← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

أو غير ذلك جاز عند أبي حنيفة، وقال محمد: يبيع [بالدراهم] (١) والدنانير أو بجنس المُسَلَّم فيه. قال أبو الحسن: فهذا عندي [قياس] قول أبي يوسف. وهذا فرع على اختلافهم في الوكيل بالبيع: عند أبي حنيفة يبيع بالأثمان وغيرها، وعندهما: لا يبيع إلا بالأثمان، إلا أنهما جوّزا هاهنا بجنس المسلم فيه؛ لأن الغرض من البيع إيفاء الدين، فصار البيع بمثل الدين معلومًا بدليل، فإن باعه بغير جنسه من العروض لم يجز على أصلهما. والله أعلم.

стр. 3222

بَابٌ ما يجوز الارتهان به قال أبو الحسن: الرهن جائز بالديون كلها ما كانت ومن أي وجه ثبتت (١). قال: وجملة هذا، أن الرهن لا يخلو [إما] أن يكون بدين أو بعين، فإن كان بدين جاز بكل حال، سواء كان الدين من الأثمان أو [من] غيرها، وبأيّ وجه يثبت من وجوه الضمان؛ لأن الرهن للاستيفاء، والدين يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، فجاز الارتهان به. وأما الأعيان المضمونة فعلى وجهين: ما كان منها مضمونًا بنفسه كالغصوب، جاز الرهن بها، والمضمون بنفسه ما يجب عند هلاكه مثله إن كان له مِثل، وقيمته إن لم يكن له مثل، وإنما جاز الرهن بذلك؛ لأنه مضمون ضمانًا صحيحًا، فأمكن استيفاء المضمون من الرهن [فجاز الرهن] به. وأما الأعيان المضمونة بغيرها فلا يجوز الرهن بها كالمبيع في يد البائع؛ وذلك لأنه لا يجب بهلاكه حق على الضامن يستوفى من الرهن وإنما يبطل بهلاكه البيع ويسقط الثمن، [فعاد] كما ليس بمضمون. فأما الأعيان التي ليست بمضمونة كالودائع والعواري والمضاربات والشركة، فلا يجوز الرهن بها؛ لأن مقتضاها الضمان، فما ليس بمضمون لا يوجد معنى الرهن فيه (٢).

стр. 3223

قال: ويجوز الرهن بالأعيان المتزوج عليها والمخالع بها والمصالح عليها من دم العمد؛ وذلك لأنها مضمونة بأنفسها، ألا ترى أنها إذا هلكت وجب مثلها إن كان لها مثل، وقيمتها إن لم يكن لها مثل. وأمّا إذا تزوج على دراهم بعينها وأعطاها بها رهنًا، لم يجز في قول أصحابنا، وقال زفر: يجوز. وهذا فرع على اختلافهم في تعيين الدراهم، فعندنا أنها لا تتعين، وإنما يجب مثلها في الذمة، فقد أخذ رهنًا بما ليس بمضمون، وعند زفر: أنها تتعين كالثياب. قال: فإن هلك الرهن وقد أخذ بشيء من هذه الأعيان المضمونة بأنفسها، فإنه يقال لمن في يده تلك العين: سلّم ما في يدك وخذ من المرتهن الأقل من الدين ومن قيمة الرهن. وذلك لأن الرهن عندنا مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا هلك صار كأنه استوفى ما هو مضمون به. قال: فإن هلكت الأعيان قبل الرهن فالرهن رهن بقيم تلك الأعيان؛ لأنه هو المضمون، فإذا هلك الرهن بعد هلاك الأعيان هلك بالأقل من قيمته ومن قيمة العين التي كان (١) رهنًا بها، وعلى ما قدمنا. قال: وإذا أعطى رهنًا بالمبيع، فالرهن باطل، وإن هلك ذهب بغير شيء. قال: وجملة هذا، أن الرهن على ثلاثة أضرب: رهن جائز: وهو الرهن

стр. 3224

بالديون والأعيان المضمونة بأنفسها، ورهن فاسد: كالرهن بالخمر، ورهن باطل: كالرهن بالودائع والأعيان المضمونة بغيرها. فالصحيح من الرهن يتعلق به الضمان على ما نبيّنه [من بعد]، والفاسد يتعلق به الضمان كما يتعلق بالبيع الفاسد الضمان على ما يتعلق بصحته، والباطل لا يتعلق به الضمان كالبيع بالميتة والدم. وإذا ثبت هذا، قلنا: الرهن بالبيع باطل؛ لأنه ليس في مقابلته حق مضمون بنفسه، ألا ترى أن المبيع إذا هلك سقط ضمانه، ولا يجوز أن يكون رهنًا بالثمن؛ لأن الثمن حق للبائع على المشتري، ولا يجوز [أن يعطي به رهنًا] (١). قال: فإن هلك الرهن في يد المشتري فالبيع على حاله؛ لأن الرهن لم يقع عليه عقد البيع، فهلاكه لا يؤثر فيه، ولو أعطى المؤاجر رهنًا بعيد الإجارة، فالرهن باطل؛ لأنه ليس بمضمون عليه، ألا ترى أنه إذا هلك انفسخت الإجارة، وأما الرهن بالأمانات والودائع والعواري فهو رهن باطل، لا يتعلق به ضمان؛ لأنه ليس في مقابلته حق مضمون، فصار كالبيع بالميتة لما لم يكن في مقابلته عوض. وقد قالوا في قتل العمد: إذا صالح الولي على عبد أو ثوب بعينه ورهن بذلك خطأً رهنًا مقبوضًا جاز، وهذا على ما قدمنا أن البدل مضمون بنفسه، فإن كان القتل خطأً فصالحه من ذلك على عبدٍ أو ثوب أو شيء مما يكال أو يوزن بعينه ثم رهنه بذلك رهنًا مقبوضًا، لم يجز؛ لأن البدل هاهنا غير مضمون بنفسه، ألا ترى أنه مملوك بسبب يلحقه الفسخ، فإذا هلك انفسخ الصلح، فصار كالمبيع. والله أعلم.

стр. 3225

بَاب ما لا يجوز ارتهانه والارتهان به قال أبو الحسن: كل ما لا يجوز بيعه برضا المتعاقدين عليه فلا يجوز رهنه، فلا يجوز رهن حر ولا مُدَبَّر ولا مكاتب ولا أم ولد؛ وذلك لأن الرهن مقبوض للاستيفاء، والدين لا يمكن استيفاؤه من هذه الأعيان، فلم يجز ارتهانها. قال: ولا يجوز أن يرتهن المسلم خمرًا ولا خنزيرًا ولا يرهن، وسواء كان المتعاقدان مسلمين أو أحدهما؛ وذلك لأن الرهن للإيفاء، والمسلم لا [يمكن] (١) أن يوفي دينه من الخمر، والارتهان للاستيفاء، والمسلم لا يمكن أن يستوفي دينه من الخمر (٢)، وإن كان بين المسلم والذمي؛ لأن المسلم إن كان هو المرتهن لم يجز أن يستوفي دينه من الخمر، وإن كان هو الراهن لم يجز أن يوفي بها. إلا أن الراهن إذا كان ذميًا فالخمر مضمونة على المسلم لحق الذمي، كما يضمنها بالغصب، وإن كان المرتهن ذميًا لم يضمنها لحق المسلم، كما لا يضمنها في الغصب. قال: ويجوز ارتهان الخمر والخنزير بين أهل الذمة؛ لأنها مال لهم، فالخمر عندهم كالعصير عندنا، والخنزير عندهم كالشاة عندنا، وأما رهن الميتة والدم فلا يجوز من ذمي ولا غيره؛ لأنها ليست بمال، ولا يجوز التصرف فيها.

