المشتري: المعجلة، فالقول قوله؛ لأن ذلك (١) هو المستحق، وأمور المسلمين محمولة على الصحة ما أمكن، ولا يمكن حمل أمرهما على الصحة إلا بأن [يجعل] (٢) المعجلة حصّة الصرف.
قال: فإن قال هذا من ثمنها، كان من حصة الحلية خاصة؛ وذلك لأنه يمكن أن يحمل على وجه يصح؛ لأن اسم الاثنين يعبر به عن الواحد، قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج اللؤلؤ من أحدهما، وقال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وإنما الرسل من الإنس خاصة.
وقال النبي ﷺ لمالك بن الحويرث ولابن عَمٍّ له: "إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما" (٣) وإنما أراد أن يؤذن أحدهما، فإذا احتمل اللفظ ذلك حمل على ما لا يؤدي إلى الفساد بالافتراق (٤)؛ ولأن قوله: (نقدت هذا من ثمنها)، بمنزلة قوله من جملة الثمن؛ لأن ثمنهما هو جميع الثمن، ولو قال ذلك يصح العقد.
قال: ولو نقد بعض الثمن، وقال: هذا من ثمن النصل أو الجفن خاصة فسد العقد؛ وذلك لأنه قد بيّن وأفصح وأزال الاحتمال، فلم يمكن أن يحمل على الصحة.
ولا يقال: إذا كان حصة الحلية مستحقة، وجب أن يقع المقبوض عن
стр. 3152
المستحق وإن جعله عن غيرها، كما لو وهب الوديعة للمودع؛ وذلك لأن المشتري هو المملك للثمن، فكان القول في التمليك قوله.
وهذا الفصل لم يذكره محمد، وإنما ذكره أبو بكر الرازي، قال محمد: فإن قال هذا الذي عجلته حصة السيف كان من الحلية، وجاز البيع؛ لأن السيف اسم للجملة، ألا ترى أن الحلية تدخل في بيع السيف على طريق التبع، فكأنه قال: هذا من ثمن (١) الجملة؛ ولأن الحلية لما لم يجز إفرادها بالعقد صار كأنه نقد بعض الثمن، وقال هذا حصة يد العبد، فيلغو ذلك.
وليس هذا كمن باع ثَوْبًا وقُلْبًا بعشرة وعَجَّلَ حصة الثوب؛ لأن ذلك يصح إفراده بالعقد، فأمكن تصحيح العقد فيه دون القُلْب.
وكان [أبو علي] الشاشي يقول: إنه لما جعل المعجل من حصة السيف - وذلك لا يمكن؛ لأن العقد لا يبقى فيه مع فساده في الحلية - فكأنه قال: عجلت ما يصح به العقد في السيف؛ وذلك لا يكون إلا بإذن يكون المعجل من الحلية.
وعلى هذا ينبغي أن يكون ما ذكره أبو بكر في حصة النصل محمولًا على أن النصل متميز عن الحلية. والله تعالى أعلم.
стр. 3153
بَابٌ بيع الصرف مرابحة
قال أبو الحسن: قال أصحابنا جميعًا: من اشترى دراهم بدراهم وزنًا بوزن، أو إناء فضة بدراهم، أو إناء بإناء مِثْلًا بمِثْل، وأحدهما أجود من الآخر، أو ذهبًا بذهب وزنًا بوزن مثله، وتقابضا، لم يجز لأحدهما أن يبيع ما اشترى مرابحة على وجه من الوجوه؛ لأن المرابحة نقل ما ملكه بالثمن الأول مع زيادة ربح؛ وذلك [فيه] ربًا، فلا يجوز.
قال: وإن اشترى ذهبًا بفضة مصوغًا بمصوغ، أو مضروبًا بمضروب، أو تبرًا بتبر، أو مصوغًا بمضروب، أو تبرًا بمضروب، أو كيف بِيْعَ شيء من ذلك بالآخر، وتقابضا، ثم باع أحدهما ما اشترى من الفضة مرابحة بالدنانير، أو باع الذي اشترى بالذهب مرابحة بالدراهم، فذلك جائز عندهم جميعًا.
قال الشيخ ﵀: وهذا على ثلاثة أوجه:
إذا اشترى ذهبًا بعشرة دراهم فباعه بربح درهم جاز في قولهم؛ لأن بيع الذهب بأحد عشر [درهمًا] يجوز على غير وجه المرابحة، وكذلك على [وجه] المرابحة.
وإن باعه بربح ثوب بعينه جاز في قولهم؛ لأنه بائع للذهب بعشرة وثوب، وذلك جائز.
فإن باع الذهب بربح ذهب كأنه قال: أبيعك هذا الدينار الذي اشتريته بعشرة
стр. 3154
بربح قيراطين، لم يجز [البيع] في قول أبي يوسف، وجاز في قول محمد، وكذلك إن باع العشرة بالدينار وربح قيراطين جاز.
وإن باعها بربح درهم لم يجز عند أبي يوسف، وجاز عند محمد.
لأبي يوسف: أنه باع الدينار بربح قيراطين، كانت القيراطان بمثلها من [الذهب] الدينار، والعشرة [تبقيه الدينار أن يكون بعضها رأس مال وبعضها ربحًا، فيصير ما سمياه ربحًا] رأس مال، وما سمياه رأس مال بعضه ربح، وما اشتراه بالدراهم لا يجوز أن يجعله رأس ماله ذهبًا، فلم يصح العقد.
لمحمد: أن المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح، فكأنه باعه الدينار بعشرة دراهم وقيراطين، ولو باع ذلك ولم يذكر المرابحة جاز.
قال: وعلى هذا: كل ما يدخل فيه الربا إذا اشتراه بجنسه لم يجز بيعه مرابحة ولا مواضعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل.
وقال محمد في الأصل: إذا اشترى سيفًا محلى بفضة بمائة درهم، وحليته خمسون [درهمًا]، وتقابضا، فهو جائز (١)، فإن باعه مرابحة بربح عشرين [درهمًا] أو بدَهْ دوازده (٢)، أو بربح ثوب بعينه، فإن ذلك لا يجوز، والبيع باطل؛ لأن من حكم المرابحة أن ينقسم الربح على جميع الثمن، فيصيب كل جزء من الثمن جزءًا من الربح، فإذا كان كذلك أصاب الحلية بعض الربح، فصار ذلك ربًا، فبطل البيع فيها وبطل في السيف؛ لأنه لا يتخلص إلا بضرره.
стр. 3155
ولا يقال: هلا جعلتم الربح في مقابلة السيف والجَفْنِ حتى يؤدي ذلك إلى صحة العقد؛ وذلك لأنهما دخلا في عقد مرابحة، فلو فعلنا (١) ذلك صار بعض العقد مرابحة وبعضه تولية (٢)، وهما لم يدخلا في التولية؛ ولأنه باع بربح ده (٣) دوازدة، فإذا جعلنا الربح في حصة السيف كان بده ده (٤)، وهما لم ينويا ذلك.
ولا يقال: فهلا أثبتّم حصة السيف والجفن من الربح وأسقطتم حصة الحلية.
قلنا: لأن البائع لم يرض أن يملك عليه السيف إلا بقدر من الثمن، فلم يجز أن يستحق بأقل منه.
وليس هذا كما لو باع السيف مساومة ابتداءً بمائة وعشرين؛ لأنه لم يجعل لكل جزء من المعقود (٥) عليه حصة من الربح، فأمكن أن يحمل العقد على وجه الصحة، ويجعل في مقابلة الفضة مثلها، والباقي في مقابلة السيف.
стр. 3156
بَاب الزيادة في ثمن الصرف أو الحطّ عنه
قال أبو الحسن: إذا اشترى الرجل من الرجل قُلْبَ فضة فيه عشرة بعشرة، وتقابضا وتفرقا، ثم لقيه بعد ذلك فحطّ عنه البائع درهمًا أو زاده المشتري درهمًا، فقبل الآخر ذلك، فالبيع فاسد عند أبي حنيفة.
