ لأن عقد الواحد لما اعتبر فيه المجلس دون الافتراق، صار كخيار المخيرة، فبطل بالنوم الطويل.
وكذلك يجب أن يبطل بما يدل على الإعراض، كما يبطل خيار المخيرة. والله تعالى أعلم (١).
стр. 3119
بَابْ: أحد المتصارفين إذا أخذ بما وجب له كفيلًا أو رهنًا أو احتال به على رجل حاضر أو غائب
قال أبو الحسن: إذا احتال أحد المتصارفين بما وجب له على رجل حاضر، أو أخذ به كفيلًا حاضرًا أو قبض به رهنًا، فالصرف بينهما على حاله، فإن قبض المال من المحتال عليه أو من الكفيل قبل الافتراق، أو هلك الرهن في يد المرتهن قبل الافتراق تَمَّ الصرف بينهما (١).
وروى الحسن عن زفر: أن الكَفَالة والحوالة بثمن الصرف لا تجوز.
[لنا: قوله] (٢) عليه الصلاة السلام: "من أحيل على مَلِيءٍ فليتبع" (٣)، وقوله: "الزعيم غارم" (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأن العاقد أقام الكفيل والمحال عليه مقام نفسه في الإيفاء، فصار كما لو أمر وكيله بالدفع.
стр. 3120
وأمّا الرهن [فلقوله : ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]؛ ولأن الرهن للاستيفاء، والاستيفاء واجب، فإذا قبض من الكفيل والمحتال عليه قبل الافتراق قام ذلك مقام القبض من وكيل العاقد، وإذا هلك الرهن صار المرتهن مستوفيًا من طريق الحكم، كأنه استوفى بالقبض.
وجه قول زفر: أن ما في الذمة الثانية قام مقام ما في الأولى، فكأنه استوفى بالقبض، أخذ الرهن عوضًا عن ثمن الصرف.
قال: فإن قام المحيل عليه أو الكفيل عن المجلس أو المتعاقدان في المجلس، فالبيع صحيح على حاله، فإن تقابض المتعاقدان أو رجع المحتال عليه أو الكفيل (جميعًا في المجلس) (١) فأدّيا المال قبل التفرق صَحَّ الصرف؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالعاقدين، فذهاب غيرهما لا يؤثر في العقد إذا حصل التقابض في المجلس.
قال: وإن حضر المحتال عليه أو الكفيل فى المجلس [جميعًا] معًا، وافترق المتعاقدان أو قام أحدهما عن المجلس فذهب بطل الصرف، والاعتبار بافتراق المتعاقدين، وهذا على ما بيّنا أن الحقوق تتعلق بهما، فإذا افترقا قبل القبض بطل العقد وإن حضر الكفيل.
قال: وكذلك لو أمر كل واحد من المتعاقدين رجلًا أن ينقد عنه، فإن قام الأمر عن المجلس فذهب بطل الصرف وإن كان الوكيل حاضرًا مع الآخر، وإن قام المأمور بالدفع لم يبطل الصرف؛ لأن الحقوق تعلقت بالعاقد دون الوكيل، فإذا افترق العاقدان بطل العقد وإن حضر الوكيلان بمجلس العقد.
стр. 3121
بَابْ: المتصارفين إذا تقابضا ثم رَدَّ أحدهما ما اشترى بعيب أو خيار رؤية أو استحق ما اشترى أو بعضه
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل دينارًا بعشرة دراهم، أو شيئًا من الذهب مصوغًا أو تبرًا بدراهم، أو فضة مضروبة أو مصوغة أو تبرًا بدراهم مثل وزنها، تقابضا وافترقا، ثم وجد القابض الدراهم زيوفًا أو نبهرجة أو كاسدة، أو مما يجوز في بعض التجارات دون بعض، وذلك عيب عندهم، فله أن يرد ما وجد من ذلك على غير شرطه؛ لأن العقد يقتضي صحة المعقود عليه، فإذا وجد معيبًا تغيّر [عليه] مقتضى العقد، فكان له الخيار.
فإن ردّه بعد الافتراق بطل الصرف في قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: إن استبدله في مجلس الرد جاز، وإن استبدله قبل الافتراق، جاز العقد في قولهم جميعًا.
أما إذا وجد بعض ذلك زيوفًا فالقياس عند أبي حنيفة: أن يبطل العقد [بقدر] (١) ما ردّ، والاستحسان: أن لا يبطل إن كان يسيرًا.
واختلفت الرواية في قدره: فروى مُعَلَّى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن المردود إذا كان أكثر من النصف بطل العقد، وإن كان النصف استبدل، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهشام عن أبي يوسف عنه.
стр. 3122
وروى محمد عن أبي حنيفة: أن المردود إذا كان النصف أو أكثر بطل العقد، وهي رواية ابن سماعة عن أبي يوسف عنه.
وروى بشر بن الوليد وخلف بن أيوب عن أبي يوسف عنه: أنه يستبدل ما بينه وبين الثلث، فإن زاد على الثلث انتقض بحساب ما يرد [وقد بيّنا فصول هذه المسألة في باب السَّلَم].
قال: وما انتقض الصرف فيه في جميع ما ذكرنا، فإنه يكون شريكًا في الدينار دفع عن الدراهم.
وقد طعن عيسى في هذا الفصل وقال: يجب أن يكون شريكًا في أي (١) دينار؛ لأن الدينار لم يتعين بالعقد، ألا ترى أن للعاقد أن يعطي ذلك الدينار أو غيره، وكذلك لا يتعين بالفسخ، فإن أشركه في دينار مثله جاز، وإن أشركه فيه جاز.
ومن أصحابنا من قال: إن الصحيح ما قاله عيسى، وإنما قوله [إنه] يكون شريكًا في الدينار، معناه: إذا اختار ذلك القابض.
ومنهم من قال: إن رَدَّ الزيوف يوجب فسخ القبض فيها، فيصير كأنهما افترقا قبل قبضهما، فيكون القابض للدينار، قد قبض دينارًا مستحقًا بعضه، والدينار يتعين بالقبض عندنا، وإن لم يتعين بالعقد؛ فكذلك جعله شريكًا فيه.
قال: وإن تجاوز قابض الدراهم بما وجد من ذلك ولم يردّه، جاز الصرف بينهما، وكذلك كل ما وجد فيه عيبًا من الدنانير والدراهم، [بعد] (٢) أن يكون
стр. 3123
الناس يجرونه في المعاملة مجرى الذهب والفضة؛ وذلك لأن الزيوف من جنس الجياد، وإنما هي معيبة، والعاقد إذا رضي بالمعقود عليه من العيب جاز، وإنما لم يفسد العقد بخيار العيب؛ لأنه يثبت من طريق الحكم ولا يمنع صحة القبض.
وإن وجد بعض الدراهم كذلك قبل الافتراق استبدل في قولهم؛ لأن القبض ينفسخ فيها بالردِّ، فيصير كأنه لم يقبض حتى قبض في آخر المجلس، فإن افترقا قبل أخذ البدل انتقض فيما رَدَّ قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن القبض انفسخ في المردود، فإذا افترقا فكأنّه لم يقبضه في الأصل، قال: وكذلك إذا رَدَّ بعد الافتراق ثم لم يقبض البدل انتقض الصرف فيما رَدَّ عند من يجعل الاستبدال بعد التفرق؛ وذلك لأن عندهما يجوز الاستبدال في مجلس الرد؛ لأن الافتراق لا يوجد إلا عن تقابض، فإذا لم يستبدل فقد افترقا عن المجلس الثاني من غير قبض، فكأنّهما افترقا عن الأول من غير قبض.
