← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

بَاب استقراض الفلوس والدراهم المحمول عليهما مثل البخارية والطبرية واليزيدية وغير ذلك قال أبو الحسن: وإذا استقرض الرجل من الرجل دراهم بخارية أو طبرية أو يزيدية، أو فلوسًا في الحال التي تتفق فيها، ثم كسدت، فإن بشر ابن الوليد قال: سمعت أبا يوسف قال: عليه في قياس قول أبي حنيفة مثلها، ولست أروي ذلك عنه، ولكني أرويه في الفلوس إذا أقرضها ثم كسدت. قال أبو الحسن: لم يختلف عن أبي حنيفة في قرض الفلوس إذا كسدت أن عليه مثلها، قال بشر وقال أبو يوسف: عليه [قيمتها من الذهب يوم وقع القرض في الدراهم التي ذكرت لك أمثالها. وقال محمد: عليه] قيمتها إذا كسدت في آخر وقت نفاقها قبل أن تكسد. لأبي حنيفة: أن القرض يقتضي ضمان المقرض بمثله، ورد المثل ممكن، فلم يجز العدول إلى قيمته؛ ولأن الكساد يوجب [تغيير سعرها] (١)، وهذا المعنى لا يوجب الانتقال إلى قيمتها، كما لو رخصت، ولأن كساد الفلوس يخرجها عن كونها ثمنًا، ولا يمنع من ابتداء استقراضها، فإذا جاز أن يستقرضها بعد الكساد ابتداءً فلأن يجوز البقاء أولى. وجه قولهما: أن الكساد يخرجها من حكم جنسها؛ بدلالة أنها كانت أثمانًا

стр. 3187

فصارت بمنزلة العروض، فتعذر الرد على الوجه الذي وقع عليه القرض، فوجب القيمة. ثم اختلفا وقت القيمة بحسب اختلافهم فيمن غصب ما له مثلٌ من الفواكه وانقطع من أيدي الناس، قال أبو يوسف: تجب قيمته يوم غصبه، وقال محمد: آخر ما انقطع. وهذه المسألة [تجيء] في موضعها، فإذا ثبت من قول أبي حنيفة في قرض الفلوس ما ذكرنا فالدراهم البخارية فلوس على صفة مخصوصة، والطبرية واليزيدية هما التي يغلب الغش عليها، فتجري مجرى الفلوس؛ فلذلك قاسها أبو يوسف على الفلوس، قال: ولو أن رجلًا استقرض من رجل دراهم بخارية ببخاري، والدراهم ببخارى مختلفة، فهو جائز، وله عليه في القرض مثل ما [قبض] (١)، فإن التقيا في بلد لا يقدر على البخارية [أجله] في القرض قدر المسافة ذاهبًا وجائيًا حتى يعطيه مثلها، ويستوثق منه. وقال في موضع آخر: إن استقرض [دراهم] بخارية فالتقيا في بلد لا ينفق فيه، فعليه قيمتها من الذهب. قال أبو الحسن: المسألة الأولى محمولة على أنهما التقيا في بلد ينفق [مثلها] فيه ولم توجد، فأجله، وفي المسألة الأخرى: لا ينفق [فيه] فعليه قيمتها من الذهب؛ وذلك لأنها إن كانت نافقة فلم تتغير [في الذمة]، فكان عليه أن ينتظر به إمكان الأداء، وإذا لم ينفق فقد تغيرت في الذمة، فانتقل إلى قيمتها.

стр. 3188

قال: وهذا الذي ذكره من التأجيل يجب أن يكون برضا صاحب الحق، فإن لم يرض بذلك كان له القيمة؛ لأنه يلحقه ضرر بتأخر حقه بعد (١) وجوبه (٢)، فصار كالرطب إذا انقطع فكان الخيار لصاحب الحق: إن شاء أخر حقه، وإن شاء طالب بالقيمة. وقال بشر: سمعت أبا يوسف قال في رجل استقرض من رجل ألف درهم مكحلة أو مزيفة وهي تنفق بين الناس: إني أكره ذلك، وأكره إنفاقها؛ لأنها فساد [وغش] (٣) للعامة، وعلى المستقرض مثلها، فإن نهى عنها وكسدت فعليه قيمتها من الذهب؛ وذلك لأن المكحلة والمزيفة دراهم فيها غش، ففي التصرف فيها [تدليس] (٤) على الناس، فيكره لذلك. فإذا كسدت لزمه مثلها في القرض عند أبي حنيفة، والقيمة عند أبي يوسف ومحمد على اختلافهم في الفلوس، وقد بيّنا. ٢٣٥٦ - فَصْل: [الشراء بفلوس كاسدة] وإذا اشترى مبيعًا بفلوس كاسدة أو بدراهم طبرية أو بخارية، أو مكحلة أو مزيفة في موضع لا ينفق، فالبيع فاسد إذا كانت بغير عينها، فإن كانت بعينها جاز؛ لأنها إذا كسدت فهي في حكم العروض، والشراء بعروض بغير عينها لا يجوز. وأما إذا اشترى بها وهي نافقة ثم كسدت، فسد البيع في قول أبي حنيفة،

стр. 3189

فإن كان المبيع قائمًا بعينه (١) ردَّه المشتري على البائع، وإن كان مستهلكًا وجب قيمته. وقال أبو يوسف ومحمد: على المشتري قيمة الفلوس، عند أبي يوسف يوم الشراء، وعند محمد آخر ما كانت نافقة. لأبي حنيفة: أن الفلوس إذا كسدت صارت مبيعة بعد أن كانت ثمنًا، وشراء مبيع بغير عينه لا يجوز، ففسد العقد. وعلى قولهما: ثبتت في الذمة، ثم تعذر تسليمها فصارت كالفاكهة إذا انقطعت من أيدي الناس. وقد قالوا: فيمن له على رجل دراهم جياد، فأخذ منه مزيفة أو مكحلة، ورضي بذلك جاز؛ لأنه حَطَّ بعض حقه، فكأنّه أخذ ناقصًا في الوزن. قال: وأكره أن يرضى بذلك، وأن ينفقه، وأن يشتري به وإن بيّن ذلك، وكذلك الزيوف والنبهرجة والستوقة أكره إنفاقها وإن بيّن، وإن تجاوز فيها البائع والمقتضي من قِبَل أن في إنفاقها ضررًا على العوام، وما كان ضرره عامًا فهو مكروه وليس يصلحه تراضي هذين الحاضرين، من قِبَلِ ما يتحرز به من الدُّلْسة (٢) على الجاهل به، ومن الفاجر الذي لا يتحرج. قال أبو يوسف: وكل شيء من ذلك لا يجوز بين الناس، فإنه ينبغي أن يقطع ويعاقب صاحبه إذا أنفقه وهو يعرفه. والله أعلم.

стр. 3190

بَاب الصرف في دار الحرب قال أبو الحسن: وإذا دخل المسلم دار الحرب بأمان، أو كان أسيرًا (١) في أيديهم، أو رجل [أسلم] من أهل دار الحرب في دار الحرب وهو مقيم فيها، فباعٍ أحد مما ذكرنا من أهل الحرب درهمًا بدرهمين أو دينارًا بدينارين وكان ذلك نقدًا أو نسيئة، فإن البيع جائز عند أبي حنيفة ومحمد، وكذلك الذمي يدخل إليهم بأمان (٢). وقال أبو يوسف: لا يجوز للمسلم في دار الحرب إلا ما يجوز في دار الإسلام. وجه قولهما: ما روى مكحول أن النبي ﷺ قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" (٣)، والمرسل عندنا من الثقة كالمتصل في جواز الاحتجاج به، وروي أن النبي ﷺ خطب بمكة فقال: "كل مأثرة ودم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي، وأول دم أضعه دم الحارث بن عبد المطلب، وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" (٤)، وكان العباس مسلمًا أربى بمكة، فأبطل النبي ﷺ من ذلك