стр. 3226

قال: ولا يجوز الرهن بقصاص في نفس أو فيما دونها؛ وذلك لأن الحق لا يمكن استيفاؤه من الرهن، فلا يصح الرهن به، فإن كانت الجنايات خطأ جاز الرهن بأروشها؛ لأنه يمكن استيفاء الأرش من الرهن. ولا يجوز الرهن بالكفالة في النفس؛ وذلك لأن المكفول به ليس بمضمون على الكقيل: ألا ترى أنه إذا هلك لم يلزمه بهلاكه شيء، فلا يصح الرهن به؛ ولأن المضمون هو الإحضار، وذلك لا يمكن استيفاؤه من الرهن. ولا يجوز الرهن بالشفعة؛ لأن المبيع ليس بمضمون على المشتري للشفيع، بدلالة أنه لو هلك لم يلزم المشتري ضمانه، ولا يصح الرهن بالعبد الذي في رقبته الجنايات على بني آدم، وكذلك العبد الذي في ذمته الديون لا يجوز للغريم أن يأخذ بها رهنًا من المولى؛ وذلك لأن الرقبة الجانية ليست بمضمونة على المولى، وكذلك المدينة إذا هلكت لم يلزمه شيء (١). قال: ولا يصح الرهن بضمان الدَّرَك، وكذلك لو قال رجل لآخر: ما بايعت فلانًا فثمنه علَيَّ، فأخذ المقول له من القائل رهنًا بذلك قبل المبايعة لم يجز؛ لأن الضمان في المسألتين غير ثابت في الحال، وإنما هو متعلق بشرط، فلا يجوز الرهن بحق غير مضمون. قال: وكذلك رجل استأجر نائحة أو مغنية، وأعطاها بالأجر رهنًا فضاع في يدها، لم يكن عليها في الرهن ضمان؛ [وذلك] لأن الإجارة لذلك باطلة والأجر غير مضمون، والرهن إذا لم يكن في مقابلته شيء مضمون كان باطلًا.

стр. 3227

قال: ورهن المشاع والثمرة المعلقة بالنخل وما في هذا المعنى مما قدمنا ذكره قبل هذا الباب، فإنه إذا هلك ذهب بغير شيء؛ لأن القبض في هذه المواضع لا يصح، والرهن إنما يتعلق ضمانه بصحة القبض. قال: ومن هذا النوع قال محمد في الجامع الكبير: إذا ادَّعى رجل ألف درهم على رجل [قرضًا]، فجحدها ثم صالحه من ذلك على خمسمائة وأعطاه بها رهنًا يساوي خمسمائة فضاع عنده ثم تصادقا على أن ذلك المال كان باطلًا؛ فإن (١) على الذي هلك الرهن في يده أن يرد على الراهن خمسمائة. وقال بشر عن أبي يوسف في نوادره: في رجل ادعى على رجل دينًا (٢) فرهنه به عبدًا فهلك الرهن ثم تصادقا أنه لم يكن له عليه شيء، قال: لم يضمن الرهن. لأبي يوسف: أنهما إذا تصادقا على بطلان الدين، فقد قبض الرهن وليس هناك دين مضمون فلا يتعلق به ضمان. لمحمد: أنه قبضه بمال (٣) مضمون في الظاهر، فصار كالمقبوض بالدين الثابت. قال: ولو أن رجلًا اشترى من رجل عبدًا بألف درهم وقبض العبد، وأعطى بالألف رهنًا يساوي ألفًا، فهلك الرهن عند المرتهن، ثم قامت البينة أن العبد حر، أو استحق العبد ولم يوجد (٤)، ضمن المرتهن الرهن؛ [وذلك] لأنه قبضه

стр. 3228

على مال مضمون في الظاهر، وهذا على ظاهر رواية الأصل. قال: ولو اشترى مسلم من مسلم خَلًّا بدراهم وأخذ منه رهنًا بالثمن، أو اشترى شاة مذبوحة، وأعطاه بالثمن رهنًا، ثمَّ علم أن [الخل كان خمرًا، وأنَّ] الشاة كانت ميتة، ضمن المرتهن الرهن؛ لأنه قبضه على مال مضمون في الظاهر. ولو قتل عبدًا فأعطى بقيمته رهنًا فضاع، ثم علم أن العبد حر، ضمن المرتهن [الأقلّ] (١) من قيمته ومن قيمة الرهن؛ [وذلك] لأنه قبضه على مال مضمون في الظاهر، وهذا كله على الرواية الظاهرة في الأصول. ويجب على قول أبي يوسف أن لا يضمن؛ لأنه قبضه وليس هناك ضمان في الحقيقة. ولو ادّعى المودع أو المضارب هلاكَ الوديعة أو المضاربة، وادّعى ربها أن المضارب أو المودَع استهلكها، وتصالحا على مال، وأعطاه به رهنًا، فهلك الرهن في يده لم يضمن في قول أبي يوسف الأول، ويضمن في قوله الآخر وهو قول محمد. وهذا فرع على [اختلافهم] (٢) في جواز الصلح بعد ادعاء المودع الهلاك، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الصلح باطل، فقد قبض الرهن وليس هناك [مال] مضمون في الظاهر. وعلى قول محمد: الصلح جائز، والمال ثابت، والرهن مضمون.

стр. 3229

قال ابن سماعة عن محمد في نوادره: في رجل قال لآخر: قد ضمنت لك مالك على فلان إذا حَلَّ، أو قال: إذا حل مالك على فلان فهو لك عَلَيَّ، قال: إذا أخذ كفيلًا بذلك أو رهنًا، فهو جائز. [ولو] قال: إذا قدم فلان فأنا ضامن لمالَكَ عليه، قال: لا يجوز فيه الرهن ويجوز فيه الكفالة؛ لأن ضمان الدين عند حلوله إضافة للضمان إلى سبب وجوب المطالبة، ولذلك تأثير في الدين، فجاز أن يضيف إليه الضمان. وإذا صَحَّ الضمان [بدين] (١) ثابت جاز أن يعطي به رهنًا أو كفيلًا، وليس كذلك إذا أعطى رهنًا بضمان الدَّرَك؛ لأن المضمون لم يوجد، فلم يجز أن يتعلق به الرهن، وأما قدوم فلان فليس بسبب مؤثر في الدين، ألا ترى أن الدين لا يجب بقدومه، ولا يتعلق وجوب المطالبة بذلك، فلم يجز أن يأخذ به رهنًا، ويجوز أن يأخذ به كفيلًا؛ لأن القدوم سبب يستهل به الاستيفاء والمطالبة، فجاز أن تتعلق الكفالة به؛ ولأن الكفالة أوسع من الرهن، بدلالة أن الكفالة يجوز أن تقع بما يجب من الدين في الثاني إذا قال: ما بايعت فلانًا، ولا يجوز أن يتعلق الرهن بذلك. والله أعلم.

стр. 3230

بَاب ما يجب للمرتهن من الحق في الرهن قال أبو الحسن: وإذا ارتهن الرجل من الرجل رهنًا صحيحًا وقبضه، فقد ثبت حق المرتهن فيه، وحقه إمساك الرهن بالدَّين الذي ارتهنه به؛ وذلك لأن الرهن يقصد به الوثيقة، والوثيقة تقع بالإمساك، وكان [ذلك] من حقوقه؛ ولأنه تقف صحته على القبض، فكان استمرار القبض من حقوق القابض، كالهبة. قال: وليس له أن يرتهنه بدين آخر ولا يمسكه به إن كان ذلك على الراهن قبل الرهن أو بعده [دين]؛ لأن الدين إنما يتعلق بالرهن بتعليق الراهن، وهو لم يرض أن يعلق به إلا مقدارًا من الدين سمّاه، فما سوى ذلك فلا يتعلق به، كما لو حصلت العين في يد المرتهن من غير رهن، لم يتعلق دينه (١) بها. قال: فإن قضاه بعض الدَّين الذي رهن به، ثم أراد أن يقبض من الرهن بحساب ما نقد لم يكن (٢) له ذلك، وللمرتهن حبسه بما بقي من الدَّين قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن الرهن محبوس بالدين، فكان محبوسًا بكل جزء منه كالمبيع في يد البائع؛ ولأن الراهن لا يملك تفريق الصفقة على المرتهن في الرهن، وفي أخذ البعض تفريق الصفقة عليه. قال: فإن مات الراهن وعليه دين غير دين المرتهن، فالمرتهن أحق