وقال أبو يوسف: الحطّ والزيادة فاسدة (١)، والعقد الأول صحيح.
وقال محمد: الزيادة (فاسدة)، [والعقد الأول صحيح]، والحط جائز، وأجعلها هبة مبتدأة (٢)، فإن أبى الذي حطَّ أو وهب أن يسلم ما حطَّ كان له ذلك، ولم يجبر عليه.
وهذه المسألة فرع على اختلافهم في الزيادة الفاسدة إذا ألحقت بالعقد لحقت عند أبي حنيفة وأفسدت العقد؛ لأن العقد في ملكهما، فإذا [ألحقا] به زيادة فاسدة صار كأنهما ذكرا ذلك في حال العقد، وإنما وقفت الزيادة والحط على القبول عنده لما في ذلك من فسخ العقد، فلا يملكه أحد [المتعاقدين] إلا برضا الآخر.
وأما أبو يوسف فمن أصله: أن الزيادة الفاسدة لا [تَلحق العقد] ولا تتعلق بها حكم، فسقطت هذه الزيادة، وكذلك الحَطّ.
стр. 3157
وأما محمد: فوافق أبا يوسف في الأصل، وخالفه في هذه المسألة، فقال: إذا زاده فالزيادة لا يمكن حملها على وجه صحيح، فبطلت، وأما الحطّ فإذا كان في إلحاقه فساد العقد جعل هبة مبتدأة [كحطّ] جميع الثمن، (وهذا ليس بصحيح؛ لأن حط جميع الثمن إنما يجعل هبة مبتدأة، ولا يلحق بالعقد؛ لأن إلحاقه يخرجه عن كونه بيعًا) (١)، وإلحاق الحط في مسألتنا لا يخرج العقد عن كونه صرفًا.
وإذا ثبت [من أصل محمد] أن الحط هبة مبتدأة، فإن قبضها جاز، وإن لم يقبضها، لم يجبر عليها؛ لأن الهبة لا يتعلق الاستحقاق بعقدها.
قال: ولو باعه عشرة دراهم بدينار، أو قلب فضة وزنه عشرة دراهم بدينار، وتقابضا، وتفرقا أو لم يتفرقا حتى زاد أحدهما صاحبه وقبل الذي زِيْدَ (٢) الزيادة، فذلك جائز، فإن قبضت (٣) الزيادة قبل أن يتفرقا جاز ذلك، وكانت [الزيادة] كأنّها في أصل البيع؛ لأن التفاضل يجوز في بيع الفضة بالذهب [والذهب بالفضة]، فليس في الزيادة أكثر من التفاضل، ويعتبر فيها القبض في مجلس الزيادة؛ لأنها ثمن الصرف.
فإذا وجبت لم يجز الافتراق إلا بعد قبضها، فإذا افترقا قبل أن يقبض الزيادة انتقض البيع في حصة الزيادة، وقسم ما زاد فيه على الزيادة وعلى الذي بيع به أول مرة، فجاز الذي بيع به أول مرة بحصته من الثمن وبطلت الزيادة، ورجعت
стр. 3158
حصة الزيادة إلى صاحبها، وكأن البيع وقع عليهما جميعًا، فقبض أحدهما ولم يقبض الآخر.
وقال محمد: هذا كله قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد؛ وذلك لأن الزيادة لحقت بالعقد فصارت ثمنًا، وإذا لم يقبض في المجلس بطل العقد في حصتها، فكأنهما تبايعا بالجملة ابتداءً، فقبض بعضها دون بعض.
وليس هذا كالفصل الأول في قول أبي حنيفة؛ لأن الزيادة لم تصح، فإذا لحقت بالعقد بطل جميعه، وفي مسألتنا قد صَحَّت الزيادة، وإنما فسدت بالتفرق، ففساد بعض العقد بعد صحته لا يوجب فساد جميعه.
قال: فلو لم يزد واحد منهما صاحبه ولكن حَطَّهُ أحدهما عن صاحبه من ثمن الدينار درهمًا، أو من ثمن القُلْبِ قيراطًا، فالحط جائز لازم في قولهم [جميعًا]، كان قبل التفرق أو بعده، ويرد الذي حط ما حط، وذلك له لازم، ويجبر عليه إذا كان قد قبض الثمن؛ وذلك لأن الحط يؤدي إلى التفاضل، وذلك جائز بين الذهب والفضة، فلحق بالعقد، وتعلق به الاستحقاق، وكأن العقد وقع على ما سواه، فقبض العاقد مقدار المحطوط بغير حق، فيجبر على رده.
قال: وإن كان الحط قيراط ذهب فهو شريك في الدينار؛ وذلك لأن في تبعيض الدينار ضررًا، فإذا حط بعضه صار كأنه اشترى منه بما بقي.
وقال ابن سماعة عن محمد في نوادره: سمعت محمدًا قال في رجل اشترى من رجل سيفًا بمائة درهم وحليته خمسون درهمًا، ونقده المائة وتفرقا، ثم لقيه مشتري السيف فزاده دينارًا في الثمن، ثم دفعه إليه قبل أن يفارقه أو
стр. 3159
بعدما فارقه، فإنه جائز.
قال محمد: لأنه لما زاد الدينار كانت الزيادة في النصل والجفن والحمائل؛ وذلك لأن الزيادة تلحق بالعقد، فتصير كالموجودة فيه، ولو باعه ابتداءً بالأصل (١) والزيادة جاز، لذلك إذا ألحق الزيادة [به] في الثاني.
وليس هذا كبيع المرابحة والمواضعة؛ لأن ذلك يقسم على جميع رأس المال، فلو ألحقناه بالسيف خاصة لصار بعض العقد مرابحة، وبعضه تولية؛ فلذلك لم يجز (٢). والله تعالى أعلم.
стр. 3160
بَاب الموزون بجنسه أو بخلاف جنسه
قال: جملة ما ذكره في هذا الباب يدور على ما ذكرناه في باب الربا: وهو أن فساد العقد عند وجود التفاضل يتعلق بزيادة كيل مع الجنس، أو وزن مع الجنس، فإذا وجد الوصفان جميعًا حرم التفاضل والنَّسَاء، وإذا عدما جاز التفاضل والنَّسَاء، وإذا وجد أحدهما وعدم الآخر جاز التفاضل وحرم النَّسَاء إلا في مسألة الاستحسان، وهو إسلام الدراهم في الموزونات، فإنهم جوّزوا ذلك للإجماع.
وإذا خرج البيع من الوزن لم يثبت فيه الربا، وهذا كالحديد والصفر إذا ضربا آنية، (ولم يعتاد الناس بيعها وزنًا، فأمّا الفضة والذهب إذا ضربا آنية) فإن الربا فيهما ثابت؛ [لأنهما] لا يخرجان بذلك عن الوزن في العادة، وقد كان أصحابنا يقولون: إن ما خرج منها [بالصنعة] عن حد الوزن سقط فيه التفاضل كالخواتيم الصغار [النيسابورية] وكالتمويه في الحديد والصفر الذي لا يتخلص [منه] (١).
стр. 3161
بَاب بيع جنسين من الوزن بجنسين منه أو بأحدهما
قال ﵀: أصل هذا الباب أن قسمة أحد البدلين على الآخر لا فائدة له إلا بتحصيل أحكام العقد: وهي الرد بالعيب والرجوع إلى الثمن عند الاستحقاق، ووجوب الشفعة فيما فيه الشفعة؛ فإذا كان العقد [مما] لا ربا فيه: قسم ما في أحد الجنسين على الآخر، فإن كان ذلك مما لا يتفاوت، قسم البدل فيه على [الأجزاء] (١)، وإن كان متفاوتًا قسم على [القيمة] (٢)(٣).
وأما ما فيه الربا: فإنه يقسم على الوجه الذي يصح معه العقد، ولا يقسم على الوجه الذي يفسد؛ لأن القسمة إنما بطلت لتحصيل أحكام العقد، ولا تحصل أحكامه إلا مع صحته، فلم يجز أن يقسم قسمة بطلت بها الأحكام، فيبطل بها العقد وأحكامه.