стр. 3191

ما لم يقبض ولم يتعرض لما قبض، فدَلَّ على أن الربا بين المسلم والحربي في دار الحرب جائز؛ ولأن مال الحربي على أصل الإباحة؛ بدلالة أن من أتلفه لم يلزمه الضمان، ومن أخذه مَلَكَه، وإنما منع المسلم من أخذه لما فيه من خفر الأمان، فإذا عاقدهم فقد تراضوا، فزال خفر الأمان، وصار أخذًا لمالهم على حكم الإباحة، فكأنه أخذه بغير عقد. وعلى هذا قالوا: إذا أعطى المسلم درهمين بدرهم جاز؛ لأنّ التمليك (١) لما لم يتعلق بالبيع صار كأنه وهب للحربي درهمين، فوهب له الحربي درهمًا. لأبي يوسف: أنه عَقْدٌ لا يجوز بين المسلمين، فلا يجوز بين المسلم والحربي، كما لو كانا في [دار الإسلام] (٢). وهذا ليس بصحيح؛ لأن الحربي إذا دخل إلينا بأمان صار ماله محظورًا، فما يؤخذ منه إنما يؤخذ بحكم العقد، فلا يجوز فيه التفاضل. ٢٣٥٧ - فَصْل: [معاملة المسلم مع المسلم الحربي بالربا] وأمّا إذا أسلم الحربي ولم يخرج إلى دار الإسلام حتى بايعه المسلم درهمًا بدرهمين جاز عند أبي حنيفة، [وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وهذا فرع على اختلافهم في حكم ماله، فعند أبي حنيفة]: أنه على أصل

стр. 3192

الإباحة ما لم يحرزه بدار الإسلام، ولو أتلفه متلف لم يجب عليه الضمان كالحربي. وعلى قولهما: ماله محظور بالإسلام، ولو أتلفه متلف وجب عليه ضمانه، فصار [كالمسلم] التاجر إذا دخل إلى دار الحرب. قال: ولو دخل رجلان من المسلمين بأمان إلى دار الحرب، فباع أحدهما من صاحبه شيئًا (١) من ذلك لم يجز؛ (لأن مالهما محظور، وإذا دخل دار الحرب فما) (٢) يأخذه أحدهما من الآخر إنما يأخذه بحكم العقد، ولا يجوز إلا كما يجوز في دار الإسلام. قال: وإن أسلم أهل الحرب أو أسلم الحربي الذي بايع المسلم وخرج إلى دار الإسلام، فما كان من ربا مقبوض، أو بيع فاسد مقبوض من خمر أو خنزير أو ميتة باعه المسلم ذلك وأخذ أموالهم، فذلك جائز ما مضى، وما كان غير مقبوض بطل البيع فيه. وكذلك إن صار أهل الدار ذمة للمسلمين، جاز فيما قبض، ولم يجز فيما لم يقبض. والأصل في ذلك: (أن تحريم الربا لما نزل أجاز النبي ﵊ منه ما قبض، وأبطل ما لم يقبض)، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. قال ابن جُريج: كانت ثقيف قد صالحت النبي ﵊ على أن ما لهم من الربا

стр. 3193

على الناس فهو لهم، وما كان للناس من ربا عليهم فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتّاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، [وكانت بنو المغيرة] يُربون لهم في الجاهلية، [فجاء الإسلام] ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون برباهم، فأبوا بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عَتّاب بن أُسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨٨]، [فكتب بها النبي ﷺ إلى عتَّاب بن أُسيد وقال: "إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب" (١)]. قال ابن جريج: قال ابن عباس: (فأذنوا بحرب): فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله (٢). قال: وأهل الذمة في مبايعة أهل الحرب وأهل الإسلام في ذلك سواء؛ لأن الذمي من أهل دار الإسلام، فهو مأخوذ بأحكامهم إلا ما خصَّه الدليل (٣). قال: وما بطل من بيوع المسلمين بطل من بيوع أهل الذمة غير خصلتين: بيع الخمر والخنزير، فإن بيع أهل الذمة ذلك بعضهم من بعض جائز، كما يجوز [ذلك] في دار الإسلام؛ وذلك لأن التصرف في الخمر والخنزير استثني لهم بعقد الأمان، وما سواه حكمهم وحكم المسلمين فيه سواء. وقد روي أن النبي ﵇ كتب إلى مجوس هجر: "إما أن تذروا الربا أو تأذنوا

стр. 3194

بحرب من الله ورسوله" (١)، فَدلّ على أن الذمي في تحريم الربا كالمسلم؛ [لما أمرهم بترك الربا]. قال : ومن هذا النوع بيع المولى من عبده إذا لم يكن عليه دين درهما بدرهمين جائز؛ وذلك لأنه ماله بعضه ببعض، فلا يكون ما يأخذه بحكم العقد، فلا يمنع منه، وإن كان على العبد دين لم يجز أن يأخذ منه درهمين بدرهم؛ [لأن حق الغرماء متعلق بماله، فكأنّه أخذ درهمًا بغير عوض، وإن أعطاه درهمين بدرهم] لم يجز [أيضا]؛ لأنه ليس بعقد في الحقيقة (٢)، فصار كأنه وهب لعبده درهمين وأخذ منه درهمًا، فلا يجوز ذلك لحق الغرماء. فأما بيع المولى من مكاتبه فلا يجوز درهمًا بدرهمين؛ لأن المكاتب أحق باكتسابه من المولى، فصار كالأجنبي. وقالوا في المتفاوضين: إذا باع أحدهما من الآخر درهمًا بدرهمين جاز؛ لأن ما يشتريه كل واحد منهما يشتريه للشركة، فكأنه باع المال بعضه ببعض. وكذلك شريك العنان إذا باع أحدهما من الآخر درهمًا بدرهمين من مال الشركة، فإن كان من غير مال الشركة لم يجز؛ لأنهما في غير مال الشركة كالأجنبيين، [فلا يجوز ذلك]. والله أعلم.

стр. 3195

بَاب الوكالة في الصرف وما في معناه قال أبو الحسن: فإذا وكل رجل رجلًا بصرف بيع أو شراءٍ، فإنه لا يجوز ذلك للوكيل إلا ما يجوز له لو كان مشتريًا لنفسه في جميع ما ذكرت لك من وجوه الصرف، مما يجوز به الصرف وما يبطل؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالوكيل عندنا، فكأنه عقد لنفسه. قال: وكذلك الحاكم يفعل ذلك ليقيم (١) أو يُوَكِّل من يفعل ذلك له، وكذلك أمين القاضي في تركة الميت؛ وذلك لأن حقوق العقد تتعلق بالحاكم وبأمينه، إلا أن الضمان لا يلزمهم، فصاروا في تعلق الحق كالوكيل. وكذلك الأب يبيع لابنه من أجنبي أو يشتري له، وكذلك الوصي؛ لأن الحقوق تتعلق بهما، وكذلك إذا اشترى الأب من مال ابنه لنفسه، فإنه يجوز من ذلك ما يجوز بين الأجنبيين؛ لأنه لا يملك مال ابنه، ولا يجوز أخذه بغير عوض. وكذلك المضارب إذا باع من رب المال؛ لأن حق المضارب متعلق بمال المضاربة، فيجعل مالكه كالأجنبي. والله أعلم، [وبالله التوفيق]. [تمّ كتاب الصرف ولله الحمد والمنَّة، والصلاة والسلام على محمد وآله، يتلوه كتاب الرهن].

стр. 3196

[٥٦] كتاب الرهن قال ﵀: الرهن في الشرع عقد وثيقة بمال، وبذلك ينفصل عن الكَفَالة والحِوَالة؛ لأنهما عقد وثيقة بذمة، وينفصل عن المبيع في يد البائع؛ لأنه وثيقة (وليس بعقد على وثيقة) (١). والأصل في جواز الرهن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وروت عائشة (أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا بنسيئة ورهنه درعه) (٢)، وروت أسماء بنت يزيد أنه ﵇ (مات حين مات ودرعه مرهونة بوسق من شعير) (٣)، وروى ابن عباس وأنس قالا: (كان للنبي ﵇ درع عند يهودي، فلم يجد ما يفتكه حتى توفي) (٤). ولأن النبي ﵇ بُعثَ والناس يرهنون، فأقرَّهم على ذلك، ولا خلاف في جواز الرهن في الجملة؛ ولأنه نوع عقد، فكان فيه ما يصحُّ كسائر العقود. ٢٣٥٨ - فَصل [الرهن في السفر والحضر] قال أصحابنا: يجوز الرهن في السفر والحضر، ومن الناس من قال: لا يجوز إلّا في السفر.