стр. 3231

[بالرهن] (١) الذي في يده حتى يستوفي دينه الذي به الرهن؛ لأن تعلق حقه به أسبق من تعلق حق الغرماء، ألا ترى أن حق المرتهن يتعلق [بالعين] (٢)، وحق الغرماء ينتقل إلى المال بالموت، فمن سبق حقه إلى المال كان أولى به؛ ولأن فائدة المرتهن في الرهن يكون أخص به من [سائر] الغرماء، فلو شاركه الغرماء بطلت فائدة الرهن. (قال: فإن كان للمرتهن دين آخر ضرب به في مال الميت مع بقية الغرماء) (٣)، وإن فضل من ثمن الرهن شيء عن دينه الذي به الرهن ضُمَّ إلى مال الراهن، وقسم بينه وبين الغرماء بالحصص، وليس له أن يستوفيه من مال الراهن؛ [وذلك] لأن ما فضل عن دين المرتهن لا يتعلق حقه به، فصار بعد استيفائه لدينه كسائر أموال الراهن، فيصرف في ديونه. قال: فإن لم يف ثمن الرهن بدين المرتهن رجع بما بقي من دينه في مال الميت، يضرب به مع الغرماء؛ [وذلك] لأن ما زاد على مقدار الرهن من دين المرتهن دين لا رهن به فساوى الغرماء به في تركة الميت. وكذلك إن كان له دين آخر شاركهم به؛ لأن ذلك الدين غير متعلق بالرهن، فصار كدين لا رهن به، ولا يملك أن يستوفيه من ثمن الرهن؛ لأنه غير متعلق به، فلا يجوز أن ينفرد عن الغرماء بشيء لم يسبق تعلق حقه به. قال: وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن باستخدام ولا سكنى ولا لبس [ثوب]

стр. 3232

ولا ركوب [دابة]؛ وذلك لأنه يتصرف في الرهن [بإذن] (١) المالك، وإنما أذن له [المالك] في الإمساك دون الانتفاع [ولأنَّ] الانتفاع بملك الغير لا يجوز إلا بإذنه. قال: وكذلك ما [نما] (٢) من الرهن من ثمرة أو لبن أو صوفِ أو شَعر أو وَبَر أو ولد لا سبيل للمرتهن على شيء منه غير إمساكه رهنًا مع الأصل؛ لأن نماء الرهن (له (٣) حكم الرهن عندنا، فأكثر أحواله أن يصير كالأصل فلا يجوز له أن يتصرف فيه إلا بما يجوز في الأصل. قال: وليس للمرتهن أن يبيع الرهن في دينه إذا لم يكن الراهن سلَّطه على بيعه، أو أذن له فيه؛ وذلك لأن بيع ملك الغير لا يجوز إلا بوكالة أو ولاية، ولم يوجد واحد منهما، ولأن المرتهن ثبت حقه بعقد الرهن، فكان له أن يتصرف فيما اقتضاه العقد من الإمساك، إلا أن يجعل له الراهن ما زاد على ذلك، وليس له أن يؤاجر ولا يعير؛ وذلك لأنه لا يملك الانتفاع فلا يجوز أن يملكه لغيره. قال: فإن فعل شيئًا من ذلك فسخ ورد إلى يد الراهن رهنًا؛ لأنه عقد باطل، فإذا لم يجزه المالك فسخ، ولا يبطل الرهن بهذا التصرف؛ لأنه تعدٍّ من المرتهن، فإذا فسخ زال فعاد الرهن بحاله كالمودَع إذا تعدى في الوديعة، ثم أزال التعدي. قال: فإن أعاره المرتهن من الراهن أو الراهن من المرتهن، فذلك جائز،

стр. 3233

وقد خرج من ضمان المرتهن ولم يخرج من الراهن، وهو رهن على حاله لكل واحد منهما أن يبطل العارية ويرده إلى الرهن؛ وذلك لأن المنافع على ملك الراهن، وإنما [منع] من استيفائها لحق المرتهن، فإذا أذن المرتهن في ذلك جاز، وإذا أذن الراهن للمرتهن في استيفائها جاز؛ لأنه حق لهما، وقد تراضيا. وأما خروجه من ضمان المرتهن (١) فلأن الراهن إذا استعاره زال قبض الرهن، وهو المعنى الذي تعلق به الضمان، فزواله يوجب زوال الضمان، فإذا استعاره المرتهن فقد خرج من قبض الرهن، وصار في يده عارية، وقبض العارية (٢) لا يوجب الضمان عندنا، وإنما كان لكل واحد منهما أن يبطل العارية؛ لأنها عقد تبرع فلا يتعلق به الاستحقاق، فكان للراهن فسخها، وكذلك المرتهن؛ لأنه قد صار [في الرهن كالمالك] (٣)، وإنما لم يبطل الرهن بزوال قبض المرتهن؛ لأن الاستحقاق تعلق [به] بالقبض الأول، فخروجه من يده لا يوجب بطلان حقه كما لو غصبه غاصب من يده. وقال أبو يوسف في الإملاء: إذا كان الرهن جارية فاستعارها الراهن فولدت في يده كان للمرتهن أن يأخذها وولدها، فيكون رهنًا معها؛ [وذلك] لما بيّنا أن زوال قبض المرتهن لا يمنع من تعلق الاستحقاق بالرقبة، فيسري ذلك إلى الولد. قال: فإن آجره الراهن من المرتهن فقد خرج من الرهن، ولا يعود إلى ذلك أبدًا، [وكذلك إن آجره الراهن من غير المرتهن وأجازه المرتهن، أو آجره

стр. 3234

المرتهن من غيره وأجازه الراهن، جازت الإجارة، وقد خرج من الرهن ولم يعد إلى ذلك أبدًا]؛ لأن الإجارة عقد يتعلق به الاستحقاق، فإذا تراضيا عليه كان إبطالًا للرهن؛ لأنه لا يصح مع بقاء الرهن، فكأنهما تفاسخا؛ ولأن الإجارة عقد يتعلق به الاستيفاء كالرهن. ولو رهنه الراهن فأجازه المرتهن يبطل الرهن الأول، فكذلك إذا آجره، وهذا ينبني على أن الراهن لا يملك أن يؤاجر الرهن إلا برضا المرتهن خلاف ما قاله الشافعي؛ لأن الإجارة عقد يتعلق به استحقاق يد المرتهن كالمبيع؛؛ ولأنه عقد يقصد به الاستيفاء كالبيع. قال: فإن باعه الراهن فأجازه المرتهن، أو باعه المرتهن فأجازه الراهن، خرج العبد من الرهن، وكان الثمن رهنًا مكانه قبض من المشتري أو لم يقبض، وإن توى على المشتري أو توى بعدما قبض، توى من مال المرتهن، وللمرتهن من الحبس في الثمن ما كان له من الحبس في الرهن الذي بيع إلى أن يحل دينه. قال: وهذا على وجهين، إن كان البيع مشروطًا في عقد الرهن، فالثمن رهن؛ لأن البيع من حقوق الرهن، فلم يوجب بطلان الرهن كالإمساك؛ ولأن المرتهن إنما شرط البيع زيادة في التوثق، فلو أبطل ذلك حقه من الثمن زال المقصود من التوثق، فلم يجز، قال الطحاوي في الاختلاف: ولم يحك خلافًا في ذلك. وأما إذا لم يكن مشروطًا فإنه يوجب انتقال الحق إلى الثمن عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن شرط المرتهن في الإجارة أن الثمن رهن فهو رهن، وإلا فقد خرج من الرهن.