وإذا كان كذلك، فالقسمة فيما فيه الربا على ضربين:
أحدهما: قسمة الاعتبار: وهو أن يبيع الجنس بجنسه وغير جنسه، (فلا يجوز العقد حتى يكون الجنس المفرد أكثر من جنسه) (٤) الذي في مقابلته، فيجعل الجنس بمثله في الوزن إن كان موزونًا، وفي الكيل إن كان مكيلًا،
стр. 3162
والفضل بالجنس الآخر، وهذا كبيع عشرة دراهم بخمسة ودينار.
وقال الشافعي: لا يصح هذا البيع.
لنا: أن كل عين جاز بيعها بجنسها، جاز بجنسها وبغير جنسها كالثياب؛ ولأن أمور المسلمين محمولة على الصحة والجواز ما أمكن [حمل عقودهم على الجواز] (١) أولى من حملها على الربا والبطلان.
قال: والنوع الآخر من القسمة المخالفة بين المبدلين: وهو أن يبيع جنسين فيهما الربا بجنسيهما وهناك تفاضل، مثل درهمين ودينار بدينارين ودرهم، ومُدَّي حنطة ومُدّ شعير بمُدَّي شعير ومد [حنطة]، فالعقد جائز عندنا، ويجعل كل جنس في مقابلة الجنس الآخر.
وقال الشافعي: البيع باطل (٢).
لنا: أن كل جنسين (٣) جاز [بيع كل واحد منهما، جاز] وإن اختلفت مقدارهما، كالجص والنورة بالجص والنورة، وكالحديد والصفر [بالحديد والصفر].
قال أبو الحسن: قال مُعَلَّى عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة: إذا باع مائة درهم ودينار بألف درهم فهو جائز لا بأس به، وقال ابن أبي ليلى: لا خير في هذا البيع؛ لأنه خداع، قال أبو يوسف: آخذ بقول أبي حنيفة.
وهذا يدل على ما بيّنا من قسمة الاعتبار؛ لأن المائة تجعل بمائة من
стр. 3163
الألف، ألا ترى أن المساواة في الفضة مستحقة بالشرع لقوله ﵊: "الفضة بالفضة مثلًا بمثل"، فيبقى الدينار بتسعمائة درهم، فيجوز بيعه.
وأمّا ابن أبي ليلى فلم يسلك طريق الشافعي في هذه المسألة، وإنما قال: لا يجوز هذا البيع؛ لأن الإنسان في العادة لا يقصد شراء دينار بتسعمائة، فعلم أنه جعل جميع أحد البدلين في مقابلة البدل الآخر.
وقال [عمرو بن أبي عمرو]: سألت محمدًا عن تصارف الناس الفلوس التي تدخل مع الدراهم، قال: هو في الحكم جائز، وأنا أكرهه، قال: قلت: ما قول أبي حنيفة فيه؟ قال: قال أبو حنيفة: لا بأس به، وإنما أراد بهذه الدراهم التي أكثرها نحاس؛ لأن الفلوس لا تصرف مع الدراهم، فإذا باع هذه الدراهم بجنسها متفاضلًا جاز؛ لأن النحاس يجعل بالفضة، والفضة بالنحاس.
وأما محمد [فإنه] كره ذلك؛ لأنها إذا جازت مع الدراهم وجوّزنا التفاضل فيها أَلِفَ الناس التفاضل في هذا [النوع] (١)، فاستعملوه فيما لا يجوز.
قال: وإذا اشترى الرجل عشرة دراهم ودينارًا باثني عشر درهمًا وتقابضا، فهو جائز، عشرة بمثلها ودينارًا بالفضل، وهذا على ما بيّنا في قسمة الاعتبار.
قال: وإذا اشترى دينارًا ودرهمين بدرهمين ودينارين وتقابضا فهو جائز، ويكون الدينار بدرهمين، وديناران بدرهمين، وهذه قسمة المخالفة بين البدلين، وقد بيّناها (٢).
стр. 3164
قال: ولو استحق الدينار الذي مع الدرهمين [رجع بالدرهمين] اللذَيْن مع الدينارين، ولو استحق الدرهمان اللذان مع الدينارين يرجع بالدينارين اللذين مع الدرهمين؛ وذلك لأن القسمة من طريق الشرع لما أوجبت المخالفة بين البدلين صار كأنهما سمّيا ذلك.
قال: ولو اشترى ثوبًا ونُقْرة (١) فضة بثوب ونُقْرة فضة، فالثوب بالثوب، والفضة بالفضة، فإن كان في واحد منهما فضل فهو مع الثوب بذلك الثوب؛ وذلك لأن المماثلة في الفضة مستحقة، فحمل العقد على المستحق.
قال: فإن تقابضا قبل أن يتفرقا جاز [ذلك]، وإن تفرقا قبل القبض انتقض من ذلك عشرة بعشرة، وجاز من ذلك الثوب بما في مقابلته؛ لأن حصة الفضة بالفضة صَرْف، فيبطل بالتفرق، وحصة الثوب بيع فلا يبطل بالتفرق.
قال: ولو باع رجل ثوبًا ودينارًا بثوب ودرهم، فالثوب بحصته من الثوب والدرهم، والدرهم والثوب الآخر بحصته من الثوب والدينار؛ وذلك لأن القسمة على الحصص لا تؤدي إلى إبطال العقد، فإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل في حصة الذهب من الفضة، وحصة الفضة من الذهب، ولزم الثوبان كل واحد منهما بحصته، ولا خيار في ذلك؛ لأن حصة الذهب بالفضة عقد صرف، فيبطل بالافتراق، وحصة الثوب عقد بيع فلا يبطل بالافتراق، ولا خيار لهما في الثوب؛ لأن بطلان العقد في الصرف حصل بفعلهما: وهو الافتراق.
قال: ولو اشترى سيفًا محلى بثوب وعشرة دراهم، ونقد العشرة والثوب ولم يقبض السيف حتى افترقا، فإن البيع وقع وهو جائز، فلما افترقا قبل أن يقبض
стр. 3165
كل واحد منهما انتقض البيع كله؛ لأنه شيء واحد، فلا يجوز بعضه دون بعض، وهذا على ما قدمنا أن الحِلية إذا لم تتخلص إلا بضرر، لم يجز أن يبتدأ العقد في السيف دونها، فكذلك لا يجوز بقاء العقد.
قال أبو الحسن: وسبيل الحديد بالحديد، والصُّفْر بالصُّفْر، [والشَّبَه بالشَّبَه]، والنُّحاس بالنُّحاس، والرَّصَاص بالرَّصَاص، وهذا السبيل نجريه مجرى الذهب والفضة؛ لأن الربا يجري في هذه الأجناس، والقسمة إنما يراعى فيها زوال الربا.
قال في الأصل: إذا اشترى رجل من رجل مثقالي فضة ومثقالًا من نحاس بمثقالٍ من فضة وثلاثة مثاقيل حديد، كان جائزًا، فتكون الفضة بمثلها، ويكون ما بقي من الفضة والنحاس بذلك الحديد.
وكذلك مثقال صُفْر ومثقال حديد بمثقال صفر ومثقال رصاص، فالصفر بمثله، والرصاص بما بقي.
ولو باعه مثقال [نُحاس] (١) ومثقال حديد، بمثقال حديد ومثقال رَصاص جاز، وحديد هذا بحديد هذا، ورصاص هذا بنحاس هذا، وهذا كله من الفضة والذهب في هذه الوجوه سواء، غير (٢) أن ما سوى الفضة والذهب إذا كان عينا بعين فافترق من غير قبض، جاز البيع.
قال: وهذا على ما قدمنا من وجوب القسمة على الوجه المؤدي إلى نفي الربا، وإنما يعتبر التقابض في الصرف بكل حال، ولا يعتبر فيما سواه إذا كان المعقود عليه عينًا (٣). والله تعالى أعلم.