قال: وإن وجد بعض الدراهم ستوقة، أو رصاصًا، أو صفرًا، فإن كانا في المجلس لم يتفرقا استبدل عندهم جميعًا.
وإن وجد ذلك بعد الافتراق بطل في قدر ذلك، قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن الرصاص والستوق ليسا من جنس الدراهم، فقبضهما لا يقع به الاستيفاء، فصار كأنه لم يقبض شيئًا؛ ولهذا قالوا لو يجوز بها لم يجز، ولا يصح العقد كما لو أخذ عوضًا عن الثمن.
قال: وليس في الدراهم والدنانير خيار رؤية عند أصحابنا جميعًا، وكذلك سائر الديون التي يقع عليها العقد؛ وذلك لأنه لا فائدة في ردها بالخيار؛ لأن العقد لا ينفسخ بردِّها، وإنما يرجع بمثلها، ويجوز أن يكون المقبوض مثل
стр. 3124
المردود أو أدون، فلا تستدرك بالرد فائدة؛ فكذلك لا يثبت الخيار.
قال: وإن كان اشترى شيئًا بعينه إناءً أو تبرًا أو حليًا مصوغًا أو ما أشبه ذلك، وتقابضا وتفرقا، أو لم يتقابضا، وكانا في المجلس، ثم وجد به عيبًا فرده انتقض الصرف، ورجع بما نقد إن كان نقد.
وكذلك إن ردّه بخيار الرؤية قبل القبض أو بعده؛ وذلك لأن ما تعيّن بالعقد انتقض العقد فيه بالرد، وإنما يثبت فيه الخيار للرؤية؛ لأن في ثبوته فائدة، ألا ترى أن العقد ينفسخ برده، ويرجع بالثمن.
قال: وكذلك إن استحق جميعه؛ وذلك لأنه إذا استحق ولم يجز المستحق العقد، بطل العقد، فإن استحق بعض ما وقع عليه العقد وهو بعينه مما ذكرت لك قبل القبض أو بعده، فمشتريه بالخيار: إن شاء أخذ ما بقي بالحِصَّةِ، وإن شاء رَدَّه؛ لأن الصفقة قد تفرقت عليه فيثبت له الخيار.
قال: وإن استحق فلم يحكم به للمستحق حتى أجاز البيع فيه جاز، وكان الثمن (١) للمستحق، يأخذه البائع من المشتري ويسلم إليه إذا كانا لم يفترقا بعد الإجازة، والاعتبار بفرقة العاقدين دون المجيز، والقبض واجب للبائع على المشتري دون المجيز؛ وذلك لأن المستحق إذا أجاز فكان العقد وقع بأمره في الأصل على أصلنا: أن الإجازة تلحق بالعقد، ويصير العاقد وكيلًا للمجيز، فتعلق حقوق العقد به، فيكون هو الذي يلي القبض، ويفسد العقد بمفارقته دون [مفارقة] المجيز.
стр. 3125
وقد روي عن أبي يوسف: أن المستحق إن قال عند الخصومة: إني أقيم البينة لأجيز العقد، فحكم له بالملك، جاز العقد بإجازته، وإن لم يقل ذلك لم يجز بإجازته؛ لأن المنازعة في الملك [ردّ للعقد] (١) الموقوف وإبطال له، ومن وقف عليه عقد ففعل ما يستدل به على الفسخ فكأنه قال: قد فسخت (٢).
стр. 3126
بَابْ: تصرف المتصارفين في ثمن الصرف قبل القبض
قال أبو الحسن: وإذا تبايع الرجلان دراهم بدراهم، أو دنانير بدنانير، أو أحدهما بصاحبه، أو إناء فضة بدنانير، أو إناء ذهب بدنانير، ثم إن الذي له الدين أبرأ صاحبه منه قبل قبضه، أو وهبه له، أو تصدق به عليه، فإن قَبِلَ الذي عليه الدين ما أبرأه منه أو وهبه له أو تصدق به عليه، بطل الدين عنه، وانتقض الصرف؛ لأن البراءة توجب سقوط القبض، والقبض مستحق لحق الله تعالى، فإذا اتفقا على إسقاطه بطل العقد بفواته.
وإن لم يقبل الذي عليه [الدين] البراءة لم يبطل العقد؛ لأنها سبب الفسخ، فلا تثبت بقول أحد العاقدين بعد صحة العقد.
قال: فإن لم يفعل شيئًا من ذلك، ولكنه اشترى به منه عَرْضًا من العروض، أو شيئًا من المكيل أو الموزون، أو قبض عنه شيئًا من غير جنس الدين، فالبيع فاسد، وثمن الصرف على حاله يقضبه منه ويتم العقد الأول بينهما، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
وقال زفر: البيع التالي جائز، ويكون ثمن البيع مثل الدين في ذمة المشتري، فيؤدي [إليه] ثمن الصرف وثمن ما اشترى.
وإنما لم يجز [له] التصرف في ثمن الصرف؛ لأن ذلك إسقاط للقبض، وقد بيّنا أنه لا يجوز إسقاطه لحق الله تعالى.
стр. 3127
وإنما [لم] يفسد الصرف؛ لأن العقد الثاني لم يصح، فإذا لم يصح التصرف بقي العقد بحاله.
وأما وجه قولهم في فساد البيع، فهو ظاهر على طريقة أبي الحسن: أن الدراهم تتعين بالعقد، وإن لم تملك أعيانها، فإذا تعينت وهي مما لا يصح العقد بها، فسد العقد.
ومن أصحابنا من قال: إن الدراهم وإن لم تتعين، فإن الدَّين يتعين؛ لأنه يختلف باختلاف الذمم، فلا يقدر على دفع مثله، وإذا تَعَيَّن ثمن الصرف بطل البيع؛ لأنه لا يجوز أن يكون بمثله (١)؛ ولأنه شرط إيفاء الثمن من بدل الصرف، وذلك شرط فاسد، فإذا شرط في العقد، بطل العقد.
وجه قول زفر: أن الدراهم لا تتعين، وإنما وقع البيع بمثل ثمن الصرف في الذمة، وجعلاه قصاصًا، فإذا لم تصح المقاصَّة بقي الثمن بحاله في الذمة، وهذا على إحدى الروايتين عن زفر في الدراهم أنها لا تتعين.
قال: وإن أخذ عن الدراهم دراهم أجود منها أو أردأ أو مخالفة لها في الصفة؛ إلا أن ما قبض يجري مجرى الدراهم في المعاملة بينهم جاز ذلك، وكان قابضًا (٢)، وليس بيع [بثمن] (٣) الصرف؛ [وذلك] لأن المقبوض من جنس ما وقع عليه العقد وإن خالفه في الصفة، فكأنّه قبض [نفس] (٤) الحق.
стр. 3128
ألا ترى أن من عليه الدين إذا رضي أن يدفع أجود منه أجبر الذي له الحق على قبضه [عندنا]، ولو رضي صاحب الدين بقبض الأدون أجبر الآخر على دفعه.
قال: فإن وهب له الثمن فلم يَقْبل الهبة، فأبى الواهب أن يأخذها (١) أجبر على القبض؛ لأنه (٢) يريد فسخ العقد بالامتناع من القبض، وفي ترك الفسخ حق للآخر، فيجبر الواهب على ما يتم به العقد.