стр. 3197

لنا: حديث عائشة (أنه ﵇ استقرض بالمدينة من يهودي طعامًا ورهنه درعه) (١)؛ ولأن كل عقد جاز في السفر جاز في الحضر، كعقد البيع. وقوله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فإنما خَصَّ السفر؛ لأن الغالب أن الإنسان لا يتمكن فيه من الشهود، فيستوثق بالرهن، وفي حال الحضر يتمكن من الاستيثاق بالشهود؛ فلذلك لم يذكر الرهن فيه. والله أعلم. ٢٣٥٩ - فَصل: [القبض في الرهن] ومن شرط الرهن القبض عندنا، وعند مالك: [يصح بالإ] يجاب والقبول. لنا قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فجعل القبض من صفات الرهن، وهذا يقتضي أن لا يوجد بغير (٢) هذه الصفة؛ ولأنه عقد تبرع، بدلالة أن الإنسان لا يجبر عليه، فلا يتعلق به الاستحقاق إلا بمعنى ينضم إليه كالوصية. [ولأنّ] (٣) الراهن لو مات قبل أن يقبض لم يجبر الورثة على القبض، فلو تعلق الاستحقاق بعقده لزم ورثته كالمبيع. والله أعلم. ٢٣٦٠ - فَصل: [الحيازة في الرهن] قالوا: ولا يجوز إلا مقبوضًا محوزًا منفصلًا من غيره، غير متعلق بما لم يقع عليه عقد الرهن.

стр. 3198

والكلام في الحيازة يقع في الرهن في رهن المشاع، فعندنا لا يَصِحُّ، وقال الشافعي: يَصِحُّ. لنا: أنه عقد وثيقة ليس فيه معنى التمليك، فلا ينعقد في المشاع كالكفالة بالنفس؛ ولأن يد المرتهن تصير مستحقة في الثاني بمعنى قارن العقد لحق الملك، فصار كما لو رهنه يومًا ويومًا [لا] (١). [قال: وهذه] المسألة مبنية على أن استدامة قبض الرهن من حقوق المرتهن، لا يجوز للراهن الانتفاع به ولا إجارته. [قال]: والدليل على ذلك أن المقصود منه الوثيقة؛ وذلك لا يكون إلا باستدامة القبض بدلالة [أن العادة جرت] (٢) أنهم يرهنون ويحبسون الرهن، ولأنه عقد من شرط صحته القبض، فكان استدامة القبض حقًّا للقابض كالهبة. وإذا ثبت أن استدامة القبض من حقوق المرتهن فرهن المشاع ينعقد مع تعذر الاستدامة، فلم ينعقد العقد مع مقارنة ما ينفي المقصود منه. ٢٣٦١ - فَصل: [رهن المشاع] وقد [قال أصحابنا]: أن رهن المشاع لا يجوز فيما يقسم وفيما لا يقسم؛ [وذلك] لأن الإشاعة تؤثر؛ لأنها تمنع استدامة القبض، وهذا المعنى موجود في الجميع، وفرقوا في الهبة بين ما يمكن قسمته وما لا يمكن؛ لأن المانع من هبة المشاع أن الواهب فرط في التسليم الذي تصح به الهبة؛ لأنه كان يقدر على

стр. 3199

القسمة ليسلم تسليمًا صحيحًا، وهذا المعنى لا يوجد فيما لا يقسم. وقالوا في رهن المشاع: لا يجوز من الشريك، وكذلك هبة المشاع، وجَوّز [أبو] حنيفة إجارة المشاع من الشريك في الرواية المشهورة؛ لأن المانع من الرهن عدم استدامة القبض، وهذا المعنى موجود في الرهن من الشريك؛ لأن المرتهن يمسكه يومًا رهنًا ويومًا يستخدمه، وليس برهن، والمانع من الهبة التفريط في الإقباض، وهذا موجود في الشريك، والمانع من الإجارة أن المستأجر لا يتمكن من استيفاء ما اقتضاه العقد إلا بالمهايأة، وهذا المعنى لا يوجد في الشريك. والله أعلم. ٢٣٦٢ - فَصْل [الإشاعة الطارئة في الرهن] فأمّا الإشاعة الطارئة؛ فذكر في كتاب الرهن أنها تمنع من الرهن. وصورتها: أن يوكَّل الراهنُ العدل ببيع الرهن كيف رأى مجتمعًا ومتفرقًا، فيبيع بعض العين (١)، أو يرهن قُلْبًا فيه عشرون درهمًا بعشرة دراهم، فينكسر، فيضمن المرتهن نصف القلب وهو حصة المضمون، وتبقى حصة الأمانة رهنًا، فيقطع حتى لا يكون مشاعًا. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنه رجع عن هذا وقال: الإشاعة الطارئة لا تمنع صحة الرهن، كما لا تمنع بقاء الهبة. وجه رواية الأصل: أن الإشاعة تؤثر في الابتداء؛ لأنها تمنع من استدامة قبض المرتهن، وهذا المعنى موجود في الإشاعة الطارئة، وليس كذلك الهبة؛

стр. 3200

لأن الإشاعة تمنع منها لتأثيرها في القبض، واستدامة القبض ليس بشرط. تبيّن الفرق بينهما: أن الواهب لو رجع في بعض الهبة بقيت الهبة في [الباقي] (١)، ولو تفاسخ الراهن والمرتهن بعض الرهن وأراد تبقية العقد في الباقي لم يجز. وجه رواية ابن سماعة: أن حكم البقاء أقوى من حكم الابتداء، بدلالة أن العدل يبيع الرهن، فيصير الثمن في ذمة المشتري رهنًا ولو رهنه في الابتداء [دينًا لم يجز، فكذلك لا يمتنع أن يصحَّ الرهن في المشاع في حال البقاء، وإن لم يصح في حال الابتداء]؛ ولأنه عقد من شرط صحته القبض، فالإشاعة الطارئة لا تؤثر فيه كالهبة. قال: ولا يجوز رهن ثمرة في نخل ولا كرم ولا شجر حتى يحوزه ويسلمه إلى المرتهن، ولا رهن في ذلك دون ثمرته، ولا رهنهما دون الأرض، [ولا رهن في نخل ولا شجر في أرض دون الأرض، وكذلك إن زرع أرضًا في أرض دون الأرض]، أو رهن الأرض دون الزرع. ولا يجوز رهن الأرض دون ما فيها من شجر أو نخل أو كرم؛ وذلك لأنه إذا رهن أحدهما دون الآخر فالرهن متصل بما ليس برهن [غير منفصل عنه]، فلا يجوز كرهن المشاع، وإذا رهن الأرض دون ذلك فالرهن مشغول بما ليس برهن، فلا يصح القبض فيه، فلا يصح الرهن. قال: وإن رهن النخل أو الشجر أو الكرم بمواضعه من الأرض، جاز ذلك

стр. 3201

عندهم جميعًا؛ لأنه إذا رهنه بموضعه فقد رهن بقعة محوزة بما فيها من الشجر، وإنما هي مجاورة لبقية الأرض، ومجاورة الرهن لغيره لا تمنع صحة الرهن. قال: وإن كان في ذلك ثمر دخل في الرهن، وذلك لأن العقد لا يصح على النخل دون الثمر، ودخوله في العقد لا يوجب زوال ملك الراهن عنه، وقد قصد إلى عقد صحيح، فدخل فيه ما لا يصح إلا به، وليس كذلك إذا باع النخل؛ لأن بيع النخل دون الثمرة [لا] (١) يصح، فلم يكن بنا حاجة إلى إدخال الثمرة بغير تسمية. قال: وإن رهن أرضًا فيها نخل أو شجرٌ أو كرم وقال: قد رهنتك الأرض دون النخل والشجر والكرم، فإن الحسن روى عن أبي حنيفة: أن ذلك جائز، وأما أبو يوسف ومحمد فقالا: الرهن باطل، ولم يحكيا خلافًا، والمشهور: أن الرهن باطل) (٢). ووجهه أن الرهن مشغول بما ليس برهن، فصار كرهن الأرض التي فيها متاع ذلك الراهن. وقد قال الحسن في روايته: أنه لو رهن الأرض دون البناء لم يصح؛ لأن الرهن مشغول بالبناء، وكذلك هو مشغول بالنخل والشجر. وجه رواية الحسن: أن النخل عبارة عن البذر مع مكانه، والشجر عبارة عن الخشب بموضعه، ألا أنه ترى بغير موضعه جذع وليس بنخل، فكأنه (٣) استثنى