стр. 3235

وجه [قولهما] (١): أن السبب الموجب لسقوط الحق عن الرهن هو الموجب للعوض، فانتقل حق المرتهن إليه، كما لو استهلك مُستهلك الرهن، انتقل الحق إلى القيمة؛ ولأن حق المرتهن يتعلق برقبة الرهن، فإذا أجاز البيع انتقل إلى الثمن كالعبد المدبر إذا باعه المولى فأجازه الغرماء. لأبي يوسف: أن الحق تعلق بالرقبة، وقد أسقط حقه عنها بالإجازة، فلم ينتقل إلى البدل إلا بالتراضي، كالعبد الموصى بخدمته إذا باعه الوارث وأجازه الموصى له، فليس كذلك العبد المدين؛ لأن الحق الثابت للغرماء هو البيع، فإذا أجازه لم يسقط [حقهم]، والحق الثابت للمرتهن ليس هو البيع، وإنما هو الإمساك، والبيع ينافي الإمساك، وهذا ليس بصحيح؛ لأن حق الموصى له في المنفعة دون الرقبة، فإذا أجاز البيع لم ينتقل حقه إلى العوض عن الرقبة التي لا حق له فيها؛ ولأنه لو أجاز على أن ينتقل حقه إلى الثمن لم ينتقل، فعلم أن الوصية مخالفة للرهن. وأما قوله: أن الثمن إذا توى كان من ضمان المرتهن؛ فلأنه صار رهنًا، فحكمه حكم الأصل، وإنما جاز أن يكون الثمن في الذمة رهنًا وإن كان لا يجوز رهنه ابتداءً؛ لأن البقاء يجوز فيه ما لا يجوز في الابتداء؛ ولأن المانع في الابتداء أن القبض مشروط، وذلك لا يمكن في الدين والبقاء، يجوز من غير قبض، فليس في الدين أكثر من تعذر القبض. وإذا ثبت أن الثمن صار رهنًا فإن كان الدين حالًا وهو من جنسه استوفاه به؛ لأنه وجد جنس حقه، وإن كان مؤجلًا أمسكه؛ لأن التأجيل حق للراهن فلم

стр. 3236

يجز إسقاطه، فإذا حَلَّ الدين والثمن من جنسه أخذه قصاصًا لما بيّنا، وإن كان من غير جنسه وكان المرتهن مسلطًا على بيعه واستيفاء الدَّين، فله أن يبيع الثمن ويستوفي الدين؛ وذلك لأن الاستيفاء لا يمكن بغير جنس الحق، وهو مأذون في الاستيفاء، فكان له أن يفعل مالا يقع الاستيفاء إلَّا به. قال: وللمرتهن المسلط على البيع أن يبيع بالأثمان والعروض في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يبيع إلا بالأثمان أو بجنس الدين، وقد بيّنا [هذه المسألة] (١)، فإذا ثبت من أصل أبي حنيفة أن بيعه بالعروض جائز، كان له أن [يبيعها؛ لأنه أذن له في البيع والاستيفاء، والإذن عام في البيع بجنس الدين وغيره، فكان له أن يبيعها] (٢)؛ لأنه لا يقدر على الاستيفاء إلا بذلك. قال: وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه إذا كان حالًا، ولا يمنعه الارتهان [به] من ذلك؛ لأنه دين واجب، فجاز له المطالبة به؛ ولأنه يأخذ الرهن ليتوثق من حقه، ويتمكن من استيفائه، فلم يجز أن يكون ذلك مانعًا له من المطالبة. قال: فإن خاصمه إلى الحاكم أوجب عليه دفع الدين، فإن امتنع حبسه به، ولم يمنعه من ذلك كون الرهن في يد المرتهن؛ لأن الرهن إنما يؤخذ للتوثق، فلا يبطل الحق الثابت لصاحب الدين. قال: ويبيع الحاكم الرهنَ في يد المرتهن في قول أبي يوسف ومحمد، ولا يبيعه على قياس قول أبي حنيفة، ولكن الحاكم يحبس الراهن حتى يؤدي الدين

стр. 3237

(أو يبيع من الرهن، فيؤدي دينه) (١). وهذا فرع على اختلافهم في الحجر بالتفليس، فعند أبي حنيفة أن الحاكم لا يبيع مال المفلس، ولكنه يحبسه حتى يبيعه، وعلى قولهما (٢): إذا امتنع من البيع باع عليه الحاكم. والله تعالى أعلم.

стр. 3238

بَاب ضمان الرهن قال أبو الحسن: الرهن محبوس بجميع الدَّين الذي رهن به، كانت قيمته أقلَّ من الدين أو مثله أو أكثر، كائنًا ما كان الرهن، كان عينًا واحدة أو أعيانًا كثيرة، مختلفة في الجنس والقيم أو متفقة؛ وذلك لأن الرهن محبوس للاستيفاء كالمبيع في يد البائع، فكما ثبت للبائع الحبس بالثمن قليلًا كان أو كثيرًا، فكذلك يثبت للمرتهن. قال: وليس للمراهن أن يقبض شيئًا من ذلك حتى يؤدي جميع الدَّين، فإن أدّى بعضًا وأراد أن يقبض بعض الرهن مكان ما أدّى، لم يكن له ذلك إذا كان رهنًا واحدًا بجملة المال؛ لأنه محبوس للاستيفاء كالمبيع، ومعلوم أن المشتري لو نقد بعض الثمن لم يكن له أن يأخذ بعض المبيع، فكذلك الراهن؛ ولأن في ذلك تفريق الصفقة على المرتهن في الحبس، وهذا لا يجوز. قال: فإن رهن أعيانًا في عقد واحد فسمّى لكل عين شيئًا من المال الذي رهنه به، فذلك جائز، فإن [أدّى] (١) ما سمّى لإحدى الأعيان ثم أراد قبضها [بذلك] ففيه اختلاف نفسره في موضعه، وقد ذكره في هذا الباب، وهو أن محمدًا ذكر في الأصل أن الراهن ليس له أن يقبض [بعض] (٢) الرهن، وإن كان قد سمّى له دينًا منفردًا.

стр. 3239

وقال في الزيادات: إذا رهن مائة شاة بألف على أن كل شاة رهنًا بعشرة، فإن أدّى عشرة دراهم فأراد أن يقبض شاة منها فله أن يقبض. وروي أن ابن سماعة، عن محمد مثل رواية الأصل. قال الحاكم: ما ذكره في الأصل قول أبي يوسف، وما ذكره في الزيادات قول محمد. لأبي يوسف: أنه محبوس بعقد واحد، فلم يجز تفريق الصفقة فيه، وإن أفرد كل عين بتسمية كالمبيع في يد البائع. لمحمد: أن الرهن لا يكون بعضه شرطًا في بعض؛ بدلالة أنه لو رهن عنده [عبدين فقتل أحدهما] (١) جازَ، فصار كل عين [من الأعيان] كالمنفردة بالعقد، إلا أنه [إذا سمّى دينًا واحدًا لم يجز تفريق الصفقة فيه، وإذا أفرد كل عين بتسمية فكأنه] (٢) أفردها بالعقد، وليس كذلك البيع (٣)؛ لأن بعضه شرط في بعض، ألا ترى أن المشتري لا يملك القبول في بعض الأعيان دون بعض، فلذلك استوى تفريق الثمن وجمعه. وكان أبو بكر الرازي ينكر ما قاله الحاكم، ويقول: إن ابن سماعة روى عن محمد مثل ما قال في الأصل، فالمسألة على روايتين عن محمد. قال ابن سماعة: وكذلك لو رهنهما جميعًا، فقال: هذا رهن بخمسمائة،

стр. 3240

[وهذا رهن بخمسمائة] فهو رهن واحد لا [يفتك] (١) واحد منهما إلا بأداء جميع المال؛ لأن القبول قبول واحد، فصار العقد واحدًا، كما لو كان الإيجاب جملة. والله أعلم. ٢٣٦٤ - فَصْل [الرهن مضمون بالأقل] قال: والرهن في ذلك مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين الذي رهن به إذا كان الرهن شيئًا واحدًا، فإن كان أشياء متفرقة فكل عين منها مضمونة بالأقل مما بحصتها ومن قيمتها إذا كان الرهن جملة [كان] رهنًا بجميع الدين، فإن كان سمّى لكل عين حصة فكل عين منه مضمونة بالأقل من قيمتها ومما سمّى لها من الحصة. أما الكلام في ضمان الرهن: فعندنا أنه مضمون، وعند الشافعي: هو أمانة، لا يسقط بهلاكه شيء من الدين (٢). لنا: حديث عطاء أن رجلًا رهن فرسًا على عهد رسول الله ﷺ ، فنفق، فذكر المرتهن لرسول الله ﷺ فقال: "ذهب حقك" (٣)، ولا يجوز أن يكون المراد به ذهب حقك في الإمساك؛ لأن ذلك يعلم مشاهدة؛ [ولا حق] (٤) المطالبة برهن آخر؛ لأن ذلك لم يكن حقًّا، فلم يبق إلا أن يكون المراد به ذهب حقك من الدين؛ ولأنه عقد على الرقبة، يختص بمال في مقابلتها، فكان مقتضاه الضمان