стр. 3129
بَابْ: المتصارفين إذا أرادا أن يجعلا ثمن الصرف قِصاصًا بدين غيره
قال ﵁: الأصل في هذا الباب: أن ثمن الصرف يعتبر فيه ما شرطنا في رأس مال السلم من وجوب الاقتضاء، وامتناع القضاء؛ لأن الاقتضاء يوجب العقد، والقضاء تصرف في ثمن الصرف، وذلك لا يجوز؛ لأن فيه إسقاط القبض المستحق لحق الله تعالى.
وقد بيّنا أن المقتضى: كل من ثبت عليه الدين أجبر، والقاضي من يثبت عليه الدين أولًا، والاقتضاء: قبض مضمون متأخر عن سبب الحق في مثله، وهذه الأصول قد بيّناها في باب السلم (١).
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل من الرجل دينارًا بعشرة دراهم، ودفع الدينار ولم يقبض العشرة، وكان لمشتري الدينار على بائعه عشرة دراهم دين قبل الصرف، وجب [ذلك] عليه بقرض أو غصب أو من ثمن بيع أو غير ذلك، فأراد (٢) أن يجعل ثمن الدينار قصاصًا بذلك الدين، فإن اجتمعا على ذلك جاز، وكان قصاصًا، وإن لم يتجمعا لم يكن قصاصًا، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في الأصول وغيرها.
وهذه ثلاث مسائل:
стр. 3130
إحداها: لا يثبت القصاص إلا بتراضيهما، وهي هذه المسألة، وصورتها: أن يجعلا ثمن الصرف قصاصًا بدين كان وجب قبله.
فالقياس: أن لا يجوز، وهو قول زفر، والاستحسان: أن يجوز، وهو قول أصحابنا.
والمسألة الثانية: يثبت القصاص فيها وإن لم يتقاصّا: وهو أن يجب لمن عليه ثمن الصرف على من له الثمن دينٌ بقبض مضمون بعد العقد (١) في مثل الحق، فيصير قصاصًا وإن لم يتقاصّا.
والمسألة الثالثة: لا يصير قصاصًا وإن تقاصّا: وهو أن يجب دين بعقد متأخر عن الصرف، فيجعلا ثمن الصرف قصاصًا بذلك، فلا يجوز في قولهم.
أما المسألة الأولى، فوجه القياس: أن المتصارفين قد وجب بعقدهما التقابض، فإذا قبض أحدهما الدينار وجعل العشرة قصاصًا بدين سابق فقد تصرف في ثمن الصرف [قبل القبض] وقضى به ديناً عليه، وفي ذلك إسقاط القبض المستحق لحق الله تعالى، وذلك لا يجوز؛ ولأنهم اتفقوا أنه لو وجب دين بعقد بعد الصرف فجعلا ثمن الصرف قصاصًا به لم يجز؛ لأنه تصرف في ثمن الصرف، فكذلك إذا جعلاه قصاصًا بدين وجب [عليه] قبله.
وجه الاستحسان: أنهما لما جعلا ثمن الصرف قصاصًا بالدين السابق وجب حمل ذلك على الصحة ما أمكن، ولا يمكن [حمله على الصحة] إلا بأن يكونا أضربا (٢) عن عقد الصرف وفسخاه، وجعلا الدينار المقبوض بالعشرة
стр. 3131
الواجبة قبل الصرف، فكأنهما فعلا ذلك عند قبض الدينار، فيجوز.
وليس كذلك إذا وجب الدين بعقد متأخر؛ لأنه لا يجوز أن يفسخ الصرف ويجعل الدينار عند قبضه قصاصًا، فلم يبق إلا إبطال المقاصّة وتبقية العقد.
وأما المسألة الثانية؛ فلأنه لما [وجد] (١) بعد عقد الصرف قبض (٢) مضمون في مثل ثمن الصرف، وجد حقيقة الاقتصاء، فوقع عن مستحقه كالمودع إذا وهب الوديعة لصاحبها، وقعت عن الرد المستحق؛ ولأن كل دَيْنَيْن من جنس واحد تقابلا في الذمة، والمقاصّة بينهما لا تؤدي إلى فسخ عقد يثبت المقاصة وإن لم يتقاصّا، كمن له على رجل عشرة دراهم فأعطاه عشرة ولم يقل إنها قضاءٌ.
[قال]: وإنما يتصور القبض المضمون بأن يغصب أحد المتصارفين من الآخر مثل ثمن الصرف أو يقرضه مثله، ويقبضه إياه.
وليس كذلك المسألة الأولى؛ لأن القصاص لا يثبت إلا بالمقاصة لما بيّنا أن المقاصة تكون بفسخ العقد، وذلك لا يثبت إلا بالتراضي.
وأما المسألة الثالثة: وهي أن يجب لأحدهما على الآخر دين بعقد متأخر، فلا يصير قصاصًا بثمن الصرف وإن تراضيا؛ لأنا لو فسخنا الصرف لم يمكن أن نجعل قبض الدينار قضاءً عن الثمن؛ لأنه متقدم عليه فلا معنى لفسخ العقد، وإذا لم يفسخ بطلت المقاصة.
قال أبو الحسن في تفريع المسألة الثالثة: وإن تفاضل (٣) الدينار فأراد الذي
стр. 3132
له [الأفضل] أن يجعله قصاصًا بالأدون، جاز له ذلك وإن أبى الآخر؛ [وذلك] لأن الدَّيْن إنما يصير قصاصًا إذا تساوى الحق في الصفة، فإذا كان ما وجب بالغصب والقرض أفضل من ثمن الصرف، لم يجز، لم يجز أن يجعله قصاصًا من غير رضا صاحب الحق؛ لما (١) في ذلك من إسقاط الجودة، فإذا رضي بذلك صار قصاصًا وإن لم يرض الآخر؛ لأن الجودة إذا لاقت جنسها لا قيمة لها، فكأنه أعطاه نفس حقه.
قال: وإن أراد صاحب الأدون أن يجعله قصاصًا بالأفضل، لم يكن له ذلك إلا برضا صاحب الأفضل؛ لأنه أدون من حقه، فلا يجبر على المقاصة به (٢) لما في ذلك من إسقاط الجودة، فإذا رضي فقد أسقط الجودة التي هي حق له، فجاز.
وأما إذا وجب على من له ثمن الصرف دين بقرض أو غصب، وهو أدون من ثمن الصرف، فرضي أن يجعله قصاصًا بثمن الصرف وأبى الآخر، فالظاهر على أصولهم: أنه يصير قصاصًا، وذلك لأن الجودة إذا لاقت جنسها لا قيمة لها، فكان الواجب عليه مثل حقه، وقد أشار محمد في كتاب الصرف: إلى أن ذلك لا يكون قصاصًا بلفظ متأول، والأشبه ما ذكرناه؛ إلا أنهم (٣) قالوا فيمن له عَلى رجل دراهم جياد حالّة، فصالحه على أدون منها في الصفة مؤجلة جاز؛ لأن المستحق للجياد مستحق لما دونها، فكأَنَّه أجل نفس الحق، وهذا يوجب أن يثبت القصاص هاهنا برضا من له الحق خاصة.
стр. 3133
قال أبو الحسن: وما حكينا في هذا الباب هو الأشهر من قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وأكثر الرواة عليه، وهو عندي أقيس، وفي بعضها خلاف رواية واختلاف عبارات تحتمل التأويل، وإنما أراد أبو الحسن بهذه المسألة الثالثة؛ لأن معلى (١) روى عن أبي يوسف: أن البيع إذا كان بعد الصرف لم يصر قصاصًا وإن تقاصّا مثل المشهور عنهم في الأصل.