стр. 3166
بَاب آخر من الرد بالعيب
قال أبو الحسن: وإذا اشترى الرجل إناء فضة إبريقًا (١)، أو طشتًا، أو حليًا (٢) أو غير ذلك من المَصُوْغ، وهو فضة بفضة أو ذهب، فتقابضا، ثم وجد المشتري بما اشترى عيبًا، فله أن يرده ويرجع بالثمن؛ وذلك لما قدمنا: أن العقد يقتضي صحة المعقود عليه، فإذا وجده معيبًا فقد تغير مقتضى العقد، فوجب الرد.
قال: وإن هلك في يد المشتري أو حدث به عيب آخر، رجع بأرش العيب إن كان الثمن ذهبًا؛ وذلك لأنه إذا حدث به عيب تعذّر الرد من طريق الحكم، ألا ترى أنه خرج من مِلك البائع معيبًا بعيب واحد، فلا يجوز أن يرده معيبًا بعيبين، وكذلك إذا هلك تعذر الفسخ فيه، وتعذر الرد من طريق الحكم يوجب الأرش، وإيجابه ليس فيه أكثر من التفاضل، وذلك يجوز في الذهب (٣) بالفضة.
قال: وإن كان الثمن فضة دراهم أو غير ذلك لم يرجع بشيء؛ لأنه لو رجع بالأرش لأدّى إلى بيع الفضة بأقل من وزنها، فإذا تعذر الرد ولم يجز أخذ الأرش، سقط الحق.
стр. 3167
قال: فإن قال البائع: أنا [أقيله] (١) بعيبه فله ذلك، فيقال للمشتري: إن شئت فأمسكه ولا شيء لك، وإن شئت رده وخذ الثمن، وسواء في هذا الوجه إن كان الثمن ذهبًا أو فضة؛ وذلك لأن المنع من الرد مع حدوث العيب منع حق البائع، وإذا رضي فقد أسقط حقه، فصار كأنه لم يحدث هذا العيب، فيقال للمشتري: إن شئت فأمسك المبيع ولا شيء لك، وإن شئت فرده.
قال: فإن ردَّه عليه بقضاء قاضٍ ثم افترقا قبل أن يقبض الثمن، فالرد صحيح على حاله، وله أن يأخذ الثمن من البائع.
وإن كان الرد بغير قضاء قاضٍ لم [ينبغِ] (٢) للمشتري أن يفارقه حتى يقبض الثمن، فإن فارقه قبل ذلك بطل الرد، وكان (٣) البيع الأول كما كان؛ لأن الرد إذا كان بقضاء فهو فسخ؛ بدلالة أن الشيء دخل في ملكه بغير قبوله ولا رضاه، فلا يعتبر فيه فيه ما يعتبر في العقود.
وأما إذا كان الرد بغير قضاء فقد دخل الشيء في ملكه بقبوله ورضاه، فهو [كعبد مشترك] (٤) بينهما، ولهذا لا يملك الرد على بائعه، فيعتبر فيه التقابض.
قال في الأصل: إذا اشترى الرجل سيفًا محلى بدراهم أكثر مما فيه وتقابضا، وتفرقا، ثم وجد بالسيف عيبًا في نصله أو جفنه أو حمائله أو حليته، فله أن يرد بأي ذلك ما كان، فإن رده وقَبِلَه منه صاحبه بغير قضاء قاضٍ، فإنه ينبغي [له] أن لا يفارقه حتى يقبض الثمن، فإن لم يقبله منه إلا بقضاء قاضٍ، لم يضره أن يفارقه
стр. 3168
قبل قبض الثمن، وهذا على ما بينا (١).
قال: فإن تقا [يلا] (٢) البيع وقد وجد عيبًا أو لم يجد، فالإقالة (٣) جائزة إن تقابضا قبل الافتراق، وإن افترقا قبل القبض بطلت الإقالة، وهذا على قولهم جميعًا، والإقالة والبيع عندهم في هذا المعنى سواء (٤).
وأما على قول أبي حنيفة: فلأن الإقالة فسخ في حقهما، بيع في حق الغير، فيعتبر فيها التقابض لحق الله تعالى؛ لأن [ها] (٥) في حقه بيع.
وأما على قول أبي يوسف: فالإقالة عنده بيع بكل حال، فهو أولى أن يعتبر التقابض.
وأما محمد فعنده: الإقالة إذا وقعت بجنس الثمن الأول، [فهو] فسخ، إلا أنهما متهمان في حق الله تعالى، فيعتبر التقابض لإزالة التهمة.
قال: فإن تقايلا والمبيع إناءٌ، فباعه الذي ملكه بالإقالة قبل أن يقبضه من المشتري أو غيره، لم يجز ذلك في قول أبي يوسف، رواه بشر بن الوليد عنه.
وقال محمد في الجامع الكبير: إذا باعه من المشتري جاز، وإن باعه من غيره لم يجز (٦).
стр. 3169
وهذا فرع على اختلافهم في الإقالة، فعند أبي يوسف: أنها بيع، وبيع المبيع قبل القبض لا يجوز من البائع ومن غيره، وعلى أصل محمد: أن الإقالة فسخ، والإبريق مضمون في يد المشتري بنفسه، فجاز بيعه منه، كما يجوز بيع المغصوب من الغاصب، ولا يجوز من غيره.
٢٣٥٥ - فَصْل: [شراء جنس بجنس آخر، وعلم بعد التقابض أن الثمن زيوف]
قال: وإذا اشترى دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا، ثم علم أن العشرة زيوف وقد أنفقها وهو لا يعلم، فلا شيء له على بائع العشرة في قول أبي حنيفة ومحمد، وله في قول أبي يوسف: أن يرد عشرة زيوفًا مثل التي قبض، ويرجع [عليه] بعشرة جياد [ثمن] (١) الدينار.
وهذه المسألة فرع: على من له على رجل عشرة [دراهم] جياد، فقضاه رديئة وهو لا يعلم، فقبضها وأنفقها، قال أبو حنيفة: لا يرجع بشيء؛ لأنه لو ردَّ مثل الزيوف ورجع بالجياد، وقع الفسخ على غير ما وقع عليه العقد، وذلك لا يصح، ولا يمكن الرجوع عليه بالنقصان لما في ذلك من الربا، وإن تعذر الفسخ ولم يجب الأرش سقط الحق.
وإذا ثبت هذا الأصل قال في مسألتنا: الصرف يقع على دراهم [مثلها] في الذمة، وإنما يقضي بما يدفع ما في ذمته، فصار كمن قضى دينًا عليه بزيوف [جاز].
وأما أبو يوسف ومحمد فقالا: إن حق صاحب الدين في الوزن والجودة، وقد استوفى حقه في الوزن ولم يستوف حقه في الجودة، ولا يمكن (ذلك) (٢)
стр. 3170
إلا برد مثل المقبوض والرجوع بحقه.
والظاهر من هذا: أن محمدًا مع أبي يوسف، وقد ذكره أبو الحسن مع أبي حنيفة، فإما أن يكون عنه روايتان، أو يكون هذا غلط في النقل؛ لأنه لا يمكن الفرق بين المسألتين.
قال: ولو علم أن الدراهم سَتّوقة (١) بعد الافتراق وقد هلكت في يد مشتريها، فعليه قيمتها والصرف باطل ويرجع بالدينار؛ [وذلك] لأن الستوقة لا يقع بها الاقتضاء في [ثمن] (٢) الصرف، وقد افترقا من غير قبض، فبطل الصرف ووجب رد الدينار، وصار القابض للستوقة قابضًا لها من غير حق، فيجب عليه قيمتها؛ [وذلك] لأنه لا مثل [لها].