стр. 3241

كالبيع، ولأنه عقد يختص بعين من أحد الجنسين، ودين من الأخرى، فاقتضى الضمان كالسَّلَم، ولأنه مقبوض من جهة الاستيفاء، والمقبوض على جهة كالمقبوض على حقيقتها، ألا ترى أن المقبوض على وجه السوم لما قبض على وجه التمليك كان كالمقبوض على حقيقة (١) التمليك في الضمان. وقد اعتبر الشافعي هلاك الرهن بموت الكفيل، وهذا ليس بصحيح؛ لأن التوثق يقع بذمة الكفيل في مقابلة ذمة الغريم، والتوثق بذمة الغريم لا يوجب أن تكون مضمونة [على صاحب الدين] (٢)، فكذلك ذمة الكفيل، والرهن يتوثق في مقابلة الدين، ولو قبض الدين كان مضمونًا عليه؛ كذلك إذا قبض ما يتوثق به منه. ولا يقال: إن قبض المرتهن لو تعلق به الضمان لم يرجع المرتهن على الراهن بما يلزمه من الضمان عند الاستحقاق كما لا يرجع الغاصب؛ وذلك لأن إمساك المرتهن يقع لمنفعته ولمنفعة الراهن، بدلالة أن الدين يسقط عن الراهن بتلف الرهن، فصار كقبض المستأجر، لما كان فيه منفعة للمؤاجر والمستأجر رجع [المستأجر] بالضمان، فأما قبض الغاصب فلا منفعة فيه للمالك؛ لهذا لم يرجع عليه، ولأن قبض المشتري مضمون عليه وإن تعلق به الرجوع بحكم العقد، فكذلك المرتهن [مثله]. والله أعلم. ٢٣٦٥ - فَصل [كيفية الضمان] وأما الكلام في كيفية الضمان، فعندنا أنه مضمون بالأقل من قيمته ومن

стр. 3242

الدين، فإن [كانت] قيمة الرهن ألفين والدين ألفًا فجميع الرهن محبوس بالدين، ونصفه مضمون ونصفه أمانة، وإن كان الدين ألفًا و [قيمة] الرهن خمسمائة، فجميعه رهن بالأقل (١)، وهو مضمون بنصفه، فإن هلك سقط بقدر قيمته [وهذا قول عمر ﵁، وقال عليّ رضوان الله عليه: يترادان الفضل، وقال شريح: الرهن بما فيه]، ولو كان خاتمًا من حديد. فأما الكلام على [عليّ رضوان الله عليه] فلأن الرهن مضمون بما تعلق به من حق الاستيفاء، ولا يجوز أن يستوفي ألفين بألف، فما زاد على قدر الدين لم يوجد فيه معنى الضمان، فلا يضمن. وأما [الكلام] على شريح؛ فلأن الضمان تعلق بالرهن لحق الاستيفاء، ولا يمكن استيفاء الألف من خمسمائة، وإنما يستوفي منها بقدرها، فكان ذلك هو المضمون. ولا يجوز أن يجعل الرهن كالمبيع في أن هلاكه يسقط الثمن وإن كان أكثر من قيمته؛ لأن هلاك المبيع يرفع العقد، فيسقط الثمن لذلك، وهلاك الرهن لا يسقط سبب المداينة، وإنما يصير المرتهن مستوفيًا بهلاكه، فيسقط مقدار ما تعلق به من الاستيفاء. والله تعالى أعلم. ٢٣٦٦ - فَصْل: [ضمان الرهن بالهلاك] قال: وهذا إذا هلك الرهن بغير فعل الراهن أو بفعل من غيره، فإن استهلكه المرتهن، [ضمن قيمة الرهن كله، وإن استهلكه الراهن ضمن قيمته، وكان رهنًا

стр. 3243

في يد المرتهن كما كان الرهن حتى يستوفي الدين، وكذلك إن استهلكه أجنبي ضمن قيمته وكان رهنًا مكانه، أما إذا استهلكه المرتهن]؛ فلأن الاستهلاك غصب، والمغصوب يضمن قيمته بالغة ما بلغت؛ ولأن ما زاد على مقدار الدين أمانة، فإذا استهلكها المرتهن ضمنها كما يضمن المودَع. وأما الراهن إذا استهلك [الرهن]؛ فلأن حق المرتهن [تعلق بعين] الرهن، فصار المالك فيه كالأجنبي؛ فلذلك لزمه الضمان. قال: وهذا عندنا على وجهين: إن كان الدين حالًا طولب الراهن بالدين ولم يطالب بقيمة الرهن؛ لأن الدين قد وجب فلا معنى لمطالبته بالقيمة، وإن كان الدين لم يحل أخذت منه القيمة؛ لأنه أسقط حق المرتهن من الحبس، فلزمه إعادة حقه، ولا يمكن ذلك إلا بضمان الرهن، وقد كان حق المرتهن في الحبس تعلق بالمضمون والأمانة؛ فلذلك ضمنها للراهن. وإذا رهنه عبدين أو ثوبين أو كُرّ طعام وكُرّ شعير ولم يسمّ لكل واحد من ذلك شيئًا من الدين، جعلته رهنًا به، فسبيل ذلك أن يقسم الدين على قيمة تلك الأشياء، فما أصاب كل عبد أو كل ثوب أو كل كر فهو مضمون بالأقل من تلك الحصة ومن قيمة نفسه؛ وذلك لأن الدين لما كان في مقابلة الرهن والضمان منقسم وجب أن ينقسم على المتفقين بالأجزاء، وعلى المختلفين بالقيمة، [كما ينقسم الثمن على المبيع. وأما إذا سمّى لكل واحد منهما حصّة من الدين، لم يعتبر القيمة،] وكان

стр. 3244

كل واحد منهما مضمونًا بالأقل من قيمته ومما سمّى له؛ لأنه جعل في مقابلته مقدار [التسمية] (١)، ولا معتبر بالقيمة كالعين (٢) إذا سمى لكل واحد منهما ثمنًا. وقد تأول أبو الحسن ما رُوي عن عليّ أنه قال: يترادان الفضل، أن ذلك على حال بقاء الرهن إذا استوفى المرتهن أكثر (٣) دينه؛ لأنه روي عن محمد بن الحنفية، عن علي قال: إذا كان الرهن بأكثر مما فيه فهلك فهو بما فيه؛ لأنه أمين في الفضل، وإذا كان أقل مما رهن به رد الراهن الفضل. قال أبو الحسن: وإذا أمكن أن تحملَ الروايتين عنه على الموافقة كان أولى من المخالفة. وتأول ما رُوي عن إبراهيم أنه قال: الرَّهن بما (فيه على أنه محمول على الراهن إذا زادت قيمته؛ لأنه روي عنه أنه قال: يرد الراهن على المرتهن إذا كان فيه فضلًا) (٤)، يعني حال بقاء الدين. وذكر حديث معاوية بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يغلق الرهن" (٥)، وقال: وروي عن مغيرة أنه قال: سألت إبراهيم عن غلق الرهن فقال: يقول إن لم [أفتكّ] (٦) إلى غد فهو لك. قال ابن رستم عن محمد: في رجل في يده ثوب رهن، فقال الراهن: إن لم

стр. 3245

أعطك حقك في كذا وكذا فهو بيع لك بما لك، لا يجوز. وقال في قوله: "لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه" (١) قال: فهو هذا. وروى أبو يوسف بإسناده أن النبي ﷺ قال: "لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه"، قال أبو يوسف: وتفسير هذا عندنا والله أعلم: أن الفضل في قيمة الرهن لرب الدين، ولا يكون مضمونًا ولا يغلق، وإن كان فيه نقصان رجع بالفضل. وقال أبو عبيد: (لا يغلق الرهن): جاء تفسيره عن غير واحد من الفقهاء، فذكر حديث إبراهيم، قال أبو عبيدة: وقد روي عن طاوس نحو هذا، وكذلك عن مالك وسفيان، وتأول الشافعي الخبر [لحديث] عَلِيّ رضوان الله عليه: أنه إذا هلك رجع المرتهن بدينه. قال أبو الحسن: وهذا مذهب ليس عليه أهل العلم، ولا يجوز في كلام العرب أن يقال: إذا ضاع فقد غلق، وإنما يقال: قد غلق إذا استحقه المرتهن، فذهب به، وهذا كان من أفعال أهل الجاهلية، فردّه رسول الله ﷺ وأبطله بقوله: "لا يغلق الرهن"، وأنشد: وفارقتك برهن لا فكاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا (٢) يعني أنها ارتهنت قلبه فمضت به، فأي تضييع هاهنا.