وروى بشر بن الوليد عن أبي يوسف في نوادره: في رجل باع دينارًا بعشرة دراهم، ثم اشترى منه ثوبًا بعشرة غير العشرة، ثم قاصّه فهو جائز، وهذا خلاف المشهور.
ووجهه: أن المقاصة لا يمكن إلا بأن يكونا فسخا الصرف وفسخا البيع وجعلا الثوب بالدينار؛ فيحمل على ذلك كما يحمل في المسألة الأولى على فسخ الصرف خاصة (٢). والله أعلم.
стр. 3134
بَابْ: شراء الذهب بالذهب والفضة بالفضة مجازفة
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل فضة بفضة أو ذهبًا بذهب، مضروبان دراهم ودنانير، أو مَصُوْغَان حُلِيًّا أو آنِيَةً، أو أحدهما تِبْرٌ والآخر مَصُوْغ، فذلك كله سواء، لا يجوز إلا مثلًا بمثل، ولا يؤخذ فضل وزن في أحدهما لفضل في الآخر من صياغة أو جودة أو غير ذلك؛ وهذا لقول النبي ﷺ : "الفضة بالفضة مثلًا بمثل وزنًا بوزن، والذهب بالذهب مثلًا بمثل وزنًا بوزن" ولم يفصل بين أن تتفق الصفة أو تختلف.
وقد روي أن ابن مسعود باع [نفاية] (١) في بيت المال بنقصان، فنهاه عمر عن ذلك.
وعن أبي صالح السمان قال: سألت عليًا عن الدراهم تكون عندي لا تنفق في حاجتي فأشتري بها دراهم تنفق في حاجتي وأهضم (٢) منها؟ قال: لا، ولكن اشترِ بها ذهبًا (٣) ثم اشتر بالذهب دراهم تنفق في حاجتك.
قال: وإذا بيع شيء من الفضة بما ذكرنا بفضة أو من الذهب بذهب ولا يعرف
стр. 3135
المتبايعان وزن واحد منهما، أو كانا يعرفان وزن واحد ولا يعرفان وزن الآخر، أو كان أحد المتبايعين يعرف وزنهما ولا يعرفه الآخر، فإن ذلك لا يجوز، فإن وزنا بعد ذلك في المجلس فكانا شراء في الوزن، فالبيع جائز استحسانًا، وإن تفرقا قبل الوزن ثم وزنا فكانا سواء [فالبيع فاسد، قال زفر: متممًا وزن ذلك وزن ذلك، فوجدا سواء] (١) جاز البيع في المجلس عرف ذلك [قبل التفرق] أو بعد التفرق.
وإنما لم يجز البيع مجازفة؛ لأن المماثلة من طريق الوزن مشروطة علينا، والعقد إذا وقع مع [فقد] شرطه لم يصح، وأما إذا وزناه في المجلس فكانا سواء؛ فالقياس أن لا يجوز؛ لأن العقد وقع على فساد، فلا يصح بعد ذلك.
وجه الاستحسان: أن حال المجلس في الصرف قد جعل كحال العقد، فصار علمهما بالمماثلة قبل الافتراق كعلمهما في حال العقد، وأمّا إذا افترقا ثم علما بالمماثلة لم يصح العقد [عندهم] (٢)؛ لقوله ﵊: "الفضة بالفضة مثلًا بمثل"، ونحن نعلم أنه لم يرد بذلك المماثلة التي [في] علم الله تعالى؛ لأنه لا سبيل إلى علمها (٣)، فلم يبق إلا أن يكون المراد به المماثلة التي عند المتعاقدين، وذلك [لم] (٤) يوجد، ولأن العلم بالمماثلة شرط من شروط العقد، فإذا تفرقا قبل وجودها جعل كالافتراق قبل القبض.
[وجه قول زفر: أن] (٥) الوزن إنما يحتاج إليه للمماثلة، فإذا تبين أنها
стр. 3136
حصلت من غير وزن فقد وقع العقد على الوجه المأمور به فجاز.
قال: وإن بيع ذهب بفضة أو فضة بذهب مجازفة جاز ذلك، كانا سواء في الوزن أو أحدهما أكثر من الآخر؛ وذلك لأن المماثلة لا تعتبر في الجنسين؛ لقوله ﵊: "وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد، ولا خير فيه نسيئة"، ولأن التفاضل يجوز بين الذهب والفضة، وليس في المجازفة أكثر من تجويز التفاضل.
[قال]: وعلى هذا كل ما يثبت فيه الربا إذا اتفق جنسه لم يجز بيعه مجازفة، وإن اختلف جاز.
قال: ولا يكون بيع المجازفة بالمجازفة إلا في الأعيان؛ وذلك لأن ما في الذمم لا يتصور فيه المجازفة، وإنما يتصور ذلك فيما يمكن كيله أو وزنه، وقد ذكر وجوب التقابض في الأثمان، وجواز ترك التقابض في الأعيان، وقد بيّنا هذا في كتاب البيوع.
[قال]: والقسمة إذا وقعت فيما يثبت فيه الربا كالبيع، لا يجوز مجازفة في الجنس الواحد؛ وذلك لأن القسمة على ضربين: أحدهما: تمييز الحقوق وتعديل الأنصباء: وهي القسمة إذا وقعت في الجنس الواحد الذي لا يتفاوت، فإذا اقتسماه مجازفة فلم يعلم أن حق كل واحد منهما يميّز لجواز أن يكون ما أخذه أقل من حقه أو أكثر؛ ولأنهما إذا اقتسما مجازفة لم يؤمن أن يحصل لأحدهما أكثر مما يحصل للآخر، فإن كان ذلك بيعًا لم يجز، وإن [كان] الفضل هبة لم يجز؛ لأنه هبة المشاع فيما يحتمل القسمة.
стр. 3137
وأما إذا وقعت القسمة فى جنسين جازت مجازفة؛ لأن المماثلة لا تعتبر في الجنسين، فيحمل ذلك على البيع، وقد قالوا فيمن باع قُلْبَ فِضَّةٍ محشوًا بدراهم لا يعلم وزن الفضة فالبيع باطل، وقال زفر: البيع جائز، إلا أن يعلم التفاضل، ذكر هذه المسألة الحسن.
وجه قولهم: ما قدمنا أن العلم بالمماثلة شرط، فإذا لم يعلم، [لم] يجز.
وجه قول زفر: أن الظاهر من عقود المسلمين أنها تقع جائزة فلا نفسدها إلا بيقين (١).
стр. 3138
بَابْ: بيع الفضة بالفضة وبعضها أجود من بعض
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل فضة سوداء بفضة بيضاء، أو الحمراء بالبيضاء، أو الحمراء بالسوداء، أو كان فيها غِشٌّ، وكانت إذا خلصت نقصت، فإن كان غشّها ذلك نحاسًا أو رصاصًا فهو سواء، إذا كان الغالب الفضة فهي فضة في الحكم، لا يصح (١) إلا بمثلها من الفضة خلصت الفضة أو لم تخلص، وكذلك النحاس تخلط فيه الفضة، فلا يغلب عليه ولا تغيره عن طبع النحاس فهو نحاس، لا يباع بالنحاس (٢) إلا مثلًا بمثل يدًا بيد (٣).