стр. 3202

النخل بمكانه من الأرض، فيصير راهنًا لما سواه، وذلك جائز. وليس كذلك إذا استثنى البناء؛ لأنه عبارة عن الأنقاض (١) دون مكانه، فيدخل مكانه في الرهن، وهو مشغول به فلا يصح، وأما إذا رهن الأرض واستثنى النخل بمواضعه جاز في قولهم؛ لأنه رهن ما سواه، وذلك بقعة محوزه [مجاورة] لمكان النخل، فيصح فيها الرهن. قال: وإن رهن [بيتًا] (٢) من دار بعينه أو طائفة من دار جاز عندهم جميعًا؛ لأنه رهن بقعة محوزة [فجاز]. قال: وإذا قال: قد رهنتك هذه الدار، أو هذه [الأرض، أو هذه] القرية فأطلق القول إطلاقًا، ولم يخصَّ شيئًا دون شيء، دخل البناء والشجر والنخل والكرم الذي في الأرض في الرهن، وكذلك يدخل الزرع والرطبة [في الأرض] في الرهن. أما البناء والغرس فيدخل في البيع وإن لم تفتقر صحة البيع إلى دخوله، فلأن يدخل في الرهن وصحته تقف على دخوله أولى. وأما الزرع والرطبة فلا يدخلان في البيع، ويدخلان في الرهن؛ لما بيّنا في الثمرة أن الرهن لا يصح دون ذلك؛ ودخوله فيه لا يخرجه من ملك الراهن؛ فلذلك دخل تصحيحًا للعقد. قال: وإذا رهن الأرض بما فيها أو الدار ثم استحق بعض الرهن نظرت إلى

стр. 3203

ما بقي، فإن كان يجوز ابتداء الرهن عليه وحده فهو باق على الرهن بحصته من الدين، وإن كان ابتداء الرهن لا يجوز عليه يبطل الرهن كله؛ وذلك لأن الاستحقاق يعلم به أن المستحق لم يدخل في الرهن، فصار راهنًا لما بقي، فإن جاز إفراده (١) بالرهن صح رهنه، وإلا لم يصح. قال: ومن هذا النوع قال الحسن عن أبي حنيفة: إذا رهنه دارًا. والراهن والمرتهن في جوفها، فقال: قد سلمتها إليك أو دفعتها إليك رهنًا، فقال المرتهن: قد قبلت، لم تكن رهنًا حتى يخرج الراهن من الدار، فإن خرج من الدار بعد ذلك لم يتم الرهن إلا أن يقول الراهن: قد سلمتها إليك بعدما خرج منها؛ [وذلك] لأنهما إذا كانا في الدار فيد الراهن ثابتة فيها، فلم يصح تسليمه إلى المرتهن، وإذا لم يصح ذلك التسليم حتى خرج احتاج إلى تحديد تسليم آخر. قال: وإن كان في الدار متاع قليل أو كثير أو ثياب أو حبٌّ أو شيء مما ينتفع به ثم سلم الدار رهنًا، وذلك فيها لم يتم الرهن حتى [يفرغ] (٢) ذلك منها؛ لأن الدار مشغولة بما فيها، فيمنع ذلك من تسليمها. قال: ولو رهنه الدار وما فيها وخلى بينه وبينها وهو خارج منها تَمَّ الرهن؛ [وذلك] لأن ما فيها يصح رهنه، فإذا دخل في الرهن لم يمنع من صحة القبض في الدار، ولا يقال: هلا أدخلتم المتاع في الرهن وإن لم يسمّه طلبًا لتصحيح العقد كما أدخلتم الثمرة والزرع؛ وذلك لأن الثمرة والزرع في حكم البائع للنخل

стр. 3204

والأرض، ألا ترى أنه لو باعها بكل قليل أو كثير هو فيها دخل في البيع، فأما المتاع ليس من حقوقها، فلا يدخل من غير تسميته. ولو رهنه دابة عليها حمل لم يتم الرهن حتى يلقي الحمل عنها ويدفعها؛ وذلك لأنها مشغولة بالحمل، كشغل الدار بالمتاع، فإن رهنه الحمل دون الدابة ودفعها إليه بالحمل كان ذلك رهنًا تامًّا في الحمل؛ لأن الرهن ليس بمشغول بغيره ولا [هو] تابع له، فصار كرهن متاع في دار خلّى بينه وبينه. قال: فإن رهنه سَرجًا على دابة أو لجامًا على رأس الدابة أو رسنًا في رأسها، ودفع إليه الدابة بالسرج واللجام والرسن لم يكن رهنًا حتى ينزعه عن الدابة ثم يقبضه، فيتم فيه الرهن. قال: وهذا كله على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر؛ [وذلك] لأن السرج واللجام من توابع الدابة، ولا يصح إفراده عنها بالرهن كثمرة النخل؛ ولهذا قالوا: لو رهنه دابة عليها سرج ولجام ورسن وذلك للراهن دخل في الرهن؛ لأنها من توابعها، فلا يصح إفرادها بالرهن دونه. وقال ابن سماعة وعلي بن الجعد عن أبي يوسف: لو أن رجلًا رهن رجلًا صوفًا على ظهر غنم لم يجز ذلك، إلا أن يجزَّ ويقبض، وإن كان قبض الغنم والصوف على ظهرها لم يجز الرهن؛ لأنه متصل بما ليس برهن، فصار كالثمرة. قال: وإن رهنه وعاء من الأوعية وفيه متاع للراهن لم يفرغه وقبضه المرتهن بالمتاع لم يكن رهنًا، ولم يجز، وهذا كبيت رهنه وهو مملوء طعامًا للراهن.

стр. 3205

قال: ولو رهنه ما في البيت ثم خلى بينه وبينه، فإن حَوَّله (١) المرتهن فهو قبض، وإن لم يحوله (٢) فليس بقبض، وليس قبض الرهن كقبض الشراء، وقبض الهبة والصدقة مثل قبض الرهن، فلم يجعل أبو يوسف التخلية قبضًا في الرهن حتى يوجد النقل والتحويل. والمشهور عنهم خلاف ذلك؛ لأن القبض إنما حصل بحكم عقد اعتبرت فيه التخلية، كقبض المبيع. لأبي يوسف: أن الاستحقاق في الرهن لما تعلق بالقبض دون ما تقدمه اعتبر فيه النقل والتحويل كقبض الغصب. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم.

стр. 3206

بَاب جعل الرهن على يَدَيْ عَدْل [قال أبو الحسن]: قال أصحابنا جميعًا: إن وقع عقد الرهن بين رجلين على أن يجعلاه على يدي رجل عدل بينهما فذلك جائز، وهو مقبوض، وقبض المرتهن وقبض العدل بمنزلة واحدة في صحة الرهن. وقال ابن أبي ليلى: لا يصح الرهن بقبض العدل، وهو كرهن غير مقبوض. وجه قولهم: (١) أن القبض حق من حقوق المرتهن، فيملك أن يستوفيه بنفسه، ويملك أن يستوفيه بغيره كسائر حقوقه؛ ولأن يد العدل قائمة مقام يد المرتهن؛ (بدلالة أنه يملك فسخها ورد الشيء إلى الراهن، ولا يملك الراهن ذلك، فصار كأنه قبض بنفسه. وقد قالوا في المبيع إذا جعل على يد عدل أن يد العدل قائمة مقام يد البائع) (٢)، وهما يستويان في المعنى؛ لأن العدل يمسك المبيع لحق البائع حتى يستوفي الثمن، فقامت يده مقام يده، والعدل في الرهن يمسكه لحق المرتهن حتى يستوفي دينه، فقامت يده مقام يده. وقد روى ابن سماعة عن محمد: أن البائع إذا امتنع من تسلميه المبيع حتى يستوفي الثمن، فاتفقا على وضعه في يدي عدل، قامت يد العدل مقام يد البائع؛

стр. 3207

لأنه لما لم يسلم إلى المشتري لم يرض بإزالة يده عن المبيع، فإن هلك المبيع انفسخ البيع. وإن بدل التسليم إلى المشتري، فاتفقا على وضعه على يد عدل، قامت يد العدل مقام يد المشتري مثل مسألتنا، فعلى هذا لا فرق بينهما. ولا يقال: كيف يكون [يد] (١) العدل يد المرتهن، (ولو أراد أخذ الشيء من يده لم يجز؛ لأن الوصي يقبض لحق اليتيم بيده بدله) (٢)، ولو أراد اليتيم أخذ ذلك من يده لم يجز له [ذلك]. قال: وكذلك لو شرطا أن يقبضه المرتهن، ثم يجعلاه على يدي رجل آخر؛ لأن يد العدل قامت مقام يد المرتهن، فجاز أن يجعل (٣) بعد قبضه وقبل قبضه. قال: وكذلك لو جعلاه على يدي عدل في الابتداء، وجعلاه مسلطا على أن يبيعه، فذلك جائز، وللعدل أن يبيعه ويوفي المرتهن الدينَ، وليس لواحد منهما فسخ شيء من ذلك؛ لأن الإذن في البيع توكيل في البيع للعدل من الراهن، وتوكيله جائز، كما لو وكّله من غير رهن، وليس للراهن أن يفسخ هذه الوكالة إذا كانت مشروطة في العقد؛ لأنها لما شرطت فيه صارت من حقوقه، ألا ترى أن الرهن الموكل ببيعه أوثق من الرهن الذي لم يوكل ببيعه، وإذا صارت الوكالة من حقوق الرهن لم يكن للراهن إبطالها، [كما ليس له إبطال القبض] (٤).