стр. 3246

قال أبو عبيدة: وأما الحديث الآخر في الرهن: "له غنمه وعليه غرمه" (١)، فمعناه الأول، لا يفترقان يقول: يرجع الرهن إلى ربه، فيكون غنمه له، ويَرجع رب الحق عليه بحقه، فيكون غرمه عليه، ويكون شرطهما الذي شرطا باطلًا. وهذا كله معناه إذا كان الرهن قائمًا بعينه ولم يضع، فإذا ضاع فحكمه غير هذا، وهذا صحيح؛ لأن قوله: (الرهن من راهنه)، يقتضي بقاء الرهن، فإذا هلك لم يكن رهنًا في الحقيقة، وإنما يقال: كان رهنًا في حكم اللفظ أن يحمل على حقيقته. والله تعالى أعلم.

стр. 3247

بَابْ: نفقة الرهن قال أبو الحسن: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والحسن، ولا أعلم عن زفر خلافًا: أن الرهن إذا كان حيوانًا فنفقته في مأكله ومشربه على الراهن، وكذلك كسوة الرقيق، وكذلك إن كانت أمة فولدت فأجر الظئر على الراهن، حكاه الحسن. وكذلك إذا كان الرهن بستانًا فيه شجر ونخل وكرم، وليس فيه ثمرة وهو مما يثمر فسقيه وتلقيح نخله وجُذاذه والقيام بمصالحه على الراهن، وسواء كان في الرهن فضل على الدين أو لم يكن، فذلك كله على الراهن دون المرتهن؛ لأنه ملكه ما كان مضمونًا وما لم يكن. وأما الحفظ في جميع ذلك (١) فهو على المرتهن، ما كان مضمونًا منه وما لم يكن؛ لأن له حبس ذلك كله. وكذلك إن احتيج إلى استئجار من يحفظه، فعلى المرتهن أن يستأجر من يحفظه، وكذلك المأوى للغنم والبقر على المرتهن دون الراهن. قال: وهذا عندنا على وجهين: كل نفقة كانت لمصلحة الرهن وتبقيته فهي على الراهن، وكل ما كان لحفظه أو لرده إلى يد المرتهن أو لرد جزء منه (فات بحادث) (٢) فهو على المرتهن.

стр. 3248

وإنما قلنا: إن النفقة في المأكل والمشرب والكسوة على الراهن؛ لأن العين على ملكه ومنافعها [مملوكة له] (١)، فكانت نفقتها عليه كالوديعة؛ ولأنه هو الموجب لهذا الحق في ملكه، فكانت النفقة عليه كالمؤاجر، وليس هذا كالعبد الموصى بخدمته أن النفقة على الموصى له؛ لأن الوارث لم يوجب هذا الحق في ملكه، ولأن الموصى له أحق بمنافع [هذه] العين من مالكها من غير منفعة سلمت للمالك، فكانت النفقة عليه كما يكون على المالك. وعلى هذا: أجر الراعي لأنه يحتاج إليه لعلف الحيوان، فهو كالطعام والشراب، وأما أجرة الحافظ فعلى المرتهن؛ لأن الإمساك من حقوقه، فوجب أن يكون عوضه عليه، وكذلك أجرة المسكن الذي يحفظه فيه في الرواية المشهورة؛ لأن الحفظ والإمساك حق له، فكان ما يلزم فيه من الغرم عليه. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في الراهن والمرتهن إذا اختلفا في مأوى البقر والغنم والدوابّ الذي تأوي إليه، فإن كان عند المرتهن سعة فهو في منزله،، وإن أبى ذلك تكارا، وكان الكِراء على الراهن. ووجه ذلك: أن من لزمه نفقة الحيوان في مأكله، لزمه (٢) في حفظه وأجرة موضعه كالمودع، وأما ما يلزم لرد العين إلى يد المرتهن فهو جعل الآبق، وذلك لازم للمرتهن إذا كانت قيمة الرهن والدين سواء. وإن كانت قيمة الرهن أكثر، كان على المرتهن بقدر المضمون، وعلى الراهن بقدر الأمانة؛ وذلك لأن الجعل إنما يجب بإعارة يد المرتهن، وذلك حق

стр. 3249

له، فكان عليه، فأما حصة الأمانة فهو فيها كالمودع فيكون على مالكه، وليس هذا كأجرة المسكن أن جميعها على المرتهن وإن كان في الرهن فضل، فإنها تلزم لأجل الحبس الذي هو حقه، وحقه في حبس الأمانة كحقه في حبس المضمون. وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف: أن الجعل في رقبة العبد [إن أدّاه] الراهن حسب قضاء من دين المرتهن، وإن أدّاه المرتهن فإنما أصلح رهنه؛ ودينه على حاله ثابت، وهذا إذا كانت القيمة والدين سواء فجعل حاصل الضمان في الجعل على المرتهن، إلا أنه عَلَّقه برقبة العبد؛ لأنه وجب بسبب من جهته وهو الإباق، فصار كالجناية. وأما النفقة التي تجب لرد جزء من العين فهي مداواة الجِراحة بالحيوان والقروح ومعالجة الأمراض، فمن حكمها أن تنقسم، فما كان في حصة المضمون فعلى المرتهن، وما أصاب الأمانة فعلى الراهن؛ وذلك لأن المرتهن يصلح بالنفقة حقه، ألا ترى أن ما يفوت من الرهن يذهب من دينه، فإذا عاد سَلَّم له الدين بكماله، وإذا كان في ذلك إصلاح حقه كان عليه، فأمّا حصة الأمانة، فالمرتهن فيها كالمودع، فيكون على المالك. قال أبو الحسن: وما نما من الرهن من ولد أو لبن أو صوف أو شعر أو وبر أو ثمر فهو رهن كله مع الأصل، والكلام في [هذه المسألة] يأتي في الباب الثاني. قال: فإن أراد الراهن أن يجعل النفقة التي ذكرنا أنها عليه فيما نما من الرهن فليس له ذلك، وللمرتهن أن يمسك جميع ذلك؛ [وذلك] لأن النماء داخل في الرهن، فلا يجوز للراهن أن يجعل النفقة فيه كما لا يجوز له أن يجعلها في نفس الرهن.

стр. 3250

قال: ويبيع ما يخاف فساده من ذلك بإذن الحاكم، ويمسك الثمن مع جميع الثمار هنا في يده، وتكون النفقة على الراهن في ماله خاصة؛ وذلك لأن الثمر إذا لم يمكن تبقيته -والمرتهن مأمور بحفظه- لم يقدر على حفظه إلا بالبيع، ويبيع بأمر الحاكم؛ لأن الراهن لا يقدر على البيع، فولى الحاكم فيه كما يلي على مال الغائب. قال: فإن باع المرتهن شيئًا من ذلك بغير أمر القاضي ضمن، وذلك لأنه باع ملك الغير بغير أمره ولا ولاية له عليه. قال: والخَرَاج على الراهن خاصة؛ لأنه مؤنة تلزم المالك لأجل ملكه، فصارت كالنفقة. قال: والعُشْرُ فى الغَلَّة فيما يخرج من الزرع والثمر، يأخذ ذلك الإمام، ويكون ما بقي رهنًا على حاله، ولا يفسد ذلك الرهن؛ لأن العشر يتعلق وجوبه بالعين، فقدم على حق المرتهن كحق المستحق، وإنما لا يبطل الرهن في الباقي؛ لأن وجوب العُشْر لا يمنع من ملك الراهن في مقدار العشر، ألا ترى أنه لو باع جاز بيعه، ولو أعطى من غيره جاز، فلم يؤد ذلك إلى الإشاعة في الأصل، وجرى مجرى انتقال الملك بسبب طارئ، وليس كذلك الاستحقاق؛ [لأنا نتبيّن به] (١) عدم الملك في الأصل. قال: والفداء من الجناية والدين الذي يلحق الرهن كجعل الآبق؛ وذلك لأن جناية المضمون في يد الضامن تجري مجرى جناية الضامن [عليه]، فيكون ماله، وأما جناية الأمانة فهي كجناية الوديعة، فيكون على الراهن.