وكذلك الدراهم البخارية إذا كان الغالب عليها النحاس فهي نحاس، لا تشترى إلا كما تشترى النحاس، وهي بمنزلة الفلوس.
والأصل في هذا: ما بينّا أن الجودة في الفضة لا قيمة لها، فإذا باع البيضاء بالسوداء أو بالحمراء لم تعتبر الجودة فيهما، ووجب اعتبار المساواة.
وكذلك إذا كانت الفضة غالبة على الغش فهي فضة معيبة كالسوداء، وكذلك النحاس إذا غلب على الفضة فهو نحاس، فلا يتغير بذلك عن جنسه.
فأما الدراهم البخارية فهي نحاس إذا الغالب عليها ذلك، وقوله إنها (بمنزلة
стр. 3139
الفلوس) إنما يريد بذلك: أنهم إذا اعتادوا بيعها عددًا، لم يعتبر فيها فضل الوزن كالفلوس.
قال: وإن كان يتخلص منها الفضة حتى يزول من النحاس ويبقى النحاس على حاله، فاشتراها رجل بأقل مما فيها من الفضة، فإنه لا يجوز حتى يشتريها بأكثر مما فيها، فتكون الفضة بمثلها، والفضل بالنحاس؛ وذلك لأنه أن يصوّر أن أحدهما يتميز عن الآخر فالفضة غير مستهلكة، ومن باع وغيرها بفضة اعتبرت المماثلة.
قال: فإن كان يحترق الفضة ويبقى النحاس فهو نحاس كله، ولا بأس بأن يشتريه من الفضة بأقلّ من ذلك أو أكثر؛ وذلك لأن الفضة إذا كانت لا تخلص فهي مستهلكة، فلا يعتبر فيها، فكأنه باع نحاسًا بفضة.
وإن كانت الفضة السوداء يخلص منها النحاس حتى يعزل وتبقى الفضة على حالها، فلا خير فيها إلا بمثلها من الفضة، وفضل شيء لهذا النحاس؛ لأنهما إذا تخلص فكل واحدٍ منهما على حياله غير مستهلك في الآخر.
قال: وإن كان النحاس يحترق فيذهب، فهي فضة لا خير فيها إلا مثلًا بمثل؛ لأن النحاس يحترق (١) فيذهب مستهلكًا، روى هذا كله بشر عن أبي يوسف.
وقال محمد في الجامع الكبير: إن الفضة إذا اختلطت بالنحاس لم يجز أن تحترق الفضة ويبقى النحاس؛ لأن العلماء من الصيارفة وغيرهم قالوا: إن الفضة والصُّفْر إذا خُلِطا لم تتميّز الفضة من الصفر حتى يحترق من الصفر فيذهب وتبقى
стр. 3140
الفضة؛ لأن الصفر أسرعهما ذهابًا.
قال: فإن كان هذا هكذا وكانت الفضة هي الغالبة، فهي فضة كلها مثل السوداء والحمراء، والمغشوشة (١) إذا خلصت نقصت ولم يخرج منها شيء، فصار ما يخرج منها خَبَث الفضة، فإذا كان كذلك لم يجز بيعها بالفضة الجيدة (٢) إلا مثلًا بمثل.
قال: وبيع [النبهرجة والزيوف بالجياد لا يجوز إلا مثلًا بمثل، وكذلك] النبهرجة والزيوف بالزيوف، والنبهرجة بالزيوف، فإن ذلك لا يجوز إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن، سواء بسواء، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، وروى قول أبي حنيفة الحسن بن زياد؛ وذلك لأن الزيوف والنبهرجة الغالب عليها الفضة، فهي في حكم الفضة السوداء (٣).
قال أبو الحسن: والستوق عندهم مكان الصفر أو النحاس هو الغالب الأكثر، فإذا باع الستوقة بالجياد فالبيع يجوز على الاعتبار أن [كان] ما اشترى به الستوقة من الفضة أكثر مما في الستوقة جاز، وكانت الفضة بمثلها والفضل بالنحاس، وإن كانت الفضة الجيدة مثل ما في الستوقة أو أقلّ، فسد البيع.
قال: وهذا عندي قولهم جميعًا، قاله في الجامع الكبير، ورواه الحسن في كتاب الصرف عن أبي حنيفة، وإنما اعتبرت الفضة التي في الستوق؛ لأنها مخلصة من الغش، يتميز (٤) كل واحد منهما عن الآخر، فلم يعتبر الغالبة.
стр. 3141
وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا اشترى مائة ستوقة بتسعين درهمًا جيادًا، قال: فإن كان في الستوقة من النحاس ما له ثمن وكان [ما] فيها من الفضة أقل من وزن تسعين، كان البيع جائزًا.
وكذلك لو اشترى بخمسين [درهمًا] وهي مائة وفيها من الفضة أقل من وزن خمسين، وفيها نحاس له ثمن، كان البيع جائزًا؛ وذلك لأن البيع إذا جاز على الاعتبار لم يكن بد من أن يكون للمشترى قيمة، حتى يجعل ما في مقابلته زيادة الفضة.
وقد قال محمد في الجامع: إذا كانت الدراهم ثلثاها صفر وثلثها فضة لا يقدر على أن يخلص الفضة من الصفر، ولا يدري إذا خلصت الفضة من الصفر أتبقى الصفر أو تحترق، فلا بأس أن تباع هذه الدراهم بوزنها، أو بأكثر من وزنها؛ لأنها بمنزلة الفلوس، وإن بيعت بفضة أقل مما فيها من الفضة، [فلا خير فيه؛ لأن الصفر يبقى بغير شيء، وإن لم يدر مقدار ما فيها من الفضة]، فالبيع فاسد حتى يعلم، فإذا كانت الدراهم ثلثاها فضة وثلثها صفر، فبيعت بمثل وزنها من الفضة البيضاء، جاز ذلك؛ ولا يجوز بيعها بزيادة ولا نقصان، فاعتبر الغلبة في المسألتين.
قال: وإذا كانت الدراهم نصفها فضة ونصفها صُفْر، فبيعت بمثل وزنها من الفضة البيضاء أو بأقل أو بأكثر، فإن كانت الفضة هي الغالبة فلا بأس بأن يباع بمثل وزنها من الفضة، ولا ينبغي أن يباع بأكثر من ذلك، وإن كان ليس شيء [من ذلك] غالب لصاحبه، فلا بأس بأن [يباع] (١) بمثل وزنها من الفضة البيضاء، ولا بأس أن يباع أيضًا بأقل من وزنها من الفضة البيضاء إذا علم أن [الفضة] (٢)
стр. 3142
البيضاء أكثر مما فيه من الفضة.
فإن كانت الفضة البيضاء مثل ما فيها [أو] أقل أو لا يدرى، فالبيع فاسد، وكأنّه لما لم يغلب أحد النوعين الآخر اعتبر كل واحد على حياله، وكأنه باع قطعة فضة وقطعة نحاس.
وقد قال في الدراهم: إذا كان أكثرها، فضة، قال: لا تستقرض إلا وزنًا، ولا تقضى إلا وزنًا، ولا خير في شيء من ذلك عددًا، فأجراها مجرى الفضة الخالصة، فإن كان ثلثاها صفر وثلثها، فضة، فتبايعوا بها عددًا بغير وزن، وليس أصلها عندهم الوزن، فلا بأس بها، وهي بمنزلة الفلوس، فإن كان أصلها الوزن فتبايعوا بها عددًا، فلا خير في ذلك، إلا أن يقول: أشتري منك بهذه الدراهم بأعيانها هذا الثوب عددًا على غير وزنها، فإذا قال ذلك، فهو جائز.