стр. 3208

وقوله ليس لواحد منهما فسخ شيء من ذلك؛ فلأن الراهن لا يملك الفسخ لما بيّنا، والمرتهن لا يملك؛ لأن العدل وكيل بالبيع لغيره. قال: وكذلك لو مات الراهن أو مات المرتهن أو ماتا، فإن العدل على أمره في إمساك الرهن وبيعه؛ وذلك لأن الوكالة المشروطة في الرهن من حقوقه، فلا تبطل بموت الراهن كالقبض، ولا تبطل بموت المرتهن؛ لأنه ليس بموكل، وليس هذا كالوكالة المبتدأة بعد الرهن؛ لأنها لما لم تشترط فيه لم تكن من حقوقه، فجاز للموكل العزل عنها. وهذا كما قالوا في الوكيل بالخصومة: أن المدعي إذا طالب خصمه عند القاضي بوكيل يقيمه، فنصب له وكيلًا لم يجز للموكل عزله؛ لأن حق الخصم تعلق بهذه الوكالة، حتى تثبت بمطالبته، فلو كان وكَّله ابتداءً بالخصومة من غير مطالبة جاز له عزله حين لم يتعلق بالوكالة حق الخصم. قال: ولو مات العدل بطل ما جعل إليه من ذلك، ولم يقم وارثه مقامه في ذلك ولا وصيه؛ لأن العدل وكيل بالبيع والإمساك، والوكالة لا تورث؛ ولأن الموكل رضي [برأيه] (١) ولم يرض بوارثه ولا بوصيه. قال: ولو جعلاه على يدي عدل وسلّطا رجلًا آخر على بيعه وتسليم ثمنه إلى المرتهن جاز ذلك؛ لأن الإمساك والبيع كل واحد منهما ينفرد عن الآخر، فجاز أن يتولاهما واحد، وأن يتولاهما اثنان. قال: وكذلك لو كان الرهن في يد المرتهن وسَلَّطه الراهن على بيعه، وذلك

стр. 3209

شرط في عقد الرهن، فذلك جائز، وليس لواحد منهما فسخ شيء من ذلك، وهذا مثل الوجه الأول، وقال الشافعي: لا يجوز توكيل المرتهن بالبيع. لنا: أن ما جاز أن يشرط للعدل جاز للمرتهن كالإمساك؛ ولأن الموكل المرتهن موكل باستيفاء الدين من ثمن الرهن، وذلك جائز، كما لو قال له: بع هذا الثوب - وليس برهن - فاستوف دينك من ثمنه. قال: وإن لم يشرط البيع في عقد الرهن، وجعل الراهن للمرتهن البيع أو العدل بعد ذلك فكلّ واحد منهما [وكيل للراهن] (١)، فللراهن أن يفسخ الوكالة، وكذلك إن مات بطلت الوكالة. وروي عن أبي يوسف أنه قال في الوكالة الطارئة على عقد الرهن: إنها كالمشروطة في العقد. وجه قولهم المشهور: أن هذه الوكالة لما انفردت عن العقد صارت وكالة مبتدأة، فجاز [العزل] (٢) عنها. ولأبي يوسف: أنهما ألحقاها بالعقد [والملحق بالعقد] يصير كالموجود فيه. قال: وليس لواحد من هؤلاء، ولا للمرتهن أن يتصرف في الرهن بشيء غير الإمساك: لا بيع ولا يؤاجر، ولا يعير، ولا يستخدم، ولا يخرجه عن يده إلى [يد] غيره، وهو بمنزلة الوديعة في يده، فما لا يجوز له في الوديعة من

стр. 3210

التصرف فإنه لا يجوز له في الرهن، وما جاز في الوديعة جاز في الرهن، وله أن يسلم الرهن إلى زوجته وخادمه ومن في عياله من ولده وأُجَرائه الذين يتصرفون في ماله؛ وذلك لأن المرتهن والعدل يمسكان الرهن [بإذن] (١) الراهن، وهو إنما أذن في الإمساك للتوثق، ولم يأذن في الاستعمال (٢) ولا في الإجارة، فلم يجز ما لم يأذن فيه، كما لا يجوز للمودع (٣). فأما الحفظ ممن في عِياله فلأنه مأمور بالحفظ، وهو يحفظ هؤلاء، ألا ترى أنهم إذا كانوا في عِياله، صار [ذلك] الشيء في أيديهم وإن لم يسلمه إليهم. قال: وإذا قبض المرتهن الرهن أو العدل، ولم يكن [شرط] في الرهن تسليط آخر على بيعه، ثم وَكّل الراهن ببيعه رجلًا بعد وقوع عقد الرهن، أو سَلّط على ذلك المرتهن أو العدل، فهو وكيل للراهن، وله أن يخرجه عن ذلك وينهاه عنه. وإن مات الراهن بطل ما جعله الراهن إلى الوكيل من ذلك؛ [وذلك] لما قدمنا أن الوكالة إذا لم تشترط في الرهن جاز للموكل العزل عنها، وإذا بطلت بالعزل بطلت بالموت. قال: وإن باع العدل الرهن فقد خرج من الرهن، وصار الثمن هو الرهن، كان الثمن مقبوضًا أو غير مقبوض، فإن توى على المشتري أو بعد أن قبضه العدل توى من مال المرتهن؛ وذلك لأنه لما باعه انتقل الملك فيه إلى المشتري،

стр. 3211

واستحال أن يبقى رهنًا بعد صحة انتقال الملك فيه، وإنما صار الثمن رهنًا؛ لأنه قام مقام الرهن، فتعلق به من الحكم ما تعلق به، وليس يمتنع أن يكون رهنًا وإن لم يقبض؛ لأنه قام مقام ما قبض، فزوال القبض فيه لا يخرجه عن كونه رهنًا، كما لو استعار الراهن الرهن. وأمّا قوله (إن الثمن إذا توى كان من مال المرتهن)؛ فلأنه قام مقام الرهن، فصار هلاكه [كهلاك الرهن، فيكون من ضمان المرتهن]. ولا يقال: كيف يكون مضمونًا عليه وليس في قبضه، وهلّا كان كهلاك الرهن في يد الراهن، أو في يد المستعير من الراهن؛ وذلك لأن الدين يثبت في ذمة المشتري لحق المرتهن، فصار كونه في ذمة المشتري لكونه في يد المرتهن أو في يد المودَع، وكذلك إن قتل الرهن فغرم القاتل قيمته أو قتله عبد فدفع به، فقد صار ما دفع عن العبد [رهنًا]؛ لأنه قام مقامه فتعلق به من الحق ما تعلق [بالأصل] (١). قال: فإن قبض العدل الرهن وهو مسلَّط على البيع، فباع وقبض الثمن وسَلَّمه إلى المرتهن، ثم استحق العبد أو رُدَّ بعيب بقضاء قاضٍ، فللمشتري أن يرجع على العدل بالثمن، والعدل إذا رجع عليه بالخيار: إن شاء رجع على المرتهن وعاد الدين على الراهن، وإن شاء عاد على الراهن، وكان ما قبض المرتهن منه بدينه، قال ذلك أبو يوسف، إنه مخيّر في العيب والاستحقاق. وأما الرجوع [عليه إن شاء رجع] على العدل؛ فلأن ذلك من حقوق العقد، وهي عندنا متعلقة بالعاقد، فإن كان العدل قبض الثمن وسَلَّمه إلى المرتهن فهو