стр. 3251

قال أبو يوسف: وإن لم يفد في الجعل ولا في الدين بعته وقضيت الجعل والدين، وما بقي من ثمنه فهو رهن؛ لأن البيع بالدين مستحق، وما فضل عن مقدار الدين فكأنه لم يتعلق [به شيء] (١) في الأصل، فيعود إلى الرهن. قال: وكل ما وجب على الراهن ففعله المرتهن فأداه بغير إذن الراهن فهو متطوع؛ وكذلك ما وجب على المرتهن فأدّاه الراهن بغير إذنه فهو متطوع؛ لأنه قضي دين غيره بغير إذنه. وقال: وإن أنفق المرتهن النفقة التي تجب على الراهن بقضاء قاضٍ رجع بها، وكذلك الراهن إذا أخرج من ماله ما يجب على المرتهن بأمر قاض رجع به؛ وذلك لأن القاضي له ولاية على كل واحد منهما، فإذا امتنع من الإنفاق [أَضَرّ بالآخر] (٢)، فجاز للقاضي أن يأذن ويجعل ذلك دينًا عليه. (قال: وكذلك إن أمر كل واحد منهما، فإذا امتنع من الإنفاق، فأمر الآخر بالإنفاق، فجاز للقاضي أن يأذن ويجعل ذلك دينًا) (٣). قال: وكذلك إن أمر كل واحد منهما صاحبه أن يدفع ما وجب عليه، كان جائزًا ويلزم الآمر ما فعله الآخر؛ لأنه إذا أذن صار الآخر وكيله في الإنفاق، فيرجع عليه بحكم الوكالة. قال ابن شجاع: أخبرني الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: إذا كان الراهن غائبًا فأنفق المرتهن بقضاء قاض رجع عليه، وإذا كان

стр. 3252

حاضرًا لم يرجع عليه. وقال أبو يوسف فيهما جميعًا: يرجع [سواءً كان حاضرًا أو غائبًا. قال:] وهذا فرع على اختلافهم في الحجر، فعند أبي حنيفة: [أن الحاكم لا يلي على الحاضر] (١)، فيجبره على النفقة، فإذا أذن للآخر لم يصر دينًا عليه؛ لأنه كان يقدر على إيفاء حقه بإلزام من عليه الحق، فإذا كان غائبًا تعذر الحكم عليه، ولذلك ولي عليه في الإذن. وعلى قول أبي يوسف: القاضي يلي عليه عند الامتناع مع الحضور، فإذا أذن صار ذلك دينًا.

стр. 3253

بَابٌ آخَر قال أبو الحسن: وإذا رهن رجلان رجلًا بدين عليهما رهنًا واحدًا، وهو عبد أو عبدان والدين عليهما في صفقة واحدة، أو [كان] على كل واحد منهما دين على حدة، فذلك جائز، فإن أدى أحدهما ما عليه، لم يكن له أن يقبض من الرهن شيئًا، وللمرتهن أن يمسك بجميع الرهن حتى يستوفي جميع الدين؛ وذلك لأن رهن الاثنين من الواحد يحصل القبض [فيه] من غير إشاعة، فصار كرهن الواحد من الواحد، ولا معتبر باختلاف الدين واتفاقه، وإنما المعتبر بإنفاق صفقة الرهن، [ولو رهن بدين واحد عينًا في صفقتين لم يجز؛ لاختلاف] (١) صفقة الرهن، فَدَلَّ على أن اختلاف صفقة الدين لا يؤثر. فأما إذا أدّى أحدهما فليس له أن يأخذ نصيبه؛ لأن في ذلك تفريق الصفقة على المرتهن في الإمساك، وهذا لا يجوز، كما لو كان الراهن واحدًا. قال: وكذلك لو ارتهن رجلان من رجل رهنًا بدين لهما عليه هما فيه شريكان، أو لكل واحد منهما دين عليه لا شركة لصاحبه فيه، فإن الرهن أيضًا جائز؛ وذلك لأن المقصود بالرهن الوثيقة، ويمكن أن يجعل الرهن جميعه وثيقة لهذا، وجميعه وثيقة لهذا، فلا يؤدي ذلك إلى الإشاعة، فيصح الرهن. وليس هذا كهبة الواحد من الاثنين عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود بالهبة الملك، ويستحيل أن يكون جميع العين ملكًا لهذا؛ ولهذا فلابد أن يكون كل

стр. 3254

واحد منهما مالكًا للنصف، فيحصل قبضه في مشاع، فلا تصح الهبة. قال: فإن أدّى الراهن إلى أحد المرتهنين ما له عليه، وأراد أن يقبض بعض الرهن فليس له ذلك، وللمرتهن الآخر أن يمسك جميع الرهن حتى يستوفي ما له على الراهن؛ لما بيّنا أن العين رهن عند كل واحد منهما، فإذا استوفى أحدهما بقيت العين رهنًا عند الآخر بحالها، وعلى هذا حبس المبيع إذا اشترى الاثنان من الواحد، فأدّى أحدهما حصته من الثمن، كان للبائع أن يحبس المبيع بنصيب الآخر، وإذا اشترى الواحد من الاثنين فأدّى إلى أحدهما لم يكن له أن يقبض نصيبه.

стр. 3255

بَابْ: الرهن يكون منه النماء قال أبو الحسن: إذا رهن الرجل حيوانًا، أو رقيقًا، أو أرضًا فيها شجر، أو كرم، أو نخل، فحدث من الحيوان أو الرقيق ولد أو لبن أو صوف أو وَبَر أو شَعْر، فذلك كله رهن مع الأصل، للمرتهن حبسه حتى يستوفي جميع دينه، ولا سبيل للراهن عليه قبل ذلك، والنماء ليس بمضمون على المرتهن، والأصل هو المضمون، وإن تلف النماء في يد المرتهن ذهب بغير شيء، والرهن على حاله بجميع الدين. وقال الشافعي: النماء المنفصل لا يدخل في الرهن، وللراهن أخذه والانتفاع به. لنا: أن حق المرتهن مستقر في [الرقبة] (١)، بدلالة أنه ينتقل إلى القيمة، ويثبت للوارث، والحقوق المستقرة في الرقاب (٢) تسري إلى النماء منها كحق الملك والاستيلاد. وليس كذلك ولد المستأجرة؛ لأن الحق لا يتعلق بالرقبة، وإنما يتعلق بالمنفعة، وليس كذلك الموصى بخدمتها؛ لأن الحق فيها ليس بمستقر، ألا ترى أنه لا ينتقل إلى الوارث، ولا ينتقل إلى القيمة في الحقيقة أيضًا؛ لأنهم قالوا: لو جنى عليها جناية لا توجب نقصان منفعتها أخذ الورثة أرشها، ولم يثبت للموصى

стр. 3256

له فيه حق. وإنما قالوا: ينتقل الحق إلى القيمة إذا قتلت أو نقصت المنافع بالجناية؛ لأن حقه في خدمتها تعلقت بالتركة، فصار كما إذا أوصى له بخدمة عبد مطلق، وليس هذا كولد [الجارية] (١)؛ لأن الحق ليس بمستقر في رقبتها، بدلالة أن للمالك أن ينقله إلى ذمته ويتصرف فيها. وأما قوله: إن النماء ليس بمضمون على المرتهن؛ فلأنه دخل في العقد على طريق التبع، فلا يسقط بهلاكه شيء، كولد المبيعة. قال: ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم وقع [العقد] عليه وعلى ما نما منه يوم يفتك، هذه حقيقة القسمة، فما وقع من القسمة قبل ذلك فإنما هو على الظاهر إلى أن ينظر ما تؤول إليه قيمة النماء يوم الفكاك، وإنما اعتبر في [القسمة بقيمة] (٢) الرهن يوم القبض؛ لأنه دخل في ضمانه بالقبض، فتعتبر قيمته عند القبض كالغصب، والمقبوض على سوم البيع، فأمّا النماء [فإنما يتبيّن] (٣) حصته من الضمان بالفكاك، ألا ترى أنه لو هلك قبل ذلك هلك بغير شيء، فاعتبرت قيمته حين حصلت له الحصة. وهذا كما قالوا في نماء المبيع، أن الثمن ينقسم على قيمة المبيع يوم البيع؛ لأنه صار مضمونًا بالعقد، وعلى قيمة النماء يوم القبض؛ لأنه يدخل في ضمان المشتري بالقبض.