قال: ومما يلحق بهذا الباب، ما لو قالوا في رجل اشترى من رجل دينارًا بعشرة دراهم وأَقَرَّ بائع الدينار باستيفاء ثمن الدينار، ثم جاء بدرهم فذكر أنه زائف، وأنه مما قبض من ثمن الدينار، [وأنكر] (٣) مشتري الدينار ذلك، فالقول قول المشتري؛ وذلك لأنه لما أقر باستيفاء الثمن والثمن من جنس الجياد، صار مقرًا باستيفاء الجيد (٤)، فلا يقبل رجوعه عن إقراره.
وقد قالوا: إنه لو أقام بينة أن هذا الدرهم الزائف من جملة المقبوض لم
стр. 3171
تقبل بينته؛ لأنه أكذبها (١) بإقراره، ولو لم يكن قد أقَرَّ باستيفاء ثمن الدينار، ولكنه أقر بأنه قبض عشرة دراهم كان القول قوله في الزيوف؛ لأن الدراهم اسم للجياد والزيوف [وغيرها]، وحقه دراهم بصفة ولم يقر باستيفاء الصفة، فإن جاء بدرهم سَتُّوقَةٍ يرده، لم يقبل قوله؛ لأنه ليس من الدراهم، وقد أَقَرَّ بقبض الدراهم.
وقد قالوا: إنه إذا أقرَّ بقبض حقه لم يُصَدَّقْ فِي رَدِّ الزيوف؛ لأنّ حقه الجياد، ومن اعترف بقبض الجياد لم يقبل قوله في رجوع عن ذلك، وكذلك إذا أقر أنه قبض الثمن؛ لأن الثمن هو الجياد (٢).
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل اشترى من رجل دينارًا بعشرة دراهم وتقابضا، ثم استحق رجل نصف الدينار، فإنه يرجع بنصف الدراهم، ويكون للمشتري نصف الدينار، ولا يكون له خيار في رد النصف الباقي؛ لأنه لا ضرر في هذا، وكذلك نُقْرة الفضة.
وكذلك لو وجد بائع الدينار نصف الدراهم ستوقة؛ وذلك لأن الشركة في الدراهم والدنانير تعد عينًا، ألا ترى أنها تنقسم بغير عزم [إذا لم تكن الشركة في جملتها عينًا]، فكذلك في [أجزائها] (٣).
قال: ولو اشترى رجل [من رجل] إناء فضة وزنه عشرة دراهم وقيمته خمسة عشر لصياغته بعشرة دراهم، وتقابضا، ثم استحق نصف الإناء فإن مشتريه
стр. 3172
بالخيار: إن شاء رد النصف الباقي ورجع بالثمن، وإن شاء رجع بنصف الثمن وأمسك الباقي؛ وذلك لأن الشركة في الإناء عيب، فله أن يختار إمساك النصف بعينه، وله أن يرده (١).
وقال هشام عن أبي يوسف: إن باع دراهم بدينار فقال: قد برئت إليك من كل عيب بهذه الدراهم، فوجد فيها ستوقًا، قال: لا يبرأ، وإن وجد فيها زائفًا بُرِئَ؛ لأن الستوقة من غير جنس الدراهم، وهو إنما يبرأ من عيب بالدراهم، فالزيوف من جنس الدراهم إلّا أنها معيبة، فيبرأ من عيبها بالشرط.
وقال هشام عن محمد: في رجل في كفّه دراهم، [فقال] للصيرفي: أبيعك هذه الدراهم - وأراها إياه - بدينار، فرضي بذلك وتقابضا وافترقا، ثم قال الصيرفي: في دراهمك زيوف، قال: يبدلها له؛ وذلك لأن رؤية العين لا تسقط خيار العيب فيها وإن أشار في العقد إلى عين الدراهم، فإنما يقع عندنا على دراهم في الذمة، فكأنّه أطلق الدراهم، فيستحق الجياد، قال محمد: كان ينبغي أن يقول: هي زيوف؛ لأنه إذا قال ذلك، فقد تبرأ من عيبها.
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجل اشترى من رجل دنانير بدراهم وقبض الدنانير، فباعها من رجل آخر ودفعها إليه وقبض الدراهم منه، ثم وجد بالدنانير عيبًا فردَّها على بائعه الأوسط، فقبلها البائع الأوسط بغير قضاء قاضٍ، جاز له أن يردّها بذلك العيب على بائعه الأول، ولا يشبه الصرف في هذا العروض؛ وذلك لأن الدنانير لا يقع العقد على أعيانها، وإنما يقع على مثلها في الذمة، ثم تقبض العين قضاء عَمَّا في الذمة؛ بدلالة أنه لو ردّها بعيب في المجلس
стр. 3173
[لم] ينفسخ الصرف، فإذا لم يملك المقبوضة بالعقد، وإنما يملك بالقبض، انفسخ القبض فيها بالرد، فعادت إلى الملك الأول، فكان لمن عادت إليه أن بردها، وليس كذلك العروض؛ لأنها تملك بالعقد، فإذا ردّها بغير قضاء لم ينتقل الملك فيها بالرد، وإنما ينتقل بالتراضي، وذلك عقد مبتدأ بينهما.
يبيّن ذلك: أن بائع العروض إذا امتنع من قبولها بالعيب، لم تعد إلى ملكه إلا بقضاء، وبائع الدراهم تعود إلى ملكه بالرد من غير تراضٍ.
وقال في الأصل: فيمن اشترى إناء فضةٍ ولم يشترط أن فضته جيدة ولا رديئة، فإذا هو غير فضة، فإنه لم يقع بينهما [ملك ولا] بيع، [ويرد ذلك] (١)؛ لأن عدم جنس المعقود عليه يوجب فساد العقد.
قال: ولو كانت فضة سوداء أو حمراء فيها رصاص أو صفر هو الذي أفسدها، فهو بالخيار؛ لأن الجنس موجود وبه عيب.
قال: فإن كانت الفضة رديئة من غير غش فيها، فليس له أن يردّها (٢)؛ لأن الرداءة من غير غِشّ ليس بعيب، وإنما هو جنس فلا يوجب الرد.
стр. 3174
بَاب في بيع الفلوس
قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: الفلوس (١) والدراهم والدنانير أثمان الأشياء، لا تتعين في البيع وإن شرط المتبايعان، ويكون ما أوجب كل واحد منهما في العقد على نفسه دينًا في ذمته، ولا يجبر واحد منهما على تسليم ما شرط من العين، إن شاء أعطى العين، [وإن شاء أعطى مثلها، وليس للمشترى منه أن يجبره على تسليم] العين إليه، والخيار في ذلك إلى البائع دون المشتري؛ [وذلك] لأن الفلوس النافقة لا فائدة في تعيينها، فصارت كالدراهم والدنانير، وإذا لم تتعين فالعاقد بالخيار: إن شاء سلّم ما أشار إليه، وإن شاء سَلّم غيره، وإن هلكت لم ينفسخ العقد بهلاكها؛ لأنه لم يقع عليها.
قال: فإن افترقا قبل أن يقبض أحدهما، وقد شرط كل واحد منهما عينًا بطل البيع؛ لأنهما افترقا عن دين بدين، وهذا على ما قدمنا أن العقد لا يتناول أعيانها (٢).
قال: وإن هلك ما عَيَّنَ كل واحد منهما قبل القبض والافتراق، فالبيع على حاله، وكذلك إن استحقه مستحق أو رَدَّ كل واحد منهما ما اشترى بعيب قبل القبض والافتراق، فالبيع على حاله؛ وكذلك لأن المستحق لم يقع
стр. 3175
العقد على عينه، فاستحقاقه يبطل القبض فيه، فيبقى ما في الذمة لحاله.
قال: فإن تقابضا وتفرقا ثم استحق ما في يد أحدهما أو رده بعيب، فهو كذلك يرجع بمثله، والبيع صحيح على حاله؛ وذلك لأنه استحق أحد المقبوضين، فقد افترقا عن عين بدين، والافتراق عن عين بدين في الفلوس جائز؛ لأن التقابض فيها ليس بشرط كالصرف؛ لأنها ليست من جنس الدراهم والدنانير، [والتقابض في المجلس يختص بذلك.