стр. 3212

بالخيار: إن شاء رجع على المرتهن، وإن شاء [رجع] على الراهن، أما المرتهن؛ فلأنَّه سَلَّم إليه مالًا حقه يتعلق به، ألا ترى أنه لو لم يسلم إليه تخلص من المطالبة بدفعه إلى المشتري، فصار المرتهن من هذا الوجه كالراهن، وكغاصب الغاصب، إلَّا أنه لا عليه (إلا بمقدار ما أعطاه؛ لأن الرجوع إنما يثبت لأجل قبضه، فلو لم يقبض لم يرجع عليه) (١)، فإذا قبض لزمه مقدار المقبوض. وأما الرجوع على الراهن فلأن البيع وقع لحقه وبأمره؛ ولأنه أدخل العدل في هذا الضمان، فكان عليه خلاصه، فإن رجع على المرتهن عاد دينه على الراهن؛ لأن القضاء انفسخ وصار كأن لم يكن، وإن رجع على الراهن صَحَّ قبض المرتهن؛ لأن المقبوض سلم له، فكأنَّ الاستحقاق في حقه لم يكن، فأما إذا لم يسلم العدل الثمن إلى المرتهن، فلا رجوع له عليه؛ لأن البيع وقع على ملك الراهن وبأمره، فالرجوع عليه، وإنما يثبت له الرجوع على المرتهن لأجل قبضه الثمن، فإذا لم يقبض بقي الضمان على الموكل. قال: وإن كان الراهن سَلَّط العدل على بيع الرهن بعد عقد الرهن على غير شرط، كان في عقد الرهن، فهو وكيل الراهن خاصة، وما لزم العدل بالبيع رجع به على الراهن خاصة قبض المرتهن الثمن أولم يقبض؛ وذلك لأن التوكيل بعد العقد إنما يقع لحق الراهن خاصة دون حق المرتهن، ألا ترى أن المرتهن لا يملك مطالبة هذا الوكيل بالبيع، ولا يمنع الراهن عن عزله، وإذا أوقعت الوكالة خاصة لحق الراهن لم يثبت [له] الرجوع على غيره، وصار كمن وكَّل رجلًا ببيع شيء وأن يقضي بثمنه [دينًا له]، ففعل، ثم لزمه ضمان، لم يرجع به على

стр. 3213

[المقضي له] (١). وليس كذلك الوكالة المشروطة في [الرهن] (٢)؛ لأنها لحق المرتهن؛ بدلالة أنه يملك المطالبة بالبيع، ويمنع الراهن من العزل، فإذا وقع البيع لحقه وسلَّم له عوضه، جاز أن يلزمه الضمان. وقد قالوا: إن العدل إذا قبض الثمن فهلك في يده كان من ضمان المرتهن؛ لأنه بدل عن الرهن، فصار هلاكه كهلاك الرهن، وإذا أقر العدل أنه قبض الثمن وسلمه إلى المرتهن فأنكر المرتهن، فالقول قول العدل، وقد بطل دين المرتهن فيما قبض؛ وذلك لأن العدل أمين فيما في يده، والقول قول الأمين في براءة نفسه، ولا يقبل قوله في إيجاب الضمان على غيره، فلا يصدق في تسليمه [الدين] (٣) إلى المرتهن، ويصير كأن الثمن هلك في يده فيسقط الدين من طريق الحكم. وقد قالوا: إن الرهن إذا كان نخلًا أو شجرًا أو حيوانًا فما حدث من ذلك من ثمرة أو ولد أو لبن وكل ما يكون من نفس الرهن مما يكون رهنًا مع ما نما منه، فإن للعدل أن يبيعه مع الرهن، وحكمه في ذلك حكمه، وكذلك ما قام مقام الرهن من عبد قتله فدفع به، أو فقأ عينه فدفع بها؛ وذلك لأن الوكالة إذا شرطت في العقد فهي من حقوقه، فتعلقت بالنماء والبدل كما يتعلق الإمساك بذلك. وقد قالوا في الراهن إذا كان هو العدل في الرهن: فإن كان الرهن لم

стр. 3214

يقبض (١) من يده فليس برهن، وإن كان المرتهن قبضه وجعل الراهن مسلطًا على بيعه فهو رهن، وبيع الراهن منه جائز؛ [وذلك] لأن تمام الرهن يتعلق بالقبض، فإذا لم يقبض لم يصح الرهن. وأما إذا قبض ثم جعل الراهن مسلطًا على البيع جاز؛ لأن الراهن يملك بيع ملك نفسه، وإنما منع منه لحق المرتهن، فشرط المرتهن يؤثر في إسقاط حقه من البيع (٢)، وبيع الراهن لحق الملك لا بالتسليط. وقد قالوا فيمن رهن رهنًا وسلّط عدلًا على بيعه عند محل الدين، فلم يقبض الرهن حتى حل الدين، فالرهن باطل، وبيع العدل جائز؛ لأن تمام الرهن موقوف على القبض، ولم يوجد، والوكالة تنفرد عن الرهن، فجاز البيع وإن لم يصح الرهن. وكذلك قالوا فيمن رهن سهمًا (٣) مشاعًا وسلط العدل على بيعه: فالرهن باطل، والوكالة صحيحة؛ لأن الوكالة تنفرد عن الرهن، فبطلان الرهن لا يوجب بطلانها. وقد قالوا: إذا جعل عدلًا في الإمساك والحفظ وعدلًا آخر في البيع فهو جائز؛ وذلك لأن الوكالة بكل واحد من الأمرين تنفرد عن الآخر، فجاز أن يتولاهما اثنان، ولا يملك الراهن عن العدل؛ لأن وكالته مشروطة في العقد، وكذلك إن مات الراهن لم ينعزل.

стр. 3215

وقد قالوا في المرتهن إذا طالب الراهن بحقه فقال الراهن للعدل: بع الرهن وأوفه حقه، فقال المرتهن: لا أريد البيع، وإنما أريد حقي، [فله] ذلك؛ [لأن البيع إخراج العين من الرهن، ونقل حق المرتهن إلى العوض، فله أن يمتنع من ذلك]. وإن طالب المرتهن العدل بالبيع، فقال له الراهن: لا تبع، فأبى العدل أن يبيع، (حبس) (١) حتى يبيع؛ لأن البيع ثبت لحق المرتهن، وقد طالب بحقه، والراهن لا يملك العزل، فنهيه لا يتعلق به حكم. وأما العدل فلما قبل الوكالة المشروطة في الرهن، وجب عليه البيع، فلم يجز له الامتناع منه لتعلق حق الغير به. وقال محمد في الزيادات: إن للعدل أن يبيع بالنقد والنسيئة؛ لأن عموم الأمر بالبيع يقتضي الأمرين، إلا أن يكون الراهن نهاه عند عقد الرهن أن يبيع بنسيئة؛ لأنه حين وكَّله [حينئذٍ] وكالة خاصة، وإن كان أطلق الوكالة، ثم قال له بعد ذلك: لا تبعه بالنسيئة، فبيعه بالنسيئة جائز؛ لأن إطلاق الأمر اقتضى جواز البيع بالنسيئة، وهو لا يملك تغيير ما اقتضته الوكالة. وقد قال الحسن: لو رهنه رهنًا وسلطه على بيعه، ولم يقل عند محل المال، ولم يوقت له وقتًا، كان له أن يبيع الرهن متى شاء، قبل أن يحل المال وبعده؛ لأنه أطلق الأمر بالبيع، ولم يخصه بزمان [دون زمان]، فإن باع قبل أن يحل الدين كان ثمن الرهن رهنًا مكانه حتى يحل المال فيقضيه؛ لأنّ الثمن قام مقام الرهن، والمرتهن لا يملك الاستيفاء، فصار الثمن رهنًا.