стр. 3257

فأما قوله: وما وقع من القسمة قبل ذلك فإنما هو على الظاهر، فإنما يريد به أن المرهونة إذا كانت قيمتها ألف درهم وهي رهن بألف، فولدت ولدًا قيمته ألف، فالدين ينقسم في الظاهر نصفين، ويجوز أن تزيد قيمة الولد أو تنقص، فتتغير هذه القسمة (١) ولا يتغير نقصان قيمة الرهن من سعر ولا بدن ولا زيادة؛ وذلك لأن المعتبر بقيمته يوم القبض، فما حدث بعد ذلك لا [يغير] (٢) الضمان. وأما الولد فإنما تعتبر قيمته يوم الفكاك، فلذلك تغير حكمه بالزيادة والنقصان. قال: ويعتبر ذلك: رجل رهن رجلًا أمةً قيمتها ألف درهم بألف ردهم، فولدت ولدًا يساوي ألفًا، فالدين الآن في الظاهر نصفان، نصف فيها ونصف في ولدها، وهذا على ما بيّنا. قال: فإن مات الولد ذهب بغير شيء، وكانت الأم رهنًا بجميع الدين؛ لما بيّنا أن الولد دخل على طريق التبع، فلا يسقط بهلاكه شيء، فصار بعد الهلاك كأنّه لم يكن. قال: فإن [ماتت] (٣) بعد موت الولد ذهبت بجميع الدين، وإن ماتت قبل الولد ذهبت بنصف الدين، وافتك الراهن الولدَ بنصف الدين؛ [وذلك] لأنها إذا ماتت بعد موت الولد، فكأن الولد لم يكن، فيسقط الدين بهلاك الأم، وإن ماتت قبله فقد صار للولد حصة بالفكاك فيسقط من الدين بقدر قيمة الأم وهو النصف.

стр. 3258

قال: فإن لم يفكه الراهن حتى مات بعد أمه [فقد] ذهب بغير شيء، وصار كأنّه لم يكن، وذهبت الأم بجميع الدين؛ [وذلك] لما بيّنا أنه لا حصة للولد قبل الفكاك، فإذا مات فكأن لم يكن، فيحكم بأن الأم هلكت بالدين. قال: فإن لم يمت واحد منهما حتى جاء الراهن يفتك الرهن، وقد نقصت قيمة الأم في السعر أو في البدن، فصارت تساوي خمسمائة، أو زادت فصارت تساوي ألفين وقيمة الولد على حالها، فالولد بنصف الدين على ما كان، والأم بنصفه، ولا يلتفت إلى زيادة قيمة الأم بالشعر ولا غيره؛ وهذا لما بيّنا أن قيمة الأم تعتبر يوم القبض، فما حدث بعد ذلك فلا يعتبر. قال: فإن كانت الأم على حالها الأولى أو على حالها في نقصان السعر وزيادته، وجاء الراهن يفتك قيمة الولد يومئذٍ خمسمائة لنقصان في السعر أو لعيب دخله في بدنه، عور أو شلل أو مرض: فإن [قيمته في] (١) الدين الثلث، وفي الأم الثلثان؛ وهذا على ما بيّنا أن قيمة الولد تعتبر يوم الفكاك، فإذا كانت خمسمائة [وقيمة] الأم يوم القبض ألف، انقسم الدين على ذلك، فكان أثلاثًا، ولم يعتبر الاختلاف في غيرها بين الحالتين. قال: وإن كانت قيمته زائدة يوم الفكاك، فصارت ألفين بسعر وبدن، كان في الولد ثلثا الدين، وفي الأم الثلث؛ ذلك لأن الاعتبار في الولد بحال الفكاك، فإذا كانت قيمته ألفين وقيمة الأم يوم القبض ألفًا ففي الولد الثلثان، وفي الأم الثلث. قال: فإن كانت الأم لما ولدت الولد وقيمته مثل قيمتها، اعورت بعد الولادة أو كانت اعورت قبلها، ذهب من الدين بعَوَرها [ربعه] وقيمته مائتان

стр. 3259

وخمسون؛ [وذلك] لأن قيمة الولد لما ساوت قيمتها انقسم الدين فيهما نصفين، والعين منها النصف، فذهب نصف ما فيها، وهو ربع الدين. وإنما استوى في العور أن يكون قبل الولادة أو بعدها؛ لأن نقصان الرهن يوجب الاستيفاء، [والاستيفاء] الفسخ إذا وقع بمباشرة، كمن قبض دينه فوجده زيوفًا فرده، فكذلك الاستيفاء إذا وقع (١) من طريق الحكم يجوز أن يلحقه الفسخ. فإذا كان كذلك فالاعورار قبل الولادة كالاعورار بعدها [سواء]؛ لأن ما يتعلق [به من] الاستيفاء يجوز أن [يتغير] (٢) بحدوث الولادة، وليس هذا كالمبيعة؛ لأنهم قالوا: إذا باع جارية بألف تساوي ألفًا فاعورت ثم ولدت ولدًا يساوي ألفًا، فإن الولد بثلث الألف، والأم بسدسها؛ [وذلك] لأنه سقط بالعور نصف الثمن، فلما ولدت ولدًا قيمته ألفًا انقسم ما بقي بينهما أثلاثًا. ولو كانت ولدت ولدًا ثم اعورت وذهب بالعور ربع [الثمن] (٣)؛ لأن ما فيها انقسم بينها وبين ولدها، فذهب بعورها نصف ما فيها (٤). وإنما [فارق] (٥) البيع الرهن إن كان العور قبل الولادة؛ لأن العور ينفسخ فيه البيع، وما انفسخ في البيع لا يعود بعد ذلك؛ فلهذا لم يتغير حكمه بالولادة، وهلاك الرهن يقع به الاستيفاء، وذلك يجوز أن يتغير.

стр. 3260

قال: فإن مات الولد وقد اعورت الأم قبل الولادة أو بعدها ذهب نصف الدين؛ لأن الولد صار كأن لم يكن، فيبقى جميع الدين في الأم، فيسقط بعورها نصفه. قال: فإن اعور الولد لم يذهب بعوره شيء؛ لأنه لو هلك لم يسقط بهلاكه شيء، فكذلك بنقصانه، إلا أن ثلث الدين في الظاهر في الولد؛ لأن قيمته نصف قيمة الأم. قال: فإن كانت قد اعورت قبل الولادة أو بعدها أو قبل اعورار الولد أو بعده ذهب باعورارها أيضًا ثلث الدين؛ لأن قيمتها يوم العقد ألف، وقيمة الولد يوم يفتك وهو أعور خمسمائة، ففيها ثلثا الدين، فلما اعورت ذهب نصف ذلك، وهذا ثلث الدين، فيفتكها وولدها بثلثي الدين. قال: وإن ولدت الأمة الرهن ولدين، أو ثلاثة معًا أو واحدهم بعد الآخر، فالقسمة على قيمتها (١) يوم العقد وعلى قيمتهم يوم الفكاك، [وهم] والولد الواحد سواء؛ لأنهم نماء منها، فحكم الجماعة حكم (٢) الواحد [سواء]. فإن ولدت الأمة ولدًا ثم ولدت الولد ولدًا، فكأنهما في الحكم ولدان [للأولى] (٣)، يقسم الدين على ذلك، ولا يقسم على الجدة، وعلى الولد الأول، ثم يقسم ما في الولد الأول عليه وعلى ولده؛ وذلك لأن الولد ليس بمضمون فيتبعه ولده في حكمه، وإنما الأم هي المضمونة، فولد [ها وولد] ولدها تابع لها.
следующие страницы →