وإن ابتاع بها بغير وزن وهي بغير أعيانها فلا خير في ذلك؛ لأنه لا خلاف إذا كان [الغالب] (١) النحاس، فهو بمنزلة الفلوس، فإن اعتادوا بيعها عددًا فقد خرجت [من حدِّ] (٢) الوزن، فإن اعتادوا بيعها وزنًا لم يجز أن يشتري بها عددًا لجهالة وزنها، ألا ترى أن فيها الثقيل والخفيف.
قال: فإن كانت الدراهم نصفها فضة ونصفها صُفْرًا فلا ينبغي أن يتبايعوا بها ولا يشتروا بها إلا وزنًا، إلا أن يتبايعوا بها بأعيانها؛ وذلك لأنّ أحد النوعين لما لم يغلب الآخر اعتبر في البيع الاحتياط، فلم يجز إلا وزنًا. والله تعالى أعلم.
стр. 3143
باب الإناء يباع وزنًا فيزيد أو ينقص
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل قُلْب (١) فضة أو إبريق فضة أو غيره من آنية الفضة المصوغة على أنه مائة درهم بمائة درهم، ثم وزن فوجد وزنه أقل أو أكثر قبل أن يفترقا، فالمشتري بالخيار إذا [زاد] وزنه: إن شاء أخذه بمثل وزنه، وإن شاء تركه، وإن كان ناقصًا فكذلك: إن شاء أخذه بقدر وزنه، وإن شاء ترك.
وكذلك لو قال [له]: قد بعتك هذا الإناء على أن وزنه مائة بمائة، كل درهم بدرهم، فهذا والأول سواء (٢).
قال محمد: وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة، وقال زفر: البيع باطل، وهو قول الحسن.
وجه قولهم: أن الفضة لا يجوز بيعها إلا بمثلها، فلما قال: [بعتك هذا الإناء على أنه مائة بمائة، فكأنه قال]: بعتك كل درهم بدرهم، فظن أنه مائة، فصح العقد، ويكون مبيعًا بمثل وزنه، وإنما ثبت الخيار؛ لأن المشتري لم يرض أن يلزمه أكثر من مائة، وإذا ألزمه من طريق الحكم أكثر منها، تغيرت الصفقة عليه، [فله الخيار].
وأما إذا نقص؛ فلأن الإنسان يرغب في الإناء إذا كان وزنه مائة، ولا يرغب
стр. 3144
إذا نقص عنها، وكان له الخيار.
وجه قول زفر: أنه لما جعل الثمن مائة والإبريق أقَلَّ أو الأكثر، صار العقد ربا، فلا يتغير بالزيادة والنقصان بعد ذلك.
وأما إذا افترقا ثم وزنه فوجده مائة وخمسين، فهو بالخيار: إن شاء أخذ ثلثيه بمائة، وإن شاء ترك ذلك؛ لأن الثمن الذي وجب عليه مثل وزنه، فلما افترقا قبل قبض بعضه، صَحَّ العقد فيما قبض وبطل فيما لم يقبض، والعقد يجوز أن (١) ينفذ في بعض الإبريق، فجاز أن يبقى فيه (٢).
وليس هذا كما لو ظهرت الزيادة في الوزن قبل الافتراق، فقال المشتري: أنا آخذ من الإبريق بوزن المائة، لم يكن له ذلك، وقيل له: إما أن تتم الثمن أو (٣) [تفسخ] العقد؛ لأن الصفقة لم تتم لعدم القبض، فإذا أراد المشتري أخذ بعضه فرَّق الصفقة على البائع في الإتمام، وذلك لا يجوز.
وأما إذا تقابضا ثم افترقا فقد تم العقد بالقبض، والمشتري يفرق الصفقة بعد تمام العقد؛ ولأن الفسخ ثبت هاهنا من طريق الحكم، وهناك لو ثبت لثبت بفعل المشتري، وليس للمشتري أن يدفع الزيادة بعد الافتراق؛ لأن ثمن الصرف لا يجوز قبضه بعد الافتراق من المجلس.
وأما إن وزنه فوجده ناقصًا: فإن شاء أخذه بالحصة، وإن شاء ترك؛ لأنه لا يجوز أن يكون في مقابلته أكثر من وزنه، فما زاد على وزنه مقبوض بغير حق
стр. 3145
فيجب رده، وله الخيار لتغير [الصَّفْقة] (١) عليه.
قال: فإن وجده زائدًا قبل التفرق واختار المشتري أن يأخذ ثلثيه ورضي البائع بذلك جاز؛ لأنا منعناه من تفريق الصفقة لحق البائع، فإذا رضي فقد أسقط حق نفسه [فجاز].
قال: فإن اشترى إناء على أن فيه عشرة دراهم بدينار، فوجد أكثر من عشرة قبل التفرق أو بعده فهو كله له، وإن وجده ناقصًا قبل الافتراق [أو بعده] فهو بالخيار: إن شاء أخذه بالدينار، وإن شاء تركه؛ وذلك لأن التفاضل يجوز بين الذهب والفضة، وليس في الزيادة والنقصان أكثر من التفاضل.
ولا خيار للبائع إذا كان زائدًا؛ لأن كلّ ما في تفريقه ضرر، فالأبعَاض فيه صفة، وزيادة الصفة على ما شرط في العقد لا يثبت للبائع خيارًا، كمن باع عبدًا على أنه أعور فوجده صحيحًا.
فأما إذا وجده ناقصًا فللمشتري الخيار؛ لأن الصفة (٢) تغيرت عما شرط بالعقد، فصار كوجود العيب.
قال أبو الحسن: وهذه الرواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر، وعن أبي يوسف قول غير هذا رواه ابن سماعة عنه في كتاب البيوع، وقد ذكرته في الجامع الصغير (٣).
وإنما عنى بذلك ما قال أبو يوسف: فيمن اشترى من رجل قُلْبَ فضة بدينار
стр. 3146
على أن فيه عشرة دراهم، فوجده خمسة عشر قبل أن يتفرقا أو بعدما تفرقا، فإن هذا والإناء الصفر في القياس سواء، وليس عليه أن يزيد في الثمن شيئًا.
ولكني [أدع] (١) القياس في الذهب والفضة، ويكون المشتري بالخيار: إن شاء سَلَّم إليه [ثُلُثَيْه] بالدينار، [وكان] للبائع الثُّلْثُ، وإن شاء رده وأخذ الدينار، وهذا قبل التفرقة وبعدها سواء من قِبَل أن الزيادة لم يقع عليها البيع.
وإنما كان الخيار للمشتري من قِبَل أن القلب لم يسلم له كله، فهو بمنزلة عيب وجده فيه.
وجه القياس: ما ذكرنا أن ما في تبعيضه ضرر، تكون الزيادة والنقصان فيه صفة كذرعان الثوب.
وجه الاستحسان: أن الوزن يتعلق بالعقد على قدره إذا قابله جنسه، وكذلك إذا قابله غير جنسه كالنقرة، وليس كذلك إناء الصفر؛ لأن العقد لا يتعلق على وزنه إناء قابله جنسه، [وكذلك] إذا قابله غير جنسه.