стр. 3216

وقال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: في رجل رهن رهنًا من عند تاجر على أن وضعه على يدي سيده، لم يجز الرهن إن كان على العبد دين أولم يكن، ولو أن المولى هو الذي رهن الرهن بدين عليه، فوضع الرهن على يدي عبده جاز ذلك؛ [وذلك] لأن المولى لا يجوز أن يكون وكيلًا للأجنبي في استيفاء الدين من عبده، كما لا يجوز أن يكون وكيلًا باستيفائه من نفسه وقبض العدل للاستيفاء، ويجوز أن يكون العبد وكيلًا للأجنبي باستيفاء الدين من مولاه؛ لأنه لا يملك مال المولى، فجاز أن يكون قابضًا للرهن الذي يتعلق بقبضه الاستيفاء. وقد ذكر هذه المسألة ابن سماعة في نوادر محمد عن أبي حنيفة مثله، وقال أبو يوسف: لو أن مكاتبًا ارتهن أو رهن [فجعل الرهن] على يدي مولاه، أو على يدي المكاتب، فإن ذلك يجوز للمكاتب إذا ارتهن أن يجعله على يدي مولاه، وكذلك إذا رهن المولى على أن يكون في يد المكاتب [جاز]؛ لأن كل واحد منهما لا يملك ما في يد الآخر كالأجنبيين. قال: ولو كان للراهن مفاوضًا فجعل الرهن على يدي شريكه المفاوض، فإنه لا يكون رهنًا، ولا يكون هذا مقبوضًا؛ لأن يد كل واحد من المتفاوضين كيد الآخر، فكأنَّ الراهن لم يخرج الرهن من يده. قال: وكذلك شريك العنان في التجارة [إذا رهن] بدين فيها؛ لأن تصرف كل واحد منهما في تجارتهما يقع للآخر، فأما إن كان من غير التجارة فهو جائز في المفاوضين وشريكي العنان؛ [وذلك] لأن كل واحد منهما فيما لا يدخل في الشركة كالأجنبيين. ولو رهن المضارب رهنًا في المضاربة بدين فيها، فوضعه على يدي رب

стр. 3217

المال لم يكن رهنًا، سواء رضي بذلك رب المال أو لم يرض؛ [وذلك] لأن مال المضاربة ملكه، ويد المضارب فيها كيده، فكأنّه لم يخرج من يد [الراهن]؛ ولذلك لو كان رب المال هو الراهن بعض متاع المضاربة بدين فيها على أن وضع الرهن على يد المضارب، فإنه لا يكون رهنًا؛ لأن تصرف رب المال في مال المضاربة برضى المضارب يقع للمضارب، فكأَنه هو [الذي] رهن. قال: وكذلك رجل اشترى لابن له صغير شيئًا، ورهن رهنًا ووضعه على يد نفسه، فإن الشراء جائز والرهن باطل؛ لأن حقوق المداينة تتعلق [بالآمر] (١)، فإذا رهن وبقي الرهن في يده لم يوجد ذلك القبض. قال: وكذلك الكفيل بالمال يرهن رهنًا ويضعه على يدي المكفول عنه، أو يرهن المكفول عنه فيضعه على يدي الكفيل، فهذا كله باطل لا يكون رهنًا؛ [وذلك] لأن كل واحد من الكفيل والمكفول عنه لا يجوز أن يكون وكيلًا في قبض الدين من الآخر، فلم يجز أن يكون عدلًا في الرهن. وقال أبو يوسف في الجوامع: إذا مات العدل لم يبطل الرهن، ويوضع على يد عدل آخر عن تراض منهما، فإن وقع [فيه] اختلاف وضعه القاضي على يدي عدل بينهما؛ لأن موت العدل كموت المرتهن، وذلك لا يبطل الرهن، إلّا أن الراهن لم يرض بيد المرتهن ولا بيد ورثة العدل، فإن اتفقا على عدل آخر صار الرضا به كالرضا في الابتداء. وإن اختلفا فقد امتنع من حق عليه، وامتنع المرتهن عن الرضا عمن يدَّعي الراهن أنه رضي به، فقام القاضي مقامهما؛ [وذلك] لأنه يملك أن يلزم الراهن

стр. 3218

فعل ما عليه من نصب العدل، ويملك [تغيير] (١) العدل للمرتهن إذا أبى المرتهن الرضا بمن يجوز الرضا به. قال: وليس لهذا العدل الثاني أن يبيع؛ لأن الراهن لم يوكله بالبيع، وإنما وكل الأول. قال أبو حنيفة: إلا أن يموت الراهن؛ لأنه إذا مات وُلّي القاضي عليه في قضاء ديونه. قال أبو يوسف: أحسن ذلك عندي أن يأمر القاضي - إذا أعذر - في الرفق بالأمر وتأنٍّ فإنه يبيعه كما يبيع عبدًا له آخر ليس برهن، هذا أحسن ما سمعنا في ذلك، وإنما يعني أنه يتأنّى بالراهن حتى يقضي دينه، فإن امتنع ولي عليه في بيع هذا العبد كما [يلي] عليه عند أبي يوسف في بيع أمواله. ٢٣٦٣ - فَصل: في اختلاف العدل والراهن والمرتهن فيما بيع به الرهن قال أصحابنا: إذا باع العدل الرهن وأقر الراهن والمرتهن بالبيع، فقال الراهن: بعته بمائة درهم والدين مائة، وقال المرتهن: بعته بخمسين أعطيتنيها، وصدق العدل الراهن، فإن القول قول المرتهن مع يمينه؛ وذلك لأن الرهن خرج من الضمان بالبيع وانتقل الضمان إلى البدل، فإذا اختلفا في مقدار ما انتقل إليه [من] الضمان، كان القول قول المرتهن كما لو هلك الرهن واختلفا في قيمته. ولو قامت لهم بينة كانت البينة بينة الراهن والعدل؛ وذلك لأنها تثبت زيادة ضمان بنفيه بينة المرتهن.

стр. 3219

ولو لم يقر الراهن بالبيع وقال: مات الرهن في يدي العدل، كان القول قول الراهن إذا كان قيمة الرهن والدين سواء يوم قبض الرهن؛ [وذلك] لأن الرهن مضمون بالقبض، فإذا ادَّعى العدل والمرتهن خروجه من الضمان، وانتقال ذلك إلى غيره لم يقبل قولهما. وقال الحسن بن زياد في كتاب الرهن: قال أبو حنيفة: لو أن رجلًا ارتهن رهنًا على أنه مسلط على بيعه، ثم قال: قد بعته وفي الرهن وفاء، فإن أبا يوسف قال: إذا كان الرهن يساوي أَلفًا وهو رهن بألف، والمرتهن مسلط [على] بيعه فقال: [المرتهن]: قد بعته بألف أو أكثر، فالقول قوله مع يمنه، وإن قال: بعته بتسعمائة لم يقبل قوله، فكأنه ضاع، ولا يرجع على الراهن بالنقصان، إلا أن يجيء ببيّنة أنه باعه، أو يصدقه الراهن أنه باعه. ولو قال: بعته بألف أو أكثر، وقال المرتهن: لم أبعه إلا بتسعمائة، فالقول قول المرتهن مع يمينه، ويرجع على الراهن بالمائة، وهذا على ما قدمنا أن الرهن مضمون، فإذا ادَّعى المرتهن انتقال الضمان إلى الثمن وهو أقل من المضمون، لم يقبل قوله إلا أن يبينه أو يصدقه الراهن. وكذلك لو ادّعى العدل أنه باعه بتسعمائة ولا يعلم ذلك إلا بقوله، وقال الراهن: لم يبعه، لم يكن على العدل إلا تسعمائة مع يمينه، ويصير الرهن كأنه ذهب بما فيه ولا المرتهن على الراهن [إلا] بالمائة [الفاضلة؛ وذلك] لأن العدل مؤتمن، فالقول قوله مع يمينه في براءة نفسه، ولا يقبل قوله في إسقاط الضمان عن بعض ما تعلق به، ولا في إثبات الرجوع على الراهن. وذكر ابن شجاع عن الحسن عن زفر: في رجل رهن متاعًا يساوي مائتين

стр. 3220

بمائة، وسلّط المرتهن على بيعه فاتضع المتاع، فقال المرتهن: بعته بخمسين ومائة، وكَذَّبه الراهن، أن الخمسين والمائة بينهما نصفان. وكذلك إن قال: بعته بمائة أو أقل أو أكثر؛ وذلك لأن نصف الرهن أمانة، فالقول قول المرتهن فيه كالمودع، والنصف الآخر مضمون، فلا يقبل قوله في إسقاط الضمان عن بعض ما تعلق به. وسوّى زفر في ذلك بين أن يصدق الراهن على البيع أو يكذب؛ لأن المرتهن في الوجهين [جميعًا] يدعي بغير الضمان عما وقع عليه القبض، فلا يصدق. وقال في الأصل: في رجل رهن عند رجل عبدًا على مائة وقيمته مائة، وجعل المرتهن وكيله (١) بأن يبيعه عند محل المال، فأقام المرتهن بينة أنه باعه بتسعين وقبضها، وأقام الراهن بينة أنه مات في يد المرتهن، قال: فإني آخذ ببينة المرتهن أنه باعه بتسعين، وكذلك رواه ابن سماعة، عن محمد في نوادره. وقال أبو يوسف في الأمالي: رواية ابن سماعة: البينة بينة الراهن. وجه ما في الأصل: أن الحاصل من بينة الراهن أن المرتهن لم يبع [وبيّنة] المرتهن تثبت البيع، فكان المثبت أولى. لأبي يوسف: أن بينة الراهن تثبت زيادة ضمان بنفيه بينة المرتهن، فهي أولى. وقال ابن رستم، عن محمد: في رجل أسلَم إلى رجل في طعام أو ثياب وأخذ رهنًا بالسلم فيه، فإن أوفاه عند محله وإلا باعه، [فإن باعه] بطعام أو ثياب