قال: كانت الفلوس بيعًا بالدراهم]، أو كانت الدراهم بيعت بالدنانير، أو الدنانير بيعت بالدراهم، فهو سواء في جميع ما ذكرت لك ما خلا الدراهم بالدراهم أو بالدنانير، فإن ذلك صَرْفٌ لا بد من أن يتقابضا [جميعًا] قبل أن يتفرقا.
وإنما يعني أنهما سواء في عدم التعيين، وأن العقد لا يبطل بالهلاك والاستحقاق قبل القبض.
فأما التقابض فيعتبر في الصرف على ما قدمنا، ولا يجب في الفلوس لأنها بمنزلة العروض.
قال: فإن كانت الفلوس بعضها ببعض وفي أحدهما فضل عن الآخر، فلا يصح البيع فيهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا أن يكون الكل عينًا بعين، وإن كان أحدهما بعينه والآخر بغير عينه فإنه لا يجوز، روى ذلك ابن سماعة وبشر بن الوليد و [حبّان] (١) بن بشر وعلِيّ بن الجعد عن أبي يوسف.
وقال محمد: لا يجوز بيع الفلوس متفاضلة، وإن شرط عينًا بعين؛ لأنها لا تتعين إذا عينت.
стр. 3176
والكلام في هذه المسألة يقع في فصلين:
أحدهما: إذا باع فِلْسًا بفلسين بأعيانهما جاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد: لا يجوز.
لهما: إن في تعيينها فائدة إذا لاقت جنسها، وهو ما يتعلق بالتعيين من صحة العقد، فصارت كالعروض.
لمحمد: أنها [أثمان] (١)، فلا تتعيّن كالدراهم.
وأما إذا باع فِلْسًا بفلسين بغير أعيانهما، لم يجز في الرواية المشهورة عنهم (٢)، وروي عن أبي يوسف: أنه يجوز.
وجه قولهم المشهور: أنها إذا لم تتعين وقع العقد على غير فلوس في الذمة، والدَّينان إذا التقيا في الذمة من جنس واحد صار أحدهما قصاصًا بالآخر، ومتى صار أحد الفلسين قصاصًا بالآخر بقي الفلس الآخر مأخوذًا بغير حق، فلا يجوز.
وجه قول أبي يوسف: أن ما جاز التفاضل فيه إذا كان عينًا، جاز وإن لم يتعين كالمعدودات.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا باع فلسًا بفلسين بأعيانهما فهلك بعضها انفسخ العقد [فيه]؛ لأنها تعينت عندهما حتى صَحَّ العقد، والتعيين يوجب فسخ العقد بالهلاك، فكذلك إن ردت بعيب أو استحقت يبطل البيع، وإن كان باع بعضها ببعض غير متفاضل لم ينفسخ العقد بهلاكها؛ لأنها لا تتعين عند
стр. 3177
التساوي؛ إذ لا فائدة في تعيينها، وإذا لم تتعين لم يبطل العقد بهلاكها.
وقال ابن سماعة عن أبي يوسف: في رجل اشترى من رجل فلسًا بفلسين: كان جائزًا بعينه أو بغير عينه (١)، فإن تقابضا قبل أن يتفرقا فهو جائز، وإن افترقا قبل أن يتقابضا بطل؛ لأنه دين بدين، فلا يجوز، فإن قبض أحدهما ولم يقبض الآخر فهو جائز، ويصير الآخر دينًا؛ وذلك لما بيّنا أن التقابض غير معتبر في الفلوس، (إلا أنها إذا لم تتعين في العقد فقد افترقا عن دين بدين، والافتراق عن دين بدين لا يجوز، فإذا قبض أحدهما فقد افترقا عن عين بدين، وذلك جائز) (٢).
قال: وله أن يدفع إليه الفلوس الذي أخذ منه؛ لأنّ عليه فلسًا وهذا فلس، فله أن يدفعه وهو صحيح؛ لأن العقد لم يقع على هذا الفلس المقبوض، وإنما وقع [على] فلس في الذمة، فصار كمن اشترى فلسًا بفلس ثم استقرض من البائع فلسًا فسلمه إليه (٣).
وقد روى محمد في الإملاء: إذا اشترى رجل من رجل فلوسًا وتقابضا، على أن كل واحد منهما بالخيار فيما باع وفيما اشترى وتفرقا على ذلك، فالبيع فاسد؛ [وذلك] لأن القبض معتبر، وشرط الخيار يمنع صحة القبض؛ لأن كل واحد منهما لا يملك ما قبضه.
وإن تقابضا وأحدهما بالخيار ثلاثة أيام فيما باع، والآخر لا خيار له، فالبيع
стр. 3178
جائز؛ وذلك لأن شرط الخيار يمنع صحة القبض في أحد البدلين، وقد بيّنا أن الفلوس لا يعتبر فيها القبض في البدلين، وإنما يعتبر في أحدهما حتى لا يفترقا عن دين بدين.
قالوا: فلو كان أحدهما قبض ما اشترى والآخر لم يقبض، واشترط أحدهما الخيار ثلاثة أيام ثم افترقا على ذلك، فإن كان الذي قبض ما اشترى هو الذي اشترط الخيار، فالبيع جائز فيما بينهما؛ لأنه قد ملك ما قبض، فكأنه قبضه بغير خيار.
وإن كان الذي اشترط الخيار هو الذي لم يقبض ما اشترى، فالبيع فاسد؛ لأنه إذا اشترط الخيار (ولم يقبض؛ فالآخر) (١) لم يملك ما قبض، فيحصل الافتراق عن دين بدين.
قال: وهذا ينبغي أن يكون على أصل محمد خاصة: في أن الخيار المشروط للمشتري [لا يمنع دخول المبيع في ملكه على قوله وقول أبي يوسف، فأمّا على قول أبي حنيفة، فالخيار المشروط] [يمنع الملك في البدلين] (٢)، فيمنع صحة القبض هاهنا، وينبغي على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في بيع فلس بفلسين بأعيانهما أن يجوز شرط الخيار؛ لأنها تعينت عندهما [بالتعيين، فصار كسائر الأعيان، فيجوز أن يشترط الخيار فيهما] (٣).
وقد ذكر ابن شجاع عن الحسن عن زفر: فيمن اشترى من رجل مائة فلس
стр. 3179
بدرهم وليس عند البائع [فلوس] (١)، أن البيع باطل.
وإذا اشترى مائة فلس بعينها بدرهم نسيئة أو نقدًا أن البيع جائز، قبضها قبل أن يفترقا أو لم يقبض، فإن استحقت قبل أن يقبضها أو بعدما قبضها، انتقض البيع فيها.
وإن اشترى فلوسًا بعينها بدرهم بعينه فاستحقت الفلوس انتقض العقد، فإن استحق الدرهم كان على المشتري درهم مكانه، وهذا مقتضى من مذهب زفر، أن الفلوس كالعروض تتعين بالعقد ولا يجوز بيعها بغير عينها في غير السَّلَم.
وقد قال زفر: في رجل اشترى من رجل شيئًا من الفاكهة بفلوس بعينها، أن البيع جائز، ويجبر على أن يدفع الفلوس بعينها، وإن استحقت الفلوس أو كانت كاسدة (٢) كان عليه بدلها.
وهذا خروج عن أصله؛ لأنه كان يجب أن [لا] يجبر على دفعها بعينها إذا لم يبطل العقد بهلاكها، وقد أنكر هذا القول ابن شجاع للمعنى الذي ذكرنا.
وقال زفر في رجل قال لآخر: أبيعك هذه الدراهم بمائة فلسٍ بغير أعيانها، إن البيع فاسد. فكان المحصل من قول زفر: أن الفلوس كالحنطة إذا عينت تعينت، وإذا كان في مقابلتها العروض ولم تعين كانت ثمنًا، وإن جعل في مقابلتها الدراهم المعيّنة كانت مبيعة.