قال أبو الحسن: ولو أن مكان الإناء نقرة فضة اشتراها على أن فيها عشرة دراهم بعشرة، أو بدينار، فوجدها عشرين قبل الافتراق أو بعده، وقد تقابضا، فله منها عشرة ولا خيار لواحد منهما؛ [وذلك] لأن النقرة لا ضرر في تبعيضها، فصارت كالمكيل والموزون، [ولو باعه طعامًا على أنه قفيز فوجده أكثر ردّ] الزيادة في ذلك، [كذا هذا]. والله تعالى أعلم.
стр. 3147
بَاب بيع السيوف المحلاة والآنية وغير ذلك
قال أبو الحسن: وإذا باع الرجل سيفًا محلى بفضة بدراهم أكثر وزنًا مما في السيف من الحلية جاز البيع، وكانت الحلية تبعًا بمثل وزنها، والفضل بالنصل والجفن والحمائل؛ وذلك لأن المماثلة في الفضة مستحقة لقوله ﵊: "الفضة بالفضة مثلًا بمثل"، فإذا صارت الفضة بمثلها كانت الزيادة بالنَّصْلِ والجَفْنِ والحَمَائِلِ، وهذا على أصلنا في أن الثمن يقسم القسمة التي تؤدي إلى تصحيح العقد (١).
[قال:] فإن [كان] وزن الدراهم المشترى بها السيف مثل وزن الحِلية أو أقلّ فالبيع فاسد؛ لأن المماثلة في الفضة مستحقة، فيصير بائعًا للفضة بفضة، وزيادة النصل والجفن، وذلك لا يجوز.
قال: فإن لم [يعلم] (٢) أن الثمن مثل الحلية أو أكثر أو أقلَّ حتى افترقا، بطل البيع، وكذلك إذا اختلف التُّجَّار: فقال بعضهم: الثمن أكثر مما فيها، وقال آخرون: هو مثله أو أقل، فإن البيع باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
وقال زفر والحسن: البيع جائز، حتى يُعْلَم أن الحلية مثل الثمن أو أكثر.
وجه قولهم: أن المماثلة في الفضة شرط، فإذا لم يعلمه لم يوجد شرط
стр. 3148
العقد فلا يصح؛ ولأن الجهل بقدرها يجري مجرى بيع الفضة بالفضة مجازفة، وقد بيّنا أن ذلك لا يجوز وإن علمنا المماثلة في الثاني.
وجه قول زفر: أن عقود المسلمين محمولة على الصحة، إلا أن يعلم غير ذلك، فما لم [يعلم] بالتفاضل فالعقد جائز، وأما إذا اختلف التجار فليس الرجوع إلى قول بعضهم بأولى من الرجوع إلى قول الباقين (١)، فسقط قولهم، فلم يصح العقد.
وإن علم بعد العقد قبل التفرق أن الدراهم أكثر من الحلية، جاز العقد في قولهم؛ لأن حال المجلس كحال العقد، فكأنهما علما بالمماثلة في الابتداء.
قال: فإن علم أن الدراهم أكثر من الحلية ثم افترقا قبل أن يتقابضا، أو قبض أحدهما ولم يقبض الآخر، فالبيع [منتقض] (٢) كله إذا كانت الحلية لا تتخلص من السيف إلا بضرر، وإن كانت تتخلص بغير ضرر بطل البيع في الحلية خاصة، [وجاز في السيف؛ لأن السيف دون الحلية أو بيع الحلية دون السيف إذا كان يتخلص بغير ضرر يجوز ذلك]؛ لأن الافتراق يوجب بطلان البيع في حصة الحلية؛ لأنه صرف، ولا يوجب بطلان العقد فيما [سوى ذلك] (٣)؛ لأنه ليس بضرر، فإذا كانت تتميز بغير ضرر، فابتداء العقد عليها [دون الحلية يجوز، وكذلك يجوز البقاء، وإذا كانت لا تتميز إلا بضرر، لم يجز ابتداء العقد عليها]، فكذلك لا يجوز البقاء، وصار كبيع ذراع من ثوب أو جذع من سقف.
стр. 3149
قال: وإذا كانت الحلية ذهبًا والثمن دنانير، فهو مثل ما وصفت لك إذا كانت الحلية فضة والشراء بالدراهم؛ لأن المماثلة في الذهب بالذهب مستحقة كالفضة بالفضة، وإن كانت [حلية السيف] (١) ذهبًا فاشترى بفضة، أو كانت [الحلية] فضة فاشترى بذهب، [فذلك جائز قليلًا كان الثمن أو كثيرًا؛ لأن المماثلة غير مستحقة بين الذهب والفضة، فانقسم الثمن على قدر القيمتين] (٢).
فإن تفرقا في جميع ما ذكرت لك قبل أن يتقابضا أو قبض أحدهما ولم يقبض الآخر، والثمن دنانير أو دراهم من جنس الحلية أو من غير جنسها، بطل البيع في جميع السيف إذا كانت الحلية لا تتميز من السيف إلا بضرر؛ وذلك لأن التقابض مستحق في بيع الفضة بالذهب كما يستحق في بيع الفضة بالفضة.
قال: وإن وقع البيع بينهما على أن الثمن مؤجل، وهذا من جنس الحلية أو من غير جنسها، وهو ذهب أو فضة فافترقا على ذلك، بطل البيع في السيف كله، كانت الحلية تتميز بضرر أو بغير ضرر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر.
وقال محمد: إذا كانت [الحلية] لا تتخلص إلا بضرر، بطل البيع كله، وإن كانت تتخلص (٣) بغير ضرر جاز البيع في السيف وبطل في الحلية خاصة، وكذلك إن تفرقا ولأحدهما خيار شرط في البيع.
أما إذا كان لا يتميّز إلا بضرر، فقد فسد البيع في الحلية بالتأجيل، والخيار يفسد في السيف [أيضًا]؛ لأنه لا يجوز إفراده بالعقد.
стр. 3150
وأما إذا كان يتميز (بغير ضرر) فسد العقد فيهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الصفقة تضمنت الصحيح والفاسد، والفساد في نفس المعقود عليه.
وأما على قول محمد: فإن الصفقة تضمنت الصحيح والفاسد، وللفاسد قيمة، فصحّت في الصحيح، وبطلت في الفاسد.
قال: وإن كان البيع إلى أجل، فنقد المشتري البائعَ قدر حصة الحلية من الثمن، جاز البيع؛ وذلك لأن تعجيل الثمن إسقاط للتأجيل، والأجل إذا سقط في المجلس صَحَّ العقد بإسقاطه.
وقد ذكر محمد في الأصل من فروع هذا الباب: إذا قبض من الثمن مقدار وزن الحلية ثم افترقا، قال: فالقياس أن يبطل البيع، والاستحسان أن يجوز، ويكون المقبوض من حصة الحلية (١)(٢).
وجه القياس: أن كل جزء من الثمن مقابل لجزءٍ من المبيع، فوجب أن يكون المقبوض عنهما جميعًا؛ لأن حال القبض لا يؤدي ذلك إلى فساد العقد، فإذا صار المقبوض منهما فسد بالافتراق قبل قبض حصة الحلية بتمامها.
وجه الاستحسان: أن حصة الحِلْيَةِ تستحق قبضها في المجلس، وحصة السيف غير مستحقة القبض في المجلس، فإذا نقد مقدار الحلية وجب أن يقع على المستحق، ألا ترى أن من باع ثوبًا بعشرين: عشرة مؤجلة، وعشرة حالة، ثم دفع إليه المشتري عشرة، فقال البائع: الذي عجلت [هي] (٣) المؤجلة، وقال
стр. 3151
المشتري: المعجلة، فالقول قوله؛ لأن ذلك (١) هو المستحق، وأمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، ولا يمكن حمل أمرهما على الصحة إلا بأن [يجعل] (٢) المعجلة حصّة الصرف.