стр. 3221

أو غير ذلك جاز عند أبي حنيفة، وقال محمد: يبيع [بالدراهم] (١) والدنانير أو بجنس المُسَلَّم فيه. قال أبو الحسن: فهذا عندي [قياس] قول أبي يوسف. وهذا فرع على اختلافهم في الوكيل بالبيع: عند أبي حنيفة يبيع بالأثمان وغيرها، وعندهما: لا يبيع إلا بالأثمان، إلا أنهما جوّزا هاهنا بجنس المسلم فيه؛ لأن الغرض من البيع إيفاء الدين، فصار البيع بمثل الدين معلومًا بدليل، فإن باعه بغير جنسه من العروض لم يجز على أصلهما. والله أعلم.

стр. 3222

بَابٌ ما يجوز الارتهان به قال أبو الحسن: الرهن جائز بالديون كلها ما كانت ومن أي وجه ثبتت (١). قال: وجملة هذا، أن الرهن لا يخلو [إما] أن يكون بدين أو بعين، فإن كان بدين جاز بكل حال، سواء كان الدين من الأثمان أو [من] غيرها، وبأيّ وجه يثبت من وجوه الضمان؛ لأن الرهن للاستيفاء، والدين يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، فجاز الارتهان به. وأما الأعيان المضمونة فعلى وجهين: ما كان منها مضمونًا بنفسه كالغصوب، جاز الرهن بها، والمضمون بنفسه ما يجب عند هلاكه مثله إن كان له مِثل، وقيمته إن لم يكن له مثل، وإنما جاز الرهن بذلك؛ لأنه مضمون ضمانًا صحيحًا، فأمكن استيفاء المضمون من الرهن [فجاز الرهن] به. وأما الأعيان المضمونة بغيرها فلا يجوز الرهن بها كالمبيع في يد البائع؛ وذلك لأنه لا يجب بهلاكه حق على الضامن يستوفى من الرهن وإنما يبطل بهلاكه البيع ويسقط الثمن، [فعاد] كما ليس بمضمون. فأما الأعيان التي ليست بمضمونة كالودائع والعواري والمضاربات والشركة، فلا يجوز الرهن بها؛ لأن مقتضاها الضمان، فما ليس بمضمون لا يوجد معنى الرهن فيه (٢).

стр. 3223

قال: ويجوز الرهن بالأعيان المتزوج عليها والمخالع بها والمصالح عليها من دم العمد؛ وذلك لأنها مضمونة بأنفسها، ألا ترى أنها إذا هلكت وجب مثلها إن كان لها مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل. وأمّا إذا تزوج على دراهم بعينها وأعطاها بها رهنًا، لم يجز في قول أصحابنا، وقال زفر: يجوز. وهذا فرع على اختلافهم في تعيين الدراهم، فعندنا أنها لا تتعين، وإنما يجب مثلها في الذمة، فقد أخذ رهنًا بما ليس بمضمون، وعند زفر: أنها تتعين كالثياب. قال: فإن هلك الرهن وقد أخذ بشيء من هذه الأعيان المضمونة بأنفسها، فإنه يقال لمن في يده تلك العين: سلّم ما في يدك وخذ من المرتهن الأقل من الدين ومن قيمة الرهن. وذلك لأن الرهن عندنا مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا هلك صار كأنه استوفى ما هو مضمون به. قال: فإن هلكت الأعيان قبل الرهن فالرهن رهن بقيم تلك الأعيان؛ لأنه هو المضمون، فإذا هلك الرهن بعد هلاك الأعيان هلك بالأقل من قيمته ومن قيمة العين التي كان (١) رهنًا بها، وعلى ما قدمنا. قال: وإذا أعطى رهنًا بالمبيع، فالرهن باطل، وإن هلك ذهب بغير شيء. قال: وجملة هذا، أن الرهن على ثلاثة أضرب: رهن جائز: وهو الرهن

стр. 3224

بالديون والأعيان المضمونة بأنفسها، ورهن فاسد: كالرهن بالخمر، ورهن باطل: كالرهن بالودائع والأعيان المضمونة بغيرها. فالصحيح من الرهن يتعلق به الضمان على ما نبيّنه [من بعد]، والفاسد يتعلق به الضمان كما يتعلق بالبيع الفاسد الضمان على ما يتعلق بصحته، والباطل لا يتعلق به الضمان كالبيع بالميتة والدم. وإذا ثبت هذا، قلنا: الرهن بالبيع باطل؛ لأنه ليس في مقابلته حق مضمون بنفسه، ألا ترى أن المبيع إذا هلك سقط ضمانه، ولا يجوز أن يكون رهنًا بالثمن؛ لأن الثمن حق للبائع على المشتري، ولا يجوز [أن يعطي به رهنًا] (١). قال: فإن هلك الرهن في يد المشتري فالبيع على حاله؛ لأن الرهن لم يقع عليه عقد البيع، فهلاكه لا يؤثر فيه، ولو أعطى المؤاجر رهنًا بعيد الإجارة، فالرهن باطل؛ لأنه ليس بمضمون عليه، ألا ترى أنه إذا هلك انفسخت الإجارة، وأما الرهن بالأمانات والودائع والعواري فهو رهن باطل، لا يتعلق به ضمان؛ لأنه ليس في مقابلته حق مضمون، فصار كالبيع بالميتة لما لم يكن في مقابلته عوض. وقد قالوا في قتل العمد: إذا صالح الولي على عبد أو ثوب بعينه ورهن بذلك خطأً رهنًا مقبوضًا جاز، وهذا على ما قدمنا أن البدل مضمون بنفسه، فإن كان القتل خطأً فصالحه من ذلك على عبدٍ أو ثوب أو شيء مما يكال أو يوزن بعينه ثم رهنه بذلك رهنًا مقبوضًا، لم يجز؛ لأن البدل هاهنا غير مضمون بنفسه، ألا ترى أنه مملوك بسبب يلحقه الفسخ، فإذا هلك انفسخ الصلح، فصار كالمبيع. والله أعلم.

стр. 3225

بَاب ما لا يجوز ارتهانه والارتهان به قال أبو الحسن: كل ما لا يجوز بيعه برضا المتعاقدين عليه فلا يجوز رهنه، فلا يجوز رهن حر ولا مُدَبَّر ولا مكاتب ولا أم ولد؛ وذلك لأن الرهن مقبوض للاستيفاء، والدين لا يمكن استيفاؤه من هذه الأعيان، فلم يجز ارتهانها. قال: ولا يجوز أن يرتهن المسلم خمرًا ولا خنزيرًا ولا يرهن، وسواء كان المتعاقدان مسلمين أو أحدهما؛ وذلك لأن الرهن للإيفاء، والمسلم لا [يمكن] (١) أن يوفي دينه من الخمر، والارتهان للاستيفاء، والمسلم لا يمكن أن يستوفي دينه من الخمر (٢)، وإن كان بين المسلم والذمي؛ لأن المسلم إن كان هو المرتهن لم يجز أن يستوفي دينه من الخمر، وإن كان هو الراهن لم يجز أن يوفي بها. إلا أن الراهن إذا كان ذميًا فالخمر مضمونة على المسلم لحق الذمي، كما يضمنها بالغصب، وإن كان المرتهن ذميًا لم يضمنها لحق المسلم، كما لا يضمنها في الغصب. قال: ويجوز ارتهان الخمر والخنزير بين أهل الذمة؛ لأنها مال لهم، فالخمر عندهم كالعصير عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا، وأما رهن الميتة والدم فلا يجوز من ذمي ولا غيره؛ لأنها ليست بمال، ولا يجوز التصرف فيها.
следующие страницы →