стр. 3180
بَاب الاستقراض وما يجوز منه وما لا يجوز
قال أبو الحسن: كل ما يكال أو يوزن مما على مستهلكه مثله إذا استهلكه فقرضه جائز، الدراهم والدنانير والفلوس، والحنطة والشعير والأرز، وسائر الحبوب، وكذلك الأدهان، والزعفران، والقطن والكتان، وسائر ما يباع موازنة ومكايلة بالقفيز والرطل، فقرضه جائز، وكذلك ما يُعَدُّ مما لا يتفاوت تفاوتًا كثيرًا، [مثل الحيوان والبيض.
قال الشيخ ﵁: وجملة هذا: أن كل ما يجب على مستهلكه مثله]، فقرضه جائز؛ لأن القرض يوجب ضمان الشيء بمثله، فما كان له مثل فضمان القرض فيه ممكن، فجاز إقراضه، وما لا يجب على مستهلكه مثله، على مستهلكه مثله، لا يوجب الضمان الذي يقتضيه القرض [فيه]، فلم يصح إقراضه.
وقد قال أصحابنا: إن قرض الحيوان لا يجوز، وقال الشافعي: يجوز إلا الجواري (١).
لنا: أنه لا يجب على مستهلكه مثله، فلا يصح قرضه، كالجواري، والذي روي (أن النبي ﷺ استقرض بكرًا) (٢) فإنما استقرض ذلك على بيت المال بدلالة أنه شرط ﷺ رده من الزكاة، ويجوز أن يكون استسلفه عليها.
стр. 3181
والأصل في جواز القرض قوله ﵊: "قرض مرتين صدقة مرة" (١)، وروي أن ﵊ اقترض دراهم فردها وأرجح في الوزن، فقال له المقرض: إنها أرجح من حقي، فقال: "هكذا نزن" (٢)، وهو فعل المسلمين من غير خلاف.
قال: [وكل قرض جرّ منفعة فإنه لا يجوز؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال]: "كل قرض جرّ منفعة فهو ربًا" (٣)، ولأن القرض تمليك الشيء بمثله، فإذا جَرَّ منفعة صار كأنه استزاد في التمليك الذي يتعلق به الربا، وذلك لا يجوز؛ ولأن المقصود منه التبرع، والمنفعة تخرجه عن موضوعه، وإنما تكره المنفعة التي يوجبها عقد القرض، مثل أن يقرضه غَلة على أن يرد صحاحًا؛ وذلك لأن هذا لو صَحَّ وجبت المنفعة بالقرض، وذلك ممنوع منه، وأمّا إذا لم يشترط المنفعة فأعطى الذي عليه الحق أجود مما أخذ، فلا بأس؛ لأن المنفعة لم يوجبها القرض وإنما تبرع بها المقرض فهو كالرجحان الذي دفعه ﵊ في بدل القرض.
وقد روي عن ابن عمر (أنه كان يستقرض، فإذا خرج عطاءه [أعطى أجود مما أخذ (٤)).
стр. 3182
وروي (أن عمر بن الخطاب ﵁ أقرض أُبي بن كعب مالًا، فأهدى إليه رطبًا فردّه، فقال له أُبي: إن هذا مالك ابعث من يأخذه، فقال عمر: ردّ إلينا هديّتنا) (١). فردّ الهدية لما ظنّ أن ذلك لأجل القرض، فلما علم أنه غير متعلق بالقرض أخذها.
والذي حكي أن أبا حنيفة أقرض رجلًا مالًا، ثم جاء يقبضه، فلم يقف في ظل حائطه ووقف في الشمس حتى أخرج إليه المال.
فلا أصل له؛ وأبو حنيفة أفقه من ذلك؛ لأن الوقوف تحت ظل الحائط ليس بمنفعة بالملك، ولا أوجبها القرض، ولو منع من ذلك لمنع من الجلوس في سراجه؛ لأنه انتفاع به، وهذا لا شبهة فيه.
فإن أقرضه شيئًا مما يجوز فيه القرض إلى أجل شرطه في نفس القرض، فالأجل باطل، والمال حال، وكذلك إن أقرضه بغير أجل ثم أخذ بعد ذلك بما أقرض، فالتأخير باطل، وله أن يأخذه به حالًا؛ وذلك لأن العين المردودة في القرض قد جعلت في الحكم كأنها نفس العين المأخوذة، لولا ذلك لكان تمليك دراهم بدراهم لم تقبض في المجلس، وإذا جعلت كالعين والتأجيل في الأعيان لا يصح؛ ولأن التأجيل يبطل معنى التبرع فيها، فيصير كمن باع دراهم بدراهم نَساءً، وإذا ثبت أن التأجيل لا يجوز ابتداءً، لم يلحق به؛ لأن الأجل الملحق في حكم المذكور في حال العقد.
стр. 3183
وقد قال أصحابنا: إن السفاتج الذي يعمل بها التُّجار مكروهة؛ لأنه يقترض دراهم بمثلها وينتفع بإسقاط الخطر في الطريق، فيصير في حكم القرض الذي يجر منفعة.
وروي عن زينب امرأة عبد الله أنها قالت: أعطاني رسول الله ﷺ جداد خمسين وسقًا من تمر خيبر، وعشرين وسقًا من شعير، فقال لي عاصم بن عدي: أعطيك تمرًا هاهنا وأوفه (١) تمرك بخيبر، فقالت: حتى أسأل ذلك، فسألت عمر بن الخطاب فنهانا عنه، وقال: كيف بالضمان فيما بين ذلك (٢).
والذي روي عن ابن عباس (أنه كان يقرض بالمدينة على أن يرد بالكوفة) (٣)، وعن ابن الزبير مثل ذلك، فيحتمل أن يكون استقرض قرضًا مطلقًا، ثم كتب السفتجة، وهذا لا يكره أن يأخذ المال على أن يؤديه في موضع كذا، فتصير المنفعة مشروطة في العقد.
ويجوز أن يكون ابن عباس فعل ذلك على أصله: أن الربا لا يثبت إلا في النسيئة، ثم رجع عن ذلك.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: روي معلى عن أبي يوسف: أن قرض الخبز فاسد، وكذلك قال أبو يوسف: لا خير في قرض الخبز عندنا.
стр. 3184
وروى ابن رستم عن محمد عن أبي حنيفة أنه كان لا يجيز السلم في الخبز، ويكره قرضه؛ لأنه لا يقام على حدة.
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: قوله: إنه] (١) لا يقام على حدة دلالة على أن قرض الخبز وزنًا لا يجوز، ولا اختلاف عن أبي حنيفة أن السلم في الخبز لا يجوز.
وروى هشام عن محمد: أنه لم يرَ بقرض الخبز بأسًا.
وقال هشام في نوادره: سألت محمدًا عن قرض الخبز وزنًا فرأيته كره (٢) ذلك واستعظمه، وقال: لا بأس بقرضه عددًا.
أما السلم في الخبز فلا يجوز في قولهم؛ [وذلك] لأنه يختلف بالعجن والنضج وكيفية الخبز، ومنه الثخين ومنه الخفيف، وفي كل واحد من ذلك غرض مقصود، فلا يجوز السَّلَم [فيه] مع التفاوت.
وأما القرض: فوجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن السَّلَمَ أوسع [بابًا] من القرض؛ بدلالة أن الثياب يجوز السلم فيها، ولا يجوز قرضها، فإذا لم يجز السلم في الخبز فالقرض أولى.
لمحمد: أن العادة قد جرت باستقراض الخبز من غير نكير، فجوَّزه للعادة (٣).
стр. 3185
قال هشام: أخبرنا عبد الكريم الجرجاني، عمن ذكره عن إبراهيم: أنه سأله عن أهل بيت يقرضون الرغيف فيأخذون أصغر منه أو أكبر، فقال: لا بأس به.
فأما الذي ذكره هشام عن محمد: أنه استعظم قرضه وزنًا، فقد حمله أبو الحسن على أنه استعظم قول من قال: لا يجوز إلا وزنًا؛ لأن العادة قد جرت بالعدد، فإذا جاز عددًا فالوزن أولى.