قال: فإن قال هذا من ثمنها، كان من حصة الحلية خاصة؛ وذلك لأنه يمكن أن يحمل على وجه يصح؛ لأن اسم الاثنين يعبر به عن الواحد، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج اللؤلؤ من أحدهما، وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وإنما الرسل من الإنس خاصة.
وقال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ولابن عَمٍّ له: "إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما" (٣) وإنما أراد أن يؤذن أحدهما، فإذا احتمل اللفظ ذلك حمل على ما لا يؤدي إلى الفساد بالافتراق (٤)؛ ولأن قوله: (نقدت هذا من ثمنها)، بمنزلة قوله من جملة الثمن؛ لأن ثمنهما هو جميع الثمن، ولو قال ذلك يصح العقد.
قال: ولو نقد بعض الثمن، وقال: هذا من ثمن النصل أو الجفن خاصة فسد العقد؛ وذلك لأنه قد بيّن وأفصح وأزال الاحتمال، فلم يمكن أن يحمل على الصحة.
ولا يقال: إذا كان حصة الحلية مستحقة، وجب أن يقع المقبوض عن
стр. 3152
المستحق وإن جعله عن غيرها، كما لو وهب الوديعة للمودع؛ وذلك لأن المشتري هو المملك للثمن، فكان القول في التمليك قوله.
وهذا الفصل لم يذكره محمد، وإنما ذكره أبو بكر الرازي، قال محمد: فإن قال هذا الذي عجلته حصة السيف كان من الحلية، وجاز البيع؛ لأن السيف اسم للجملة، ألا ترى أن الحلية تدخل في بيع السيف على طريق التبع، فكأنه قال: هذا من ثمن (١) الجملة؛ ولأن الحلية لما لم يجز إفرادها بالعقد صار كأنه نقد بعض الثمن، وقال هذا حصة يد العبد، فيلغو ذلك.
وليس هذا كمن باع ثَوْبًا وقُلْبًا بعشرة وعَجَّلَ حصة الثوب؛ لأن ذلك يصح إفراده بالعقد، فأمكن تصحيح العقد فيه دون القُلْب.
وكان [أبو علي] الشاشي يقول: إنه لما جعل المعجل من حصة السيف - وذلك لا يمكن؛ لأن العقد لا يبقى فيه مع فساده في الحلية - فكأنه قال: عجلت ما يصح به العقد في السيف؛ وذلك لا يكون إلا بإذن يكون المعجل من الحلية.
وعلى هذا ينبغي أن يكون ما ذكره أبو بكر في حصة النصل محمولًا على أن النصل متميز عن الحلية. والله تعالى أعلم.
стр. 3153
بَابٌ بيع الصرف مرابحة
قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: من اشترى دراهم بدراهم وزنًا بوزن، أو إناء فضة بدراهم، أو إناء بإناء مِثْلًا بمِثْل، وأحدهما أجود من الآخر، أو ذهبًا بذهب وزنًا بوزن مثله، وتقابضا، لم يجز لأحدهما أن يبيع ما اشترى مرابحة على وجه من الوجوه؛ لأن المرابحة نقل ما ملكه بالثمن الأول مع زيادة ربح؛ وذلك [فيه] ربًا، فلا يجوز.
قال: وإن اشترى ذهبًا بفضة مصوغًا بمصوغ، أو مضروبًا بمضروب، أو تبرًا بتبر، أو مصوغًا بمضروب، أو تبرًا بمضروب، أو كيف بِيْعَ شيء من ذلك بالآخر، وتقابضا، ثم باع أحدهما ما اشترى من الفضة مرابحة بالدنانير، أو باع الذي اشترى بالذهب مرابحة بالدراهم، فذلك جائز عندهم جميعًا.
قال الشيخ ﵀: وهذا على ثلاثة أوجه:
إذا اشترى ذهبًا بعشرة دراهم فباعه بربح درهم جاز في قولهم؛ لأن بيع الذهب بأحد عشر [درهمًا] يجوز على غير وجه المرابحة، وكذلك على [وجه] المرابحة.
وإن باعه بربح ثوب بعينه جاز في قولهم؛ لأنه بائع للذهب بعشرة وثوب، وذلك جائز.
فإن باع الذهب بربح ذهب كأنه قال: أبيعك هذا الدينار الذي اشتريته بعشرة
стр. 3154
بربح قيراطين، لم يجز [البيع] في قول أبي يوسف، وجاز في قول محمد، وكذلك إن باع العشرة بالدينار وربح قيراطين جاز.
وإن باعها بربح درهم لم يجز عند أبي يوسف، وجاز عند محمد.
لأبي يوسف: أنه باع الدينار بربح قيراطين، كانت القيراطان بمثلها من [الذهب] الدينار، والعشرة [تبقيه الدينار أن يكون بعضها رأس مال وبعضها ربحًا، فيصير ما سمياه ربحًا] رأس مال، وما سمياه رأس مال بعضه ربح، وما اشتراه بالدراهم لا يجوز أن يجعله رأس ماله ذهبًا، فلم يصح العقد.
لمحمد: أن المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح، فكأنه باعه الدينار بعشرة دراهم وقيراطين، ولو باع ذلك ولم يذكر المرابحة جاز.
قال: وعلى هذا: كل ما يدخل فيه الربا إذا اشتراه بجنسه لم يجز بيعه مرابحة ولا مواضعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل.
وقال محمد في الأصل: إذا اشترى سيفًا محلى بفضة بمائة درهم، وحليته خمسون [درهمًا]، وتقابضا، فهو جائز (١)، فإن باعه مرابحة بربح عشرين [درهمًا] أو بدَهْ دوازده (٢)، أو بربح ثوب بعينه، فإن ذلك لا يجوز، والبيع باطل؛ لأن من حكم المرابحة أن ينقسم الربح على جميع الثمن، فيصيب كل جزء من الثمن جزءًا من الربح، فإذا كان كذلك أصاب الحلية بعض الربح، فصار ذلك ربًا، فبطل البيع فيها وبطل في السيف؛ لأنه لا يتخلص إلا بضرره.
стр. 3155
ولا يقال: هلا جعلتم الربح في مقابلة السيف والجَفْنِ حتى يؤدي ذلك إلى صحة العقد؛ وذلك لأنهما دخلا في عقد مرابحة، فلو فعلنا (١) ذلك صار بعض العقد مرابحة وبعضه تولية (٢)، وهما لم يدخلا في التولية؛ ولأنه باع بربح ده (٣) دوازدة، فإذا جعلنا الربح في حصة السيف كان بده ده (٤)، وهما لم ينويا ذلك.
ولا يقال: فهلا أثبتّم حصة السيف والجفن من الربح وأسقطتم حصة الحلية.
قلنا: لأن البائع لم يرض أن يملك عليه السيف إلا بقدر من الثمن، فلم يجز أن يستحق بأقل منه.
وليس هذا كما لو باع السيف مساومة ابتداءً بمائة وعشرين؛ لأنه لم يجعل لكل جزء من المعقود (٥) عليه حصة من الربح، فأمكن أن يحمل العقد على وجه الصحة، ويجعل في مقابلة الفضة مثلها، والباقي في مقابلة السيف.