وإن حملنا قول محمد على ظاهره، فلأن القياس يمنع من جواز إقراضه، وإنما تركنا القياس للعادة، ولم تجر العادة باقتراضه وزنًا، وإنما جرت باقتراضه عددًا، فَجوَّز من ذلك مقدار ما جرت به العادة [والعادة لم تجر به وزنًا].
стр. 3186
بَاب استقراض الفلوس والدراهم المحمول عليهما مثل البخارية والطبرية واليزيدية وغير ذلك
قال أبو الحسن: وإذا استقرض الرجل من الرجل دراهم بخارية أو طبرية أو يزيدية، أو فلوسًا في الحال التي تتفق فيها، ثم كسدت، فإن بشر ابن الوليد قال: سمعت أبا يوسف قال: عليه في قياس قول أبي حنيفة مثلها، ولست أروي ذلك عنه، ولكني أرويه في الفلوس إذا أقرضها ثم كسدت.
قال أبو الحسن: لم يختلف عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها، قال بشر وقال أبو يوسف: عليه [قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أمثالها.
وقال محمد: عليه] قيمتها إذا كسدت في آخر وقت نفاقها قبل أن تكسد.
لأبي حنيفة: أن القرض يقتضي ضمان المقرض بمثله، ورد المثل ممكن، فلم يجز العدول إلى قيمته؛ ولأن الكساد يوجب [تغيير سعرها] (١)، وهذا المعنى لا يوجب الانتقال إلى قيمتها، كما لو رخصت، ولأن كساد الفلوس يخرجها عن كونها ثمنًا، ولا يمنع من ابتداء استقراضها، فإذا جاز أن يستقرضها بعد الكساد ابتداءً فلأن يجوز البقاء أولى.
وجه قولهما: أن الكساد يخرجها من حكم جنسها؛ بدلالة أنها كانت أثمانًا
стр. 3187
فصارت بمنزلة العروض، فتعذر الرد على الوجه الذي وقع عليه القرض، فوجب القيمة.
ثم اختلفا وقت القيمة بحسب اختلافهم فيمن غصب ما له مثلٌ من الفواكه وانقطع من أيدي الناس، قال أبو يوسف: تجب قيمته يوم غصبه، وقال محمد: آخر ما انقطع.
وهذه المسألة [تجيء] في موضعها، فإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة، والطبرية واليزيدية هما التي يغلب الغش عليها، فتجري مجرى الفلوس؛ فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس، قال: ولو أن رجلًا استقرض من رجل دراهم بخارية ببخاري، والدراهم ببخارى مختلفة، فهو جائز، وله عليه في القرض مثل ما [قبض] (١)، فإن التقيا في بلد لا يقدر على البخارية [أجله] في القرض قدر المسافة ذاهبًا وجائيًا حتى يعطيه مثلها، ويستوثق منه.
وقال في موضع آخر: إن استقرض [دراهم] بخارية فالتقيا في بلد لا ينفق فيه، فعليه قيمتها من الذهب.
قال أبو الحسن: المسألة الأولى محمولة على أنهما التقيا في بلد ينفق [مثلها] فيه ولم توجد، فأجله، وفي المسألة الأخرى: لا ينفق [فيه] فعليه قيمتها من الذهب؛ وذلك لأنها إن كانت نافقة فلم تتغير [في الذمة]، فكان عليه أن ينتظر به إمكان الأداء، وإذا لم ينفق فقد تغيرت في الذمة، فانتقل إلى قيمتها.
стр. 3188
قال: وهذا الذي ذكره من التأجيل يجب أن يكون برضا صاحب الحق، فإن لم يرض بذلك كان له القيمة؛ لأنه يلحقه ضرر بتأخر حقه بعد (١) وجوبه (٢)، فصار كالرطب إذا انقطع فكان الخيار لصاحب الحق: إن شاء أخر حقه، وإن شاء طالب بالقيمة.
وقال بشر: سمعت أبا يوسف قال في رجل استقرض من رجل ألف درهم مكحلة أو مزيفة وهي تنفق بين الناس: إني أكره ذلك، وأكره إنفاقها؛ لأنها فساد [وغش] (٣) للعامة، وعلى المستقرض مثلها، فإن نهى عنها وكسدت فعليه قيمتها من الذهب؛ وذلك لأن المكحلة والمزيفة دراهم فيها غش، ففي التصرف فيها [تدليس] (٤) على الناس، فيكره لذلك.
فإذا كسدت لزمه مثلها في القرض عند أبي حنيفة، والقيمة عند أبي يوسف ومحمد على اختلافهم في الفلوس، وقد بيّنا.
٢٣٥٦ - فَصْل: [الشراء بفلوس كاسدة]
وإذا اشترى مبيعًا بفلوس كاسدة أو بدراهم طبرية أو بخارية، أو مكحلة أو مزيفة في موضع لا ينفق، فالبيع فاسد إذا كانت بغير عينها، فإن كانت بعينها جاز؛ لأنها إذا كسدت فهي في حكم العروض، والشراء بعروض بغير عينها لا يجوز.
وأما إذا اشترى بها وهي نافقة ثم كسدت، فسد البيع في قول أبي حنيفة،
стр. 3189
فإن كان المبيع قائمًا بعينه (١) ردَّه المشتري على البائع، وإن كان مستهلكًا وجب قيمته.
وقال أبو يوسف ومحمد: على المشتري قيمة الفلوس، عند أبي يوسف يوم الشراء، وعند محمد آخر ما كانت نافقة.
لأبي حنيفة: أن الفلوس إذا كسدت صارت مبيعة بعد أن كانت ثمنًا، وشراء مبيع بغير عينه لا يجوز، ففسد العقد.
وعلى قولهما: ثبتت في الذمة، ثم تعذر تسليمها فصارت كالفاكهة إذا انقطعت من أيدي الناس.
وقد قالوا: فيمن له على رجل دراهم جياد، فأخذ منه مزيفة أو مكحلة، ورضي بذلك جاز؛ لأنه حَطَّ بعض حقه، فكأنّه أخذ ناقصًا في الوزن.
قال: وأكره أن يرضى بذلك، وأن ينفقه، وأن يشتري به وإن بيّن ذلك، وكذلك الزيوف والنبهرجة والستوقة أكره إنفاقها وإن بيّن، وإن تجاوز فيها البائع والمقتضي من قِبَل أن في إنفاقها ضررًا على العوام، وما كان ضرره عامًا فهو مكروه وليس يصلحه تراضي هذين الحاضرين، من قِبَلِ ما يتحرز به من الدُّلْسة (٢) على الجاهل به، ومن الفاجر الذي لا يتحرج.
قال أبو يوسف: وكل شيء من ذلك لا يجوز بين الناس، فإنه ينبغي أن يقطع ويعاقب صاحبه إذا أنفقه وهو يعرفه. والله أعلم.
стр. 3190
بَاب الصرف في دار الحرب
قال أبو الحسن: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو كان أسيرًا (١) في أيديهم، أو رجل [أسلم] من أهل دار الحرب في دار الحرب وهو مقيم فيها، فباعٍ أحد مما ذكرنا من أهل الحرب درهمًا بدرهمين أو دينارًا بدينارين وكان ذلك نقدًا أو نسيئة، فإن البيع جائز عند أبي حنيفة ومحمد، وكذلك الذمي يدخل إليهم بأمان (٢).
وقال أبو يوسف: لا يجوز للمسلم في دار الحرب إلا ما يجوز في دار الإسلام.
وجه قولهما: ما روى مكحول أن النبي ﷺ قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" (٣)، والمرسل عندنا من الثقة كالمتصل في جواز الاحتجاج به، وروي أن النبي ﷺ خطب بمكة فقال: "كل مأثرة ودم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي، وأول دم أضعه دم الحارث بن عبد المطلب، وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" (٤)، وكان العباس مسلمًا أربى بمكة، فأبطل النبي ﷺ من ذلك